← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

وفي الثانية اسمٌ بمعنى: الذي، تقديرُه: أين الذي كنتُم تَدعون؟ فكان اسمًا مستقلًّا بنفسِه، فلم يوصَل بغيرِه. و ﴿تَكُونُوا﴾ جُزِمَ بالشَّرط، و ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جُزِمَ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، يقول: حيثُما كنتُم أدركَكمُ الموتُ، وهو تحريضٌ على الجهاد أيضًا؛ أي: ليس التَّخلُّف عن الجهاد بدافعٍ للموت، وإذا أدرككم الموتُ (١) لا محالة، فالموتُ في الجهاد (٢) أنفعُ وأرفع. وقال الكلبيُّ: لمَّا قال المنافقون في شهداء أُحُد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، أنزل اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٣). وقيل: هو جوابُ قولهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ البرجُ: الحصنُ، وقيل: القصرُ، وقيل: البناءُ العالي، وقيل: هنَّ بروجُ السَّماء الاثني عشر. وهذا قول الرَّبيع بن أنس والسُّدِّيِّ (٤)، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]. وقوله: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ قرأ مجاهدٌ بفتح الميم وتخفيف الياء (٥)؛ كما في قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، وقراءةُ العامَّة: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ بضمِّ الميم وتشديد الياء (٦)،

стр. 2277

والمخفَّف مِن: شادَ البناءَ يَشيده شيدًا؛ أي: رفعَهُ وطوَّلَه، والمشدَّد من: شيَّدَهُ يُشيِّدُه تشييدًا؛ أي: زيَّنهُ وطلاهُ بالشِّيد؛ أي: الجصُّ. وقيل: على عكسه. وقال الفرَّاء والكسائيُّ: هما واحدٌ للرَّفع والتَّطويل، إلَّا أنَّ التخفيفَ لأصل الفعل، والتَّشديدَ لتكثيره وتكريره (١)؛ كما في الفَتح والتَّفتيح، والقتلِ والتَّقتيل (٢). وفي التَّفسير أنَّها الحصون الحصينة. وقيل: هي القصورُ المرتفعةُ إلى عَنانِ السَّماء. وقيل: هي منازلُ القمرِ التي في السَّماء. وقال مجاهدٌ في هذه الآية: كان فيمن كان قبلكم امرأةٌ، وكان لها أجيرٌ، فوَلدَتْ جاريةً، فقالت لأجيرِها: اقتبسْ لنا نارًا، فخرجَ، فوجد بالباب رجلًا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأةُ؟ قال: جاريةً، قال: أما إنَّ هذه الجاريةَ لا تموتُ حتَّى تزنيَ بمئةٍ، ويتزوَّجها أجيرُها، ويكون موتُها بالعنكبوت. فقال الأجير في نفسه: فأنا أريدُ هذه بعد أنْ تَفجُر بمئةٍ؟ لأقتلنَّها، فأخذ شفرةً، فدخلَ، فشقَّ بطن الصبيَّة (٣)، وخرجَ على وجهِه، وركبَ البحرَ، وخيطَ بطنُ الصبيَّة، فعولِجَت وبَرِئت، وشبَّت، فكانت تَزني، فأتت ساحلًا مِن سواحل (٤) البحر، فأقامَت عليه تَزني. ولبِثَ الرَّجلُ ما شاء اللَّه، ثمَّ قَدِمَ ذلك السَّاحل، ومعه مالٌ كثيرٌ، فقال لامرأةٍ

стр. 2278

من أهل السَّاحل: اطلُبي لي امرأةً (١) مِن أجملِ امرأةٍ في القريةِ (٢) أتزوَّجها، فقالت: هاهنا امرأةٌ مِن أجمل النِّساء، ولكنَّها تفجر، فقال: ائتيني بها، فأتتها فقالت (٣): قَدِمَ رجلٌ له مالٌ كثيرٌ، وقال لي كذا، فقلت كذا، فقالت: إنِّي تركتُ الفجورَ، ولكن إنْ أراد تزوَّجتُه. قال: فتزوَّجَها، فوقعَتْ منه موقعًا، فبينا (٤) هو يومًا عندها، إذ أخبرَها بأمرِه، فقالت: أنا تلكَ الجارية -وأرتهُ الشقَّ في بطنها- وقد كنتُ أفجرُ، فما أدري بمئةٍ أو أقلَّ أو أكثر، قال: فإنَّه قال لي (٥): يكون موتها بالعنكبوت (٦)، قال: فبَنى لها بُرجًا في الصَّحراء وشيَّده، فبينما هما (٧) يومًا في ذلك البرج، إذا عنكبوتٌ في السَّقف، فقالت: هذا يقتلُني (٨)، لا يقتله أحدٌ غيري، فحرَّكتهُ، فسقطَ، فأتتهُ فوضعَت إبهامَ رجلِها عليه، فشَدَختهُ، وساحَ (٩) سمُّه بين ظُفرِها واللَّحم (١٠)، فاسودَّت رجلُها،

стр. 2279

فماتت، وفي ذلك نزلت هذه الآية: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقول: إنْ أصابَت هؤلاء المنافقين حالةٌ حسَنةٌ؛ نصرٌ وغنيمةٌ، أو خِصْبٌ وسَعةٌ، أو أمنٌ وعافيةٌ (٢)، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بعطاء اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾؛ أي: وإن أصابتهُم حالةٌ سيِّئةٌ؛ قتلٌ أو هزيمةٌ، أو جدبٌ أو بليَّةٌ، وبلاءٌ وشِدَّةٌ، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: بسببِك يا محمَّد؛ يتطيَّرون بك؛ كما قال ذلك قوم موسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١]، وكما قال قوم صالح ﵇: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧]، وآخرون قالوا: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أي: قل يا محمَّدُ: كلُّ ذلك بتقديرِ اللَّه، وهو سنَّة اللَّهِ تعالى في خلقه، قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤]. وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، والقومُ هم المنافقون، والفقهُ: الفَهمُ، و ﴿حَدِيثًا﴾ نكرةٌ في موضع (٣) النَّفي فتعمُّ؛ أي: يقولون ذلك عن قلَّة معرفةٍ، وغَلَبةِ جهلٍ، لا يَفهمون شيئًا ممَّا قيل لهم على وجهه.

стр. 2280

(٧٩) - ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. وقال الكلبيُّ: هي في المنافقين ويهود المدينة، هم قالوا ذلك، والردُّ عليهم جميعًا قولُه تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: ما نالَك يا محمَّدُ مِن حالةٍ حسنةٍ، فهي من فضلِ اللَّه عليك، لا باستحقاقِك (١) بنفسك. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: ما أصابَك من ظَفَرٍ أو سرورٍ؛ فمِن اللَّه، لا بحيلتِك (٢) ومَقدرتكَ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾؛ أي: وما نالكَ مِن حالةٍ سيِّئةٍ فبسبب زَلَّةٍ منك، خاطبَ النبيَّ ﷺ ، وأرادَ به (٤) أُمَّته. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: وما أصابَك وأصحابَك من مكروهٍ مِن العدوِّ وغيره فمِن نفسِك؛ أي: بذنوبِكم، وأنا قضيتُ ذلك عليكم (٥). وفي قراءة عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (فمن نفسك وأنا قَدَّرتُها عليك) (٦)،

стр. 2281

وهو ثابتٌ بالكتاب (١) أيضًا بما تقدَّم؛ وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وقال عطيَّة العوفيُّ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ يوم بدرٍ ﴿فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ يوم أحدٍ؛ فمِن نفسك (٢)؛ أي: بذنبِ أصحابِك، حيث تَركوا أمرَك، وأخلُّوا بالمركز؛ نظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ (٣) [الحج: ١٠]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. وتعلَّقت المعتزلةُ بظاهرِ هذه الآية، وحمَلت الحسناتِ على الطَّاعات، والسيِّئاتِ على المعاصي، وقالوا: أخبرَ اللَّهُ تعالى أنَّ الحسناتِ مِن اللَّه، والسَّيِّئات مِن نفسِه، ولا متعلَّق لهم، فإنَّهم لا يقولون: الحسناتُ مِن اللَّه خلقًا وإيجادًا، فلا حجَّة لهم (٤) في ذلك (٥). وعندنا: الحسنةُ والسيِّئةُ في هذه الآية كالحسنة والسِّيئة المذكورتين في قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨]، وقد جاء عن الصَّحابة والتَّابعين في تفسير هذه الآيةِ والآية التي قبلها أنَّ ذلكَ على الغنيمةِ والهزيمة، والخِصبِ والجَدْبِ، والنِّعمةِ والمحنة، ودلَّ ظاهرُ النظم عليه؛ فإنَّه قال: ﴿مَا

стр. 2282

أَصَابَكَ﴾، ولَمْ يقلْ: ما أصبتَهُ، وفي العمل يُذكر كذلك، وهو احتجاجُ الحسين بن الفضل البجليِّ (١) ﵀، فإنَّه احتجَّ على المعتزلةِ بهذا الوجه. وجوابٌ آخرُ أشار إليه الإمام أبو منصورٍ ﵀: أنَّه يجوز أنْ يكون أراد به الحسنةَ التي هي الطَّاعة، والسيِّئة التي هي المعصية، ويجوز أنْ يُقال في ذلك: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾؛ لأنَّ ما أصابك فقد أصبتَه، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، ويكونُ هذا تعليمًا للنبيِّ ﷺ وأُمَّته أنَّهم في حقِّ الطاعة يَنبغي لهم أن يُضيفوا ذلك إلى اللَّه تعالى؛ ليروا منه الفضلَ والمنَّة، ويتضرَّعوا إليه، ولا يُضيفوهُ إلى أنفسِهم؛ كيلا يُبطِلوهُ بالعُجب والرِّياء والسُّمعة، ولا يَعتمدوا عليه، وفي حقِّ المعصية يُضيفون ذلك إلى أنفُسِهم؛ حياءً وندمًا مِن ذنوبهم (٢)، ولا يُضيفون ذلك إلى اللَّه؛ تمهيدًا لعذر أنفسهم (٣). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فضلًا، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ كَسْبًا، وكلاهما من اللَّه تعالى خَلْقًا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ فمنكَ الدَّعوةُ وتبليغُ الرِّسالة، وليس إليك الحسنةُ والسيِّئة. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: عليك وعليهم، يجزي كلًّا بما شَهِدَ عليه. وقيل: أي: شاهدًا بأنَّك رسولُه.

стр. 2283

(٨٠) - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ في الدُّعاء إلى القتال وغيرِه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ (١) أي: أعرضَ عن طاعتِك يا محمَّد. رجع الكلامُ إلى المخاطبة بعد المغايبة، وهو متعارفُ أهلِ الفصاحة، وأحدُ أنواع البلاغة. وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أي: رقيبًا عليهم، تُجبِرهُم على الإخلاص، وتعاقِبُ (٢) في تركِ ذلك. وقيل: أي: ومَن أعرض، فلا حرجَ (٣) عليك؛ لأنَّك لم تُرسَلْ حفيظًا عليهم تحفظُهم عن المعاصي فلا يَعصوا. وقيل: فما أرسلناكَ حفيظًا تَطَّلع على سرائرهم، إنَّما عليك أنْ تُعامِلهم على ظواهرِهم. وقال مقاتل: قال النبيُّ ﷺ : "من أحبَّني فقد أحبَّ اللَّه، ومَن أطاعني فقد أطاع اللَّه"، فقال المنافقون: أما ترون هذا الرجل يَنهانا أنْ نعبد غيرَ اللَّه، ويريدُ أنْ نتَّخذه حنانًا، كما اتَّخذت النَّصارى عيسى بن مريم حنانًا؟! فنزلَت هذه الآية (٤). * * * (٨١) - ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.

стр. 2284

وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾؛ أي: يقول المنافقون: هذه طاعةٌ، أو: مِنَّا طاعةٌ، أو: لأمرك طاعةٌ، يقولون هذا بحضرتِك. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خَرجوا وغابوا. وقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قال أبو عبيدة: ﴿بَيَّتَ﴾ أي: غيَّر، لغة طيِّئ (١). وقيل: دبَّر ليلًا، من: بات يبيت بيتوتةً للازم، وبيَّتَ تبييتًا للمتعدِّي. وقيل: أي: ألَّف وزخرفَ وغيَّر الذي تقول (٢)؛ أي: قولًا غير الذي تقول يا محمَّد. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾؛ أي: يأمرُ الملائكة بانتساخِه، ويُحاسِبُهم به (٣) يومَ القيامة، ويُجازيهم عليه. وقيل: أي: يُنزِل بذلك كتابًا على نبيِّه ﷺ ، فيَهتِك أستارَهم بما أخفوهُ باللَّيل. وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن مكافأتهم للحال، ونُسِخ ذلك بالأمر بالقتال. وقيل: أي: لا تتكلَّف لإظهارِ سرِّهم والتطلُّع عليه، فأنا أُطلِعُك عليه؛ إظهارًا لصدق دعواك. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: اعتمِد عليه، وثِقْ به؛ فإنَّه يكفيكَهُم (٤).

стр. 2285

وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كافيًا ومتولِّيًا وناصرًا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ إذا حضروك استسلموا في مشاهدَتِك، فإذا خرجوا انقطعَ عنهم نورُ إقبالِك، فعادوا إلى ظلماتِ نفاقِهم في مخالفتِكَ، قال قائلهم: إذا ارْعَوى (١) عادَ إلى جَهلِه... كذي (٢) الضَّنى عادَ (٣) إلى نُكْسِهِ (٤) * * * (٨٢) - ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ استفهامٌ بمعنى الأمر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧٤]. والتَّدبُّر: النَّظر في دُبُر الأمر؛ أي: عاقبته، وهو قريبٌ من التَّفكُّر، غير أنَّ (٥) التَّفكُّر تصرُّف القلب بالنَّظر في (٦) الدَّلائل، والتَّدبُّر تصرُّفه بالنَّظر في العواقب، والتَّدبُّر في القرآن: التأمُّلُ في معانيه بعد تلاوته أو سماعه، أو طلبُ ما يَؤول إليه ظاهرُه مِن المعنى المرادِ به. ودلَّ هذا على بطلانِ التَّقليد، ووجوبِ طلبِ الدَّليل، وأنَّه حظُّ أهلِ العلم،

стр. 2286

وهم الخاصَّة، وعلى العامَّة اتِّباعُهم فيما فهموهُ منه (١)، وأخبروهم (٢) به. وقال القشيريُّ ﵀: التدبُّر: إثارةُ المعاني بغوصِ الأفكار، واستخراجُ جواهرِ المعاني بدقائقِ الاعتبار (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾؛ أي: ولو لم يكن كلامُ اللَّه الحكيم منزَّلًا من عنده، وكان مِن كلام البَشر، لم يخلُ مِن أنْ يَلحقَهُ اختلالٌ في نظمِه أو معناه، وتناقضٌ فيما ذُكِر فيه؛ لأنَّ المتعارَفَ في الخطيبِ الفصيح البليغ منَّا أنَّه إذا كثُرَ كلامُه، اختلَّ نظامُه، واختلفَتْ أقسامُه، خصوصًا إذا تَطاولت في تفاريقِ كلامِه أَيَّامُه (٤). وقيل: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فيما أخبرَ النبيُّ ﷺ عن أَشياءَ تكونُ وتَظهرُ بخلافِه، كما كان يَقعُ ذلك في كلامِ كهنتِهم، ولمَّا ظهرَ جميعُ ما أخبرَ عنه كما أخبر عنه؛ ثبتَ أنَّه مِن عند اللَّهِ الصَّادقِ الحكيم، الخبير العليم. فأمَّا اختلافُ القراءات (٥)؛ فكلُّها منزَّلة، وأمَّا اختلافُ الآيات الناسخة والمنسوخة؛ فإنَّ كلَّ حُكمٍ كان في غير زمانِ الحكمِ الآخر، فلم يكن اختلافًا، وأمَّا اختلافُ المفسِّرين في التَّفسير والتَّأويل، فهو الكلام (٦) في محتملاتِ الظَّواهر ومدلولاتِها، ويَحتملُ أنْ تكونَ كلُّها مرادةً بها، وأمَّا اختلافُ العلماءِ في أحكام منها،

стр. 2287

مع رجوعهم جميعًا إلى التعلُّق بها؛ فذاك اختلافُهم لا اختلافُه؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [هود: ١١٠]، وذاك لا يُوجِب اختلافَ التَّوراة، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ [البقرة: ٢١٣]، ولم يوجبْ ذلك اختلافَ الدِّين، وما يَتعلَّقُ المُلحِدةُ (١) به من آياتٍ (٢) يدَّعون فيها الاختلاف، فقد تفصَّى (٣) عنه أهلُ الحقِّ، وستجدُها مشروحةً في كتابنا هذا في مواضعها إنْ شاء اللَّه تعالى. * * * (٨٣) - ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ هذه الآيةُ والتي قبلها في المنافقين أيضًا، يقول: إذا أتى المنافقين خبرُ أمنٍ للسَّرايا التي بعثَها النبيُّ ﷺ ، أو خبرُ خوفٍ لهم، أفشَوه. وقد ذاعَ ذُيوعًا، وأذاعَهُ غيرُه إذاعةً، وأذاعَ به أيضًا، وشاعَ كذلك، وأشاعه للتعدية، وهو انتشارُ الأمرِ وظهورُه بين النَّاس، وإنَّما ذمَّهم بذلك؛ لأنَّهم كانوا يَتسارعون إلى نشرِه قبلَ تحقُّقه والعلمِ بتَفصيلِه؛ لتَختلفَ التَّأويلات مِن سامعِيه، وفيه وقوعُ الفتنة، نحو أن يقعَ (٤) الخبر أنهم غلبوا العدوَّ، فإذا نشروا أنَّ الأمرَ قد تمَّ،

стр. 2288

يتخلَّفُ المَدَدُ، وربَّما يُحتاج إليه، أو يقعُ نوعُ وهنٍ، فإذا نشروا أنَّ الدَّبَرةَ وقعَت على المؤمنين بالكلِّيَّة، جَبُنَ الباقون عن الخروج. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: ترَكوهُ حتَّى يُخبِرهم الرَّسولُ وهو حقيقةٌ؛ لأنَّه يُخبِرُ عن اللَّه بإخبارِه (١) الصِّدقَ. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: أمراءِ السَّرايا؛ ليُخبِروهم عن عَيانٍ، وهو على وجهِه وتمامِه. وقوله تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: لوصلَ إلى حقيقةِ علمِه الذين يَستخرجونَ الخبرَ من أمراء السَّرايا والرَّسول. والاستِنْباطُ: الاستخراج، والنَّبَط: الماء الذي يُخرَجُ مِن البئرِ أوَّلَ ما تُحفَرُ، وأنبطَ فلانٌ واستنبط؛ أي: استخرجَ هذا الماءَ، والنَّبَطُ: جيلٌ من الناس، سمُّوا به لاختصاصهم باستخراج العيونِ والآبار. وقيل: لأَنَّهم استُخرِجوا من أرضِهم إلى غيرِها. وقيل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: رجَعوا إليه في الاستخبار، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: إلى الذين يَدخلون على النبيِّ ﷺ ، ويَلوْنَ أمرَهُ؛ كالخلفاء الرَّاشدين الأربعة، وكبارِ الصَّحابة ﵃، لعلِمَه المستنبطون؛ أي: الباحثون بالسُّؤال عن النبيِّ ﷺ . وقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض؛ أي: بعضُ كبارِ الصحابة علموا ذلك بالبحث، ثمَّ أخبروا الناسَ عن حقيقتِه. وقوله تعالى: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ هذا وصفٌ للمنافقين بالإرجاف؛ وهو كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٦٠].

стр. 2289

وقيل: معنى الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، فالمذكورُ في آخرِ الآية مُلحَق بهذا الموضع معنًى، وقوله تعالى: ﴿أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي: نشروا به؛ أي: نشروا (١) كلَّه؛ يعني: إذا كان الخبرُ سارًّا للمؤمنين، ذكروا بعضَهُ نفيًا للتُّهَمةِ، ولم يبيِّنوا تمامَه؛ كراهةَ الخيرِ لأهلِ الإيمان والمعرفة، وإذا كان الخبرُ محزنًا (٢)، نشروا كلَّه؛ تحزينًا للمؤمنين بالشِّدَّة والنكبة (٣)؛ وهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أيُّها المخلِصون. وقوله تعالى: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: في إذاعة الخبر. وقيل: هو على العموم، وهو متابعةُ الشَّيطان في الكفر والمعاصي. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ قيل: هو متَّصلٌ بقوله : ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾؛ أي: أفشوه إلَّا قليلًا منهم. وقيل: هو متَّصلٌ بقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤). وقيل: هو مقرَّرٌ في موضعه ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهذا مشكلٌ لو حُمِلَ على مطلقِ الفضلِ والرَّحمةِ؛ لأنَّه يصيرُ تقديرُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لا يتِّبعونَه بدون فضلِ اللَّه ورحمتِه. وهذا لا يستقيم؛ لأنَّه لا عصمةَ إلَّا باللَّه، لكن تأويلُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ بإرسال محمَّدٍ

стр. 2290

﴿وَرَحْمَتُهُ﴾ بإنزال القرآن، ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ لا يتَّبعونه بالعقل؛ كزيدِ ابن عمرو بن نُفَيل، وقَسِّ بنِ ساعدة، وبَحيرا الرَّاهب، وورقةَ بنِ نوفل، وسيف بن ذي يزن، وآخرين. وقيل: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هم الأطفالُ ومَن لم تبلغْهُ (١) الدَّعوة. * * * (٨٤) - ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الفاء للوصلِ بقولِه: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [النساء: ٧٤]، وقيل: للوصلِ بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]؛ ذكرهما الزَّجَّاج (٢). وقيل: للوصل بقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولا تَلتفِت إلى صنيعِهم. وقوله تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾؛ أي: لا تُلزَمُ الكلفةَ في الجهاد يا محمَّدُ إلَّا في نفسِك، فاخرجْ وإن لمْ يُساعِدك أحدٌ، ولا شيءَ عليك بتخلُّفهم؛ وهو كقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢]، ولا تُعذَرُ أنت ببقائِك وحدَك. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: استقِم معنا بتسليمِ الكُلِّ منك إلى أمرِنا،

стр. 2291

فإنَّك كما لا يُقارِبكَ (١) أحدٌ في رتبتكَ؛ لعلوِّك على الكلِّ، لا نكلِّفُ (٢) غيرَك (٣) بمثل ما تُكلَّف (٤)، ولا نصرِّفُ (٥) سواكَ فيما تُصرَّف؛ لانفرادِكَ عن أشكالِك، وتوحُّدِكَ عن أمثالِك (٦). وقوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حُثَّهم على الجهادِ بذكرِ الثَّوابِ والعقاب، أو (٧) بما فيه من إعزازِ الدِّين وذبِّ الأعداء عن حوزةِ المسلمين، أو بوعدِ النُّصْرة والغنيمةِ والتَّمكين (٨)، أو بما ذُكِر بعدَه، وهو قولُه (٩) تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، و ﴿عَسَى﴾ مِن اللَّه واجبٌ؛ لأنَّه إطماعٌ، والكريمُ إذا أطمَعَ أنجزَ، والكَفُّ: المنع، والبأسُ في الأصل: المكروه، ثمَّ يُوضَع موضعَ الحرب، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وكان جُبنهُم لشِدَّة بأسِ الكفَّار، فأمرَه بالتَّحريضِ بهذا الإطماع. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾؛ أي: بأسُ اللَّهِ الذي يوقِعُه بالمخالفين أمرَهُ أشدُّ، وتنكيلُه -أي: تعذيبُه- كذلك، وهو الإبلاغ في العقوبةِ على وجهٍ يَقعُ به نكولُ الغيرِ عن مثل تلك الجناية، ويجوز أن يكونا جميعًا في الدُّنيا،

стр. 2292

ويجوزُ أن يكون أحدُهما في الدُّنيا، والآخرُ في الآخرة (١)، ثمَّ له ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنَّ معناه أنَّ عذابَ اللَّهِ أشَدُّ مِن جميعِ ما يَنالُكم بقتالِهم؛ لأنَّ مكروهَهم يَنقطعُ، ثمَّ يَصيرون إلى الجنَّة، وما يَصِلُ إلى المنافقينَ والكفَّار مِن عذابِ اللَّه تعالى يَدومُ ولا يَنقطِع. والثَّاني: ولمَّا كان عذابُ اللَّه أشدَّ، فهو أولَى أنْ يُخَاف، فلا (٢) يجري في أمرِه بالقتال منكم خلافٌ، وهذا وعيدٌ. والثَّالثُ: ولمَّا كان عذابُ اللَّه أشدَّ؛ فهو يَدفعُهم عنكم، ويَكفيكُم أمرَهم، وهذا وعدٌ (٣). وقال الكلبيُّ: لمَّا (٤) التقى النبيُّ ﷺ وأبو سفيانَ يومَ أُحُدٍ، وكان منهم ما كان؛ رجعَ أبو سفيان إلى مكَّةَ، وواعدَهُ النبيُّ ﷺ موسمَ بدرٍ الصُّغرى؛ وهو سوقٌ يقوم في ذي القعدة، فلمَّا جاء الميعادُ؛ قال النبيُّ ﷺ للناس: "اخرجوا إلى العدوِّ"، فكرهوا ذلك؛ فنزلت هذه الآية، فقامَ النبيُّ ﷺ على المنبرِ خطيبًا، وقال في خطبته: "لا أبالي مَن نصرني ومن خَذلني بعد ما قال اللَّهُ تعالى لي: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، ثمَّ نزلَ ولَبِسَ السِّلاحَ، وخرجَ واتَّبعَهُ سبعون راكبًا، حتَّى أتى موسمَ بدرٍ، وكفَّ اللَّه بأس الذين كفروا، ولم يوافِ أبو سفيان، ولو لم يتبعْ رسولَ اللَّه ﷺ أحدٌ؛ لمضى بنفسِه، حين قال اللَّه تعالى: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، وقد بَيَّنَّا تلك القصَّة عند قوله : ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢].

стр. 2293

(٨٥) - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ (١)؛ أي: في تحريضِ المؤمنين على الجهاد ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾؛ لأنَّ الدالَّ على الخيرِ كفاعله. وقيل: أي: يشفع إلى الأغنياء في تجهيزِ الغُزاةِ الفقراء، يكن له حظٌّ من ثوابِ ذلك، قال النبيُّ ﷺ : "مَن جهَّز غازيًا فقد غزا" (٢). وقيل: مَن يَشفع إلى غيره في عفوٍ عمَّا يَصِحُّ العفوُ عنه، أو في صُلْحٍ (٣)، أو في قضاء حاجةٍ فله فيها ثوابٌ، قال النبيُّ ﷺ "إنَّ مِن أفضلِ الشَّفاعات أن يشفع بين اثنين في نكاح" (٤)، وقال النبيُّ ﷺ : "اشفعوا تؤجروا، ويَقضي اللَّهُ على لسانِ نبيِّه ما يشاء" (٥). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ وهي في تَجبين المؤمنين عن الجهاد على مقابلة القول الأوَّل، فيقول له: أولادُك صِغارٌ فارحمهم، ونفسُكَ ضعيفةٌ، والطَّريقُ بعيدٌ، وفي العدوِّ كثرةٌ، وفي المالِ قلَّةٌ، ونحو ذلك؛ يكن له حظٌّ من الوبال. والكِفْلُ: الحظُّ (٦)؛ كالنصيب، وغايرَ بينهما للبلاغة. وقيل: الكِفْلُ: المِثلُ.

стр. 2294

وقيل: هو الجزاءُ المضموم إلى العمل، مِن الكفالة؛ وهي ضمُّ ذمَّةٍ إلى ذمَّةٍ في الضمان بالمال، وضمُّ التزامٍ إلى التزامٍ في الضمان بالنَّفس. وقيل: الشَّفاعةُ السَّيِّئةُ: شفاعةُ بعض المنافقين إلى النبيِّ ﷺ في بعض في الاستئذان بالتخلُّف عن الجهاد. وقيل: هي الشَّفاعةُ إلى ظالمٍ في معونةٍ على ظلمٍ، أو إبطالِ حقٍّ، أو تركِ إقامةِ حدٍّ، وأصلُ الشفاعة: هو ضمُّ نفسِه إلى صاحبِ الحقِّ؛ ليجتمعا على مسألة الحاجة مِن المشفوع إليه، وهي مأخوذةٌ من الشَّفع، والشُّفْعَة سمِّيت بها؛ لأنَّها شَفْع ملكٍ إلى ملك. وقال مقاتل: هو الشَّفاعةُ إلى اللَّه تعالى بدعاء الخير وبدعاءِ الشَّرِّ. وروى أبو الدَّرداء عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب؛ قالت الملائكة: آمين ولك بمثله" (١)، وفي حقِّ الدُّعاء بالشرِّ هو كاللعنة إذا لم تُصادف محلَّها؛ رجعَت على (٢) صاحبها (٣). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ أي: مقتدرًا، قال الزُّبيرُ بنُ (٤) عبد المطَّلب:

стр. 2295

وذي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفسَ عنه... وكنتُ على مساءَتِهِ مُقِيتَا (١) وقيل: أي: حافظًا، وقيل: أي: شاهدًا؛ أي: يَعلمُ مَن يشفع في حقٍّ ومَن يشفع في باطلٍ، ويحفظُ عليه عملَه ويُجازيه على وفقِه. * * * (٨٦) - ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ الموافق للنَّظم قولُ بعضِ أهل العلم: إذا سُلِّمَ عليكم في أسفارِكم للجهادِ، وهو تحيَّة الإسلام، فأجيبوا بأحسنَ منها؛ أي: بالزِّيادة على السَّلام، بذكرِ الرَّحمةِ والبَرَكات، أو ردُّوها بمثلِها، واحملوا صاحبها على ظاهر الحال مِن الإسلام، ولا تَقتُلوه؛ وهو كما قال في هذه السُّورة بعد هذا بآياتٍ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [الآية: ٩٤]. وقيل: هي عامَّةٌ في السَّلام. ولمَّا أَمَر بمعاملة المنافقين بما أَمَر، أَمَرَ (٢) بمعاملةِ المخلِصين بالشَّفاعةِ الحسنةِ إلى غيره، وبتحيَّةِ السَّلام (٣) مِن نفسه، ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ﴾ أي: سُلِّم عليكم، فإنَّ التحيَّة في ديننا بالسَّلام في الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١]، وقال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]، والتَّحيَّة

стр. 2296

تَفْعِلةٌ، مِن حيَّا يُحَيِّي تحيَّةً، وكانت تحيَّة العرب عند اللقاء: حيَّاك اللَّه؛ أي: أطالَ اللَّهُ حياتَك، ونقل ذلك في الإسلامِ إلى السَّلام، وبقيَ الاسمُ كذلك. وقوله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾؛ أي: بالزِّيادة؛ عليكم السَّلام ورحمة اللَّه وبركاته، وقوله (١): ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: أجيبوها بقدرها؛ عليكم السَّلام، هذا القدرُ فَرْضٌ، والأوَّل فضلٌ (٢)، وبيَّن النبيُّ ﷺ أنَّ في السَّلام عشرَ حسناتٍ، وفي ضمِّ الرَّحمةِ إليه عشرين حسنة، وفي ضمِّ البركات إليها ثلاثينَ حسنةً (٣). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: علَّمهم حُسْنَ العِشْرة وآدابَ الصُّحبة، وأنَّ مَنْ حمَّلَك فضلًا؛ صار ذلك في ذِمِّتك (٤) له قَرْضًا (٥)، فإنْ زدت على فعله، وإلَّا فلا تَنقُص عن مِثله. وقال الحسن: أتى رجلٌ، فسلَّم على النبيِّ ﷺ ، فقال: السَّلامُ عليكم، فقال النبيُّ ﷺ : "وعليكم السَّلام ورحمةُ اللَّه"، ثمَّ جاء آخر وقال: السَّلام عليكم ورحمةُ اللَّه، فقال النبيُّ ﷺ : "وعليكم السَّلام ورحمةُ اللَّه وبركاته"، ثمَّ جاء آخر فقال: السَّلام عليكم ورحمةُ اللَّه وبركاتُه، فقال النبيُّ ﷺ : "وعليكم"، فقيل: يا رسول اللَّه؛ زدتَ الأوَّل والثَّاني، وقلت للثَّالث: "وعليكم"، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ

стр. 2297

الأوَّل سلَّم وأبقى من التَّحيَّة شيئًا، فردَدتُ عليه بأحسنَ منها، وكذلك الثَّاني، وإنَّ الثَّالث جاءَ بالتَّحيَّة كلِّها، فردَدتُ عليه مثلَها" (١). وعن جابرٍ ﵁ في تأويل هذه الآية: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾: على أهل الإسلام (٢)، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ بمثلِها على أهلِ الشرك (٣). وكذا قال الكلبيُّ وعطاءٌ والحسنُ والضَّحَّاك: إنَّ المثلَ في حقِّ أهل الذِّمَّة لا يُزادُ عليه (٤). وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام، فإنْ بَدؤوكم؛ فقولوا: وعليكم" (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾؛ أي: محاسبًا، والفعيلُ في معنى (٦) الفاعِل؛ كالشَّريك والخَليطِ والنَّديم والقَرين والجليس؛ يحاسبكم (٧) على أعمالكم، ويجازيكم عليها.

стр. 2298

وقال مجاهدٌ: أي: رقيبًا (١). وقال أبو العالية: أي: حفيظًا. وقيل: أي: كافيًا، وقد (٢) أحسبَني الشيء؛ أي: كفاني، وقال تعالى: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦]. * * * (٨٧) - ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهو الحسيبُ وحده، والمقيتُ وحده؛ لا حسيبَ غيرُه، ولا مُقيتَ غيرُه. ووجهٌ آخر: أنَّه ذكر في الآيات المتقدِّمة مقالاتِ اليهود والمنافقين، وهي كفرٌ، فذكر (٣) عقيبَها هذه الكلمات، وهي شهادةُ التَّوحيد؛ كما في مواضع من القرآن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ الآية [البقرة: ١٦١]، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٤ - ٢٥٥]، ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]، ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣].

стр. 2299

وقيل: هي أساسٌ لما بعده: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ لأنَّ الفاءَ للوصل؛ يَعني: هُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وهو الذي يَجمعُكم (١) يومَ القيامة، فإيَّاه فاخشَوا دون المنافقين. وقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ اللام في أوَّله والنونُ في آخره للقسَم. وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: في يوم القيامة، وقال (٢) النابغة: فلا تَتْرُكَنِّي بالوعيدِ كأنَّني... إلى النَّاس مَطْلِيٌّ به القارُ أجربُ (٣) أي: في النَّاس. وقيل: أي: ليَجمعنَّكُم في القبور إلى يومِ القيامة، وهي غايةٌ، ويومُ القيامة: يومُ القيامِ من القبورِ إلى أرض المحشر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. وقيل: هو يومُ القيامِ في موقفِ الحساب، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شكَّ (٤) في كونه، وفيه كلامٌ ذكرناه في أوَّل سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ وهو كقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]؛ أي: لا أصدقَ مِن اللَّه فيما قال وأخبر وحدَّث، فثِقوا بما قال: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ وغير ذلك.

стр. 2300

(٨٨) - ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نزلَت الآية في أربعين أو خمسين رجلًا من أهل مكَّة، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا هاجرَ إلى المدينة مع طائفةٍ، وتخلَّفت طائفةٌ بسبب المال والولد؛ أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢]، فأراد المتخلِّفون أنْ يُهاجِروا، فمنعَهم مشركو مكَّة بالسَّيف؛ فمنهم مَن افتدى بمالِه وهاجرَ، ومنهم مَن خافَ على نفسِه ومالِه ولم يهاجر، حتَّى أنزل اللَّه تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، فهاجرَ الباقون إلَّا أربعين أو خمسين (١) لم يهاجروا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، فبعثَ النبيُّ ﷺ هذه الآيةَ إلى أهل (٢) مكَّة، فلم يُهاجِروا حتَّى كانت وقعةُ بدرٍ، فأخرجَ المشركون هؤلاء الأربعين أو الخمسين مع أنفسِهم؛ ليقاتلوا المسلمين؛ إمَّا لأنَّهم لم يَعلموا بإسلامهم، أو علِموا وأكرَهوهُم على موافقتهم، فلمَّا رأوا شوكَة الكفَّار وضعفَ المسلمين، ارتابوا، فقالوا: غرَّ هؤلاء دينهم، فارتدُّوا، وقاتلوا أصحابَ النبيِّ ﷺ ، وأنزلَ اللَّهُ تعالى الملائكةَ مددًا للمسلمين، فقَتلوا هؤلاء القوم؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]، ولمَّا انتهى الأمرُ ومرَّ المسلمون بهؤلاءِ وعرَفوهُم؛ اختلفوا فيهم، فقال بعضُهم: كانوا مؤمنين أُكرِهوا على الخروج، وقال بعضُهم: كانوا منافقين، فنزلت الآية: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.

стр. 2301

وقال زيدُ بن ثابت: رجع قومٌ خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ إلى أُحد، فاختلفَ النَّاس فيهم فرقتين، فنزلَت هذه الآيةُ (١). وقال مجاهدٌ ﵀: هم نفرٌ خرجوا من مكَّة حتَّى قدموا المدينة، فزعموا أنَّهم مهاجرون، ثمَّ ارتدُّوا بعد ذلك، فاستأذَنوا النبيَّ ﷺ إلى مكَّة؛ ليَأتوا ببضائعَ لهم؛ ليتَّجِروا فيها، فاختلفَ فيهم المؤمنون؛ فقائلٌ: هم المنافقون، وقائلٌ: هم المؤمنون، فبَيَّن اللَّهُ تعالى نفاقَهم، وأمرَ بقتلِهم، فجاؤوا ببضائعهم يريدون هلالَ بن عويمرٍ الأسلميَّ، وبينَه وبينَ رسولِ اللَّه ﷺ حِلْفٌ (٢)؛ وهو الذي حَصِرَ صدرُه أنْ يقاتلَ المؤمنين أو يقاتلَ قومَهُ، فدفعَ اللَّهُ تعالى عنهم بأنَّهم يَؤمُّون (٣) هلالًا، وبينَه وبين رسولِ اللَّه ﷺ عهدٌ (٤). وقال سعدُ بن معاذ: خطبَ رسولُ اللَّه ﷺ النَّاسَ فقال: "مَن لي بمن يؤذيني"، فقام سعدُ بنُ معاذ، فقال: إنْ كان منَّا؛ أي (٥) مِن الأوس؛ قتلناه، وإنْ كان من الخزرج؛ أمرتنا فأطعناك، فقام سعدُ بن عبادة فقال: ما بكَ يا ابن معاذٍ طاعةُ رسولِ اللَّه ﷺ ، ولقد تكلَّمت بما هو منكرٌ (٦)، فقام محمَّدُ بنُ مسلَمة فقال: اسكتوا أيُّها الناس ما (٧)

стр. 2302

كان فينا رسولُ اللَّه ﷺ ، وهو يأمرنا (١)؛ فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٢). وقال الكلبيُّ: هاجر ناسٌ من قريشٍ، فقَدموا المدينةَ، فأسلَموا، ثمَّ ندموا، وأرادوا الرَّجعةَ (٣) إلى مكَّة، فاجتووا المدينة فخرجوا، فقال لهم المسلمون: ما تريدون؟ قالوا: اجتَوينا المدينةَ، فخرجنا نَتنزَّه، فصدَّقوهم، فجعلوا يتحوَّلون منقلةً منقلة (٤)، حتَّى تَباعدوا من المدينة، ثمَّ أدلجوا وقد قطعوا أرضًا بعيدةً من المدينة، فلَحِقوا بمكَّة، وكتبوا كتابًا إلى رسول اللَّه ﷺ : إنَّا على الذي فارقناك (٥) عليه من التَّصديق باللَّه ورسولِه، ولكنَّا اشتقنا إلى أرضِنا، واجتوينا المدينة، ثمَّ إنَّهم أرادوا أن يَخرجوا في تجارةٍ نحو الشَّام، فاستبضعَهُم أهلُ مكَّة، فقالوا: أنتم على دِين محمَّد وأصحابهِ، وإنْ لقوكم فلا بأس عليكم منهم، فبلغَ ذلك المسلمين، فقال بعضُهم: ما يمنعُنا أنْ نخرجَ إلى هؤلاء فنَقتلَهم، ونأخذَ ما معهم؟ فقال بعضهم: سبحان اللَّه! تقتلون قومًا على دينِكم (٦)، إن لم يذروا ديارَهم وأموالَهم وقرارَهم فقد حلَّت دماؤهم؟! ورسولُ اللَّه ﷺ ساكتٌ، لا ينهى واحدًا من الفريقين (٧)، حتَّى نزلت هذه الآية (٨)؛ وهي قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ أي: أيُّ شيءٍ

стр. 2303

لكم؟ استفهامٌ بمعنى الاستنكار ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أي: فرقتين (١)؛ نصبٌ على الحال، أو هو نصبٌ على التَّمام، وقيل: على القطع، وقيل: هو على إضمار: كنتم أو صرتم. ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ﴾ كلامٌ تامٌّ، فكان ما بعد ذلك على الوجوه التي قلنا؛ وهو كقولك: مالك واقفًا؟ ونظيرُه في القرآن: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦]، وسمَّاهم منافقين بعد إظهارهم الكفرَ بمكَّة؛ لنفاقِهم بالمدينة، وخفاءِ حالِهم على المسلمين. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: ردَّهم (٢). وقال الزَّجَّاج: أي (٣): نكسَهم (٤). وقال قتادة: أهلكهم (٥). وفي اللغة: ركسه وأركسه؛ أي: ردَّه إلى الحالة الأولى، وقال أميَّةُ بن أبي الصلت: فأُرْكِسوا في حميمِ النَّار إِنَّهُمُ... كانوا عصاةً وقالوا الإفكَ والزُّورَا (٦) ومعنى الآية: واللَّه ردَّهم إلى الكفر.

стр. 2304

وقيل: ردَّهم إلى أحكام الشِّرك في إباحةِ أموالهم ودمائِهم، والنَّهي عن موالاتِهم، وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا يسلكُه غيرَ الطريقِ الذي قضى اللَّهُ تعالى له (١) به. وقيل: أي: دينًا يجوز أنْ يُعتقَد. وقيل: أي: طريقًا إلى الهدى؛ قاله (٢) السُّدِّيُّ (٣). وقيل: أي: طريقًا إلى الجنَّة. وقال الزَّجَّاج: أي: طريقًا إلى الحُجَّة (٤). وفي قوله: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ وفي قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ حُجَّةُ أهلِ السُّنَّة في مسألةِ خلق الأفعال أنَّه مِن اللَّه تعالى، وحقيقةُ الفعلِ مِن العباد. * * * (٨٩) - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: تمنَّوا، وكلمة "لو" تمني، وإنَّما لم يُنْصَب ﴿فَتَكُونُونَ﴾ لأنَّه عطفٌ لا جوابٌ؛ وهو كقوله: ﴿وَدَّ الَّذِينَ

стр. 2305

كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء: ١٠٢]، أي: تمنَّى هؤلاء أنْ تكفروا أنتم (١)، فتستووا في الكفرِ المبيحِ للقَتل والسَّبي. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: لا توالوهم ما داموا على الكفرِ الموجبِ للمُعاداة. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: حتَّى يُسلِموا ويُهاجروا (٢)، فيعودوا إلى سبب الموالاة؛ لأنَّهم يصيرون أولياءَ اللَّه، فتَصلحُ موالاتُكم إيَّاهم، ودليلُ إضمارِ الإسلام قولُه: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وذاك لا يكونُ إلَّا بالإسلام، وهذا لأنَّه ذكر كفرَهم بقوله: ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾، فلا يَزولُ ذلك إلَّا بالإسلام، وبعد الإسلامِ شَرَط الهجرةَ أيضًا، وكانت فرضًا يومئذٍ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أي: أَعرضوا عن الإسلامِ والهجرة. وقوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ الأخذُ: الأسر. وقوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: في الحِلِّ والحَرَم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ أي: لا تتولَّوهم، ولا تَستنصِروا بهم على عدوِّكم. * * * (٩٠) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.

стр. 2306

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؛ أي: يَتَّصلون ويَلتجئون إلى قومٍ مِن أهل عهدكم بعهدٍ وأمانٍ؛ أي: إذا قَصدوا حضرةَ النبيِّ ﷺ ، وتعذَّر الوصولُ إليه؛ فالتجؤوا إلى قومٍ معهم للمسلمين عهدٌ، فأمَّنوهم، فأنْفِذُوا أمانَهم، ولا تَقتلوهم. وما قاله أبو عبيدة: ﴿يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي: ينتسبون (١)؛ فليس بسديدٍ؛ لأنَّ أكثرَ أهلِ مكَّةَ أنسباءُ رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، ولم يثبت لهم به أمانٌ، والصَّحيحُ ما قلنا. وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ هذا استثناءُ حالةٍ أُخرى يَأمنون بها، وجاؤوا ماضٍ بمعنى المستقبل؛ لأنَّه عطفٌ على ﴿يَصِلُونَ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]؛ أي: يأتي، يعني: وإلَّا الذين يجيئون مستأمِنين منكم. وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾؛ أي: ضاقت. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ وضيقُ صدورِهم عن قتال المؤمنين بإلقاءِ اللَّه تعالى الرُّعبَ في قلوبِهم، وضيقُ صدورِهم عن قتالهم (٢) قومَهم أنَّهم على دينِهم، فكانوا لا يصلون إلى نهب الأموال. وقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ في معنى الحال؛ كما يقال: جاءني فلانٌ ذهبَ عقلُه؛ أي: ذاهبًا عقله. وقال سيبويه والمبرِّد: لا يجوز الحال بالماضي؛ لأنَّ الحال اسمٌ، والماضي بعيدٌ عن شبه الاسم، بخلاف المستقبل، لكنَّه على طريق الدُّعاء؛ كقوله: ﴿لُعِنُوْا﴾ [النور: ٢٣]، ﴿وَقُتِّلُوا﴾ [الأحزاب: ٦١] (٣).

стр. 2307

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ بأن يقوِّيهم بعد ضعفِهم، أو ينزعَ الرُّعبَ عن قلوبهم، يقول: اذكروا مِنَّتي، ولا تُعجَبوا بأحوالكم، فإنَّ عجزهم عنكم بإعجازي، لا بكم. وقوله تعالى: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ عطفٌ على: سلَّطهم، وتكرار اللَّام للتَّأكيد، ولو قال: فقاتلوكم، لاستقام، وقرأ مجاهد: (فَلَقَتلوكم) (١) مِن القتل، وقرأ الحسن: (فلقتَّلوكم) بالتَّشديد للتَّكثير (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أي: ترَكوا مخالطةَ المسلمين؛ لأنَّهم إذا كان (٣) بهم (٤) قوَّةٌ، فالاحتياطُ في تركِ الاختلاط. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ قيل: هو (٥) تفسيرُ الاعتزال، فإن اعتَزلوا عن قتالِكم. وقيل: في الاختلاط؛ خوفَ اطِّلاعهم على بواطنِ أحوال المسلمين، ووقوعِ ما يُخاف؛ فلذلك شرط الاعتزال (٦). وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أي: الانقيادَ؛ أي: استسلَموا لكم بطلبِ الأمان، وقيل: أي: بالإيمان. وقوله تعالى: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا إلى القِتال واستباحةِ الأرواحِ والأموال.

стр. 2308

قال مقاتلُ بنُ حيَّان: الآية (١) في المرتدِّين الذين لحقوا بمكَّة، والقومِ الذين بين (٢) النبيِّ ﷺ وبينهم ميثاق؛ خزاعة وخزيمة وبنو مدلج، كان لهم عهدٌ، ثمَّ نُسِخَ هذا الحكمُ بسورةِ براءة، ونُبِذَ إلى كلِّ ذي عهدٍ عهدُه بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. وقال الكلبيُّ ﵀: هم (٣) الأسلميُّون، وكان النبيُّ ﷺ وادعَ هلالَ بنَ عويمر عند خروجه إلى مكَّة على ألَّا نعينَك ولا نعينَ عليك، حتَّى ترى ونرى، فمَن وصل إلى هلالٍ من قومه وغيرهم؛ فلهمُ الأمان. والذين جاؤوا حصرت صدورهم بنو مدلج، قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ هو يومُ فتح مكَّة (٤). وقال سراقةُ بن مالك بن جعشم (٥): أتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقلت: بلَغني أنَّك تريدُ أنْ تبعثَ إلى قومي جيشًا، قال ﵊: "ما تريد؟ " قال: أريدُ أن توادعَهُم، فإنْ أسلمَ قومُهم؛ دخلوا معهم، وإلَّا لم تَخشُن (٦) صدورُ قومِهم عليهم، فقال: "اصنع"، فذهب معه خالدٌ، فوادعهم؛ إنْ أسلمَ قومُهم؛ دخلوا معهم، ومَن وصلَ إليهم مِن النَّاس؛ كانوا على مثل عهدِهم، وفيهم نزل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ الآية (٧).

стр. 2309

(٩١) - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾؛ أي: قومًا آخرين من المنافقين. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ قال الحسن: أي: إذا لقُوا المؤمنين قالوا: آمنَّا، وإذا خلوا إلى شياطينِهم؛ قالوا: إنَّا معكم؛ ليَأمنوا قتلَ الفريقَين إيَّاهم. وقال الكلبيُّ ﵀: هم أسدٌ وغَطَفان، كانوا حاضري المدينة، وكانوا تكلَّموا بالإسلام، وهم غير مسلمين (١). وقال السُّدِّيُّ: نَزلت في نُعَيم بن مسعود الأشجعيِّ، كان يَأتي النَّبيَّ ﷺ بخبر المشركين، ويأتي المشركين بخبر النبيِّ ﷺ فيأمنُهم جميعًا (٢)، فأمرَ اللَّه تعالى نبيَّه ﵇ بطردِه، وألَّا (٣) يتركَهُ يدخلُ عليه، ففعل. وقوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: كلَّما دُعوا إلى الشِّرك؛ عادوا فيه وأجابوا إليه، و ﴿الْفِتْنَةِ﴾: الشِّرك، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]، والإركاسُ: الرَّدُّ إلى الحالة الأولى، والفاعلون للإركاس قومُهم بالدَّعوة، ويجوز أنْ يكونَ معنى ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾: وقعوا فيها من غير أنْ يكونَ لهم موقعٌ؛ كما يقال: فلانٌ معجَبٌ بنفسِه.

стр. 2310

وقيل: ﴿الْفِتْنَةِ﴾ ههنا: هي قتالُهم المؤمِنين، ونصرتُهم الكافرين. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾؛ أي: لم يُجانِبوا قتالَكم على التَّأويلِ الأخير، وعلى تأويل الشِّرك: فإن لم يَتركوا مخالطَتكم، بل خالَطوكم في وقتٍ، وخالَطوا قومَهم في وقتٍ؛ عملًا بالنِّفاق، ولذلك قال الكلبيُّ: فإن لم يعتزلوا المسلمين فيَسيروا إلى مكَّة (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ عطفٌ على "لم يعتزلوا"؛ أي: ولم يَنقادوا لكم بطلبِ الصُّلح. وقوله تعالى: ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ عطفٌ أيضًا عليه؛ أي: ولم يُمسِكوا عن محاربتِكم. وقوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أي: في أيِّ موضعٍ أخذتُموهم مِن الحلِّ والحرَم والأشهرِ الحُرُم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾؛ أي: فقد أبحنا لكم دماءَهم وأموالَهم، وجعلنا حجَّتكم عليهم قائمةً؛ لدوامِهم على النِّفاق. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾ "أولاء" اسمُ إشارةٍ إلى جمعٍ، و"كم" خطابُ جمعٍ، وهي في محلِّ الإضافة (٢)، وعند بعضهم: "أولئكم" كلمةٌ واحدةٌ مبنيَّةٌ مع الكاف، وكلُّها في موضع الرَّفع بالابتداء، ولذلك لا تُزايلُ الكاف، ولا تُوصَل بالهاء بحالٍ، فلا يقال: وأولائه وأولائهم، ولا بالياء والنَّون: أولائي وأولائينا، ويجوز

стр. 2311

فيه الإفرادُ والجمعُ في خطاب الجمع، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد: ١٠]، وقال هاهنا: ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾. * * * (٩٢) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾؛ أي: وما كان لمؤمنٍ في حكم اللَّه أنْ يتعمَّد قتلَ مؤمنٍ، وليس المؤمنُ كالكافر الذي تقدَّم ذكرُه في إباحةِ دمِه، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾؛ أي: إلَّا أنْ (١) يقعَ عندهُ أنَّه كافرٌ، فيقتلُه بناءً (٢) على ذلك، وكان عرفه كافرًا قبله؛ قاله الإمام أبو منصور ﵀، قال (٣): وقد رُوِيَ الإذن في البيات، وقتلِ (٤) عيونِ الكَفَرة بما سبقَ مِن ظهور كفرهم، وإن احتملَ إيمانُهم فيما بين الوقتين؛ فيكون معناه: أنَّه حرامٌ عليكم إلَّا مَن هذا وَصْفُه. قال: وقيل: معناه: ما كان لمؤمنٍ أن يَقتلَ مؤمنًا البتَّة، لكن من قَتلَ خطأً فحكمُه كذا (٥).

стр. 2312

وهذا استثناءٌ منقطعٌ بمعنى: لكن؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، وقد مرَّ تقريرُه عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وقيل: معناه: وما كان لمؤمنٍ أنْ يقتلَ مؤمنًا فلا يقتصَّ به، إلَّا أنْ يكونَ خطأً، فلا قصاص فيه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فعليه إعتاقُ رقيقٍ مسلمٍ (١) ذكرًا كان (٢) أو أنثى؛ كفارةً لذلك حقًّا للَّه تعالى. وقوله: ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀ في اشتراط الإيمان: اختلف في معناه؛ قيل (٣): لأنَّه أتلفَ نفسًا خلقها اللَّهُ تعالى لعبادته؛ فأوجبَ مكانها نفسًا مؤمنةً؛ لتعبد اللَّه على ما عبدت تلك. لكن لو كان التأويلُ هذا؛ لكان يجبُ في العمدِ ما وجبَ في الخطأ؛ لوجود ذلك المعنى، لكن أُوجِب لا لذلك، لكن تغليظًا وتشديدًا عليه لمَّا أتلفَ نفسًا لم يؤذن له في ذلك؛ لئلَّا يُقدِمَ على مثله، وللَّه تعالى أنْ يوجِبَ على مَن شاءَ ما شاء لما (٤) شاء، مِن غير أنْ يُقال له (٥): لِمَ وكيف. والثاني: أنَّه أوْجَبَ عليه ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى أبقى للقاتلِ نفسًا مؤمنةً لم يجب عليها القصاص، فأوجبَ عليها مثلها رقبةً مؤمنةً (٦).

стр. 2313

وقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الدِّيَةُ: بدل النفس، وأصلُها الوِدية؛ كالعِدَةِ أصلها الوعدة، وقد وَداهُ يَديه دِيةً؛ أي: أدَّى ديَتَه، فالدِّيةُ اسمٌ للمال، واسمٌ للمصدر أيضًا، وهي عشرةُ آلاف درهم، أو ألفُ دينار، أو مئةٌ مِن الإبل، وأصلُها على القاتلِ، وتَتحمَّلها العاقلةُ تخفيفًا عليه، وهي في ثلاث سنين، وتفسيرُها في الفقهيات، وقد أوضحناها في "حصائل المسائل". وقوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: أولياءِ المقتول؛ وهم ورثتُه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصلُه: يَتصدَّقوا، أدغمت التَّاء في الصَّاد، ومعناه: إلَّا أنْ يُبرِئ الأولياءُ القاتلَ والعاقلةَ عنها؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] في آية الربا، وهو الإبراءُ عن أصل المال والعفوُ؛ وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] أي: عفا عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: فإن كان المقتولُ مِن قومٍ أعداءٍ لكم، فالعَدوُّ جمعٌ؛ كما في قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]؛ لأنَّه في صيغةِ المصدر، كالقبول، فيصلحُ للواحد والجمع، كالعَدل والضَّيف. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: المقتولُ مؤمنٌ؛ يعني (١): إذا أسلمَ الحربيُّ في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا فقَتَلَه مسلمٌ؛ فلا قصاصَ فيه ولا دِيةَ، وفيه الكفَّارةُ لا غير، وهو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والشافعيُّ ﵀ حملَ (٢) الآيةَ على مؤمنٍ اختلطَ بأهل الحرب، فرمى المسلمُ أهلَ الحربِ فأصابَهُ؛ لم يضمَنه؛ لأنَّه بالاختلاطِ بأهلِ الحرب أسقطَ حقَّ نفسِه (٣).

стр. 2314

وقلنا: هذا لا يستقيم؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾، وذاك لا يكونُ منهم، بل يكون فيهم، فالمحمَل الصَّحيح ما قلنا، وهو قول المفسِّرين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول ذمِّيًّا مِن أهل ذِمَّة أو موادعةٍ؛ فله عِصمةٌ بالإحراز بالدَّار. قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ دلَّ أنَّ دية الذِّمِّيِّ كديةِ المسلم؛ وهو قولنا. وقوله تعالى: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: وفيه الكفَّارة أيضًا. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الرقبةَ المؤمنةَ. وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ أي: فعليه ذلك بدلًا عن التَّحريرِ. وقوله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: تخفيفًا منه؛ كما قال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وأصلُ التَّوبة: الرُّجوع، فالمذنبُ يَتوبُ إلى اللَّه؛ أي: يَرجعُ إليه بالنَّدامة، والتَّوبةُ مِن اللَّه: إعادتُه إلى الحالة الأولى، والتَّخفيفُ عليه كذلك. وقيل: إنَّ الكفَّارةَ توبةٌ للعبد، وهي مشروعةٌ مِن اللَّه تعالى للعبد (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا بالقاتل أنَّه عامدٌ أو مخطئٌ، وعالمٌ بتكفيرِه أنَّه يَنوي به التَّوبةَ أو الإصرار، ﴿حَكِيمًا﴾ في شَرْعِ هذه الأحكام. قال الكلبيُّ ﵀: إنَّ عياش بن أبي ربيعةَ المخزوميَّ أتى النبيَّ ﷺ بمكَّة قبل أنْ يهاجرَ، فأسلمَ، ثمَّ خاف أنْ يُظهِرَ إسلامَهُ، فخرجَ هاربًا إلى المدينة، فتحصَّن في دارٍ، فجَزِعَت أمُّه جزعًا شديدًا -وهي أسماءُ بنت مخرمة (٢) - وقالت لابنيها؛ أبي

стр. 2315

جهل والحارث بن هشام (١): واللَّه لا يُظِلُّني سقفٌ ولا أذوق طعامًا حتَّى تأتوني به، فخرجا في طلبِه مع الحارث بن يزيد (٢)، حتَّى أتوا المدينةَ، وقالوا لعيَّاش: إنَّ أمَّك لم يؤوها سقفٌ بعد بُعْدِك، وحلفَت ألَّا تأكلَ ولا تشربَ حتَّى ترجعَ إليها، ولك علينا ألَّا نُكرهَكَ على شيءٍ، ولا نحولَ بينك وبين دينِك، فلمَّا ذكروا له جزع أمِّه؛ نزل إليهم، فأوثقوه بنِسعَةٍ، وجلدَهُ كلُّ واحدٍ منهم مئة جلدةٍ، ثمَّ قدِموا به على أمِّه، فقالت: واللَّه؛ لا أحُلُّك مِن وَثاقِك حتَّى تَكفرَ بالذي آمنتَ به، ثمَّ تركوه مطروحًا موثَقًا في الشَّمس ما شاء اللَّه، ثمَّ إنَّه أعطاهُم الذي أرادوه منه، فأتاهُ الحارث بن يزيد، فقال له: يا عياش؛ هذا (٣) الذي كنت عليه لئن كان هدًى، لقد تركتَ الهدى، ولئن كان ضلالةً؛ لقد كنت عليها، فغضِبَ عيَّاش، وقال: واللَّه، لا ألقاكَ خاليًا إلَّا قتلتُك، ثمَّ إنَّ عيَّاشًا أسلمَ بعد ذلك، وهاجرَ إلى النبيِّ ﷺ بالمدينة، ثمَّ إنَّ الحارث أسلم بعد ذلك وهاجر (٤)، ولم يشعر عيَّاشٌ بإسلامه، فبينا عيَّاشٌ يَسيرُ بظَهر قُباء، إذ لقيَ الحارث، فحملَ عليه فقتلَه، فنزلت الآيةُ (٥). * * * (٩٣) - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
следующие страницы →