← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

رسول اللَّه ﷺ ، فلمّا رأى المنافقُ ذلك، أتى معه رسولَ اللَّه ﷺ ، واختصما، فقضى رسولُ اللَّه ﷺ لليهوديِّ، فلمَّا خرجا من عندهِ لزمَهُ المنافقُ، فقال: انطلق بنا إلى عمرَ ﵁، فقال اليهوديُّ: اختصمنا إلى محمَّد، فقضى لي عليه، فلم يرض بقضائه! فقال عمر ﵁ للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدَكما حتَّى أخرجَ إليكما، فدخل البيتَ، ثمَّ خرجَ ومعه السيف، فضرب به المنافقَ، فقتلَهُ، وهرب اليهوديُّ، فنزلت الآية (١). وقال عطاء: الطاغوتُ: هو حيي بن أخطب (٢). وقال الحسن: هو وثنٌ كانوا يَتحاكمون إليه وعندهُ رجلٌ يقول للخصمين: قضى بينكما بكذا. وقال السُّدِّيُّ ﵀: نزلت في أناسٍ مِن بني قريظةَ والنَّضير، كانوا قد آمنوا، ونافقَ بعضُهم، فكانت النضير، وهم [حلفاء] الأوس، أشرفَ مِن بني قريظة، وهم [حلفاء] (٣) الخزرج في الجاهلية، فكان الرَّجلُ مِن بني قريظةَ إذا قَتلَ رجلًا مِن بني النَّضير، قُتِل وأُخِذَ منهم الدِّيةُ مئةَ وَسَقٍ من تمر، وإذا قَتلَ الرَّجلُ من بني النضيرِ رجلًا من بني قريظة، لم يُقتَل به، وأُخِذَ الدِّيةُ ستين وسقًا مِن تمر. فلمَّا جاءَ اللَّهُ بالإسلام، قَتلَ رجلٌ مِن بني النَّضيرِ رجلًا من بني قريظةَ في الإسلام (٤)،

стр. 2242

فاختَصموا إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت بنو النَّضير: قد كنَّا وأنتم (١) في الجاهليَّة اصطلحنا على أنْ نقتلَ منكم ولا تقتلوا منا، وعلى أنَّ دِيَتكُم ستُّون وَسْقًا (٢) -والوَسْق: ستُّون صاعًا- وديتَنا مئةَ وسْقٍ، نحن نعطيكُم ذلك، فقالت بنو قريظة (٣): هذا شيءٌ كنتم فعلتموهُ في الجاهليَّةِ؛ لأنَّكم (٤) كثرتم وقللنا، فقهرتُمونا، فصنعتُم ذلك، ونحن وأنتمُ اليوم (٥) إخوءٌ، ليس لكم علينا فضلٌ، وقد جاء اللَّهُ تعالى بالإسلام، فنحن وأنتم سواءٌ، وقالت الخزرج (٦): نحن على ما كنَّا عليه. وقالوا: حتى (٧) يجيء أبو بردة الكاهن، فيحكمَ بيننا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية [المائدة: ٤٥]، وأنزل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية [المائدة: ٥٠]. فأقبل أبو بردة إلى المدينة -واسمه هلال بن عويمر- وتفاخرَتْ قريظةُ وبنو النَّضير، أيُّهم أفضل؟ فقال المنافقون مِن (٨) الفريقين: نحاكمكم إلى أبي بردة، وقال المؤمنون: بل نحاكمُ (٩) إلى رسولِ اللَّه ﷺ . فانطلقوا إلى أبي بردة، فقالوا: احكم بيننا، فقال: عظِّموا (١٠) اللُّقمةَ

стр. 2243

-يعني (١) العطيَّةَ- فإنِّى أخاف إنْ نَفَّرْتُ (٢) بنى قريظة أن يَقتُلنى بنو النَّضير، وإنْ نَفَّرْتُ بني النضير أن يقتلني بنو قريظة؛ فإنِّي في دارهم، فأعطوهُ عشرةَ أوسقٍ من تمرٍ فأبى، وسألهم مئةَ وَسْقٍ، فأبوا عليه، فلم يَحكُم بينهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ الآية [النساء: ٦٠]، فدعا النبيُّ ﷺ كاهنَ بني أسلم (٣) أبا بردةَ إلى الإسلام، فأبى وانصرفَ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ لابْنَيْه: "أدرِكا أباكما فرُدَّاه، فإنَّه إن جاز عقبة كذا؛ لم يسلم أبدًا"، فأدركاهُ، فلم يزالا به حتَّى انصرف وأسلم، وأمرَ النبيُّ ﷺ مناديًا: "ألَا إنَّ كاهن أسلمَ (٤) قد أسلم" (٥). فالطَّاغوتُ هاهنا هو الكاهن. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: يَتبَرَّؤوا مِن الطَّاغوت، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ (٦) [البقرة: ٢٥٦]. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ (٧)؛ أي: يدعوهم إلى الضَّلال، ويسبِّبَ لهم الضَّلالَ بالوَسوسة.

стр. 2244

وقوله تعالى: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي (١): على وجهٍ لا يَعودون إلى الهُدى أبدًا. * * * (٦١) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾؛ أي: وإذا دُعيَ هؤلاء المنافقون إلى حكمِ اللَّه تعالى وحكمِ رسوله ﵊، رأيتَهم يُعرِضون عنك إلى غيرك؛ ليُغروهُ بالرِّشوةِ، فيقضي لهم. * * * (٦٢) - ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: فكيف يصنعُ هؤلاء المنافقون إذا نالتهم عقوبةٌ، وكانوا متوعدين (٢) بالعقوبات، من نحو قولِه تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ (٣) [الأحزاب: ٦٠ - ٦١]، ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ (٤) الآية [التوبة: ١٠١].

стр. 2245

وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: بما أسلفوا من الجنايات. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ يقول: إنَّهم تحاكموا إلى الطاغوت ردًّا لحكم الإسلام، وأنفةً عن الانقياد للنبيِّ ﷺ ، فكيف يفعلون إذا نالَتْهُم عقوبةٌ مِن اللَّه تعالى بماضي جناياتِهم، ومصيبةٌ في أنفسهم أو أموالهم (١)؟ ثمَّ أتوك يا محمَّدُ خاضعين خاشعين، يتشفَّعون إليك في الكفِّ عنهم، والصَّفح عن جُرمهم، ويَدفعون ذلك عن أنفسِهم بالمعاذير الكاذبةِ، مؤكَّدةً بالأيمان الفاجرة، يقولون: ما أرَدْنا بالتَّحاكم إلى غير النبيِّ ﷺ إلَّا الإحسانَ إلى خصومنا، وإدامةَ الائتلاف فيما بيننا، والتَّوفيقَ -مِن إثبات الوفاق في هذه الآية-، وآثرنا التخفيفَ (٢) عن النبيِّ ﷺ ، والتسهيلَ على الخصوم؛ بمرافعتِهم إلى مَن لا يُحتشم مِن رفعِ الصَّوتِ بين يديه، عسى أن يتوسَّط بيننا، ولا يَحمِلَنا على الحكم المرِّ؛ فيكون (٣) ذلك تأليفًا بيننا، ودفعًا لوقوع الضَّغائن، وما أشبهَ هذا من المَلَق. وإذا كان هذا مآلَ أمرهم (٤)، فالتَّحاكمُ إليه ابتداءً والانقيادُ لحكمه أولى، مع ما فيه مِن وقوعِ ما يُخافُ وقوعُه مِن المصائب، وهي قِصَّة المنافق واليهوديِّ، فالمصيبةُ قتلُ عمر ﵁ ذلك المنافق، وأضيف الاعتذارُ إلى جملة (٥) المنافقين، والمراد: أولياء ذلك المنافق (٦).

стр. 2246

وقال الحسنُ البصريُّ ﵀: فيه اعتراضُ كلامٍ، وتقديره: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (١)؛ أي: كيف يفعلونَ في هذه الحالةِ؟ وإلى ماذا يلتجؤون؟ إلى الطَّاغوت، أم إلى اللَّه ورسوله؟ وهو كقولِه: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، ونحوها من الآيات (٢). وقيل: هي قصَّةُ مسجدِ الضِّرار، وهذا الحَلِفُ عينُ ما ذُكر هناك: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ [التوبة: ١٠٧]؛ ومعنى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (٣)؛ أي: ما أردنا ببناءِ هذا المسجد إلَّا خيرًا وصوابًا. وقال الكلبيُّ في هذه الآية وفيما قبلها: إنَّ الزُّبيرَ بنَ العوَّام وحاطبَ بنَ أبي بَلتعةَ اختصما إلى رسولِ اللَّه ﵊ في أمرٍ كان بينهما، فقضى رسولُ اللَّه ﷺ للزُّبير، فمرَّا على المقداد بن الأسود، فقال: لمن كان القضاء يا أبا بلتعة؟ فقال: قضى لابنِ عمَّتِه، ولوى شِدقَه، ففطنَ له يهوديٌّ كان مع المقداد، فقال: قاتلَ اللَّه هؤلاء! يشهدونَ أنَّه رسولُ اللَّه، ثمَّ يتَّهمونَهُ في قضاءٍ يَقضي به (٤) بينهم، وايمُ اللَّه، لقد أذنبْنا ذنبًا مرَّةً في حياة موسى ﵊، فدعانا موسى ﵇ إلى التَّوبة، فقال: اقتلوا أنفسَكم، ففعلنا، فبلغَ قتلانا سبعين ألفًا في طاعةِ ربِّنا حتَّى رضيَ عنَّا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما واللَّه إنَّ اللَّهَ ليَعلمُ منِّي الصِّدقَ، لو أمرني أنْ أقتلَ نفسي لفعلت، فأنزل اللَّه تعالى في شأن حاطب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا

стр. 2247

إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآيات [النساء: ٦١] (١)، فأقبل حاطبٌ إلى النبيِّ ﵊ يعتذرُ عليه ويحلف إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا. وهذا زلَّةٌ من الكلبيِّ؛ لأنَّ حاطبًا مِن أهل بدرٍ، وهو من المخلصين، وفي الآية نصٌّ على ذِكر المنافقين، وهو قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، فالصَّحيح أنَّها في اليهوديِّ والمنافقِ على ما مرَّ (٢). * * * (٦٣) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: من النِّفاق. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: تولَّى عن معاقبتهم إلى وقتِ الأمر بالقتال. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾؛ أي: اقتصر على تخويفِهم سوءَ العاقبةِ للحال، وقل لهم فيما يَحِلُّ بهم مِن العذاب إن (٣) لم يَرجعوا قولًا (٤) يَبلغُ (٥) الإقناعَ، ورجلُ بليغٌ: يَبلغ بكلامه كنهَ ما في قلبِه، والبلاغةُ: إيجازُ اللَّفظِ، وحسنُ التَّرتيب، وبلوغُ المرادِ، والقولُ البليغُ: ما يَبلغُ تمامَ المقصود.

стр. 2248

وقال الضَّحَّاك: ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بلسانِك في الملأ، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ في السرِّ والخلاء. وقال الحسن: ﴿وَقُلْ لَهُمْ﴾: إن أظهرتُم (١) نفاقَكم قَتلتكم، فهذا هو القولُ البليغ. وقيل: القولُ البليغُ: إفرادُ كلِّ واحدٍ بالتَّحذير (٢)، والوعظُ على الجملة أنْ يقولَ: يا قوم، اتَّقوا اللَّهَ، ولا شكَّ أنَّ إفرادَ كلِّ واحدٍ به أبلغُ في الرَّدعِ. فإن قيل: كيف يتَّفق: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾، والوعظُ لا يتأتَّى مع الإعراض؟ قلنا: قد بيَّنَّا أنَّ هذا الإعراضَ عن المعاتبةِ دون المخاطبة. وقيل: هو الإعراضُ بالمعاداة. وقيل: هو الإعراضُ عن قَبول العُذر (٣)، وقد رُوِيَ أنَّه لمَّا وَعظَهُم وحذَّرهُم، أخلص كثيرٌ منهم، والأمرُ بالإعراضِ عن قَبول الأعذار (٤)؛ كقوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٩٤]، وكانوا يَميلون إلى موضعِ النَّفعِ، فإن كان الظَّفرُ للمؤمنين، جاؤوهم، وأظهروا وِفاقهم، وإذا (٥) كانت الغَلبةُ للكفَّار وافقوهم وحققوا نفاقَهم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٤١].

стр. 2249

(٦٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لمَّا أمرَ النبيَّ ﷺ بوعظِهم وإبلاع القولِ فيهم؛ أمرَهم بطاعتِه فيما أَمَرَ، واتِّعاظِهم (١) بما وعظ، وأخبرَ أنَّ كلَّ رسولٍ أُرسِل كان على الأمَّةِ طاعتُه. وتعلَّقتِ المعتزلةُ بظاهرِ هذه الآية، وادَّعوا أنَّ اللَّهَ تعالى أرادَ من عبادِه الطَّاعة؛ فإنَّه أرسلَ الرَّسول للطَّاعة (٢)، وهم عصَوا على خلاف إرادته. والآيةُ حجَّةٌ عليهم؛ فإنَّه قال: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أخبر أنَّه إنما يُطَاعُ بإذنه؛ أي: بمشيئته. وقيل: بعلمه، فإنَّما يُطيعُ مَن علمَ اللَّهُ أنَّه يُطيعُ، وشاءَ اللَّه أن يطيع (٣). وجوابٌ آخر: أنَّ المراد به لزومُ الطَّاعة؛ أي: ليَلزَمَهُم أنْ يُطيعوهُ، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: إلَّا ليلزمهم (٤) عبادتي؛ أي: توحيدي وطاعتي. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: وَضعوها غير مَوضِعها بالتَّحاكمِ إلى الطَّاغوت. قوله تعالى: ﴿جَاءُوكَ﴾؛ أي: أتوكَ يا محمَّد، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: رجعوا عن النِّفاقِ، وأخلصوا على الإطلاق، وسألوا اللَّهَ مغفرةَ ما كان منهم مِن الشِّقاق.

стр. 2250

قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: شفعَ لهم إلى ربِّهم. وقوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ يَتوبُ عليهم ويَرحمُهم، فلا يُعذِّبهم. ولمَّا كان الوعدُ هذا للمنافق إذا أخلصَ؛ فكيف بالمؤمنِ المخلصِ (١) العاصِي إذا تابَ وأصلحَ؟ وفيه بيان أنَّ المنافقين إنَّما يأتيهم ما يأتيهم بإصرارِهم وسوء اختيارِهم. * * * (٦٥) - ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ رفعَ قدرَ رسولِه ﵊ بإضافة نفسِه إليه في القسَم، و"لا" ردُّ لكلامِهم؛ أي: يَزعُمون أنَّهم مخلصون، ولا صدق في ذلك، وهذا الوجهُ أحسنُ مِن قولِ مَن يجعلُها زائدةً لا معنى لها، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١]. وقيل: ذُكِرَتْ "لا" في صدر الكلام؛ لأنَّ هذا القسمَ على أمرٍ منفيٍّ، ولمَّا بعدت عن الفعلِ؛ أُعيدَت في (٢) موضعها؛ ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾؛ أي: لا يكونون مؤمنين حتى يرضَوا بحكمِك.

стр. 2251

وقوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: اختلف، وقد اشتجرَ القومُ وتَشاجروا؛ إذا اختلفوا في الأمر، وتداخلَ بعض كلامِهم في البعض، كتداخل أغصان (١) الشجرة بالتفافها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في قلوبِهم ﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: ضيقًا. وقال مجاهد: شكًّا (٢) في أنَّ القضاءَ حَقٌّ. وقيل: إثمًا. وقوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾؛ أي: يَنقادوا لقضائِكَ لهم (٣) وعليهم، ﴿تَسْلِيمًا﴾؛ أي: انقيادًا، وذَكَرَ المصدرَ للتَّأكيد؛ أي: يَنقادون حقَّ الانقيادِ، بلا كراهةٍ في الفؤاد. وقال عروة بن الزبير: خاصم رجلٌ من الأنصارِ الزبيرَ في شراجٍ مِن الحَرَّةِ (٤)، يَسقي بها النَّخلَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اسقِ يا زُبير؛ ثمَّ أرسِل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاريُّ: أن (٥) كان ابن عمتِه؟ ولوى شِدْقَهُ (٦)، فتلوَّن وجهُ النبيِّ ﷺ ، فقال:

стр. 2252

"يا زُبير، اسقِ أرضَك، واحبِس الماءَ حتَّى يَبلُغَ الجَدْرَ (١) "، فقال الزُّبير: واللَّه إنَّ هذه الآية نزلَت في ذلك؛ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية (٢). وكان النبيُّ ﷺ أمرَهُ في الابتداءِ بالاقتصار على أدْنى حقِّه (٣)، فلمَّا قال خَصمُه ما قال؛ أمرَهُ باستيفاء حقِّه. وقال أبو روق: كان ليهوديٍّ على رجلٍ مسلمٍ مالٌ (٤)، فخاصمَهُ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقضى رسولُ اللَّه ﷺ على المسلم، وفرض (٥) عليه أن يؤدِّي إلى اليهوديِّ يوم كذا وكذا من ماله، فخرجا من عندِه، فقال اليهوديُّ: أرضيتَ بما قضى به رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قال: لا، قال: فبمن ترضى؟ قال: بأبي بكرٍ، فانطلقا إلى أبي بكرٍ فقصَّا عليه القصَّة، فأمرَهُ أبو بكرٍ أن: ارضَ بما أمرَ به رسول اللَّه ﷺ ، فخرجا، فلم يرضَ، فقال اليهوديُّ: فبمن ترضى؟ قال: بعمر، فانطلقا إلى عمر ﵁، فقصَّا عليه القصَّة من أمرِ رسول اللَّه ﷺ وأبي بكرٍ، فقال عمر ﵁: أفتَرضى بما أقضي أنا (٦)؟

стр. 2253

قال: نعم، قال: امكثا ساعةً حتَّى أخرج فدخل (١) البيتَ، ثمَّ خرج مشتملًا على السَّيفِ صلتًا، فضرب به المسلمَ حتَّى قتله، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ فرضي؛ فلذلك سمِّي عمرُ الفاروقَ؛ لأنَّه فرَّق بين الحقِّ والباطل، ففيه أنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية (٢). * * * (٦٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثير ونافعٌ وابن عامرٍ (٣) والكسائيُّ بضمِّ النون مِن ﴿أَنِ﴾، وضمِّ الواو من ﴿أَوِ﴾؛ لأنَّ الألف في هذين الأمرين في الأصل مضمومةٌ، فنُقلت تلك الضمَّة إلى هذا عند الضَّرورة إلى التحريك؛ لالتقاء الساكنين، وقرأ عاصمٌ وحمزةُ بالكسر فيهما، وقرأ أبو عمرو بكسر الأوَّل وضمِّ الثاني (٤). فأمَّا كسرُهما فلأنَّ (٥) السَّاكِن إذا حُرِّك حُرِّك بالكسر (٦)، وأمَّا كسرُ أبي عمرٍو

стр. 2254

الأوَّل فلهذا، وأمَّا ضمُّه الثاني؛ فلاجتماع سببيِ الضمِّح وهما الواو وضمُّ ألف الأمر، بخلاف: ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ [التوبة: ٤٢]؛ لأنَّه لم يجتمع سببان. وقوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ (١) قرأ ابن عامر: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، وكذا هو في مصاحف أهل الشَّام (٢)، وقيل: هو قراءة أُبَيٍّ (٣). ووجهه أنَّه استثناءٌ بعدَ تمام الكلام، ومعناه: لكن، والقراءةُ الظَّاهرةُ بالرَّفع بالفعل، وتقديره: ما فَعَلَه إلَّا قليلٌ منهم، وإنَّما جمع مع تقدُّم الفعل على الفاعل على لغةِ بعض العرب، وهو كقولِ قائلهم (٤): يَلُومونَني في اشتراءِ النَّخيـ... ل قَومي وكلُّهمُ ألوَمُ (٥) وعلى هذا قول اللَّه تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]، وقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]. ومعنى الآية: ولو أنَّا فرضنا على هؤلاء المنافقين قتلَ أنفسِهم بطريقِ التَّوبةِ،

стр. 2255

كما كان لبني إسرائيل، ويَحتمل أنَّه قتلُ بعضِهم بعضًا، ويَحتمل أنَّه مجاهدةُ الأعداء وقَتلُهم، أو فرضنا عليهم الخروجَ مِن ديارهم مهاجرين عنها، ما فعلوه إلَّا قليلٌ (١) منهم، لغلظ الأمرين أخبر (٢) بعلمه فيهم. قال الكلبيُّ: نزلت في ثابت بن قيس بن شمَّاس، وقد ذكرناه (٣) في قصَّة الزُّبير وخصمِه، وكلام اليهوديِّ، وجواب ثابت: لو أمرني محمدٌ أن أقتلَ نفسي لقتلت (٤)، فهو القليل المستثنى. وقيل: هو المقدادُ بن الأسود، وهو مذكورٌ في هذه القصة أيضًا. وقال مقاتل: فكان (٥) من القليل؛ عمَّارُ بن ياسر وثابت بن قيس وعبد اللَّه بن مسعود. وقال عمر وجماعةٌ: واللَّه لو فعلَ ربُّنا لفعلنا، والحمدُ للَّه الذي لم يفعل ذلك بنا (٦)، وقال النبيُّ ﷺ : "والذي نفسي بيده، الإيمانُ أثبتُ في قلوب المؤمنين مِن الجبال الرَّواسي في الأرض" (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾؛ أي: وإذ لم نُشدِّد عليهم، وأمَرناهُم بالإخلاص وتركِ النِّفاق، فلو اتَّعظوا بهذا الوعظِ.

стр. 2256

وقيل: لو أمرناهم بقتلِ أنفسهم وخروجِهم من ديارهم، ففَعلوا. وقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أي: أحمدَ عاقبةً في الدَّارين. وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾؛ أي: وآكدَ لعزائمِهم على الثَّبات على الدِّين وتركِ التَّذبذب (١). * * * (٦٧) - ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أي: ولأعطَيناهُم إذا فعلوا ذلك من عندِنا ثوابًا كثيرًا (٢) في الآخرة لا يَنقطع. * * * (٦٨) - ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ يعني: ولثبَّتناهم على الدِّين الحقِّ؛ وهو وعدٌ ببقاءِ الإيمان للمطيعِ المخلِص. وقال الإمام القشيريُّ في قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾؛ أي: ابسُط لهم لسانَ الوعظِ بمقتضى الشَّفقةِ عليهم، ولكن انْقبِض بقلبِك عن المبالاة بهم، والسُّكون إليهم، واعلم أنَّ مَن لا نكون نحن له، لا يغني عنه تعنِّيه (٣) شيئًا. وقال في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾: سدَّ اللَّهُ الطَّريقَ إلى

стр. 2257

نفسِه على الكافَّة، إلَّا بعد الإيمان بمحمَّدٍ ﵊، فمَن لم يمشِ تحت رايتِه، فليس مِن اللَّه في شيءٍ، ثمَّ جعل من شرطِ الإيمانِ به زوالَ المعارِضاتِ بالكليَّة؛ بقوله (١) تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، فلا بدَّ لك مِن تَلقِّي المهالكِ بقلبٍ ضاحك، كما قال قائلُهم: وحبيبٍ إنْ لم يكُن منصفًا كنتُ مُنْصِفا... أتحسَّى لهُ الأمرَّ وأسقيه ما صفا إن يقل ليَ اشتَوِ (٢) ... احترقتُ رِضًا لا تكلُّفا (٣) * * * (٦٩) - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ وهذا أعمُّ من الأوَّل؛ أي: ومَن أطاعَ اللَّهَ تعالى ورسولَه مِنهم ومِن غيرهم، فعملَ بالشَّرائعِ، وانقادَ للأحكام. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: فهم في الآخرة مع الذين أتمَّ اللَّهُ عليهم النِّعمةَ. وقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ التَّشديدُ للمبالغة في الصِّدقِ، كما في: الفِجِّير والفِسِّيق والشِّرِّيب، وهو الذي لم يَدعْ شيئًا أظهرَه بلسانه إلا حقَّقه بقلبِه وعملِه، وهذه صفةُ السَّابقين إلى متابعةِ الأنبياء، وهم أفاضلُ أصحابهم.

стр. 2258

وقوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ جمع شهيدٍ؛ وهو الذي قام بشهادةِ الحقِّ حتَّى قُتِلَ في سبيل اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ جمع صالحٍ؛ وهو الذي خَلَصَ (١) عن كلِّ فسادٍ، يعني: هم في الجنَّة معهم، يُجزَونَ الجنَّة، ويُؤتونَ نعيمَها، وليس معناه أنَّهم يُساوُونَهم في الدَّرجات، بل درجاتُهم متفاوتةٌ؛ إذ لا شكَّ في فض ملةِ درجةِ (٢) الأنبياءِ على غيرهم، ثمَّ الصدِّيقون السَّابقونَ إلى تصديقِهم، والكاملونَ في تحقيقِهم، ثمَّ الشُّهداءُ في سبيلِه، ثمَّ الصَّالحون مِن الأُمَّة. وروى الضحَّاك عن ابنِ عبَّاسٍ ﵃ أنَّ أبا بكرٍ الصِّديقَ ﵁ قال: يا رسولَ اللَّه؛ واللَّه لأفقِدُكَ ساعةً فأكادُ (٣) أموتُ شوقًا إليك، فكيف إن متَّ أنت وبقيتُ بعدَك؟ قال: "إِنِّك معي (٤) في الجنَّة"، ونزلَت هذه الآيةُ (٥). وروي أنَّها نزلَت في ثوبان مولى رسولِ اللَّه ﷺ ، وكان بلغَ من حبِّه له أنْ قال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي لا أكادُ أصبِرُ عنك، وأذكرُ الآخرةَ، وأنَّك تُرفَعُ في درجةِ الأنبياء، وأنا مع العبيد، فلا ألقاك، فنزلت الآية (٦). وقال الشَّعبيُّ: جاء رجلٌ مِن الأنصار إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقال: لأنتَ أحبُّ إليَّ

стр. 2259

مِن نفسي وأهلي ومالي وولدي، ولولا أنِّي (١) آتيك فأراك؛ لظننتُ أنِّي سأموت، وبكى، فقال النبيُّ ﷺ : "ما يبكيك؟ " قال: ذكرتُ أنَّك ستموتُ ونموت، فترفعُ مع الأنبياء، ونحنُ إن (٢) دخلنا الجنَّة؛ كنَّا دونك، فلم يخبرهُ النَّبيُّ ﷺ بشيءٍ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ، فقال له النبيُّ ﷺ : "أبْشِر" (٣). وقال مقاتلٌ في هذه القصة: فلمَّا توفِّي النبي ﷺ ؛ أتاه ابنُه وهو في حديقةٍ له، فأخبرَهُ بموتِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: اللهمَّ أعمني، فلا أرى شيئًا أبدًا بعد حبيبي، حتَّى ألقى حبيبي، فعميَ مكانَهُ (٤). وزعم السُّدِّيُّ: أنَّ ناسًا مِن الأنصار قالوا: يا رسول اللَّه، إنَّك تسكنُ الجنَّة في أعلاها، ونحن نَشتاقُ إليك، فكيف نصنع؟ فنَزلَت الآية (٥). وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ بعد ما ذكر حديثَ ثوبان وحديثَ جماعةٍ مِن الصَّحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين: ويَحتمل أنَّها ليست في واحدٍ بعينه، ولكن لها وجوهٌ: أحدها: أنَّ اليهود وغيرَهم مِن الكفرة الذين آذَوا رسولَ اللَّه ﷺ ، وتمرَّدوا في تركِ

стр. 2260

إجابتِه؛ ظنُّوا أنَّهم وإن أسلَموا وأطاعوا الرسولَ، لم يُقبَل ذلك منهم، ولم يَنزِلوا منزلةَ مَن لم يؤذِه، فأخبرَ أنَّ مَن أطاعَ اللَّهَ ورسولَه، كان مع هؤلاء كأنْ لم يَترك طاعتَهُ أبدًا، وهو كما قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. ويَحتمل أنْ يكون ذلك لمَّا سَمعوا أنَّ لكلِّ واحدٍ من الجنَّة مثلَ الدُّنيا، فظَنُّوا ألَّا يكون لهم الاجتماع؛ لبُعْدِ بعضِهم عن بعض، فأخبرَ أنَّهم يجتمعون؛ لأنَّه كان في الدُّنيا مِن أعظمِ النِّعم، ثمَّ إذا ما (١) تفرَّقوا كان كلُّ واحدٍ منهم في درجته. ويَحتملُ أن يكون هذا على الابتداء؛ أنَّ مَن أطاعَ اللَّه والرَّسول؛ كان مع هؤلاء في دارٍ واحدةٍ لا يكونون (٢) في غيرها (٣). وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾؛ أي: رفقاء، وقال الفراء: إنَّما وحَّد الرَّفيقَ، وهو صفةُ جمع؛ لأنَّ الرَّفيق والبريدَ والرَّسولَ تَذهبُ به العربُ إلى الواحدِ والجمع، ولا يجوزُ مثله في الكلام: حسن أولئك رجلًا، إنَّما يجوز أن يوحِّدَ صفةَ الجمعِ إذا كان اسمًا مأخوذًا مِن فِعل، ولم يكن اسمًا صريحًا، ويجوز الجمع أيضًا، وأنشد: وإذا (٤) همُ شَبعوا (٥) فالأم طاعم... وإذا همُ جاعوا فشرُّ جياع (٦)

стр. 2261

(٧٠) - ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: ذلك الوعدُ، وقيل: ذلك الإنعامُ، ﴿ذَلِكَ﴾ يجوزُ أن يكون مبتدأ، و ﴿الْفَضْلُ﴾ خبرًا له، ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةً، و ﴿الْفَضْلُ﴾ مبتدأ، و ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبرًا له. ودلَّت الآية أنَّ العبدَ لا يجب له الأصلح على اللَّه تعالى، وأنَّ ما يفعلُه اللَّهُ تعالى بعبدِه، فهو فضلٌ منه، فبَطَلَ مذهبُ المعتزلة. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا بأعمالِ عباده، وبمن هو أهل الفضل. وقيل: أي: ﴿عَلِيمًا﴾ بمقادير مراتِبهم وجزاءِ أعمالهم. * * * (٧١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ انتظامُها بما قبلَها؛ أي (١): قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هذا في المؤمنين المخلِصين، والآياتُ التي قبلَها في المنافقين، وهؤلاء في المشركين المجاهرِين؛ أمرَ المؤمنين بجهاد الكافرين. وقوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تحرَّزوا من إيقاع العدوِّ بكم، وذلك قد يكون بأخذ العدَّة (٢)، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، قيل: هي الرَّمي،

стр. 2262

﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، يقول: لا تتَّكلوا على ما ضمنتُ لكم مِن النَّصر، فتتركوا الاستعدادَ؛ لأنَّ النصرَ موعودٌ بالقتال، ولا قتالَ إلَّا بسلاحٍ، ولو كان النصرُ أبدًا بغير قتالٍ ولا سلاحٍ؛ لبَطلت المحنة. وقيل: أخذُ الحذر: هو أخذُ السِّلاح، وليس كذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فغايرَ بينهما بالعطف، فصحَّ أنَّ أخذَ الحذر ليس أخذَ السِّلاح على اليقين (١)، بل هو التيقُّظ والتحفُّظ عنهم بأيِّ شيءٍ كان. وقيل: معناه ههنا: تحرَّزوا منهم، فانفِروا إليهم قبلَ أن يَنفِروا إليكم، قال النبيُّ ﷺ : "ما غُزي قومٌ في عقر دارهم إلَّا ذلُّوا" (٢). وقيل: أمرَ اللَّهُ تعالى بالتحرُّز (٣)، مع علمِه أنَّ الحذرَ لا يُغني (٤) من القَدر؛ لما أنَّ الاستسلام للهلاكِ معصيةٌ، وقال النبيُّ ﷺ للأعرابيِّ: "اعقِلْها وتوكَّل (٥) "،

стр. 2263

وكان النبيُّ ﷺ إذا مرَّ بهدفٍ مائلٍ أسرعَ المشيَ (١). وقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا﴾ النَّفيرُ: الخروجُ إلى العدوِّ غزوًا، والنُّفور: النُّدود (٢)، والنَّفْرُ: رجوعُ الحاجِّ، وصرفُ كلِّه من باب: ضرب. وقوله تعالى: ﴿ثُبَاتٍ﴾؛ أي: جماعاتٍ في تفرِقةٍ (٣)، واحدتها: ثُبَة، وأصلُها: ثبية؛ بزيادة ياءٍ في آخرها، حُذِفت تخفيفًا، وتعاد في التَّصغير، فيمال: ثُبَيَّة، والفعل منه: ثَبيتُ؛ أي: جمعت. وقوله تعالى: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾؛ أي: مجتمعين (٤)، ومعنى الآية: اخرجوا إلى قتالِ العدوِّ فرقةً بعد فرقةٍ، أي (٥): اخرجوا إنْ شئتُم مجتَمِعين. وقيل: أي: اخرجوا سرايا في جهاتٍ شتَّى، أو عسكرًا واحدًا في جهةٍ واحدةٍ، على حسب الحالةِ الدَّاعيةِ إليه. وقيل: انفروا ثباتٍ إذا لم يَعمَّ النفير، أو انفروا جميعًا إذا عمَّ النفير. وقال عبدُ الرَّحمن بنُ زيدِ بنِ أسلم: انفروا سرايا، إذا لم يَخرج النبيُّ ﷺ ، أو انفروا جميعًا إذا خرجَ النبيُّ ﷺ ، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهذا إذا خرجَ بنفسِه، ثمَّ قال: ﴿وَمَا

стр. 2264

كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]، وهذا إذا لم ينفر رسول اللَّه ﷺ (١). وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: ما تَحذَرون به عَدوَّكم، وما يحذر به وجوهٌ، منها: الأسلحة، ومنها: البُنيان، ومنها: التَّكثُّر (٢) عند التَّلقِّي بالثَّبات وذكر اللَّه تعالى، قال تعالى: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥]. وفيه الأمر (٣) بالإعداد قبل اللقاء، وأيَّد ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]، وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وفي الأمر بالإعداد قبل وقتِ الحاجة إليه دليلُ جوازِ الكسبِ لحاجاتٍ تحدُث (٤)، وأنَّ الاستعدادَ للحاجاتِ ليس برغبةٍ في الدُّنيا، إذا لم يكن الإعداد لفشلٍ ولا ترك توكُّلٍ (٥). * * * (٧٢) - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أمرَ بالجهاد، وأخبرَ أنَّ في المنافقين مَن يُثَقِّلُ المخلصين عن ذلك.

стр. 2265

وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: مِن جنسِكم. وقيل: أي: منكم في الظَّاهر دون الباطن، فقد قال في آيةٍ أخرى: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]. وقيل: أي: منكم في الحُكم. وقيل: منكم في الدَّعوى. و ﴿لَمَن﴾ لام الابتداء، واللامُ الثَّانية لامُ القسم، وكذا (١) النون دلالةُ القسم. وقرأ مجاهدٌ والكلبيُّ: (ليبطِئن) بتخفيفٍ (٢)، وهو من الإبطاء، وهو خلافُ الإسراع، وقد (٣) بَطُؤ يَبطُؤ بُطْءًا، فهو بطيءٌ؛ أي صار: بطيئًا (٤)، وهو خلاف السَّريع، وأبطأ؛ أي: تثاقل، وتَباطأ (٥): أَرى من نفسِه ذلك، وبطَّأ غيرَه بالتشديد للتعدية؛ أي: حَمَلَه على الإبطاء، يقول: إنَّ مِن (٦) المنافقين المختلِطين بكم مَن يَمنعُكم عن الجهاد، ويُظهِر من نفسِه الإشفاقَ عليكم وعلى أموالكم وأولادكم. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾؛ أي: نالتكم نكبةٌ مِن الأعداء. وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾؛ أي: منَّ اللَّه عليَّ.

стр. 2266

وقوله تعالى: ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: مع المؤمنين حاضرًا قتالَ العدوّ، فينالَني مِن النَّكبة (١) ما نالهم. قال مقاتل: نزلت في عبد اللَّه بن أُبيٍّ وأصحابه (٢). * * * (٧٣) - ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: غنيمةٌ، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا المنافق المبطِّئ (٣): ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ يتمنَّى (٤) أن يكون شهيدَ (٥) القتال معهم، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فأنالَ مالًا كثيرًا، ونَصبه لأنَّه جوابُ التَّمنِّي بالفاء. وقرأ الحسن بالرَّفع (٦) على تقدير: فإنِّي أفوز، على الاستئناف. وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ قرأ أهلُ المدينة وأبو عبد الرَّحمن ابنُ زيد وأبو رجاء وقتادة والأعمش: ﴿يكن﴾ بياء التذكير (٧).

стр. 2267

وقرأ الحسن: بالتَّاء؛ لأنَّ المودَّة مؤنَّثةٌ لفظًا، وقرأ عاصم (١) وأبو عمرو (٢) بالوجهين. ووجهُ التَّذكير تقدُّم الفعلِ ودخولُ الحائل، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّ المودَّة بمعنى الودِّ، وفي هذه الكلماتِ ثلاثةُ أوجه: قيل: هي ملحقةٌ بالحادثة الأولى، ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ (٣)، وفرحَ بسلامتِه ونكبتكم (٤)، ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. وقيل: هي (٥) مؤخَّرةٌ عن الحادثة الثَّانية، وتقديره: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، يَحسُدُكم بالاختصاص (٦) بالغنيمة، و ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾. وقيل: هي مُقرَّرة (٧) على نظمها، واعتراضُه لمعنى الحال، لا (٨) لأنَّه من كلامه، تقديره: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، وهو بحالٍ يَظهرُ منه أنَّه يعامِلُكم معاملةَ مَن لا مودَّة بينه وبين من يعامِلُه: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾. * * *

стр. 2268

(٧٤) - ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أكثرُ المفسِّرين على أنَّه أمرُ مغايبةٍ بالقتال للمؤمنين، و ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى (١): يبيعون؛ أي: الذين يؤثرون الآخرةَ على الدُّنيا، أمرَهُم أنْ يقاتِلوا لطلبِ رضا اللَّه، دون الغنيمة كما يقاتل المنافقون. وقال الكلبيُّ: هذا أمرُ مغايبةٍ للمنافقين الذين تخلَّفوا عن أُحُد، و ﴿يَشْرُونَ﴾ بمعنى: يشترون؛ أي: يختارونَ الحياةَ الدُّنيا على الآخرة، وتقديرُه أنَّه يقول للمنافقين: فليكونوا من الذين يقاتلون في سبيل اللَّه، قاله الزَّجَّاج (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ رويَ أنَّ الصحابة ﵃ قالوا للنبيِّ ﷺ : إنَّا نقاتل، فنَقْتُل ولا نُقْتَل في سبيل اللَّه؛ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، وأشركَهم جميعًا في الأجر (٣). وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: في الآية دليلٌ أنَّ المرأةَ إذا سلَّمت (٤) نفسَها إلى زوجِها، وجبَ لها كمالُ المهر، وإنْ لم يقبضها الزَّوج، وكذلك البائعُ إذا أسلم (٥)

стр. 2269

المبيعَ تأكَّدَ الثَّمنُ على المشتري، وإن لم يَقبض؛ لأنَّ اللَّه تعالى جعل الغازي بتسليم النَّفس -وإن غلب ولم يقتلْه أحدٌ- بمنزلة مَن قتلَه المشركون (١). * * * (٧٥) - ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يُقَالُ ذلك إلَّا عند سبقِ التَّفريط، ثمَّ لم يَزُل اسمُ الإيمان عنهم، ولم يَسقُط فرضُ الجهاد عنهم، فبطَلَ بذلك قولُ الخوارجِ في مرتكب الكبيرةِ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ومعناه: في تخليص العَجَزة مِن الرِّجال البالغين، والنِّساءِ، وصغار الأولادِ المقهورين في أيدي الكفَّار. وقال الإمام القشَيريُّ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ يَمنعُكم عن القتالِ في سبيلِ اللَّه؟ وما الذي لا يُرَغِّبكم في بذلِ المهجةِ للَّه؟ وماذا عليكم لو بَذلتُم أرواحَكُم في اللَّه تعالى؟ أتخافون أنْ تخسروا على اللَّه؟ أم لا تعلمون أنَّكم تحشرون إلى اللَّه؟ أم لا تَكتفونَ ببقائِه بعد فنائِكم في اللَّه تعالى؟ (٣)

стр. 2270

وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه دليلٌ أنَّ إسلامَ الصَّبيِّ العاقلِ صحيحٌ، فإنَّ ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ اسمٌ للصغار، وقد حثَّ المسلمين على استنقاذِهم من أيدي الكُفَّار، فدَلَّ على حكم إسلامِهم، ودلَّ على (١) أنَّ استنقاذَ الأسارى من المسلمين عن أيدي الكفَّار واجبٌ بما قدِروا عليه من القتالِ وإعطاءِ المال (٢). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾؛ أي: لا حيلةَ لهؤلاء المستضعفين ولا ملجأ إلَّا اللَّه، فيقولون: يا ربَّنا، أخرجنا من مكَّة التي أهلُها ظالمون بالشِّرك، وبظُلمنا بالمنعِ عن الخروج، وبحملِنا على الكفرِ بالدَّعوة إليه والتَّعذيبِ عليه. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾؛ أي: وهيِّئ لنا مِن عندكَ مَن يتولَّى كفايتَنا. وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾؛ أي: وهيِّئ لنا مِن عندك مَن ينصرُنا، ويمنعُنا مِن عدوِّنا، فاستجابَ اللَّهُ تعالى دعاءَهم، وجعلَ رسولَ اللَّهِ ﷺ وليَّهم، وعتَّابَ بن أسيد ناصرهم؛ قاله عطاء، فكان يَستنقِذُ واحدًا واحدًا منهم، ويَبعثه على يد مرثد بن مرثد (٣) إلى المدينة، ولمَّا فتح اللَّهُ تعالى مكَّة على رسول اللَّه ﷺ ؛ استخلفَ عليها عتَّاب بنَ أسيد؛ فكان يَنصرُ الضَّعيفَ مِن القويِّ، والمظلومَ من الظالم (٤). وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كان من المستضعَفين من الرِّجال: سلمةُ بن

стр. 2271

هشام، والوليدُ بنُ الوليد، وعيَّاش بن أبي ربيعة، وأبو جندل بنُ سهيل وغيرُهم، ومن النساء أُمِّي، ومن الوِلدان أنا (١). وقوله تعالى: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ معناه: البلدةُ التي ظلمَ أهلُها، وذكَّر؛ لأنَّه نعت الأهلَ دون القرية، وخَفَض؛ لأنَّه ذكر معها؛ وهو كقوله (٢): مررت برجلٍ حسنةٍ امرأتُه، وبامرأةٍ حسنٍ زوجُها. * * * (٧٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: في رضا اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾؛ أي: الشيطان، وقيل: أي: الأصنام، والطَّاغوتُ: هو ما عُبِدَ من دون اللَّه تعالى. وهذا تحريضٌ للمؤمنين على الجهادِ من وجهٍ آخر (٣). وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ هم الكفَّار.

стр. 2272

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ لا يدَ لَهُ على أنفُسِكم، ولا على أموالِكم، ولا على دينِكم، جبرًا ولا قهرًا، وإنَّما يكون منه تزيينٌ ووسوسةٌ، ثم يُسلِمُ متابعَهُ إلى الهَلَكة، ويرجع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤٨]. * * * (٧٧) - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ ناسًا أتوا النبيَّ ﷺ بمكَّة قبل أنْ يُهاجِرَ إلى المدينة، وشَكَوا إليه ما يَلقَونَ مِن أذى المشركين، وقالوا: كنَّا في عِزٍّ في حالة (١) الجاهليَّة، والآن صرنا أذلَّةً، فلو أذِنْتَ لنا نقتل هؤلاء المشركين على فرشهم، فقال ﵇: "إنِّي أُمِرْتُ بالصبر، فكفُّوا أيديكم"؛ أي: أمسِكوا، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فلمَّا هاجروا (٢) إلى المدينة، وأمرَهم اللَّهُ بالقتال؛ كرهَ بعضُ المؤمنين ذلك؛ فنزلت الآية (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ أي: فُرِضَ عليهم الجهاد، ﴿إِذَا فَرِيقٌ

стр. 2273

مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي: خشيةَ طبع، كما قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: ٥]؛ أي: كراهة (١) طبع. وقوله تعالى: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ (٢) إدخالُ ﴿أَوْ﴾ لمعنيين: أحدهما: الإبهام (٣) على المخاطب؛ أي: هم على إحدى هاتين الصفتين. والثاني: أنَّه للتخيير؛ أي: إن قلتَ: إنَّهم يَخشون النَّاس كخشية اللَّه؛ فأنت مصيبٌ، وإن قلت (٤): يخشونهم أشدَّ مِن ذلك؛ فأنت مصيبٌ؛ لأنَّه حصلَ لهم ذلك وزيادةٌ. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: هلَّا أمهلتنا إلى الموتِ، فنموتَ على الفُرُش؟ وهو سؤال طلب حكمةٍ، لا لاعتراضٍ ومعارضةٍ، بدليل أنَّهم لم يوبَّخوا على إسداء السُّؤال، بل أجيبوا (٥)، وذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾؛ أي: التَّمتُّع بالحياةِ في الدُّنيا قليلٌ، وسيَنقضي عن قريب، ولو استُشهِدتم في القتال صِرتُم أحياءً، فتتَّصِلُ الحياةُ الفانيةُ بالحياةِ الباقيةِ في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾؛ أي: خيرٌ لمن اتَّقى (٦) اللَّه؛ فأطاعَه ولم يَعصِه.

стр. 2274

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قرأ أهلُ المدينة (١) وعاصمٌ وأبو عمرٍو بتاء المخاطبة (٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨]، وقرأ أهلُ الكوفة بياء المغايبة (٣)، كما في أول هذه الآية. والفتيلُ قد فسَّرناه في هذه السورة بتفسيرين، يقول: مَن اتَّقى اللَّه (٤) لم يُظلَم شيئًا، وإن قلَّ عمله، بل يُضاعَفُ ثوابُه، فأنتم إذا اتَّقيتم اللَّه، وجاهدتُم عدوَّه بأمرِه، لم يَبطُلْ سعيُكم. وقوله: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أي: كخشيتهم للَّه، كقوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ أي: كحبِّهم للَّه. وقال الكلبيُّ: نزلت هذه الآيةُ في عبد الرحمن بنِ عَوْف، والمقدادِ بن الأسود، وقدامةَ بنِ مظعون، وسعدِ بن أبي وقَّاص، كانوا مع النبيِّ ﷺ قبل أنْ يُهاجروا إلى المدينة يَلقون مِن المشركين الأذى، فيَشتَكون إلى رسولِ اللَّه ﷺ ذلك، ويقولون: ائذن لنا في قتالِهم؛ فإنَّهم آذونا، فقال لهم رسولُ اللَّه ﷺ : "كفُّوا أيديكم؛ فإنِّي لم أؤمر بقتالهم"، فلمَّا أُمِروا أنْ يسيروا إلى بدرٍ؛ كره ذلك طلحة بن عبيد اللَّه وجماعةٌ وقالوا: ربَّنا لم كتبتَ علينا القتالَ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٥).

стр. 2275

وقيل: الآيةُ في حقِّ بني إسرائيل؛ كما قال في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ الآيات على ما بيَّنا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مكَّنك من الدُّنيا، ثمَّ قلَّلها، فلم يَعُدَّها لك شيئًا، ثمَّ لو تصدَّقتَ منها بشِقِّ تمرةٍ، استكثَره منك، وهذا غايةُ الكرم وشرط المحبَّة؛ وهو استقلالُ الكثيرِ مِن نفسِه، واستكثارُ القليلِ مِن حبيبه. قال: وإذا كانت قيمةُ الدُّنيا قليلةً، فأخسُّ مِن الخسيس مَن رضيَ بالخسيس بدلًا عن النَّفيس. وقال: إنَّ اللَّه تعالى اختطفَ (١) المؤمنَ مِن الكون بالتَّدريج، فقال أوَّلًا: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ فاختطفهم (٢) عن (٣) الدُّنيا بالعُقبى، ثمَّ استلبَهم عن الكونين بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧٣] (٤). * * * (٧٨) - ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ تكتب ﴿أَيْنَمَا﴾ موصولةً ههنا، ومفصولةً في قوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٧]؛ لأنَّ (ما) في الأولى صلةٌ زيدت للشَّرط، فاتَّصلت به؛ كما في "حيثما" و"كيفما" و"مهما"،

стр. 2276

وفي الثانية اسمٌ بمعنى: الذي، تقديرُه: أين الذي كنتُم تَدعون؟ فكان اسمًا مستقلًّا بنفسِه، فلم يوصَل بغيرِه. و ﴿تَكُونُوا﴾ جُزِمَ بالشَّرط، و ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جُزِمَ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، يقول: حيثُما كنتُم أدركَكمُ الموتُ، وهو تحريضٌ على الجهاد أيضًا؛ أي: ليس التَّخلُّف عن الجهاد بدافعٍ للموت، وإذا أدرككم الموتُ (١) لا محالة، فالموتُ في الجهاد (٢) أنفعُ وأرفع. وقال الكلبيُّ: لمَّا قال المنافقون في شهداء أُحُد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، أنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٣). وقيل: هو جوابُ قولهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ البرجُ: الحصنُ، وقيل: القصرُ، وقيل: البناءُ العالي، وقيل: هنَّ بروجُ السَّماء الاثني عشر. وهذا قول الرَّبيع بن أنس والسُّدِّيِّ (٤)، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]. وقوله: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ قرأ مجاهدٌ بفتح الميم وتخفيف الياء (٥)؛ كما في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، وقراءةُ العامَّة: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ بضمِّ الميم وتشديد الياء (٦)،

стр. 2277

والمخفَّف مِن: شادَ البناءَ يَشيده شيدًا؛ أي: رفعَهُ وطوَّلَه، والمشدَّد من: شيَّدَهُ يُشيِّدُه تشييدًا؛ أي: زيَّنهُ وطلاهُ بالشِّيد؛ أي: الجصُّ. وقيل: على عكسه. وقال الفرَّاء والكسائيُّ: هما واحدٌ للرَّفع والتَّطويل، إلَّا أنَّ التخفيفَ لأصل الفعل، والتَّشديدَ لتكثيره وتكريره (١)؛ كما في الفَتح والتَّفتيح، والقتلِ والتَّقتيل (٢). وفي التَّفسير أنَّها الحصون الحصينة. وقيل: هي القصورُ المرتفعةُ إلى عَنانِ السَّماء. وقيل: هي منازلُ القمرِ التي في السَّماء. وقال مجاهدٌ في هذه الآية: كان فيمن كان قبلكم امرأةٌ، وكان لها أجيرٌ، فوَلدَتْ جاريةً، فقالت لأجيرِها: اقتبسْ لنا نارًا، فخرجَ، فوجد بالباب رجلًا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأةُ؟ قال: جاريةً، قال: أما إنَّ هذه الجاريةَ لا تموتُ حتَّى تزنيَ بمئةٍ، ويتزوَّجها أجيرُها، ويكون موتُها بالعنكبوت. فقال الأجير في نفسه: فأنا أريدُ هذه بعد أنْ تَفجُر بمئةٍ؟ لأقتلنَّها، فأخذ شفرةً، فدخلَ، فشقَّ بطن الصبيَّة (٣)، وخرجَ على وجهِه، وركبَ البحرَ، وخيطَ بطنُ الصبيَّة، فعولِجَت وبَرِئت، وشبَّت، فكانت تَزني، فأتت ساحلًا مِن سواحل (٤) البحر، فأقامَت عليه تَزني. ولبِثَ الرَّجلُ ما شاء اللَّه، ثمَّ قَدِمَ ذلك السَّاحل، ومعه مالٌ كثيرٌ، فقال لامرأةٍ

стр. 2278

من أهل السَّاحل: اطلُبي لي امرأةً (١) مِن أجملِ امرأةٍ في القريةِ (٢) أتزوَّجها، فقالت: هاهنا امرأةٌ مِن أجمل النِّساء، ولكنَّها تفجر، فقال: ائتيني بها، فأتتها فقالت (٣): قَدِمَ رجلٌ له مالٌ كثيرٌ، وقال لي كذا، فقلت كذا، فقالت: إنِّي تركتُ الفجورَ، ولكن إنْ أراد تزوَّجتُه. قال: فتزوَّجَها، فوقعَتْ منه موقعًا، فبينا (٤) هو يومًا عندها، إذ أخبرَها بأمرِه، فقالت: أنا تلكَ الجارية -وأرتهُ الشقَّ في بطنها- وقد كنتُ أفجرُ، فما أدري بمئةٍ أو أقلَّ أو أكثر، قال: فإنَّه قال لي (٥): يكون موتها بالعنكبوت (٦)، قال: فبَنى لها بُرجًا في الصَّحراء وشيَّده، فبينما هما (٧) يومًا في ذلك البرج، إذا عنكبوتٌ في السَّقف، فقالت: هذا يقتلُني (٨)، لا يقتله أحدٌ غيري، فحرَّكتهُ، فسقطَ، فأتتهُ فوضعَت إبهامَ رجلِها عليه، فشَدَختهُ، وساحَ (٩) سمُّه بين ظُفرِها واللَّحم (١٠)، فاسودَّت رجلُها،

стр. 2279

فماتت، وفي ذلك نزلت هذه الآية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقول: إنْ أصابَت هؤلاء المنافقين حالةٌ حسَنةٌ؛ نصرٌ وغنيمةٌ، أو خِصْبٌ وسَعةٌ، أو أمنٌ وعافيةٌ (٢)، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعطاء اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: وإن أصابتهُم حالةٌ سيِّئةٌ؛ قتلٌ أو هزيمةٌ، أو جدبٌ أو بليَّةٌ، وبلاءٌ وشِدَّةٌ، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بسببِك يا محمَّد؛ يتطيَّرون بك؛ كما قال ذلك قوم موسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وكما قال قوم صالح ﵇: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧]، وآخرون قالوا: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: قل يا محمَّدُ: كلُّ ذلك بتقديرِ اللَّه، وهو سنَّة اللَّهِ تعالى في خلقه، قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤]. وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، والقومُ هم المنافقون، والفقهُ: الفَهمُ، و ﴿حَدِيثًا﴾ نكرةٌ في موضع (٣) النَّفي فتعمُّ؛ أي: يقولون ذلك عن قلَّة معرفةٍ، وغَلَبةِ جهلٍ، لا يَفهمون شيئًا ممَّا قيل لهم على وجهه.

стр. 2280

(٧٩) - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. وقال الكلبيُّ: هي في المنافقين ويهود المدينة، هم قالوا ذلك، والردُّ عليهم جميعًا قولُه تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: ما نالَك يا محمَّدُ مِن حالةٍ حسنةٍ، فهي من فضلِ اللَّه عليك، لا باستحقاقِك (١) بنفسك. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: ما أصابَك من ظَفَرٍ أو سرورٍ؛ فمِن اللَّه، لا بحيلتِك (٢) ومَقدرتكَ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؛ أي: وما نالكَ مِن حالةٍ سيِّئةٍ فبسبب زَلَّةٍ منك، خاطبَ النبيَّ ﷺ ، وأرادَ به (٤) أُمَّته. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: وما أصابَك وأصحابَك من مكروهٍ مِن العدوِّ وغيره فمِن نفسِك؛ أي: بذنوبِكم، وأنا قضيتُ ذلك عليكم (٥). وفي قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (فمن نفسك وأنا قَدَّرتُها عليك) (٦)،
следующие страницы →