← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

قال ابنُ عباس ﵄: إذا بُعِثَ عيسى ﵇ إلى الدُّنيا، آمنَ (١) به بقيَّةُ اليهود والنَّصارى (٢). وقيل: الأولى ترجعُ إلى عيسى، والثَّانية إلى الكتابيِّ، قال محمدُ بنُ الحنفيَّة: تأتي (٣) لملائكة اليهوديَّ، فيضربون وجهَه ودُبرَه، ويقولون: يا عدوَّ اللَّه، جاءك عيسى نبيًّا مِن عند اللَّه، فكذَّبتَهُ، فيقول: أشهدُ أنَّ عيسى نبيُّ اللَّه وعبدُه، ويأتون النَّصرانيَّ فيَضربون وجهَهُ ودُبُرَه، ويقولون: يا عدوَّ اللَّه، أتاك عيسى نبيًّا، فقلت: إنَّه ابنُ اللَّه، فيقول: أشهدُ أنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولُه (٤). وهو روايةٌ عن ابن عباسٍ ﵄، وقيل له: إنَّا نرى الكتابيَّ يموتُ ولا (٥) يتكلَّمُ به، فقال: إنْ (٦) ضُرِبَ عنقُه، أو خرَّ من فوق بيتٍ، أو غرقَ، أو أُحرِقَ بالنَّار، أو أكلَهُ سبُعٌ، لا تَخرجُ روحُه حتَّى يؤمنَ بعيسى (٧)، لكنَّه لا يَنفعُه (٨)، ولا يُقبَل منه؛ لأنَّه حالة اليأس. وقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أي: يكون عيسى عليهم شهيدًا بتكذيبِ مَن كذَّبهُ وتَصديقِ مَن صدَّقه.

стр. 2417

وذكر الإمام أبو منصورٍ ﵀ هذين القولين، وقال أيضًا: وقيل (١): ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: باللَّه، وقيل: بمحمَّدٍ ﵊؛ لأنَّ عيسى ﵇ إذا نزلَ دعا النَّاسَ إلى الإيمان بمحمَّدٍ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ بأنَّه بلَّغَ الرِّسالةَ، وأقرَّ على نفسِه بالعبوديَّة. وقيل شهيدًا؛ أي: حافظًا. وقيل: يكونُ محمَّدٌ عليهم شهيدًا. قال: وهذا كلُّه محتمِلٌ، واللَّهُ أعلم بما أراد (٢). * * * (١٦٠) - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾؛ أي: كانت أُحِلَّت لهم، وكذا هو في حرف ابن مسعود وابن عباس ﵃ (٣)؛ أي: بسببِ ظلمِهم أنفسَهم بارتكابِ ما نُهوا عنه، ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ﴾، وهو ما ذُكِرَ في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٦].

стр. 2418

وقوله تعالى: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾؛ أي: بصرفِهم ومنعِهم، وهو بطريقين: بالقِتالِ، واستغواءِ الضَّعفَةِ والجُهَّال. * * * (١٦١) - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾؛ أي: وبأخذهم، ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: في التَّوراة، ودلَّ على حُرمةِ الرِّبا في كلِّ الأمم. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ هو أخذُ الرِّشا في الأحكام واستئكالُ أموالِ الأشرافِ بتَحريفِ الكتاب. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: دون مَن آمن. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الآخرة، مع تحريم الطيِّباتِ وغير ذلك في الدُّنيا. ومن استدلَّ بالآيةِ على أنَّ الكفَّار مخاطبون بالشَّرائع؛ فإنَّه ذكرَ التَّحريم والنَّهي، فلا حجَّة له فيه؛ لأنَّ الخلاف في العباداتِ، فأمَّا حقوقُ العباد (١)؛ من أخذِ أموالِهم بالغَصب والسَّرقة والعقود الفاسدةِ، فهم مؤاخذون بأحكامِنا بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. * * * (١٦٢) - ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.

стр. 2419

وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؛ أي: الثابتون (١) ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن أهل الكتاب، وهم عبدُ اللَّه بنُ سلام وأصحابُه. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: أصحاب النبيِّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: بالقرآنِ والتَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبور. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ يُذكَرُ عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: هذا خطأٌ مِن الكاتب (٢)، والصحيح: والمقيمون الصلاة، عطفًا على قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ﴾. وهذا لا يجوز؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، فلم يجز وقوعُ الخطأ فيه (٣) مع حفظ اللَّه تعالى، ولأَنَّه لم يغيِّرهُ الصحابة، ولو وقع الخطأ لم يُظَنَّ بهم تقريرُه وهم القدوة للأمَّة. ولنصبِه وخفضِه وجوه: أحدها: أنه نصبٌ على المدح، كما في قول الشَّاعر: لا يَبْعَدَنْ قومي الذين هُمُ... سُمُّ العداةِ وآفةُ الجُزْرِ النَّازلينَ بكلِّ مُعْتَرَكٍ... والطَّيبينَ معاقدَ الأُزْرِ (٤)

стр. 2420

والثاني: أنَّه مخفوضٌ، معطوفٌ على قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾، وتقديره: ومن المقيمين الصَّلاة. والثالث: أنَّه مخفوضٌ، معطوفٌ على الكاف التي في قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وتقديرُه: وإلى المقيمين الصلاة، وهم الأنبياء. وقيل: هو معطوفٌ على "ما"، وهو قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وتقديرُه: وبالمقيمين، وهم الأنبياءُ أيضًا. وقيل: هم (١) الملائكة، والصَّلاةُ كانت مشروعةً في كلِّ زمان، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ (٢) [الأنبياء: ٧٣]، وهي من صفاتِ الملائكة، قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١]، وقال تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] وقال: ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ عطفًا على قوله: ﴿الرَّاسِخُونَ﴾. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: المصدِّقونَ بوحدانية اللَّه تعالى، وبكون القيامةِ، وهم مخالفون للمذكورين قبلها أنَّهم كافرون. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ والأوَّلون أعتدنا لهم (٣) عذابًا أليمًا. وقال مقاتل: إنَّ عبدَ اللَّه بنَ سلام وأصحابَهُ قالوا للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ اليهودَ لتَعلمُ أنَّ الذي جئتَ به حقٌّ، وإنَّك مكتوب عندهم في التَّوراة، فقالت اليهودُ للنَّبيِّ ﷺ : ليس

стр. 2421

كما يقولون، وإنَّهم لا يعلمون شيئًا، وإنهم يُغرونَك ويُحدِّثونَك بالباطل، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (١). * * * (١٦٣) - ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: لمَّا فضح اللَّهُ تعالى اليهودَ بذكرِ ذُنوبهم وعيوبِهم، غضبوا وقالوا: ليس هذا كلام اللَّه، وما أنزلَ اللَّهُ على بشرٍ مِن شيءٍ، فنزلَت هذه الآية. وبدأ بمحمَّدٍ تشريفًا له؛ لأنَّه أفضلُ الأنبياء وأعظمُهم وإن كان خاتمًا لهم، ثمَّ جعلَ نوحًا ثانيَهُ في الوحي في هذه الآية، وفي أخذ الميثاق في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧]، وإنَّما قدَّمه على سائر الأنبياء؛ لأنَّه أبو البشر، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧]، ولأنَّه أول نذير على الشِّرك، وأوَّل من عُذِّبَ أمَّتُه بردِّهم (٢) دعوته، ولأنَّه أطولُ الأنبياءِ عمرًا، وأكبرُهم سِنًّا، وجُعِلَت معجزتُه في نفسِه؛ لم تنقُص قوَّتُه، ولم تَسقط سِنُّه، ولم يَبيضَّ شعرُه، مع أنّه عمِّرَ (٣) ألف سنة ومئتي سنة، ولم يُؤذَ أحدٌ في اللَّهِ إيذاءَهُ، وهو أوَّلُ مَن شُرِعَت له الشَّرائعُ، وسُنَّت له السُّنن.

стр. 2422

وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ ذكرنا (١) في سورة البقرة (٢) أنَّ الأسباطَ أولادُ يعقوب. وقوله تعالى: ﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ﴾ قدَّمَ ذكرَ عيسى ﵇ على أيوب ومَن ذكرَ ﵈ (٣)، وزمانُه متأخِّرٌ عنهم (٤)؛ لأنَّ الواوَ ليس للتَّرتيب، ولأنَّ البدايةَ تكونُ بالأهمِّ، وهذه الآيةُ في الإنكار على اليهودِ، وطعنِهم على عيسى؛ فلذلك قدَّم ذكرَهُ، وكذا قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ أخَّره عن ذكرِ سليمان مع وجوده قبله؛ لما قلنا: إنَّ الواوَ ليس للترتيب، ولأنَّه أوفقُ لخواتم الآي. * * * (١٦٤) - ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا﴾ نصبه من وجوه: أحدها: بإضمار: أرسلنا؛ لأنَّه بمعنى الوحي، وقد ذُكِرَ ذلك، فدلَّ على هذا المضمر. والثاني: بحذف "إلى"؛ أي: وأوحينا إلى رُسُل. والثالث: بالفعل المذكور بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ﴾، وهو كقوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩].

стр. 2423

والرابع: بالعطف على داود؛ أي: وآتينا رسلًا كُتبًا أُخر. وقوله تعالى: ﴿قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال الكلبيُّ: أي: سمَّيناهم لك في القرآن، وعرفناكَهم إلى مَن بُعِثوا (١). وقوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْك﴾؛ أي: لم نسمِّهم لك، فالمسمَّون المذكورون في سورة الأنعام وغيرها، وهي مقدَّمةٌ في النُّزول، وإنْ كانت مؤخَّرةً في الكتابة. قال ابنُ عباس رضي اللَّه تعالى عنهما: لمَّا نزلَت الآيةُ الأولى قالت اليهود: ذكرَ محمَّدٌ الأنبياءَ، ولم يَذكر موسى، فنزلَت هذه الآية: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْك﴾ الآية (٢). وسأل أبو ذَرٍّ رسولَ اللَّه ﷺ : كم الأنبياء؟ قال: "مئةُ ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفًا" قال: كم الرُّسلُ منهم؟ قال: "ثلاثُ مئةٍ وثلاثةَ عشر؛ أوَّلُ الرُّسل آدم، وآخرُهم نبيُّكم محمَّدٌ ﷺ ، وأوَّلُ رسلِ بني إسرائيل موسى، وآخرُهم عيسى، وبينهما ألفُ نبيٍّ؛ أربعةٌ منهم سريانيون، وأربعةٌ مِن العرب؛ هودٌ، وصالح، وشعيبٌ (٣)، ومحمَّدٌ عليهم الصَّلاة والسَّلام" (٤). وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾؛ أي: بلا واسطةٍ، وهو ردٌّ على المعتزلة الذين لا يُثبتون للَّه تعالى كلامًا أزليًّا على الحقيقة صفةً قائمةً بذاته؛ لأنَّه

стр. 2424

أكَّدهُ بالمصدر، وهو لتحقيق الاسم والصِّفة؛ فإنَّ الفعلَ المذكورَ على المجاز لا يؤكَّدُ بالمصدر. ودلَّت الآيةُ على أنَّ معرفةَ الرُّسلِ واحدًا بعد واحدٍ بأساميهم ليست بشرطٍ لصحَّةِ الإيمان، لكن مِن شرطِه أن يُؤمن بهم جميعًا، ولو كان معرفةُ كلِّ واحدٍ منهم شرطًا لقَصَّ علينا كلَّ ذلك. * * * (١٦٥) - ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ﴿رُسُلًا﴾ بدلٌ عن الأوَّل، ﴿مُبَشِّرِينَ﴾؛ أي: بالجنَّة لمن أطاعَ، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بالنَّارِ لمن عصاه. وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ أي: لئلَّا يكونَ لهم الاحتجاجُ، فيقولوا ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ الآية [طه: ١٣٤]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا إنما يكون في العبادات والشرائع التي سبيلُ معرفتِها السَّمعُ لا العقل، وأمَّا الاعتقادات، فإنَّ لزومَها بالعقل، فلا يكونُ لهم الاحتجاجُ؛ إذ في كلِّ شيءٍ مِن خلقه دليلٌ على وجودِه ووحدانيتِه وربوبيَّته (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾؛ أي: منيعًا قادرًا على إعزازِ من أعزَّه، وإذلال من أذلَّه، ﴿حَكِيمًا﴾ بوضعِ كلِّ شيءٍ موضعَهُ. وقيل: أي: قادرًا على إثابةِ مَن صدَّقَهم وعقابِ من كذَّبَهم. وقيل: ﴿حَكِيمًا﴾ في إرسالهم وكلِّ (٢) شيء.

стр. 2425

(١٦٦) - ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ قال الكلبيُّ ﵀: إنَّ رؤساءَ مكَّة قالوا: يا محمَّد، إنَّا قد سألنا عنك اليهودَ وعن صفتِك، فزعَموا أنَّهم لا يعرفونَك في كتابِهم، فائتنا بمَن يشهدُ لك أنَّ اللَّهَ بعثَك إلينا رسولًا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ إلى قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]، قالوا: نعم يا محمَّد، نحن نشهدُ على ذلك، ولا نجدُ أحدًا يَشهد أنَّك رسولُ اللَّه، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ الآية (١). وشهادةُ اللَّه لرسوله (٢): بما أظهرَ على يدِه مِن المعجزات، وهي شهادةٌ قاطعةٌ، وشهادةُ الملائكة: إقرارُهم بنُبوَّتِه، وفي شهادةِ اللَّه كفايةٌ، وإنَّما قرنَ بها شهادةَ الملائكة؛ تشريفًا لهم، أو على مقابلةِ شهادتِهم بتكذيب الكفَّار، وقد عرفَ النبيُّ ﷺ كثرتَهم وشرفَهم عند اللَّه تعالى، فإذا علمَ شهادتَهم له بذلك، كان ذلك تسليةً له وغُنيةً عن شهادةِ الكفَّار. وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ قال الزَّجَّاج: أي: أنزلَ القرآنَ الذي فيه علمُه (٣). وقيل: أي: أنزلهُ مِن علمِه (٤).

стр. 2426

وقيل: أي: أنزلَهُ عالمًا باستحقاقِك الإنزالَ عليك، قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقيل: أي: أنزله بما عَلِمَ مِن مصالحِ الخلقِ ومنافعِهم فيه. وفيه ردُّ قولِ المعتزلة في نفيهم الصفات؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى أثبتَ العلمَ لنفسِه بهذه الآية، وبقولِه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ فسَّرناهُ. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾؛ أي: شاهدًا. * * * (١٦٧) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ هم اليهودُ كفروا بتكذيب محمَّدٍ ﷺ ، ومَنعوا النَّاسَ عن سبيلِ الحقِّ بقولِهم للعرب: إنَّا أهلُ العلم، وفي كتابنا أن شريعةَ موسى لا تُنسخُ أبدًا، والأنبياءَ لا يكونون إلَّا من ولدِ هارون، وضلُّوا بهذا ضلالًا بعيدًا عن الرُّشدِ وعن كلِّ خيرٍ. * * * (١٦٨ - ١٦٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾؛ أي: أنفسَهم بإيرادِها مواردَ الهَلَكة، وظلموا غيرَهم بصدِّهم عن سبيل اللَّه. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أي: ليس مِن صفةِ اللَّهِ المغفرةُ لهم ما داموا على الكفر.

стр. 2427

وقوله تعالى: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ بخلاف ما قال في حقِّ المؤمنين: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩]. وقال عطاء: أي: إلَّا طريق اليهوديَّة الذي هو طريقُ أهلِ جهنَّم. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾؛ أي: في جهنم. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أي: كان تخليدُهم في جهنَّم عليه هيِّنًا، فهو قادرٌ على الكمال، لا يَتعذَّرُ عليه شيءٌ، ولا يَخرجُ عن قدرته مقدورٌ، ثمَّ ليس هذا بإجبارٍ على الكفرِ، ولا منعٍ عن الإيمان، لكنَّه خذلانٌ لهم بسبب اختيارِهم ذلك. * * * (١٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الباءُ للتَّعديةِ، و"الحق" مفعولٌ به. وقال الكلبيُّ ﵀: الحقُّ: شهادة أن لا إله إلا اللَّه. وقيل: هو القرآن. وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا﴾ أي: صدِّقوا. وقوله تعالى: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ قيل: أي: لخيرٍ (١) لكم، ولأجل خيرٍ لكم. وقيل: هو نصبٌ على الدُّعاء؛ أي: أصبتُم خيرًا لكم. وقال قطرب: أي: فآمِنوا يَكُن خيرًا لكم (٢).

стр. 2428

وقال الأخفش: تقديره: اعملوا خيرًا لكم (١). وقيل (٢): فآمنوا إيمانًا خيرًا لكم؛ أي: هو أحمدُ عاقبةً مِن الكفر. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: فإن اللَّه غنيٌّ عن إيمانِكم؛ فإنَّ له ما في السَّماوات والأرض وما بينهما. وقيل: أي: هو قادرٌ على أن يَخسِفَ بكم الأرض، وأنْ يُنزِلَ عليكم من السَّماء العذابَ فإنهما له. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾؛ أي: بمَن يؤمنُ وبمَن يكفر، ﴿حَكِيمًا﴾؛ أي: لا يُسَوِّي بينهما في الجزاء. وقيل: ﴿عَلِيمًا﴾ بأعمال العبادِ كلِّهم؛ مؤمِنهم وكافرِهم، وعليمًا بجزائِهم، ﴿حَكِيمًا﴾ في جميعِ ما يَحكُمُ به. * * * (١٧١) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: لا تَجاوزوا حدَّ الحقِّ، وهو خطابٌ لليهود والنَّصارى جميعًا، وغُلُوُّ اليهودِ في إساءةِ القول في عيسى، بتسميته ولدَ الزِّنى، وغُلُوُّ النَّصارى في مدحِ عيسى، وهو قول اليعقوبيَّة

стр. 2429

منهم: عيسى هو اللَّه، وقول النُّسْطُوريَّة منهم: هو ابنُ اللَّه، وقول الملكانية منهم: هو ثالثُ ثلاثةٍ، وهذا كلُّه كفرٌ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾؛ أي: الصِّدق؛ أي: لا (١) تُضيفوا إليه الولدَ، ولا تَجعلوا عيسى متَّحدًا بخالقِه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا ابنُ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾؛ أي: بشارتُه التي بشَّر بها مريم أنَّها تَلِدُ غلامًا زكيًّا مِن غير زوج، قال اللَّه تعالى خبرًا عن جبريل ﵇: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]، وإلقاءُ الكلام: تبليغُه وإسماعُه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ (٢) [القصص: ٨٦]. وقيل: كلمته؛ أي: كان وجودُه بكلمتِه (٣): كن، فكان، وهو قول الحسن وقتادة (٤). وقيل: أي: كان يُهتدَى به كما يُهتدَى بكلامِ اللَّه، وهو قولُ الحسينِ بن الفضل ﵀. وقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ أي: كان (٥) حياةَ الخلقِ، والكفرُ موتٌ، والإيمانُ حياةٌ، وكان تصديقُه (٦) واتِّباعه موصولًا إلى هذه الحياة، فكان كالرُّوح التي بها حياةُ

стр. 2430

النَّفسِ، وسُمِّيَ الوحيُ روحًا، والقرآنُ روحًا؛ لهذا المعنى، وقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: هذا الإنعامُ على الخلق كان مِن اللَّه . وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: بعيسى وسائرِ رسل اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾؛ أي: هم (١) ثلاثة، ومن قولهم: عيسى ثلاثةُ أقانيم، وهو جوهرٌ واحد، ويقولون: الثلاثة: الأبُ، والابنُ، وروحُ القُدُس. وقوله تعالى: ﴿انْتَهُوا﴾؛ أي: عن هذه المقالاتِ. وقوله تعالى: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾؛ أي (٢): يكن خيرًا لكم، أو: اعملوا خيرًا لكم، أو الخيرُ لكم، كما مرَّ (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ هذا ظاهرٌ، وقد مرَّ تفسيرُ ذلك مرَّات. وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلْكًا وخَلقًا، وعيسى منهم. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: حافظًا ومدبِّرًا لهما ولما فيهما. * * * (١٧٢) - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾. وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾؛ أي: لن يأنفَ ولن يَمتنِعَ عن الإقرارِ به، يُعرِّفُهم براءةَ عيسى عمَّا وصفوهُ به، وذلك أنَّ وفدَ (٤) نجران

стр. 2431

قالوا: يا محمَّد لم تَعيبُ صاحبَنا؟ قال: "ومَن صاحبُكم؟ " قالوا: عيسى، قال: "وأيَّ شيءٍ أقول؟ " قالوا: تقولُ: إنَّه عبدُ اللَّهِ ورسولُه، قال: "ليس بعارٍ أنْ يكون عبدًا للَّه"، قالوا: بل هو عارٌ، فنزلَت هذه الآية: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ﴾ (١) الآية (٢). وتعلَّقَ المعتزلةُ القائلون بتفضيلِ الملائكة على البشرِ بهذه الآية، وقالوا: إنَّ هذا بمنزلة قول القائل: لا يستنكفُ فلانٌ عن خِدمتي ولا أبوه، ولو قال: ولا عبدُه لم يحسن. وجوابنا عن ذلك: أنَّ هذا ليس لتفضيل الملائكةِ على البشر، لكنَّه للردِّ على النَّصارى والمشركين؛ فإنَّ النَّصارى قالوا: المسيحُ ابنُ اللَّه، ومشركو العربِ قالوا: الملائكةُ بناتُ اللَّه، فردَّ اللَّهُ على الفريقين، فقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾، وهذا ردٌّ على النَّصارى، ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وهذا ردٌّ على مشركي العرب. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ رُفِعَ لأنَّ الفاءَ دخلَتْ (٣)، فلم يُجزَم على الجزاء، وصار كالابتداء، وقرأ الحسنُ البصريُّ: (فسنحشرهم)، (فنُوفِّيهم)، (ونزيدُهم)، (فنُعذِّبهم) هذه الأربعة بالنُّون (٤)؛ إخبارًا من اللَّهِ عن نفسه بخطابِ الملوك، وقراءةُ العامَّة بالياء، وهو أحسن؛ لأنَّه قال: ﴿إِلَيْهِ﴾، وقال قبله: ﴿عَبْدًا لِلَّهِ﴾، والجمعُ في قولِه: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾ يرجعُ إلى المعنى، وقولُه: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ﴾ توحيدُه لظاهرِ اللفظ، ثمَّ معناه: فإنَّ اللَّهَ سيجمَعُهم يومَ القيامة إلى حكمه؛ فيجازيهِم على استنكافِهِم واستكبارِهم.

стр. 2432

(١٧٣) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: إذا حشرَهُم ميَّزَ بينهم وبين مخالفيهم، فيوفِّرُ ثوابَ المؤمنين المطيعين في جنَّةِ الخلد، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يُعطيهم زيادةً على الموعود. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾؛ أي: عن عبادته، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: تعظَّموا (١) عن الاعتراف بعبودته (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: وجيعًا في النَّار. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾؛ أي: لأنفسهم، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: سوى اللَّه ﴿وَلِيًّا﴾؛ أي: من يتولَّى كفايتَهم (٣)، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: مانعًا عقوبتَهم. * * * (١٧٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو خطابٌ للكلِّ والبرهانُ: الحُجَّةُ، وهو النبيُّ ﷺ ؛ أي: جاءَكم حجَّةٌ مِن اللَّه في اعتقادِ ما تَعتقدونهُ، وبطلانِ ما لا يجوزُ أنْ تَعتقدوه من مِلَلِ الكفر.

стр. 2433

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾؛ أي: مضيئًا يُبيِّنُ الحقَّ مِن الضَّلال، وهو القرآن. * * * (١٧٥) - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ قال ابنُ جُرَيج: أي: تَمسَّكوا بالقرآن (١). وقيل: أي: امتنعوا باللَّه. وقوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ قال الكلبيُّ: أي: في الجنَّةِ ونعيمِها، سمَّاها رحمةً؛ لأنَّها تُنالُ برحمته، كما يُسمَّى المطرُ رحمةً، وسمَّى نعيمَها فضلًا؛ لأنَّه بفضلِهِ يُنال. وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: إلى طلبِ رضوانِه طريقًا قيِّمًا. وقال الإمامُ القشيريُّ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ البرهانُ: ما لاحَ في سرائرِهم مِن شواهد الحقِّ، والنُّورُ المبينُ: هو خطابُه الذي في تأمُّلِهم معانيَهُ حصولُ الاستبصار، قوله تعالى: ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾ السِّينُ للاستقبال؛ أي: يحفظُ عليهم إيمانَهم في المآلِ، كما أكرمَهم بالعرفانِ في الحال، وقوله: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: يُكرِمُهم بأنْ يَعرِفوا بأنَّ الهدايةَ مِن اللَّه لهم فضلٌ، لا باستحقاقِهم ذلك بطلبِهم وجهدِهم فعلًا (٢). * * *

стр. 2434

(١٧٦) - ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أي: يسألونَك، وهذا خطابٌ للنَّبيِّ ﷺ ، وقد عاد الكلامُ إلى ما يَقتضيهِ أوَّلُ السُّورة؛ ليكون آخرُها مقتضيًا ما اقتضاه أوَّلُها، ويكونَ ما تخلَّلها توكيدًا للكلام بما لا بدَّ منه مِن ترغيبٍ وترهيبٍ وتنبيهٍ. وقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ إخبارٌ عن سؤاِل مطلقٍ، وتبيَّن (١) بالجواب أنَّ السؤال عمَّاذا كان، كما قلنا في قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ في آياتٍ (٢) مِن سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وقد فسَّرنا في أول السُّورة (٣) أنَّ الكلالة في من ماتَ لا والدَ له ولا ولد. وقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾؛ أي: إنْ هلكَ امرؤٌ؛ أي: مات، وكلمةُ الشَّرط (٤) تلاقي الفعلَ غالبًا، ويجوزُ أنْ يُذكَرَ الاسمُ معها والفعلُ بعده، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ أي: ابن، ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾؛ أي: للهالكِ وهو الميِّتُ

стр. 2435

أختٌ؛ أي: لأبٍ وأمٍّ، أو لأبٍ؛ فإنَّ الأختَ لأمٍّ حكمُها غيرُ هذا، وقد ذكرنا ذلك في آية الميراث في أول السُّورة. قوله تعالى: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ أي: فرضُها نصفُ تركَةِ (١) أخيها. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا﴾؛ أي: الأخُ، لو بقيَ وهلكَت الأختُ، فالأخُ يرثُها، ولمَّا أُطْلِقَ عُلِمَ أنَّه يَستحقُّ كلَّ تركتِها بالعصوبة. والآية نزلَت في طريقِ مكَّة، ورسولُ اللَّه ﷺ خرجَ في حجَّة الوداع، فأتاهُ جابرُ بن عبد اللَّه الأنصاري وقال: إنَّ لي أختًا، فكم آخذُ مِن ميراثِها إنْ ماتَت، فنزلَت الآيةُ، وابتدأ بموت الرَّجل (٢). ويقال: إنَّ جابرًا قد مات قبلَ أختِه، فورِثَتهُ، وفيه عظةٌ، فرُبَّ متربِّصٍ موتَ غيره وهو يموت قبله. وقد رويَ خلافُ ذلك، قال مقاتل: مرضَ جابرُ بنُ عبدِ اللَّه بالمدينة، فأتاهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ عائدًا، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنِّي كلالةٌ؛ لا والدَ لي ولا ولد، فكيف أصنعُ في مالي؟ فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ الآية (٣). ورويَ عنه أنَّه قال: مرضتُ، فأتاني رسولُ اللَّه ﷺ يعودُني وأبو بكرٍ الصدِّيقُ ﵁ معه، فوجدني قد أغميَ عليَّ، فتوضَّأ فصبَّ وَضوءَهُ عليَّ، فأفقتُ

стр. 2436

فقلت: يا رسولَ اللَّه، كيف أصنعُ في مالي؟ فكان لي تسع (١) أخوات، فلم يُجبني حتَّى نَزلَت هذه الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾؛ أي: فإن كانت الأختان اثنتين، ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾؛ أي: مِن تركةِ الأخ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾؛ أي: جمعًا، ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً﴾ ترجمةٌ عن الإخوة، ودلَّ على أنَّ الاسمَ يَتناولُ الذُّكورَ والإناث جميعًا. وقوله تعالى: ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: فللأخ منهم مثلُ نصيبِ الأختينِ بالعصوبة، كما في الأولاد. وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ "أن" مع الفعل مصدرٌ، وتقديرُه: يُبيِّن اللَّهُ لكم الضَّلال، وإذا بيَّنَ الضَّلال فقد بيَّنَ الهُدى؛ إذ هو ضدُّه، وإذا عُرِفَ أحدُهما عُرِفَ الآخرُ بمعرفتِه، فيُجتَنبُ المنهيُّ عنه، ويُقصَدُ المأمورُ به. وقال عطاءٌ ومقاتلٌ وجماعةٌ: معناه: لئلَّا تَضِلُّوا؛ أي: لا تُخطِئوا (٣)، و"لا" مضمرٌ، وهو كقول القطاميِّ: رأينا ما يَرى البُصراءُ فيها... فآلينا عليها أن تُباعا (٤) أي: ألَّا تباعَ هذه النَّاقةُ، ونظيرُه في القرآن: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

стр. 2437

[الأعراف: ١٧٢]؛ أي: لئلَّا يقولوا، ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]؛ أي: لئلَّا تميدَ بكم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: واللَّه عالمٌ بكلِّ شيءٍ من مصالحِ عبادِه، فهو تنبيهٌ لهم، ولا يتركُهم سدى، وبيَّن في هذه الآيةِ حكمَ الأختين، ولم يُبيِّن حكمَ الأخوات، وذكرَ في آيةِ أوَّلِ السُّورة حكم البنات (١)، ولم يُبيِّن حكمَ الابنتين تسويغًا (٢) للاجتهاد، وتجويزًا للقياس، فاستدلَّ العلماءُ باستحقاقِ الأختين الثُّلثين أنَّ الابنتينِ كذلك، واستدلُّوا باستحقاق البناتِ الثُّلُثين أنَّ الأخواتِ كذلك، وروي (٣) عن عمر ﵁ أنَّه قال: ما سألتُ النبيَّ ﷺ عن شيءٍ (٤) أكثرَ ممَّا سألتُه عن الكلالة، ثمَّ طعن في صدري بإصبعه، فقال: "لا (٥) يكفيكَ آيةُ الصَّيف التي في آخر سورة النساء؟ " (٦). قال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه دلالةٌ أنْ (٧) قد يُترَكُ بيانُ ما يُدرَكُ بالاجتهادِ والنَّظر، فيُجتَهدُ فيدرَك؛ لأنَّ عمرَ ﵁ سألَه غيرَ مرَّةٍ عن ذلك، ولم يُبيِّنهُ، وأشارَ إلى الآية التي فيها ذكرُ ما سألَ عنه، ليَنظُرَ ويَجتهِد؛ ليدرك. وفيه دليلُ جوازِ تأخرِ البيان؛ لأنَّ عمرَ ﵁ سألهُ غيرَ مرَّةٍ، ولم يُبيِّنه، حتَّى أمرَ بالنَّظر في الآية.

стр. 2438

وعن أبي بكر الصديق رضي اللَّه تعالى عنه أنَّه قال: الكلالةُ: مَن ليس له ولدٌ ولا والدٌ، وكذلك قال عمرُ ﵁، وقال: إنِّي لأستحيي مِن اللَّه أن أردَّ شيئًا قالَه أبو بكرٍ الصِّديقُ ﵁ (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قطعَ اللَّهُ وتعالى الخصومةَ بينهم في قسمةِ المواريث بما أظهر لهم مِن النَّصِّ على الحكم؛ فإنَّ المالَ محبَّبٌ إلى الإنسان، وجُبلتِ النُّفوسُ على الشُّحِّ، فلو لم ينصَّ على مقاديرِ الاستحقاق تقابلت (٢) الاجتهادات، وأدَّى ذلك إلى التجاذبِ والخصومات، فقطَعَ الخِصامَ ببيانِ الأقسام، ثمَّ في توريث النِّساء، وإنْ لم يوجدْ منهنَّ الذَّبُّ عن العشيرة؛ دلالةً على (٣) النَّظرِ لهنَّ لضعفهنَّ، وتفضيلُ الذُّكور عليهن؛ لما عليهم مِن تَحمُّل المؤن، وكذا السَّعيُ والقيامُ عليهنَّ. وعن البراءِ بن عازبٍ ﵁ أنَّه قال: آخرُ سورةٍ نزلَت كاملةً سورةُ براءة، وآخرُ آيةٍ نزلَتْ خاتمةُ سورةِ النساء ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ (٤). وقال السُّدِّيُّ: آخرُ ما نزلَ مِن القرآنِ ثلاثُ آياتٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ (٥) [التوبة: ١٢٩]، ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] الآية (٦).

стр. 2439

وروى زيدٌ العمِّيُّ عن أبي نَضرة عن ابن عباسٍ ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأ سورةَ النِّساء أُعطِيَ مِن الأجرِ كأنَّما تَصدَّق على كلِّ مَن ورث ميراثًا، وكان له مِن الأجرِ بقدرِ مَن اشترى محرَّمًا (١)، وبَرئ مِن الشِّركِ، وكان في مشيئةِ اللَّه تعالى مِن الذين يتجاوزُ عنهم" (٢). * * *

стр. 2440

سورة المائدة

стр. 2441

سورة المائدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسمِ اللَّه الذي يَهدي مَن اتَّبعَ رِضوانَهُ سبلَ السَّلام، ويُخرجُهم مِن الظُّلماتِ إلى النُّور بإذنه، ويَهديهم إلى صراطٍ مستقيم، الرَّحمن الذي يحبُّ المؤمنين ويحبونَه، وذلك فضلُ (١) اللَّه يؤتيهِ مَن يَشاء، واللَّهُ واسعٌ عليم، الرَّحيم الذي يُدخِلُهم جناتٍ تَجري مِن تحتِها الأنهارُ خالدين فيها أبدًا، رضيَ اللَّهُ عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوزُ العظيم. وسورةُ المائدةِ مدنيَّةٌ، ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ سورةَ المائدةِ (٢) من آخر القرآن تنزيلًا؛ فأحِلُّوا حلالَها، وحَرِّموا حرامَها" (٣). وعن أسماءَ بنتِ يزيد أنَّها قالت: إنِّي لآخذةٌ بزِمامِ العَضباء، ناقةِ رسول اللَّه

стр. 2442

- ﷺ ، إذ نزلَتْ عليه سورةُ المائدةِ كلِّها، وكادَت مِن ثقلِها تَدُقُّ عضدُ النَّاقة (١). وقيل: هي مدنيَّةٌ إلَّا قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]؛ فإنَّها نزلَتْ بعرفات عشيَّةَ عرفة (٢). وهي مئةٌ وعشرون آيةً، وقيل: اثنان وعشرون آية، وقيل: ثلاثٌ وعشرون آية، الاختلافُ في ثلاثِ آيات؛ ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥]، ﴿فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وكلماتها ألفان وثمان مئة وثلاث، وحروفُها أحدَ عشر ألفًا وتسعُ مئةٍ وأحد وخمسون (٣). وقد روى أبيُّ بن كعب عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورةَ المائدة أُعطيَ من الأجرِ بعددِ كلِّ يهوديٍّ ونصرانيٍّ يَتنفَّسُ في دار الدُّنيا عشرَ حسنات، ومُحيَ عنه عشرُ سيِّئات، ورُفِعَ له عشرُ درجات" (٤). وانتظامُ هذه السُّورة بالسُّورةِ التي قبلها أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ في تلك السُّورة حكمَ

стр. 2443

أموالِ اليتامى، وحكمَ النِّساء، وحكمَ المواريثِ، وحكم المحرَّمات (١) والمحلَّلات، وحكمَ السَّكران، والصَّلوات، والأمانات، والقِتال، وقتلَ المؤمن، وصلاةَ الخوف، والسَّرقةَ، والخُلعَ، والصُّلحَ، والشَّهادةَ والحكم، وتحكُّمَ (٢) المنافقين وأهل الكتاب، وختمها بقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أي: هذه ا لأحكام؛ لئلَّا تضلُّوا أي: لا تخطئوا، وهذه عهودُ اللَّه مع خلقه، وهي أوامرُه ونواهيه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ﴾ (٣) [يس: ٦٠]، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠]. وذكرَ في آخرِ تلك السُّورة نقضَ أهلِ الكتابِ عهودَ اللَّه، وأمرَ في أوَّلِ هذه السُّورةِ المؤمنين بالوفاءِ بهذه العهود؛ مخالفةً لهم. ونظمٌ آخر: أنَّه حرَّم عليهم بنقضِهم الميثاقَ الطَّيِّبات، وأمرَنا (٤) بالوفاء بالعهود، وأخبرَ أنَّه أحلَّ لنا الطيِّبات بقوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ وبما بعدَه. وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ﴿أَوْفُوا﴾ أمرٌ، والعقودُ: العهودُ الموثَّقةُ المحكمَة، مِن عَقْدِ الشَّيء بالشَّيء، وهو شدُّه به، والعقودُ ثلاثة: عهودُ اللَّه مع عباده، وهي أوامرُه ونواهيه، وعهودُ العبادِ مع اللَّه تعالى، وهي الأيمانُ والنُّذور، وعهود (٥) النَّاس فيما بينهم، وهي العقود الشرعية. * * *

стр. 2444

(١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ هذا أمرٌ بالوفاءِ بكلِّ ذلك. أمَّا الأول فهو كقولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وأما الثاني فهو كقولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]. وأما الثالث فهو كقولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾، ثمَّ هذا الأمرُ للإيجاب، وهو على وجوه عشرة: للإلزامِ على الدوام، كقوله: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. وللإيجابِ مؤقتًا، كقوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]. وللنَّدب، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]. وللإباحة، كما في قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وللتَّكوين، كقوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. وللنَّهي، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وللردِّ، كقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]. وللتخيير، كقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]. وفي معنى الشَّرط كقوله: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]؛ أي: إن كنتم حجارةً أو حديدًا، فلكمُ الموت. وللإعجاز، كقوله: ﴿فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣].

стр. 2445

وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تشريفٌ، و ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ تكليفٌ، ولمَّا علِمَ أنَّ في التَّكليفِ مشقَّةً، قدَّمَ التَّشريفَ بالثناء على التَّكليف بالأداء، فقال: يا مَن فتحتُ بصائرَهم بشهودِ حقِّي، لا تكونوا كمَن أعرضتُ عنهم مِن خلقي. والعقدُ: ما ألزمَكَ بسابقِ إيجابِه، ثمَّ وفَّقك بعد ما أظهركَ عند خطابه لجوابِه، فانبرمَ العقدُ بحصولِ الخطاب، والقَبول بالجواب، ويَدخلُ في ذلك ما عَقَدَ القلبُ معه سرًّا بسِرٍّ؛ من خلوصٍ له أضمرَه، ومعنًى كوشِفَ به وطولِبَ به فاستشعرَه (١). ثمَّ مِن هذه العقود ما ذكرَهُ مِن بعدُ، وهو قولُه تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ فمِن الوفاءِ بالعهدِ تحريمُ ما حرَّمَهُ، وإحلالُ ما أحلَّه، والبهيمةُ هي التي لا تَعقلُ؛ من قولهم: استبهمَ الأمرُ عليَّ؛ أي: أشكل، والأنعام هي: الإبلُ والبقرُ والغنم، واحدُها: نَعَم، قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥]، وقال: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ الآيات [الأنعام: ١٤٢]، وقد يُطلَق على الإبلِ خاصَّةً. والبهيمة أضيفت إلى الأنعام، وله وجهان: أحدهما: أنَّ معناه: البهيمة من الأنعام. والثاني: أنَّهما واحدٌ، والجمعُ بينهما تأكيدٌ، كما يقال: علمُ اليقين، وحقُّ اليقين، وهو إضافةُ الشَّيء إلى نفسِه، ويدلُّ عليه قوله تعالى في سورة الحج: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٣٠]، كما جَمع بينهما هاهنا، والبهيمةُ على هذا واحدٌ أريد به الجمع، كما في قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧].

стр. 2446

ثم هذا إشارةٌ إلى ردِّ قولِ الثَّنويَّة (١) الذين لا يَرونَ ذبحَ الحيوانات وأكلَها، ويقولون: هي بهائمُ لا تَعقلُ، وأكلُها مِن القسوةِ وقلَّة الرَّحمة، فأخبر أنَّ الحكمَ للَّه، والخلقَ كلَّه للَّه، وتناولَها بأمر اللَّه. وقال الشَّعبيُّ: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: ما في بطون الأنعام (٢). وروي عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّه قال: سُئِل النَّبيُّ ﷺ عن جنين الناقة، قال: هو من بهيمة الأنعام (٣). وقال الكلبيُّ ﵀: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: بقرُ الوحشِ وحُمُر الوحشِ والظَّبيُ (٤). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: سوى ما يُقرَأ عليكم؛ أي: في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ إلى قوله (٥): ﴿عَلَى النُّصُبِ﴾، وإطلاقُ هذا يقتضي حِلَّ تلك الأشياء، ولمَّا استثنى تلك الأشياء بقيَ الحِلُّ فيما وراءها. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ نصب على الحال؛ أي: أُحِلَّ لكم (٦) هذا في

стр. 2447

غير إحلالِكم الصيد وأنتم محرمون؛ أي: في حالِ ما لا تستحِلُّون ذلك بالاصطياد في الحَرم أو الإحرام. وقيل: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ يَرجعُ إلى اسم اللَّه تعالى؛ أي: أحللنا لكم الأنعامَ غيرَ محلِّين لكم اصطيادَها في الحَرم أو الإحرام (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الواو للحال والحُرم جمع حرام، ويجوزُ أن يكون هو اسمًا للواحد والجَمع، كالجُنُب يُسمَّى به الواحدُ والجمع، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، والحُرُم والمحرمُ واحد، وقد أحرمَ؛ أي: دخل في الحَرَم، وأحرمَ أي: عقدَ الإحرامَ للحجِّ أو العمرة، وتحريمُ الاصطيادِ ثابتٌ في حقِّهما جميعًا، وتقديرُه: أحِلُّوا بهيمةَ الأنعام غيرَ محلِّين لها في الإحرام إذا كان صيدًا، والأنعام يتناولُها؛ لأنَّ البقرَ الوحشيَّة منها، والظِّباءُ كالعنوز. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ مِن التَّحريم والتَّحليل للصيد (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا يردُّ على المعتزلة؛ لأنَّهم يقولون: يريدُ اللَّهُ طاعةَ كلِّ أحدٍ، ولو أرادَ ذلك لحكم به، إذ أخبرَ أنَّه يَحكُمُ ما يُريد، ولا جائزٌ أنْ يُريدَ ولا يَحكم، ولو حكمَ لنفذَ حكمُه، فدلَّ أنَّه لم يُرِد (٣). * * * (٢) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ

стр. 2448

قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الشَّعائرُ: معالمُ الدِّين، واحدتُها شعيرةٌ، والإشعارُ: الإعلامُ، والشِّعرُ العلم، ومعناه هاهنا ما قال ابنُ عباس: أي: لا تَستحِلُّوا شيئًا مِن تركِ المناسك (١)؛ مِن الطَّوافِ بالبيت، والسَّعيِ بين الصَّفا والمروة، ومسحِ (٢) الرُّكن، والوقوفِ بعرفات والمزدلفة، ورميِ الجمار؛ لأنَّ عامَّةَ العرب كانوا لا يَرون الصَّفا والمروة مِن شعائر اللَّه، كما بيَّنَّا في تلك الآية، والحُمْس (٣) كانوا لا يَرون (٤) الوقوفَ بعرفات منها. وقيل: أي: لا تَصيدوا وأنتم حرم، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]، وقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ هو اسمُ جنسٍ، فيَقعُ على الأربعةِ الأشهرِ الحُرُم كلِّها، وهي: رجبٌ وذو القَعدة وذو الحِجَّة والمحرَّم؛ أي: لا تَستَحِلُّوا (٥) هذه الشهور، ولا تتعرَّضوا بقتلٍ ولا قتالٍ أحدًا فيها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾ هو ما يُهدَى إلى الكعبةِ مِن الإبلِ والبقرِ والغنم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ وهي الإبلُ تُقلَّدُ بلحاءِ شجرٍ أو عُروةٍ مزادةٍ

стр. 2449

ونحوها، وتُوجَّهُ إلى الحَرَم؛ أي: لا تَستحِلُّوا هذهِ الأشياءَ، فلا تتعرَّضوا لأهلها بسوء (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ﴾؛ أي: ولا تَستحِلُّوا القاصدينَ ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾؛ أي: الكعبةَ المحرَّمة المحترمة (٢)، وقد أمَّ يَؤمُّ أمًّا (٣)؛ أي: قصدَ، ﴿آمِّينَ﴾ نصب بـ ﴿تُحِلُّوا﴾، و ﴿الْبَيْتَ﴾ نصب بوقوعِ الأَمِّ عليها. وقوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ صفةٌ للآمين؛ أي: يَطلبون فضولَ الأموالِ بالتِّجارات، ويَطلبون رِضوان اللَّه عنهم، والعفوَ عن الجنايات؛ أي: يَقصدونَ البيت لإصلاحِ أسبابِ المعاشِ والمعاد، وإن كان هذا بحقِّ (٤) الآمِّين المؤمنين، فابتغاءُ رضوانِ اللَّه منهم (٥) ظاهر، وإن كان في حقِّ الكفار، فمعناه (٦) أنَّهم يزعُمون أنَّهم يَبتغون رضا اللَّهِ عنهم (٧)، لكنَّهم لا يَنالونه إلَّا بعد الإيمان. وقيل: هو ترضِّيهم اللَّهَ تعالى بتأخيرِ العذاب عنهم، وألَّا يعاجِلَهُم كما عاجلَ المكذِّبين من الماضين، كذلك قال قتادةُ (٨) وجماعةٌ. وأصلُ ذلك أنَّ اللَّهَ تعالى عظَّمَ مكَّة وحرَّمَها، وجعلَ النَّاسَ يأتونها من الآفاق،

стр. 2450

والحامِلُ على الإتيان من أقاصي البُلدان شيئانِ اثنان؛ أمنُ المقصِدِ، وأمنُ الطَّريق إليه، واللَّهُ تعالى أثبتَهما جميعًا في القديم، فقال: ﴿حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ (١) [العنكبوت: ٦٧]، وقال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وأثبتَ أمنَ الطَّريق (٢) بتحريمِ الأشهر الحرم الأربعة، وهي: ذو القَعدة لإتيانِهم، وذو الحِجَّة لإقامَتِهم بمكَّة، والمحرَّمُ لرجوعهم، ورجبٌ للسَّفر في غير أيَّام الحجِّ، فكانوا (٣) إذا خرجوا إليها لا يتعرض لهم في هذه الأشهرِ الحُرُمِ بتحريمِ اللَّه تعالى ذلك، فكانوا يأمنون على أنفسِهم وأموالِهم بذلك، ولمَّا كان قد يَبعُدُ الطَّريق، فلا يكفي للإتيان والرُّجوع هذه الأشهر، شرعَ اللَّهُ تعالى الهديَ والقلائدَ، فكانوا إذا ساقوا ذلك مع أنفسِهم، وقد خرجوا في غيرِ هذه الأشهر، لا يُتعرَّض لهم أيضًا بنهبٍ أو قتلٍ أو إيذاء، فيأمنون بذلك، وكانت الحكمةُ في ذلك كلِّه إقامةَ مصالحِ أهلِ مكَّة وقوام عيشِهم بحملِ النَّاسِ إليهم كلَّ شيءٍ يَحتاجون إليه، قال اللَّه تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٩٧]. وكان هذا أمرًا قديمًا، ومعنى تجديدِ الخطاب بذلك ما رُويَ في شأن نزولِ هذه الآية عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: نزلت في الحُطم، واسمه: شريحُ بنُ ضُبيعَة بن شرحبيل البكري، وذلك أنَّه أتى المدينةَ، ودخلَ على النبيِّ ﷺ ، فقال: إلامَ تدعو النَّاس؟ فقال: "إلى شهادة أنْ لا إله إلا اللَّه، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاة"، فقال: حسنٌ، ألا إنَّ لي أصحابًا لا أقطعُ أمري دونَهم، ثمَّ خرجَ فقال النَّبيُّ ﷺ : "لقد دخلَ بوجه كافرٍ، وخرج بعَقِبَي غادر، وما الرَّجلُ بمسلمٍ"، فمرَّ بسَرْحِ المدينة فاستاقَها، وهو يرتجز:

стр. 2451

هذا أوانُ الشَّدِّ فاشتدِّي (١) زِيَمْ قد لفَّكِ اللَّيلُ بسوَّاقٍ حُطَمْ ليس براعي إبِلٍ ولا غَنَم ولا بِجزَّارٍ على ظهرِ وَضَمْ فلمَّا كان في العام القابلِ خرجَ في حُجَّاج بكرِ بنِ وائل، فبلغَ ذلك أصحابَ السَّرْح، فقالوا: للنبيِّ ﷺ : هذا الحطمُ خرج حاجًّا في بكر بن وائل، فخلِّ بيننا وبينه، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّه قلَّدَ الهديَ"، فقالوا: يا رسول اللَّه، هذا شيءٌ كنَّا نفعلُه في الجاهليَّةِ، فأبى النبيُّ ﷺ عليهم، ونزلت (٢) الآيةُ (٣). وكان حكمُ هذه الآية ثابتًا إلى (٤) عام حجَّة الصِّدِّيق، ونزولِ سورة براءة، وكان فيها: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وفيها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فنُسِخَ حكمُ الهديِ والقلائد والشهرِ الحرام والإحرام وأمنهم بها بدون الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾؛ أي: وإذا خرجتُم من الحَرم أو الإحرام (٥)، فقد زالَ حظرُ الاصطيادِ، وأُبيحَ الاصطياد.

стр. 2452

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قرأ ابنُ عامر وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿شنْآن﴾ بسكون النُّون (١)، والباقون بفتحِها، وهما لغتان عند بعضِهم، وتفسيرُه: العداوةُ، وقد شَنِئ مِن حدِّ: علم، فهو شانِئ، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. وقيل: بالفتح مصدرٌ، وهو العداوة والبُغضُ، وبالسُّكون النَّعت؛ أي: البغيض. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وجماعةٌ مِن أهل اللُّغة: ولا يَحملنَّكم (٢). وقال الفراء: لا يكسبنَّكم، وقد جرَمَ جُرمًا؛ أي: كسبَ، وفلانٌ جَرِيمةُ أهله؛ أي: كاسِبُهم (٣). وقوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ بالكسر على الشرط، والباقون بالفتح (٤) على معنى: بأن صدُّوكم، أو: لأنْ صدُّوكم، وهو الأصح؛ لأنَّ الشرطَ للاستقبال، وهذا كان ثابتًا للحال. وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾؛ أي: لا يحملنَّكم صدُّ الكفَّارِ إيَّاكم عن دخولِ مكَّة للعمرةِ عام الحديبية، وبغضُهم، أو (٥) البغيضُ منهم، على أنْ

стр. 2453

تَعتدوا أنتم حدَّ الشَّرعِ، فتَمنعوا هؤلاء عن المسجدِ الحرام، فلا قدوةَ في الباطل. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: على فعلِ الإحسان وتركِ العِصيان. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: ولا تتعاونوا، حُذِفت إحدى التَّاءين تخفيفًا. والإثمُ: الوزر، والعُدوانُ: مجاوزةُ الحدِّ. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: لمن عصاهُ وما اتَّقاه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: البِرُّ: إيثارُ حقِّه، والتَّقوى: تركُ حظِّكَ، والمعاونةُ على البِرِّ بحُسن النَّصيحةِ، وجميلِ الإشارةِ، والمعاونةُ على التَّقوى بقبض أيدي الخطَّائين، وإبلاغُ الموعظةِ وتمامُ المعاونةِ باتِّصافكَ بحميدِ الخصالِ، على الوجهِ الذي يُقتدَى بك، والمعاونةُ على الإثمِ والعُدوان أنْ تعملَ شيئًا يُقتَدى بك بما لا يَرضاهُ الدِّين، فيكونُ فعلُك سببًا لفسادِ غيرِك من الموحِّدين. وقال في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: هو ما يَعقُبُ الجُرْمَ ممَّا يَسوءُ صاحبَهُ، وشِدَّةُ العقاب: حجابُ المعاقَبِ عن شهودِ المعاقِب، فإنَّ تَجرُّعَ كاساتِ البلاء على شهودِ المُبلِي أحلى مِن الشَّهد (١). * * * (٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ

стр. 2454

لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؛ أي: الذي يموتُ بلا زكاة، ﴿وَالدَّمُ﴾ أي: المسفوحُ وهو السَّائلُ، ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾؛ أي: كلُّ أجزائِه، وتَخصيصُ اللَّحمِ بالذِّكر لما أنَّه معظَمُ المقصود، وقد قال في سورةٍ أخرى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والكناية تَرجِعُ إلى الخنزير، فدلَّ على أنَّ (١) كلَّه نجسُ العين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: وما ذُبِحَ فذُكِرَ عليه غير (٢) اسم اللَّه، أو (٣): اسم الأصنام. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾؛ أي: ما اختنقَ بالشَّبكةِ أو بحبلٍ، أو خنقَهُ خانقٌ. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾؛ أي: المضروبةُ بالخشب (٤)، وقد وقذه، مِن حدِّ ضربَ؛ أي: ضربَهُ حتَّى ماتَ، وفلانٌ موقوذٌ بالعبادة (٥) ووقيذٌ (٦)؛ أي: قد كسرته وأوهنته (٧). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾؛ أي: السَّاقطةُ في بئرٍ أو ماءٍ، أو مِن علوٍّ، وقد ردَّاه فتردَّى؛ أي: أسقطَهُ فسقطَ.

стр. 2455

وقوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾؛ أي: المنطوحةُ، وقد نطَحَتْهُ الشَّاةُ بقرنِها؛ أي: ضربَتهُ فقتلَتهُ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أي: ما جرحَهُ أسدٌ، أو ذئبٌ، أو ضبُعٌ، أو نحو ذلك، أو أكلَ شيئًا منه، وماتَ بجرحه، ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يرجعُ الاستثناءُ إلى قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وما بعدَها، إذا أدركَها وبها حياةٌ، فذبحَها، وسمَّى عليها، حلَّت. وسُئِل الشعبي عن رجلٍ انتهى إلى شاةٍ وقد (١) خرجَ من عامَّتها الرُّوح، إلَّا أنَّ عضوًا منها يتحرَّك، فذبحَها، أتؤكل؟ قال: نعم، كما لو انتهيتَ (٢) إلى مجروحٍ خرجَ مِن عامَّةِ جسدِه الرُّوح، فقتلتَهُ (٣) خطأً، فعليك (٤) ديتُه. وقال على ﵁: إذا طَرَفَت بعينِها، أو ركَضَت برجلِها، أو حرَّكتْ ذنبَها، فهي ذكيَّةٌ (٥). والتَّأنيثُ في هذه الأسماء لجعلِها صفاتٍ (٦) للبهيمة المذكورة في أوَّل السُّورة، وهي مؤنَّثة اللَّفظ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾؛ أي: على اسم الأصنام. وقيل: أي: للأصنام ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللَّام، و ﴿النُّصُبِ﴾ ما نُصِبَ مِن
следующие страницы →