← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وقرأت أمُّ سعدٍ بنتُ سعدِ بن الرَّبيع: (عَقَّدت) بالتشديد (١)، وهو للتوثيق والتأكيد (٢). ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾: جمع يمين، وهي اليد التي أُضيفت المعاقَدةُ إليها كما تضاف سائر الأفعال إلى اليد (٣)، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]. وقيل: كانوا يصفِّقون بالأيدي عند العقود والعهود؛ أي: يأخذون الأيدي بالأيدي، فلذلك أضيفت إليها. وقيل: هذه الأيمان هي الأقسام، وكانوا يؤكِّدون العهود بالأيمان، ولذلك سمِّيت محالفةً وحِلفًا، وتقديره: والذين عقَدَت لكم أيمانكم، وهو (٤) عقدُ الموالاة، وهي مشروعةٌ، والوراثةُ بها ثابتةٌ عند عامة الصحابة والعلماء، وهو قولنا (٥)، وتفسيره: إذا أسلم رجل أو امرأة لا وارث له، فيقول لآخر: والَيْتُك على أن تَعْقِلني وتَرِثَني، ويقول الآخر: قبلتُ، انعقد ذلك (٦)، ويرث به الأعلى من الأسفل، ولا يرث به الأسفل من الأعلى (٧)، وله أن ينتقل بولائه عنه إلى غيره ويفسخَه بحضرته ما لم يَعقل عنه جنايتَه، فإذا عَقَل فلا فسخ ولا انتقال،

стр. 2172

وهذا المولى في الوراثة (١) مؤخَّرٌ (٢) عن ذوي الأرحام؛ لضعف حاله لاختلاف الناس فيه، ومِن شرط صحة هذا العقد أن لا يكون للأسفل نسبٌ، ولا يكونَ له معتَقٌ، ولا يكونَ عربيًّا لأن العرب لا يُسترقُّون فلا يكون عليهم ولاءُ عتاقة، فكذا ولاء الموالاة وقد بيَّنَّا (٣) هذا كلَّه (٤) في "حصائل المسائل". وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: أعطُوا المواليَ بالقرابة والمواليَ بالولاء قسمتَهم (٥) من الميراث. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: أي: هو عالم الغيب والشهادة، وهو أبلغ وعد ووعيد. * * * (٣٤) - ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (٦) انتظامُها بالآيةِ التي قبلها أنَّ النساءَ تمنَّينَ حالَ الرِّجال، فنُهينَ عن ذلك، وذكرَ في هذه الآيةِ تفضيلَ الرِّجالِ

стр. 2173

عليهنَّ، واتصالُها بأوَّل السُّورة أنَّ اللَّهَ تعالى أمرَ بالعدلِ بينَ النِّساء، وبيَّن هاهنا أنَّ الأمرَ بالإحسان إليهنَّ لا يوجِبُ تركَ تقويمهنَّ. وقولُه تعالى: ﴿قَوَّامُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: أمراء (١). وقيل: مسلَّطون. وقيل أي: قائمون بتأديبهنَّ وتَدبيرهنَّ. وقوله تعالى: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: بتفضيلِ اللَّه الرِّجالَ على النِّساءِ بالعقلِ، والقُوَّةِ، والجماعات، والجُمُعات، والولايات، والشَّهادات، والجهادِ وملكِ النِّكاح، وملكِ الطَّلاق، وتضعيفِ الميراث، وكونِ الأنبياء منهم. وقوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ أي: وبأن نفقتهنَّ عليهم (٢)، ودلَّ على وجوب نفقاتِ الزَّوجاتِ على الأزواج. وقال الشافعيُّ ﵀: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾؛ أي: الأولياءُ هم الذين يَلونَ تزويجهنَّ دونهنَّ (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ولا يَستقيمُ حملُها على الأولياء بدليل قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، وذاك في حقِّ الأزواجِ دون الأولياء (٤). ثمَّ بيَّن أنَّ النِّساءَ نوعان: وذلك قولُه تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: النِّساءُ

стр. 2174

الموصوفاتُ بالصَّلاح هنَّ المطيعاتُ للَّه تعالى، والرَّاعياتُ حقوق الأزواج في غيبتِهم، فيحفظنَ أنفسهنَّ عن الغيرِ، ويَحفظنَ أموالَ الأزواجِ أيضًا، ودلَّ على أنَّ الصَّلاحَ هو أداءُ حقِّ اللَّه تعالى وحقِّ الخلق. وقوله تعالى: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: ذلك بحفظِ اللَّهِ وعونِه، كما في قوله تعالى: ﴿بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّي﴾ [يس: ٢٧]؛ أي: بمغفرتِه، فإنَّ "ما" مع الفعل بمعنى المصدرِ، ودلَّ على صحَّة مذهب أهلِ السُّنَّة والجماعة في إثباتِ الفعلِ مِن العبدِ والمعونةِ من اللَّه. وقيل: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: بما ألزمهنَّ اللَّهُ مِن حفظِ ذلك بأمرِه، وهو إضافةُ فعلِ الفاعلِ إلى الآمرِ به، وأضمر هاهنا: فأحسنوا إليهنَّ، وكذا هو في مصحفِ عبد اللَّه بن مسعود ﵁ (١). والنوع الثاني: وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ أي: تَخشون ترفعهنَّ بالمخالفة؛ لعلمكم بالأعمال (٢) المؤدِّيةِ إليه. قاله محمد بن كعب القرظيّ. وقوله تعالى (٣): ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: عظوهنَّ (٤) بالكتابِ والسُّنَّة (٥).

стр. 2175

وقال الإمام أبو منصور ﵀: العظةُ كلامُ يُلَيِّنُ القلوبَ القاسيةَ، ويُرَغِّبُ الطبائعَ النَّافرة، وهي بتذكيرِ العواقِب. وقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾؛ أي: إذا لم يَنفعِ الوعظُ فأدِّبوهنَّ بالهَجرِ، وهو القطعُ، ﴿فِي الْمَضَاجِعِ﴾ جمعُ مضجع، وهو موضعُ وضعِ الجَنْبِ للنَّوم، وأصلُ التضجيع والإضجاع (١): الإمالة. قيل: هو ألَّا يضاجعَها في مضجعٍ. وقيل (٢): لم يُرِد به ليُبعِدها (٣) مِن مضجعِه؛ فإنَّه لم يقل: عن المضاجع، بل أرادَ أنَّهما يَجتمِعان في مضجعٍ، لكن يولِّيها ظهرَه، ولا يلازِمُها، ولا يَنبسِطُ إليها كما كان يفعلُهُ؛ إعلامًا بالعَتبِ والمؤاخذة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾؛ أي: إذا لم تقع الكفايةُ بالهجران، فأدبوهنَّ بالضَّرب، وهو ضرب غيرُ خادشٍ ولا جارِحٍ ولا شائن. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾؛ أي: في الإجابةِ إلى الفِراش (٥)، ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾؛ أي: لا تَطلُبوا العِلَلَ، ولا تَذكروا ما قد كان. وقيل: أي (٦): لا تُكلِّفوهنَّ محبَّةَ القلب (٧)، فليس ذلك بأيديهنَّ، واكتفوا منهنَّ بالطَّاعة، فللنَّاس مِن النَّاس ما يظهرون، وللَّه مِن النَّاسِ ما يُضمِرون.

стр. 2176

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾؛ أي: إنَّ اللَّهَ مع عُلُوِّه وكبريائِه لا يؤاخِذُ بأوَّل الحال، ويدعو (١) إلى التَّوبة، ويَقبلُ إذا تابَ (٢)، ولا يؤاخِذُ بما قد كان، فالعبدُ أحقُّ بذلك. وقيل: ذكر (٣) علوِّه وكبرياءِه في آخرِ هذه الآية تنبيهٌ للعبدِ، ومنعٌ له عن مجاوزةِ الحدِّ فيما يُقيمُه عليها على وجهِ التَّأديب. وقال مقاتل: نزلَت الآيةُ في سعدِ بن الرَّبيعِ بنِ عمرو، وهو مِن النُّقباء، وفي امرأته حبيبة بنتِ زيد بن أبي زُهير، وهما من الأنصار -وقال الكلبيُّ: بل امرأتَه بنتُ محمَّد بنِ مسلمة (٤) - وذلك أنَّه لطمَها، فانطلقَ أبوها معها إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: أنكحتُه كريمَتي، فلطمها، فأمرَها النبيُّ ﷺ بالاقتصاصِ، فلمَّا همَّت بالاقتصاص، أبصر (٥) النبيُّ ﷺ جبريلَ يَنزل، فقال لها: كُفِّي، حتَّى انظرَ ما جاءَ به جبريلُ في أمرِك، فنزلَ بهذه الآية، فقال النبيُّ ﷺ : "أردنا أمرًا، وأراد اللَّهُ أمرًا، والذي أرادَ اللَّهُ خيرٌ ممَّا أردناه" (٦). * * * (٣٥) - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ (٧) الخطابُ لولاة الأمرِ، ولقُضاة العصر.

стр. 2177

وقيل: لعشائرِ الزَّوجينِ، أو لجيرانِهما، يقول: إنْ لم يَصلح الأمرُ بالوعظِ والهِجرانِ والضرب حالَ نشوزِها، أو اشتبهَ الأمر أن الإساءةَ منها أو منه، وخفتُم، أي: خشيتُم، أو علمتُم الخلافَ والنِّفارَ (١) بين الزَّوجين (٢)، وذلك قولُه تعالى: ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، وأصلُ الشِّقاقِ: أنْ يصيرَ أحدُهما في شِقٍّ والآخرُ في شقٍّ (٣)، بالمخالفة والمباعدة والمعاداة. و ﴿بَيْنِهِمَا﴾ خفضَ بالإضافة، ومعناه الوصل، كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨]، وقال اللَّه تعالى: ﴿لقد تقطع بينُكم﴾ [الأنعام: ٩٤﴾ على قراءة الرفع (٤). وقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ أي: أرسِلوا متوسِّطًا مِن عشيرة الزَّوج (٥)، ومتوسِّطًا مِن عشيرةِ المرأة (٦)، لينظرا مَن الظَّالم منهما فيؤمرَ بترك الظلم، فيخلو حكمُ الرَّجل بالرَّجل ويتفحَّصُ عن رأيه في إمساكِها ومفارقتِها، ويخلو حكمُ المرأة بالمرأة، ويفعل كذلك، ثمَّ يلتقيان، فيقبلان على الظَّالمِ منهما، فيحملانِه على العدل. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ (٧) قيل (٨): أرادَ به الحكمين.

стр. 2178

وقوله تعالى: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: يؤلِّفْ ببركةِ ذلك بين الزَّوجين، والتَّوفيقُ مِن الموافقة. ولمَّا أثَّرَتْ إرادةُ الصَّلاحِ منهما في غيرهما، فإرادةُ الإنسانِ الصَّلاح في نفسِه أولى أن تُؤثِّرَ فيه. وقيل: أرادَ به (١) أن يوفِّقهما ويسدِّدهما للخيرِ في باب الزَّوجين (٢). وقيل: أرادَ به إرادةَ الصَّلاح مِن الزَّوجين، ووعدَ عليها (٣) التَّأليفَ بينهما، والتَّسديدَ إيَّاهما. وفيه حجَّةُ أهل السُّنَّةِ والجماعة في إثبات الفعلِ من العبد، والتوفيقِ مِن اللَّه تعالى. ورويَ أنَّ عمرَ ﵁ بعثَ الحكمين بين الزَّوجين، فلم يتَّفق لهما الإصلاحُ بينهما، فعلاهما بالدِّرَّة وقال: إنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ وإنَّكما لم تريدا إصلاحًا (٤). وروي أنَّهما تابا، وعادا إلى الزَّوجين، فوجداهما قد اصطلحا، وأغلقا البابَ على أنفسهما (٥). وقال عَبيدة السلماني: شَهِدت عليًّا ﵁، إذ جاءت (٦) امرأةٌ وزوجُها، مع كلِّ واحد منهما جماعةٌ مِن النَّاس، فأخرجَ هؤلاءِ حكمًا، وهؤلاءِ حكمًا، فقال

стр. 2179

عليٌّ ﵁: أتدريان (١) ما عليكما؟ (٢) عليكُما إنْ رأيتُما أن تجمعا أن تجمعا، وإن رأيتُما أنْ تُفَرِّقا أن تُفَرِّقا، فقالت المرأةُ: رضيت بما في كتاب اللَّه عليَّ ولي، وقال الرَّجل: أمَّا الفرقةُ فلا، فقال علي ﵁: كذبتَ، حتَّى تُقِرَّ بمثل الذي أقرَّت به (٣). تَعلَّقَ بعضُ العلماء بظاهرِه، وقال: للحكمَين الجمعُ والتَّفريق. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليس لهما التَّفريق، وهذا الحديثُ دليلُنا؛ لأنَّ الزَّوجَ لمَّا لم يَرضَ به، لم يقل عليٌّ: هو لازمٌ عليك؛ رضيتَ به أو لم ترض، بل قال: لا، حتَّى تُقِرَّ به. فدلَّ أنَّه لا يلزمُ (٤) إلا بأمره. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾؛ أي: بإرادة الحكَمين، ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: بمعاملة الزوجين. وقيل: أي: يَعلمُ، ويُخبِرُ بما يَعلم. * * * (٣٦) - ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ثمَّ ذكرَ بعد حقوقِ الزَّوجين حقوقَ عامَّةِ الخلق، فبدأ بحقِّ نفسِه، وذلك قوله

стр. 2180

تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ (١) قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: وحدوا اللَّه (٢). وقيل: أطيعوا اللَّه. ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ أي: الشِّركَ الجليَّ، وهو الكفرُ، والشِّركَ الخفيَّ، وهو الرِّياء، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ قيل: ﴿إِحْسَانًا﴾ (٣) نصب على الإغراء، وتقديرُه: وإحسانًا بالوالدين، ولا إضمار. وقيل: في أوَّلِه إضمار: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، ومعناه: إلى الوالدين، والباءُ بمعنى: إلى، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ [يوسف: ١٠٠]. وبدأ بهما؛ لأنَّ حقَّهما أعظمُ حقوق البشر. وقوله تعالى: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ (٤) أي: بصاحب القَرابة، وهو أمرٌ بصلةِ الأرحامِ المتَّصلين بك بالوالدين. ووحَّد ذا القربى؛ لأنَّه جنسٌ، فيَصلُحُ للجمعِ، أو هو أمرٌ لكلِّ فردٍ منهم بصلة الرَّحم (٥). وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ قد فسَّرناهما في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قيل: الأوَّلُ هو الجارُ النَّسيب، والثاني هو الجارُ الأجنبيُّ.

стр. 2181

وقيل: الأوَّل: هو الجارُ المسلِمُ، والثاني: هو الجارُ المشرِكُ المباعِد في الدِّين. وقيل: الأول: هو الجارُ الملاصِق، والثاني: هو الجارُ الذي لا يُلاصق. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قال ابنُ عباسٍ وجماعةٌ رضوان اللَّه عليهم: هو الرَّفيق في السَّفر (١). وقال عليٌّ وابنُ مسعودٍ ﵄: هي الزَّوجةُ التي تكون معك، إلى جنبك (٢). وقيل: هو الجليسُ، وهو مرويٌّ عن ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ قال: إني لأستحيي أنْ يَطأ الرَّجلُ بساطي ثلاثَ مرَّات، ولا يَرى عليه أثرَ بِرِّي عليه (٣). وقال النبيُّ ﷺ : "الجيرانُ ثلاثةٌ، جارٌ له حَقٌّ واحدٌ، وهو حَقُّ الجوار، وهو الجارُ المشركُ، وجارٌ له حقَّان، حَقُّ الجوارِ، وحَقُّ الإسلام، وهو الجارُ المسلم، وجارٌ له ثلاثةُ حقوق؛ حَقُّ الجوار، وحَقُّ الإسلام، وحَقُّ القرابة، وهو الجارُ المسلمُ القريب" (٤).

стр. 2182

وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو الغريبُ، وقال قتادةُ والضَّحَّاكُ: هو الضَّيفُ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ أي: العبيدُ والإماء. وقيل: يدخلُ فيه (٢) الحيواناتُ المملوكة؛ لعمومِ كلمة "ما"، ولا يجوزُ الإساءةُ إليها بمنع علفِها، وكثرةِ حملها، وعنفِ استعمالها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾؛ أي: متبخترًا في مشيته (٣)، عظيمًا في نفسِه، لا يقومُ بحقوق اللَّه تعالى التي عليه، فخورًا يفخرُ على عبادِ اللَّه بما خوَّلهُ اللَّه تعالى مِن نعمتِه (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: العبوديَّةُ: معانقة (٥) لأمرِ، ومفارقةُ الزَّجرِ. والشِّرك جليُّهُ: اعتقادُ معبودٍ سواهُ، وخفيُّه: ملاحظةُ موجودٍ سواه. وقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ قال: من جيرانِك: ملكاك (٦)، فلا تؤذِهما بعصيانِك، وراعِ حقَّهما بما تُملي عليهما مِن إحسانِك، وإذا كان جارُ دارِك مستوجبًا للإحسان إليه، فجارُ نفسِك -وهو قلبك- أولى بألَّا تُضيِّعَهُ، ولا تغفلَ عن حلولِ الخواطرِ المرديةِ فيه، ثمَّ جارُ قلبك -وهو معرفتك (٧) - أولى أنْ تحاميَ على حقِّها،

стр. 2183

فلا تُمَكِّنَ ما (١) يخالفُها مِن مساكنَتها، ثمَّ جارُ روحِك- وهو سرُّكَ أولى أنْ تراعيَ حقَّه، فلا تمكِّنهُ مِن الغَيبةِ عن أوطان الشُّهود، ثمَّ الأولى من ذلك كلِّه أن لا تَغفُل عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] (٢). * * * (٣٧) - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ نعتٌ لقوله: ﴿مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾؛ لأنَّه جنسٌ، فكان بمعنى الجمع، والبُخلُ: منعُ الفَضلِ عن ذي الحاجَّة، وأصلهُ: مشقَّةُ الإعطاء. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هو على لسان أهل الحقيقة: تركُ الإيثارِ في زمان الاضطرار. وقال: بخلُ الأغنياءِ بمنع النِّعمة، وبخلُ الفقراءِ بمنع الهمَّة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ بفتح الباء والخاء، والباقون بضمِّ الباء وتسكين الخاء (٤)، وهما لغتان كالرُّشْدِ والرَّشَد والصَّرْف، من باب (٥) علم. قال ابنُ عباسٍ ﵄: نزلَت الآيةُ في رؤساء أهلِ الكتاب، قالوا لرجالٍ

стр. 2184

مِن الأنصار: لا تُنفِقوا أموالَكم، فإنَّا نَخشى الفقرَ عليكم، وما (١) تَدرون ما يكون، فنزلَت هذهِ الآيةُ (٢): ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بأنفسهم، ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ بقولهم. وقولُه تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: يُخفونَ ما أنعمَ اللَّهُ عليهم به مِن المالِ وسَعَةِ الحال، وهم الذين قال اللَّه تعالى فيهم (٣): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، ولمَّا نزلَتْ آيةُ الاستقراض ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، فهم في غاية البُخلِ بالمال. وقيل: هو مرويٌّ عن ابن عباسٍ ﵄ أيضًا أنَّ المرادَ به البخلُ بما علموا به في التَّوراة مِن نعت محمَّد ﵊، وحقِّيَّة (٤) الإسلام، وأمرُهم أصحابَهم بأن لا يُظهروه للمسلمين، وكتمانُهم ذلك (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: هم كافرون، وقد اعتدنا لهم عذابًا يُهانون به في الآخرة. وقال طاوس: البُخلُ: هو أن يبخلَ الإنسانُ بما في يدِه، والشُّحُّ: أنْ يَشِحَّ بما في أيدي النَّاس (٦). وقيل: البخلُ: هو أنْ يأكلَ بنفسِه، ولا يُؤكِلَ غيرَه، والشُّحُّ: ألَّا يأكلَ بنفسِه، ولا غيره (٧)، والسَّخاء: هو أن يأكلَ ويُؤكِلَ، والجودُ: أن يُؤكِلَ ولا يَأكُل.

стр. 2185

(٣٨) - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ذمَّ قومًا منهم بالبُخل، وذمَّ قومًا بالإنفاق في غير الحقِّ. والرِّياءُ مصدرٌ كالمراءاة، يقال: راءاه يُرائيه رياءً ومراءاةً، كما يُقال: ماراهُ يُماريهِ مراءً ومماراةً؛ أي: يَبذلون أموالَهم لوجوهِ النَّاس، لا لرضاءِ اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ونفقةُ مَن لا يُؤمِنُ لا تكونُ لرضى اللَّهِ، بل تكون بتزيين الشيطان، ولذلك ختمَ الآيةَ به، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ القرينُ: المقارِنُ، كالشَّريكِ هو المشارك، وقوله تعالى: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾؛ أي: بئس القرين (١) هو، وما أسوأهُ قرينًا له، وهو يكون في الدُّنيا، كما قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت: ٢٥]، وفي الآخرة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]. وقال السُّدِّيُّ: نزلت (٢) في المنافقين. * * * (٣٩) - ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ عليهم، استفهامٌ بمعنى الاستنكار (٣)، يقول: أيُّ مضرَّةٍ ومشقَّةٍ عليهم في الإيمان والإنفاق.

стр. 2186

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ (١) أخبرَ أنَّهم ممتنعون عنه اختيارًا (٢)، لا ممنوعون عنه إجبارًا، فدلَّ على مذهب أهلِ السُّنَّة والجماعة (٣)، وهذا قطْعٌ للعُذر؛ لأنَّ تركَهم الإيمانَ وإنفاقَهم للرِّياء، كان لإبقاء الرياسة، فأخبرَ أنَّ إيمانَهم وإنفاقَهم (٤) لا يزيلُ ذلك، بل يزيدُها، كما كان لعبد اللَّه بن سلام وأصحابه، وغيرُهم ماتوا وانقطعَ ذِكْرُهم أصلًا. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ قال الإمامُ أبو منصور ﵀؛ أي: أنشأَهُم على علمِه بأنَّهم لا يؤمنون؛ ليعلمَ الخلائقُ أنَّ مخالفتَهم إيَّاه لا تَضرُّهُ (٥). وقيل: قال ذلك تحذيرًا لهم. وقيل: أي: كان بهم عليمًا أنَّهم لا يؤمنون، عنادًا ومكابرةً، لا لقصور الدليل. * * * (٤٠) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ أي: مقدارَ ذرَّةٍ في الثِّقل، والذَّرَّةُ عند ابنِ عبَّاس ﵄: النَّملةُ الصَّغيرةُ الحمراء (٦) التي لا تَكادُ تُرى مِن صغَرِها،

стр. 2187

وفي روايةٍ عنه أنَّه أدخلَ يدَهُ في التُّراب، ثمَّ رفعَها، ثمَّ نفخَ (١) فيها، وقال: كلُّ واحدةٍ من هذا ذرَّة (٢). وقيل: الذَّرَّة: الواحدةُ مِن الأجزاء التي تَظهرُ في شُعاع الشمس، إذا وقعَت في الكوَّة. واتِّصالُها بما قبلَها أنَّ قوله (٣): وماذا عليهم لو آمنوا باللَّه، وأنفقوا، واللَّهُ لا يَظلِمُ مثقالَ ذرَّةٍ (٤)؛ أي: لا ينقصُ مِن أعمال العباد شيئًا. وقيل: أي: لا يضعُ ذنبَ أحدٍ على أحدٍ وإنْ قلَّ. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قرأ أهلُ المدينة: ﴿وإن تك حسنةٌ﴾ بالرفع (٥)؛ لأنَّها اسمُ كان، وقرأ أهلُ مكَّة بياء التذكير ورفعِ الاسم، لتقديم الفعل على الفاعل (٦)، وقرأ الباقون بتاء التأنيث ونصب الاسم، ومعناه: وإن تكُ زِنَةُ الذَّرَةِ حسنةً وقرأ ابنُ كثير ونافعٌ وابنُ عامر (٧): ﴿يضعِّفْها﴾ بالتشديد (٨)، والباقون ﴿يُضَاعِفْهَا﴾.

стр. 2188

وقرأ الحسنُ: "نُضاعفها" بالنون (١) الخفيفة؛ إخبارًا (٢) مِن اللَّه تعالى عن نفسِه بكلام الملوك على الجمع. وقيل: الإضعافُ: إعطاءُ المثلَين، والتَّضعيفُ والمضاعفةُ: إعطاءُ الأمثالِ (٣)، يقول: وإنْ تكُ قدر الذَّرَّة حسنةً، فاللَّهُ تعالى يُعطِي ثوابَها أضعافًا، لا على قدرِ العمل، وهذا جزاءُ العمل، ثمَّ وراءَه زيادةٌ مِن عنده، وهو قوله تعالى: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: يعطِ مِن عنده ثوابًا كثيرًا كبيرًا (٤)، وما وصفَهُ اللَّهُ تعالى بالعظيمِ (٥)، فمن يَعرِفُ مقدارَهُ مع أنَّه سَمَّى الدُّنيا وما فيها قليلًا، وسمَّى هذا الفضل (٦) عظيمًا. وقال عطاءٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ مِن منافقٍ إلَّا جازاهُ بها، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ مِن مؤمنٍ ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ الآية (٧). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ذكرَ هذا ونحوَه؛ لئلَّا يَظُنَّ جاهل إذا رأى ألمَ الأطفالِ، وما يَحُلُّ بهم أنَّ ذلك ظلمٌ منه لهم، لكن ذلك ليُعلَمَ أنَّ الصَّحَّةَ والسَّلامة إفضالٌ مِن اللَّه تعالى عليهم، لا لحقِّهم عليه؛ إذ

стр. 2189

له أنْ يَخلُقَ كيف شاء صحيحًا وسقيمًا، ثمَّ مَن ظلمَ آخر (١) في الشَّاهدِ، فإنَّما يَظلِمُ لإحدى خَلَّتين؛ إمَّا لجهل بالعدل والحقِّ، وإما لحاجةٍ تَمسُّه يدفع ذلك به عن نفسِه، واللَّه تعالى غنيٌّ بذاتِه، عالمٌ لم يزل، يتعالى عن أن تمسَّهُ حاجةٌ، أو يَخفي عليه شيءٌ، مع ما أنَّ الظُّلمَ في الشَّاهد هو تناولُ ما ليس له بغير إذنِ مَن هو له (٢)، وكلُّ الخلائقِ مِن كلِّ الوجوه له، فلا معنى للظُّلم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهذا يُبطِلُ قولَ المعتزلةِ: إنَّ مَن ارتكبَ كبيرةً يَخلُدُ في النَّار ومعه حسنات كثيرةٌ، واللَّهُ تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ (٣) الآية (٤). * * * (٤١) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾؛ أي: فكيف حالُهم؟ وهذا استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ لأنَّه يقتضي إقرارَ العبد على نفسه بما كان من قبيحِ عملِه. وقوله ﷻ : ﴿بِشَهِيدٍ﴾؛ أي: شاهدٍ عليهم، وهو نبيُّهم. وقوله تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾؛ أي: أحضرناكَ، وقوله (٥):

стр. 2190

﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: هذه الأمَّة (١) ﴿شَهِيدًا﴾؛ أي: شاهدًا على مَن آمنَ بالإيمان، وعلى من كفرَ بالكُفْر، وعلى مَن نافقَ بالنِّفاقِ؛ أي: بماذا (٢) يعتذرون، وبأيِّ شيءٍ يَحتجُّون، وإلى شفاعةِ مَن يَلتجئون، إذا أُمِرَ بهم إلى النَّار؟ وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إذا كان الرَّسولُ هو الشهيدُ على أمَّتِه، وهو الشَّفيعُ لهم، فإنَّما يَشهدُ بما يُبقِي للشَّفاعة موضعًا (٣). ورويَ أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ ابنَ مسعودٍ ﵁ بقراءة (٤) هذه السورة، فلمَّا انتهى إلى هذه الآية، فاضَتْ عينا رسولِ اللَّه ﷺ ، وسكتَ ابنُ مسعودٍ ﵁، ثمَّ أمرَهُ حتَّى أعادَ القراءةَ مِن أوَّلِ السُّورةِ إلى هاهنا، ففاضت عيناه، حتَّى فعل ذلك ثلاثًا (٥). ورويَ أنَّه ما قرأ رسولُ اللَّه ﷺ هذه الآيةَ قطُّ إلَّا بَكى. وعن جابرِ بن عبد اللَّه قال: بينا نحن جلوسٌ في مسجد رسولِ اللَّه ﷺ وحذيفةُ يَقُصُّ عليهم ويقرأ، فدخلَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فسكتَ حذيفةُ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "عُد يا حذيفة"، قال (٦): وأنت حاضرٌ؟ قال: "وأنا حاضرٌ، والذي نفسي بيدهِ، ما خرجتُ

стр. 2191

إليكم حتَّى رأيتُ أبوابَ السَّماء فُتِحَت، ورأيتُ الرَّحمةَ تَنزِلُ عليكم، والذي نفسُ محمَّدٍ بيدِه، ما خرجَ رجلٌ مِن بيتهِ يؤمُّ بقعةً يُذكَر اللَّهُ تعالى فيها إلَّا بوَّأهُ اللَّه بها بقعةً في الجنَّة، اقرأ يا حُذيفة سورة النِّساء"، فقرأها (١) حتَّى إذا بلغَ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية، ففاضَت عينا رسولِ اللَّه ﷺ حتَّى أخضلَ دمعُه لحيتَه، ثمَّ قال: "عُد"، فعاد، حتى قرأ سبعَ مرَّات (٢). * * * (٤٢) - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نُصبَ على الظرف، وأضيف إلى "إذ"، وهي أداةٌ للظَّرف، واتِّصالُها بما قبلَها: إذا جئنا من كلِّ أمَّةٍ بشهيدٍ يومئذٍ. و ﴿يَوَدُّ﴾؛ أي: يتمنَّى. وقوله تعالى: ﴿وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ أي: خالفوا أمرَ المصطفى ونهيَه، وضُمَّتِ الواو من "عصوا" عند التقاء السَّاكنين؛ لأنَّه واوُ جمعٍ، وهي أختُ الضمَّة، فسُكِّنَت للاعتلال، فإذا احتيجَ إلى تحريكها، حُركت إلى أصلها، بخلاف قوله تعالى: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: ٤٢]، حيثُ كُسِرت لالتقاء الساكنين؛ لأنَّه سكونُ بناءٍ، واضطُرُّوا إلى تحريكِها، والساكنُ الأصليُّ يُحَرَّك إلى الكسرِ عند الضَّرورة (٣). وقوله تعالى: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ قرأ نافعٌ وابن عامر بفتح التاء وتشديد السين، وأصلُه: تتسوَّى، أُدْغِمَت إحدى التَّاءين -وهي الأخيرة- في السِّين.

стр. 2192

وقرأ حمزةُ والكسائيُّ بفتح التَّاء، وتخفيف السِّين، على حذفِ التَّاء الثَّانية، كما في قوله تعالى: ﴿تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨]. وقرأ الباقون: ﴿تُسَوَّى﴾ برفع التَّاء وتخفيفِ السِّين، وهو فعلُ ما لم يسمَّ فاعلُه، من التَّسوية. و"لو" كلمةُ تمنٍّ؛ أي: يتمنَّون لو سُوُّوا بالأرضِ، وسُوِّيَت بهم؛ أي: كانوا مِن جملةِ الأرض، ترابًا غيرَ مكلَّفين، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وهذا لأنَّ الأرضَ إنَّما تُسوَّى بشيءٍ منها، فكأنَّهم تمنَّوا أن يكونوا منها (١). وقيل (٢): تسويتُهم بالأرض أنْ يُجعَلوا مثلَها، فكأنَّهم (٣) تمنَّوا أنْ يجعلَهُم اللَّهُ ترابًا. وفي قوله تعالى: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ هذان الوجهان أيضًا (٤): يا ليتني كنتُ ترابًا في الأصلِ فلم أكلَّف، ويا ليتني صرتُ ترابًا اليوم (٥) كما تصيرُ البهائمُ المحشورةُ بعد القصاصِ تُرابًا، فلم أعذَّب. وقيل: يودُّون لو لم يُبعَثوا مِن قبورِهم، أو أعيدوا فيها، فتستوي (٦) الأرضُ بهم، كما كانت قبلَ البَعثِ. وقيل: يَودُّون لو أخذَتْهُم الأرضُ فوَارَتهم بما لحقَهم مِن الخزيِ يومئذٍ،

стр. 2193

وهو كقول الرجل إذا افتَضَحَ مِن الشَّيء: ليتَ الأرضَ أخذَتني وخُسِف بي فيها، ولم تَنلْني هذه الفضيحةُ، وقد أخبَرَ اللَّهُ عن خزيِهم يومئذٍ، قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢]، ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥]. وقيل: يَودُّون ما يعدلُ بهم ما في الأرضِ من شيءٍ فديةً، وهو كما قال تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ [المعارج: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قيل: هو متَّصِلٌ بقوله: ﴿لَوْ تُسَوَّى﴾، والتَّمنِّي واقعٌ عليهما. قال عطاء: لو تنطبقُ عليهم الأرضُ ولم (١) يكونوا كَتموا أمرَ محمَّدٍ، ولا كفروا به (٢)، ولا نافقوا. وقيل: هذا وصفُ حالهم يومئذٍ على الابتداء: أنَّهم لا يكتمون اللَّهَ شيئًا مِن حديثِهم الذي كانوا عليه، بل يُصدِّقونَ أنبياءَهم فيما شَهدوا عليهم مِن الكُفر والمعاصي، قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [الملك: ١١]، فأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فقد قيل: معناه: ما كنَّا عند أنفسِنا مشركين، بل توهَّمنا بإضلال الشيطانِ أيَّانا أنَّا مِن الموحِّدين، وكذا قوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]؛ أي: كنَّا نَظن أنَّا محسنون. وقيل: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾؛ أي: عَلِمَ اللَّهُ ما كان منهم في الدُّنيا، فلا يَسألُهم ليكتموه، وهو كقوله ﷻ : ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]؛ أي: لا يُسألون: ما عملتم؟ لعلمِ اللَّه تعالى به.

стр. 2194

وقيل: يجحدون في الآخرة أوَّلًا، كما أخبرَ اللَّهُ تعالى عنهم، فإذا جَحدوا وشهِدَت جوارحُهم عليهم؛ افتَضَحوا، وودُّوا لو سُوِّيَت بهم الأرضُ، وألَّا يكونوا كتموا ذلك بجحودِهم. وقال الحسنُ: إنَّها (١) مواطن، ففي موضعٍ لا يَتكلَّمون، ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وفي موضعٍ يتكلَّمون فيكذبون، ويقولون: ما كنا نفعل (٢)، وفي مواطن (٣) يَعترفون وفي موضعٍ يسألون الرَّجعة إلى الدُّنيا، وإنَّ آخرَ تلك المواطن أنَّ أفواهَهم تُختَمُ (٤)، وتَتكلَّم أيديهم وأرجلهم (٥). وقيل: هذا وصفُ أهلِ الكتاب، كتموا أمرَ محمَّدٍ، وقد علموا به في التَّوراة، قال تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، وكتابُ اللَّه فضلُه وحديثُه، قال تعالى (٦): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، يقول: يَودُّون يومئذٍ لو تُسوَّى بهم الأرضُ، ولم يَكتموا في الدُّنيا ما أنزلَ اللَّهُ مِن حديثِه، ومن كتمَ شيئًا من كتاب اللَّهِ، جازَ أن يُقالَ له (٧): كتمَ اللَّه؛ أي: كتم عباده (٨)، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]، وكتمتُ فلانًا، وكتمتُ منه؛ بمعنى.

стр. 2195

(٤٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ وانتظامُها بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والصَّلاةُ رأسُ العبادات بعدَ الإيمان. ومعناه: لا تدنوا إلى مواضعِ الصَّلاة -وهي المساجدُ- حالةَ السُّكرِ، فذكرَ الصَّلاةَ، وأرادَ بها مواضعَها، كما في قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾، وهو قولُ عمر وابن مسعود (١)، ودليلُ هذا الإضمار أنَّه عطفَ عليه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وهو نهيُ الجُنب عن قُربان المساجدِ، فإنَّه استثنى ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وذلكَ في حقِّ المساجدِ دون أعيان الصلوات (٢)، ثمَّ النَّهيُ عن قربانِ المساجدِ حالةَ السُّكرِ نهيٌ عن الصَّلاة في تلك الحالة أيضًا؛ لأنَّ النهيَ عن قُربان المساجدِ لحرمة الصَّلاة، فكان النهيُ عن هذا نهيًا عن ذلك، ثمَّ النَّهيُ ليس عن عين الصَّلاة، فإنَّها عبادةٌ، فلا (٣) ينهى عنها، بل هو نهيٌ عن اكتساب السُّكْرِ الذي يَعجزُ به عن الصلاة على الوجهِ. قاله الإمام أبو منصور ﵀. قال: وكذلك قولُ رسول اللَّه ﷺ : "لا صلاة للعبدِ الآبقِ، ولا للمرأة الناشزةِ" (٤)،

стр. 2196

ليس فيه النَّهيُ عن الصَّلاة، لكنَّ النهيَ عن الإباق والنُّشوز، وهذا لأنَّ الإباقَ والنُّشوزَ والسُّكْرَ ليست بالتي تَعملُ في إسقاط الفرض. قال: وفي الآية دلالةٌ (١) أنَّ السَّكرانَ مخاطَبٌ؛ فإنَّه قال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، وإذا كان مخاطبًا، عَمِلَ طلاقُه، ونَفذتْ عقودُه (٢). وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الواو للحال، والسُّكارى جمعُ السَّكران، كالكُسالى جمع الكسلان، والسُّكر من باب عَلِمَ، وهو انسدادُ طرقِ المعرفة مِن الشُّرب وغيره، مأخوذٌ من سَكْرِ الماء، وهو سدُّ مجراه، من باب دخل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥]؛ أي: سُدَّت ومُنِعَتِ النَّظر، وسكراتُ الموت أُخِذَت منه، وقولُه تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] هو تشبيهٌ بحالِ السُّكرِ مِن الشَّراب. وأكثرُ المفسِّرين على أنَّ هذا مِن سُكْرِ الشَّراب. وقال الضَّحَّاك: معناه: وأنتم سُكارى مِن النَّوم (٣)، وهو كقول النَّبيِّ ﷺ : "إذا نَعَسَ أحدُكم في صلاتِه فلينصرف وليرقد، فإنَّه لا يَدري لعلَّه يستغفرُ (٤)، فيسبُّ نفسه" (٥).

стр. 2197

والأظهرُ الأشهرُ هو الأوَّل، ونزولُها في شأن عبدِ الرَّحمن بنِ عوف، صنعَ طعامًا فدعا إليه أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا وسعد بن أبي وقاص رضي اللَّه تعالى عنهم (١) أجمعين، فأكَلوا، وسقاهم خمرًا، وذلك قبل تحريمِها، فحضرَتْ صلاةُ المغربِ، فأمَّهم عبدُ الرَّحمن (٢). وفي روايةٍ: فأمَّهم رجلٌ مِن خيارِهم (٣)، وفي روايةٍ: فأمَّهم عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ (٤)، فقرأ: "قل يا أيها الكافرون"، فطرح اللاءات، فنزلَت هذه الآيةُ. وقد ذكرنا في سورة البقرةِ (٥) ترتيبَ الآياتِ في شأن (٦) الخمر، وأنَّها كيف حُرِّمَت قطعًا، وأنَّ هذه الحادثةَ كانت في وقتٍ لم يكن شربُها في غير أوقات الصَّلاةِ حرامًا، وذكرنا معنى هذا النهي. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: السُّكر: ذهابُ العقلِ، ولا تَصلحُ معه المناجاة مع الحقِّ، والمُصلِّي يُناجي (٧) ربَّه، فكلُّ ما أوجبَ للقلب الذُّهولَ عن اللَّه تعالى، فهو ملتحقٌ به، ومِن أجلِ هذه الجملةِ حصل السُّكرُ على أقسام؛ فسُكرٌ مِن الخمرِ، وسكرٌ مِن الغفلةِ لاستيلاءِ حبِّ الدُّنيا، وأصعبُ السُّكرِ سكرُك مِن نفسِك، فإنَّ مَن سَكِر مِن الخمرِ، فإن لم يُغفَر له، فقُصاراهُ الحرقةُ (٨)، ومَن سَكِرَ مِن نفسِه ففي الوقتِ على الحقيقةِ له القطيعةُ والفُرقةُ.

стр. 2198

وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ بيَّنَ أنَّ السُّكرَ هو أنْ يصيرَ بحالٍ لا يَعلمُ ما يَقول، وحدُّ السُّكرِ عند أبي حنيفة ﵀: هو ألَّا يَعرف (١) الأرضَ مِن السَّماء، والرِّجالَ مِن النِّساء، وعند أبي يوسف ومحمد (٢) والشافعيِّ ﵏: هو أنْ يَختلِطَ كلامُه (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀: في الآية دلالةٌ أنَّ في الصَّلاة قولًا فرضًا، نهى عن قربانها في حالةِ السُّكر مخافةَ تركه، أو خوفًا (٤) أن يُدْخِلَ فيها قولًا ليس منها. وفيه دليلُ فساد الصَّلاة بالكلام عمدًا أو خطأ؛ لأنَّ السَّكرانَ غير عامد (٥). وفيه دليلٌ على أنَّ الخطأ الفاحشَ في القراءةِ مفسدٌ للصَّلاة. وفيه دليلٌ على أنَّ رِدَّةَ السَّكران ليست بِردَّةٍ، وهي حجَّةٌ على أبي يوسف ﵀، فإنَّه يصحِّحُها كما يُصحِّحُ سائرَ تصرُّفاته، لكنَّ حديثَ قراءةِ بعضِهم سورةَ الكافرون بطرحِ اللاءات، مع أنَّ اعتقادها كفرٌ، ولم يكن كفرًا مِن ذلك القارئ، حيث كان سكران: دليلٌ على ما قلنا. وفيه دليلٌ على أنَّه إذا جرى الكفرُ على لسانهِ خطأً مِن غير عمْدٍ، لم يكفر به، لأنَّ ما يَجري على لسان السَّكران خطأٌ، فعلى ذلك غيرُ السكران، وهذا لأنَّ الكفرَ بالقلبِ، واللِّسانُ معبِّرٌ عنه، وفي هذه الحالةِ لا يكونُ دليلًا على اعتقادِ القلب، فلم يُجعَل كفرًا (٦).

стр. 2199

وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ الجُنُب: الذي خالطَ أهلَه، أو خرجَ منه منيُّه بشهوةٍ واحتلام، ويَستوي فيه الذَّكرُ والأُنثى، والواحدُ والتَّثنيةُ والجمع، لأنَّه على صيغة المصدر، كالنُّكْر والنَّذْر (١) بمعنى الإنكار والإنذار، وقد أجنبَ إجنابًا، أي: صار جُنُبًا، سُمِّيَ به؛ لأنَّه يُجَنَّبُ عن المسجدِ والقراءةِ والصَّلاة ونحو ذلك، وهو نصبٌ على الحال؛ أي: لا تَقربوا المساجدَ وأنتم مجنبون، والجُنُبُ للجمع هاهنا. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ العبورُ: المرور، وقد عبرَ النَّهرَ عبورًا، وهو جمعٌ، وحذف النون للإضافة، وإعرابُه النَّصبُ بالاستثناء من الحال، أي: إلَّا أن تدخلوا المساجدَ للعبور (٢) لا للجلوس. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: إنَّما كُرِه للجُنُب أنْ يَستوطِنَ المسجدَ، فمروره في المسجد إذا لم يجلس فيه كقراءتِه بعضَ الآية إذا لم يُتِمَّها (٣). وقيل في نزوله: إنَّ رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبُهم جنابةٌ، ولا ماءَ عندَهم، فيريدون الماءَ، فلا يَجدون ممرًّا إلَّا في المسجد، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٤). وقال عليٌّ وابنُ عبَّاس ﵃ في تأويل هذه الآية: أي (٥): لا تصلوا

стр. 2200

﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: في حال السكر من الشرب، ﴿وَلَا جُنُبًا﴾؛ أي (١): في حالة الجنابة، ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أي (٢): مسافرينَ غيرَ واجدين للماء، ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فتزولَ الجنابةُ، وحتَّى تعلموا ما تَقولون فيزولَ السُّكرُ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ جمعُ مريضٍ، كالجرحى جمعُ جريح، والمراد منه (٤): مرضٌ يُخافُ معه إذا استُعمِلَ الماءُ اشتدادُ المرض، أو امتدادُه، وهذا عندنا (٥). وقال (٦) الشافعيُّ ﵀: إذا كان يخافُ تلفَ النَّفسِ أو طرفٍ منها (٧). وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، وهو أن يكون ببُعدٍ مِن العمران ومواضعِ الماء، ولا يُرادُ به كمالُ مدَّةِ السَّفر في هذا الحكم، ولا مسافرٌ يَجِدُ الماءَ، ولمَّا ثبتَ أنَّ الحكمَ لم يَتعلَّق بعينِ المرض والسَّفر، بل بمعنًى فيهما، وهو العجزُ عن استعمالِ الماء (٨)؛ ثبتَ أنَّ الحكمَ كذلك في كلِّ موضعٍ تَحقَّقَ العجزُ. وثبت به صحَّةُ قول أبي حنيفة ﵀ في إجازةِ التَّيمُّم للجنابة في المصر إذا

стр. 2201

عَدِمَ الماءَ الحارَّ، أشارَ إليه الإمام أبو منصورٍ ﵀ (١)، وإنَّما علَّق ذلك بالمرضِ والسَّفر ظاهرًا؛ لأنَّ العجزَ عن استعمالِ الماء يقعُ فيهما غالبًا. وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ أي: وجاء، كما في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾؛ أي: ويحدِثَ. والغائط: المكانُ المطمئنُّ مِن الأرض، وكانوا يأتونَه لقضاء الحاجة قبل اتِّخاذِ الكُنُف في البيوت، وهو كناية عن الحدث. وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قرأ حمزةُ والكسائي والمفضل عن عاصم (٢): ﴿لَامَسْتُمُ﴾، والباقون (٣): ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٤)؛ أي: جامعتُم، فأجنبتم. قال ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنه: الملامسةُ واللَّمسُ والمسُّ والمباشرةُ والإفضاءُ والرَّفث كناياتٌ عن الوطء (٥). وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ أي: لم تَقدروا على استعمالِه؛ لعدمِه، أو بُعده، أو لفقد (٦) آلةِ الوصولِ إليه، مِن الدَّلو والرِّشاء (٧)، أو لمانعٍ عنه، مِن حيَّةٍ أو سَبُعٍ أو عدوٍّ.

стр. 2202

وقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ الأَمُّ واليَّمُ والتَّيمُّم والتأمُّمُ: القصد. وقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الصَّعيدُ: وجهُ الأرض؛ لأنَّه تصاعدَ عنها، أو لأنَّه يصعدُ عليها، والطَّيِّبُ: الطَّاهرُ. ويجوز التَّيمُّم بكلِّ ما كان مِن أجزاء الأرض عندَ أبي حنيفة ﵁، لزقَ بالكفِّ أو لم يَلزق، وعند محمد كذلك، لكن إذا لزقَ بالكفِّ، وعند أبي يوسف ﵀ الصعيد: هو التُّرابُ والرَّمل (١). وعند الشافعيِّ ﵀ هو الترابُ لا غير (٢)، والطَّيِّبُ المنبت عنده كما في قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]. والصَّحيحُ ما قال أبو حنيفة ﵀، وعليه أهلُ التَّفسير وأهلُ اللُّغة ﵏، ويؤيِّدُه النُّصوص، قال اللَّه تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨]، وقال النبيُّ ﷺ : "يُحشَرُ النَّاسُ في صعيدٍ واحد" (٣). وقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ قيل: أي: فامسَحوا الصَّعيدَ بها. وقيل: الباءُ زائدةٌ، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وتقديره: فامسحوا وجوهَكم وأيديكم. وهذا تفسيرٌ للتيمُّم وبيانٌ له، وهو مشروعٌ في الجنابةِ والحدثِ جميعًا على قدرٍ واحدٍ.

стр. 2203

والأيدي عند الزُّهريِّ إلى الآباط (١)؛ لأنَّ الاسمَ لكلِّها لغةً (٢)، وفي الوضوءِ اقتصرَ على المرافق؛ لأنَّ النَّصَّ مدَّه (٣) إليها. وقال الأوزاعيُّ: إلى الأرساغ، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وعندنا إلى المرافق معها (٤)؛ لأنَّ التَّيمُّمَ بدلٌ عن الوضوء، فيتقدَّرُ بتقدير الأصل، وفي قطع السَّرقةِ وردَ التَّقديرُ بذلك نصًّا. وقال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾: نزلت في رجلٍ مِن الأنصار كان مريضًا، فلم يَستطع أنْ يقومَ فيتوضَّأ، ولم يكن له خادمٌ فيناولَه (٥) الماء، فأتيَ به (٦) رسولُ اللَّه ﷺ ، فذَكرَ ذلك له (٧)، فنزلَت الآيةُ (٨). وقال مقاتل: نزلَت في عبد الرحمن بن عوف، أصابَته جنابةٌ وهو جريحٌ، فشَقَّ عليه الغُسلُ، وخافَ منه، فنزلت الآية (٩). وتقدير (١٠) الآيةِ على قوله: وإن كنتم جُنبًا مَرضى، وتركَ ذكرَ الجنابة؛ اكتفاءً بما

стр. 2204

ذكرَ قبلَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وعلى هذا التَّأويل يكون قوله ﷻ : ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ على حقيقة "أو"، مِن غير أنْ تُجعَل بمنزلة الواو، ومعناهُ: وإنْ كنتم جُنُبًا، أو مُحْدِثين مرضى أو مسافرين، فتيمَّموا لهما (١) جميعًا على صفةٍ واحدةٍ. وكذا رُويَ عن ابن عباسٍ ﵄ وابنِ مسعود وأبي مالكٍ والسُّدِّيِّ ﵃ أنَّهم حَملوا الآيةَ على الجُنبِ الجريح (٢)، وأوَّلوها على هذا الوجه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ العفوُّ: الكثيرُ العفوِ، وله معنيان: أحدهما: التَّسهيلُ والتَّخفيف، قال النبيُّ ﷺ : "عفوتُ لكم عن صدقةِ الخيلِ والرَّقيق" (٣)، ومعناه أنَّه خفَّف عليكم بإقامةِ الصَّعيدِ الطَّيِّبِ مقامَ الماءِ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾ بيانُ أنَّ سنَّتهُ كذلك في كلِّ عباده، وقوله تعالى: ﴿غَفُورًا﴾ أي: كثيرَ المغفرة للذُّنوب. والمعنى الثاني: أنَّه الصَّفح والتَّجاوزُ، ويَرجِعُ إلى أوَّل الآية (٤): ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ أي: مَن فعلَ ذلك، ثمَّ رجعَ عنه، عفى اللَّه عنه، وغفرَ له، ولم تزل سنته في عباده كذلك. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جعلَ اللَّهُ التيمُّمَ بدلًا عن الطَّهارةِ بالماء عند

стр. 2205

إعوازِ الماء، كذلك النُّزولُ إلى ساحاتِ التَّفرقةِ عن (١) ارتقاءِ ذروةِ الجمع، بقدر ما يحصل من الضَّعف: بدلٌ لأهل الحقائقِ في الشَّرع. ثمَّ التَّيمُّمُ الذي هو بدلُ الماءِ أعمُّ وجودًا مِن الماء، وأقلُّ استعمالًا، فكلُّ مَن كان أقربَ كانت المطالباتُ عليه أصعبَ. ثمَّ في التَّيمُّم سقطَ استعمالُه في الرَّأسِ والقدم؛ صيانةً لك عن الهوانِ، وذلك لعزِّ الإيمانِ مع الإفلاس عن (٢) الإحسان، ولئِن كان الإفلاسُ يُوجِبُ التَّذلُّل، فعرفانهُ بجلال سيِّدِه يوجبُ التَّعزُّزَ (٣). * * * (٤٤) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ كلمةُ تعجيبٍ (٤)؛ عن أمرٍ قد بلغَهُ، فيَخرجُ مخرجَ التَّذكير، أو لم يبلغه، فيَخرُجُ مخرجَ التَّعليم (٥)، وقد مرَّ تفسيرُه وإيضاحُه مرَّاتٍ، يقول: ألم تَنْتَهِ (٦) رؤيةُ قلبك يا محمَّد إلى اليهود الذين أُعطوا حظًّا مِن التَّوراة، وهم الذين مرَّ ذكرُهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾؟

стр. 2206

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ مكروا مكرًا (١)، فغفلوا وما شعروا، أُعطوا الكتابَ، ثمَّ حُرِموا بركاتِ الفهم، فحرَّفوا، وخالفوا، ولم يَعملوا بالعلم (٢). وقوله تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾؛ أي: بالهُدى، هذا مضمَر، ومعناه: يختارون الغيَّ (٣) على الرُّشد، أو يستبدلونه (٤)، وقد مرَّ شرحُه في سورة البقرةِ مرَّات. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: ويحبون أنْ تَضلُّوا أنتم سبيلَ الحقِّ كضلالِهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّما أرادوا ذلك؛ ليكونَ النَّاسُ كلُّهم على دينِهم، فتكونَ لهم الرياسةُ على الكلِّ، وأخذُ المرافقِ مِن (٥) الكل. وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. وقال الكلبيُّ: هم اليهودُ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾؛ أي (٦): اليهوديَّة. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ كانوا يأتون عبدَ اللَّه بنَ أُبيٍّ (٧) ومالكَ بن الدُّخْشم (٨)، فيثبِّطونَهم عن

стр. 2207

الإسلام. يقول: ألم تتعجَّب مِن اليهود مع ادِّعائهم العلمَ، وتفضيلِهم أنفسَهم على غيرهم؛ يَختارون الضَّلالةَ على الهُدى، ولا يَرضون بالاقتصارِ على أنفُسهم في هذا الجهلِ حتَّى يريدوا منكم تركَ دينِكُم. * * * (٤٥) - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ قيل: أي: عالمٌ، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هين. وقيل: أي: هو أعلمُ بهم منكم؛ لأنَّه يَعلمُ مِن باطنِهم ما لا تَعلمونه؛ أي: هؤلاء اليهودُ أعداؤكم، فلا تَثقوا بهم، ولا تَستعينوا بهم في شيءٍ. أو معناه: فلا يَهولنَّكم أمرُهُم؛ فاللَّهُ أعلمُ بهم، وهو منتقم مِنهم، ومجازيهم وناصركم. وقال الكلبيُّ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ مالك بن الدُّخشم وعبد اللَّه بن أُبَيٍّ. وقال الحسن: ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾ اليهود، قال اللَّه تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ قال الزَّجَّاج: الباءُ صلةُ الاكتفاء (١)؛ أي: وكفى باللَّه وليًّا، فاكتفوا به وليًّا؛ أي: مُحِبًّا. وقيل: متكفِّلًا. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: معينًا، وقيل: مانعًا. * * *

стр. 2208

(٤٦) - ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ قيل: أي: الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا. وقيل: واللَّه أعلم بأعدائِكم مِن الذين هادوا (١). وقيل: وكفى باللَّه نصيرًا مِن الذين هادوا؛ أي: لكم على الذين هادوا (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أي: على القوم. وعلى هذه الوجوه الثلاثةِ قولُه تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ لا يُضمَرُ فيه شيءٌ، ويَستقيمُ على ظاهره، ويكونُ هذا صفةً لهم. وفي قراءة عبد اللَّه: (ومِن الذين هادوا) (٣)، وعلى هذا لا يَستقيم الوجوهُ الثلاثة، ويكون ابتداءً، وكذا مَن جعلهُ ابتداءً مِن غير واو الاستئناف، فإنَّه يقول: هاهنا مضمرٌ، وتقديره: مِن الذين هادوا مَن يحرِّفون الكَلِمَ. و"مِن" يكون للجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، وفي مصحف حفصة ﵂: (من الذين هادوا من يحرف الكلم (٤) عن مواضعه) (٥)، ونظيرُه في القرآن قوله

стр. 2209

تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: إلَّا مَن، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]؛ أي: إلا من، وهو كقول الشاعر: فظلُّوا ومنهمْ دَمعُهُ سابقٌ له... وآخرُ يَثني دمعةَ العين بالمَهْلِ (١) وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يحولون (٢)، و"الكلم" جمعُ كلمة، ولذلك قال تعالى: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، والتَّحريفُ نوعان: أحدهما (٣): صرفُ الكلامِ إلى غير المراد به بضربٍ من التَّأويلِ الباطل. والثاني: تبديلُهم الكلمةَ بأُخرى، وكانوا يفعلون ذلك، قال تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ أي: قولَك، ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: أمرَك (٤)، يُظهِرون الأوَّل، ويُضمرون الثاني خوفًا. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ﴾ أي: قولنا، ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: لا أسمعَك اللَّهُ، وهذا كانوا يضمرونَهُ في أنفسهم. وقيل: معناه: غير مسمَعٍ؛ أي: غيرَ مجابٍ، قاله الحسن (٥)، وتحقيقُه على وفق اللُّغة؛ أي: لا نُسمِعُكَ إجابتَنا، وهذا كانوا يضمرونَه أيضًا.

стр. 2210

وقيل: كانوا يُظهرونَ قولهم: غير مسمعٍ، وتأويلُه: غير مسبوب، يقال: أسمعتُ فلانًا؛ أي: سببته. وقوله تعالى: ﴿وَرَاعِنَا﴾ يوهمون بظاهره أنَّهم يطلبون مراعاتَه عند كلامِهم، وهو إمهالهم حتى يُتِمُّوا كلامَهم. وقوله تعالى: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أي: تقليبًا، وقد لَوى يَلوي ليًّا (١)؛ أي: يُظهِرون هذا، ويُريدونَ به السَّبَّ بالرُّعونة، وقد مرَّ شرحُه في سورة البقرة. وقيل: ليُّهم بألسنتِهم إشباعُهم كسرةَ العين في ﴿وَرَاعِنَا﴾، يريدون: راعينا؛ أي: أنت راعينا (٢)، يريدون وصفَهُ براعي (٣) الغنم. وقوله تعالى: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يقولون: هو لا يَصلحُ للنُّبوَّة. وقيل: كانوا يقولون له: السَّامُ عليك، فيقول: "وعليكم" (٤) فيخرجون ويقولون لولا يعذبنا اللَّه بما نقول؛ أي: لو كان هو على الدِّين الحقِّ، فلماذا لا يُعذِّبُنا اللَّهُ بهذا. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا﴾؛ أي: قولَك، ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: أمرَك، ولا يقولون: وعصَينا في أنفسِهم. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ﴾ (٥)؛ أي: قولَنا، ولا يُلحِقونَ به: غيرَ مُسمَع. ﴿وَانْظُرْنَا﴾ مكان: راعنا، من غير تلبيس؛ أي: انتَظِرنا حتَّى نفرغَ من كلامِنا.
следующие страницы →