← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: لأُمَّتك، فإنَّا قد كفيناك حديثَك (١) بقولنا: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ هم المؤثِرون حظوظَهم على حقوقه، والرَّاضون بالتَّعريجِ في أوطان الهوى، دون النُّقلةِ إلى منازل الرِّضى (٢). * * * (١٠٨) - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: يَستترون بمعاصيهِم في أخذ الأموالِ وجحد الحقوق، ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾؛ أي: لا يُمكنُهم الاختفاءُ عن اللَّه تعالى، فإنَّه مطَّلعٌ على سرائرهم. وقال ابن عبَّاس رضي اللَّه تعالى عنهما: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾ أي: يستحيون، كنى به عنه؛ لأَنَّه من أسبابه (٣). وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾؛ أي: يدبِّرون بالليل، وقوله تعالى: ﴿مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: مِن تبرئة طُعمة، واتِّهامِ اليهوديِّ البريء، واستزلال النبيِّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾؛ أي: عالمًا بكلِّ وجوهِه. * * *

стр. 2347

(١٠٩) - ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ "ها" تنبيهٌ، و ﴿وأَنتُمْ﴾ خطابٌ لرهطِ طُعمة، و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ بمعنى: يا هؤلاء، وقيل: بمعنى: الذين. وقوله تعالى: ﴿جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾؛ أي: خاصمتُم عن الخائنين، ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي، ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ عطفٌ على "من" (١) وظاهرُه استفهامٌ، و ﴿وَكِيلًا﴾؛ أي: حافظًا؛ كالموكَّل على الشيء يَحفظُهُ. * * * (١١٠) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: ما يسوءُ غيرَهُ مِن سرقةٍ وخيانةٍ (٢) وتهمةٍ بباطلٍ، ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ أي (٣): يَعملْ ما يَضُرُّ به نفسَه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ جزمٌ؛ لأنَّه عطفٌ على: "مَنْ يَعمَل". وقوله تعالى: ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ جزمٌ؛ لأنَّه جزاءُ الشَّرط، دعاهم إلى التَّوبة والاستغفارِ ليغفرَ لهم ما كان مِنهم مِن الأوزار. وقيل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: ما تَسوءُ عاقبتُه، ﴿أَوْ يَظْلِمْ﴾ ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو، ويَظْلِمْ بذلك نَفْسَهُ.

стр. 2348

وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: السُّوء هاهنا: السَّرقةُ، والظُّلم: الشِّركُ. وقيل على عكسِه. وقيل: الآيةُ عامَّةٌ في كلِّ الذُّنوب، وهي أرجى آيةٍ في القرآن، والاستغفارُ هو سؤالُ المغفرة مع النَّدمِ على المعصية. * * * (١١١) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾؛ أي: مَن فعلَ ما يَأثمُ به؛ فهو على نفسِه، لا يُعاقَب به غيرُه، وإن أراد تحميلَه غيرَه كما (١) أرادهُ طعمةُ وقومه، ولا يَخفى ذلك على اللَّه تعالى؛ لأنَّه عليمٌ، وهو حكيمٌ لا يَضعُ الشَّيءَ غير موضعِه، ولا يُعاقِب بالذَّنبِ غيرَ فاعلِه. * * * (١١٢) - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾؛ أي: بغير عمدٍ، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ أي (٢): بعمدٍ. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾؛ أي: يتَّهم بالإثم مَن كان بريئًا عنه، و ﴿يَرْمِ﴾ جزم؛ لأنَّه (٣) معطوفٌ على ﴿يَكْسِبْ﴾، وذاك جُزِم بالشَّرط؛ وهو كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤].

стр. 2349

وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾؛ أي: كَذِبًا محيِّرًا (١) مَنْ كَذبَ عليه، لغايةِ استحالته. وقوله تعالى: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؛ أي: وِزْرًا (٢) ظاهرًا؛ أي: يُظهِرُهُ اللَّهُ تعالى، فيُعرَفُ بالبُهتان في الدُّنيا، ويعاقَبُ بإثمه في العُقبى. وقال الكلبيُّ: ولمَّا نزل: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨] عَرَفَ قومُ طعمة أنَّه الظَّالم، فقالوا له: بؤ بالذَّنبِ، واتَّق (٣) اللَّه، فقال: لا واللَّه الذي يُحلَف به، ما سرقَها إلَّا اليهوديُّ، فأنزلَ اللَّه ﷻ : ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ يمينًا كاذبةً، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ سرقة الدِّرعِ، ورميَ اليهوديِّ به (٤)، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ كذبًا على غيرِه بما لم يفعل، ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ ذنبًا بيِّنًا بينه وبين ربِّه. ثمَّ قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ إنَّما قال: ﴿بِهِ﴾ ولم يقل: بهما، مع سبق ذِكْرِ اثنين؛ لأنَّه صرفَهُ إلى أحدِهما، وهو أقربُهما إليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، لم يَصرِفْهُ إلى أقربِهما؛ لأنَّ التجارةَ هي المقصودةُ، واللَّهوُ بسببها، فكان صرفُه (٥) إلى المقصودِ أولى، وفي الآيتين اللَّتين (٦) قبلَهما كلُّ واحدٍ منهما في المراد مثلُ الآخر، وأحدُهما أقربُ، فكان (٧) أولى.

стр. 2350

(١١٣) - ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾؛ أي: ولولا توفيقُ اللَّهِ وعصمتُه لك يا محمَّد. وقوله تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾؛ أي (١): لقَصَدت جماعةٌ مِن قوم طُعمةَ أن يزلوك (٢) بتبرئة (٣) طُعمةَ وقطعِ اليهوديِّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: وما يكون وبالُ ذلك إلَّا عليهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: شيئًا، و ﴿وَمِنْ﴾ للتأكيد. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾؛ أي: القرآنَ وبيانَ القرآنِ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾؛ أي: مِن أمورِ الدِّين، وقيل: مِن أنباءِ الأوَّلين. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾؛ أي: مِن وقتِ خلقك إلى الآن بكلِّ شيء، فلم يكن ليترُكَ عصمتَك عن إزلالِ المنافقين، مع ما لهُ عليكَ مِن الفضلِ المبين. * * *

стр. 2351

(١١٤) - ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ النَّجوى: الاسمُ مِن المناجاةِ؛ وهي المسارَّة، ولمَّا بيَّت طائفةٌ مِن قومِ طُعمة ما لا يَرضى (١) مِن القول، أخبرَ اللَّهُ أنَّه لا خيرَ في مثل تلك المسارَّة (٢) ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾. قيل: النَّجوى هاهنا: اسمُ المتناجين؛ كما في قوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧]، و ﴿إِلَّا مَنْ﴾ استثناءُ بعضِهم، ومحلُّه خفضٌ، كقولِك: لا خيرَ في قومٍ (٣) إلَّا نفرٌ منهم. وقيل: النَّجوى: المناجاة، وفيه إضمارٌ، وتقديره: إلَّا نجوى مَن أمرَ بصدقةٍ. وقيل: الاستثناءُ منقطعٌ بمعنى: لكن؛ أي: لكن مَن فعلَ كذا، ومحلُّه رفعٌ بـ: لكن الخفيفة، وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ (٤)؛ يعني: بتَصَدُّقٍ (٥) بمالٍ على محتاج. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ قيل: أي: قرضٍ، وقيل: أي: قولٍ حسن. وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ أي: عند فسادٍ وقعَ بينهم، قال النبيُّ ﷺ لأبي أيوب الأنصاري: "ألَا أدلُّك على صدقةٍ هي خير لك من حُمْرِ النَّعم: تُصلِحُ بين الناس إذا تَفاسدوا، وتقرب بينهم إذا تباعدوا" (٦).

стр. 2352

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ﴾؛ أي: شيئًا من هذه الثَّلاثة، وقيل: أي: التَّناجي في شيءٍ منها، ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: لطلبِ رضا اللَّه. وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هذا ظاهرٌ، وقد مرَّ تفسيرُه (١). * * * (١١٥) - ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾؛ أي: ومن يُعادِهِ ويخالفهُ، ويكونُ في شِقٍّ (٢) غير شقِّه. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾؛ أي: ظهرَ له الرُّشدُ فأسلمَ. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: يَكفُرْ، ويَسلُك غيرَ سبيل المؤمنين، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾؛ أي: نَكِلْهُ إلى ما اختارَهُ مِن الكفر. وقوله تعالى: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ هذا ظاهرٌ، وهذا في شأن طُعمةَ؛ ارتدَّ وهلكَ في الكُفر، وقد روينا ذلك من وجوهٍ في أوَّلِ هذه القِصَّة، ثمَّ إنَّ الآيةَ بصيغتِها عامَّةٌ في حقِّ مَن اتَّصف بهذه الصِّفات، وفيها دليلٌ على أنَّ الإجماع حُجَّةٌ، ومُتَّبعُ غيرِ سبيلِ المؤمنين ضالٌّ. * * *

стр. 2353

(١١٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فسَّرناهُ في هذه السُّورةِ مرَّةً (١). واتِّصالها بقصَّة طُعمةَ أنَّه أشركَ بعد الإيمان، وليس للمشركِ غفران. وقال مقاتل: فخرج طعمة من مكَّة، ولحق بحرَّةِ بني سُلَيم، فعبدَ صنمَهم حتَّى ماتَ على الشِّركِ، فنزلَ فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)، فبيَّن أنَّ طُعمةَ لو لم (٣) يُشرِك، لكان في سَعَةِ رحمةِ اللَّه أن يَغفِر له. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي: تَناهى تماديهِ في الضَّلال؛ إذ لا جهلَ أفحشُ مِن الجهلِ باللَّه (٤). * * * (١١٧) - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ أي: ما يَعبدون من دون اللَّه إلَّا أوثانًا، وهذا تعجيبٌ مِن بعضِ جهالات أهل الشِّرك، والدُّعاء: (٥) العبادة؛ لأنَّ من عبدَ شيئًا دعاهُ لحوائجِه ومصالحِه، يقول: إنَّهم مع إقرارهم بأنَّ اللَّهَ ﷻ خالقُهم

стр. 2354

ورازقُهم، يَعبدون معه أوثانًا يسمُّونها إناثًا؛ كاللَّات والعُزَّى ومَناة، وعَبَدَ بعضُهم الملائكةَ، وهم قالوا: هم بناتُ اللَّه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ [النحل: ٥٧]، مع اعترافِهم أنَّ إناثَ كلِّ جنسٍ أَخَسُّهُ وأَرذلُهُ، وتقديره: إلَّا إناثًا على زعمهم؛ كما قال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت: ٤٧]؛ أي: على زعمِكم، وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ (١) [طه: ٩٧]؛ أي: على زعمِك. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: وما يعبدون إلَّا شيطانًا (٢) عاتيًا خبيثًا، خارجًا عن طاعة اللَّه، ظاهرًا شرُّه، كالغلام الأمردِ؛ ظهرَ ذقنه، والشجرةِ المرداء؛ سقطت أوراقُها فظهرت عيدانُها. وعبادتهم الشَّيطان أنَّ بعضهم كانوا يَعبدون الجنَّ؛ وهم من الشَّياطين، ولأنَّهم عبدوا الأوثانَ طاعةً للشيطان، فأُضِيفت العبادةُ إليه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ [مريم: ٤٤]؛ أي: لا تَعبدِ الصَّنمَ (٣) بدعاءِ الشَّيطان، فقد قال قبله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وهو الصَّنم، ولأنَّ الشَّيطانَ كان يَدخلُ في الصَّنمِ ويكلِّمُهم، وهم يَعبدون الصَّنم، وفيه الشيطان، فكان ذلك عبادةً للشَّيطان، ولانهم أطاعوه في كلِّ ما سوَّل لهم، فكأنَّهم أنزلوهُ منزلةَ المعبودِ، وهو كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١]؛ لإنزالهم إيَّاهم منزلةَ الربِّ فيما شرعوا لهم.

стр. 2355

(١١٨) - ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طردَهُ (١) وأبعدَه مِن رحمتِه. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أي: لأجتهدنَّ في إضلالِ عبادِك حتَّى يصيرَ لي (٢) سهمٌ مقدَّرٌ (٣) معلومٌ، وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى كان (٤) قال له: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ﴾ [ص: ٨٥]. قال الحسنُ والكلبيُّ: مِن كلِّ ألفٍ تسعُ مئة وتسعة وتسعون للنَّار (٥)، وهم أتباعُه، وذلك قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]. * * * (١١٩) - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: لأصرِفَنَّهم من الهُدى إلى الضَّلال بالدُّعاء والتزيين والاستزلال، قال تعالى خبرًا عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾؛ أي: ولأُلقِيَنَّ في قلوبِهم الأمانيَّ، قال تعالى: ﴿فَزَيَّنَ

стр. 2356

لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (١) [النحل: ٦٣]، وقال خبرًا عن أمانيهم: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية [فصلت: ٥٠]، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية (٢) [الكهف: ٣٦]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ الآية [البقرة: ١١١]، ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. وقيل: معناهُ: لأشغلنَّهم بالأمانيِّ عن الإيمانِ والطَّاعات. وقيل: يُمَنِّيهم طولَ البقاءِ في الدُّنيا؛ ليؤثروها على الآخرةِ. وقيل: يُمَنِّمِهم على اللَّه (٣) مع كفرِهم باللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ والبتْكُ: القطعُ، من باب: دخل، والتَّبتيكُ: للتَّكْثير والتكرير (٤)، و ﴿الْأَنْعَامِ﴾: الإبلُ والبقرُ والغنم؛ أي: لأحملنَّهم على أنْ يَقطعوا آذانَ هذه الأشياء ويحرِّموها على أنفسِهم بجعلِها للأصنام، وتسميتِها بحيرةً وسائبةً ووصيلةً وحاميًا، ونفسِّرها (٥) في تلك الآية إن شاء اللَّهُ تعالى (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾؛ أي: لَأُزَيِّنَنَّ لهم تغييرَ دينِ اللَّه تعالى الذي فطرَ النَّاسَ عليه، قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] [الروم: ٣٠].

стр. 2357

وقيل: أي: فليغيِّرُنَّ الأشياءَ عمَّا خُلِقت له، فيَجعلون للحجارةِ والخشبِ والطِّين منازلَ مَن يستحقُّ العبادةَ، واللَّهُ تعالى لم يَخلقها لهذا، ويُحرِّمون الأنعامَ والحرثَ، فلا يأكلونَها، ولا يَنتفعون بها، وإنَّما خَلقَها اللَّهُ تعالى للمنافع. وقال أنسٌ والحسنُ وإبراهيمُ وعكرمةُ: هو الخِصاء (١). وقال ابنُ مسعود ﵁: لعن اللَّه الواشِراتِ -أي: محدِّدات الأسنان-، والواشماتِ -أي: على ظهور الأكفِّ-، والمتنمِّصاتِ -أي: ناتفات شعور الجبين-، والمتفلِّجاتِ للحُسن (٢)، المغيراتِ لخلق اللَّه (٣). وقيل: هو نتف الشيب. وقيل: هو نتف اللِّحية. وقيل: هو التَّخنُّثُ؛ وهو قول عبد الرحمن بن زيد. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يتولَّى مصالحَه، ويَكفيه مُهِمَّهُ، حتَّى انقادَ لأمرِه، وأطاعَه، وحرَّمَ ما أحلَّهُ اللَّه بقوله (٤). وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾؛ أي: في الدُّنيا والآخرةِ؛ بفوت الطيِّبات، والوقوع في العقوبات. * * *

стр. 2358

(١٢٠) - ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾؛ أي: يعدهُم البقاءَ في الدُّنيا، ويُمَنِّيهم ذلك بالوسوسة. وقيل: يعدهم الفقر. وقيل: هو قوله: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، كما مر في قصَّةِ بدر. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾؛ أي: خداعًا. * * * (١٢١) - ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: هؤلاء الذين اتَّبعوه مصيرُهُم (١) النَّار، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾؛ أي: معدلًا. * * * (١٢٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولم يتَّبعوا الشيطانَ في الأمرِ بالكفر والمعاصي. وقوله تعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ مرَّ تفسيرُها مرَّات. وقوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ أي: صدقًا، لا كوعد الشيطان.

стр. 2359

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾؛ أي: قولًا، استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا أصدقَ مِن اللَّه قولًا. * * * (١٢٣) - ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾؛ أي: ليس الأمرُ على شهواتِكم وأمانيَكم أيُّها المشركون، تقولون في آلهتكم: هم (١) شفعاؤنا عندَ اللَّه، ولا على شهواتِ اليهودِ والنَّصارى (٢)؛ يقولون: نحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه، ولن تمسَّنا النَّارُ إلَّا أيَّامًا معدودات. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ أي: مِن المشركين وأهلِ الكتاب وغيرِهم. وقال الحسنُ البصريُّ ﵀: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أي: شركًا، بدليل أنَّه قال: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (٣)، وهذا وعيد الكفَّار؛ ولأنَّه قال بعدَه (٤): ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. والصَّحيحُ أنَّه مطلقٌ في حَقِّ كلِّ سوءٍ مِن مؤمنٍ أو كافر، بدليل ما رُوِيَ أنَّه لمَّا

стр. 2360

نزلت هذه الآيةُ بكى أبو بكرٍ الصِّديق ﵁، وقال: كيف الفلاحُ (١) بعد هذه الآيةِ يا رسولَ اللَّه وهي قاصمةُ الظَّهر؟ كلُّ شيءٍ عملناهُ جُزينا به؟ فقال ﷺ : "غفرَ اللَّه تعالى لك يا أبا بكر، ألستَ تمرضُ؟ ألستَ تحزنُ؟ ألستَ تصيبك الأدواء (٢)؟ " قال: بلى، قال: "ذاك ما تجزون به" (٣). وفي روايةٍ قال له: "أمَّا أنت وأصحابُك المؤمنون؛ فتُجزونَ بذلك في الدُّنيا حتَّى تَلْقَوا اللَّهَ تعالى ولا ذنبَ لكم، وأمَّا الآخرون؛ فيَجمعُ اللَّهُ ذلك لهم، ويُجزَونَ به يوم القيامة" (٤). فأمَّا قوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ في حقِّ الكافرِ على الإطلاق؛ أنَّه لا يجدُ مَن يَتولَّى حفظَه عن العذاب أصلًا، ولا مَن يَنصرُه فيُعينه، أو يمنعُه عمَّا يُرَادُ به من العقاب فعلًا، وفي حقِّ المؤمن أنَّ العاصيَ الذي يُعذِّبُه اللَّهُ مدَّةً، ثمَّ يُخرِجُه مِن النَّار، ويدخِلُهُ الجنَّة؛ ليس له وليٌّ ولا نصيرٌ يَدفع عنه هذا العذابَ المؤقَّتَ. * * * (١٢٤) - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ

стр. 2361

يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ كلمة "مَنْ" للجنس، وتَصلحُ للواحد؛ فلذلك قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ﴾، ويصلح للجمع، ولذلك قال: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ صرفًا إلى المعنى. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ فسَّرناه مرَّةً في هذه السُّورة (١). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾: مَنْ زرعَ الحنظلَ، لم يَجْتنِ العبهر (٢)، ومن شارَ (٣) السُّمَّ الزعاف (٤)، لم يَجِد طعمَ العسل، كذا من ضَيَّع حقَّ الخدمة، لم يستمكن (٥) على بساطِ القُربة، ومن وُسِمَ بالشِّقوةِ، لم يُرزقِ الصَّفوة، ومن نَفتهُ القضيَّةُ، فلا ناصرَ له من البريَّة. وقال في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾: ومن تَعنَّى في خِدمتِنا، لم يبقَ ضائعًا عن نيلِ نعمتِنا، ومن عنَّيناهُ في طلبِنا، أكرمناهُ بوجودنا، بل مَن جرَّعناهُ كأسَ (٦) اشتياقِنا، نوَّلناهُ أنسَ لقائِنا (٧). * * * (١٢٥) - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.

стр. 2362

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ استفهامٌ بمعنى الجَحد، ولما نزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]؛ قالت اليهودُ والنَّصارى: لقد استوينا كلُّنا، فنزلَت هذه الآيةُ في إبطالِ دينِهم وتفضيلِ دين الإسلام (١). وقوله: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلصَ دينَه للَّه. وقيل: أي: عملَه. وقيل: أي: سلَّمَ نفسَه. والوجهُ أشرفُ أعضاءِ الإنسان (٢)؛ فخُصَّ بالذِّكر، ولأنَّ الانقيادَ يَظهرُ في الوجه، وكذلك قولُه تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ قيل: الأول في الاعتقاد، وهذا في العمل. وقيل: الإحسان ما قال النبيُّ ﷺ : "هو أن تعبدَ اللَّه كأنَّك تراه، فإنَّك إن لم تكن تراه فإنَّه يراك" (٣). وقيل: أي: أسلمَ وجهَه وهو محسِنٌ في حقِّ عبادِ اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ خصَّه بالذِّكر؛ إذ هو أجلُّ الأنبياء المفتَخرِ بهم لأهل الكتاب، ثمَّ هم (٤) خالفوهُ في دينِه، فأبطَلوا فضائلَهم، وهو أيضًا

стр. 2363

للعرب بهذا المحلِّ؛ إذ هو أبو إسماعيل، الذي هو أبو العرب، وهم قد خالفوهُ، فأبطلوا فضائلهم. وقوله: ﴿حَنِيفًا﴾ أي: مستقيمًا على منهاجِه في الخِتان، والحجِّ، والجهادِ، ومحاجَّةِ الأعداء، وإقامة الشَّرائع. وقال الإمام القشيريُّ رحمه اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾؛ أي: لا أحدَ (١) أحسنُ دينًا ممَّن أسلمَ وجهَه للَّه تعالى؛ يعني: أفردَ قصدَه إلى اللَّه تعالى، وأخلصَ عقدَه للَّه عمَّا سوى اللَّه، ثمَّ استسلمَ في عمومِ أحواله للَّه باللَّه، ولم (٢) يدَّخر شيئًا عن اللَّه، لا مِنْ مالِه، ولا مِنْ جسدِه، ولا مِنْ روحِه، ولا مِنْ خلده (٣)، ولا مِنْ أهله، ولا مِنْ ولدِه، وكذلك كان الخليلُ صلواتُ اللَّه عليه (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أثنى عليه بذلك، وهو أنَّه جعله مختصًّا بالانقطاع إليه؛ بصبرِه وتَحمُّلِ المكارهِ في إقامة دينِه، حتَّى هجرَ أهلَه وولدَهُ، وفارقَ وطنَه وبلده، وبذلَ نفسَه ومالَه وولدَه. قال أبو العبَّاس المبرد: اختلَّ فلانٌ بالرُّمح قلبَ فلانٍ؛ أي: اختصَّه، وخلَّلَ العطاءَ في بني فلان؛ أي: خصَّهم به. وقيل: الخُلَّةُ: المودَّة التي توجِب الاختصاصَ بتخلُّل الأسرار. وقيل: هي من الخَلَّة، التي هي الحاجة، قال زهيرٌ:

стр. 2364

وإن أتاه خليلٌ يومَ مَسْغَبةٍ... يَقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ (١) فإبراهيمُ خليلُ اللَّه؛ أي: المحتاجُ إليه، المنقطعُ إليه بحاجتِه وإظهارِ فاقتِه. وروى جابرُ بنُ عبدِ اللَّه الأنصاريُّ عن النبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "اتَّخذ اللَّه إبراهيم خليلًا؛ لإطعامِه الطَّعامَ، وإفشائِه السَّلام، وصلاتِه باللَّيل والنَّاسُ نيام" (٢). وروى أبو أمامة الباهليُّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أتدرون لِمَ اتَّخذ اللَّه إبراهيمَ خليلًا؟ " قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلم، قال: "كان إذا ذَكرَ اللَّه بطريقِ الحَلِف لم يَحنث" (٣). وقال عبيد (٤) بن عمير: كان إبراهيمُ ﵇ يضيفُ النَّاس، فخرجَ يومًا يَلتمِسُ ضيفًا، فلم يجد، فرجعَ إلى دارِه، فوجدَ فيها رجلًا قائمًا، فقال: يا عبدَ اللَّه، مَن أدخلك داري بغير إذني؟ فقال: دخلتُها بإذنِ ربِّها، فقال: من أنت؟ قال: أنا مَلَك الموت، فقال: بمَ جئتني؟ قابضًا أم زائرًا؟ قال: لا، بل أرسلني ربِّي إلى عبدٍ مِن عبادِه أبشِّرهُ بأنَّ اللَّهَ قد اتَّخذه خليلًا، قال: من هو؛ فواللَّه لئن أخبرتَني به، ثمَّ كان بأقصى البلادِ لآتيَنَّه، ثمَّ لا أبرحُ له خادمًا حتَّى يُفرِّق بيننا الموتُ، قال: ذلك العبدُ هو أنت، قال: أنا؟! قال: نعم، قال: فبِمَ اتَّخذني ربِّي خليلًا؟ قال: لأنَّك تُعطي النَّاسَ ولا تَسألُهم (٥). وقال محمَّدُ بنُ المنكدر: كان إبراهيمُ ﵊ مِن أغْيَرِ النَّاس، فكان لا يَدخُلُ دارَه أحدٌ، فبينا هو يومًا في دارِه إذ دخلَ عليه كهيئةِ الإنسان (٦)، فقال

стр. 2365

له إبراهيم: من أدخلَكَ داري؟ قال: أدخلَني ربُّها، قال: ولَها (١) ربٌّ غيري؟ قال: نعم، فعرفَ إبراهيمُ أنَّه مَلكُ الموت، فقال له: يا إبراهيم؛ إنَّ ربِّي أرسلَني إليك، ويقول: إنَّ الخليلَ يُحِبُّ أنْ يَلقى خليلَه، وأمرَني أن أقبضَ روحَك بأيسرِ ما قبضتُ به روحَ مؤمنٍ، قال: فإنِّي أسألُك بالذي أرسلك أن تراجعه (٢)، فصعد فقال: يا رب؛ إنَّ خليلَك سألَني أنْ أُراجِعَك فيه، قال: فائته وقل له: وهل يكرهُ الخليلُ لقاءَ خليلِه؟! فعاد وقال له ذلك، فقال: امضِ لما أُمِرت به، قال: يا إبراهيم؛ أشربتَ الخمر؟ قال: ما شربتُها قط، قال له: فاستنكه (٣)، فقبض نفسه على ذلك (٤). وقال الكلبيُّ ﵀: بعث إبراهيمُ ﵇ غلمانَهُ إلى خليلٍ له بمصرَ، يَمتارون له سنةَ الجدب، فقال خليلُه: لو كان إبراهيمُ إنما يريدُه لنفسِه، احتملنا ذلك، لكنَّه يريدُهُ للنَّاس، وقد دخلَ علينا ما دخلَ على النَّاس، فرَجعوا، ومرُّوا ببطحاء، وحملوا من رملِها؛ ليُروا النَّاس أنهم جاؤوا بشيء، ثمَّ قدِموا وإبراهيمُ نائمٌ، وحطُّوا الأحمالَ، وفتحتها سارة، فإذا هو أجودُ حُوَّارَى، فخبَزَت وأطعمَتِ النَّاسَ، وانتبهَ إبراهيمُ فوجدَ ريحَ الطَّعام، فقال: من أين هذا الطعام؟ فقالت: من عند خليلِك المصريِّ، فقال: هو من عند اللَّه، فاتخذه اللَّه خليلًا لذلك (٥).

стр. 2366

وقيل: لمَّا أُلقيَ في النَّار قال له جبريل ﵇: هل لك مِن حاجةٍ؟ قال (١): أمَّا إليك فلا، حسبي اللَّه ونعم الوكيل، فاتَّخذَهُ اللَّهُ خليلًا لذلك (٢). وقيل: لمَّا أُمِر بذبحِ الولد (٣)؛ قال: مَن لي بخليلٍ بعده؛ فقال اللَّهُ تعالى: أنا خليلُك، فاتَّخذَهُ اللَّه خليلًا (٤). وقال بكرُ بنُ عبدِ اللَّه المزنيُّ: كان إبراهيم ﵇ يربِّي يتيمًا سيِّئ الخلق، ويُكابِدُ فيه (٥) الشِّدَّةَ، فماتَ اليتيمُ، فأكثَرَ الجزعَ عليه، وقال: كنت أحتسِبُ الأجرَ في سوءِ خلقِه، فسمَّاه اللَّه لذلك خليلًا. وقال شهرُ بن حوشب: قال اللَّهُ تعالى للملائكة: إنَّ لي في الأرضِ عبدًا اسمُه إبراهيم، وإنِّي أريدُ أنْ أتَّخذَهُ خليلًا، فقالوا: نحن نسبِّحُ بحمدِك ونقدِّسُ لك، فلا تتَّخذُنا خليلًا، وتَتَّخِذُهُ خليلًا! قال: فاختاروا منكم مَلَكًا، فاختاروا، فقال اللَّهُ تعالى له: اهبط إلى الأرضِ، واذكرني بين يدي (٦) عبدي إبراهيم، فهبطَ في صورة مَلك، ومثلَ بين يديه، وقال: اللَّه، بصوتٍ رخيمٍ شجيٍّ، فقال إبراهيم: اذكرهُ مرَّةً أخرى، قال: لا أذكر مجَّانًا، قال: لك مالي كلُّه، فقال بصوتٍ أشجى منه: اللَّه، فقال إبراهيم: اذكرهُ مرَّةً ثالثةً ولك أولادي (٧)، فقال له الملكُ: أبشِر، فإنِّي ملَكٌ، لا أحتاجُ إلى

стр. 2367

مالِكَ وولدِكَ، وعرجَ إلى السَّماء، فقالوا: حقٌّ له أن يتَّخذهُ خليلًا (١)، ونزلَ جبريلُ ﵇ بالبشارة، فقال: وما أمارةُ ذلك؟ قال: أنَّ اللَّه يُحيي الموتى بدعائِك، فعند ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] على الخلَّةِ، لا شكًّا في قدرةِ اللَّه تعالى. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: إنَّ اللَّه تعالى جرَّدَ الحديثَ عن كلِّ سعيٍ وكدٍّ وطلبٍ وجهد، حين قال: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، فعُلِمَ أنَّ الخُلَّة كسوةٌ يَكسوها الحقُّ، لا صفةٌ يَكتسِبُها العبد (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: نحن نعلمُ أنَّ اللَّهَ تعالى لا يُسمِّيه بالذي ذُكِرَ عبثًا باطلًا، لكن سمَّاهُ به تعظيمًا لقدره، وإظهارًا لكرامتِه، وبيانًا لمنزلتِه عندَهُ بما شاءَ مِن الوجوه التي لعلَّها لم يُطلِعِ اللَّهُ (٣) عليها الخلقَ، ولا يَحتمِلُ أنْ يُدركَ ذلك إلَّا بالوحي، فحقٌّ علينا تعظيمُه ومعرفتُه بالذي اختصَّهُ به، دون تكلُّفِ المعنى الذي كان له ذلك، مع ما لا وجهَ ولا معنى صار به حقيقَ ذلك وأُكْرِمَ به، إلا لمعنًى أكرمَهُ اللَّهُ تعالى به، وللَّه أنْ يَبتدِئه بالخلَّة، ثمَّ يُكرِمَهُ بأنواع الكرامات التي هي آثارُ الخلَّة، وأن يكرِمَهُ بأنواع الكرامات التي بها تقعُ كرامةُ الخلَّةِ، وللَّه تعالى المنُّ في ذلك والفضلُ، وعلينا الحمدُ للَّه والشُّكرُ بما أكرمَنا مِن معرفةِ كرام خلقِه، وجعل في قلوبِنا مودَّتَهم، حتَّى صاروا أحبَّ (٤) إلينا من أمسِّ الخلقِ بنا، بل مِن أنفُسِنا. ثمَّ ليس للنَّصارى دعوةُ البنوَّة للَّه تعالى من حيث الكرامة على الاعتبار

стр. 2368

بالخلة؛ لأنَّه تعالى عظَّمَ أمرَ الأولادِ حتَّى جعلَهُ كالشِّركِ، ولا كذلك أمرُ الخلَّةِ، ولأنَّ أمرَ الأولادِ حقُّه المجانسةُ، والخُلَّةُ حقُّها الموافقة، ثمَّ أصلُ الأولادِ الشَّهوةُ والحاجةُ، والخُلَّةُ أصلُها الخضوعُ والطَّاعة، ولأنَّ الخُلَّةَ قريبةٌ مِن المحبَّة، والمعنى الذي يقتضي ذلك قد يكون بفعلِ العبد، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، ومحالٌ أن يجيء معنى البنوَّة والولادة بشيءٍ مِن الطَّاعة، فلذلك اختلفَ الأمران (١). * * * (١٢٦) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: مُلكًا، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾؛ أي: عِلمًا، بيَّن أنَّه وإنْ رفعَ منزلتَهُ، وأعلى درجتَهُ، فهو عبده، ويحيطُ بكلِّ مِن (٢) موافقِيه ومخالفيه علمُه. * * * (١٢٧) - ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ ومن الإحسان المجاملةُ في حقِّ اليتامى والنِّسوان.

стр. 2369

نزلت الآية في شأن بنتِ محمَّد بن مَسْلَمة، قاتلِ كعب بن الأشرف، واسمُها خويلة -وقيل: عميرة- وزوجها رافع بن خديج، كان له منها أولاد، وقد كَبِرتْ وأيسَت من الحيض، فأرادَ أنْ يُطلِّقَها ويتزوَّجَ غيرها، فقالت: لا تُطلِّقني، ودعني أقومُ على ولدي، وتَزوَّج مَن شئتَ، واجعَلْ قسمي كلَّ عشرة أيَّام، أو ما شئتَ، فقال رافع: إن كان هذا يَصلُحُ فهو أحبُّ إلي، فجاء إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، وذكرَ له ذلك، فقال ﷺ : "لقد سمعَ اللَّهُ ما تقول، فإنْ شاءَ أجابَك"، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ (١)، وهذا مختصرٌ، وظهرَ بالجواب أنَّ الاستفتاء عمَّاذا كان؟ وتقديرُه: ويسألونك في النساء (٢)؛ ما الواجبُ لهنَّ وعليهنَّ؟ وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾؛ أي: يجيبكم عن (٣) سؤالكم (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ مِنهم مَن جعلَهُ عطفًا على ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أي: ويفتيكم فيما يتلى عليكم، لكن قال المحققون من أهل النَّحو: إنَّ عطفَ الظَّاهرِ على المكنيِّ المخفوضِ غيرُ جيِّد إلَّا بإعادةِ الخافض (٥).

стр. 2370

والصَّحيحُ أنَّه مرفوعٌ معطوفٌ على قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أي: اللَّهُ يفتيكم، والكتابُ المتلوُّ عليكم يُفتيكم؛ أي: يُبيِّنُ (١) لكم، وهو كقولك: بيَّن اللَّهُ لنا كذا، وبيَّن القرآنُ كذا، على معنى أنَّ البيانَ فيه، وعلى هذا قولُه: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ [الروم: ٣٥]، يريدُ به أنَّ اللَّهَ تعالى (٢) يجيبُكم في أمر النِّساء، والذي يُتلى عليكم (٣) في الكتاب يُبيِّن لكم جوابَ سؤالٍ آخر، وهو نكاحُ اليتيمات. ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ هو ما ذُكر في أوَّلِ هذه (٤) السُّورة، وكانت بناتٌ استُشْهِدَ آباؤهنَّ، ولهنَّ أموالٌ، وأولياءُ لا غِنى لهم، فسألوا: أيجوزُ لنا أنْ نتزوجهنَّ مع قلَّةِ أموالِنا، فأجيبوا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾؛ أي: غيرَهن، فأعادوا السُّؤال بناءً على أنَّ لهم حقَّ التَّربية، فعسى أن (٥) يُطلَق لهم ذلك (٦)، فأُجيبوا هاهنا أنَّ الجوابَ ما مرَّ في تلك (٧) الآية. وقوله تعالى: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾؛ اي: اليتيماتِ مِن النِّساء، واليَتامى يَصلحُ للذُّكور والإناث جميعًا. وقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾؛ أي: لا تُعطونهنَّ ما فُرِضَ لهنَّ من المهورِ؛ لعدم المال لكم. وقوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ أي: تُحِبُّونَ نكاحهنَّ، وتَرغبون في ذلك.

стр. 2371

وقيل: أي: لا تفرضونَ لهنَّ صداقَ أمثالِهنَّ، بل تحطُّون عن ذلك ظلمًا. وقيل: أي: لا تُعطونهنَّ ميراثهنَّ، فتَظلمون مِن هذا الوجه، وتظلمونهنَّ أيضًا بنكاحهنَّ بما دون مهورهنَّ. وقيل: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ أي: عن أن تنكحوهنَّ (١)، ولعدمِ الرغبةِ فيهنَّ لا تنكحونهنَّ، ولرغبتكم في أموالهن تَعضلونهنَّ؛ لتَرثوهنَّ إذا متنَ. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: وما يُتلَى عليكم في أوَّل السُّورة يُفتيكُم في هؤلاء أيضًا، وهو قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]، ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ (٢) [النساء: ٩]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (٣) [النساء: ١٠]، ونظائرها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ ﴿وَمَا﴾ شرطٌ، ولذلك جزم فحذفت النُّون، وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾؛ أي: مِن اتِّباعِ أمرٍ، واجتنابِ نهيٍ، فقد سبقَ علمُ اللَّه بكونه منكم، وهو جازيكم عليه. * * * (١٢٨) - ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.

стр. 2372

وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ (١) هو جوابُ سؤالهم عن أمورِ النِّساء، وتحقيقُ وعدِه: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾، وهو في خويلةَ (٢) بنتِ محمَّدِ بن مسلمة وقوله: ﴿خَافَتْ﴾؛ أي: علمت ﴿مِنْ بَعْلِهَا﴾؛ أي (٣): زوجِها. وقوله تعالى: ﴿نُشُوزًا﴾؛ أي: ترفُّعًا وكراهةَ صحبةٍ (٤). وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي: تولِّيًا بوجهِه. وقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ على أن تكونَ القديمةُ هي القيِّمةَ في البيت، وفي يدها الرَّفعُ والوضع، والقَسْمُ للحديثة، فيكون للشَّابَّةِ لذَّةُ الصُّحبَة، وللعجوزِ مراعاةُ الحرمة. وإنَّما نفى الجُناح عنهما؛ لأنَّها أسقطَتْ حقَّ نفسِها، والزَّوجُ فعلَ ذلك برضاها، وهما يملكان التَّصرُّفَ في حقوقهما، وهو بخلاف الزِّنى والرِّبا؛ لأنَّهما (٥) لا يَحِلَّان برضا الفاعلين والعاقدين؛ لأنَّ هذه الحرمةَ حقُّ اللَّه تعالى، وهما لا يملكان إسقاطَها. وقرأ أهلُ المدينة وابنُ كثير وابنُ عامر (٦) وأبو عمرو: ﴿أنْ يَصَّالحا﴾ بتشديدِ الصَّاد وزيادةِ الألف، وأصلُه: يَتصالحا، فأُدغِمَت التَّاءُ في الصَّاد، وقرأ الباقون: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾ بضمِّ الياء وتخفيف الصَّادِ وكسر اللام (٧)، مِن الإصلاح.

стр. 2373

و ﴿صُلْحًا﴾ نصبَ على وجهِ المصدر، وليس على بناءِ الفعل، لكن على اعتبارِ الأصْل، وقد أوضحناهُ في قوله تعالى: ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾؛ أي: الصُّلحُ منهما على هذا الوجهِ أحسنُ من الدَّوامِ على المخالفةِ والنُّشوزِ والإعراض؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى الفِراق. وقال عبدُ الرَّحمن بن أبي الزناد: نزلَت في سَوْدَةَ بنتِ زَمعة، وكانت مُسِنَّةً، فكَرِهَتْ أن يُفارِقَها النبيُّ ﷺ ، وضنَّت بمكانِها منه، وعرفَتْ حبَّهُ لعائشةَ رضي اللَّه تعالى عنها، ومنزلتَها منه، فوهَبَت يومها لعائشة، وقبِلَ ذلك رسولُ اللَّه ﷺ (٢). وقولُه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ أي: وطُبِعت الأنفسُ على الشُّحِّ، وهو البخلُ وصر فُه مِن حدِّ: ضربَ، والنَّعتُ: الشَّحيح، وجمعُه: الأشحَّة، وإحضارُ النَّفسِ (٣) الشحَّ: إلزامُها خلقَهُ حتَّى لا يفارقها، فالمرأةُ تَشِحُّ، فلا تتركُ قَسمها ونفقتَها، والزَّوجُ يَشِحُّ بحظِّهِ مِن الشَّابَّةِ الجميلة، فلا يتركُها لأجل العجوزِ القبيحة، فأمرَهُما بمخالفةِ الطَّبعِ، ومتابعةِ الشَّرعِ؛ بالصُّلحِ، أو إيفاء الحقِّ (٤)، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قيل: أي: إنْ تُحسِنوا أيُّها الأزواجُ بالإجابةِ إلى الصُّلح. وقيل: أي: بإيفاءِ حقِّ المسنَّةِ.

стр. 2374

وقيل: يُحسِنُ كلُّ واحدٍ مِن الزَّوجين بمراعاةِ رضا الآخر. وقوله: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ قيل: أي: تتَّقوا الميلَ. وقيل: وتتَّقوا الفِراقَ، فاللَّهُ تعالى يَعلمُ ذلك، ويُجازي عليه، وهذا كما قال: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، وهذا بيانُ الطَّبع، ثمَّ قال: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وهذا نهيٌ عن متابعةِ الطَّبع، وأمرٌ بموافقةِ الشَّرع. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀ (١): صحبةُ الخلقِ بعضِهم مع بعض (٢) إذا تجرَّدَت عنْ حديثِ الحقِّ، فإنَّها تعرض (٣) الوحشةَ وممازجةَ النُّفرة، فمَن أعرضَ عن اللَّه تعالى بقلبِهِ، أعرضَ الخلقُ عن مراعاةِ حقِّه، وخرجَ الكافَّةُ عليه باستصغارِ أمرِه، واستحقارِ قدرِه، ومَن رجعَ إلى اللَّه تعالى بقلبِه استوى له أمرُه، واتَّسعَ لاحتمالِ سوءِ خُلُقِ الخَلْقِ صدرُه، ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، واتِّضاعُك في نفسِكَ أحرى بك مِنْ تطاولكَ على خصمِك بإيثارِ الانتقام، وشهود مالَك من مزيَّة المقام، وأكثرُ النَّاس في أسرِ هذه المحنة. ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ وشحُّ النَّفسِ: قيامُ العبدِ بحظِّه، ومَن حُجِبَ عن شهودِ ربِّه، رُدَّ إلى شهود نفسه. ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ عبادةَ ربِّكم ﴿وَتَتَّقُوا﴾ شهودَ قدرِكم، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: إذا فنيتُم عنكم وعن عملِكم (٤)، فكفى باللَّه جازيًا لكم (٥).

стр. 2375

(١٢٩) - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أي: ولن تَقدِروا أن تُسوُّوا بين نسائكم في العدلِ في الحبِّ وإنْ جهِدتُم؛ لأنَّ الحُبَّ عملُ القلبِ الذي لا يملِكُه الإنسان. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾؛ أي: لا تَجمعوا بين ميلِ القلوب وميلِ (١) الأفعال في القَسمِ والنَّفقة. وقوله تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ الفاءُ لجواب النهي، وبها نُصِبت "تذروها"، فحُذِفَت النُّون. والمعلَّقةُ: ألَّا تكونَ ذاتَ زوجٍ ولا مطلَّقة. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: كالمسجونة (٢)؛ فإنَّها منكوحةٌ، لا يَصِلُ إليها منافعُ الزَّوج، وليست بأيمٍ يمكنُها أنْ تتزوَّج، أو تعلمُ بأنَّها لا قائم (٣) بحقِّها، فتتكلَّفُ لإصلاحِ أمورِها. وروي أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُطافُ به في مرضِ موتِه على نسائه (٤)، ويقول: "اللهمَّ،

стр. 2376

هذا قَسمي فيما أملكُ، فلا تؤاخذني فيما (١) لا أملك" (٢)؛ يعني: من حبِّ عائشةَ ﵂، وقال النبيُّ ﷺ : "من كانت له امرأتان، فمالَ إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحدُ شقَّيهِ مائلٌ" (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: إذا منعتموهنَّ عن صحبةِ أغيارِكم، ثمَّ قطعتم عنهنَّ ما هو حظُّهنَّ منكم، أضررتم بهنَّ مِن وجهين؛ لا منكم نصيبٌ، ولا إلى غيرِكم سبيل، وإن هذا الحيف (٤) عظيم. والإشارة فيه أنَّه إذا سُدَّ عليك طريقُ حظوظِك منك، فُتِح عليك شهودُ الحقِّ، ووجودُ اللُّطف؛ فإنَّ مَن كان في اللَّه تعالى تلفُهُ فالحقُّ سبحانه خَلَفُه (٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قيل: إن تُصلِحوا ذاتَ بينِكم في حسنِ الصُّحبة. وقيل: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ أعمالَكم بتركِ كلِّ الميل، وتتَّقوا الجَورَ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾؛ أي: فيما بينكم وبين الخلق، ﴿وَتَتَّقُوا﴾ أي: فيما بَيْنَكُم وبين الحقِّ، غفرَ اللَّهُ لكم ما سلفَ مِن الجورِ (٦). وقيل: غفرَ اللَّهُ لكم ميلَ القلب بالحبِّ، ورحمَكُم فلم يعاقبكم.

стр. 2377

(١٣٠) - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾؛ أي: وإنْ لم يصطلحِ الزَّوجان على شيءٍ، وتفرَّقا بالخلعِ، أو بتطليقِه إيَّاها، وإيفائِه مهرَها ونفقةَ عدَّتها؛ أغنى اللَّهُ كلَّ واحدٍ منهما عن صاحبِه، وكفاهُ أمرَهُ بغيرِه. وقوله: ﴿مِنْ سَعَتِهِ﴾؛ أي: مِن غِناه، وقيل: أي: مِن كمال قدرتِه (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي: غنيًّا. وقيل: أي: قادرًا، يسع قدرتُه إغناءَهما وغيرَ ذلك، ﴿حَكِيمًا﴾ لا يأمرُ عبادَهُ إلَّا بما هو مصلحةٌ وحكمة. والواسعُ في صِفةِ اللَّه تعالى يُذكَرُ مِن غير إضافة؛ لأنَّه أبلغ، فإنَّه واسعُ الرِّزق، واسعُ الفضل، واسعُ الرَّحمة، واسعُ القُدرةِ، واسعُ الغِنى، فيَسعُ (٢) إطلاقه على كلِّ ذلك. * * * (١٣١) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ وهو بيانُ السَّعةِ المذكورةِ في الآية الأولى، وبيانُ أنَّه قادرٌ على إغنائهما، فلهُ ما في السَّماوات وما في الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: أمرنا الكلَّ بتقوى اللَّه، وهو: أنْ تَعبدوه وتُطيعوه، هذه وصيَّةُ اللَّه في الأوَّلين والآخرين، لم يلحقها نسخٌ ولا تَبديل.

стр. 2378

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾؛ أي: مستغنيًا عن إيمانِ الخلق، وعن كلِّ شيءٍ، ﴿حَمِيدًا﴾ مستَحِقًّا للحمدِ بذاتهِ وصفاتِه وأفعالِه، لا بحَمدِ خلقِه. * * * (١٣٢) - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: حفيظًا، وقيل: قائمًا بالتَّدبير. وإنَّما كرَّر ذِكر ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ثلاثًا؛ للبيانِ عن عللٍ ثلاث، يقول: وجَبَتْ طاعةُ اللَّه فيما وصى (١) به؛ لأنَّ له ملكَ السَّماوات والأرض، وهو غنيٌّ عن كلِّ شيءٍ، حميدٌ بذاتِه، مستَحِقٌّ للحمد؛ لأنَّ له ملكَ السَّماوات والأرض، حفيظٌ لكلِّ شيءٍ، قائمٌ بتدبيرِ كلِّ شيءٍ؛ لأنَّ له ملكَ السَّماوات والأرض، وهو كتكرير قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (٤). * * * (١٣٣) - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: يهلككم.

стр. 2379

وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾؛ أي: ويخلق قومًا آخرين أطوعَ منكم. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾؛ أي: على الاستبدالِ، ويجوزُ أنْ يكونَ خطابًا للكفَّارِ، وتخويفًا لهم، ويجوز أن يكون لكلِّ العصاة، وهو كقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقيل: لمَّا نزلت هذه الآية ضربَ النبيُّ ﷺ يدَهُ على ظهر سلمان، وقال: "هم قومُ هذا" (١). وقال الإمام القشيري ﵀: لا نهايةَ للمقدورات، فإنْ لم يكن عمروٌ فزيدٌ، وإن لم يكن عبدٌ فعبيد، والذي لا بدلَ عنه ولا خلفَ هو اللَّه الواحدُ (٢) الأحد (٣). * * * (١٣٤) - ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾؛ أي: من طلبَ بعمله ثوابَ الدُّنيا، لم يَنلْه بإرادتِه وعملِه؛ فإنَّ ثوابَ الدُّنيا والآخرة بيدِ اللَّه تعالى، وهو المعطي، فليَطلب بعَملِه وجهَ اللَّه الذي يملكهُما؛ ليعطيَه إيَّاهما. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ للأقوال، ﴿بَصِيرًا﴾ بالأفعال، وهو وعدٌ ووعيدٌ أنَّه يَجزي كلًّا على وفق عمله.

стр. 2380

(١٣٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أكثرُ هذه السُّورةِ في الأمر بالقِسطِ في المعاملات، وهذه الآيةُ في الأمر بالقسطِ في الشَّهادات، ولأنَّه ذكرَ مَن أرادَ بعملِه الدُّنيا، وقد يَمنعُ الشَّاهِدُ شهادةَ الحقِّ لطمعِ الدُّنيا، فوصل لذلك ذلك بهذا. و ﴿قَوَّامِينَ﴾ مبالغةٌ في (١) قائمين، والقِسْطُ: العدل. وقوله تعالى: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ نصبُه مِن ثلاثة أوجه: نعتٌ للقوَّامين، وحالٌ لهم في فعلِ القيام بالقسط، وخبرٌ آخر لـ ﴿كُونُوا﴾؛ أي: قوموا بالعدل، فاشهدوا للنَّاس على النَّاس بما لكم فيه شهادةٌ؛ لوجهِ اللَّه تعالى وتقرُّبًا إليه. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ هذه كلمةُ تأكيدٍ؛ أي: وإن كان ضررُ تلك الشهادةِ عائدًا إليكم. وقيل: المرادُ مِن الشَّهادة على نفسِه: هو الإقرارُ بما عليه من الحقِّ لخصمِه؛ فإنَّ الشَّهادةَ إخبارٌ محقَّقٌ، والإقرارُ على نفسِه بما عليه من الحقِّ (٢) إخبارٌ. وقوله تعالى: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾؛ أي: وإنْ كانت شهادتُكم على آبائِكم وأمَّهاتِكم (٣) وأقاربكم (٤)، ولا يَسعكم منعُها حقًّا لهم (٥).

стр. 2381

وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أصلُ الدِّينِ إيثارُ حقِّ الحقِّ على حقِّ الخلقِ، فمَن آثرَ على اللَّه أحدًا؛ والدًا أو ولدًا، أو قريبًا أو نسيبًا، أو ادَّخرَ عنه نصيبًا، فهو عديمُ القِسطِ عن القيام بالقِسط (١). قال أبو العالية: نزلَت الآيةُ في رجلٍ مِن الأنصار قال: يا رسولَ اللَّه، إن لي والدًا، وعليه حقٌّ، وأنا مِن الشُّهود، وما يَمنعُني مِن الشَّهادةِ عليه إلَّا أنَّه معسِرٌ، فنزلَت الآيةُ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ قال الأخفشُ: أي: إن يكنْ مَن يُخاصِمُ غنيًّا أو فقيرًا (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: أحقُّ بهما فيما اختار لهما من غنًى أو فقرٍ، فلا يحملنَّكم غنى خصمٍ على أنْ تَمنعوا الشَّهادةَ عليه لاحترامه، أو تَشهدوا لهُ بالباطلِ لاحتشامِه، ولا فقرُ فقيرٍ ألَّا تشهدوا له استهانةً به، أو لا تَشهدوا عليه مرحمةً له، أو تَشهدوا له بالباطلِ معونةً له. وإنَّما قال: ﴿بِهِمَا﴾ على التَّثنية؛ مع إدخال ﴿أَوْ﴾ بين الغنيِّ والفقير؛ لأنَّه قد ذكرَهُما في الجملة، وذكرَ أنَّ اللَّهَ أولى بكلِّ واحدٍ منهما، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ له ثلاثةُ أوجه: أحدها -وهو قول الفرَّاء-: لِأَن تَعدلوا؛ أي: لا تَتَّبعوا الهوى لتكونوا عدولًا (٣).

стр. 2382

والثاني: في ألَّا تعدلوا؛ أي: لا تَتَّبعوا الهوى في تركِ العدل، و"لا" مضمرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]؛ أي: لئلَّا تَضِلُّوا (١). والثالث: في أنْ تَعدِلوا عن الحقِّ؛ أي (٢): تَميلوا عنه. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾؛ أي: تُحرِّفوا الشَّهادةَ، فتَشهدوا على وجهٍ لا يَصِحُّ وتتعطَّل. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾؛ أي: تتولَّوا عن أدائِها. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: مِن تحريفِ الشَّهادةِ وكتمانِها وأدائها على وجهِها، وهو (٣) وعدٌ ووعيدٌ بالجزاءِ على وفق العمل. وقرأ حمزةُ وابنُ عامر: ﴿وإن تَلُوا﴾ بواوٍ واحدةٍ (٤)، من الوِلايةِ، وهو خطابٌ للقُضاة؛ أي: إنْ (٥) وليتُم القضاءَ فعدلتُم (٦) أو أعرضتُم عن العدلِ وملتُم. وقيل: هو من قولك: وليتُ الشيءَ بنفسي؛ أي: باشرتُه؛ أي: إنْ فَعلتُم شيئًا مِن ذلك، أو تركتم؛ فلا يَخفى على اللَّه قَصدُكم في ذلك. وقال السُّدِّيُّ: اختصمَ إلى رسول اللَّه ﷺ غنيٌّ وفقير، فكان ضِلعُهُ (٧) مع

стр. 2383

الفقير، فرأى أنَّ الفقيرَ لا يَظلِمُ الغنيَّ، فأبى اللَّهُ إلَّا أن يَقومَ بالقسط في الغنيِّ والفقير، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (١). * * * (١٣٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ اعترضَ بعضُ الملحِدين على هذه الآية فقال: كيف أمرَ اللَّهُ تعالى أهلَ الإيمانِ بالإيمان؟ وعنه أجوبةٌ: أحدها: قولُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ نزولَها في مؤمني أهل الكتاب؛ عبدِ اللَّه بن سلام وأصحابه، قالوا: يا رسول اللَّه، إنَّا نؤمنُ بك وبكتابِك، وبموسى وهارون وعزير، ونَكفرُ بما سواهُ (٢)، وظنُّوا أنَّ ذلكَ القَدْرَ يكفيهم في كمال إيمانِهم، فنزلَت (٣) الآية، وبيَّنَ اللَّهُ تعالى أنَّ الكفرَ بالبعضِ محبِطٌ للإيمان ببعض، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]. وجوابٌ آخرُ: قولُ أبي العالية: إنَّ نزولَها في اليهود، كانوا آمنوا بالنبيِّ ﷺ قبلَ خروجِه، وكانوا يَستفتحون به، فلمَّا خرجَ كفروا به، فأُمِروا بالإيمان به. وجوابٌ آخر: قولُ الحسن: إنَّ اللَّهَ تعالى أخبرَ عن اليهود، فقال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ

стр. 2384

مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا﴾ الآية [آل عمران: ٧٢]، فتقديرُ الآية على قوله: يا أيُّها الذين آمنوا وجهَ النَّهار، آمِنوا به آخرَ النَّهار. وجوابٌ آخر: قول مجاهدٍ: إنَّ نزولَها في المنافقين، آمَنوا في الظَّاهر، فأُمِروا بالإيمانِ في الباطنِ مع الإيمان بالظاهر، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. وجوابٌ آخر: قولُ بعض المتأخِّرين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يومَ الميثاق، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآن. وجوابٌ آخر: قولُ أبي بكر الورَّاق وغيره -وهو الأصحُّ-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الكمالِ والصَّحَّة، اثبتوا على إيمانِكم، ودُوموا عليه (١)، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، هذا كلُّه أريدَ به الثباتُ على ما كان. وقريبٌ من هذا القولِ قولُ بعضهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما مضى من الوقتِ، ﴿آمَنُوا﴾ في حادثِ الوقت. وجوابٌ آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عند رؤيةِ العذاب ﴿آمَنُوا﴾ في حالِ ارتفاعِه؛ فإنَّ الكفَّارَ كانوا إذا وقَعوا في حالةٍ مَخوفةٍ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من حيث البرهانُ ومن حيث البيانُ، ﴿آمَنُوا﴾ من حيث الكشْفُ والعيان.

стр. 2385

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تصديقًا، ﴿آمَنُوا﴾ تحقيقًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بأنَّ نجاتَكُم بفضلِه لا بإيمانكم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بأدلَّةِ العقول، ﴿آمَنُوا﴾ إذا أنختُم بساحةِ الوصول، واستمكنَ منكم الحيرةُ وغَلَباتُ الذُّهول، ثمَّ أفقتُم، فآمِنوا أنَّ الذي كان غالبًا عليكم كان شاهدَ الحقِّ، لا صفة (١) النَّفس؛ فإنَّ الصَّمديَّة ممتنِعةٌ متَقدِّسةٌ عن كل قربٍ وبعدٍ، ووصلٍ وفصل (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: آمِنوا بالقرآن. قرأ ابنُ كثير وابنُ عامر وأبو عمرو: ﴿نَزَّلَ﴾ على ما لم يُسَمَّ فاعله، والباقون: ﴿نَزَّلَ﴾ (٣)؛ أي: نَزَّلهُ اللَّهُ تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ فيه قراءتان أيضًا على هذا (٤)، والمرادُ مِن الكتاب الجنس، وهو جميع الكتب المتقدمة، والإنزالُ: هو بعثُ جبريلَ ﵇ معه مِن السَّماء، والتَّنزيلُ: تفصيلُ الإنزالِ، والقرآنُ كذلك؛ لأنَّه نزلَ مفصَّلًا؛ فلذلك قال في الأوَّل: ﴿نَزَّلَ﴾، وفي الثاني: ﴿أَنْزَلَ﴾ لأنَّ إنزالَ الكتبِ المتقدِّمةِ كان جملةً. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي: مِن الهُدى، وقيل: أي: مِن النَّجاة. ثمَّ إنَّما علَّقَ الضَّلالَ بذلك كلِّه بالواو
следующие страницы →