← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ مكروا مكرًا (١)، فغفلوا وما شعروا، أُعطوا الكتابَ، ثمَّ حُرِموا بركاتِ الفهم، فحرَّفوا، وخالفوا، ولم يَعملوا بالعلم (٢). وقوله تعالى: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾؛ أي: بالهُدى، هذا مضمَر، ومعناه: يختارون الغيَّ (٣) على الرُّشد، أو يستبدلونه (٤)، وقد مرَّ شرحُه في سورة البقرةِ مرَّات. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: ويحبون أنْ تَضلُّوا أنتم سبيلَ الحقِّ كضلالِهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنَّما أرادوا ذلك؛ ليكونَ النَّاسُ كلُّهم على دينِهم، فتكونَ لهم الرياسةُ على الكلِّ، وأخذُ المرافقِ مِن (٥) الكل. وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. وقال الكلبيُّ: هم اليهودُ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾؛ أي (٦): اليهوديَّة. ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ كانوا يأتون عبدَ اللَّه بنَ أُبيٍّ (٧) ومالكَ بن الدُّخْشم (٨)، فيثبِّطونَهم عن

стр. 2207

الإسلام. يقول: ألم تتعجَّب مِن اليهود مع ادِّعائهم العلمَ، وتفضيلِهم أنفسَهم على غيرهم؛ يَختارون الضَّلالةَ على الهُدى، ولا يَرضون بالاقتصارِ على أنفُسهم في هذا الجهلِ حتَّى يريدوا منكم تركَ دينِكُم. * * * (٤٥) - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ قيل: أي: عالمٌ، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]؛ أي: هين. وقيل: أي: هو أعلمُ بهم منكم؛ لأنَّه يَعلمُ مِن باطنِهم ما لا تَعلمونه؛ أي: هؤلاء اليهودُ أعداؤكم، فلا تَثقوا بهم، ولا تَستعينوا بهم في شيءٍ. أو معناه: فلا يَهولنَّكم أمرُهُم؛ فاللَّهُ أعلمُ بهم، وهو منتقم مِنهم، ومجازيهم وناصركم. وقال الكلبيُّ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ مالك بن الدُّخشم وعبد اللَّه بن أُبَيٍّ. وقال الحسن: ﴿بِأَعْدَائِكُمْ﴾ اليهود، قال اللَّه تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ قال الزَّجَّاج: الباءُ صلةُ الاكتفاء (١)؛ أي: وكفى باللَّه وليًّا، فاكتفوا به وليًّا؛ أي: مُحِبًّا. وقيل: متكفِّلًا. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: معينًا، وقيل: مانعًا. * * *

стр. 2208

(٤٦) - ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ قيل: أي: الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب من الذين هادوا. وقيل: واللَّه أعلم بأعدائِكم مِن الذين هادوا (١). وقيل: وكفى باللَّه نصيرًا مِن الذين هادوا؛ أي: لكم على الذين هادوا (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أي: على القوم. وعلى هذه الوجوه الثلاثةِ قولُه تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ لا يُضمَرُ فيه شيءٌ، ويَستقيمُ على ظاهره، ويكونُ هذا صفةً لهم. وفي قراءة عبد اللَّه: (ومِن الذين هادوا) (٣)، وعلى هذا لا يَستقيم الوجوهُ الثلاثة، ويكون ابتداءً، وكذا مَن جعلهُ ابتداءً مِن غير واو الاستئناف، فإنَّه يقول: هاهنا مضمرٌ، وتقديره: مِن الذين هادوا مَن يحرِّفون الكَلِمَ. و"مِن" يكون للجمع، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢]، وفي مصحف حفصة ﵂: (من الذين هادوا من يحرف الكلم (٤) عن مواضعه) (٥)، ونظيرُه في القرآن قوله

стр. 2209

تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]؛ أي: إلَّا مَن، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]؛ أي: إلا من، وهو كقول الشاعر: فظلُّوا ومنهمْ دَمعُهُ سابقٌ له... وآخرُ يَثني دمعةَ العين بالمَهْلِ (١) وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يحولون (٢)، و"الكلم" جمعُ كلمة، ولذلك قال تعالى: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، والتَّحريفُ نوعان: أحدهما (٣): صرفُ الكلامِ إلى غير المراد به بضربٍ من التَّأويلِ الباطل. والثاني: تبديلُهم الكلمةَ بأُخرى، وكانوا يفعلون ذلك، قال تعالى: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا﴾ أي: قولَك، ﴿وَعَصَيْنَا﴾؛ أي: أمرَك (٤)، يُظهِرون الأوَّل، ويُضمرون الثاني خوفًا. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ﴾ أي: قولنا، ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: لا أسمعَك اللَّهُ، وهذا كانوا يضمرونَهُ في أنفسهم. وقيل: معناه: غير مسمَعٍ؛ أي: غيرَ مجابٍ، قاله الحسن (٥)، وتحقيقُه على وفق اللُّغة؛ أي: لا نُسمِعُكَ إجابتَنا، وهذا كانوا يضمرونَه أيضًا.

стр. 2210

وقيل: كانوا يُظهرونَ قولهم: غير مسمعٍ، وتأويلُه: غير مسبوب، يقال: أسمعتُ فلانًا؛ أي: سببته. وقوله تعالى: ﴿وَرَاعِنَا﴾ يوهمون بظاهره أنَّهم يطلبون مراعاتَه عند كلامِهم، وهو إمهالهم حتى يُتِمُّوا كلامَهم. وقوله تعالى: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أي: تقليبًا، وقد لَوى يَلوي ليًّا (١)؛ أي: يُظهِرون هذا، ويُريدونَ به السَّبَّ بالرُّعونة، وقد مرَّ شرحُه في سورة البقرة. وقيل: ليُّهم بألسنتِهم إشباعُهم كسرةَ العين في ﴿وَرَاعِنَا﴾، يريدون: راعينا؛ أي: أنت راعينا (٢)، يريدون وصفَهُ براعي (٣) الغنم. وقوله تعالى: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يقولون: هو لا يَصلحُ للنُّبوَّة. وقيل: كانوا يقولون له: السَّامُ عليك، فيقول: "وعليكم" (٤) فيخرجون ويقولون لولا يعذبنا اللَّه بما نقول؛ أي: لو كان هو على الدِّين الحقِّ، فلماذا لا يُعذِّبُنا اللَّهُ بهذا. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا﴾؛ أي: قولَك، ﴿وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: أمرَك، ولا يقولون: وعصَينا في أنفسِهم. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعْ﴾ (٥)؛ أي: قولَنا، ولا يُلحِقونَ به: غيرَ مُسمَع. ﴿وَانْظُرْنَا﴾ مكان: راعنا، من غير تلبيس؛ أي: انتَظِرنا حتَّى نفرغَ من كلامِنا.

стр. 2211

وقيل: أي: راعنا: خطابُ الأعلى للأدنى، وانظرنا: خطابُ الأدنى للأعلى، فوُبِّخوا على تركِ الاحترام، ودُعوا إلى الاحترام. وقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ قالوا: لما لم يكن في الذي اختاروه خيرٌ أصلًا، لم جعلَ هذا خيرًا من ذلك؟ وجوابه أنَّه كذلك على زعمِهم، فخُوطِبوا على ذلك، وهو كقوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه (١): لكان خيرًا لهم في الدُّنيا والآخرة؛ أمَّا في الدُّنيا فدوامُ الرياسةِ التي خافوا فوتَها لو أطاعوهُ واتَّبعوه؛ إذ قد أطاعَ منهم قومٌ، فلم تذهب رياستُهم، بل ازدادَ شرفُهم وذكرهُم في الحياة وبعدَ الوفاة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَقْوَمَ﴾؛ أي: أعدلَ، مِن القَيِّم، وهو (٣) المستقيم. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ (٤)؛ أي: طردَهم وأبعدَهم عن رحمتِه بسبب اختيارِهم الكفرَ. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال الكلبيُّ: أي: إلا قليلًا (٥)، منهم عبدُ اللَّه ابنُ سلام وأصحابُه.

стр. 2212

وعن الكلبيِّ في رواية معمرٍ عنه: إلَّا بقليلٍ (١) ممَّا في أيديهم (٢)؛ أي: ببعضِ الكتب والأنبياء، كما قال خبرًا عنهم: ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]. وقيل: أي: إلَّا إيمانًا قليلًا لا يَتِمُّ به الإيمان، وهو كإقرارهم بأنَّ خالقَهم اللَّهُ تعالى، ورازقَهم اللَّهُ تعالى، وتصديقِهم ببعض الكتب وببعض (٣) الأنبياء. * * * (٤٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ وهو القرآن، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: موافقًا للكتاب الذي أنزلَ على نبيِّكم، وهو التَّوراة. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: كان موافقًا لما معهم بالمعاني المدرجةِ (٤) فيه والأحكام، لا بالنَّظمِ واللِّسان. وفيه دليلٌ لقول أبي حنيفة ﵀، حيث أجازَ الصَّلاة بالقراءة بالفارسيَّة؛ لأن تغيُّرَ النَّظم (٥) واختلافَ اللِّسان، لا يُوجِبُ تَغيُّر المعاني واختلافَ الأحكام (٦). وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ الطَّمسُ: محوُ الأثر، قال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨].

стр. 2213

وقيل: هو التغيير (١)، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، رويَ أنَّ ذهبَهم وفضَّتهم صارت حجارةً. وقيل: هو الإغماء، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦]. وقوله (٢): ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾؛ أي: نمحو ما على الوجهِ من العينين والأنفِ والفم، وسائر أجزاء الوجه، فيصيرَ الوجهُ كالقفا، وهو معنى قول ابن عباس ﵄: نجعلها كخفِّ البعيرِ وحافر الدَّابَّة (٣). وقوله تعالى: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ أي: نردَّ الأشياءَ المصوَّرة في الوجوه ﴿عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ جمع دُبُر، وهو الخلفُ؛ لأنَّ الدُّبر ما أدبرَ مِن بدنِ الإنسان، والقُبُل: ما أقبلَ منه؛ أي: نَجعلَ ذلك في الأقفيةِ، وهو مسخُ الرَّأس والوجه، فتكونَ الأيدي والبطون والأرجل في مواضعها، والوجهُ بما فيه في القفا، وفيه مِن الخزيِ والقُبحِ ما لا يخفى. وقوله: ﴿عَلَى أَدْبَارِهَا﴾؛ أي: في أدبارِها، كما يقال: على وجه فلانٍ أنفٌ طويلٌ، وفمٌ واسعٌ؛ أي: في وجهه، و"نردَّها" بمعنى: نجعلَها ونخلقَها. ومعنى هذه الجملة عن قتادة ﵀ (٤) وغيره من المفسِّرين. وقيل: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾؛ أي: نغيِّرَ الوجوهَ (٥) على هيئة أدبارها؛ أي:

стр. 2214

أقفائها، لا عينَ فيها ولا أنفَ ولا فم، لا أن يجعلَ ذلك في الأقفية، بل يبعثَهم (١) عميًا وبكمًا، ليس لهم عينٌ وأنفٌ وفم. وقيل: أي: نجعل وجوهَهم بعد الطَّمس كأقفيتهم منابتَ للشَّعر (٢)، كوجوهِ القردة. وقوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾؛ أي: نمسخهم بالكلية كما جعلنا أصحاب السبت قردةً. قال الكلبيُّ: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ قَدِم عبدُ اللَّه بن سلام مِن الشَّام، وبلغَه ذلك، فأتى النبيَّ ﷺ ، فأسلمَ قبل أن يأتيَ أهلهُ، وقال: يا رسولَ اللَّه، ما كنتُ أرى أنْ أصلَ إليك حتَّى يتحوَّل وجهي في قفاي (٣). وذكرنا القصَّة بطولها في أوَّل سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣]. فإن (٤) قالوا: خوَّفهم اللَّهُ تعالى إنْ لم يبادِروا إلى الإسلامِ بالطَّمسِ والمسخ، ولم يسلموا، ولم يفعل! قلنا: لأنَّه أسلمَ بعضُهم، وهو ابنُ سلام وأصحابُه، أو هو (٥) مطلقٌ، فيكونُ الوعيدُ باقيًا إلى قيام السَّاعة؛ لأنَّه قال: ﴿وُجُوهًا﴾ على التَّنكير، لا على التَّعريف والتَّعميم.

стр. 2215

وقيل: قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ في الآخرة، وهو محوُ محاسنِ الوجوه، وإدخالُ الأيدي في الصُّدور، والإخراجُ إلى الظُّهور، وإعطاءُ الكتبِ بالشَّمائل ووراءَ الظُّهور، وأمَّا اللَّعن فهو المسخُ في الدُّنيا، ولعلَّه كان في بعضِهم ولم يُنقَل إلينا، أو هو إلى قيامِ السَّاعة. وقيل: الوعيدان على التَّمثيل لا على (١) التَّحقيق، أشار إلى ذلك الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ (٢) وغيره، ومعنى قوله تعالى: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ فيبصرون الحقَّ بغير صورته، والباطلَ بغير صورته، بعد أن كانوا يَرون كلَّ شيءٍ على ما هو به بالنَّظرِ في كتبِهم، رُويَ عن الحسن وابنِ أبي نَجيح والسُّدِّيِّ (٣) أنَّ معناه: نجعلَهم منصرفين عن الحقِّ، مُقبلينَ على الباطل. وقيل: أي: نطمسَ وجوهَهم؛ أي: جاهَهم عند أتباعِهم الذين لأجلهم غيَّروا بما يُطلِعهُم على خيانتهم (٤)، وقد فعل ذلك. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن المراد به الوعيد بالجلاء (٥) عن أوطانِهم (٦)، ويقال: لفلانٍ وجهٌ في بلدِه، وهو وجيهٌ عند النَّاس، ويَزولُ ذلك بالغربة، والرَّدُّ إلى الأدبار مجازٌ عن الرَّدِّ مِن الإقبال إلى الإدبار. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ الأمرُ هو المأمور به، والمصدرُ يُطلَقُ على

стр. 2216

المفعولِ به، كما يُقال: هذا الدِّرهمُ ضربُ الأمير؛ أي: مضروبُه؛ أي: عذابُ اللَّهِ الذي أمرَ بإنزالِهِ مُنزَلٌ بهم لا محالة. * * * (٤٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أي: هؤلاء اليهود مشركون، واللَّهُ تعالى لا يغفر الشِّركَ لمن ماتَ عليه، فأمَّا إذا أسلمَ فقد قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهو يَعُمُّ الكبائرَ والصَّغائر؛ أي: هي في جوازِ المغفرة، لكنَّه معلَّق بالمشيئة، وإنْ ماتَ مُصِرًّا عليها (١) مِن غير توبةٍ. وهو ردٌّ على الخوارج والمعتزلة. وذكر الكلبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ ﵄: أنَّ الآيةَ نزلتْ في وحشيّ، والقصَّةُ معروفةٌ، أنَّ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآيات [الفرقان: ٦٨]، نزلَت أوَّلًا، ثمَّ هذه الآيةُ، ثمَّ قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾؛ أي: اختلقَ أعظمَ الأكاذيب. وقال القشيريُّ ﵀: مَن توسَّل إلى اللَّه بأعمالِه وصفاتِه، أو توهَّم أنَّ

стр. 2217

أحكامَ اللَّه معلولةٌ بحركاتِه وسكناتِه أو رأى (١) خلقًا، أو لاحظَ نفسًا، فوطنُه الشِّركُ عند أهل الحقائق (٢)، واللَّهُ تعالى لا يَغفرُ أنْ يُشرَكَ به، وكذا مَن توهم (٣) أنَّ مخالفاتِه حصلَتْ مِن غير تقديرِه، فهو ملتحِقٌ بهم (٤). * * * (٤٩) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: اليهودُ يَمدحون أنفسهم فيقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، و ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، و ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وإنَّا نُعلِّمُ أبناءَنا الصِّغارَ التَّوراة، فنكفِّر بذلك ذنوبَنا، فنصيرُ كأنَّنا لا ذنبَ لنا. وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: ليس كذلك، وليس لهم أنْ يُزكُّوا أنفسَهم، واللَّهُ تعالى هو الذي يُزَكِّي مَن يَشاء، وهم الموحِّدون. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؛ أي: لا يُنقِصُ اللَّهُ أحدًا مِن عبادِه شيئًا يَستحِقُّه بعملِه، وإنْ قلَّ، ولو كنتُم مستَحِقِّين للتَّزكية، لما منعَكم ذلك. وقال أهل اللُّغة -وهو قولُ الكلبيِّ أيضًا-: الفتيلُ ما يَحدثُ بفتل الأصابعِ مِن الوسخ.

стр. 2218

وقال الحسنُ: الفتيلُ: ما يكونُ في شَقِّ النَّواةِ طُولًا، والنَّقيرُ: ما يكون في النُّقْرةِ التي في ظهرِ النَّواة، والقطميرُ: قشرها (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ رجالًا مِن اليهودِ أتوا بأطفالِهم إلى النَّبيِّ ﷺ ، فيهم بحريُّ بنُ عمرو، ونعمانُ بن أوفى، ومرحب بن زيد، فقالوا: يا محمَّد، هل على هؤلاءِ من ذنبٍ؟ فقال: لا، فقالوا: واللَّه ما نحنُ إلَّا كهيئتِهم، ما عملناهُ بالليل كُفِّرَ عنَّا بالنَّهار، وما عملناه بالنَّهار، كُفِّرَ عنَّا بالليل، فكذبهم اللَّهُ تعالى بهذهِ الآية (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقولُ الرَّجل: أنا مؤمنٌ، ليس بتزكيةٍ لنفسه، بل هو إخبارٌ عن شيءٍ أُكرِمَ به، والتَّزكيةُ هي أنْ يَرى كونَه برًّا تقِيًّا صالحًا من نفسه، ولأن الإيمان له حدٌّ معلومٌ لا يَتفاوتُ، وكلُّ عبادةٍ ذات حدٍّ فلا امتداحَ ممَّن قد أدَّاها، وأخبرَ بأدائِها، كقوله: صلَّيتُ الظُّهرَ، وأدَّيتُ الزَّكاة، وصُمتُ الشَّهرَ، وحَججتُ البيتَ، فأمَّا قوله: هو بَرٌّ، أو تقيٌّ، أو حبيبُ اللَّه، ممَّا (٣) لا يُعرَفُ حدُّه؛ فهو بذلك يترفَّع على الأشكالِ، ويَفتخرُ عليهم، فإن كان صادقًا، فهو غفلةٌ عن رؤيةِ (٤) منَّةِ اللَّه تعالى، وإن كان كاذبًا، فهو مستَحِقٌّ لمقت اللَّه تعالى ولعنته، وباللَّهِ العصمة (٥). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن ركنَ إلى تزكيةِ النَّاس له، واستحلى

стр. 2219

قَبولَ (١) الخاصِّ له، فهو من زكَّى (٢) نفسَه، ورؤيةُ النَّفسِ أعظمُ حجابٍ، ومَن توهَّم أنَّه بتكلُّفِه يُزكِّي نفسه؛ بأورادِه، أو باجتهادِه أو حركاته (٣) أو سكناته، فهو في غطاءِ حجابِه (٤). * * * (٥٠) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ "كيف" كلمةُ تعجيبٍ، وافتراؤهم على اللَّه تعالى ما ذَكرنا مِن كلماتِهم في تزكيةِ أنفُسِهم. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: ظاهرًا. وقيل: أي: مُظهَرًا فحشُه ووبالُه، و"أبان" لازمٌ ومتعدٍّ، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾ يُقصدُ بهذه الكلمة تعظيمُ الإثم، ويستعمل في المدح والذَّمِّ، وفي الحديث: "كفى بالموت واعظًا، وكفى بالعبادة شغلًا" (٥)، يعني: لو لم يكن لهم من الذُّنوب إلَّا هذا الافتراء، لكان إثمًا عظيمًا، لا يجوزُ أن يزكُّوا أنفسَهم معه، فكيف ولهم آثامٌ عظامٌ غيرُها؟! * * *

стр. 2220

(٥١) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ قال الكلبيُّ: انطلقَ كعبُ بن الأشرفِ اليهوديُّ (١) وحييُّ بنُ أخطبَ في ثلاثين مِن اليهود إلى مكَّة بعد بدرٍ، فبكيا على قتلى بدرٍ، ورَثياهم؛ يريدون بذلك إغراءَ المشركين وتأليبَهم (٢) على رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال كعبٌ: جئناكم لنعينكم على قتالِ محمَّدٍ، فأعجبهم ذلك، فقال له أبو سفيان: أنتم أهلُ كتابٍ وعلمٍ، ونحن أمَّة أمِّيَّةٌ، وأحبُّ الناس إلينا مَن يُعينُنا على قتالِ هذا الرَّجل، فنزلَ كعبٌ على أبي سفيان، فأحسنَ مثواه، ونَزلتِ اليَهودُ في دورِ قريش، فقال كعبٌ لأبي سفيان: ليجئ منكم ثلاثون، ونحن ثلاثون، فنلزقَ أكبادَنا بالكعبة، فنعاهدَ ربَّ البيتِ لنجهدنَّ (٣) على قتالِ محمَّدٍ، ففعلوا ذلك. فقال أبو سفيان لكعبٍ: إنَّك امرؤٌ تَقرأ الكُتُبَ، فأيُّنا أهدى طريقًا، أنحن أم محمَّد؟ فقال كعب: إلى ما يدعوكم محمَّد؟ قالوا: إلى أن نعبدَ اللَّه، ولا نشركَ به شيئًا، قال: فأخبروني، فما أمركم؟ قالوا: نحن ننحرُ الكُومَ، ونَقْرِي الضَّيفَ، ونَفكُّ العاني، ونَسقي الحاجَّ، ونَعمرُ بيتَ ربِّنا، ونَصِلُ أرحامَنا، ونحن أهلُ الحرم (٤). وزاد في حديث عكرمة هاهنا: ومحمد صُنبورٌ (٥)، قطعَ أرحامَنا، واتَّبعَهُ سُرَّاقُ

стр. 2221

الحجيج، فقال كعب: أنتم واللَّه أهدى سبيلًا ممَّا عليه محمَّدٌ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (١)، الجبتُ: حُيَيُّ بن أخطب، والطَّاغوتُ: كعبُ بن الأشرف (٢)، فكانت اليهودُ تخاصِمُ إليهما، ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾؛ يعني: دينًا. وقال عمرُ ﵁: الجِبتُ: السحر، والطَّاغوتُ: الشَّيطان (٣). وقال أبو العالية: الجِبتُ: السَّاحر، والطَّاغوت: الكاهن (٤). وقال عكرمة: هما (٥) صنمان (٦)، كانوا يتحاكمون إليهما (٧). وقال أبو عبيدة: الجِبتُ والطَّاغوت: كلُّ معبودٍ دون (٨) اللَّه تعالى؛ مِن حجرٍ أو مَدَرٍ أو صورةٍ أو شيطانٍ (٩). وقيل: الجِبتُ: إبليس، والطَّاغوتُ: أولياؤه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقد فسَّرنا الطَّاغوتَ في تلك الآيةِ على الوجه.

стр. 2222

وقالوا: الجِبتُ ليس بعربيَّة محضة. وقال سعيد بن جبير: هو السَّاحر بلغة الحبشة (١). وقال عكرمةُ: إنَّ كعبَ بن الأشرف انطلقَ إلى المشركين (٢) مِن قريشٍ، فاستجاشهم على النبيِّ ﷺ ، وقال لهم: إنَّا معكم نقاتلُه، فقالوا (٣): إنَّكم أهلُ كتابٍ، وهو صاحبُ كتابٍ، ولا نَأمنُ أن يكونَ هذا مكرًا منكم، فإن أردتَ أنْ نخرجَ معك، فاسجُدْ لهذين الصَّنمين، وآمِن بهما، ففعلَ، ثمَّ قالوا: أنحنُ أهدى أم محمَّد؟ نحنُ نصِلُ الرِّحم، ونَقري الضَّيفَ، ونَطوفُ بالبيتِ، ومحمَّد قطعَ رَحِمَهُ، وخرجَ مِن بلدِه، قال: بل أنتم خيرٌ وأهدى، فنزلت الآية (٤). * * * (٥٢) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ (٥)؛ أي: هؤلاء اليهودُ طردَهمُ اللَّهُ تعالى وأبعدَهم مِن (٦) رحمته. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أي: معينًا، ومانعًا عنه عذابَ يوم القيامة. وقال القشيريُّ ﵀: طاغوتُ كلِّ أحدٍ نفسُه، وصنمُه مقصودُه، فمن

стр. 2223

لاحظَ شخصًا، أو طالعَ سببًا، أو عَرَّجَ على علَّةٍ، أو تابعَ هوى، فذلك جِبتُه وطاغوتُه، وأصحابُ الجِبْتِ والطَّاغوتِ مستوجبون اللَّعنةَ، وهو الطَّردُ عن بساطِ العبوديَّة والحجاب عن شهودِ الربوبيَّة (١). * * * (٥٣) - ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ قيل: أي: ألهم؟ لأنَّه لم يسبقها ألفُ الاستفهام ليعطفَ عليها بـ "أم". وقيل: يُقَدَّمُ عليها ألفُ الاستفهام ويقرَّرُ (٢) هذا على حقيقتِه، وتقديرُه: أهم أولى بالنبوَّة، أم لهم حظٌّ مِن المُلك والسَّلطنةِ، فتلزمَ النَّاسَ طاعتُهم، ويسوغَ لهم تفضيلُ أنفسِهم بالتَّزكِّي (٣)، وتفضيلِ المشركين على المسلمين، ولا يَتهيَّأ الرَّدُّ عليهم، وليس لهم ذلك، بل الملكُ للَّه تعالى، وله قسمةُ الفضائلِ (٤)، قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ الآية [الزخرف: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾؛ أي: ولو كان لهم هذا الملكُ والسُّلطان، لم يُعطوا أحدًا مِن النَّاس شيئًا من الفضل، لا قليلًا ولا كثيرًا؛ لبُخلِهم، وهو كقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]؛ أي: لو كان معه إلهٌ غيرُه، لذهبَ كلُّ إلهٍ بما خلقَ (٥)، و"إذًا" بمعنى: إن كان

стр. 2224

ذلك، يقول الرجل: زيدٌ يأتيك (١) فتقول: إذًا أكرمُه (٢)؛ أي: إن كان ذلك أكرمتُه. و"إذًا" لها ثلاثةُ أحوال: إن ابتدأتَ بها مع المستقبل نصبتَه بها، تقول: إذًا أُكرِمَك. وإذا توسَّطت لم تنصب، تقول: أنا إذًا أكرمُكَ، بالرَّفع لأن تقديره: أنا أكرِمُكَ إذًا. وإذا أدخلت الفاءَ أو الواو فيها، ووصلتَ بها المستقبلَ، نصبتَ ورفعتَ، تقول: فإذًا (٣) أكرمك، وإذًا أكرمك (٤) بالنَّصب والرَّفع جميعًا، فالنَّصبُ على ظاهرِها أنَّها وليَتِ الفعلَ فعَمِلَت فيه، والرفعُ على المعنى؛ لأنَّ الفاءَ داخلٌ في الفعل، فيصيرُ في التَّقدير: فأكرمك إذًا، وأكرمك إذًا، فتتأخرُ "إذًا" فلا تعمل. هذا معنى كلام الزجاج (٥)، وعلى هذا قوله: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ﴾ تقديرُه: فلا يؤتون إذًا فلم ينصب. والنَّقيرُ فسَّرناهُ عند قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩]. * * * (٥٤) - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.

стр. 2225

وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ "أم" بمعنى "بل"، أو يضمَرُ فيه ألفُ الاستفهام، ثمَّ يُعطَفُ عليه بـ "أم" كما مرَّ. والحسدُ: تمني زوالِ النِّعمة؛ أي (١) نعمةِ الغير إليه، وهو استفهامٌ بمعنى الإنكار، ومعناه: إن كانوا يَحسُدون المؤمنين، فيُفضِّلون عليهم المشركين بقولهم: هم أهدى منهم سبيلًا. وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ يعني: مِن الدِّينِ الحقِّ، والكتابِ الصِّدق، فلا معنى لحسَدِهم؛ لأنَّ الحسدَ إنَّما ينبغي أنْ يقعَ في الشَّيء (٢) الموضوعِ في غير موضع استحقاقِه، وليس كذلك. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: بيانَ الكتابِ، وآلُ إبراهيمَ (٣): أولادُه، وهم مُقِرُّون بذلك (٤)، وقائلون باستحقاقِهم ذلك، ومحمَّدٌ ﷺ مِن أولادِه، فلِم يُنكِرون ذلك فيه، ولا يُنكِرون في بني إسرائيل، وهم مِن ولدِه. وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿النَّاسَ﴾: محمَّدٌ ﷺ وحدَه (٥)، وذلك أنَّ اليهودَ قالوا: ما شأنُ محمَّدٍ، أُعطي النُّبوَّةَ بزعمِه وهو جائعٌ عارٍ، لا همَّ له إلَّا نكاحُ النِّساء، فحسدوه بنكاحِ النِّساء، وأحلَّ اللَّهُ له منهنَّ ما شاء أنْ ينكحَ، فذلك قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، فالحكمةُ: النُّبوَّة.

стр. 2226

وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ السَّلطنةُ لإبراهيم وداود وسليمان والملك: النبوَّةُ، عند مجاهد (١)، واليهودُ لا يَحسُدونَهُم بهذا كلِّه، فلم يَحسُدون محمَّدًا به (٢)، وهو من آله. وقال مقاتل: إنَّ اليهودَ قالوا: انظروا إلى هذا الذي لا يَشبعُ مِن الطَّعام، مالَهُ هَمٌّ إلَّا النِّساء، ولو كان نبيًّا لشُغِلَ عن النِّساء، فقال تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يوسفَ وداودَ وسليمان، وكان لداودَ تسعٌ وتسعون امرأة مهريَّة، وثلاثَ مئة سرية، ولسليمان ثلاث مئة حرة، وسبعُ مئةِ سُرِّيَّة، فكيف يَحسدون محمَّدًا في تسع نسوة، ولا يَذكرون ما كان لأولئك (٣). وقال همَّامُ بنُ الحارث: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أُيِّدوا (٤) بالملائكة والجنود (٥). وقال الإمامُ القشيري ﵀: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ هو معرفةُ الملكِ، ويقال: هو المُلكُ على النَّفس. ويقال: هو الإشرافُ على أسرارِ المملكة (٦). وقيل: ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو محمَّدٌ ﵊. ومعنى الآية: أتحسُدون العربَ على ما آتاهمُ اللَّهُ من فضله (٧)، فقد آتينا محمَّدًا الكتابَ والحكمةَ وملكًا عظيمًا إلى قيامِ السَّاعةِ، فلتَحسِدوه، وهذا على وجه (٨) الوعيد، وهو مضمر.

стр. 2227

(٥٥) - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ قال مجاهد: أي: مِن اليهودِ مَن آمنَ بمحمَّدٍ ﵊ (١). وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾؛ أي: أعرضَ عنه. وقيل: أي: منعَ الناسَ عن الإيمانِ به، وقد صدَّ صدودًا، وهو لازم، وصدَّ صدًّا، وهو متعدٍّ، ومثله الوَقفُ والوقوف، والرَّجع والرُّجوع. وقيل: أي: ومِن أسلافهم مَن آمنَ بإبراهيم، ومنهم مَن أعرضَ عنه (٢). وقال مقاتل: يعني: مِن آلِ إبراهيمَ مَن آمنَ؛ صدَّقَ بالكتب التي جاؤوا بها، ومِنهم مَن أعرضَ عن الإيمانِ بها (٣). وقال السُّدِّيُّ: زرعَ إبراهيمُ سنةً، وزرعَ النَّاسُ فيها، فهَلَكَت زروعُ النَّاس، وزكا زرع إبراهيم، فاحتاجَ النَّاسُ إليه، فكانوا يأتونَهُ ويسألونَه، فكان يقولُ لهم: من آمن بي أعطيتُه، ومَن أبى منعتُه، فمِنهم مَن آمنَ به فأعطاه، ومِنهم مَن أبى فلم يُعطِه، فذلك قولُه تعالى في هذه الآية (٤). وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾؛ أي: أعددتُ للصَّادِّين جهنَّمَ، وكفى بها نارًا مسعورةً؛ أي: موقَدة (٥)؛ أي: بها الكفايةُ في تعذيبِهم.

стр. 2228

(٥٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ وهم هؤلاء (١)، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: نُدخلُهم جهنَّم، ومعنى قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: احترقت. وقوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ أي: أعدنا (٢) تلك الجلودَ غيرَ محترقةٍ، فالغيريَّةُ (٣) على تغاير (٤) الهيئتين، لا تغاير الأصلين، كما تقول (٥) في خاتم انكسر: صُغ لي خاتمًا غيرَهُ، وإنَّما هي فضَّةٌ واحدةٌ، وقد يقولُ الرَّجلُ لآخر إذا رآه متغيِّرًا عما (٦) كان يراه: جئتني بغير ذلك الوجه الذي فارقتني عليه. وقيل: "غير" في كلام العرب على وجهين؛ "غير" تضادٍ وتنافٍ، و"غير" تغيُّرٍ واختلافٍ، كقولك لآخر (٧): كيف أنت؟ فيقول: أنا غيرُ الذي عهدتَ. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]: إنَّ الأرض (٨) تلك الأرض،. . . . . . .

стр. 2229

لكن بُدِّلَت آكامُها وجبالُها وأنهارُها وأشجارُها (١)، وأنشد (٢): فما الناسُ بالنَّاسِ الذين عَهدتَهُم... ولا الدَّار بالدَّار التي كنتَ تَعرِفُ (٣) وإنما احتجنا إلى هذا التأويل؛ لأنَّ الإنسانَ هو المعاقبُ المعذَّب على المخالفةِ، والمثابُ (٤) المنعَّمُ على الموافقة، والإنسانُ هو هذا (٥) الذي يُشاهد (٦)، فلا يَقعُ العذابُ على جلدٍ لم يُعصَ اللَّهُ فيه. وما روي عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا ومرفوعًا: أنَّ جلدَ الكافرِ أربعون ذراعًا، وضرسَه مثلُ أحد (٧)، وشفته العليا تضرب سُرَّته (٨)، وبين جلدِه ولحمِه

стр. 2230

ديدان كحُمر الوحش تركضُ بين لحمِه وجلدِه، وحيَّاتٌ كأعناقِ البُخْتِ، وعقاربُ كالبِغال (١)، فليس ذلك بزيادة تُخلَق وتُعذَّبُ مِن غيرِ معصيتِه (٢)، لكن إذا زيدَ ذلك في صورتِه، كان ذلك زيادةَ ثقلٍ على العبد، ويكونُ نفسُ الثِّقل عقوبةً عليه، كسائرِ عقوبات جهنَّم مِن السَّلاسلِ والأغلال، والعقارب والحيَّات. وقيل: معنى قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ أي: سرابيلَ مِن قطِران، سُمِّيَت جلودًا؛ للزومِها جلودَهم، على المجاورة، فكلَّما احترقَت، أُعيدَت أمثالَها. وقال الحسن: أُعيدَت جلودُهم على (٣) حالها الأول كل يوم سبعين مرة (٤)، وفي روايةٍ سبعين ألف مرةٍ (٥)، وعن النبيِّ ﷺ (٦): كلَّ يومٍ سبعَ مرَّاتٍ (٧). وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ أي: ليَخلُصَ ألمُه (٨) إليهم على نهاية ما يكونُ فيه، كما قال تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ولم يُرِد به أقلَّ ما يَقعُ به الذَّوقُ، إنَّما أُريدَ به التَّناهي، وذكر الذَّوقَ؛ لأنَّ إحساسَهم

стр. 2231

به في كلِّ حالٍ كإحساسِ الذَّائقِ في تجديد الوجدانِ مِن غير نقصان. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا﴾ (١) أي: لا يُمنَعُ (٢) عمَّا يوقِعُه بالكفَّارِ مِن العذاب، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يفعلُه بالعباد. وقيل: ﴿عَزِيزًا﴾ منتقمًا ممَّن عصاه، ﴿حَكِيمًا﴾ في تعذيبِ مَن عاداهُ. وقيل: ﴿عَزِيزًا﴾ لا يُغَالبُ، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يُسَوِّي بين الوليِّ والعدوِّ. * * * (٥٧) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ بيَّنَ جزاءَ الأولياء بعد جزاءِ الأعداء، وقد مرَّ تفسيرُ هذه الكلمات مرَّاتٍ. وقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قال الكلبيُّ: أي: كنًّا كنينًا. وقال الضَّحَّاك: أي: ظلًّا دائمًا. وقال الحسن: أي: لا تؤذيهِ الحَرورُ فيه (٣) ولا السَّموم، والحَرورُ باللَّيلِ، والسَّمومُ بالنَّهار. وقال ابنُ كيسان: ظليلًا من الرِّياح، وكم (٤) ظِلٍّ لا يكونُ ظليلًا.

стр. 2232

وقيل: هو كقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، وهو بخلافِ ظلِّ أهل النَّار، قال تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣٠ - ٣١]، وهو يَرجعُ إلى قوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]. وقال البحَّاث (١): ﴿ظَلِيلًا﴾ تأكيدٌ لظلّ (٢)، كما يقال: شعرٌ شاعرٌ، وموتٌ مائتٌ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾: مُظِلًّا عن جميعِ المؤذيات، مِن حرِّ الشمس، وأذى الظُّلمةِ، وبردِ الزَّمان، ونحوِها (٣). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: همُ اليومَ في ظلِّ الرِّعايةِ، وغدًا في ظلِّ الكفاية، بل هم في الدُّنيا والآخرة في ظلِّ العناية (٤). * * * (٥٨) - ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ

стр. 2233

تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وانتظامُها بما قبلها: أنَّ اليهودَ خانوا الأمانةَ التي كانت عندَهم مِن نعتِ (١) الرَّسول ﷺ ، وحكموا بالجورِ، حيث جعلوا المشركين أهدى سبيلًا مِن المؤمنين، فأمرَ اللَّهُ المؤمنين بخلافِ ذلك، وهو أداءُ الأماناتِ إلى أهلِها، والحكمِ بالعدلِ. وهو عامٌّ في حقوقِ اللَّه تعالى مِن العبادات، وحقوق (٢) النَّاسِ مِن المعاملات، وفي حقِّ النبيِّ ﷺ في تبليغِ الوحي، وفي حقِّ الصَّحابةِ والتَّابعين (٣) وعلماءِ الدِّين وعامَّة المسلمين في تبليغِ ما عندَهم مِن العلم والدِّين إلى سائرِ المؤمنين، وكذلك العدل في الحكم، قال النبيُّ ﷺ : "كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّتِه" (٤)، وقال ابنُ مسعود ﵁: الأمانةُ في كلِّ شيءٍ؛ في الوضوء، والصَّلاة، والصَّوم، والزَّكاةِ، والجنابة، وفي الكيلِ والوزن (٥)، وأعظمُ مِن ذلك الودائع (٦). وقيل: قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ في الأمناء، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ في الأمراء. وقيل: كلُّه في الأمراء، وهي أمانةُ الفيء والخَراجِ والصَّدَقات وأموالِ بيت المال. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾؛ أي: نِعمَ الوعظُ مِن اللَّه تعالى هذان الأمران، ﴿نِعِمَّا﴾ مرَّ تفسيرُه في سورة البقرة بو جوههِ ومعانيه (٧).

стр. 2234

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ (١)؛ أي: لما تقوله القضاة (٢) ﴿بَصِيرًا﴾ بما يعملُه (٣) الأمناء. وقال محمَّد بنُ إسحاق ﵀: لمَّا افتتح النبيُّ ﷺ مكَّة، طلبَ المفتاحَ مِن عثمان بن طلحة بن عبد اللَّه القُرشيِّ مِن بني عبد الدَّار، وكان يلي البيتَ، فقال: "هاكَ بأمانةِ اللَّه تعالى"، فقال العبَّاس (٤): يا رسولَ اللَّه، اجمَعهُ لي مع السِّقاية، فنزلَت هذه الايةُ (٥)، ثمَّ إنَّ عثمانَ بن طلحةَ هاجرَ ودفع إلى أخيه شيبة فهو في ولده إلى اليوم. وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: طلب رسولُ اللَّه ﷺ المفتاحَ يوم دخلَ مكَّة، فقيل له (٦): إنَّه مع عثمان، فوجَّه إليه عليًّا، فأبى دفعَه إليه، وقال: لو علمتُ أنه رسول اللَّه لدفعتُ المفتاح إليه، فأخذَ عليٌّ المفتاحَ منه قسرًا، حتَّى دخلَ رسولُ اللَّه ﷺ البيتَ، وصلَّى فيه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فأمرَ رسولُ اللَّه ﷺ عليًّا بردِّه إليه، فردَّهُ إليه وألطف له (٧)، فقال لعلي ﵁: أخذتهُ منِّي قهرًا ورددتَهُ عليَّ باللُّطف، فقال: إنَّ اللَّهَ أمرنا بردِّه عليك، وقرأ هذه الآية، فأتى النبيَّ ﷺ ، وأسلمَ (٨).

стр. 2235

(٥٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. وقولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ولمَّا أمرَ ولاةَ الأمورِ أنْ يَحكموا بين النَّاسِ بالعدل، وكان رأسُ الولاةِ رسولَ اللَّه ﷺ ، أمرَ عبادَهُ بطاعتِه أوَّلًا، ثمَّ بطاعةِ رسولِه فيما يَأمرُ به عن ربِّه؛ فإنَّه لا يَنطِقُ عن الهوى، إنْ هو إلَّا وحيٌ يُوحَى، وطاعتُه طاعةُ اللَّه، ثمَّ بطاعةِ أولي الأمرِ، وهم الذين يقومون في الخلقِ بأمرِ اللَّه تعالى وأمرِ رسولِه، مِن الأُمراءِ والعلماء (١)، على ما اختُلِفَ فيه على ما نُبيِّنُ؛ لأنَّهم يَأمرون بذلك (٢) بأمرِ اللَّه وأمر رسوله. وقال أبو هريرة والكلبيُّ ومقاتلٌ ﵃ أجمعين: أولي الأمر: أمراءُ السَّرايا (٣). قال ابن عباس ﵄: بعثَ النبيُّ ﷺ خالدَ بن الوليدِ في سَريَّةٍ إلى حيٍّ مِن أحياء العرب، وكان معه عمارُ بن ياسر، فسار خالدٌ، حتَّى إذا دنا من القومِ، ونزلَ ليُصبِّحَهم، فأتاهم النَّذيرُ، فهربوا غيرَ رجلٍ كان قد أسلمَ، فأمرَ أهلَه أن يتهيَّؤوا (٤)

стр. 2236

للمسير، ثمَّ انطلقَ حتَّى (١) أتى عسكرَ خالد بن الوليد، فدخلَ على عمَّار، فقال: يا أبا اليقظان، إنِّي مسلمٌ، وإنَّ قومي لمَّا سَمعوا بكم هَربوا، وأقمتُ لإسلامي، أفنافعي ذلك، أو أهربُ كما هرب قومي؟ فقال: أقم، فإن ذلك نافعُك، وانصرفَ الرَّجلُ إلى أهلِه، وأمرَهم بالمقام. فأصبحَ خالدٌ، فأغارَ على القومِ، فلم يجِد إلَّا ذلك الرَّجلَ، فأخذَهُ وأخذَ مالَهُ، فأتاهُ عمَّار، فقال: خلِّ سبيلَ الرَّجل؛ إنه مسلمٌ، وقد كنتُ أمَّنتُه، وأمرتُه بالمقام، فقال خالد: وفيم أنت تجيرُ عليَّ، وأنا الأمير؟! فقال: نعم، وأنا أجير عليك، وأنت الأمير (٢)، وكان في ذلك بينهما كلامٌ، فانصرفوا إلى النبيِّ ﷺ ، فأخبروهُ خبرَ الرَّجل، فأمَّنهُ النَّبيُّ ﷺ ، وأجازَ أمان (٣) عمَّار، ونهاهُ (٤) أنْ يُجيرَ على أميرٍ (٥) بغير إذنهِ. فاستبَّ عمَّار وخالدٌ بين يدي النبيِّ ﷺ ، فأغلظَ عمارٌ لخالدٍ، فغضبَ خالدٌ، وقال: يا رسولَ اللَّه، أتدع هذا العبدَ يشتمني، فواللَّه لو لا أنت ما شتَمني عمَّار، وكان عمَّارٌ مولًى لهاشم بن المغيرة، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "يا خالد، كفَّ عن عمَّار، فإنَّه مَن يَسبُّ عمَّارًا يسبُّه اللَّه، ومَن يُبغِض عمَّارًا يبغضهُ اللَّه"، فقام عمَّار، وتبعَهُ خالدٌ، فأخذَ بثوبِه، وسألَه أن يَرضى عنه، فرضيَ عنه، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيةَ (٦).

стр. 2237

وروى أبو هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "من أطاعَني فقد أطاعَ اللَّه، ومَن عصاني فقد عَصى اللَّه، ومَن أطاعَ أميري فقد أطاعَني، ومَن عصى أميري فقد عصاني" (١). وقال ابنُ عباسٍ ﵁ -في رواية- ومجاهدٌ وجابرُ بن عبد اللَّه والحسنُ والضَّحَّاكُ والمباركُ بن فضالة ﵃: أولي (٢) الأمر: أهلُ الفقه والدِّين (٣). وقال أبو بكر الورَّاق: هم الخلفاء الراشدون؛ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ رضوان اللَّه عليهم. وقال بكرُ بنُ عبد اللَّه المزنيّ: هم أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ (٤)؛ لقوله: "أصحابي كالنُّجوم، بأيِّهم (٥) اقتديتُم اهتديتم" (٦).

стр. 2238

وقال عطاء: هم الولاةُ مِن المهاجرين والأنصار والتَّابعين لهم بإحسان؛ وهذا لأنَّ طاعةَ اللَّه ﷻ إنَّما تَصِحُّ ببيانِ الرسولِ ﵊، وبيانُ الرَّسول ثبتَ بنقلِ (١) الوسائطِ، وهم الصَّحابةُ والخلفاءُ ومِن بعدِهم (٢) العلماء، فكانت طاعتُهم طاعة اللَّه (٣). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مقاتلٌ ﵀: أي: إن اختلفتُم أنتم والأمراءُ في شيءٍ مِن الحلال والحرام (٤). ومعنى (٥) قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: القرآن، وقوله: ﴿وَالرَّسُولِ﴾ أي: ارجعوا إليه في حياتِه، وإلى أحاديثه بعد وفاتِه. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ أي: إنَّ الإيمانَ يُوجِبُ الطَّاعةَ دون العصيان، ودلَّتِ الآيةُ أنَّ طاعةَ الأمراءِ واجبةٌ إذا وافقوا الحقَّ، فإذا خالفوه فلا طاعةَ لهم، قال النبيُّ ﷺ : "لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق" (٦). وحكيَ أنَّ مسلمةَ بنَ عبدِ الملك بن مروان قال لأبي حازم: ألستُم أمِرتُم بطاعَتِنا

стр. 2239

بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال أبو حازم: أليس قد نُزِعت عنكم إذا خالفتم الحقَّ بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١). ودلَّتِ الآيةُ على (٢) أنَّ إجماعَ الأمَّةِ حجَّةٌ لا يَجوزُ خلافُها؛ لأنَّه إنَّما أمرَ بالاجتهادِ عند التَّنازع، فإذا أجمعوا فلا وجهَ لخلافه. وتعلَّقَ أصحابُ الظَّواهر بظاهرِ هذه الآية أنَّ (٣) الاجتهادَ والقياس لا يجوزُ؛ لأن اللَّهَ عزَّ وعلا أمرَ بالرُّجوع إلى الكتابِ والسُّنَّة، فلا يجوزُ غيرُ ذلك. وقلنا: بل هو دليلُ جواز القياس؛ فإنَّ الرَّدَّ إلى اللَّه والرَّسول هو العملُ بمعنى (٤) القرآن والسُّنَّة، فإنَّه أوجبَ في كلِّ متَنازَعٍ (٥) ردَّه (٦) إلى الكتاب والسُّنَّةِ، ولا يوجدُ في كلِّ حادثةٍ نصٌّ ظاهرٌ، فعُلِمَ أنَّه أمرٌ بالنَّظرِ في مودعاتِه، والعملِ على مدلولاتِه ومقتضياته. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قال الكلبيُّ: أي: خيرٌ مِن الاختلافِ، وأحسنُ عاقبة، قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]؛ أي: عاقبتَهُ، وقد آلَ إليه الأمرُ يَؤُول أوْلًا؛ أي: عاد، وأوَّله؛ أي: غيَّره تأويلًا حسنًا. وقيل: أحسنُ جزاءً، هو مِن ذلك أيضًا؛ لأنَّه عاقبةُ العملِ، ومآلُ الأمرِ.

стр. 2240

وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (١)؛ أي: لا تتعجَّب (٢) مِن المنافقين الذين يَزعُمون أنَّهم آمنوا (٣) بالقرآن وبالكتبِ المُنزلةِ قبله. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ أي: إذا وَقعَت لهم خصومة تحاكموا إلى الطَّاغوت، كاليَهود الذين ذُكروا قبل هذه الآيات؛ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]. قال الزَّجَّاج: الطَّاغوت: الشيطان هاهنا (٤)، بدليل أنَّه قال في آخره: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا﴾ (٥). ورويَ عن مجاهدٍ والضَّحَّاك: الطَّاغوت هاهنا كعب بن الأشرف، فإنَّ يهوديًّا نازعَ منافقًا في أمرٍ، فدعا اليهوديُّ إلى النبيِّ ﷺ ، ودعا المنافقُ إلى كعب بن الأشرف (٦) وهذا كان أعجبَ عجبٍ؛ إذ صار المنافقُ يَدعو إلى حاكم اليهود، واليهوديُّ يَدعو إلى حاكم المسلمين. وقال الكلبيُّ: هذا رجلٌ مِن المنافقين، يقال له بشر، كان بينه وبين رجلٍ مِن اليهود خصومةٌ، فقال اليهوديُّ: انطلق بنا إلى محمَّدٍ ﷺ ، وقال المنافقُ لعنه اللَّه: بل نأتي كعبَ بن الأشرف -وهو الطاغوت-، فأبى اليهوديُّ أنْ يُخاصَمَهُ إلَّا إلى

стр. 2241

رسول اللَّه ﷺ ، فلمّا رأى المنافقُ ذلك، أتى معه رسولَ اللَّه ﷺ ، واختصما، فقضى رسولُ اللَّه ﷺ لليهوديِّ، فلمَّا خرجا من عندهِ لزمَهُ المنافقُ، فقال: انطلق بنا إلى عمرَ ﵁، فقال اليهوديُّ: اختصمنا إلى محمَّد، فقضى لي عليه، فلم يرض بقضائه! فقال عمر ﵁ للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدَكما حتَّى أخرجَ إليكما، فدخل البيتَ، ثمَّ خرجَ ومعه السيف، فضرب به المنافقَ، فقتلَهُ، وهرب اليهوديُّ، فنزلت الآية (١). وقال عطاء: الطاغوتُ: هو حيي بن أخطب (٢). وقال الحسن: هو وثنٌ كانوا يَتحاكمون إليه وعندهُ رجلٌ يقول للخصمين: قضى بينكما بكذا. وقال السُّدِّيُّ ﵀: نزلت في أناسٍ مِن بني قريظةَ والنَّضير، كانوا قد آمنوا، ونافقَ بعضُهم، فكانت النضير، وهم [حلفاء] الأوس، أشرفَ مِن بني قريظة، وهم [حلفاء] (٣) الخزرج في الجاهلية، فكان الرَّجلُ مِن بني قريظةَ إذا قَتلَ رجلًا مِن بني النَّضير، قُتِل وأُخِذَ منهم الدِّيةُ مئةَ وَسَقٍ من تمر، وإذا قَتلَ الرَّجلُ من بني النضيرِ رجلًا من بني قريظة، لم يُقتَل به، وأُخِذَ الدِّيةُ ستين وسقًا مِن تمر. فلمَّا جاءَ اللَّهُ بالإسلام، قَتلَ رجلٌ مِن بني النَّضيرِ رجلًا من بني قريظةَ في الإسلام (٤)،

стр. 2242

فاختَصموا إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت بنو النَّضير: قد كنَّا وأنتم (١) في الجاهليَّة اصطلحنا على أنْ نقتلَ منكم ولا تقتلوا منا، وعلى أنَّ دِيَتكُم ستُّون وَسْقًا (٢) -والوَسْق: ستُّون صاعًا- وديتَنا مئةَ وسْقٍ، نحن نعطيكُم ذلك، فقالت بنو قريظة (٣): هذا شيءٌ كنتم فعلتموهُ في الجاهليَّةِ؛ لأنَّكم (٤) كثرتم وقللنا، فقهرتُمونا، فصنعتُم ذلك، ونحن وأنتمُ اليوم (٥) إخوءٌ، ليس لكم علينا فضلٌ، وقد جاء اللَّهُ تعالى بالإسلام، فنحن وأنتم سواءٌ، وقالت الخزرج (٦): نحن على ما كنَّا عليه. وقالوا: حتى (٧) يجيء أبو بردة الكاهن، فيحكمَ بيننا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وأنزل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية [المائدة: ٥٠]. فأقبل أبو بردة إلى المدينة -واسمه هلال بن عويمر- وتفاخرَتْ قريظةُ وبنو النَّضير، أيُّهم أفضل؟ فقال المنافقون مِن (٨) الفريقين: نحاكمكم إلى أبي بردة، وقال المؤمنون: بل نحاكمُ (٩) إلى رسولِ اللَّه ﷺ . فانطلقوا إلى أبي بردة، فقالوا: احكم بيننا، فقال: عظِّموا (١٠) اللُّقمةَ

стр. 2243

-يعني (١) العطيَّةَ- فإنِّى أخاف إنْ نَفَّرْتُ (٢) بنى قريظة أن يَقتُلنى بنو النَّضير، وإنْ نَفَّرْتُ بني النضير أن يقتلني بنو قريظة؛ فإنِّي في دارهم، فأعطوهُ عشرةَ أوسقٍ من تمرٍ فأبى، وسألهم مئةَ وَسْقٍ، فأبوا عليه، فلم يَحكُم بينهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ الآية [النساء: ٦٠]، فدعا النبيُّ ﷺ كاهنَ بني أسلم (٣) أبا بردةَ إلى الإسلام، فأبى وانصرفَ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ لابْنَيْه: "أدرِكا أباكما فرُدَّاه، فإنَّه إن جاز عقبة كذا؛ لم يسلم أبدًا"، فأدركاهُ، فلم يزالا به حتَّى انصرف وأسلم، وأمرَ النبيُّ ﷺ مناديًا: "ألَا إنَّ كاهن أسلمَ (٤) قد أسلم" (٥). فالطَّاغوتُ هاهنا هو الكاهن. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: يَتبَرَّؤوا مِن الطَّاغوت، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ (٦) [البقرة: ٢٥٦]. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ (٧)؛ أي: يدعوهم إلى الضَّلال، ويسبِّبَ لهم الضَّلالَ بالوَسوسة.

стр. 2244

وقوله تعالى: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي (١): على وجهٍ لا يَعودون إلى الهُدى أبدًا. * * * (٦١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؛ أي: وإذا دُعيَ هؤلاء المنافقون إلى حكمِ اللَّه تعالى وحكمِ رسوله ﵊، رأيتَهم يُعرِضون عنك إلى غيرك؛ ليُغروهُ بالرِّشوةِ، فيقضي لهم. * * * (٦٢) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: فكيف يصنعُ هؤلاء المنافقون إذا نالتهم عقوبةٌ، وكانوا متوعدين (٢) بالعقوبات، من نحو قولِه تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٣) [الأحزاب: ٦٠ - ٦١]، ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (٤) الآية [التوبة: ١٠١].

стр. 2245

وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بما أسلفوا من الجنايات. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ يقول: إنَّهم تحاكموا إلى الطاغوت ردًّا لحكم الإسلام، وأنفةً عن الانقياد للنبيِّ ﷺ ، فكيف يفعلون إذا نالَتْهُم عقوبةٌ مِن اللَّه تعالى بماضي جناياتِهم، ومصيبةٌ في أنفسهم أو أموالهم (١)؟ ثمَّ أتوك يا محمَّدُ خاضعين خاشعين، يتشفَّعون إليك في الكفِّ عنهم، والصَّفح عن جُرمهم، ويَدفعون ذلك عن أنفسِهم بالمعاذير الكاذبةِ، مؤكَّدةً بالأيمان الفاجرة، يقولون: ما أرَدْنا بالتَّحاكم إلى غير النبيِّ ﷺ إلَّا الإحسانَ إلى خصومنا، وإدامةَ الائتلاف فيما بيننا، والتَّوفيقَ -مِن إثبات الوفاق في هذه الآية-، وآثرنا التخفيفَ (٢) عن النبيِّ ﷺ ، والتسهيلَ على الخصوم؛ بمرافعتِهم إلى مَن لا يُحتشم مِن رفعِ الصَّوتِ بين يديه، عسى أن يتوسَّط بيننا، ولا يَحمِلَنا على الحكم المرِّ؛ فيكون (٣) ذلك تأليفًا بيننا، ودفعًا لوقوع الضَّغائن، وما أشبهَ هذا من المَلَق. وإذا كان هذا مآلَ أمرهم (٤)، فالتَّحاكمُ إليه ابتداءً والانقيادُ لحكمه أولى، مع ما فيه مِن وقوعِ ما يُخافُ وقوعُه مِن المصائب، وهي قِصَّة المنافق واليهوديِّ، فالمصيبةُ قتلُ عمر ﵁ ذلك المنافق، وأضيف الاعتذارُ إلى جملة (٥) المنافقين، والمراد: أولياء ذلك المنافق (٦).
следующие страницы →