← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

فإنَّ الدِّرهم ونحوه لا يُسمَّى مالًا، ثم هو عندنا لا يكون أقلَّ من عشرة دراهم (١)، وتسمية ما دون العشرة يوجبُ تكميلَ العشرةِ (٢)، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : "لا مهرَ أقلُّ مِنْ عشرةٍ" (٣). قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أي: أعفَّاءَ، وهو نصبٌ على الحال؛ أي: مرِيدينَ التَّعفُّف. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾؛ أي: غيرَ زانِين. والسِّفاحُ: الزِّنى، والسَّفحُ: الصَّبُّ، وسفحُ الجبل: أسفله؛ لأنَّه مصبُّ الماء، وقد سافحَ؛ أي: زَنَى وصبَّ الماءَ باطلًا، وهذا المعنى موجودٌ في الصبِّ (٤) بالنِّكَاح، لكن في معانٍ أُخر: مِن إقامة السُّنَّة، وتكثير عباد اللَّه الصَّالحين، وغيرهما، فلمْ يُسمَّ سفاحًا، أما هاهنا فليس فيه إلَّا قضاءُ الشَّهوة وصبُّ الماء، فسُمِّيَ به (٥). قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾: أي: فأيَّ تمتعٍ وجدتم منهنَّ بالنِّكاح.

стр. 2137

قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: أي: مهورهنَّ، وهو كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]، وقوله تعالى: لآإِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. والأجرُ بدلُ منافع العين في الإجارر، وبدلُ منافعِ البُضع في النِّكاح. قوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: مقدَّرًا، وهو نصبٌ على الحال لقوله ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]. قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: أي: منَ الزِّيادة في المهرِ على المسمَّى بعد التَّسمية عند العقد، ودلَّ ذلك على جواز الزِّيادة في المهر في النِّكاح والثَّمن في المبيع (١). وهو حجَّةٌ لنا على الشَّافعيِّ ﵀، وهو يحمل هذا على الحَطِّ والإبراءِ والهِبةِ. لكنَّا نقول: ذلك يصحُّ برضاها وحدها، فلا معنى لاشتراط التَّراضي وهو من الجانبَيْن؛ لأنَّ التَّفاعلَ بين اثنين، ولَمَّا ذكر التَّراضيَ عُلِمَ أنَّه أرادَ به الزِّيادة في المهر التي (٢) تصحُّ بتراضيهما جميعًا. وحُكي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه كان يحمِل هذا على المتعة، وكان (٣) يقرؤها: (فما استمتعتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمَّى) ويقولُ: هكذا نزلَتْ (٤).

стр. 2138

قال: وقوله ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: ما سمَّيْتُم لهنَّ عند المتعة، أوجبَ أداءَ المال بعد الاستمتاعِ، وفي النِّكاح يؤدَّى أوَّلًا ثم يُستمتَع، وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾؛ أي: إن زدتم في المدة أو في البدل (١) بعد المواضَعة الأولى على أقلَّ من ذلك فلا إثمَ عليكم فيهِ.

стр. 2139

لكنَّا نقول: هذا في النِّكاح المطلق، ويدلُّ عليه ما قبلَه وما بعدَه؛ فأمَّا قولُه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾؛ أي: أردتم الاستمتاع به، كما في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، و: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، و: ﴿إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]. وقال بعضُهم: كانت الآية في المتعةِ، لكنَّها (١) أُحلَّتْ ثلاثةَ أيَّامٍ ثمَّ نُسخَتْ، ورويَ أنَّ الصَّحابة ﵃ اشتدَّتْ بهم العزوبةُ في غزوةٍ، فاشتكوا ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأباحَ لهم المتعةَ، ثم نهاهم عنها بعد أيَّامٍ (٢). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّه قال عند موته: اللَّهمَّ إنِّي أتوُب إليك من قولي في المتعةِ والصَّرف (٣). وعن ابن مسعودٍ ﵁ قال: لَمَّا كان يوم حنين وهزمَ اللَّهُ تعالى فيه (٤) المشركين اجتمعَ جمعُهم بأوطاسٍ، وطلبهم خيلُ رسول اللَّه ﷺ فأدركوهم بأوطاسٍ، فقاتلوهم فهزموهم (٥)، وسبَوا نساء العرب، فقالوا: ما تحلُّ لنا هذه النِّساء، ما فارقوا أزواجَهم بطلاقٍ ولا قُتلوا في المعركة، فأنزل اللَّه تعالى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٦).

стр. 2140

قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ فيما حرَّم وأحلَّ، ﴿حَكِيمًا﴾ وضَعَ كلَّ شيءٍ موضعُه (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾: مرَّ تفسيرُه (٢). * * * (٢٥) - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: أي: ومَن لم يقدرْ منكم على فضلِ مالٍ. قوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: الحرائرَ المسلمات، و ﴿أَنْ يَنْكِحَ﴾ ترجمة عن ﴿طَوْلًا﴾، أو معناه: لِأَنْ ينكح. ومعناه: فمَن لم يجد ما يتزوَّج به الحرَّة المسلمة، كما يقولُ الرَّجلُ: لا أستطيع أن أحجَ؛ أي: لا أجد ما أحجُّ به. وقيل: هو من قول الرَّجل: يدي تطول لي هذا (٣) الشَّيء؛ أي: تناله، و: يدي مبسوطة على كذا، في معناه.

стр. 2141

قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: أي: فلْيَنكِحْ (١) مملوكةً من الإماء المسلمات. والفتاةُ (٢) أصلُها: الشَّابَّة، والفتاء بالمد: الشَّباب، والفتى: الشَّابُّ. والأَمَةُ تُسمَّى فتاة، والعبدُ يُسمَّى فتًى، وإنْ كانا كبيرين في السِّنِّ؛ لأنَّهما لا يوقَّران لرقِّهما (٣) توقيرَ الكبار الأحرار (٤)، ويعاملان معاملة الصِّغار. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾: شَرَطَ إيمانَها، ثم أعلمَ أنَّ الحكمَ مبنيٌّ على ظاهر حالها دون باطن أمرها؛ فإنَّه لا يعلمُه إلَّا اللَّه تعالى، وهو كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآية [الممتحنة: ١٠]. قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: أي: إذا جمعكم الإيمان لم تختلفوا في أحكامه، فيكون ذلك أدعَى إلى تأكيد الأُلفة بينهما، والتَّعاونِ منهما على (٥) أمور الدِّين. وقيل: إنَّ النِّكاح يراد به الألفةُ والسَّكن، فإذا اتَّفقا في الدِّين كان أقربَ إلى أن يتآلَفا. وقيل: أي: الاتِّفاق في الدِّين كالاتِّفاق في النَّسب، فلا يُزْري بالحرِّ رقُّ منكوحتِه. قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: أي: مواليهنَّ (٦)، ودلَّ أنَّ النِّكاح ينعقد بعبارة الأَمَة العاقلة، وينفذ (٧) إذا كان بإذنِ مَولَاها.

стр. 2142

قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي: أعطوهنَّ مهورهنَّ على وفقِ الشَّرع، ولهنَّ قبضُ ذلك بإذن مواليهِنَّ، وقد ذكر الإذنَ في الأوَّلِ، فكان ذكرًا في الثَّاني؛ لأنَّ الحادثة واحدة، كما في قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾، أي: اللَّهَ كثيرًا، ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]؛ أي: فروجهُنَّ. أو معناه: فالتزموا لهنَّ ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: أي: عفائفَ، نصب على الحال من قوله: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾. قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: أي: زانياتٍ ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: الخدَنُ: الصَّديقُ، والخدين كذلك، وذلك كالخلِّ والخليلِ، والمخادنةُ: المصادقةُ، ويقع الاسم على الذَّكر والأنثى، قال تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥]؛ أي: خدينات. وكان زناهنَّ في الجاهليَّة من وجهَيْن: السِّفاحُ: وهو بالأجر لكلِّ مَن (١) يرغبُ فيها. والمخادَنةُ: وهي مع صديقٍ لها على الخصوص. وكان الأوَّل يقع إعلانًا، والثَّاني سرًّا، وقيل: كانا يُعلنان جميعًا. فأمرَه (٢) اللَّهُ أن يتزوَّج أمةً عفيفةً لإقامة مصالح الدِّين، لا زانيةً مكتسِبةً بزناها، ولا متَّخذةً خليلًا على الفجور صافاها. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: قيل: أي: أسلمْنَ، وقيل: أي: نكحْنَ.

стр. 2143

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: أي: زنَيْنَ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؛ أي: ما على الحرائر من الحدِّ (١)، وهو الجلدُ، فتُجلَد الحرَّة مئةَ جلدةٍ، والأمةُ خمسينَ. و ﴿الْعَذَابِ﴾: الحدُّ؛ قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]. ثم قولُه تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ ليس لنفي الحدِّ عنها إذا لم تُنكح، بل معناه: أنَّها بالنِّكاح لا يزداد حدُّها. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾: أي: الزِّنى؛ أي: إباحة نكاح الأَمَةِ لمن خشي الزِّنا لو لم يتزوَّجْ بها. وأصل العنتِ: المشقَّةُ والمضرَّةُ. وله وجوهٌ بيَّناها عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وفي الزِّنى ذلك كلُّه في الدُّنيا والآخرة. ثم الشَّافعيُّ ﵀ أخذَ بظاهر الآية، وقال: لا يجوز نكاحُ الأمَةِ إلَّا بثلاثة شرائط؛ اثنان في النَّاكح: عدم طولِ الحرَّة، وخشيةُ العنت. والثَّالث في المنكوحة، وهي أن تكون أَمَةً (٢) مؤمنةً. وعندنا شيء من ذلك ليس بشرط: أمَّا أوَّل الآية فقد قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ليس في (٣). . . . . . . .

стр. 2144

إباحة الشَّيء في حالةٍ دلالةُ حظره ومنعه في حالةٍ (١) أخرى، دليلُه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛ ليس فيه أنَّها لا تحلُّ له إذا لم يؤتها أجرَها (٢). وأمَّا قوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ففيه إباحةُ المؤمنات، وليس فيه تحريم الكتابيَّات، وقد أباح ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهنَّ العفائفُ عندنا، وهو يحملها على الحرائر، لكنَّ أكثر أهل التَّفسير على ما قلنا، وهذه الأشياء عندنا للاختيار، لا للاشتراط. قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: (أنْ) مع الفعل مصدرٌ؛ أي: وصبرُكم عن نكاح الأمَة (٣) خيرٌ لكم؛ لأن فيه إرقاقَ الولد. قال عمر ﵁: أيُّما حرٍّ تزوَّجَ أمةً فقد أرقَّ نصفَه، وأيُّما عبدٍ تزوَّج حرَّة فقد أعتقَ نصفَه (٤). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "الحرائرُ صلاحُ البيوت، والإماءُ هلاكُ البيوتِ"، أو قال: "فسادُ البيوت" (٥).

стр. 2145

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: ﴿غَفُورٌ﴾ لكم إن لم تصبروا، ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم إذ أباح لكم نكاح الإماء. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿غَفُورٌ﴾ للزِّنى بإقامة الحدِّ (١) إذا احتسبَ ذلك، ﴿رَحِيمٌ﴾ إذ جعل العذاب عليه الحدَّ في الدُّنيا، لا العقوبةَ في الآخرة. ويحتمل: أَنَّه رحيمٌ جعلَ الحدود في الدُّنيا زواجرَ عن العَود إلى ارتكاب مثلها (٢). * * * (٢٦) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾: قال أبو منصور (٣): يحتملُ: يريدُ اللَّهُ أن يبيِّنَ لكم ما تأتون وما تذرون، وما لكم وما عليكم، وما به صلاحُكم وفسادكم في أمور (٤) دينكم ودنياكم، لكنَّ حقيقة المراد بالآية إمَّا أن يكون أرادَ جميع ما ذكرنا، أو معنًى خاصًّا ممَّا احتمله الكلامُ، وليس لنا القطع على ما أرادَ به (٥). ثم قوله ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ له وجوهٌ: قال الكسائيُّ والفرَّاء: معناه: أن يبيَّنَ، وكذا قولُه تعالى: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١]؛ أي: أن نسلمَ (٦)؛ قال كثيِّر:

стр. 2146

أريد لأنسى ذكرها فكأنما... تَمثَّلُ لي ليلي بكلِّ طريق (١) أي: أن أنسى. وقال سيبويه وأصحابه: اللَّام دخلت على تقدير المصدر؛ أي: الإرادة للبيان، وهو كقوله تعالى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] (٢). وقيل: المفعول مضمَر هاهنا، واللَّام للتَّعليل، وتقديرُه: يريد اللَّه ما يريد ليبين لكم، وأمرنا بما أمرنا لنسلم (٣). قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أي: ويريد أن يدلَّكم على السُّنن التي سنَّها لمن كان قبلكم من أهل الكتاب؛ لتكونوا علماءَ كما كان الذين جاءتهم الرُّسل، ويزولَ عنكم سمةُ الجهالة (٤) التي كانت للأميين. قوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: أي: يوفِّقَكم للتَّوبة عمَّا كنتم عليه من الخلاف. وذكر هذا بعد ذكر أحكام اليتامى والمواريث والمناكح، وكانوا في الجاهليَّة على غيرِ سُنن الأوَّلين، فردَّهم إليها.

стр. 2147

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرَع لهم. وقال الكلبيُّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أنَّ الصَّبر (١) عن نكاح الإماء خيرٌ، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: يبيِّنَ لكم أن شرائع أهل سائر الكتب في الأنكحة ونحوها (٢) كان كذلك، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ويتجاوزَ عنكم ما أصبتُم قبل البيان (٣). وقال عطاءٌ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ما يقرِّبكم منه (٤)، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: يرشدَكم إلى دين إبراهيم وإسماعيل وأولادهما، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ حتَّى لا تَدْعوا معه إلهًا آخر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يستودعُكم (٥) من فرائضه، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما رخَّص لكم. * * * (٢٧) - ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾: التَّكرير للتَّأكيد والتَّقرير، ومعنى التَّوبة علينا ما بَيَّنَّا. وقيل فيه معنًى آخر:

стр. 2148

﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: الأولين (١)؛ أي: يبيِّنَ لكم أنَّ سُننهم (٢) كانت في الأنكحة على الضِّيق والشِّدَّة، فكان لا يحلُّ للرَّجل إلَّا امرأةٌ واحدة، وإذا ماتَتْ لم يتزوَّج غيرها، وكان لا يجوز لهم الطَّلاق، ولا يحلُّ نكاح الإماء. وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: يرفعَ عنكم هذا الضِّيق، وهو كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بمصالح العباد (٣) ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حَكم. وقيل: أي: يهديَكم كيف فعلوا، وكيف فعل هو بهم؛ لتَّتعظوا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ هو في حقِّ قومٍ علم اللَّه منهم التَّوبة. قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: أي: ويريد أعداؤكم من الكفَّار الَّذين إنَّما يتَّبعون ما تميل إليه أهواؤهم أن تميلوا عن طاعة اللَّه وعن دينه ميلًا عظيمًا؛ أي: فاحشًا مُفْرِطًا في الجهل والخطأ. ثم المراد (٤) بهؤلاء عند بعضهم كُلُّ مبطِلٍ في طريقه على العموم. وقيل: هم الزُّناة. وقيل: هم اليهود والنصارى (٥). وقيل: هم اليهود خاصةً في إحلالهم الأخوات لأبٍ.

стр. 2149

وقيل: إن بعض اليهود قالوا لرسول اللَّه ﷺ : في التوراة إحلالُ الأخت لأبٍ، وأرادوا أن يجرُّوه إلى هذا، فحذَّره اللَّه تعالى قصدَهم. وقال مجاهد: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾: الزنا ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾؛ أي: تَزْنوا (١). وقال السُّدِّيُّ: هم اليهود [والنصارى. وقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم] ينكحون بناتِ الأخِ وبناتِ الأخت، فلما حرَّمهما اللَّه تعالى قالوا: كيف تنكحون ابنةَ الخالة وابنةَ العمة والخالةُ والعمةُ حرامٌ عليكم، فكيف تستحلُّون البناتِ وتحرِّمون الأمهات؟ فنكِحوا ابنة الأخت كما تَنكِحون ابنة الخالة وابنة العمة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٢). * * * (٢٨) - ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: أي: يسهِّلَ في أمور المناكح.

стр. 2150

والإمام (١) أبو منصور ﵀ جعَله في العبادات والتوبة عن الجنايات، وتَرْكِ الاستئصال بالعقوبات، بخلاف أحوال الماضين من الطبقات (٢). وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ قال الكلبيُّ: أي: لا يصبر عن النساء. وقال طاوسٌ: ضعيفًا في أمر النساء. وقال سعيد بن المسيِّب: ما أَيِس الشيطان من ابن آدم قط إلا أتاه من قِبَلِ النساء، وقد أتى عليَّ ثمانون سنة، وذهبت إحدى عينيَّ وأنا أعشو بالأخرى، وإنَّ أَخْوَفُ ما أخاف ما أخاف على نفسي فتنةَ النساء (٣). وقال أبو هريرة ﵁: اللهم إني أعوذ بك من (٤) أن أزنيَ أو أسرقَ، فقيل له: قد كبرتْ (٥) سنُّك، وأنت صاحبُ رسول اللَّه ﷺ ، أتخافُ على نفسك من الزنا والسرقة؟! فقال: كيف آمَنُ وإبليسُ حيٌّ (٦). وقال الحسن: خُلق من ماء مهين (٧). وقيل: ضعيفًا في اليقين. وقيل: أي: فقيرًا؛ قال اللَّه ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥].

стр. 2151

وقيل: أي: ضعيفًا لا يطيق العقوبة. وقيل: أي: لا يصبر على الحرِّ والبرد والجوع والعطش. وقيل: تجرحُه بعوضةٌ وتُؤْلمه بَقَّةٌ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يَضيق صدرُه وتَملُّ عن طول التنعُّم نفسُه. قال: وقيل: خُلق ضعيفًا في الابتداء، قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ الآية [الروم: ٥٤]. قال: ويحتمِل ضعفَه في نفسه في حقِّ مَلالته عن العبادات، بخلاف الملائكة فإنهم لا يَفْتُرون ولا يَسْتحِسرون (١). وقال الإمام القشيري ﵀: يريد اللَّه أن يخفِّف عنكم مقاساةَ المجاهدات بما يَلج (٢) لقلوبكم من أنوار المشاهدات. قال: ويقال: يريد اللَّه أن يخفِّف عنكم تعبَ الخدمة بحلاوة الطاعة. قال: ويقال: أن يخفِّف عنكم كلف الأمانة بحملها عنكم (٣). قال: ويقال: أن يخفِّف عنكم تعب الطلب بروح الوصول. وقال في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾: وصَف بهذا فقرَهم وضرَّهم ليبسط به عذرَهم (٤). * * *

стр. 2152

(٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: قرأ عاصم وحمزة والكسائي؛ ﴿تِجَارَةً﴾ نصبٌ، على أن الأموال اسمُ (كان) و ﴿تِجَارَةً﴾ خبرٌ له، وهي مصدز بمعنى المفعول به، وقرأ الباقون بالرفع (١) على أن قوله: ﴿تِجَارَةً﴾ مرفوعةٌ بـ (كان)، ومعناه: إلا أن تقع تجارةٌ، كما في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وهذه الآيةُ متَّصلةٌ بما قبلها من آيات (٢) حفظِ أموال اليتامى والنساء والسفهاء عليهم، وإيصالِ المواريث إلى مستحِقِّها (٣)، وتركِ استردادِ مهورِ النساء، وفي هذه نهيٌ عن أخذ أموال الناس بالباطل؛ أي: لا يأكلْ بعضُكم مال بعضٍ على الوجه الذي لم يأمر اللَّه تعالى به ولا أباحه، فإنه باطلٌ ليس بحقٍّ، وهو كالغصب والسرقة والقمار والربا والعقود الفاسدة والرشوة ونحوها. والمراد من الأكل: الأخذ؛ لِمَا مر في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هذا استثناءٌ منقطِع بمعنى: لكن؛ أي: لكن إذا كانت تجارة عن تراضي العاقدين بها فكلوا، ويلتحق بها أسبابُ الملك المشروعة كالهبة والصدقة والإرث والعقود الجائزة؛ لخروجها عن الباطل.

стр. 2153

وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: لا يأكلْ بعضُكم مال بعضٍ؛ كما في قوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]. وكذا (١) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: لا يَقتلْ بعضُكم بعضًا، ذَكر حرمةَ المال والنفس بعد ذِكر حرمةِ الفرج؛ لأن انتهاكها من الموبِقات فنهى عنها كلّها. وقيل: معناه: ولا تقتلوا إخوانَكم الذين (٢) هم كأنفسكم، وهو إِشارة إلى صدر السورة: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية، ولأن المؤمنين كنفس واحدة والحديثُ فيه مشهور (٣)، ولأنه إذا قَتل غيره قُتل به قصاصًا فصار كأنه قَتل نفسه. وقيل (٤): أي: ولا تهلكوا أنفسكم بإتلاف أموالكم؛ لأنَّه ذكر في أول السورة أن المال قيامُ الناس، فيكون في هلاك المال هلاكُ البدن. وقيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: لا تعجزوا عن الحيلة والتصرُّف. وقال الإمام القشيري ﵀: لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب الذنوب. وقيل: أي: بتعريضها لمساخط اللَّه. وقيل: أي: بنظركم إليها. وقيل: أي: باستحسانكم شيئًا منها. وقيل: أي: بإيثارها غيرَ رضى الحق (٥).

стр. 2154

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمً﴾: ولرحمته بكم نبَّهكم على ما فيه صيانةُ أموالكم وبقاءُ أبدانكم. وقال عكرمةُ والحسن (١): كان الرجل يتحرَّج أن يأكل عند أحدٍ من الناس شيئًا إلا بالشراء لنزول هذه الآية، حتى نزل قولُه تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا﴾ إلى قوله: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١] (٢). * * * (٣٠) - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾: أي: ومن يرتكب النهي عن أكل المال وقتلِ النفس، فلذلك وحَّد. والعدوان: مجاوزةُ حدِّ الأمر، والظلم: الجَوْر، ومعناه: عالمًا به غيرَ مخطئ ولا متأوِّلٍ (٣)، يشير بذلك إلى أنه إذا كان عن جهلٍ أو خطأ أو شبهةٍ لم يستحِقَّ هذا الوعيدَ الشديد. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾: أي: ندخلُه نارَ جهنم. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾: أي: وكان إصلاؤه النارَ سهلًا لا يَعْسُر عليه شيء، وهذا الوعيد في حق المستحِلِّ للتخليد على القطع، وفي حقِّ غير المستحِلِّ لبيان استحقاقه دخولَ النار والعقوبةَ فيها مدةً، مع وعد اللَّه تعالى بمغفرةِ (٤) ما دون الشرك لمن يشاء.

стр. 2155

(٣١) - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: الاجتناب: التباعُد، والكبائر: جمعُ كبيرةٍ، وهي الفعلةُ العظيمة الإثم، وقد أضافها إلى جميع المنهيَّات. والتكفير: السَّتر، والسيئات: جمعُ السيئة، وهي خلافُ الحسنة. والمَدخل بفتح الميم: الدخول، وموضعُ الدخول أيضًا. والمُدخَل بضم الميم: موضع الإدخال، ومصدرٌ أيضًا كالإدخال. والكريم: الحسَن، وهو على (١) وجوهٍ تسعة: الكريم: العفو الجواد، قال تعالى خبرًا عن سليمان: ﴿فَإِنَّ رَبِّى غَنيٌّ كَريمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. والكريم: الفاضل: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢]، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. والكريم: البَرُّ الصالح: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. والكريم: المكرَّم عند اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠]. والكريم: الجامع للمكارم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]. والكريم: المطيع: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١]. والكريم: الكتاب المختوم: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]. والكريم: المتكرِّم بنفسه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩].

стр. 2156

والكريم: الحسَن: ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٧]، وقال تعالى: ﴿مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾؛ أي: حسنًا، وهو الجنة. وقرأ عاصم في رواية المفضَّل عنه: (يُكفِّر) بالياء، و (يدخلْكم) كذلك (١)، ويرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، والباقون بالنون على الاستئناف خبرًا من اللَّه تعالى عن نفسه على خطاب الملوك بصيغة الجمع. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿مُدْخَلًا﴾ بالفتح والباقون بالضم (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: اختُلف في الكبائر؛ قيل: هي كبائر الشرك؛ لأنها أنواع: منها الإشراكُ باللَّه، ومنها الجحودُ بالأنبياء (٣)، ومنها نقصُ الأنبياء (٤)، ومنها الجحود ببعض الأنبياء، ومنها جحود العبادات، ومنها استحلال المحرمات وتحريم المحللات وغيرُ ذلك، وكلُّ ذلك شركٌ باللَّه تعالى، فإذا اجتنب (٥) كبائر الشرك صار ما دونها موعودًا له المغفرةُ (٦) بالمشيئة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فهو في مشيئة اللَّه تعالى إن شاء عذَّبه وإن شاء عفَى عنه. قال (٧): وقيل: أراد بالكبائر كبائرَ الإسلام، ثم يحتمِل وجهين بعد هذا:

стр. 2157

يحتمِل أن تكون الصغائرُ مغفورةً باجتناب الكبائر. ويحتمِل أن تكون الصغائر مغفورةً بالحسنات، لأنه تعالى قال: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وتكفير السيئات بالحسنات؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. ويحتمِل أن يكون التكفير لهما وإنْ لم تُجتنب، ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] رفعًا بالاستئناف، وقال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨] يعني: لم يَصِلْ بالفاء فكان في حكم الابتداء، ألَا ترى إلى ما روى أنس عن النبيِّ ﷺ أنه (١) قال: "شفاعتي نائلةٌ لأهل الكبائر من أمَّتي" (٢). ورُوي عن علي ﵁ أنه سمع امرأة تدعو: اللهمَّ اجعلني من أهل شفاعةِ محمد، فقال: مَهْ، قولي: اللهم اجعلني من الفائزين، فإن شفاعة محمد لأهل الكبائر، ثم قرأ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية. ثم إنَّ اللَّه تعالى ذكر تكفير السيئات إذا اجتُنبت (٣) الكبائر، ولم يذكر الحكم إذا لم يجتنبها، فليس فيه أنه إذا لم تُجتنَب لم (٤) يكفِّر، فهو في مشيئة اللَّه تعالى إن شاء كفَّره (٥) وإن شاء عذَّبه، على ما ذكرنا: أن وجوب الحكم في حالٍ لا يوجِب خلاف ذلك الحكم في حالٍ أخرى حظرًا كان أو حلًّا.

стр. 2158

وقرئ في بعض القراءات: (إنْ تَجتنِبوا كبيرَ ما تُنْهَون عنه) (١) فإنْ ثبت هذا فهو يدلُّ على التأويل الذي قلنا: إن المراد به الشرك (٢). قال: واختلف في كيفية الكبائر وماهيتها (٣): قال بعضهم: ما أوجب الحد فهو كبيرةٌ، كالزنا والسرقة والقذف ونحوها. وقال آخرون: هي الشركُ باللَّه تعالى، وقتلُ النفس التي حرَّم اللَّه بغيرِ حقِّها، وأكلُ مال اليتيم، والبهتانُ، والفِرار من الزحف. وعن ابن مسعود ﵁: أنه سئل عن ذلك، فقال: ما ذكر من أول هذه السورة (٤) إلى هذه الآية، وهي ثلاثون آية (٥). وقيل لابن عباس ﵄: إن عبد اللَّه بن عمر يقول: الكبائر سبعٌ، فقال ابن عباس ﵄: هن (٦) إلى السبعين أقربُ، ولكن (٧) لا كبيرةَ بعد (٨) توبة ولا صغيرةَ مع إصرار (٩).

стр. 2159

وعن الحسن قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما تقولون في الزنا والسرقة وشرب الخمر؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: "هن (١) فواحشُ وفيهنَّ عقوبةٌ"، ثم قال النبيُّ ﷺ : "ألا أنبِّئكم بأكبر الكبائر؟ " قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: "الإشراك باللَّه وعقوق الوالدين"، وكان متكئًا فجلس ثم قال: "ألَا وقولُ الزور ألَا وقولُ الزور ألَا وقولُ الزور (٢) " (٣) إلى هاهنا كلُّه كلامُ (٤) الإمام أبي منصور ﵀ (٥). قال نجم الدِّين ﵀: وما ذَكَر من بعض القراءات: (إنْ تَجتنِبوا كبيرَ ما تُنهَون عنه) على الوحدان فهو عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (٦). وما ذكَر أن الكبيرة ما أَوجب الحدَّ، فعن ابن عباس والضحاك: أن الكبيرة ما أَوْعَد اللَّه عليه حدًّا في الدنيا أو عذابًا في الآخرة (٧).

стр. 2160

وروَى أبو صالح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ما نزل حدُّه فمِن الفواحش، وما لم ينزل حدُّه فمن (١) الكبائر. وعن ابن عباس ﵄ أيضًا (٢) في رواية أخرى: كلُّ ذنبٍ أصرَّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبيرة ما تاب عنه العبد (٣). وقال مالك بن مِغْوَلٍ: الكبائرُ ذنوب أهل البدع، والسيئات (٤) ذنوب أهل السنة (٥). وقال الحارث المُحاسِبُّي: الكبائر ذنوبُ المستحِلِّين، والصغائر ذنوب المستغفرين. وقال سفيان الثوري: الكبائر ما كان فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما كان بينك وبين اللَّه لأن اللَّه تعالى كريم يغفر (٦)؛ قال النبي ﷺ : "ينادي منادٍ من بُطْنان العرش يوم القيامة: يا أمةَ محمدٍ، إن اللَّه تعالى يقول: أمَّا ما كان لي قِبَلكم فقد وهبتُها لكم، وبقيتِ التَّبِعات فتواهَبوها وادخُلوا الجنة برحمتي" (٧).

стр. 2161

وقال الحسين بن الفضل البَجَلي ﵀: الكبائر: ما سماه اللَّه تعالى كبيرًا في القرآن وعظيمًا: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. وقال أنس بن مالك ﵁: إنكم تعملون اليوم أعمالًا هي أدقُّ في أعينكم من الشعر كنَّا نَعُدُّها على عهد رسول اللَّه ﷺ من الكبائر (١). وقال فرقدٌ السَّبخيُّ ﵀: قرأتُ في التوراة: أمَّهاتُ الخطايا ثلاث وهي (٢): أولُ ذنب عُصي اللَّهُ به الكِبْرُ وكان ذلك لإبليس، والحرصُ وكان ذلك لآدم، وقتلُ النفس وكان ذلك لقابيل حين قَتل هابيل (٣). وعن النبيِّ ﷺ قال: "أكبرُ الكبائر ثلاثةٌ: القنوطُ من رحمة اللَّه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]، والأمنُ من مكر اللَّه، قال تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩]، والإيَاسُ من رَوح اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] " (٤).

стр. 2162

وروي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني جبريل ﵇ فأخبرني عن اللَّه قال (١): وعزَّتي وجلالي إنه ليس من الكبائر كبيرةٌ هي أعظم عندي من حبِّ الدنيا" (٢). وقال القشيري الإمام ﵀: الكبائر على لسان أهل العلم هاهنا الشركُ، وعلى لسان أهل الإشارة أيضًا الشركُ الخفيُّ، ومن جملة ذلك: ملاحظةُ الخَلْق، واستحلاءُ (٣) قبولهم، والتودُّدُ إليهم، والإغماضُ عن حق اللَّه بسببهم. وقال في قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾: أي: يُدخلْكم في أموركم وأحوالكم مُدخلًا حسنًا، لا تَرون منكم دخولَكم ولا خروجَكم، وإنما تَرون المصرِّفَ لكم ربَّكم (٤). وقال ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: ثماني (٥) آيات في سورة النساء كلُّ

стр. 2163

واحدةٍ منهنَّ خيرٌ لهذه الأمة مما طَلعت عليه الشمس والقمر: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٦]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٧]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٨]، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [النساء: ٣١]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٤٠]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨]، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية [النساء: ١١٠]، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ الآية [النساء: ١٤٧] (١). وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: الكبائر عشرون، وبسَطها واستدلَّ فيها بالآيات والأخبار، وهذا اختصارها: الإشراكُ باللَّه، والإيَاسُ (٢) من رَوح اللَّه، والقنوطُ من رحمة اللَّه، والأمنُ من مكر اللَّه، وعقوقُ الوالدين، وقتلُ النفس بغير حقٍّ، وقذفُ المحصَنة، وأكلُ مال اليتيم ظلمًا، والفرارُ من الزحف، وأكلُ الربا، والسحرُ، والزنا، واليمينُ الكاذبة، ومنعُ الزكاة، والغلولُ، وشهادة الزُّور، وشربُ الخمر، وتركُ الصلاة متعمِّدًا، وقطيعة الرَّحِم، والجنَف في الوصية (٣). * * *

стр. 2164

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق فادي المغربي المجلد الخامس دار اللباب

стр. 2165

سورة النساء (٣٢) - ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: وأكثر ما ينشأ قصدُ أخذِ مال الغير بالباطل، وقتلُ النفس بغير حقٍّ، وإهلاكُ نفسه في الخوض في المخاوف، يكون بتمنِّي مال الغير وحالِ الغير، فنهاهم اللَّه تعالى عن ذلك قطعًا لِمَا يَبتني عليه، فقال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾؛ أي: ولا تشتهو ﴿مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ﴾؛ أي: الشيءَ الذي فضل اللَّه به (١) ﴿بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: الأغنياءَ على الفقراء والرجالَ على النساء. قال عكرمةُ ومجاهد: نزلت في قولِ أم سلمة: يغزو الرجال ولا نغزو (٢)، ولنا نصف الميراث، فنزلت: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣) بالذكورة

стр. 2166

والجهاد ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ من الخير ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أيضًا من الخير، فلا حرمان لهنَّ من الثواب بأنوثتهن ومنعِهن عن الجهاد، ولهن خيراتٌ أُخَرُ يُجازَينَ عليها. وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورِّثون المرأة ولا الصبيَّ شيئًا، ويجعلون الميراث لمن يَحترِف، فجعل اللَّه تعالى الميراثَ للمرأة والصبيِّ، وجعل للذكَر مثلَ حظ الأنثيين، فقالت النساء: لو جُعل نصيبنا كنصيب الرجال، وقالت (١) الرجال: إنا لنرجو أن يحاسبنا اللَّه في الآخرة كما فضَّلنا في الدنيا في الميراث (٢)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٣)؛ أي: الرجالَ بالميراث، وقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا﴾ يجزي الرجلَ بالحسنة عشرًا ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ويجزي المرأة بالحسنة عشرًا، وليس ذلك على حسب (٤) الميراث. وقال السدِّي: تمنَّى الرجال أن لا يكونَ عليهم جهادٌ، وتمنَّى النساء أن يكنَّ مثلَ الرجال في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى، فنُهوا جميعًا عن تمنِّي ذلك (٥). وقال مقاتل بن حيان: تمنى النساء أن يكنَّ مثلَ الرجال في المواريث (٦)، فنُهين

стр. 2167

عن ذلك، فقلن عند ذلك: فلهم (١) من الوِزر على قَدْرِ ما فضِّلوا به من (٢) الميراث، فنزل: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (٣). وقال قتادةُ: لمَّا جُعل حظُّ الذكر مثلَ حظِّ الأنثيين في الميراث قال الرجال: نرجو أن تكون حسناتُنا مثلَي حسناتهنَّ، وقالت النساء: نرجو أن تكون سيئاتُنا على النصف من سيئاتهم، فنُهوا جميعًا عن ذلك، فنزلت الآية (٤). وقيل: هذا لطفٌ في النهي، وتنبيهٌ أنه لا يضرُّهم تفضيل بعضهم على بعضٍ في الأموال إذا كانوا متساوينَ في ثواب الأعمال. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل أن يكون هذا التمنِّي في الدِّيانة، ويحتمِل أن يكون في النِّعم الدنيوية: أمَّا في الديانة: فأنْ يتمنَّى أحد أن يكون قَدْره مِثْلَ قَدْرِ آخَرَ عند الناس من العلم والزهد (٥) وغيرِ ذلك، فنهي أن يتمنَّى ذلك؛ إذ لم يبلغ هو ذلك المبلَغَ إلا لاحتمال المكاره والمشاقِّ والجهد (٦). وفي الدنيوية: هو أن يتمنَّى مالَ أخيه وزوجتَه وخدَمه، وهو كفرانٌ بما أنعم اللَّه تعالى عليه من سائر النعم. ويحتمِل أن يكون هذا على ما خاطَب به رسولَ اللَّه ﷺ بقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ

стр. 2168

إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] فأَخبر أنه لم يعطِ للكرامة لكن للفتنة، والعقل (١) يأبى الرغبة فيما يُفتَن (٢) به دون ما يُكرم به. ثم بيَّن الذي هو أولى بالتمنِّي، وهو قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (٣). ثم أمر بالسؤال من فضله لتوفيق ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: فإنه هو الموفِّق، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. وقيل: واسألوا من أفضاله مثل (٤) ما أعطى فلانًا الذي تتمنَّونه. ثم إذا تمنى الرجل أن تزول نعمة الغير إليه فقد حسده، وإذا تمنى أن يبقى للغير ذلك ويكونَ له مثلُه فقد غبطه، والأول حرام، والثاني ضارٌّ لو لم يدفعه عن نفسه، ودفعُه: أن يرى فضل اللَّه على فلان، وأنه لا يَشُقُّ عليه ولا يَنْقُص من ملكه لو أعطى للمتمنِّي، فيرغب إلى اللَّه في سؤاله أن يعطيه مثله. قال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلا ليعطيَ (٥). وقال الحسن: قال النبيُّ ﷺ : "إن اللَّه تعالى لَيُمْسِكُ الخيرَ الكثيرَ عن عبده، ويقول: لا أعطي عبدي حتى يسألَني" (٦).

стр. 2169

وقرأ ابن كثير والكسائي: ﴿وسلوا﴾ بغير همزٍ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، والباقون بالهمز على الأصل (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾: أي: بمواضع الاستحقاق لفضل النعم والأرزاق. وقال الإمام القشيري ﵀: على لسان أهل المعاملة أن الأمر بالتَّعنِّي لا بالتمنِّي، وعلى لسان أهل التوحيد أن الأمر بالقضاء والتقدير لا بالتمنِّي في الضمير (٢). وقال في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: لا تتمنَّ نيلَ العطاء، واسأل اللَّه من فضله الرضا بفقد العطاء، وذلك أتمُّ العطاء، فإن التحرُّر عن رقِّ (٣) الأشياء أتمُّ مِن تملُّك الأشياء (٤). * * * (٣٣) - ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ووجه الانتظام: ولا تتمنوا كثرة الأموال فإنها تصير بعدكم (٥) لغيركم بالميراث.

стр. 2170

قوله (١): ﴿وَلِكُلٍّ﴾ منوَّن على تقدير المضاف؛ أي: ولكلِّ ميت، وقيل: لكلِّ مورِّث ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾؛ أي: ورثةً يَلُونه؛ أي: يَقربون منه، جمعُ مولًى. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (مِن) في ﴿مِمَّا﴾ صلة، و (ما ترك) اسم للترِكة الموروثة، و ﴿مَوَالِيَ﴾ بمعنى الورثة، وتقع وراثتهم على ما ترك. وقيل: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ داخل في المال؛ أي: ولكلِّ مالٍ مما تركه الأبوان وسائرُ القرابات جعلنا (٢) لذلك المال ورثةً. وقيل على الوجه الأول: ولكلِّ ميت جعلنا ورثةً، ثم يضمر هاهنا: يُعطون مما ترك. وقيل: أو (٣) الكلام يتمُّ بـ ﴿مِمَّا تَرَكَ﴾، ثم قوله: ﴿الْوَلِدَانِ وَالْأَقربوُنَ﴾ ابتداءٌ على وجه التفسير للموالي؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤) قرأ ابن كثير وأهلُ المدينة وأبو عمرٍو و [ابن] عامر (٥): ﴿عاقَدَتْ﴾ بالألف لأنها بين اثنين، والباقون: ﴿عَقَدَتْ﴾ (٦) وهو أصل الفعل (٧).

стр. 2171

وقرأت أمُّ سعدٍ بنتُ سعدِ بن الرَّبيع: (عَقَّدت) بالتشديد (١)، وهو للتوثيق والتأكيد (٢). ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾: جمع يمين، وهي اليد التي أُضيفت المعاقَدةُ إليها كما تضاف سائر الأفعال إلى اليد (٣)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]. وقيل: كانوا يصفِّقون بالأيدي عند العقود والعهود؛ أي: يأخذون الأيدي بالأيدي، فلذلك أضيفت إليها. وقيل: هذه الأيمان هي الأقسام، وكانوا يؤكِّدون العهود بالأيمان، ولذلك سمِّيت محالفةً وحِلفًا، وتقديره: والذين عقَدَت لكم أيمانكم، وهو (٤) عقدُ الموالاة، وهي مشروعةٌ، والوراثةُ بها ثابتةٌ عند عامة الصحابة والعلماء، وهو قولنا (٥)، وتفسيره: إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له، فيقول لآخر: والَيْتُك على أن تَعْقِلني وتَرِثَني، ويقول الآخر: قبلتُ، انعقد ذلك (٦)، ويرث به الأعلى من الأسفل، ولا يرث به الأسفل من الأعلى (٧)، وله أن ينتقل بولائه عنه إلى غيره ويفسخَه بحضرته ما لم يَعقل عنه جنايتَه، فإذا عَقَل فلا فسخ ولا انتقال،

стр. 2172

وهذا المولى في الوراثة (١) مؤخَّرٌ (٢) عن ذوي الأرحام؛ لضعف حاله لاختلاف الناس فيه، ومِن شرط صحة هذا العقد أن لا يكون للأسفل نسبٌ، ولا يكونَ له معتَقٌ، ولا يكونَ عربيًّا لأن العرب لا يُسترقُّون فلا يكون عليهم ولاءُ عتاقة، فكذا ولاء الموالاة وقد بيَّنَّا (٣) هذا كلَّه (٤) في "حصائل المسائل". وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: أعطُوا المواليَ بالقرابة والمواليَ بالولاء قسمتَهم (٥) من الميراث. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: أي: هو عالم الغيب والشهادة، وهو أبلغ وعد ووعيد. * * * (٣٤) - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٦) انتظامُها بالآيةِ التي قبلها أنَّ النساءَ تمنَّينَ حالَ الرِّجال، فنُهينَ عن ذلك، وذكرَ في هذه الآيةِ تفضيلَ الرِّجالِ

стр. 2173

عليهنَّ، واتصالُها بأوَّل السُّورة أنَّ اللَّهَ تعالى أمرَ بالعدلِ بينَ النِّساء، وبيَّن هاهنا أنَّ الأمرَ بالإحسان إليهنَّ لا يوجِبُ تركَ تقويمهنَّ. وقولُه تعالى: ﴿قَوَّامُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: أمراء (١). وقيل: مسلَّطون. وقيل أي: قائمون بتأديبهنَّ وتَدبيرهنَّ. وقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: بتفضيلِ اللَّه الرِّجالَ على النِّساءِ بالعقلِ، والقُوَّةِ، والجماعات، والجُمُعات، والولايات، والشَّهادات، والجهادِ وملكِ النِّكاح، وملكِ الطَّلاق، وتضعيفِ الميراث، وكونِ الأنبياء منهم. وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: وبأن نفقتهنَّ عليهم (٢)، ودلَّ على وجوب نفقاتِ الزَّوجاتِ على الأزواج. وقال الشافعيُّ ﵀: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؛ أي: الأولياءُ هم الذين يَلونَ تزويجهنَّ دونهنَّ (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ولا يَستقيمُ حملُها على الأولياء بدليل قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وذاك في حقِّ الأزواجِ دون الأولياء (٤). ثمَّ بيَّن أنَّ النِّساءَ نوعان: وذلك قولُه تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: النِّساءُ

стр. 2174

الموصوفاتُ بالصَّلاح هنَّ المطيعاتُ للَّه تعالى، والرَّاعياتُ حقوق الأزواج في غيبتِهم، فيحفظنَ أنفسهنَّ عن الغيرِ، ويَحفظنَ أموالَ الأزواجِ أيضًا، ودلَّ على أنَّ الصَّلاحَ هو أداءُ حقِّ اللَّه تعالى وحقِّ الخلق. وقوله تعالى: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: ذلك بحفظِ اللَّهِ وعونِه، كما في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّي﴾ [يس: ٢٧]؛ أي: بمغفرتِه، فإنَّ "ما" مع الفعل بمعنى المصدرِ، ودلَّ على صحَّة مذهب أهلِ السُّنَّة والجماعة في إثباتِ الفعلِ مِن العبدِ والمعونةِ من اللَّه. وقيل: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: بما ألزمهنَّ اللَّهُ مِن حفظِ ذلك بأمرِه، وهو إضافةُ فعلِ الفاعلِ إلى الآمرِ به، وأضمر هاهنا: فأحسنوا إليهنَّ، وكذا هو في مصحفِ عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (١). والنوع الثاني: وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ أي: تَخشون ترفعهنَّ بالمخالفة؛ لعلمكم بالأعمال (٢) المؤدِّيةِ إليه. قاله محمد بن كعب القرظيّ. وقوله تعالى (٣): ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: عظوهنَّ (٤) بالكتابِ والسُّنَّة (٥).

стр. 2175

وقال الإمام أبو منصور ﵀: العظةُ كلامُ يُلَيِّنُ القلوبَ القاسيةَ، ويُرَغِّبُ الطبائعَ النَّافرة، وهي بتذكيرِ العواقِب. وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: إذا لم يَنفعِ الوعظُ فأدِّبوهنَّ بالهَجرِ، وهو القطعُ، ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾ جمعُ مضجع، وهو موضعُ وضعِ الجَنْبِ للنَّوم، وأصلُ التضجيع والإضجاع (١): الإمالة. قيل: هو ألَّا يضاجعَها في مضجعٍ. وقيل (٢): لم يُرِد به ليُبعِدها (٣) مِن مضجعِه؛ فإنَّه لم يقل: عن المضاجع، بل أرادَ أنَّهما يَجتمِعان في مضجعٍ، لكن يولِّيها ظهرَه، ولا يلازِمُها، ولا يَنبسِطُ إليها كما كان يفعلُهُ؛ إعلامًا بالعَتبِ والمؤاخذة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾؛ أي: إذا لم تقع الكفايةُ بالهجران، فأدبوهنَّ بالضَّرب، وهو ضرب غيرُ خادشٍ ولا جارِحٍ ولا شائن. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾؛ أي: في الإجابةِ إلى الفِراش (٥)، ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾؛ أي: لا تَطلُبوا العِلَلَ، ولا تَذكروا ما قد كان. وقيل: أي (٦): لا تُكلِّفوهنَّ محبَّةَ القلب (٧)، فليس ذلك بأيديهنَّ، واكتفوا منهنَّ بالطَّاعة، فللنَّاس مِن النَّاس ما يظهرون، وللَّه مِن النَّاسِ ما يُضمِرون.
следующие страницы →