← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

فيه الإفرادُ والجمعُ في خطاب الجمع، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ﴾ ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ [الحديد: ١٠]، وقال هاهنا: ﴿وَأُولَئِكُمْ﴾. * * * (٩٢) - ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾؛ أي: وما كان لمؤمنٍ في حكم اللَّه أنْ يتعمَّد قتلَ مؤمنٍ، وليس المؤمنُ كالكافر الذي تقدَّم ذكرُه في إباحةِ دمِه، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾؛ أي: إلَّا أنْ (١) يقعَ عندهُ أنَّه كافرٌ، فيقتلُه بناءً (٢) على ذلك، وكان عرفه كافرًا قبله؛ قاله الإمام أبو منصور ﵀، قال (٣): وقد رُوِيَ الإذن في البيات، وقتلِ (٤) عيونِ الكَفَرة بما سبقَ مِن ظهور كفرهم، وإن احتملَ إيمانُهم فيما بين الوقتين؛ فيكون معناه: أنَّه حرامٌ عليكم إلَّا مَن هذا وَصْفُه. قال: وقيل: معناه: ما كان لمؤمنٍ أن يَقتلَ مؤمنًا البتَّة، لكن من قَتلَ خطأً فحكمُه كذا (٥).

стр. 2312

وهذا استثناءٌ منقطعٌ بمعنى: لكن؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢]، وقد مرَّ تقريرُه عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وقيل: معناه: وما كان لمؤمنٍ أنْ يقتلَ مؤمنًا فلا يقتصَّ به، إلَّا أنْ يكونَ خطأً، فلا قصاص فيه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: فعليه إعتاقُ رقيقٍ مسلمٍ (١) ذكرًا كان (٢) أو أنثى؛ كفارةً لذلك حقًّا للَّه تعالى. وقوله: ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀ في اشتراط الإيمان: اختلف في معناه؛ قيل (٣): لأنَّه أتلفَ نفسًا خلقها اللَّهُ تعالى لعبادته؛ فأوجبَ مكانها نفسًا مؤمنةً؛ لتعبد اللَّه على ما عبدت تلك. لكن لو كان التأويلُ هذا؛ لكان يجبُ في العمدِ ما وجبَ في الخطأ؛ لوجود ذلك المعنى، لكن أُوجِب لا لذلك، لكن تغليظًا وتشديدًا عليه لمَّا أتلفَ نفسًا لم يؤذن له في ذلك؛ لئلَّا يُقدِمَ على مثله، وللَّه تعالى أنْ يوجِبَ على مَن شاءَ ما شاء لما (٤) شاء، مِن غير أنْ يُقال له (٥): لِمَ وكيف. والثاني: أنَّه أوْجَبَ عليه ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى أبقى للقاتلِ نفسًا مؤمنةً لم يجب عليها القصاص، فأوجبَ عليها مثلها رقبةً مؤمنةً (٦).

стр. 2313

وقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ الدِّيَةُ: بدل النفس، وأصلُها الوِدية؛ كالعِدَةِ أصلها الوعدة، وقد وَداهُ يَديه دِيةً؛ أي: أدَّى ديَتَه، فالدِّيةُ اسمٌ للمال، واسمٌ للمصدر أيضًا، وهي عشرةُ آلاف درهم، أو ألفُ دينار، أو مئةٌ مِن الإبل، وأصلُها على القاتلِ، وتَتحمَّلها العاقلةُ تخفيفًا عليه، وهي في ثلاث سنين، وتفسيرُها في الفقهيات، وقد أوضحناها في "حصائل المسائل". وقوله: ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: أولياءِ المقتول؛ وهم ورثتُه. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أصلُه: يَتصدَّقوا، أدغمت التَّاء في الصَّاد، ومعناه: إلَّا أنْ يُبرِئ الأولياءُ القاتلَ والعاقلةَ عنها؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٠] في آية الربا، وهو الإبراءُ عن أصل المال والعفوُ؛ وكذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] أي: عفا عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: فإن كان المقتولُ مِن قومٍ أعداءٍ لكم، فالعَدوُّ جمعٌ؛ كما في قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]؛ لأنَّه في صيغةِ المصدر، كالقبول، فيصلحُ للواحد والجمع، كالعَدل والضَّيف. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾؛ أي: المقتولُ مؤمنٌ؛ يعني (١): إذا أسلمَ الحربيُّ في دار الحرب، ولم يهاجر إلينا فقَتَلَه مسلمٌ؛ فلا قصاصَ فيه ولا دِيةَ، وفيه الكفَّارةُ لا غير، وهو قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، والشافعيُّ ﵀ حملَ (٢) الآيةَ على مؤمنٍ اختلطَ بأهل الحرب، فرمى المسلمُ أهلَ الحربِ فأصابَهُ؛ لم يضمَنه؛ لأنَّه بالاختلاطِ بأهلِ الحرب أسقطَ حقَّ نفسِه (٣).

стр. 2314

وقلنا: هذا لا يستقيم؛ لأنَّه تعالى قال: ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾، وذاك لا يكونُ منهم، بل يكون فيهم، فالمحمَل الصَّحيح ما قلنا، وهو قول المفسِّرين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾؛ أي: إنْ كان المقتول ذمِّيًّا مِن أهل ذِمَّة أو موادعةٍ؛ فله عِصمةٌ بالإحراز بالدَّار. قوله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ دلَّ أنَّ دية الذِّمِّيِّ كديةِ المسلم؛ وهو قولنا. وقوله تعالى: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ أي: وفيه الكفَّارة أيضًا. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾؛ أي: الرقبةَ المؤمنةَ. وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾؛ أي: فعليه ذلك بدلًا عن التَّحريرِ. وقوله تعالى: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: تخفيفًا منه؛ كما قال: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وأصلُ التَّوبة: الرُّجوع، فالمذنبُ يَتوبُ إلى اللَّه؛ أي: يَرجعُ إليه بالنَّدامة، والتَّوبةُ مِن اللَّه: إعادتُه إلى الحالة الأولى، والتَّخفيفُ عليه كذلك. وقيل: إنَّ الكفَّارةَ توبةٌ للعبد، وهي مشروعةٌ مِن اللَّه تعالى للعبد (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا بالقاتل أنَّه عامدٌ أو مخطئٌ، وعالمٌ بتكفيرِه أنَّه يَنوي به التَّوبةَ أو الإصرار، ﴿حَكِيمًا﴾ في شَرْعِ هذه الأحكام. قال الكلبيُّ ﵀: إنَّ عياش بن أبي ربيعةَ المخزوميَّ أتى النبيَّ ﷺ بمكَّة قبل أنْ يهاجرَ، فأسلمَ، ثمَّ خاف أنْ يُظهِرَ إسلامَهُ، فخرجَ هاربًا إلى المدينة، فتحصَّن في دارٍ، فجَزِعَت أمُّه جزعًا شديدًا -وهي أسماءُ بنت مخرمة (٢) - وقالت لابنيها؛ أبي

стр. 2315

جهل والحارث بن هشام (١): واللَّه لا يُظِلُّني سقفٌ ولا أذوق طعامًا حتَّى تأتوني به، فخرجا في طلبِه مع الحارث بن يزيد (٢)، حتَّى أتوا المدينةَ، وقالوا لعيَّاش: إنَّ أمَّك لم يؤوها سقفٌ بعد بُعْدِك، وحلفَت ألَّا تأكلَ ولا تشربَ حتَّى ترجعَ إليها، ولك علينا ألَّا نُكرهَكَ على شيءٍ، ولا نحولَ بينك وبين دينِك، فلمَّا ذكروا له جزع أمِّه؛ نزل إليهم، فأوثقوه بنِسعَةٍ، وجلدَهُ كلُّ واحدٍ منهم مئة جلدةٍ، ثمَّ قدِموا به على أمِّه، فقالت: واللَّه؛ لا أحُلُّك مِن وَثاقِك حتَّى تَكفرَ بالذي آمنتَ به، ثمَّ تركوه مطروحًا موثَقًا في الشَّمس ما شاء اللَّه، ثمَّ إنَّه أعطاهُم الذي أرادوه منه، فأتاهُ الحارث بن يزيد، فقال له: يا عياش؛ هذا (٣) الذي كنت عليه لئن كان هدًى، لقد تركتَ الهدى، ولئن كان ضلالةً؛ لقد كنت عليها، فغضِبَ عيَّاش، وقال: واللَّه، لا ألقاكَ خاليًا إلَّا قتلتُك، ثمَّ إنَّ عيَّاشًا أسلمَ بعد ذلك، وهاجرَ إلى النبيِّ ﷺ بالمدينة، ثمَّ إنَّ الحارث أسلم بعد ذلك وهاجر (٤)، ولم يشعر عيَّاشٌ بإسلامه، فبينا عيَّاشٌ يَسيرُ بظَهر قُباء، إذ لقيَ الحارث، فحملَ عليه فقتلَه، فنزلت الآيةُ (٥). * * * (٩٣) - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.

стр. 2316

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾؛ أي: قاصدًا قتلَه لإيمانه وهو كفرٌ، وقيل: أي: قتلَهُ مستحلًّا لقتلِه، وهو كفرٌ أيضًا. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: وقوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ هو جزاؤُه لو جازاه، لكنَّه يتفضَّل ولا يُخلِّده فيها لإيمانه (١). وقيل: التَّخليدُ ليس هو التَّأبيد، بل هو تطويلُ إبقائه فيها؛ فإنَّه لم يقل: فيها أبدًا، وفي كلِّ موضعٍ ذُكر الخلودُ مع الأبد، فهو للتَّأبيد. وقيل: نزلت الآية في مَن قتلَ وارتدَّ مع ذلك. قال أبو روق: نزلت الآيةُ في مِقْيَس بن صُبابة (٢)؛ وذلك أنَّ (٣) أخًا له يقال له: هشام، أسلمَ، وهاجرَ إلى المدينة، فقتلَهُ بنو النَّجَّار خطأً، فجاء مِقْيَس وطلبَ ديَته، وتكلَّم بالإسلام، فبعث النبيُّ ﷺ رجلًا من فهرٍ إلى بني النجَّار، يأمرُهم أن (٤) يؤدُّوا دِية القتيل إلى أخيه، أو قاتلَه، فقالوا: سمعًا وطاعةً للَّه ورسولِه، ما نَعلمُ له قاتلًا، لكنَّا نؤدِّي دِيتَه، فدَفعوا إلى مِقْيَس مئةً مِن الإبل ديةَ أخيه، فانصرفَ مِقْيَسٌ والفِهْريُّ، حتَّى إذا قَرُبوا مِن المدينة أتاهُ الشَّيطانُ، فوسوسَ إليه (٥): أيَّ شيءٍ صنعتَ؟ تَقبلُ ديةَ أخيك، فتكون عليك مسبَّة؟! اقتل الفهريَّ نفسًا بنفسٍ، ولك الدِّيةُ، فرماهُ بصخرةٍ فقتلَه، وركبَ بعيرًا، واستاقَ الإبلَ، فارتدَّ راجعًا إلى مكَّة، وقال في ذلك أبياتًا:

стр. 2317

قَتَلتُ بهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ... سَراةَ بني النَّجارِ أربابِ فارعِ (١) وأدركت ثأري واضطجعت موسَّدًا... وكنتُ إلى الأوثانِ أوَّلَ راجعِ فذلك قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ بقتله، ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ بكفره، وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾؛ أي: انتقم منه، وطردَهُ مِن رحمتِه، فقتلَهُ النبيُّ ﷺ يوم فتح مكَّة (٢). وقيل: وغضبَ اللَّهُ عليه لقتلِه بعد أخذِ الدِّيةِ، ولعنَه بقتلِه غيرَ قاتلِ أخيه. وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ لاجترائِه على اللَّه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كما يَحْرُم قتلُ غيرِكَ عليك (٣)؛ يَحرُمُ قتلُ نفسِكَ عليكَ، ومن اتَّبع هواهُ، سَعى في دمِ نفسِه، ومَن لم يَنصح مُريدًا بحسنِ وعظِه، ولم يعنه بهمةٍ؛ فقد سَعى في دمه (٤)، فهو مأخوذٌ بحالِه، وحقيقٌ بأن تكونَ عقوبتُه الأبديَّةُ ألَّا يستمتعَ بما ضنَّ به على المريدين من أحواله، ولقد قال اللَّه تعالى: "يا داود، إذا رأيت لي طالبًا فكن له جسرًا" (٥).

стр. 2318

(٩٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أي: سرتُم في طريقِ الغزوِ فتأنَّوا في قتلِ من تقتلونَهُ، وهو في قراءة حمزةَ والكسائيِّ: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ مِن الثبات، وفي قراءة الباقين: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (١) مِن البيان؛ وهو العلم؛ أي: لا تَعجلوا، وتأمَّلوا لِتَعلموا. وانتظامُها بما قبلَها أنَّه أمر بالتثبُّت؛ لئلَّا يقع قتلٌ، عمدًا ولا (٢) خطأً فيما لا يجوز، وذكر ممَّن وقع له ذلك قصَّة واحدٍ (٣) في هذه الآية، واختلفَت الرواياتُ فيه: قال محمَّدُ بنُ إسحاق: نزلت (٤) في مُحَلِّم (٥) بنِ جَثَّامة، كان (٦) خارجًا في غزاةٍ، فمرَّ به عامر بن الأضبط الأشعريُّ (٧) على قَعودٍ له، فحيَّاهم بتحيَّة الإسلام، وكانت بينهما إحنةٌ في الجاهليَّة، فقتله مُحَلِّمٌ، وأخذ مالَه، فلمَّا قَدِمَ على النبيِّ ﷺ وَدى عامرًا، وقال: "اللهمَّ لا تغفرْ لمُحَلِّم بنِ جثَّامة" (٨)، فواللَّه ما استكملَ سبعًا حتَّى

стр. 2319

مات ودُفِنَ، فلفظَتهُ الأرض، حتَّى أُضجع بين حجرين ورَضَموهُ بالحجارة، ثمَّ دُفن، فلفظتهُ الأرضُ ثلاثَ (١) مرَّاتٍ، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الأرض لتقبل مَن هو شرٌّ منه، ولكنَّ اللَّه تعالى أراد أن يريَكم فيه العبرة" ونزلت الآية (٢). وقال مقاتل: إنَّ النبيَّ ﷺ بعث سَريَّةً، وأمَّر عليهم غالبَ بنَ عبد اللَّه اللَّيثيَّ، فلمَّا أصبحوا؛ رأوا رجلًا يقال له: مرداس بن عمرو بن نَهيك العبسي (٣) من بني تيم (٤) بن مرَّة من أهل فدك، ومعه غُنيمةٌ له، فلمَّا رأى الخيلَ ساق غنمَه حتى أحرزَها في الجبل، وكان قد أسلمَ مِن اللَّيل، وأخبر أهله بذلك، فلمَّا دنوا منه كبَّروا، فسمعَ التَّكبيرَ منهم (٥)، فعرَفَهم، فنزلَ إليهم وقال: سلامٌ عليكم، إنِّي مؤمنٌ، فحملَ عليه

стр. 2320

أسامةُ بنُ زيد بن حارثةَ الكلبيُّ، فقال مرداس: إنِّي معكم، أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّه وحدَه لا شريكَ له (١)، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، فطعنَهُ أسامةُ برمحِه، وقتلَه، وأخذَ سلبَهُ وساقَ غنمَهُ، فلمَّا قدمَ المدينةَ أخبرَ رسولَ اللَّه ﷺ بذلك، فلامَهُ وقال: "أقتلتَهُ وهو يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللَّه؟ " فقال: إنَّما قالها تَعوُّذًا، فقال النبيُّ ﷺ : "هلَّا شققت عن قلبه؟ " فقال: يا رسول اللَّه؛ لو شققتُ عن قلبه (٢) هل وجدتُ إلا دمًا عبيطًا (٣)؟ فقال النبيُّ ﷺ : "عبَّر بلسانه عمَّا في قلبه"، فقال: يا رسول اللَّه؛ استغفر لي، فقال: "وكيف لك بلا إله إلَّا اللَّه؟! " قالها ثلاثًا، واستغفرَ له في الرَّابعة، وقال أسامةُ في نفسِه: لودِدتُ أنِّي لم أولد إلَّا ذلك اليوم (٤)، وفي روايةٍ: وددت (٥) أنِّي لم أُسلِم إلَّا ذلك اليوم (٦)؛ أي: وَدِدتُ أنَّ هذه الحادثة وقعَت لي في الجاهليَّة لا في الإسلام، وأمرَهُ بردِّ الأغنام، وتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، ونزلت الآية. وقال سعيدُ بن المسيب: خرجَ المقدادُ في سريَّةٍ فمرُّوا برجلٍ في غنيمةٍ له، فقال: إنِّي مسلمٌ، فقتله المقدادُ، وأخذ غُنيمتَه، فذكرَ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فقال: "قتلَهُ وهو مسلمٌ"، فقال له المقداد: ودَّ لو فرَّ بأهله وماله، فنزلت الآية (٧).

стр. 2321

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قرأ نافعٌ وابن عامر (١) وحمزة: ﴿السَّلم﴾ (٢) بغير ألفٍ، وهو الاستسلامُ، والباقون بالألف (٣)، وهو تحيَّة الإسلام. وقوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ (٤)؛ أي: تَطلبون متاعَ الحياةِ الدُّنيا، وعند اللَّه أجورٌ عظيمةٌ، وقيل: أي: عند اللَّه غنائم كثيرةٌ (٥)، فاطلبوها مِن حيث أذنَ لكم، وأباحَ لكم. وقولُه تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ قيل: إنَّ أسامة قال: إنْ كان هذا مُسلِمًا، فلِمَ أقامَ بين الكفَّار؟ فقال تعالى: إنَّكم كنتم تفعلون كذلك. وقيل: أي: كذلك كنتم كفَّارًا مِن قبل هذا. وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كذلك كنتُم مِن قبلُ كفَّارًا تقاتلون على عرض الدُّنيا (٦). وقوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: أنعمَ عليكم بالإسلام (٧).

стр. 2322

وقال سعيدُ بن جبير: كذلك كنتم تخفون إيمانكم من قومكم بمكَّة، فمنَّ اللَّه عليكم بالهجرة حتَّى أظهرتم الإيمان (١). وقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ كرَّر (٢) الأمرَ به تأكيدًا في الوعظ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: لا يَخفى عليه إضمارُكم وإظهاركُم، وهو يجزيكم على ذلك (٣). * * * (٩٥ - ٩٦) - ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ولمَّا أُمِروا بالتَّثبُّت في الجهاد؛ خافَ بعضُهم ما يَقعُ في الجهاد مِن ذلك، فكأنَّه عزمَ على ألَّا يخرجَ، فنزلَت هذه الآيةُ حثًّا لهم على الجهاد. وقال زيدُ بن ثابت كاتبُ الوحي: كنت أكتبُ لرسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: "اكتب: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، فجاء عبد اللَّه بن أمِّ مكتوم، فقال: يا رسولَ اللَّه؛ إنِّي أحبُّ الجهادَ في سبيل اللَّه، ولكن بي من الزمانةِ ما قد ترى وذهاب بصري، قال زيد: فثَقُلَت فخذُ رسولِ اللَّه ﷺ على فخذي، حتَّى خشيتُ أنْ تَرُضَّها، فقال: "اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ

стр. 2323

فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ " (١) قال زيد: أنزلَها اللَّهُ تعالى وحدَها فألحقتها، والذي نفس محمد بيده؛ لكأنِّي انظر إلى ملحقها عند صدعٍ في الكتف الذي كنت أكتب فيه (٢). و ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قراءةُ نافعٍ وابن عامر والكسائيِّ نصبًا على الاستثناء أو على (٣) الحال، وقرأهُ الباقون رفعًا على النَّعت (٤)، و ﴿الضَّرَرِ﴾ الزَّمانة، والضَّريرُ: الزَّمِن؛ وهو الأعمى والأشلُّ ونحوهما. ثمَّ في الآيةِ نفيُ المساواةِ بين القاعد وهو (٥) المتخلِّفُ عن الجهاد، وبين الخارجِ للجهاد في الدَّرجة والثَّواب، ثمَّ استثناءُ (٦) أولي الضَّررِ مِن القاعدين ليس لإلحاقهم في الدَّرجة والثَّواب بالمجاهدين، فإنَّ العُذرَ لإسقاطِ الحرج والتَّكليف لا غير، لكن معناه: أنَّه تحريضٌ على الجهاد، والاستثناءُ لبيانِ أنَّهم غيرُ مرادين بالتَّحريض، لا أنَّهم كالمجاهدين في الإثابة والتفضيل، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [النور: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾؛ أي: بعذرٍ (٧)

стр. 2324

﴿دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (١)؛ أي: وعد اللَّهُ الجنَّة كلَّ المؤمنين؛ المجاهدين، والقاعدين بعذرٍ، والقاعدين بغير عذرٍ، وهذا لأنَّ الجهادَ فرضُ كفايةٍ، فإذا قامَ به البعضُ؛ سقط عن الباقين. وقوله تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ﴾؛ أي: بغيرِ عذرٍ، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثمَّ فسَّره بما بعده وهو قوله تعالى: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قال النبيُّ ﷺ : "هي سبعون درجةً، مِن الدرجة إلى الدرجة جريُ (٢) الفرسِ الجوادِ المضمرِ سبعين سنةً" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾ عطفٌ على ﴿دَرَجَاتٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقيل في قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ الآية: استثنى القاعدَ بعُذرٍ، وألحقَهُ بالمجاهدِ في الثَّواب؛ لتحسُّره على ما فات، وعلى ذلك قولُ رسول اللَّه ﷺ : "الجمعة حجُّ المساكين" (٤)، وقولُه: "الصَّلاة قربان كل تقيٍّ" (٥).

стр. 2325

ثمَّ ذكرَ في الآية مرَّةً: ﴿دَرَجَةً﴾، ومرَّةً: ﴿دَرَجَاتٍ﴾، وحاصلُه أنَّ اللَّهَ تعالى فضَّل المجاهد على القاعد (١) بعذرٍ بدرجةٍ، والمجاهدَ على القاعد بغير عذرٍ بدرجاتٍ (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الحقُّ (٣) جمعَ أولياءَه في الكرامات، لكنَّه غايرَ بينهم في الدَّرجات؛ فمِنْ غنيٍّ وغيرُه أغنى منه، ومِن كبيرٍ وغيرُه (٤) أكبرُ منه، هذه الكواكبُ منيرةٌ، لكنَّ القمرَ فوقها، وإذا طلعَت الشَّمسُ بهرَت -أي: غلبت (٥) - جميعَها بنورِها (٦). * * * (٩٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال الفرَّاء ومحمَّدُ بنُ يزيد: هو مستقبلٌ، وأصله: تتوفَّاهم، أسقطت (٧) إحدى التاءَين تخفيفًا (٨). وقيل: هو ماض، والتوفِّي: قبض الروح (٩).

стр. 2326

و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ هم ملكُ الموتِ وأعوانُه، أو هو وحدَهُ، وذُكِرَ باسم الجمعِ تعظيمًا له (١)؛ كما سمِّي جبريلُ بذلك وحده في قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ﴾ [آل عمران: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هو حالُ المقبوضين، والنُّون سقطَت للإضافة، وظلمُهم أنفسَهم: هو تركُ الهجرةِ، ثمَّ الرِّدَّة. قولُه تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾؛ أي: قالت الملائكةُ لهؤلاءِ الأربعين أو الخمسين الذين تخلَّفوا بمكَّة، ولم يهاجروا ثمَّ قُتِلوا ببدر -وقد مرَّت قصَّتهم في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [الآية: ٨٨] -: في ماذا كنتم؟ أي: في أيِّ أمرٍ كنتُم فشغلَكم عن الهجرة والجهاد؟ قوله تعالى: ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مكَّة؛ أي: كان أهلُ مكَّةَ يقهروننا، ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾؛ أي: قالت لهم الملائكةُ: ألم تكن أرضُ المدينةِ آمِنةً واسعةَ الرِّزق فتهاجروا إليها؟ وهذا استفهامٌ بمعنى الإثبات، وهو ردّ (٢) عليهم عذرَهم، ثمَّ هذا الخطابُ والجواب في حالِ سَكَراتِ الموت، وإنْ كان لا يجري بين المحتضِر وسائر البشر، فإنَّه جائزٌ بينه وبين الملائكة؛ لأنَّه لهيبتِهم شُغِل عن غيرهم، فيَجوزُ شغلُه بهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يقولون لهم هذا في الآخرةِ، ويجوزُ أن يكون في القبرِ، فقد ذُكِرَ هذا بعد التوفِّي، ودلَّ ذلك على سؤال القبر (٣).

стр. 2327

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الإشارةُ منه إلى (١) مَن أدركه الأجل وهو في أسرِ نفسِه، وفي رقِّ شهواتِه، ليس له عذرٌ، حيث لم يهاجرْ إلى ظِلِّ قربته ليتخلَّص من هوى نفسِه (٢)؛ إذ لا حجابَ بينك وبين هذا الحديث إلَّا هواك (٣). وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ قال مقاتل: هم نفرٌ أسلموا بمكَّة مع النبيِّ ﷺ ؛ منهم الوليدُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة، وقيسُ بنُ الوليدِ بنِ المغيرة، والوليد بن عتبة (٤) بن ربيعة، وأبو قيس بن الفاكهِ بنِ المغيرة، وعمرو بنُ أمية بنِ سفيانَ بنِ أميَّة بنِ عبد شمس، والعلاءُ بنُ أميَّة بن خلف، ثمَّ إِنَّهم أقاموا فلم يُهاجِروا، وخَرجوا مع المشركينَ إلى قتالِ بدر، فلمَّا رأوا قلَّة المؤمنين؛ شكُّوا في النبيِّ ﷺ ، فقالوا: غرَّ هؤلاء دينُهم، فلمَّا قُتِل هؤلاء ببدر؛ قالت لهم الملائكةُ -وهو مَلَكُ الموتِ وحدَه- فيم كنتم؛ أي: في أيِّ شيءٍ كنتم؟ قالوا: كنَّا مستضعفينَ مقهورين بأرضِ مكَّةَ، لا نُطيقُ أن نُظهِرَ الإيمانَ (٥)، قالت الملائكة: ألم تكن أرضُ اللَّه -أي: أرضُ المدينة- واسعةً من الضيق فتهاجروا إليها؟ (٦) * * *

стр. 2328

(٩٨) - ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾. وقال عمر بن عطاء المديني: ولمَّا نزلَ هذا الوعيد، قال المسلمون: هلكَ إخوانُنا الذين بمكَّة، فنزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ (١)، إمَّا لضعفٍ في البدن، أو عُدْمٍ من الزَّادِ والمركب. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أي: لا يَعرفون طريقًا ولا يَجدون مَن يَهديهِم. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: لمَّا نزلَت هذه الآية؛ بعث رسولُ اللَّه ﷺ بها إلى مسلمي مكَّة، فقال جندب (٢) بن ضمرة الليثيُّ الجندعيُّ لبنيه: احملوني فإنِّي لست من المستضعفين، وإنِّي لا أهتدي (٣) الطَّريقَ، وكان شيخًا كبيرًا، فحملوه بنوهُ على سريرٍ متوجِّهًا إلى المدينة، فمات بالتَّنعيم، فبلغ أصحابَ النبيِّ ﷺ موتُه، فقالوا: لو لحقَ بنا؛ لأتمَّ اللَّه أجرَهُ، فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنَّه لا يَخيبُ مَن التمسَ رضاهُ؛ فأنزلَ اللَّه فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤). * * * (٩٩) - ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ و"عسى" مِن اللَّه واجبٌ؛ لأنَّه إطماعٌ، والكريمُ إذا أطمعَ أنجزَ.

стр. 2329

وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ قال الحسنُ: أي: كان عفوًّا غفورًا لعباده قبل أنْ يخلقَهم (١). وقيل: أي (٢): كذلك أجرى اللَّهُ العادةَ في الأوَّلين؛ وهو العفوُ والمغفرةُ للمعذورين، وكذلك يفعلُ بالآخِرين. وقيل: العفوُ: هو التَّخفيفُ برفعِ الإثم عنهم، وكان له أن يُغلِّظَ المحنةَ في التعبُّد عليهم. * * * (١٠٠) - ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ قال الضحَّاك: أي: متحوَّلًا (٣). وقال أبو رَوْق: أي: مخرجًا عمَّا يَكرهُ. وقال ابنُ كيسان: أي: مُنقلَبًا. وقال يمانُ بن رئاب: أي (٤): ملجأً. وقال السُّدِّيُّ: أي: مبتغَى معيشةٍ (٥).

стр. 2330

وقال المبرِّدُ: أي: مضطربًا متحوَّلًا من الكُفر إلى الإيمان. وأصله من الرَّغام؛ وهو التُّراب؛ يعني: تربةً غير تربةٍ (١). وقال أبو عبيدة: أي: مهاجرًا (٢)؛ وكذا قال القتبيُّ (٣)، وهو حقيقتُه، فإنَّ المُراغَمَ موضعُ المراغمةِ؛ وهي المهاجرةُ على رغم مَن كان فيهم. وقوله تعالى: ﴿وَسَعَةً﴾ أي: اتِّساعَ رزقٍ. وقيل: أي: توسُّعًا مِن تضييق الكفَّار عليه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؛ أي: إلى حيث أمرَ اللَّهُ ورسولُه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ عطفٌ على الأوَّل. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: فقد (٤) حصلَ له الأجرُ بوعدِ اللَّه، وهذا (٥) تأكيدٌ للوعدِ، فلا شيءَ يجبُ على اللَّه لأحدٍ من خلقِه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ يَغفرُ له ما كان منه من القُعود إلى أنْ خرج، ﴿رَحِيمًا﴾ يرحمُه بإكمال أجر المهاجرين (٦) له. وقد ذكرنا أنَّها نزلت في جُندبِ بنِ ضَمْرة، وقيل: هو ضمرةُ بن جُندب (٧)، وقيل:

стр. 2331

هو جُندع بن ضَمرة اللَّيثيُّ (١)، وقيل: هو ضَمْرةُ بنُ العِيص بنِ زِنباع الخزاعيُّ (٢)، وقيل: هو أكثمُ بنُ صيفي (٣)، وقيل: هو ضمضمُ بنُ عمرٍو الخزاعي (٤)، وفي رواية الكلبيِّ: هو جُندَع بن ضَمْرة، قال: واللَّه ما أنا ممَّن استثنى اللَّهُ تعالى، وإنِّي لأجدُ حيلةً، واللَّه لا أبيتُ اللَّيلةَ بمكَّة، فخرجوا به يحملونَهُ على سريرٍ إلى التَّنعيم، فأشرفَ على الموت، فصفق يمينَه على شِماله، فقال: اللهمَّ هذه لك وهذه لرسولك، أبايعُكَ على ما بايعَكَ به رسولُك (٥)، ومات حميدًا، فنزلَت هذه الآية (٦). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن هاجر في اللَّه ما (٧) سوى اللَّه، وصحَّ (٨) قصدُهُ إلى اللَّه تعالى، وجدَ فسْحةً في عِفْوَةِ (٩) الكَرَمِ، ومقيلًا في ذُرى القَبول، وسَعةً في كنفِ القُرب، والمهاجر (١٠) في الحقيقةِ مَن هجرَ نفسَهُ وهواه، ولا يَصِحُّ ذلك إلَّا بانسلاخِه مِن جميعِ مراداته، ومَن قَصدَهُ ثمَّ أدركَهُ الأجلُ قبلَ وصولِه؛ فلا يَنزل إلَّا بساحاتِ وصلِه، ولا يكونُ محطُّ رحلِه إلَّا (١١) أوطان قربِه.

стр. 2332

(١٠١) - ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ وهذا من الأمور (١) التي يحتاجون إليها في جهادهم، يقول: إذا سرتُم في الأرض مسافرين؛ فلا مأثمَ (٢) عليكم في أنْ تنقصوا من أعداد ركعاتِ الصَّلاة، فتُصلُّوا الفرائضَ التي هي أربعٌ ركعتَين. وقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: إنْ خشيتم أنْ يَقصدَكُم الكفَّارُ بقتلٍ أو جرحٍ أو أخذٍ. ثمَّ الخوف شرطٌ لجوازِ القصر عند الخوارج بظاهر هذه الآية، وعند الجمهور ليس بشرطٍ، قال يَعلى بنُ أميَّة لعمرَ بنِ الخطَّاب رضي اللَّه تعالى عنه: ما بالُنا (٣) نقصُر وقد أمِنَّا؟ قال: عجبتُ ممَّا تعجَّبتَ منه، فسألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقةٌ تَصدَّق اللَّهُ بها عليكم، فاقبلوا صدقتَهُ" (٤). وقالت عائشةُ ﵂: فُرِضَت الصَّلاةُ ركعتين، ثمَّ أُقِرَّت صلاةُ السَّفر، وزيدَت صلاةُ الحضر (٥). فأمَّا قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾؛ فليس للاشتراط، لكن لأنَّ حالَهم حين نزلَت الآيةُ كانت كذلك، فنزلَت على وفقِ الحال؛ وهو كقولِه تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ

стр. 2333

أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]، وقولِه: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]. وقيل: هذه الآيةُ في نهاية القَصْر، وهو تركُ الشَّطرِ وتركُ الرُّكوع والسُّجودِ والقيام بالإيماء على الراحلة، وذلك مقصورٌ على حالةِ الخوف، ثمَّ القصرُ رخْصةٌ عند الشافعيِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ (١)، وذاك في الرُّخصة لا في العزيمة (٢). وقلنا: في الآية بيانُ حكم (٣) حالة الخوف، فتوقَّف حكمُ حالةِ الأمن على قيام الدَّليل، وقد ورد ذلك بلفظة الصَّدقة (٤)، ولو بقي فرضُ الأربعة، فأين الصدقة؟ (٥) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾؛ أي: أعداءً، وقد بيَّنَّا أَنَّه يَصلح للجمع (٦)، وإنَّما قال: ﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾ على اللفظ، فإنَّه في الوضع للفرد؛ أي: لعداوتهم يَنتهزون الفرصةَ، فتحرَّزوا (٧) عنهم. * * * (١٠٢) - ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ

стр. 2334

فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: وإذا كنت يا محمَّدُ في أصحابِك الضَّاربين في الأرض، فأردتَ أن تقيمَ بهم الصَّلاة. وقوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾؛ أي: فاجعلهُم طائفتين، ولتَقُم إحدى الطَّائفتين معك؛ يَفتتحون معك الصَّلاةَ، ويُصَلُّون معك ركعةً تامَّةً، ولتَقم الطَّائفةُ الأخرى بإزاء العدوِّ. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾؛ أي: قَطْعًا لطَمعِ العدوِّ فيهم، وهذا استحباب لا إيجابٌ عندنا، خلافًا للشافعيِّ ﵀ (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ أي: إذا صلَّت هذه الطائفةُ التي معك ركعةً تامَّةً، فليَرجعوا ليَقفوا بإزاءِ العدوِّ. وقوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾؛ أي: ولتحضر الطَّائفةُ الواقفةُ بإزاءِ العدوِّ، فليَفتتحوا معك الصَّلاة، وليُصلُّوا معك الرَّكعة الثَّانية. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾؛ أي: ما يَتحرَّزون به من العدوِّ، وأمر (٢) به الطَّائفة الثَّانية كما أمرَ به الطَّائفةَ الأولى، وهذا استحبابٌ أيضًا عندنا؛ لأنَّ أخذَ السِّلاحِ ليس مِن أفعال الصَّلاة، فلا يكونُ مِن شرطِها. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: أَخْذُ الحذرِ: هو أخْذُ ما يدفعون به سلاحَ العدوِّ مِن التِّرسِ والدِّرع والبنيان (٣).

стр. 2335

وأَخْذُ السلاحِ: هو أَخْذُ ما يُقاتلون به العدوَّ مِن السُّيوفِ والرِّماح والقِسِيِّ ونحو ذلك. والمذكورُ في الآية هو صلاةُ طائفةٍ (١) ركعةً مع النبيِّ ﷺ ، ثمَّ صلاةُ طائفةٍ أخرى ركعةً أخرى معه، ولم يبيِّن كيفيَّة إتمامِ الطَّائفتين، واختلف الأخبارُ في ذلك، واختلفَ باختلافِها العلماء؛ فقال أبو يوسف ﵀: هذا كان في زمنِ النبيِّ ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، وهذا خطابٌ له على الخصوص (٢)، والمعنى: أنَّهم كانوا يتحرَّون فضلَ الصَّلاةِ خلفَ رسول اللَّه ﷺ ، فزال ذلك حين قُبِضَ النبيُّ ﷺ ، فانتسخَ. وقلنا: هذا خطابٌ له، ولكلِّ قائمٍ بعدَه لسياسة الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، ويدلُّ عليه أنَّ الصحابةَ فعلوا ذلك بعدَ وفاته ﷺ ، حتَّى صلَّى حذيفة بهم حين لقوا العدوَّ بطبرستان (٣). وقال الحسن: صلَّى بنا أبو موسى الأشعريُّ كذلك (٤). ثمَّ عندما يُصلِّي (٥) الإمامُ بالطَّائفة الأولى ركعةً، فينصرف هؤلاء إلى العدوِّ، وتجيءُ الطَّائفة الأخرى الواقفةُ بإزاء العدوِّ، فيصلِّي بهم الإمام الرَّكعةَ الثّانية، ويَقعدُ بهم، فإذا سلَّم؛ رجعوا ووقَفوا بإزاء العدوِّ، وتجيءُ الطَّائفة الأولى، فيُصلُّون الرَّكعة

стр. 2336

الثانية بغير قراءةٍ؛ لأنَّهم لاحقون، ويُسلِّمون وينصرفون فيقفون بإزاء العدوِّ، ويجيء أولئك (١) فيصلُّون الرَّكعةَ الأولى (٢) بقراءةٍ؛ لأنَّهم مسبوقون، كذلك رواهُ ابنُ مسعود وابنُ عمرَ ﵃ (٣). وقال جابرُ بنُ عبد اللَّه ﵁: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ قومًا من جهينة، فقاتلوا قتالًا شديدًا، فلمَّا صلَّينا الظهر قال المشركون: لو مِلْنَا ميلةً واحدةً؛ لاختطفناهم (٤)، ونحن تركناهم حتَّى صلَّوا، وندِمُوا على تركِهم، فقال بعضُهم (٥): دعوهُم، فإنَّ لهم بعدَها صلاةً هي أحبُّ إليهم مِن آبائِهم وأبنائهم؛ يعنون: العصر، فلمَّا أرادَ رسولُ اللَّه ﷺ أنْ يصلِّيَ العصر؛ أنزلَ اللَّهُ هذه الآية، فصلَّى بهم صلاةَ الخوف على ما قلنا (٦). وللشافعيِّ ﵀ مذهبٌ يتفرَّدُ به، ولما لكٍ كذلك، وفيه أقاويلُ أُخَر، شرحنا ذلك في كتاب الصلاة من "حصائل المسائل" (٧).

стр. 2337

وقوله تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾؛ أي: تمنَّى الكفَّار غفلتكم، و ﴿لَوْ﴾ كلمةُ تمنٍّ، والأسلحةُ: جمع السِّلاح؛ وهو كلُّ شيءٍ يُقاتَلُ به، والأمتعةُ: جمعُ متاعٍ؛ وهي (١) الثِّيابُ ونحوها. وقولُه تعالى: ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: فيحملونَ عليكم حملةً واحدةً، ولم يَقُل: فيميلوا؛ لأنَّه لَمْ يُرِدْ به جوابَ التَّمنِّي، بل أرادَ به العطفَ على قوله: ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾ بخلاف قولِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى﴾؛ أي: تعبٌ، ﴿مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾؛ أي: لئلَّا يَثْقُلَ عليكم حملُها، ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: تحرَّزوا عنهم بسائرِ الوجوه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؛ أي: إذا أخذتُم حِذركم؛ لَمْ يُنْفِذِ اللَّهُ تعالى للكفَّار عليكم كيدًا؛ إذ هم أعداءُ اللَّه تعالى، وقد أعدَّ لهم في الدَّارينِ عذابًا مذِلًّا. قال ابن عبَّاسٍ ﵄: غزا رسولُ اللَّه ﷺ بني أنمار، وهم ببطن نخلة، فهز مَهمُ اللَّه، واحرزوا ذراريهم (٢) وأمو الَهم، ونزلَ رسولُ اللَّه ﷺ والمسلمون ولا يرون أحدًا من العدوِّ، فوضعَ النَّاسُ أسلحتَهم، وخرجَ النبيُّ ﷺ لحاجةٍ وقد وضعَ سلاحَه حتَّى قطع الوادي والسماءُ تَرشُّ، فحالَ الوادي بينَه وبين أصحابِه، فجلسَ في ظلِّ سمُرَةٍ (٣)، فبصُر به حويرثُ بن حارثة المحاربيُّ الحضرميُّ، فقال له أصحابه:

стр. 2338

هذا محمَّدٌ قد انقطعَ عن أصحابه، فقال: قتلَني اللَّهُ إنْ لَمْ أقتله، ثمَّ انحدرَ مِنْ الجبل ومعه السَّيفُ، فلم يشعر به النبيُّ ﷺ إلَّا وهو قائمٌ على رأسِه قد سلَّ سيفه، فقال: يا محمد، مَنْ يمنعك منِّي اليوم؟ فقال ﵊: "اللَّهُ " ثمَّ قال: "اللهمَّ اكفنيه بما شئت"، ثمَّ أهوى بالسَّيف إلى رسول اللَّه ﷺ ليضربَهُ، فانكبَّ لوجهه لزُلَّخةٍ زُلِّخَها -بضمِّ الزاي وتشديد اللام (١) -، وندرَ السَّيفُ، فقام النبيُّ ﷺ ، فأخذه وقال: "يا حويرث؛ مَن يمنعك منِّي الآن؟ " قال: لا أحد، قال: "فتشهد أن لا إله إلَّا اللَّه، وأنِّي عبدُ اللَّه (٢) ورسوله، وأعطيكَ سيفَك" قال: لا، ولكن أشهد ألَّا أقاتلك أبدًا، ولا أُعِيْنُ عليك عدوًّا، فأعطاه النبيُّ ﷺ سيفَه، فقال: واللَّه لأنت خيرٌ منِّي، فقال النبيُّ ﷺ : "أجل، أنا أحقُّ بذلك منك"، فرجعَ إلى أصحابه، فقالوا له: ويلك لقد رأيناك قائمًا على رأسِه بالسَّيف، فما منعك منه؟ قال: واللَّه؛ لقد أهويتُ إليه بالسَّيفِ لأضرِبَهُ؛ فواللَّه لا أدري مَن زلَّخني بين كتفَي؟! فخررتُ لوجهي، وخرَّ سيفي من يدي، فأخذَه، وذكر ما كان منه، ثمَّ قطع النبيُّ ﷺ الوادي وأتى إلى أصحابه (٣)، وإذا (٤) هم جميعٌ، فقرأ عليهم هذه الآية: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: مِن عدوِّكم (٥). * * *

стр. 2339

(١٠٣) - ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ قيل: فإذا فرغتُم منها، ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾؛ أي: بكلِّ حالٍ، وهو الذِّكرُ باللسانِ، والدُّعاءُ بالنَّصر (١)، فإنَّه حال ملاقاة العدوِّ، وهو كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. وقيل: أي: إذا أردتُّم أداءَ الصَّلاة؛ فصلُّوا قيامًا إنْ قدَرتُم عليه، وقُعودًا إنْ عجَزتم عن القيام، ومضطجعين إنْ عجَزتم عن القعود. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قيل: إذا سكنتُم بزوالِ الخوف، فأتِمُّوا الصَّلاة بطائفةٍ واحدةٍ. وقيل: إذا اطمأننتُم بالصِّحَّة، فأتمُّوا بالقيام والقعودِ، والرُّكوع والسُّجود. وقيل: إذا أقمتم فأتِمُّوا، ولا تَقصروا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ الكتاب (٢): الفرض، وهذا مصدرٌ بمعنى المفعول، والموقوتُ: المؤقَّت، وقد وَقَتَهُ يَقِتهُ وقتًا، ووقَّته بالتَّشديدِ يوقِّته توقيتًا؛ يعني: إنَّ الصلاة فريضةٌ مِن اللَّه تعالى، مفروضةٌ لأوقاتٍ معلومةٍ، كلَّما مضى وقتُ صلاةٍ واحدةٍ؛ جاء وقت صلاةٍ (٣) أخرى، ليست كالصَّومِ الذي هو مفروضٌ

стр. 2340

في السَّنةِ مرَّةً، والحجِّ الذي هو في العُمرِ مرَّةً (١)، وذلك لتأكيد (٢) أمرها، وجلالة قدرها، وقوله: ﴿كاَنَتْ﴾ دليلٌ على أنَّ الصلاة كانت مفروضةً على الأمم السَّالفةِ كلِّها، وقوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ دليلٌ على أنَّ الكفَّارَ غيرُ مخاطبين بالشَّرائع. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: الوظائفُ الظَّاهرةُ مؤقَّتة، ومشاهداتُ القلوب مؤبَّدةٌ، والرسومُ في وقتٍ دون وقتٍ، وأمَّا القلوب؛ فإيَّاكم والغَيبةَ عن الحقيقةِ لحظةً كيفما اختلفَتْ بكم الأحوال، وأمَّا الذِّكر؛ فكيف كنتم وكما كنتم، وأمَّا إقامة الصلاة؛ فإذا اطمأننتُم (٣). * * * (١٠٤) - ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾؛ أي: لا تَضعُفوا في طلبِ العدوِّ في مكامنهم، نَزلَت في أهل أُحُدٍ، وقد بيَّنَّا ذلك في قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾؛ أي: تُوجَعون. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾؛ أي: تأمَلون الحياةَ الباقيةَ بالشَّهادةِ والرِّزقِ الدَّائمِ في الآخرة، والظَّفَرِ والنُّصرةِ في الدُّنيا، وهم لا يَأملون ذلك.

стр. 2341

وقيل: معناه: وتخافون مِن اللَّه ما لا يخافون؛ مِن قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]؛ أي: لا تخافون للَّه عَظَمَةً، وإنَّما قامَ الرَّجاءُ مقامَ الخوف؛ لأنَّ ما يُرجَى كونُه يُخافُ فوتُه. وقيل: لا يُستَعْمَل الرجاء في معنى الخوف إلَّا على النفي، فأمَّا على الإثبات فلا. وقيل: يجوز ذلك، قال قائلهم: توكَّل على الربِّ الكريمِ وَثِقْ بهِ... إذا نابَ أمرٌ مُفظِعٌ لك رائِعُ فلا كلُّ ما تَرجو من الخيرِ كائنٌ... ولا كلُّ ما تَرجو (١) من الشَّرِّ واقعُ (٢) وقيل: معنى قوله: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: يحصلُ لكم برجائكم مِن اللَّه ما لا يحصلُ لهم، يقال: لا رجاءَ لك عند فلانٍ؛ أي: لا تحقيقَ لما تَرجُوه. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ قيل (٣): ﴿عَلِيمًا﴾ بمصالحِ العباد حين دعاهُم إلى الجهاد، ﴿حَكِيمًا﴾ في تدبيرِ أمورهم. وقيل: عَلِيمًا بما ينالُ المؤمنين من الألمِ في سبيله، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يُسوِّي بينَهم وبين الكفَّار في جزائِه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: القومُ شارَكوكم في آلام النُّفوس، ولكن خالفتُموهم في مشاهداتِ القلوب، أنتم تَشهدونَ ما لا يَشهدون، وتَجدُون بقلوبِكم ما لا يَجدون، فلا ينبغي أن تستأخروا عنهم في الجدِّ واحتمال الكدِّ (٤).

стр. 2342

(١٠٥) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالحكمِ الحقِّ، وقيل: بحقِّ اللَّه عليكم، وقيل: بحقِّ بعضهم (١) على بعضٍ، وقيل: أي: بالامتحان؛ إذ (٢) لا حكمةَ في الإهمال. وقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾؛ أي: أعلمَك، كما قال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [سبأ: ٦]؛ أي: يَعلمُ، وهي مِن رؤيةِ القلب، ودل ذلك على جوازِ الاجتهاد فيما لا نصَّ فيه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ أي: لقوم طُعمة بن أُبَيرق السَّارقِ المنافقِ معينًا في (٣) الخصومة. وقيل: الخصمُ في الحقِّ، والخصيمُ في الباطل. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نزلت الآيةُ في طعمةَ بن أُبَيرق الأوسيِّ، وكان سرقَ دِرعًا مِن جار لهُ يقال له: قتادة بن النُّعمان الأنصاريُّ، وكان الدِّرعُ في جِرابٍ فيه دقيقٌ، وفي روايةٍ: كان يذهب بها في السطوح، فرأى في الجراب خرقًا يَخرجُ منه الدَّقيقُ ويَظهر في السُّطوح، فخاف ظهورَ الحال، فرمى ذلك في دار يهوديٍّ اسمُه زيدُ بن السَّمين، وعلم به زيدٌ، فصعدَ السَّطح واتَّبعه حتَّى رآهُ دخلَ دارَهُ، ثمَّ إنَّ قتادة لمَّا أصبحَ ولم يجدِ الدِّرع؛ اتَّبع الأثرَ إلى دار زيدٍ، فطالبه بها للأثر، فقال: إنَّه عمل

стр. 2343

طُعمة، وأتياهُ (١) فجحدَ، وحلفَ على ذلك، واختصموا إلى رسول اللَّه ﷺ ، وجاء اليهودُ، فشهِدوا على براءة اليهوديِّ، وجاء بنو (٢) ظفر -وهم قوم طعمة- وجادلوا عن طعمة، ورُوِيَ أنَّهم عَلِموا أنَّه عَمَل طعمة فقد كان سارقًا في الجاهليَّة، لكن بيَّتوا طول ليلهم (٣)، واتَّفقوا على أنْ يشهدوا بالسَّرقة على اليهوديِّ؛ دفعًا عن طُعمة، ففعلوا ذلك، وهمَّ النبيُّ ﷺ أنْ يعاقِبَ اليهوديَّ، فنزلت الآية (٤). وذكر مقاتل أنَّ صاحبَ الدِّرع زيدُ بن السَّمين اليهوديُّ، وكان استودَعها عند طُعمةَ، وطلبَها فجحدَها، ورمى بها في دار أبي مُلَيك بن عبد اللَّه الأنصاريِّ (٥). وذكر عاصم بن عمر (٦) بن قتادة أنَّ السَّارقَ بُشيرُ بنُ أُبيرق (٧)، والمسروقَ منه رفاعةُ بن النعمان أخو قتادةَ بن النعمان (٨).

стр. 2344

ولمَّا ظهر حال طُعمة؛ ارتدَّ ولَحِقَ بمكَّة. وقيل: اليهوديُّ الذي رمى بالدِّرع في دارِه لبيد بن سهل (١). وقيل: إنَّ طعمةَ حين ظهر حالُه ارتدَّ ومات بحرَّةِ بني سليمٍ كافرًا (٢). وقيل: سرقَ بعد ذلك في مواضع (٣)، وسرقَ في سفينةٍ كيسًا، فأحسُّوا به ورموهُ في البحر (٤). وقيل: سرقَ من خزانة الكعبة بمكَّة، فوقع عليه حجرٌ فقتله. وقيل في انتظامِها بما قبلَها: إنَّ الآيةَ الأولى في الصَّلاة، وهي أمانةٌ، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٧٢]، وهذه القصَّة في الخيانة.

стр. 2345

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ أي: لا تناضِل عن أرباب الحظوظ، وكنْ مع أبناءِ (١) الحقوق، ومَن جنح إلى الهوى، خان فيما أودع نفسَهُ مِن التَّقوى، ومَن ركنَ إلى نوازعِ المنى، خانَ فيما طولِب به مِن الحياء لاطِّلاع المولى (٢). * * * (١٠٦) - ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ أي: مِن قصدك قطعَ اليهوديِّ بغير سرقةٍ، والذَّبَّ عن طعمة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أي: لمن استغفر. * * * (١٠٧) - ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: عن طبقة طعمة، وهم إن خانوا غيرهم، فقد أضرُّوا بأنفسِهم، فكان ذلك خيانةً في حقِّ أنفسهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا﴾؛ أي: كثيرَ الخيانة، سمَّاه به لسرقتِه مرَّاتٍ. ﴿أَثِيمًا﴾ أي: كثير الإثم، والأثيمُ أبلغُ من الآثم؛ كالشَّهيد أبلغُ مِن الشَّاهد، والرَّحيم أبلغُ من الرَّاحم، وإثمُه كان بيمينِه الكاذبة، ورميِهِ اليهوديَّ البريءَ (٣) بالسرقة.

стр. 2346

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: لأُمَّتك، فإنَّا قد كفيناك حديثَك (١) بقولنا: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ هم المؤثِرون حظوظَهم على حقوقه، والرَّاضون بالتَّعريجِ في أوطان الهوى، دون النُّقلةِ إلى منازل الرِّضى (٢). * * * (١٠٨) - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: يَستترون بمعاصيهِم في أخذ الأموالِ وجحد الحقوق، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾؛ أي: لا يُمكنُهم الاختفاءُ عن اللَّه تعالى، فإنَّه مطَّلعٌ على سرائرهم. وقال ابن عبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ أي: يستحيون، كنى به عنه؛ لأَنَّه من أسبابه (٣). وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾؛ أي: يدبِّرون بالليل، وقوله تعالى: ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: مِن تبرئة طُعمة، واتِّهامِ اليهوديِّ البريء، واستزلال النبيِّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾؛ أي: عالمًا بكلِّ وجوهِه. * * *

стр. 2347

(١٠٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ "ها" تنبيهٌ، و ﴿وأَنتُمْ﴾ خطابٌ لرهطِ طُعمة، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى: يا هؤلاء، وقيل: بمعنى: الذين. وقوله تعالى: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: خاصمتُم عن الخائنين، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ عطفٌ على "من" (١) وظاهرُه استفهامٌ، و ﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: حافظًا؛ كالموكَّل على الشيء يَحفظُهُ. * * * (١١٠) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: ما يسوءُ غيرَهُ مِن سرقةٍ وخيانةٍ (٢) وتهمةٍ بباطلٍ، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ أي (٣): يَعملْ ما يَضُرُّ به نفسَه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ جزمٌ؛ لأنَّه عطفٌ على: "مَنْ يَعمَل". وقوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ جزمٌ؛ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، دعاهم إلى التَّوبة والاستغفارِ ليغفرَ لهم ما كان مِنهم مِن الأوزار. وقيل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: ما تَسوءُ عاقبتُه، ﴿أَوْ يَظْلِمْ﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، ويَظْلِمْ بذلك نَفْسَهُ.

стр. 2348

وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: السُّوء هاهنا: السَّرقةُ، والظُّلم: الشِّركُ. وقيل على عكسِه. وقيل: الآيةُ عامَّةٌ في كلِّ الذُّنوب، وهي أرجى آيةٍ في القرآن، والاستغفارُ هو سؤالُ المغفرة مع النَّدمِ على المعصية. * * * (١١١) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ أي: مَن فعلَ ما يَأثمُ به؛ فهو على نفسِه، لا يُعاقَب به غيرُه، وإن أراد تحميلَه غيرَه كما (١) أرادهُ طعمةُ وقومه، ولا يَخفى ذلك على اللَّه تعالى؛ لأنَّه عليمٌ، وهو حكيمٌ لا يَضعُ الشَّيءَ غير موضعِه، ولا يُعاقِب بالذَّنبِ غيرَ فاعلِه. * * * (١١٢) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾؛ أي: بغير عمدٍ، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ أي (٢): بعمدٍ. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾؛ أي: يتَّهم بالإثم مَن كان بريئًا عنه، و ﴿يَرْمِ﴾ جزم؛ لأنَّه (٣) معطوفٌ على ﴿يَكْسِبْ﴾، وذاك جُزِم بالشَّرط؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤].

стр. 2349

وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾؛ أي: كَذِبًا محيِّرًا (١) مَنْ كَذبَ عليه، لغايةِ استحالته. وقوله تعالى: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: وِزْرًا (٢) ظاهرًا؛ أي: يُظهِرُهُ اللَّهُ تعالى، فيُعرَفُ بالبُهتان في الدُّنيا، ويعاقَبُ بإثمه في العُقبى. وقال الكلبيُّ: ولمَّا نزل: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨] عَرَفَ قومُ طعمة أنَّه الظَّالم، فقالوا له: بؤ بالذَّنبِ، واتَّق (٣) اللَّه، فقال: لا واللَّه الذي يُحلَف به، ما سرقَها إلَّا اليهوديُّ، فأنزلَ اللَّه ﷻ : ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يمينًا كاذبةً، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقة الدِّرعِ، ورميَ اليهوديِّ به (٤)، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ كذبًا على غيرِه بما لم يفعل، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ذنبًا بيِّنًا بينه وبين ربِّه. ثمَّ قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ إنَّما قال: ﴿بِهِ﴾ ولم يقل: بهما، مع سبق ذِكْرِ اثنين؛ لأنَّه صرفَهُ إلى أحدِهما، وهو أقربُهما إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، لم يَصرِفْهُ إلى أقربِهما؛ لأنَّ التجارةَ هي المقصودةُ، واللَّهوُ بسببها، فكان صرفُه (٥) إلى المقصودِ أولى، وفي الآيتين اللَّتين (٦) قبلَهما كلُّ واحدٍ منهما في المراد مثلُ الآخر، وأحدُهما أقربُ، فكان (٧) أولى.

стр. 2350

(١١٣) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾؛ أي: ولولا توفيقُ اللَّهِ وعصمتُه لك يا محمَّد. وقوله تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾؛ أي (١): لقَصَدت جماعةٌ مِن قوم طُعمةَ أن يزلوك (٢) بتبرئة (٣) طُعمةَ وقطعِ اليهوديِّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: وما يكون وبالُ ذلك إلَّا عليهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: شيئًا، و ﴿وَمِنْ﴾ للتأكيد. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: القرآنَ وبيانَ القرآنِ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾؛ أي: مِن أمورِ الدِّين، وقيل: مِن أنباءِ الأوَّلين. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾؛ أي: مِن وقتِ خلقك إلى الآن بكلِّ شيء، فلم يكن ليترُكَ عصمتَك عن إزلالِ المنافقين، مع ما لهُ عليكَ مِن الفضلِ المبين. * * *
следующие страницы →