← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أصلُ الدِّينِ إيثارُ حقِّ الحقِّ على حقِّ الخلقِ، فمَن آثرَ على اللَّه أحدًا؛ والدًا أو ولدًا، أو قريبًا أو نسيبًا، أو ادَّخرَ عنه نصيبًا، فهو عديمُ القِسطِ عن القيام بالقِسط (١). قال أبو العالية: نزلَت الآيةُ في رجلٍ مِن الأنصار قال: يا رسولَ اللَّه، إن لي والدًا، وعليه حقٌّ، وأنا مِن الشُّهود، وما يَمنعُني مِن الشَّهادةِ عليه إلَّا أنَّه معسِرٌ، فنزلَت الآيةُ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ قال الأخفشُ: أي: إن يكنْ مَن يُخاصِمُ غنيًّا أو فقيرًا (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾؛ أي: أحقُّ بهما فيما اختار لهما من غنًى أو فقرٍ، فلا يحملنَّكم غنى خصمٍ على أنْ تَمنعوا الشَّهادةَ عليه لاحترامه، أو تَشهدوا لهُ بالباطلِ لاحتشامِه، ولا فقرُ فقيرٍ ألَّا تشهدوا له استهانةً به، أو لا تَشهدوا عليه مرحمةً له، أو تَشهدوا له بالباطلِ معونةً له. وإنَّما قال: ﴿بِهِمَا﴾ على التَّثنية؛ مع إدخال ﴿أَوْ﴾ بين الغنيِّ والفقير؛ لأنَّه قد ذكرَهُما في الجملة، وذكرَ أنَّ اللَّهَ أولى بكلِّ واحدٍ منهما، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ له ثلاثةُ أوجه: أحدها -وهو قول الفرَّاء-: لِأَن تَعدلوا؛ أي: لا تَتَّبعوا الهوى لتكونوا عدولًا (٣).

стр. 2382

والثاني: في ألَّا تعدلوا؛ أي: لا تَتَّبعوا الهوى في تركِ العدل، و"لا" مضمرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]؛ أي: لئلَّا تَضِلُّوا (١). والثالث: في أنْ تَعدِلوا عن الحقِّ؛ أي (٢): تَميلوا عنه. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾؛ أي: تُحرِّفوا الشَّهادةَ، فتَشهدوا على وجهٍ لا يَصِحُّ وتتعطَّل. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾؛ أي: تتولَّوا عن أدائِها. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أي: مِن تحريفِ الشَّهادةِ وكتمانِها وأدائها على وجهِها، وهو (٣) وعدٌ ووعيدٌ بالجزاءِ على وفق العمل. وقرأ حمزةُ وابنُ عامر: ﴿وإن تَلُوا﴾ بواوٍ واحدةٍ (٤)، من الوِلايةِ، وهو خطابٌ للقُضاة؛ أي: إنْ (٥) وليتُم القضاءَ فعدلتُم (٦) أو أعرضتُم عن العدلِ وملتُم. وقيل: هو من قولك: وليتُ الشيءَ بنفسي؛ أي: باشرتُه؛ أي: إنْ فَعلتُم شيئًا مِن ذلك، أو تركتم؛ فلا يَخفى على اللَّه قَصدُكم في ذلك. وقال السُّدِّيُّ: اختصمَ إلى رسول اللَّه ﷺ غنيٌّ وفقير، فكان ضِلعُهُ (٧) مع

стр. 2383

الفقير، فرأى أنَّ الفقيرَ لا يَظلِمُ الغنيَّ، فأبى اللَّهُ إلَّا أن يَقومَ بالقسط في الغنيِّ والفقير، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (١). * * * (١٣٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ اعترضَ بعضُ الملحِدين على هذه الآية فقال: كيف أمرَ اللَّهُ تعالى أهلَ الإيمانِ بالإيمان؟ وعنه أجوبةٌ: أحدها: قولُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ نزولَها في مؤمني أهل الكتاب؛ عبدِ اللَّه بن سلام وأصحابه، قالوا: يا رسول اللَّه، إنَّا نؤمنُ بك وبكتابِك، وبموسى وهارون وعزير، ونَكفرُ بما سواهُ (٢)، وظنُّوا أنَّ ذلكَ القَدْرَ يكفيهم في كمال إيمانِهم، فنزلَت (٣) الآية، وبيَّنَ اللَّهُ تعالى أنَّ الكفرَ بالبعضِ محبِطٌ للإيمان ببعض، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]. وجوابٌ آخرُ: قولُ أبي العالية: إنَّ نزولَها في اليهود، كانوا آمنوا بالنبيِّ ﷺ قبلَ خروجِه، وكانوا يَستفتحون به، فلمَّا خرجَ كفروا به، فأُمِروا بالإيمان به. وجوابٌ آخر: قولُ الحسن: إنَّ اللَّهَ تعالى أخبرَ عن اليهود، فقال: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ

стр. 2384

مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا﴾ الآية [آل عمران: ٧٢]، فتقديرُ الآية على قوله: يا أيُّها الذين آمنوا وجهَ النَّهار، آمِنوا به آخرَ النَّهار. وجوابٌ آخر: قول مجاهدٍ: إنَّ نزولَها في المنافقين، آمَنوا في الظَّاهر، فأُمِروا بالإيمانِ في الباطنِ مع الإيمان بالظاهر، قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. وجوابٌ آخر: قولُ بعض المتأخِّرين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يومَ الميثاق، ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآن. وجوابٌ آخر: قولُ أبي بكر الورَّاق وغيره -وهو الأصحُّ-: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الكمالِ والصَّحَّة، اثبتوا على إيمانِكم، ودُوموا عليه (١)، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، هذا كلُّه أريدَ به الثباتُ على ما كان. وقريبٌ من هذا القولِ قولُ بعضهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيما مضى من الوقتِ، ﴿آمَنُوا﴾ في حادثِ الوقت. وجوابٌ آخر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عند رؤيةِ العذاب ﴿آمَنُوا﴾ في حالِ ارتفاعِه؛ فإنَّ الكفَّارَ كانوا إذا وقَعوا في حالةٍ مَخوفةٍ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ من حيث البرهانُ ومن حيث البيانُ، ﴿آمَنُوا﴾ من حيث الكشْفُ والعيان.

стр. 2385

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تصديقًا، ﴿آمَنُوا﴾ تحقيقًا. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بأنَّ نجاتَكُم بفضلِه لا بإيمانكم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بأدلَّةِ العقول، ﴿آمَنُوا﴾ إذا أنختُم بساحةِ الوصول، واستمكنَ منكم الحيرةُ وغَلَباتُ الذُّهول، ثمَّ أفقتُم، فآمِنوا أنَّ الذي كان غالبًا عليكم كان شاهدَ الحقِّ، لا صفة (١) النَّفس؛ فإنَّ الصَّمديَّة ممتنِعةٌ متَقدِّسةٌ عن كل قربٍ وبعدٍ، ووصلٍ وفصل (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: آمِنوا بالقرآن. قرأ ابنُ كثير وابنُ عامر وأبو عمرو: ﴿نَزَّلَ﴾ على ما لم يُسَمَّ فاعله، والباقون: ﴿نَزَّلَ﴾ (٣)؛ أي: نَزَّلهُ اللَّهُ تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ فيه قراءتان أيضًا على هذا (٤)، والمرادُ مِن الكتاب الجنس، وهو جميع الكتب المتقدمة، والإنزالُ: هو بعثُ جبريلَ ﵇ معه مِن السَّماء، والتَّنزيلُ: تفصيلُ الإنزالِ، والقرآنُ كذلك؛ لأنَّه نزلَ مفصَّلًا؛ فلذلك قال في الأوَّل: ﴿نَزَّلَ﴾، وفي الثاني: ﴿أَنْزَلَ﴾ لأنَّ إنزالَ الكتبِ المتقدِّمةِ كان جملةً. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾؛ أي: مِن الهُدى، وقيل: أي: مِن النَّجاة. ثمَّ إنَّما علَّقَ الضَّلالَ بذلك كلِّه بالواو

стр. 2386

لا (١) لأنَّ الجمع شرطٌ؛ لأنَّ الكفرَ بكلِّ واحدٍ على الانفراد كفرٌ وضلالٌ، لكن هذه صفةُ قومٍ في زمن النَّبيِّ ﷺ كانوا كافرين بذلك كلِّه، فوَصفَهُم اللَّهُ بذلك؛ لأنَّهم كذلك. * * * (١٣٧ - ١٣٨) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال مجاهد: هم المنافقون (٢)، ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، ويتكرَّرَ (٣) ذلك منهم. وازديادُ الكفرِ منهم ثباتُهم على الكفرِ (٤) إلى الموت، وهذا القولُ يؤيِّدُه ما بعدَه: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾. وقال الكلبيُّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالتَّوراةِ وبموسى، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ مِن بعدِ موسى، ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ بعُزير، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعد عزيرٍ بالمسيح، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمَّد ﵊ (٥). وقيل: ﴿آمَنُوا﴾ بموسى، ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ من بعدِه، ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ مِن بعدِه، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ بمحمَّدٍ ﵊ (٦).

стр. 2387

وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: ليس مِن صفةِ اللَّهِ مغفرةُ الكفرِ؛ فقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾؛ أي: سبيلَ الرُّشدِ ما كانوا مختارينَ للكفر. وقيل: أي: لا يغفرُ لهم إذا ماتوا على الكفرِ، ولا يَهديهم (١) طريقَ الجنَّة، قال تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]. ودلَّت الآيةُ على أنَّ اللَّهَ تعالى قد يَحْرِمُ بعضَ عبادِه الهدايةَ، وهو ردٌّ على المعتزلة في قولِهم: إنَّ اللَّهَ قد هدى الكلَّ. وقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: ضعْ إخبارَهُم بالعذابِ الأليمِ موضعَ البشارةِ لهم، وهو كقول الشاعر: وخيلٍ قد دَلَفْتُ لها بخيلٍ... تحيَّة بينِهم ضربٌ وَجيعُ (٢) أي: الضربُ بينهم مكان التَّحيَّة. وقيل: لمَّا نزلَت آيةُ المغفرة للنبيِّ ﷺ والمؤمنين، قال عبدُ اللَّه بنُ أبيّ: فما لنا؟! فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية يقول: بَشِّر عبدَ اللَّه بنَ أبيٍّ ومالكَ بن الدُّخْشُم (٣) وجدَّ بن قيس بأن لهم عذابًا وجيعًا (٤).

стр. 2388

(١٣٩) - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذه صفةُ المنافقين؛ أي: يتولَّون الكفَّار (١) لا المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾؛ أي: أيطلبون (٢) عند الكفَّارِ المنَعةَ (٣)، استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ، وكان المنافقون يَقولون: لا يَتِمُّ أمرُ محمَّدٍ، فتولَّوا اليهودَ يطلبون منهم المنَعةَ والنُّصرة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾؛ أي: المنعةُ مِن جميعِ وجوهها (٤) للَّه، لا يَمنعُ مِن عذابِهِ الذي يُنزِلُهُ بالمنافقين مانعٌ مِن هؤلاء الكفَّار الذين يتولَّونهم، ولأنَّ العزَّة والمنعةَ والغلبةَ إذا كانت له، فهو يُعِزُّ أولياءَه لا أعداءه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: العزَّةُ الأزليَّةُ للَّه تعالى وصفًا، والعزَّةُ الحادثة لأوليائه منه لطفًا (٥). وقال في أوَّل هذه الآية (٦): إنَّ الذين قاموا و (٧) سقطوا، ثمَّ انتعشوا، ثمَّ عثَروا، ثمَّ ختم بالسوء أحوالهم، أولئك الذين قصَمَتهم سَطَواتُ العِزَّة، وأدركَتْهم شقاوةُ

стр. 2389

القسمة، والحقُّ لا يَهديهِم لقَصْدٍ، ولا يَدلُّهم على رُشْدٍ، فبَشِّرهُم بالفُرقة الأبديَّة، وأخبِرهُم بالعقوبةِ السَّرمديَّة (١). * * * (١٤٠) - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ قرأ عاصمٌ بفتحِ النُّون والتَّشديد (٢)؛ أي: نَزَّلَ اللَّهُ تعالى، وقرأ (٣) الباقون: ﴿نَزَّلَ﴾ على ما لم يُسمَّ فاعلُه (٤). وقوله تعالى: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾؛ أي: إذا جلستُم أيُّها المخلِصون مع المنافقين، وسمعتموهم يَكفرون بالقُرآن ويَستهزؤون به. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾؛ أي: لا تَمكثو على القعود عندهم حتَّى يشرعوا في كلامٍ غيرِ الكفرِ والاستهزاء بالقرآن. والخوضُ: هو الشُّروعُ، وأصلُه الخوضُ في الماء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾؛ أي: إذا مكثتُم معهم فأنتم مثلُهم في الوزرِ، ولم يُرِد به التَّمثيلَ مِن كل وجهٍ؛ فإنَّ خوضَ المنافقين فيه كفرٌ، ومكثُ هؤلاء معهم معصيةٌ، وأرادَ به أنَّهم يَأثمون به إثمَ المعصية.

стр. 2390

والمرادُ بقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو ما نزلَ بمكَّة في سورةِ الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] وكان ذلك في ابتداءِ الأمر حين لم يكنِ الأمرُ بالقتالِ واردًا، ولمَّا نزلَت هذه الآيةُ وكانوا إذا خاضوا في ذلك قامَ المُخلِصون، فعَلِم المنافقون بذلك، فكانوا يُكثِرون الخوضَ فيه قصدًا إلى تفريقِهم، فنزلَ قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٦٩]؛ أي: ما على المخلِصين المؤاخذةُ والمحاسبةُ في القيامةِ بخوض المنافقين، ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾ (١)؛ أي: ذكِّروهم وعِظُوهم، ولا تقوموا عنهم، وكان ذلك ناسخًا للأوَّل، ثمَّ نسخَ هذا بآية القتال؛ أنَّهم إذا سمِعوا مِن ذلك شيئًا قتَلوهم، ولم يتركوهم. ووجهُ اتِّصالِ هذا بالأوَّل أنَّ العزَّةَ للَّه، وهو المعِزُّ دينَهُ وأولياءَه، وقد أعزَّكُم، فكنتم بحيث لا يمكِنْكم أنْ تمنَعوهم عن خوضِهم، ثمَّ صِرتُم تقتلونَهم وتستأصلونَهم، وهو بالعزَّةِ التي أعطاكُم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ سوَّى بين المنافقين وبين الكافرين (٢) المجاهرين أنَّهم مخلَّدون في العذابِ (٣) أجمعين. * * * (١٤١) - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.

стр. 2391

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ يجوزُ نعتًا للمنافقين المذكورين في قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾، ويجوزُ مبتدأ، وخبره: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ (١). و ﴿يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾؛ أي: يرتقبون بكم، ويَنتظرون عاقبةَ أمركم إذا غزوتُم. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: فتحُ بلادِ الأعداء وغنيمةٌ. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: قد خَرَجْنا معكم لغزوِ (٢) الأعداءِ. فطَلبوا سهائم الغنيمة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾؛ أي: حظٌّ مِن الغلبةِ على المسلمين. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ الاستحواذُ: الاستيلاء، قال تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩]. وقيل: أي (٤) الغلبةُ، وأصلُه من: حاذَ يَحوذُ حوذًا؛ أي: حاطَ يحوطُ حوطًا. وقيل: أي ضمَّ يَضُمُّ ضمًّا. واستحوذ بناءٌ خرجَ على الأصل، ولم يُغَيَّر، كقولهم: استعان واستبان، ومعناه: قال المنافقون للكفَّار: ألم نستَوْلِ عليكم؟ أي: أحطنا بكم؛ يعني (٥): لحياطتكم وتقويتِكم. قوله تعالى: ﴿وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جزمٌ بالعطف على: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ﴾؛ أي:

стр. 2392

ألم نجعلْكُم ممنوعِين من (١) المؤمنين؛ أي: محفوظين (٢)؛ أي: ذببنا عنكم بالأسباب من تثبيطِ المؤمنين عن الجهاد وتعويقِهم بأشياء. قال الكلبيُّ ﵀ (٣): أي: ألم نخبرْكُم بعورةِ محمَّدٍ وأصحابه ﷺ ورضيَ عنهم- ونطلِعْكُم على سرائرِهم. وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يقضي بينكم أيُّها الفريقان، فيُدخِلُ المنافقينَ النَّارَ، ويُدخِلُ المؤمنين الجنَّة. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قيل: لن يجعلَ اللَّهُ لليهودِ على أصحاب محمَّدٍ يدًا، وكان كذلك. وقال ابنُ عبّاسٍ ﵄: لن يجعلَ اللَّهُ للكافرين على المؤمنين حُجَّةً أبدًا (٤). وقال الأعمشُ: جاء رجلٌ إلى علي ﵁ فقال: أرأيتَ قولَ اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؟ وهم يقتلونهم في الدُّنيا! فقال: ادْنُ (٥)، فدنا، فقال: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ يوم القيامة ﴿لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٦).

стр. 2393

وبنحوه قال الحسن، قال: ليس (١) للكفَّار أن يقولوا للمؤمنين: ما نفعَكم إيمانُكم وطاعاتُكم وقد اشتركنا واستوينا في الحال. وقيل: أي: لا سبيلَ للكفَّار يومَ القيامة على المؤمنين بدفع شهادتِهم عليهم للأنبياء. * * * (١٤٢) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾؛ أي: يُخادعونَ أولياءَ اللَّه وهم المؤمنون، فأضافَ خداعَهم إلى نفسِه؛ تشريفًا لهم، وهو مجازيهم (٢) على ذلك، وقد كشفنا عن حقيقتِه، وبيَّنَّا الأقاويلَ فيه في سورةِ البقرة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ جمع كسلان، كالسُّكارى جمعُ سكران، والكسلُ: هو التَّثاقلُ عن الشَّيء؛ لمشقَّتهِ على النَّفسِ (٤) وضعف الدواعي إليه، وهو خلاف (٥) النشاط: وهو الإسراعُ إلى الشَّيءِ لخفَّته على النَّفس وقوَّةِ الدَّواعي إليه، وكسلُهم لأنَّهم لا يَعتقدون وجوبَها، ولا يَعرفون فضلَها. وقوله تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾؛ أي: إنَّما يقومون إليها إراءَةً للمسلمين (٦).

стр. 2394

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي: باللِّسانِ دون الاعتقاد. وقيل: أي: بما يُجهَر في الصَّلاة دون ما يُخَافَتُ بها. وقال الحسن: أمَا واللَّه، لو كان ذلك القليلُ لوجه اللَّه لكان كثيرًا، يقول اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، ويقول: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]. * * * (١٤٣) - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يقال: ذَبذبَهُ فتَذبذَبَ؛ أي: جعلَه مُضطربًا فاضطرب، قال النابغةُ: ألم ترَ أنَّ اللَّهَ أعطاكَ سُوْرَةً... تَرى كلَّ مَلْكٍ دونَها يَتذبذبُ (١) والذَّبذبُ: الذُّؤابةُ، سُمِّيَت به لتحرُّكِها، والذَّباذِب: أسافلُ الثوب لذلك (٢). وقوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: بين ذينك (٣)، كما مرَّ في قوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ هو تفسيرُ المذبذبين؛ أي: متردِّدين متحيِّرينَ، لا إلى المسلمين بالكُلِّيَّةِ ظاهرًا وباطنًا، ولا إلى الكفَّار كذلك.

стр. 2395

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾؛ أي: ومن يخذله اللَّهُ، فلن تَجِدَ له سبيلًا؛ أي: يا محمَّد، فلن تجد له طريقًا (١) إلى الهدى؛ بما أضلَّهُ اللَّهُ باختيارِهِ الضَّلال (٢). * * * (١٤٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الحسين (٣) بن الفضل ﵀: أي: لا تَصنعوا أيُّها المخلصونَ ما يَصنعُ المنافقون، فقد قال في صفتهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٣٩]. وقوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: لم تريدون أنْ تجعلوا للَّه عليكم حجَّةً بيِّنةً على أنفسكم بتعذيبِكم والانتقامِ منكم في الدُّنيا والآخرة؟ فقد أخبرَ أنَّه لا يُعذِّبُ إلَّا مَن عصاهُ، وللَّه الحجَّةُ البالغةُ على خلقِه في عمومِ الأحوال مِن غير جعلِ جاعل، غير أنَّه لمَّا نهى عن أمرٍ، وأوعَدَ عليه، فإذا فعله (٤) فكأنَّه ألزمَ نفسَهُ حجَّةَ اللَّهِ عليه في ذلك (٥). * * * (١٤٥) - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾.

стр. 2396

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ الدَّرَكاتُ إلى أسفل، كالدَّرجاتِ إلى أعلى، والواحدُ درَكٌ ودَرْك بالفتح والسكون. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وعاصمٌ (١) بالسكون، والباقون بالفتح (٢). أخبر أنَّهم ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾؛ أي: الطبقِ الأسفلِ من النَّار، وهو أشدُّ عذابًا، ولذلك قال خبرًا عمَّا يقول الكافرون في النار: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]. وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: المنافقون في الدَّرك الأسفل من النَّار، في توابيتَ مِن حديدٍ مطبقةٍ عليهم (٣)، وهذا لأنَّ كفرَهم أفحشُ. وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾؛ أي: مانعًا من عذابِ اللَّه. * * * (١٤٦) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ استثنى التَّائبين منهم، ترغيبًا لهم في الرُّجوع، قوله: ﴿تَابُوا﴾؛ أي: رجَعوا عن النِّفاق بالإخلاص، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ ما أفسَدوا مِن الأعمال، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ اعتقدوا أنَّ العاصمَ هو اللَّهُ تعالى مِن المكاره، فلا يَعتصِمون بالخلق بعد هذا، كما كانوا يفعلونه قبل هذا، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ عن (٤)

стр. 2397

الرِّياء ونحوه، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: في الثَّواب والدرجات، لا في العقابِ والدَّرَكات. وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ جمعَ الكلَّ في الوعدِ بإيتاءِ العظيم مِن الأجر. وقال الإمام القشيريُّ ﵀ (١): ﴿تَابُوا﴾ ورجَعوا عن نفاقِهم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ فاسدَ أحوالِهم وأخلاقِهم، ﴿وَاعْتَصَمُوا﴾ باللَّه وتبرَّؤوا مِن حولِهم وقوَّتِهم، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ شاهدوا المنَّةَ للَّه عليهم، حيث هدَاهم، وعن نفاقِهم نجَّاهم. وقيل: ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ باستدامة التوفيق، ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ رأوا نجاتَهم بفضلِ اللَّه تعالى، لا بفعلِ (٢) أنفسهم على التحقيق. قال: لم يَشترِط كلَّ هذه الشرائط في غيرهم، ثمَّ قال: ﴿مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولم يقل: هم المؤمنون، وقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣) ولم يقل: يؤتيهم (٤)، مع صلاحِهم بعدَ فسادِهم؛ لفحش ما كان مِنهم، وقد (٥) أنشدوا: العذرُ مبسوطٌ ولكنه... شتَّانَ بين العُذْرِ والشُّكْرِ (٦) وقيل: إنَّ فُحشَ كفرِهم مِن ثلاثةِ أوجه: سعيهِم في إفسادِ ضعفَةِ المسلمين بالتَّشكيك، وكونِهم طلائعَ الكفَّار في إطلاعِهم على سرائرِ أهلِ الإخلاص والتَّوحيد، وتردُّدِهم بين الحالين مِن غير ثباتٍ على شيءٍ ولا تحقيق.

стр. 2398

(١٤٧) - ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى الجحود؛ أي: لا يعذِّبُكم، ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾؛ أي: آمنتم باللَّه تعالى وشكرتُم له بالطَّاعة. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾؛ أي: يَجزيكُم على شكرِكم. وقيل: الشُّكر مِن اللَّه تعالى: قَبولُ اليَسير مِن العمل، وإعطاءُ الكثيرِ من الثَّواب، وقوله: ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: عالمًا بصنيعِكم، وبقدرِ جزائِكُم على أعمالِكُم. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ نعمَهُ (١)، ﴿وَآمَنْتُمْ﴾؛ أي: صدَّقتُم بأنَّ نجاتَكم باللَّه لا بشكركم، والشُّكرُ مِن العبد: شهودُ النِّعمةِ مِن اللَّه، والإيمانُ: رؤيةُ اللَّهِ في إعطاءِ النِّعمة، فكأنَّه قال: إنْ شاهدتُم النِّعمةَ مِن اللَّه، ثمَّ لم يَقطعْكُم شهودُ النِّعمةِ عن شهودِ المنعمِ. قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ حقيقةُ الشكر: هو الثَّناءُ على المحسنِ بذكرِ إحسانِه، فالعبدُ يَشكرُ اللَّهَ؛ أي: يُثني عليهِ بذكرِ إحسانِه الذي هو نعمتُه عليه، واللَّهُ يَشكُرُ للعبد (٢)؛ أي: يُثني عليه بذكرِ إحسانِه الذي هو طاعتُه له، وقوله: ﴿عَلِيمًا﴾؛ أي: يُثني عليه بطاعتِه، مع علمِه بالكثيرِ مِن أنواعِ معصيتِه (٣). * * * (١٤٨) - ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾.

стр. 2399

وقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ ذكرَ في الآياتِ المتقدِّمة إيذاءَ المنافقين للمؤمنين، وذكرَ في هذه الآية إباحةَ التَّظلُّمِ مِن المؤذِين، قال الزَّجاج ﵀: تقديره: لا يحبُّ اللَّهُ أنْ يَجهرَ بالسُّوء إلَّا مَن صارَ مظلومًا، فـ "من" رُفِعَ بفعلِه (١). و ﴿الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ عند ابن عباسٍ وقتادةَ ﵃: أنْ يدعوَ على ظالمه (٢). وعند مجاهد: أنْ يُخبِرَ بظُلم ظالِمِه إيَّاه (٣). وعند الحسنِ والسُّدِّيِّ: أن يَنتصِرَ مِن ظالمِه (٤). وقال عبدُ الرَّحمن بن زيد: نزلَت الآيةُ في أبي بكرٍ الصِّدِّيق ﵁، شتمَهُ رجلٌ بمكَّةَ، فسكتَ عنه مرارًا، ثمَّ ردَّ عليه، فقامَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فنزلَت هذه الآية (٥). وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: نزلَتْ في رجلٍ ضافَ رجلًا بفلاةٍ مِن الأرضِ فلم يضفه.

стр. 2400

وقالوا: هذا فيمن نزلَ في موضعٍ لا (١) يجد مأوًى غيرَهُ، ولا طعامًا يشتريه، أو لا ثمنَ عنده، فإذا نزلَ على قومٍ فلم يُضيِّفوهُ فقد ظلموهُ، فله أن يَشْكُوَ منهم. وقرأ الضَّحَّاكُ وزيدُ بنُ أسلم وابنُ أبي إسحاق وسعيدُ بنُ جُبير ويَعلى بنُ حكيم: (إلا من ظَلَم) بفتح الظَّاء واللام على الفعل الظاهر (٢)، وعلى هذا معنى: ﴿إِلَّا﴾: لكن؛ أي: لكن (٣) مَن جهر بالسُّوء فقد ظلم، وفيه أنَّ ﴿الْجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ (٤) لا يكونُ مباحًا، وعلى الإطلاق يكونُ حرامًا، ومن فعلَهُ فهو ظالمٌ. وقال الضَّحَّاكُ: هو مردودٌ على قوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾، ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فإنَّه يُعَذِّبهُ ثم قال: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: على كلِّ حال (٥). وأمَّا قراءةُ العامة: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ على (٦) ما لم يُسَمَّ فاعلُه، فالاستثناءُ على الحقيقة، وفيه إباحةُ التَّظلُّمِ والدُّعاء على الظَّالم، وسُمِّيَ جهرًا بالسُّوء مع أنَّه مباحٌ؛ لأنَّه جزاءُ السُّوء، فسُمِّيَ به، وهو كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وقال الحسن: لا يَدعو على ظالِمِه بالهلاك والعقوبة، لكن يقول: اللهمَّ استخرِجْ حقِّي منه، اللهمَّ حُل بينَه وبينَ ما يريدُ بي مِن السُّوء (٧).

стр. 2401

وقال ابنُ كيسان: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ يعني: المشركَ الظالم؛ فإنَّه يَستحِقُّ الشَّتمَ والجهرَ به. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾؛ أي: يَسمعُ ما يُجهَرُ مِن بالسُّوء مِن القول (١)، ويَعلم ما يُقصَد به؛ أنَّه للتَّعصُّب في الدِّينِ، أو للتَّشفِّي، أو للانتقامِ بالباطل. وقيل: أي: ﴿سَمِيعًا﴾ لدعاءِ المظلوم، ﴿عَلِيمًا﴾ (٢) بفعل الظَّالم. * * * (١٤٩) - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قيل: هو إحسانُ القول فيمن جفاه (٣)، والإخفاء: هو إحسان النية في حق من آذاه (٤). وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ هو التَّجاوزُ عمَّن ظلمَهُ في دنياه وعُقباه. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾؛ أي: اقتدِ بفعل اللَّه؛ فإنَّه كثيرُ العفوِ عن عباده، مع قدرته على عقوبتِهم. وقيل: هو وعدٌ للعافي عن ظالِمه بعفوِ اللَّه عنه. وقال الكلبيُّ ﵀: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أي: إن تبدوا حسنةً، كُتِبت عشرًا، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أي: تهمُّوا بها، كُتبت واحدةً كما روي. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾؛ أي: طاعةً؛ لتكونوا للنَّاسِ

стр. 2402

قدوةً، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ اكتفاءً بعلمِ اللَّه ﷻ ، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ مِن غيركم قهرًا لأنفُسِكم؛ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ (١) يعفو عنكم، وهو قادرٌ على أن يبتليكم بما ابتلى به ظالِمَكُم من وبال ظلمكم. وقال: مَن أحسنَ إليك، فأبدِ إحسانَك إليه جهرًا، ومن كفاك شرَّه، فأخلص له الولاءَ والدُّعاءَ سِرًّا، ومَن أساءَ إليك، فاعفُ عنه كرمًا وفضلًا، فاللَّهُ عافٍ عنك ذنوبَك العِظام، قادرٌ على أن يعطيكَ مِن الفضل والإنعام ما لا تصلُ إليه بالانتصافِ والانتقام (٢). * * * (١٥٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ ذكرَ أولًا المجاهرين بالكُفر، ثمَّ المنافقين، ثمَّ ذكر اليهودَ والنَّصارى، كذا قال الكلبيُّ ومقاتل: إنَّها فيهم (٣)، ووصفَهم بالكفرِ باللَّه تعالى؛ لأنَّ كفرَهُم ببعضِ أنبيائه وكتبِه كفرٌ به؛ لأنَّه ردٌّ لقولِه. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ لمَّا أضافهم اللَّه تعالى إلى نفسِه بأنَّهم رسلُه، وهم أنكروا رسالةَ بعضِهم، فقد فرَّقوا بقطعِ هذه الإضافة بينَهم وبينَ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ هم لا يقولون بهذه

стр. 2403

اللَّفظة، لكنَّ اليهودَ يُصدِّقون بموسى وهارون وعزير، ويُؤمنونَ بالتَّوراةِ، ويَكفرونَ بعيسى والإنجيل، وبمحمدٍ والقرآن، والنَّصارى يَكفرون بمحمَّدٍ والقرآن، فرجعَ ذلك إلى هذا القولِ معنى. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾؛ أي: دِينًا بينَ الإيمانِ بالكُلِّ والكفرِ بالكلِّ، وهو الإيمانُ بالبعضِ والكفرُ بالبعض، ثمَّ الجمعُ بين هذا كلِّه ليس بشرطٍ لثُبوتِ الكفر، والواو ليس للشركة، بل هو بمعنى "أو". وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: يَجحدون اللَّه أصلًا، كالدَّهريَّةِ، ﴿وَرُسُلِهِ﴾ يعني: أو رسلَه، كالذين يُقِرُّون باللَّه، ولا يَرون إرسالَ الرُّسل، كالبراهمة، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ هو تفسير هذا، قوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أو يقولون هذا، وهو قولُ اليهودِ والنَّصارى. * * * (١٥١) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. ثمَّ هذه الآية مبتدأةٌ، وخبرُها مضمَرٌ عند بعضهم في آخرها، وتقديرها: جمعوا المخازي، وعند بعضِهم جوابُه الآيةُ التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾؛ أي: الإيمانُ بالبعض والكفرُ بالبعض لا يجعلُهم مؤمنين مِن وجهٍ، بل هم كفَّار على الإطلاق. و ﴿حَقًّا﴾ نصبُه مِن خمسة أوجه: أحدها: الذين كفروا أمرًا (١) ﴿حَقًّا﴾ وهو الإيمان، فيكون مفعولًا بفعل الكُفر. والثاني: الذين كفروا كفرًا ﴿حَقًّا﴾، وهو على المصدر.

стр. 2404

والثالث: الذين كفروا حاقِّين فيه؛ أي: قاصدين له، جادِّين فيه، وهو على الحال. والرابع: الكافرون بحقٍّ، نُصب بحذفِ الباء. والخامس: ﴿حَقًّا﴾ قسم بمنزلةِ (١): وحقِّ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾؛ أي: أعددنا، والعتادُ: العُدَّةُ. * * * (١٥٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ فسَّرنا ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ في آخر سورة البقرة (٢)، ثمَّ ذكرَ المؤمنين ومدحَهم (٣): ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾؛ أي: الثوابَ الموعودَ لهم. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يغفرُ لهم ما تَقدَّمَ مِنهم مِن الكفرِ قبل مجيء محمَّدٍ ﷺ ، ويَرحمُهم، فلا يؤاخذُهم بذلك. * * * (١٥٣) - ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.

стр. 2405

وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ قال مقاتل: أي: كعبُ بنُ الأشرف وفنحاصُ بن عازوراء وأصحابُهما (١). وقال عطاء: يعني: بني قريظة والنضير. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: كتابًا مكتوبًا مثلَ الألواحِ المنزَلةِ على موسى صلوات اللَّه عليه. وقيل: أي: جملةً واحدة، كما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]. وقيل: أي على كلِّ واحدٍ منهم باسمه، كما قال: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: هؤلاء خَلَفُ سلفٍ اقترحوا وتحكَّموا على نبيِّهم موسى ﵊ مع ما جاءهم بالألواح المكتوبة ما هو أكبرُ مِن هذا التَّحكُّمِ عليك، وهذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ ، وذلك قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: عيانًا، وقيل: فيه تقديمٌ وتأخير، فقالوا جهرةً من القولِ: أرنا اللَّه. وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾؛ أي: العذابُ الهائلُ، وقيل: النَّارُ المحرِقةُ، وقيل: النَّارُ فيها الصَّوت. وقوله تعالى: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: على أنفسهم بالتَّحكُّمِ على نبيِّهم في الآيات. وقيل: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أي: بكفرِهم بموسى بتكذيبه.

стр. 2406

ثمَّ لم يكفِهم هذا حتَّى جاؤوا بظلمٍ آخر، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ أي: إلهًا. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ قيل: هي الصاعقةُ، سمَّاها اللَّهُ مع توحُّدها (١): بيِّنات؛ لما فيها من دلائل الوحدانيةِ للَّه تعالى، وصدقِ موسى، وتنبيهِهم على جهلهم، وغير ذلك. وقيل: كان فيها إماتتُهم وإحياؤهم وأشياءُ أخر، فكانت بيِّنات. وقال الكلبيُّ وعطاء: هي الآياتُ التسع. وقوله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أي: بالتَّوبةِ، ولم نستأصل الكلَّ. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال مجاهدٌ وعطاء: حجَّةً بيِّنةً قويَ بها على أعدائِه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يعني أنَّ الآياتِ التي أتاهُم بها؛ من اليدِ البيضاء، وتقليب العصا حيةً، وفلقِ البحر، كانت آياتٍ ظاهرةً يَعقِلُها كلُّ أحدٍ إن لم يعاند، وأنَّه بيَّن (٢) أنَّ سؤالَهم الرؤيةَ كان سؤالَ تعنُّتٍ، لا سؤالَ استرشادٍ؛ فإنَّه كان أتى بآياتٍ على رسالتِه، فلم يقبلوها. وفيه دليلٌ على أن المسؤولَ لا يَلزمُهُ الدَّليل على شهوةِ السَّائل، لكن يَلزمُه أن يأتيَ بما هو دليلٌ في نفسه، ولذلك عاقبَهمُ اللَّهُ تعالى بالصَّاعقة (٣). * * *

стр. 2407

(١٥٤) - ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾؛ أي: ورفعنا الجبل (١) فوق رؤوسِهم؛ لأخذِ الميثاق عليهم بأخذِ الكتاب والعمل به، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾؛ أي: باب (٢) إيلياء مطأطئين عند الدُّخولِ رؤوسَكم، ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا﴾ بأخذِ السَّمك يومَ السَّبت، ﴿وَأَخَذْنَا﴾ عليهم بذلك كله عهدًا مؤكَّدًا غاية التأكيد، وقد شرحنا هذه الحوادثَ الثَّلاث في سورة البقرة (٣). * * * (١٥٥) - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾؛ أي: فبنقضهم، و"ما" زائدةٌ، كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد شرحناه. ثم نقول: فبسببِ نقضِهم هذا الميثاقَ المأخوذَ عليهم، وبكفرِهم بآياتِ التَّوراة، وهو (٤) تحريفها، أو بكفرهم بالمعجزات التي أوردَها موسى ﵇ عليهم،

стр. 2408

وبقتلهم زكريا ويحيى ﵉، وغيرهما من الأنبياء، مِن غير أنْ يُتصوَّر منهم سببُ استحقاق القتل، وبقولهم: قلوبنا غلف؛ أوعيةٌ للعلوم، فلا حاجة لنا إلى قول موسى، أو هي في غلافٍ، فلا نفهم ما يُقال = لعنَّاهم، وسخطْنا عليهم، هذا مضمَرٌ فيه، قاله قتادة؛ لدلالة الكلام عليه؛ لأنَّه قال في سورة المائدة: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]، وكذلك اعتراضُ قولِه تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ دليلٌ على ذلك. وقال الزَّجَّاج: يتَّصِلُ بهذا قوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾؛ أي: بسبب هذه الأشياء عاقبناهم بذلك، وعلى هذا يكون قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ بدلًا عن قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم﴾ (١) وترجمةً عنه. والأول أوجه؛ لتباعدٍ بين الكلامين في هذا الوجه الثاني. وقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ هو ردٌّ لقولِهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، وقد بيَّنَّا وجوهَ ذلك في سورة البقرة (٢). وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ذكرنا وجوهَه أيضًا في قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]. * * * (١٥٦) - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قيل: وبكفرِهم بعيسى، والأوَّلُ كفرُهم بالتَّوراة وبمعجزاتِ موسى، فلم يكن تكرارًا.

стр. 2409

وقيل: معناه أنَّهم كفروا كفرًا بعد كفرٍ، وكفرًا على كفر، فهو تفحيشٌ لحالهم وقولِهم على مريم بهتانًا عظيمًا. قال الكلبيُّ ﵀: إنَّ عيسى ﵇ استقبلَ رهطًا مِن اليهود، فقالوا: قد جاءَكُم السَّاحر ابنُ السَّاحرة (١)، فقال عيسى صلوات اللَّه عليه: اللهمَّ العنْ مَن سبَّني وسبَّ والدتي، فمُسِخوا خنازير (٢). ورموا أمَّه برجلٍ من الصالحين وهو يوسف بن يعقوب بن ماثان (٣). ثمَّ في هذه الآية وجهان: أحدهما: أنَّه عطفٌ على قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾، ﴿وَكُفْرِهِمْ﴾، ﴿وَقَتْلِهِمُ﴾، ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾. والثاني: أنَّه عطفٌ على قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وبما (٤) ذكر في هذه الآية. * * * (١٥٧) - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾ أي: وبقولهم، وفي عطفِه وجهان كما قُلنا الآن، ﴿عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ معنى الجمع بين الاسمين ما مرَّ في سورة آل عمران (٥).

стр. 2410

وقوله تعالى: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ وهم لم يعتقدوهُ رسولَ اللَّه، وله وجهان: أحدهما: أنَّهم قالوه استهزاءً به، كما قالوا لرسولنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]. والثاني: أنَّهم لم يقولوا: إنَّه رسولُ اللَّه، ولكنَّ اللَّهَ تعالى وصفَه به، وهو كقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ الآية (١)، هم لم يقولوا ذلك كلَّه، لكنَّ اللَّهَ تعالى وصفَ نفسَهُ بكمالِ القُدرةِ، ثمَّ إنَّهم لم يقتلوه، ولكن ادَّعوا ذلك كذبًا، فاستحقُّوا بذلك عقابَ قاتلِه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ قال الحسينُ بن الفضل ﵀: ما ألقى اللَّه تعالى شبهَهُ على أحدٍ؛ لأنَّ أحدًا لم يستحقَّ ذلك، ولم يصلح لذلك، ولكن معنى: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: خُيِّلَ لهم، فوقعَ عندهم أنَّ ذلك شبيةٌ به، فقتلوه، أو رأوا (٢) مقتولًا، وكانوا قصَدوا قتلَ عيسى ﵇، فظنوا أنَّ المقتول عيسى (٣)، فادَّعوه. وقد بيَّنَّا الأحاديثَ في ذلك، واختلافَ الطُّرق فيها في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]. ونذكرُ خبرًا آخر فيه (٤) لم نذكرهُ ثَمَّ؛ قال عطاء: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أي: ابنُ العجوز، وذلك أنَّ عيسى ﵇ نزلَ على عجوزٍ، فاستضافَها، فقالت: إنَّ

стр. 2411

الملكَ يَطلبُ رجلًا مِن قصَّتِه (١) كذا وكذا، وأنا أُضَيِّفُك على ألَّا أعصيَ الملك، قال عيسى: اكتمي أمري، وأنا أدْعو ربِّي أنْ يَرزُقَك ما تَمنَّين (٢)، قالت: إنَّ ابني غائبٌ (٣)، فادعُ ربَّك أنْ يَرُدَّه، فدعا ربَّه، فإذا بالغلام، فقال عيسى: لا تُخبري ابنَك بي، فقالت لابنِها: نزلَ بي ضيفٌ على أنْ أؤمِّنَهُ مِن الملك، قال ابنُها: أين هو؟ قالت: هو (٤) في الخزانة، فدخلَ، فرأى عيسى ﵇، فقال: قُم إلى الملك، قال عيسى: أحسِن ضِيافتي، وأنا أُعطيكَ ما تُريد (٥)، قال بسخرية (٦): إنِّي أريدُ أنْ يُزَوِّجَني الملكُ ابنتَه، فقال: أنا (٧) لك بذلك، فلمَّا أصبحَ طالبه (٨) ابنُ العجوزِ بالشَّرط، فقال له: البسْ ثوبَك، وائتِ الملِكَ، وقل له: جئتُك خاطبًا ابنتَك، فأتى الملِكَ خاطبًا، فأمر به فجُلِدَ، فرَجعَ فقال لعيسى ﵇: قُم إلى الملك، فقد عرَّضتني للضَّربِ، فمسَح عيسى الجراحات، فالتأَمَت، واعتبرَ الغلامُ بذلك، فرجعَ إلى الملك، فرأى جراحاتِه ملتئمةً، فهالَهُ ذلك، وقال: أتريدُ ابنتي؟ قال: نعم، قال على أنْ تملأَ هذا البيتَ ذهبًا، فأخبرَ عيسى، فقال: قم، فإنَّه مملوءٌ ذهبًا، وخرج عيسى فتبعَهُ الغلامُ، فلمَّا لحِقَ بعيسى قال: ما جاء بك، قال: لا أوثر على صحبتِك شيئًا، قال عيسى: إنَّ هذا الملكَ قد لحِقَنا، فمَن تشبَّه بي فله الجنَّة، فقال: أنا، فألقى اللَّهُ تعالى عليه شبهَ

стр. 2412

عيسى، ورفعَ عيسى، فوُجِدَت الصِّفةُ فيه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧] الآية. وقال الإمام أبو منصور ﵀: تَعلَّقَ بعضُ النَّاسِ بهذهِ الآيةِ مِن وجهَين: أحدهما: في احتمال الغلطِ والخطأ في المشاهدات والمعاينات. والثاني: في احتمالِ المتواتر مِن الأخبارِ الغلطَ والكذبَ. وقالوا لمَّا قُتِل ذلك الرَّجلُ - وعندهم أنَّه عيسى، لمَّا كان به (١) شبهُه، ثمَّ لم يكن عيسى: ما يمنعُ أيضًا أنَّ ما يُشاهَدُ ويُعاينُ هو في الحقيقةِ على غير ذلك. ثمَّ الخبرُ أيضًا قد تواترَ فيهم بقتل عيسى، وكان (٢) كذبًا، فما يَمنعُ أيضًا أنَّ الخبرَ المتواترَ يجوزُ أن يَخرجَ (٣) كذبًا وغلطًا. قلنا: أمَّا الخبرُ بقتله فإنَّما انتشرَ عن ستَّةٍ أو سبعةٍ، كذا ذُكِرَ في القصَّة، وهذا من أخبار الآحاد عندنا. وأما التَّشبيهُ فهو تشبيهُ الدَّاخلين على الآخرين؛ لأنَّهم دَخلوا بيتًا هو فيه، فلم يَجدوهُ؛ لأنَّه رُفِعَ، وكان ذلك مِن أعظمِ آياتِه، فلمَّا خرجوا لم يُحِبُّوا أن يخبروا الناسَ بذلك، فقالوا (٤): قتلناه، فذلك تشبيهٌ منهم لهؤلاء، فلم يكن حجَّةً في دعوى وقوعِ الخطأ في المشاهدات (٥).

стр. 2413

فإن قالوا وهو على من حقَّق (١) إلقاء الشَّبه على غيره: كيف (٢) يجوزُ هذا والإيمانُ (٣) بعيسى واجب؟ وإذا وقعَ عندهم أنَّ هذا عيسى، وجبَ عليهم الإيمانُ به، وهذا تخليطٌ وتلبيس. قلنا: لا يكون هذا عند الدَّعوةِ ورجاءِ الإيمان، فأمَّا حال همِّهم بقتلِه وعلمِ اللَّه منهم أنَّهم لا يؤمنون، فإنَّه يكونُ تأييدًا لرسولِه، وإعجازًا لعدوِّه، فجاز (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ قال مقاتلٌ وجماعة: أي: اختلفوا في قتله (٥). وقوله تعالى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي: مِن قتلِه. وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ فإنَّهم يَدَّعون قتلَه، وهم شاكُّون فيه؛ فإنَّه بعد قتلِهم ذلك الرَّجلَ كانوا يقولون: إنْ كان هذا عيسى، فأين صاحبُنا؟! وإن كان هذا صاحبَنا، فأين عيسى؟! وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ له وجوه: أحدها: لم يَتيقَّنوا بقتِله فإنَّهم ادَّعوه، وهم على شكٍّ. والثاني: ما قتلوه، وهذا نفيٌ مطلقٌ، قوله تعالى: ﴿يَقِينًا﴾؛ أي: هذا النَّفي متيقَّنٌ، ليس فيه شبهةُ القتل. وقيل: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾؛ أي: وما علموهُ؛ فإنَّه يُستعمَل في العلم لغةً، يقال: قتلتُ

стр. 2414

هذا الأمرَ يقينًا؛ أي: علمتُ به على (١) التيقُّن (٢)، وغلبتُ على معرفتِه، ووَصلتُ إلى غايتِه، بحيث لم يبق فيه اضطرابٌ، كالمقتولِ لا اضطرابَ به (٣)، قال ذلك الفرَّاءُ (٤) وجماعةٌ مِن أهلِ الأدب. وقيل في قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: أي: في صفة عيسى، فإنَّ النَّصارى مختلفون عل مقالاتٍ باطلة؛ أنَّه ابنُ اللَّه، أو اللَّه، أو اللَّاهوت (٥)، أو النَّاسوت واللَّاهوت، وقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ في هذه المقالات، وما علموا ذلك يقينًا، أو ما قتلوه يقينًا. * * * (١٥٨) - ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى السَّماء، وقد فسَّرناهُ، وذكرنا وجوهَه في سورة آل عمران (٦). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ حالَ بينهم وبين عيسى أنْ يَقتلوهُ. وقيل: أي: منتقمًا مِن اليهود، وقد فعلَ بتسليط استبسيانوس (٧) الرُّوميِّ عليهم، حتَّى

стр. 2415

قَتَل منهم كثيرًا، وقد بيَّنَّاه في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿حَكِيمًا﴾؛ أي: في رفعِه إلى السَّماء حيًّا، وقالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: تركَ عيسى ﵇ حين رُفِع إلى السماء خُفَّينِ ومِدْرَعةً ووِسادة، وتركَ النبيُّ ﷺ إزارًا غليظًا وكساءً ووسادةً مِن أدم (١). * * * (١٥٩) - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: وما مِن أهلِ الكتابِ أحدٌ، وهذا مضمرٌ، إلَّا ليُصَدِّقنَّ به، أو إلا من ليؤمننَّ (٢) به قبل موته، وهو كقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، قاله الزَّجَّاج (٣). و ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ في الكنايتين وجوه: قيل: هما يرجعان إلى عيسى ﵇؛ أي: يؤمنُ بعيسى بعدَ نزولِ عيسى إلى الأرض قبلَ موت عيسى. قاله ابنُ عبَّاس وسعيدُ بن جُبير ومقاتلٌ وعكرمةُ وأبو مالك والكلبي والحسن (٤).

стр. 2416

قال ابنُ عباس ﵄: إذا بُعِثَ عيسى ﵇ إلى الدُّنيا، آمنَ (١) به بقيَّةُ اليهود والنَّصارى (٢). وقيل: الأولى ترجعُ إلى عيسى، والثَّانية إلى الكتابيِّ، قال محمدُ بنُ الحنفيَّة: تأتي (٣) لملائكة اليهوديَّ، فيضربون وجهَه ودُبرَه، ويقولون: يا عدوَّ اللَّه، جاءك عيسى نبيًّا مِن عند اللَّه، فكذَّبتَهُ، فيقول: أشهدُ أنَّ عيسى نبيُّ اللَّه وعبدُه، ويأتون النَّصرانيَّ فيَضربون وجهَهُ ودُبُرَه، ويقولون: يا عدوَّ اللَّه، أتاك عيسى نبيًّا، فقلت: إنَّه ابنُ اللَّه، فيقول: أشهدُ أنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولُه (٤). وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ ﵄، وقيل له: إنَّا نرى الكتابيَّ يموتُ ولا (٥) يتكلَّمُ به، فقال: إنْ (٦) ضُرِبَ عنقُه، أو خرَّ من فوق بيتٍ، أو غرقَ، أو أُحرِقَ بالنَّار، أو أكلَهُ سبُعٌ، لا تَخرجُ روحُه حتَّى يؤمنَ بعيسى (٧)، لكنَّه لا يَنفعُه (٨)، ولا يُقبَل منه؛ لأنَّه حالة اليأس. وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: يكون عيسى عليهم شهيدًا بتكذيبِ مَن كذَّبهُ وتَصديقِ مَن صدَّقه.

стр. 2417

وذكر الإمام أبو منصورٍ ﵀ هذين القولين، وقال أيضًا: وقيل (١): ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: باللَّه، وقيل: بمحمَّدٍ ﵊؛ لأنَّ عيسى ﵇ إذا نزلَ دعا النَّاسَ إلى الإيمان بمحمَّدٍ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ بأنَّه بلَّغَ الرِّسالةَ، وأقرَّ على نفسِه بالعبوديَّة. وقيل شهيدًا؛ أي: حافظًا. وقيل: يكونُ محمَّدٌ عليهم شهيدًا. قال: وهذا كلُّه محتمِلٌ، واللَّهُ أعلم بما أراد (٢). * * * (١٦٠) - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾؛ أي: كانت أُحِلَّت لهم، وكذا هو في حرف ابن مسعود وابن عباس ﵃ (٣)؛ أي: بسببِ ظلمِهم أنفسَهم بارتكابِ ما نُهوا عنه، ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾، وهو ما ذُكِرَ في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦].

стр. 2418

وقوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾؛ أي: بصرفِهم ومنعِهم، وهو بطريقين: بالقِتالِ، واستغواءِ الضَّعفَةِ والجُهَّال. * * * (١٦١) - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾؛ أي: وبأخذهم، ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: في التَّوراة، ودلَّ على حُرمةِ الرِّبا في كلِّ الأمم. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هو أخذُ الرِّشا في الأحكام واستئكالُ أموالِ الأشرافِ بتَحريفِ الكتاب. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: دون مَن آمن. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الآخرة، مع تحريم الطيِّباتِ وغير ذلك في الدُّنيا. ومن استدلَّ بالآيةِ على أنَّ الكفَّار مخاطبون بالشَّرائع؛ فإنَّه ذكرَ التَّحريم والنَّهي، فلا حجَّة له فيه؛ لأنَّ الخلاف في العباداتِ، فأمَّا حقوقُ العباد (١)؛ من أخذِ أموالِهم بالغَصب والسَّرقة والعقود الفاسدةِ، فهم مؤاخذون بأحكامِنا بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. * * * (١٦٢) - ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

стр. 2419

وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؛ أي: الثابتون (١) ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن أهل الكتاب، وهم عبدُ اللَّه بنُ سلام وأصحابُه. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: أصحاب النبيِّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: بالقرآنِ والتَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبور. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ يُذكَرُ عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: هذا خطأٌ مِن الكاتب (٢)، والصحيح: والمقيمون الصلاة، عطفًا على قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾. وهذا لا يجوز؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، فلم يجز وقوعُ الخطأ فيه (٣) مع حفظ اللَّه تعالى، ولأَنَّه لم يغيِّرهُ الصحابة، ولو وقع الخطأ لم يُظَنَّ بهم تقريرُه وهم القدوة للأمَّة. ولنصبِه وخفضِه وجوه: أحدها: أنه نصبٌ على المدح، كما في قول الشَّاعر: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ... سُمُّ العداةِ وآفةُ الجُزْرِ النَّازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ... والطَّيبينَ معاقدَ الأُزْرِ (٤)

стр. 2420

والثاني: أنَّه مخفوضٌ، معطوفٌ على قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾، وتقديره: ومن المقيمين الصَّلاة. والثالث: أنَّه مخفوضٌ، معطوفٌ على الكاف التي في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وتقديرُه: وإلى المقيمين الصلاة، وهم الأنبياء. وقيل: هو معطوفٌ على "ما"، وهو قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وتقديرُه: وبالمقيمين، وهم الأنبياءُ أيضًا. وقيل: هم (١) الملائكة، والصَّلاةُ كانت مشروعةً في كلِّ زمان، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) [الأنبياء: ٧٣]، وهي من صفاتِ الملائكة، قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١]، وقال تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] وقال: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ عطفًا على قوله: ﴿الرَّاسِخُونَ﴾. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: المصدِّقونَ بوحدانية اللَّه تعالى، وبكون القيامةِ، وهم مخالفون للمذكورين قبلها أنَّهم كافرون. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ والأوَّلون أعتدنا لهم (٣) عذابًا أليمًا. وقال مقاتل: إنَّ عبدَ اللَّه بنَ سلام وأصحابَهُ قالوا للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ اليهودَ لتَعلمُ أنَّ الذي جئتَ به حقٌّ، وإنَّك مكتوب عندهم في التَّوراة، فقالت اليهودُ للنَّبيِّ ﷺ : ليس
следующие страницы →