← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

هذا أوانُ الشَّدِّ فاشتدِّي (١) زِيَمْ قد لفَّكِ اللَّيلُ بسوَّاقٍ حُطَمْ ليس براعي إبِلٍ ولا غَنَم ولا بِجزَّارٍ على ظهرِ وَضَمْ فلمَّا كان في العام القابلِ خرجَ في حُجَّاج بكرِ بنِ وائل، فبلغَ ذلك أصحابَ السَّرْح، فقالوا: للنبيِّ ﷺ : هذا الحطمُ خرج حاجًّا في بكر بن وائل، فخلِّ بيننا وبينه، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّه قلَّدَ الهديَ"، فقالوا: يا رسول اللَّه، هذا شيءٌ كنَّا نفعلُه في الجاهليَّةِ، فأبى النبيُّ ﷺ عليهم، ونزلت (٢) الآيةُ (٣). وكان حكمُ هذه الآية ثابتًا إلى (٤) عام حجَّة الصِّدِّيق، ونزولِ سورة براءة، وكان فيها: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وفيها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فنُسِخَ حكمُ الهديِ والقلائد والشهرِ الحرام والإحرام وأمنهم بها بدون الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾؛ أي: وإذا خرجتُم من الحَرم أو الإحرام (٥)، فقد زالَ حظرُ الاصطيادِ، وأُبيحَ الاصطياد.

стр. 2452

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قرأ ابنُ عامر وعاصمٌ في رواية أبي بكر: ﴿شنْآن﴾ بسكون النُّون (١)، والباقون بفتحِها، وهما لغتان عند بعضِهم، وتفسيرُه: العداوةُ، وقد شَنِئ مِن حدِّ: علم، فهو شانِئ، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. وقيل: بالفتح مصدرٌ، وهو العداوة والبُغضُ، وبالسُّكون النَّعت؛ أي: البغيض. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ وقتادة وجماعةٌ مِن أهل اللُّغة: ولا يَحملنَّكم (٢). وقال الفراء: لا يكسبنَّكم، وقد جرَمَ جُرمًا؛ أي: كسبَ، وفلانٌ جَرِيمةُ أهله؛ أي: كاسِبُهم (٣). وقوله تعالى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ بالكسر على الشرط، والباقون بالفتح (٤) على معنى: بأن صدُّوكم، أو: لأنْ صدُّوكم، وهو الأصح؛ لأنَّ الشرطَ للاستقبال، وهذا كان ثابتًا للحال. وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾؛ أي: لا يحملنَّكم صدُّ الكفَّارِ إيَّاكم عن دخولِ مكَّة للعمرةِ عام الحديبية، وبغضُهم، أو (٥) البغيضُ منهم، على أنْ

стр. 2453

تَعتدوا أنتم حدَّ الشَّرعِ، فتَمنعوا هؤلاء عن المسجدِ الحرام، فلا قدوةَ في الباطل. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: على فعلِ الإحسان وتركِ العِصيان. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: ولا تتعاونوا، حُذِفت إحدى التَّاءين تخفيفًا. والإثمُ: الوزر، والعُدوانُ: مجاوزةُ الحدِّ. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾؛ أي: لمن عصاهُ وما اتَّقاه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: البِرُّ: إيثارُ حقِّه، والتَّقوى: تركُ حظِّكَ، والمعاونةُ على البِرِّ بحُسن النَّصيحةِ، وجميلِ الإشارةِ، والمعاونةُ على التَّقوى بقبض أيدي الخطَّائين، وإبلاغُ الموعظةِ وتمامُ المعاونةِ باتِّصافكَ بحميدِ الخصالِ، على الوجهِ الذي يُقتدَى بك، والمعاونةُ على الإثمِ والعُدوان أنْ تعملَ شيئًا يُقتَدى بك بما لا يَرضاهُ الدِّين، فيكونُ فعلُك سببًا لفسادِ غيرِك من الموحِّدين. وقال في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: هو ما يَعقُبُ الجُرْمَ ممَّا يَسوءُ صاحبَهُ، وشِدَّةُ العقاب: حجابُ المعاقَبِ عن شهودِ المعاقِب، فإنَّ تَجرُّعَ كاساتِ البلاء على شهودِ المُبلِي أحلى مِن الشَّهد (١). * * * (٣) - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ

стр. 2454

لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؛ أي: الذي يموتُ بلا زكاة، ﴿وَالدَّمُ﴾ أي: المسفوحُ وهو السَّائلُ، ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾؛ أي: كلُّ أجزائِه، وتَخصيصُ اللَّحمِ بالذِّكر لما أنَّه معظَمُ المقصود، وقد قال في سورةٍ أخرى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والكناية تَرجِعُ إلى الخنزير، فدلَّ على أنَّ (١) كلَّه نجسُ العين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أي: وما ذُبِحَ فذُكِرَ عليه غير (٢) اسم اللَّه، أو (٣): اسم الأصنام. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾؛ أي: ما اختنقَ بالشَّبكةِ أو بحبلٍ، أو خنقَهُ خانقٌ. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾؛ أي: المضروبةُ بالخشب (٤)، وقد وقذه، مِن حدِّ ضربَ؛ أي: ضربَهُ حتَّى ماتَ، وفلانٌ موقوذٌ بالعبادة (٥) ووقيذٌ (٦)؛ أي: قد كسرته وأوهنته (٧). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾؛ أي: السَّاقطةُ في بئرٍ أو ماءٍ، أو مِن علوٍّ، وقد ردَّاه فتردَّى؛ أي: أسقطَهُ فسقطَ.

стр. 2455

وقوله تعالى: ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾؛ أي: المنطوحةُ، وقد نطَحَتْهُ الشَّاةُ بقرنِها؛ أي: ضربَتهُ فقتلَتهُ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أي: ما جرحَهُ أسدٌ، أو ذئبٌ، أو ضبُعٌ، أو نحو ذلك، أو أكلَ شيئًا منه، وماتَ بجرحه، ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يرجعُ الاستثناءُ إلى قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وما بعدَها، إذا أدركَها وبها حياةٌ، فذبحَها، وسمَّى عليها، حلَّت. وسُئِل الشعبي عن رجلٍ انتهى إلى شاةٍ وقد (١) خرجَ من عامَّتها الرُّوح، إلَّا أنَّ عضوًا منها يتحرَّك، فذبحَها، أتؤكل؟ قال: نعم، كما لو انتهيتَ (٢) إلى مجروحٍ خرجَ مِن عامَّةِ جسدِه الرُّوح، فقتلتَهُ (٣) خطأً، فعليك (٤) ديتُه. وقال على ﵁: إذا طَرَفَت بعينِها، أو ركَضَت برجلِها، أو حرَّكتْ ذنبَها، فهي ذكيَّةٌ (٥). والتَّأنيثُ في هذه الأسماء لجعلِها صفاتٍ (٦) للبهيمة المذكورة في أوَّل السُّورة، وهي مؤنَّثة اللَّفظ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾؛ أي: على اسم الأصنام. وقيل: أي: للأصنام ﴿عَلَى﴾ بمعنى اللَّام، و ﴿النُّصُبِ﴾ ما نُصِبَ مِن

стр. 2456

الحجارة ونحوِها، فعُبِدَ مِن دون اللَّه، و ﴿النُّصُبِ﴾ (١) واحدٌ، وجمعُه: الأنصاب، كالعُنق والأعناق. وقيل: هو جمعُ نَصْب، كالرَّهْن والرُّهُن، والسَّقْف والسُّقُف، قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ (٢) [المعارج: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ "أن" مع الفعل مصدر، تقديره: والاستقسامُ بالأزلام؛ بالرَّفع عطفًا على المحرَّمات المذكورة في الآية، والأزلام: القِداحُ المعلَّمةُ، واحدُها زُلَم وزَلَم؛ بضمِّ الزَّاي وفتحها. وقال الحسن: كانوا إذا أرادوا أمْرًا أو سفَرًا، يَعمِدون إلى قداحٍ ثلاثة، على واحدٍ منها مكتوبٌ (٣): أمرَني ربِّي، وعلى واحدٍ منها (٤): نهاني ربي، والثالثُ غُفْلٌ لا شيءَ عليه، فيُجيلونها، فإذا خرجَ الذي عليه الأمرُ، مضوا (٥) لأمرهم، وإن خرجَ الذي عليه النَّهيُ، كَفُّوا، وإن خرجَ الذي ليس عليه شيءٌ أعادوه (٦). وقال سعيدُ بنُ جُبير: هي حصًى بيضٌ كانوا يَضربونَها (٧). وقال السُّدِّيُّ: كانت القداحُ في الجاهليَّةِ عند الكعبة (٨)، فكان الرَّجلُ إذا أراد

стр. 2457

شيئًا، أتى الكاهن، فأعطاهُ ذلك، فضَربَ بها كما ضربَ عبدُ المطَّلب على زمزم وعلى عبد اللَّه والإبل (١). ومعنى ضمِّ هذا إلى ما ذُبحَ على الأصنام أنَّ ذلك كان في الكعبةِ، وكان هذا أيضًا فيها، والاستقسامُ بها طلبُ القَسْم؛ أي: الحظِّ والنَّصيب مِن الأمرِ مِن جهتِها. وقيل: الاستقسامُ بالأزلام هو القمارُ بقِداحِ المَيسِر. وقال مجاهدٌ: هو كلُّ قمارٍ من اللَّعب بالكِعاب وغيرها (٢). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي: الاستقسام بالأزلامِ خروجٌ عن الطَّاعة، وارتكابٌ للنَّهي. وقيل: يرجع ذلك إلى تناولِ كلِّ محرَّمٍ في هذه الآية. وقال الإمام أبو منصور: دلَّت الآيةُ على بطلانِ العمل بالقُرعة (٣). وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ وهذا حثٌّ لهم (٤) على التمسُّكِ بما بيَّنَ لهم؛ مِن الوفاءِ بالعُقود، وتحليل المحلَّلاتِ، وتحريمِ المحرَّمات، خلافًا لما كان عليه المشركون، يقول: أعطيتُكم الغلبةَ عليهم، وقَهَرْتُهم (٥)، فلا مطمعَ لهم في تغييركم عن دينِكم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾؛ أي: فلا تخافوهم وخافونِ في الثَّباتِ على أمري ونهيي والوفاءِ بعقودي.

стр. 2458

وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ أي: بيانَ شرائعِ دينكم؛ لأنَّ الآيةَ نزلت بعرفات عامَ حجَّةِ الوداع، ولم يكن بعدَها شرعُ حكمٍ؛ قاله ابنُ عبَّاس ﵄ (١). وقيل: أي: أكملتُ لكم نصرةَ دينكم؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حجَّ مع أصحابِه، ولم يكن أحدٌ مِن المشركين جاء في ذلك العام للمنع. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾؛ قيل (٢): بالإسلام، قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقيل: هي جميعُ النِّعم؛ فإنَّها جنسٌ، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وهو إنجازُ (٣) ما كان وعد: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. قال ابنُ عباس ﵄: كان إتمامُ النِّعمةِ عليهم أنْ دخلوا مكَّةَ آمنِين، وحجُّوا (٤) مطمئنين، ولم يخالطهُم أحدٌ مِن المشركين (٥). وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا يجوزُ أنْ يُقال: إنَّ الدِّين كان قبل ذلك اليوم ناقصًا أو غيرَ مرضي، لكن له وجوه: أحدها: اليوم أكملتُ برسولِ اللَّه وبعثِه دينكُم، وبه أتممتُ عليكم نِعمَتي، ولا يكونُ اليومُ إشارةً إلى يومٍ بعينِه، بل إلى ذلك الزَّمان. والثاني: أظهرتُ لكم دينكم وجعلتُ الغلبةَ لكم على المشركين.

стр. 2459

والثالث: أمَّنتكُم مِن العدوِّ والعودِ إلى دين أولئك، وآيستُهم عن عودِكم (١) إلى دينهم (٢). ثمَّ ذكر في حقِّ الدِّينِ الإكمالَ، وفي حقِّ النِّعمةِ الإتمامَ؛ لأنَّ الكاملَ ما لا يَحتمِلُ المزيدَ عليه، والتامَّ يَحتمِلُه. وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فالإسلامُ هو الدِّينُ المرضيُّ، وهو دينُ اللَّه، وهو الذي لا يقبلُ غيره. وقالوا: إكمالُ الدِّين في حقِّنا من وجوه: لنا جوامعُ الكَلِم (٣)، وأُعطِيَ رسولُنا جميعَ (٤) ما أعطى الرُّسل، وزيدَ له (٥) ما لم يكن لهم (٦)، وآمنَّا نحن بجميعِ الكُتب والرُّسل، وشريعتُنا باقيةٌ إلى يوم الدِّين (٧) لا تُنسَخ، وأضْعَفَ لنا ثوابَ الحسنات، ووَعَد لنا تبديلَ السيِّئات، ولنا طرفا الدَّارين؛ نحن الآخرون في الدُّنيا، السَّابقون

стр. 2460

في العقبى (١)، وكتابُنا أيسرُ الكتبُ، ورسولُنا أفضلُ الرُّسل، ونحن أكثرُ الأُمم عددًا، وأسبقهم (٢) موردًا. وقال الضَّحَّاك: نزلَت هذه الآيةُ يومَ عرفة، وهو يومُ الجمعة. وكان ذلك اليومُ عيدًا لليهود وللنَّصارى وللمجوس على حسابهم، ولم تجتمع أعيادُ أهل المللِ كلِّها في يومٍ واحدٍ لا قبله ولا بعده، قاله ابنُ عباس ﵄ (٣). ولمَّا نَزلت كان رسولُ اللَّه ﷺ على ناقتِه العضباء، فبركَتْ مِن ثقلِ الوحي، ثمَّ سُرِّيَ عنه، فتلاها على النَّاس، وعاش ﷺ بعده أحدًا وثمانين يومًا، أو اثنين وثمانين. وقالت اليهود لعمرَ: لقد أُنزِلت عليكم آيةٌ لو أُنزِلَتْ علينا لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، فقال عمر ﵁: أشهد أنَّها أنزِلَت يوم عرفة يوم الجمعة (٤)؛ أي: اجتمعَ فيه عيدان، وهو أشرفُ أيَّامِ أهلِ (٥) الإسلام، وأحقُّها بالإعظام. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إكمالُ الدِّين تحقيقُ القَبول في المآل، كما أنَّ ابتداءَ الدِّين توفيقُ (٦) الحصولِ في الحال، ولولا توفيقُه لم يكن للدِّين حصولٌ،

стр. 2461

ولولا تحقيقُه لم يكن للدِّينِ قَبول، وقوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ النِّعمة في الحقيقةِ ما لا يَقطعُك عن المنعم، بل يُوصِلُك إليه (١). ثمَّ الدِّينُ مضافٌ إلى العبد في هذه الآية؛ لأنَّه سالكٌ (٢) طريقتَهُ، ويُضافُ إلى اللَّه؛ لأنَّه شارعٌ حقيقتَهُ، والنِّعمةُ مضافةٌ إلى اللَّه في هذه الآيةِ؛ لأنَّه مُعطيها، وتُضافُ إلى العبد أيضًا؛ لأنَّه المتقلِّبُ فيها. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾؛ أي: أصابَتْهُ الضَّرورةُ والحاجةُ إلى شيءٍ مِن هذه المحرَّمات في مجاعةٍ، فتناوله (٣)، هذا مضمرٌ. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾؛ أي: غيرَ متمايلٍ إليه قصدًا، أو متناولٍ منه إسرافًا، أو مُدَّخر منه اختيارًا. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: يَغفرُ له فلا يعاقبُه، ويَرحمُه فلا يُعذِّبُه. والخمص: ضمورُ البطن، مِن حَدِّ: شَرُف، وعند الجوع يَضمرُ البطنُ، قال الأعشى: تَبيتونَ في المشتى مِلاءً بطونُكم... وجاراتُكُمْ غَرثى يَبِتن خمائِصَا (٤) ويتَّصِل هذا بأوَّل (٥) الآيةِ؛ فإنَّه استثنى حالةَ الضَّرورةِ عن حُرمةِ هذه الأشياءِ المذكورة.

стр. 2462

(٤) - ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ قال مقاتل: نزلَت الآيةُ في عَدِيِّ بنِ حاتم الطَّائيِّ وزيد بن مُهَلهل الطَّائيِّ، ويقال له: زيدُ الخيل، وسمَّاهُ النَّبيُّ ﷺ زيدَ الخير (١)، قالا للنبيِّ ﷺ : إنَّ كلابَ آل ذُريح يأخذون البقرَ والحُمُر والظِّباء، فمنها ما يُقتَل، ومنها ما يُدرَك ذكاتُه، وقد حرَّمَ اللَّه (٢) الميتةَ، فنزلَت الآيةُ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾؛ أي: الذبائح (٣). وقيل: أي: الحلالاتُ المذكورةُ في أوَّلِ هذه السُّورةِ وغيرها. وقيل: أي: المستطاباتُ مِن الحبوب واللُّحمان التي لم يَرِد تحريمُها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾؛ أي: وصيدُ ما علَّمتم، هذا مضمرٌ. والجوارحُ: الكواسبُ للصَّيدِ مِن الكلابِ والفهودِ والبُزاةِ والصُّقور ونحوها، وقد جَرحَ واجترحَ؛ أي: اكتسبَ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]، وجوارحُ الإنسان هي آلاتُ الاكتساب.

стр. 2463

وقيل: هي مِن الجِراحة (١)، وهي جوارحُ الصُّيود، ويُشترَطُ لحلِّها الجَرْحُ، فلا تَحِلُّ بالخَنق. وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ نصب على الحال؛ أي: مُضَرِّينَ لها حتَّى تَستكلِبَ (٢) وتَضْرى بالصَّيد، فتعتادَ أخذَه، وقد استكلبَ العدوُّ وتَكلَّب؛ أي: اشتدَّ وضَرِي وكلَّبَهُ غيرُه. وقوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: الجوارح، وتعليمُها أنْ تَنزجرَ بزجرِك، وتَمضي لإرسالِك، ولا تعدلَ عن سَنَنِ إرسالِك، وتَقتلَ الصَّيدَ جَرْحًا، لا خنْقًا، وتمتنعَ بمنعك، ولا تأكلَ مِن الصَّيدِ. وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ممَّا (٣) لم يأكلن، فإذا أكلْنَ، حرم، وهذا في صيدِ الكلبِ ونحوِه، فأمَّا صيدُ البازي ونحوِه، فأكلُه لا يُحَرِّمُه، ويُعرَفُ هذا في الفقهيات. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قيل: "من" زائدةٌ، كما في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقيل: هو للتبعيض؛ فإنَّ منها ما يُؤكَل، وهو اللُّحومُ والشُّحوم، ومنها ما لا يُؤكَل، كالدَّم والريشِ والعظم. وقيل: التبعيضُ في أنَّ المجروحَ منها يُؤكل دون المخنوق. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: عند الإرسال، وهو شرطُ الحِلّ.

стр. 2464

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾؛ أي: واحذروا مخالفةَ أمرِ اللَّه في هذا كلِّه وفي غيره، إنَّ اللَّه محاسبُكم على أفعالِكم، ومجازيكم (١) عليها، ولا يلحقُه فيه لبثٌ لتذكُّرٍ ولا قطعٌ بشغْلٍ. وقال أبو رافع (٢): استأذن جبريلُ على النبيِّ ﷺ ، فأذن له، فلم يَدخل، فأخذَ النبيُّ ﷺ رداءَه وخرجَ، فرآه (٣) فقال: "أذنَّا لك (٤) "، فقال: أجل، ولكنَّا معشرَ الملائكة لا ندخلُ بيتًا فيه كلبٌ أو صورةٌ، فالتمَسوا، فوجدوا جروًا قد دخل بيتهم، فلمَّا أصبحنا أمَرني رسولُ اللَّه ﷺ بقتلِ الكلاب، فقتلتُ كلابَ المدينة، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، ماذا يحلُّ لنا مِن هذه الأُمَّة التي نقتلُها؟ فسكتَ النَّبيُّ ﷺ ، فأنزل اللَّهُ تعالى هذه الآية (٥). فأذِنَ لهم النبيُّ ﷺ باقتناءِ الكلاب التي يُنتفَع بها، وأمرَ بقتلِ الكلبِ العَقور، وقال: "أيُّما قومٍ اتَّخذوا كلبًا، ليس بكلب حرثٍ أو صيدٍ أو ماشية؛ فإنَّه يَنقصُ مِن أجورِهم كلَّ يومٍ قيراط" (٦). وفي رواية: "قيراطان" (٧).

стр. 2465

وقيل لابن المبارك: ولم ذاك؟ قال: لأَنَّه يَنبحُ على الضَّيفِ، ويُروِّعُ السَّائِل (١). ودلَّتِ الآيةُ على فضلِ العلم؛ فإن الكلبَ الخسيس بالتعلم جلَّ قدرُه، وحلَّ صيدُه، وفيه عِظَةٌ، وهو أنَّه بتركِ علمِه والأكلِ من صيدِه يُحكَمُ بجهلِه وزوالِ علمه، فلا يَحِلُّ صيدُه، فكذا مَن علم من النَّاس، فخالفَ عِلْمَهُ، وقد سمَّى اللَّهُ تعالى مخالفَ علمِهِ جاهلًا، قال تعالى خبرًا عن يوسف ﵇: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]، وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا كان الكلبُ المعلَّمُ تركَ حظَّهُ، وأمسكَ ما اصطادَهُ على صاحبِهِ، حلَّت فريستُه، وجازَ اقتناؤهُ، وسقطَتْ نجاستُه وخساستُه؛ كذلك مَن كانت أعمالُه وأحوالُه للَّه تعالى محضةً، ولا يشوبُها حظُّ نفسِه، تَجِلُّ رتبتُه، وتَعلو حالتُه. قال: ويُقال: حسنُ الأدب يُلْحِقُ الأخِسَّةَ برتبةِ الأكابر، وسوءُ الأدبِ يَردُّ الأعزَّةَ إلى حالةِ الأصاغر (٢). * * * (٥) - ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

стр. 2466

وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كرَّرَ المنَّة بهذا؛ تأكيدًا. وقيل: الأوَّلُ بيانُ الحكم، وهذا بيانُ المنَّةِ، ﴿الْيَوْمَ﴾ بمعنى الآن حين أكملتُ لكم الدِّينَ، وأتممتُ عليكم النِّعمةَ. وقيل: هو يوم نزولِ هذه الآية. وقيل: هو إشارةٌ إلى عصرِ النَّبيِّ ﷺ ، وتُذكَرُ هذه اللَّفظة لحالةٍ دائمة، يقال: لا يصلحُ اليومَ منِّي هذا الأمرُ، ولا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يَظلِمَ اليوم. وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾؛ أي: ذبائحُهم، قيَّدناهُ به؛ لأنَّ سائرَ الأطعمةِ لا يَختصُّ حِلُّها بالملَّة. وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾؛ أي: بالبيع والهبةِ والإباحةِ ونحوِها. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أي: أُحِلَّ لكم العفائفُ بالنِّكاح، وليس هذا لاشتراط صحَّةِ النِّكاح، بل للاستحباب. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾؛ أي: العفائفُ مِن الكتابيَّات، ويَستوي فيه الحرائرُ والإماء، وهذا عندنا (١)، وقال الشافعيُّ ﵀: لا يجوزُ نكاحُ الأمة الكتابيَّة (٢)، وتُحمَلُ المحصنات هاهنا على الحرائر، وعامَّةُ أهلِ التَّفسير على ما قلنا أنَّ المحصنات هاهنا العفائف، والاسمُ يَشملُ الحرائرَ والإماء، وقد بيَّنَّا وجوهَ الإحصانِ في سورةِ النِّساء.

стр. 2467

قوله تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أي: سمَّيتُم لهنَّ ذلك، وألزِمتُموه (١)، وقد مَرَّ تحقيقُه في سورة النساء (٢). وقوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فسَّرنا هذه الكلمات في سورة النساء (٣)، ومعناه هاهنا: طالبين التَّعففَ بنكاحهنَّ، لا سافِحين الماءَ بالزِّنى حيثُ شئتُم، ولا متَّخذِي خليلاتٍ على الخصوصِ تزنون بهنَّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن ناسًا من المسلمين قالوا: كيف نَتزوَّجُ نساءَهم وهم على غيرِ دينِنا، فنزل هذا (٤)، يعني أنَّ أهلَ الكتاب وإنْ ألحِقَ حكمُهم في حلِّ ذبائحِهم لنا وحلِّ نكاحِ نسائِهم لنا بحكم المسلمين، فإنَّهم لم يفارقوا المشركين (٥)، بل كفروا بالإيمان؛ أي: جَحدوا به أنْ يكونَ دينًا حقًّا لا يُقبَلُ غيرُه، وحَبِط (٦) بذلك عملُهم، وهو تديُّنهم بالكتابِ وبنُبوَّة موسى وعيسى ﵉. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ خسِروا ثوابَ عنائِهم (٧) في الدُّنيا، وقيل: مِن الهالكين، وقيل: معناه أنَّ الكتابيَّة قد يَميلُ إليها زوجُها المسلمُ، فتَدعوهُ إلى دينِها، فحذَّرهُم ذلك.

стр. 2468

وقيل: قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ﴾؛ أي: المؤمَنِ (١) به، مصدرٌ بمعنى المفعول به، وهو الكفرُ باللَّه، وبما يَجبُ الإيمانُ به. وقال أبو الهيثم السجزيُّ: الباءُ صلةٌ، كما في قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، وقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، ومعناه: ومَنْ يَكفُر بالإيمان، ويستره (٢) بجحودِه، فقد حبِطَ عملُه؛ أي: بطَلَ جميعُ سعيِه في الإسلام بالكفرِ بعده. * * * (٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ومن الوفاءِ بالعقودِ المأمورِ به في أوَّلِ السُّورةِ هذا؛ قوله (٣): ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٤). وقال زيدُ بنُ أسلم: أي (٥): قمتم مِن النَّوم (٦)، وهو حدَثٌ، فلا حاجةَ على هذا القول إلى إضمار: وأنتم محدثون.

стр. 2469

وفي "تأويلات الإمام أبي منصور ﵀": قال النبيُّ ﷺ : "العينانِ وِكاءُ السَّه فمن نام فليتوضأ" (١)، قال: وروي عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان ينامُ ثمَّ يُصلِّي، فلا يتوضَّأ، فسئل عن ذلك فقال: "إنِّي لستُ كأحدِكم، إنَّه لتنامُ عيناي، ولا يَنامُ قلبي، ولو أحدثتُ لعلِمت" (٢). وقال آخرون: معناهُ: إذا أردتُم القيامَ إليها، كما في قوله تعالى: ﴿قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيةُ ظاهرُها يَقتضي الأمرَ بالوضوء عند كلِّ قيامٍ؛ محدثًا كان أو طاهرًا، وقد كان رسولُ اللَّه ﷺ يتوضَّاُ لكلِّ صلاةٍ قبل فتح مكَّة، فلما كان ذلك اليوم صلَّى الصَّلواتِ الخمسَ بوضوءٍ واحد، فقال عمر ﵁: صنعتَ يا رسول اللَّه ما (٣) لم تكن تصنعهُ، فقال: "عمدًا فعلتُ كي لا تُحرَجَ أمَّتي" (٤)، فثبتَ بذلك أنَّ الأمرَ بالوضوءِ عند الحدث، وهو مضمَرٌ فيه، وتقديره:

стр. 2470

وأنتم محدثون (١)، أو هو للاستحبابِ في حقِّ الطَّاهر، وللإيجاب في حقِّ المحدث؛ لقولِه ﷺ : "الوضوءُ على الوضوء نورٌ على نور" (٢)، وقوله: "لا صلاة إلَّا بطَهور" (٣). ومعنى قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: فليَغسِل كلٌّ مِنكم وجهَه؛ لأنَّ مقابلةَ الجمعِ بالجمع تَقتضي مقابلةَ الإفراد بالإفراد، كما في قوله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]، والوجهُ حدُّه من القُصاص (٤) إلى الذَّقن، ومن الأذُن إلى الأذن، وهو مِن المواجهة، وهذا القدرُ هو المواجِه (٥) عند الملاقاة. وقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ جمع مرفق، وهو مجتمَعُ طرَفي السَّاعدِ والعَضد، وفيه لغتان؛ فتحُ الميم مع كسر الفاء، وقلبُ ذلك، ﴿إِلَى﴾ للغاية، فينتهي عندها حكمُ الغَسْلِ عند زُفَر (٦) ومالك (٧)، فلا يَجِبُ غسلُها؛ لأنَّ الحدَّ لا يَدخلُ في

стр. 2471

المحدود؛ كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وعندنا يَجِبُ غَسلُها؛ لأنَّ اليدَ اسمٌ لها إلى الإبط، فكان التحديدُ بالمرافق إخراجًا لما ورائها، لا تبليغًا إليها، فبَقيَت في الغَسل. وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ والمسحُ إمساسُ الماء دون التَّسييل، ثم عند مالكٍ يُفترض مسحُ كلِّ الرأس (١)؛ لأنَّه أطلقَ ذكرَها، فصار كإطلاق ذِكر (٢) الوجوه. وقلنا: لم يقل: فامسحوا رؤوسَكم، بل قرنَه بالباء، وهو للتَّبعيض، يقال: مسحتُ يدي بالمنديلِ، وبالحائط، ويقال: أخذتُ بالزِّمام، ولو قيل: أخذتُ الزِّمام، كان ذلك دليلًا على الكلِّ. ثم يقولُ الشافعيُّ: إذا مسحَ ثلاث شعرَات منه كفى؛ لأنَّه بعض (٣). وقلنا: أمرَ اللَّه تعالى به قصدًا، فلا يَتقدَّر بما يَحصُل (٤) مِن غير قصدٍ، فقدَّرناهُ بثلاث أصابع مِن اليد (٥)؛ لأنَّها هي آلةُ المسح، والثلاثُ أكثرُها، وللأكثرِ حكمُ الكلِّ. وفي رواية عن أصحابنا: هو مقدَّرٌ بالرُّبع؛ لأنَّه يُحكَى عن الكمال، يقول الرجل: رأيتُ فلانًا، وإنَّما رأى جانبًا منه، وهو ربعه.

стр. 2472

وقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قرأ نافعٌ والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفص بالنصب (١) عطفًا على قوله: ﴿وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾، فيَدلُّ على فرضيَّةِ غسلِها. وقرأ (٢) الباقون بالخفضِ، وهو في الظاهر عطفٌ على "برؤوسكم"، فتعلَّق القائلون بأنَّ وظيفتَها المسحُ مِن الرَّوافضِ بظاهرِها، لكنَّا نَقول: خفضُه على الجوار، كما في قول العرب: جحرُ ضبٍّ خَرِبٍ، وماءُ شنٍّ باردٍ، وفي القرآن: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ إلى قوله: ﴿وَحُورٍ عِينٍ﴾ الخفض (٣)، وهنَّ لا يُطافُ بهنّ، لكن خفضُها على الجوار، وهو كقول امرئ القيس: كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ (٤) مُزَمَّل (٥) ولأنَّها محمولةٌ على حال لبسِ الخفَّين، ووظيفتُهما المسحُ في هذه الحالة بهذهِ القراءة، والغَسلُ في حالِ كونهما باديتين بتلك القراءة، والغَسلُ هو المذكورُ في الأحاديثِ المشهورة، وعليه عملُ كلِّ الأُمَّة.

стр. 2473

وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾؛ أي: إلى كعبي كلِّ رجلٍ، والكَعبُ هو العظمُ النَّاتِئ عند أسفل السَّاق، وهو مأخوذٌ مِن قولهم: كَعَبتِ (١) الجاريةُ، إذا نَتأَ ثدياها، فهي كاعبٌ، وهما داخلانِ في وظيفة الغُسل كالمرافق؛ لما مرَّ. وفرائضُ الوضوء هذه الأربعةُ، وما ورائها سننٌ وفضائلُ تُعرَفُ في الفقهيَّات، والواوُ للجمع المطلقِ، فلا تقتضي التَّرتيب. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ هو جمعٌ، وقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾؛ أي: تَطهَّروا، وهو غسلُ جميعِ ظاهرِ البدن، ويَدخل فيها الفمُ، والأنفُ، والأذنُ، والسُّرَّةُ، وخِلالُ الأصابع، ومنابتُ الشَّعر. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ جمعُ مريض، فيقع على كل مرضٍ. وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يتناولُ كلَّ سفرٍ أيضًا. وقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾؛ أي: وجاءَ أحدُكم مِن الغائط؛ أي: المكانِ المطمئنِّ، كنايةً عن قضاءِ الحاجة؛ لأنَّهم كانوا يأتونه لذلك. وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ أي: جامعتم. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ أي (٢): في السَّفر، وقد أحدثتُم بالمجيء من الغائطِ، أو أجنبتُم بالمجامعة، وفاتَ الماءُ الذي كان به الوضوءُ مِن الحدثِ، والاغتسالُ مِن الجنابةِ، أو عجَزتُم عن استعمالِه مع وجوده؛ في المرض الذي يُخافُ باستعمال الماء فيه اشتدادُه أو امتدادُه: يكفيكُم التَّيمُّم بالصَّعيد عن الوضوء

стр. 2474

والاغتسال، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ التَّيمُّمُ: القصدُ، والصَّعيدُ: وجهُ الأرض، والطَّيَّبُ: الطَّاهر. وقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ هو بيانُ كيفيَّتِه، وهما ضربتان؛ ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدين إلى المرفقين، مع المرفقين عندنا، وفيه اختلافٌ كثيرٌ، يُذكر في الفقهيات. وقوله تعالى ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الصَّعيد، والآيةُ نزلَت في قصَّة عائشةَ ﵂، قال عمار بن ياسر ﵁: كان رسولُ اللَّه ﷺ في سفرٍ، ومعه عائشةُ ﵂، ففقد عقد لها مِن جَزْع، فاحتبسَ النَّاسُ في طلب عقدِها حتَّى أصبحوا في مكانِهم ذلك، وليس معهم ماءٌ، فأتاها أبو بكرٍ ﵁، فتغيَّظ لها في حبسِها النَّاس، فبينما هم على ذلك، أنزلَ اللَّهُ تعالى الطَّهورَ في التَّمسُّح بالصَّعيد، فأتى أبو بكرٍ عائشةَ فقال (١): واللَّهِ ما علمتُ إنَّك لمباركةٌ (٢). وفي رواية أنَّ أسيدَ بنَ حُضير قال لأبي بكر: ما أعظمَ بركتِكُم يا آلَ أبي بكر، إنَّ اللَّهَ تعالى لم يُنزَل بكم نازلةً إلَّا جعلَ للمسلمين فيها فرجًا ومَخرجًا (٣). وقيل: نزلَت في عبدِ الرَّحمن بنِ عوف، كان به جُدَريٌّ، فأصابتهُ جنابةٌ وعنده

стр. 2475

ماءٌ، فخشيَ (١)، فرخَّص اللَّهُ تعالى له في التَّيمُّم (٢) بالصعيد. قاله مقاتلُ بنُ حيان. وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾؛ أي: ضيق، وقيل: مشقة (٣)؛ أي: لا يريدُ بتكليفِ الوضوءِ والاغتسالِ والتيمُّمِ إيَّاكم تضييقَ الأمر عليكم، وإلحاقَ المشقَّة بكم. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾؛ أي: ولكن يريدُ تطهيرَكُم مِن الحدثِ والجنابة. وقيل: أي: مِن الذُّنوب، وفي الأحاديث المشهورة أنَّ العبدَ إذا غسلَ أعضاءَ وضوءِه سقطَت ذنوبُه مع قطراتِ الماء (٤). وقيل (٥): أي: يريدُ أن تُطيعوهُ، فتوصَفوا بذلك بالطَّهارة التي يُوصَفُ بها المطيعون، وهو نظيرُ التَّزكية. وقوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ويريدُ إتمامَ النِّعمةِ عليكم بإباحةِ التَّيمُّمِ لكم والتخفيفِ في حالة المرضِ والسَّفرِ عليكم.

стр. 2476

وقال سعيدُ بن جُبَير: أي: ويدخلكم الجنة؛ فإنَّه لا يتم نعمة (١) إلَّا به (٢). وقيل: هو الختم على الإسلام، قاله (٣) عليُّ بنُ أبي طالب ﵁. وقيل (٤): تمامُ النِّعمة شهودُ المنعم. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لِتشكروا له (٥) قولًا وفعلًا وعقدًا. وقال القشيريُّ ﵀: لا صلاةَ إلَّا بطَهورٍ، وكما أنَّ للظواهر طهارةً، فللسَّرائر طهارة، فطهارةُ الأبدانِ بماءِ المطر، وطهارةُ القلوب بماء النّدمِ والخجَل، ثمَّ بماءِ الحياء والوجَل. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: يُطَهِّرَ ظواهرَكُم عن الزَّلَّة بعصمتِه، ويُطَهِّرَ قلوبَكم عن الغفلةِ برحمتِه. يُطهِّرَ سرائرَكم عن ملاحظة الأشكال، ويُفرِّغَ ظواهرَكم عن الوقوع في شباك الأشغال. يُطَهِّر (٦) عقائدَكم عن التَّدنُّسِ بما يُوهِنُها، وأعمالَكم عن الاعتمادِ عليها. قوله تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ إتمامُ النِّعمةِ لقومٍ بنجاة نفوسِهم ولقومٍ بنجاتِهم عن نفوسهم، وشتَّانَ بين قومٍ وقوم (٧).

стр. 2477

(٧) - ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قيل: هي المذكورةُ في قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. وقيل: هي إثباتُ الرُّخصِ المذكورةِ في هذه السُّورة. وقيل: هي الإسلام. وقيل: هي كلُّ النِّعَم، وأفردَ لأنَّه اسمُ جنس. وقوله تعالى: ﴿وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: عهدَه الذي عاهدَكم به، وأوثقَهُ (١) عليكم، وهو مِن العقودِ المذكورةِ في صدر هذه السُّورة. وقيل: هو قَبولُ (٢) الأمرِ والنَّهي. وقيل: هو عهدُ اللَّه الذي أخذَهُ على العباد بعد الإيمانِ؛ بأداءِ حقوق اللَّهِ، وحقوقِ العباد. وقال ابنُ عباس ﵄: هو بيعة الرضوان (٣)، يقول: واذكروا أيضًا ميثاقه؛ أي: ميثاقَ رسول اللَّه ﷺ الذي واثقَكم به، حين بايعتُموه على السَّمع والطَّاعة في المنشطِ والمكره، وقد كان ذلك غيرَ مرَّةٍ؛ ليلةَ العقبة، وتحتَ الشَّجرة،

стр. 2478

وبعد دخول المدينة، فأضافَهُ إلى نفسِه؛ تشريفًا للنبي ﷺ ، كما قال في سورة الفتح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، لهذا، أو لأنَّه (١) كان بأمرِ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾؛ أي: سمعنا قولَك، وأطعنا أمرَك، وكان أهلُ بيعةِ الرِّضوان ألفًا وستَّ مئةِ رجلٍ مخلص (٢). وقال ابنُ عباس ﵄ في روايةٍ: هو ميثاقه على بني إسرائيل (٣)، وقد مرَّ بيانُه في سورة البقرة في آيات. وقال مجاهدٌ ﵀: هو ميثاق ذريَّة آدم (٤)، وكذلك قال الكلبيِّ (٥)، وقال: "اذكروا"؛ أي: احفظوا. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في نقض الميثاق، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أي: بسرائر الصُّدورِ، مِن الخيرِ والشَّرِّ، وهذا وعدٌ ووعيد. وقال الإمام القشيري ﵀: الآيةُ إشارةٌ إلى التَّعريف السَّابق، الذي لولاه لما

стр. 2479

عَلِمتَ مَن هو، فأمرَهم بتَذكُّرِ ما سبقَ لهم من القسَم وهو (١) في كتْمِ العدم، ما للأغيارِ عنهم خبر، ولا لهم عينٌ ولا أثر، ولا وقع لأحدٍ عليهم بصر (٢)، وقد سمَّاهم بالإيمان، وحكمَ لهم بالغُفران قبل حصولِ العصيان، ثمَّ لمَّا أظهرَهُم، عرَّفهم التوحيدَ قبل أنْ كلَّفهُم الحدودَ، وعرضَ عليهم بعد ذلك الأمانةَ، وحذَّرهُم الخيانةَ، فقابلوا قولَه بالتَّصديق، ووعدوا مِن أنفسِهم الوفاءَ بشرطِ التَّحقيق، فأمدَّهم بحسن التَّوفيق، وثبَّتَهم (٣) على سواءِ الطَّريق، ثمَّ شكرَهُم حيث أخبرَ عنهم بقوله: ﴿إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، ثمَّ قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في نقضِ ما أبرمتُم مِن العقود، والرُّجوعِ عمَّا قدَّمتم من العهود؛ إنَّه عليمٌ، لا يخفى عليه شيءٌ مِن خطراتِ قلوبِكم، وفكرات (٤) صدوركم. * * * (٨ - ١٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ وهذا من العقود (٥) أيضًا، وفسَّرنا ذلك في سورة النساء (٦).

стр. 2480

وقيل: أراد هاهنا (١): أكملتُ لكم دينكم، فكونوا قائمين (٢) بأمرِ الدِّين، في حياةِ نبيَّكم وبعد وفاته، مُبيِّنينَ مُبرهنِينَ مُبلِّغينَ مُعلِّمين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ أي: ولا يحملنَّكُم بغضُ قومٍ على تركِ العدلِ فيهم. وقوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ﴿هُوَ﴾ إشارةٌ إلى العدلِ المذكور دِلالةً في قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾، وقولِه تعالى: ﴿أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، ولا يُقال: العدلُ تقوى، ولا يكونُ الشَّيءُ أقربَ إلى نفسِهِ؛ لأنَّ معناه: وعدلُكم في حقِّ الأولياءِ والأعداء أقربُ إلى أن تكونوا متَّقين مجتنبين كلَّ السَّيِّئات. وقيل: معناه: أقربُ إلى اتِّقاءِ النَّارِ والعقوبات. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في كلِّ أمرٍ ونهي. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ هو وعدٌ ووعيد، ولذلك ذكرَ بعدها آيتين؛ إحداهما في الوعد، وذلك قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهذا ظاهرٌ، والأخرى في الوعيد، وذلك قولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وهذا ظاهرٌ أيضًا، ثمَّ قولُه: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وقوله: ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ مرفوعان، ولم يُنصبا بقوله: ﴿وَعَدَ﴾؛ لأَنَّهما على الاستئناف، وما قبلَهُ تامُّ المعنى؛ لأنَّ الوعدَ المطلقَ هو الإطماعُ في المسارِّ. وقيل: قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ في حقِّ اليهودِ

стр. 2481

الذين ذهبَ النَّبيُّ ﷺ يستعينُ بهم في ديةٍ، فهمُّوا بقتلِه، وقصدَ المسلمون مجازاتَهم، فنزلَت هذه الآية (١). ولا يقال: إنَّ قتلَ الكفَّار جائزٌ، بل (٢) واجب فما (٣) معنى الأمر بالعدل فيهم؟ لأنَّا نقولُ: قد تقعُ المعاملةُ منَّا معهم لا على وجهِ العدلِ بالمثلةِ والقذفِ بالفاحشة وقتْلِ الأولاد الصغار لغيظ الكبار، وذلك محرَّمٌ علينا في مقابلة (٤) الكفَّار. * * * (١١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ قال الكلبيُّ: بعث رسولُ اللَّه ﷺ سريةً سبعةً وعشرين رجلًا إلى بني عامرِ بن صعصعة، وكان طريقُهم على بني سُليم، وأمَّرَ عليهم المنذرَ بنَ عمرو، فنزلوا على بني سُليم، وهم صلحٌ لرسول اللَّه ﷺ ، فبعث بنو سُليم إلى بني عامر، فأخبَروهم بأمرِ القوم، فلمَّا كان عند الرحيلِ أضلُّوا بعيرًا لهم، فتَخلَّفوا، وسارَ المنذِرُ حتَّى أتاهُم وقد جمعوا لهم، واستعدُّوا بالسِّلاح، فالتقوا ببئر معونة، فاستُشهِدوا جميعًا، ثم إنَّ الأربعةَ الذين تَخلَّفوا لطلبِ البعيرِ اتَّبعوا أصحابَهم،

стр. 2482

فلقيتهم أمةٌ لبني عامر مسلمةٌ، فقالت: مِن أصحاب محمَّدٍ أنتم؟ قالوا: نعم؛ رجاءَ أن تُسلِم، قالت: النَّجاء النجاء، فإنَّ إخوانَكم (١) قتلوا جميعًا على الماء، تعتورهم النُّسورُ والعقبان، فقال أحد الأربعة: ما ترون؟ قالوا: نَرى أن نرجعَ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فنخبرَهُ بالأمر، قال: لا، ولكنِّي واللَّه لأتغدينَّ (٢) مِن غداء أصحابي، ارجعوا واقرؤوا على رسول اللَّه ﷺ سلامي، قالوا له: فأمهِلنا حتَّى نَتغيَّبَ عنك، فلمَّا تغيَّبوا عنه، صعِدَ الجبلَ، فأشرف على أصحابه، فإذا هم مقتولون، وإذا المشركون قعودٌ يَتغدَّونَ، فانحدرَ بسيفِه فجالدَهم حتَّى قُتِلَ. وقصدَ الثَّلاثةُ (٣) المدينةَ، فلقوا رجلينِ من بني سُليم خارجين من المدينة، فقالوا لهما: من أنتما؟ قالا: مِن بني عامر، قالوا: من الذين قتلوا إخوانَنا (٤)، فقتلوهُما لا يَشكُّون أنَّهما مِن بني عامر، وأخذوا سَلَبَهُما، ثمَّ دخلوا المدينةَ، فوجدوا الخبرَ قد سبق إليه، فقال لهم: "قتلتُم رجلين من بني سُليم، مِن أهل ميثاقي، وهذه كسوتُهما بئس ما صنعتم". وجاء رهط السُّلمين، فقالوا: يا رسول اللَّه، أقِدنا مِن قتل صاحبينا، فقال لهم: "ليس لكم القوَد؛ لأنَّ صاحبيكم اعتزيا إلى عدوِّنا من بني عامر، ولكنَّا نؤدِّي إليكم ديتَهما". فانطلقَ رسولُ اللَّه ﷺ يسألُ من ميثاقِه، ومعه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمان وعليٌّ ﵃، فبدأ ببني قريظة (٥)، فأتاهم فقال: "تَعلمون ما أصابنا من دمِ الرَّجلين،

стр. 2483

ونحن نريدُ أنْ نؤدِّي ديَتهما، فاتَّخذوا عندنا يدًا نجزيكم بها"، قالوا: مرحبًا يا أبا القاسم، إخوانُنا بنو النَّضير، لا نَقضي أمرًا دونَهم، نُعلِمُهم ذلك، ثمَّ تأتينا يومَ كذا وكذا، وقد جمعنا لك الذي تُريد. فرجعَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فلمَّا كان ذلك اليوم، أتاهم ومعه أبو بكر وعمرُ وعثمانُ وعليٌّ ﵃، فأدخلوهُ في صُفَّةٍ لهم، ثمَّ خرجوا يَجمعون السِّلاح، ويَنتظرون كعب بن الأشرف وهو غائبٌ بالمدينة (١) أن يَقدُمَ عليهم؛ ليثوروا به، فنزل جبريلُ ﵇، فأخبرَهُ بما يُرادُ به. فقام رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يُؤذِن أحدًا مِن أصحابِه؛ مخافةَ أنْ يثوروا به، فخرجَ فقام على الباب، فلمَّا أبطأ على أصحابِهِ، خرجَ أبو بكرٍ في طلبِه، فإذا هو بالباب، فقال: "قد غدرَت بي اليهود -اللهمَّ العنْهُم- فقم (٢) مكانك، فإذا خرج بعضُ أصحابِكَ فأخبرهُ الخبرَ، وأقِمهُ مكانَك حتَّى يَخرجَ إليه صاحبُه"، ففعلَ، ثمَّ خرجَ عمرُ، فقال له ذلك، ثم خرج عثمانُ (٣)، فقال له عمر ذلك، ثم خرج عليٌّ، فقال له عثمانُ ذلك، حتَّى لحقوه، ونزلت هذه الآيةُ، وعلمَ به اليهودُ بعد ذلك، فتحيَّروا، فقوله (٤): ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ خطابٌ لكل الصحابة (٥)؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ لو أصيبَ كان (٦) ذلك على الكلِّ.

стр. 2484

وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾؛ أي: قصدَ قوم (١). ﴿أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: يَمدُّوها بالقتل. وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾؛ أي: منعَها. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في كلِّ شيءٍ، واثبُتوا على التَّقوى. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وأنتم مؤمنون، فافعلوا ذلك. وقال جابرُ بنُ عبد اللَّه الأنصاريُّ: نزلَ رسولُ اللَّه ﷺ منزلًا، وتَفرَّق النَّاس في العضاهِ (٢) يَستظِلُّون تحتَه، فعلَّقَ النَّبيُّ ﷺ سلاحَهُ بشجرةٍ، فإذا أعرابيٌّ جاء إلى سيف رسولِ اللَّه ﷺ فسلَّهُ، ثمَّ أقبلَ على النبيِّ ﷺ فقال: مَن يمنعُك منِّي؟ فقال: "اللَّه تعالى"، قالَها ثلاثًا، والنبيُّ ﷺ يقول: "اللَّه"، فشامَ (٣) الأعرابيُّ السَّيفَ، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ أصحابَه فأخبرَهم، فنَزلَتِ الآية. وذكر قتادةُ: أنَّ قومًا أرسلوا هذا الأعرابيَّ، وفيهم نزلَت هذه الآية (٤). وعن قتادة أيضًا: أنَّ هذا كان في الغزوة السابعة، وقد نزلَ بنخلةٍ، فأرادَ بنو ثعلبة وبنو محارب أنْ يَفتِكوا به، وندبوا هذا الأعرابيَّ لذلك، وفيها نزلَت صلاة الخوف (٥).

стр. 2485

وقيل: كان ذلك حين حاصرَ غطفان، وجاءَ هذا الأعرابيُّ ورسولُ اللَّه ﷺ متقلِّدٌ سيفَه، فقال له: يا محمَّد، أرني سيفَك، فأعطاهُ، فجعلَ يَهزُّه، ويقولُ: مَن يمنعُك منِّي، إلى آخره كما ذكرنا (١). * * * (١٢) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ اتصالُها بما قبلَها أنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ لنبيِّه: لا تَعجبنَّ مِن نقض هؤلاء اليهود ميثاقهم معك، وقصدِهم قتلَك؛ فإنَّهم مِن أولادِ قومٍ أخذنا ميثاقَهم فنَقضوا. وقوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ أي: وبعثَ موسى هؤلاءِ بأمرِنا، والنَّقيبُ هو الملِكُ على قولِ ابن عبَّاس؛ أي: على كلِّ سبطٍ مِن بني إسرائيل ملكًا ورئيسًا (٢)، وهو مَنْ نَقَّب الشَّيء، سُمِّيَ به؛ لأَنَّه يُنقِّبُ عن أحوالِ قومِه، فيَقِفُ على مكنونِ أسرارِهم، ومنه المناقب، وهي الفضائل؛ لأَنَّها تَظهرُ بالتَّنقيب عنها. وقيل: النُّقباءُ: الأمناء (٣)، وبعثَ موسى من الأسباطِ الاثني عشر اثنَي عشر أمينًا؛ ليَتعرَّفوا أخبارَ القوم الذين كانوا بأرض الشام مِن الجبَّارين، وكان اللَّه وعدَ بني

стр. 2486

إسرائيل حين أخرجَهُم مِن مصر أنْ يَجعلَ تلك البلادَ لهم، فأمرَهُم موسى بالمسيرِ إليهم لقتالِهم، واختارَ مِن كلِّ سبطٍ رجلًا منهم، يتجسَّسون (١) الأخبارَ، ويَرجعون فيُخبرون قومَهم، فيعمَلون (٢) على ذلك. وقيل: هم الأمراء. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقال أبو عوسجة: هم المنظورُ إليهم، والمصدورُ عن رأيِهم. وقال أبو عبيد: هم الأمناءُ والضُّمناء (٣). وقال مقاتل: هم الشهداء (٤). وقال محمَّدُ بنُ إسحاق: هم الكفلاء. وقال هو: وأسماؤُهم فيما يُذكر أهل التوراة: بحشون (٥) بن عميم رأسُ سبطِ بيت يهوذا، وياليل بن صَعُوراء رأسُ سبطِ بيت يشتاخر، وإلياب بن جولان رأسُ سبط بيت زبالون (٦)، ونصور بن شازورا (٧) رأسُ سبطِ بيت روبيل، وشلامور بن صوريا رأسُ سبطِ بيت شمعون، والياسف بن رعويل رأسُ سبطِ بيت حاذٍ، واليَسع بن عيهود رأسُ سبط بيت أفراييم بن يوسف، وجميل بن ترينون رأسُ سبط بيت منشا بن يوسف، وأبيدن بن خرعون رأس سبط

стр. 2487

بيت بنيامين، وخيعور بن شبوذا رأسُ سبط بيت دان، وخيعل بن جعون رأسُ سبطِ بيت أنشا بن يعقوب، وأجزع (١) بن عينان رأسُ سبط بيت نفتايل (٢). وفي بعض الروايات: من سبطِ روبيل شامول بن بكول، ومن سبطِ شمعون ساقط بن حزن، ومن سبطِ يهوذا كالب بن يوفنَّا، ومن سبطِ أفراييم بن يوسف يوشع بن نون، ومن سبطِ بنيامين رقود (٣) بن فلطا، ومن سبطِ زبالون (٤) جدي (٥) بن شوراهم، ومن سبطِ منشا بن يوسف جويّ بن شوسا، ومن سبط دان حمايل بن آزر، ومن سبط أنشا تور بن مكايل، ومن سبط نفتايل فولايل بن مكيد، ومن سبط يشاخر (٦) أخدع بن عينان (٧). سارَ بهم موسى ﵇ إلى الأرض المقدَّسةِ بأمر اللَّه تعالى، حتَّى إذا نزلَ بريةً (٨) بين مصر والشام، وهي بلادٌ ليس بها خَمَر (٩)، دعا موسى ربَّه حين آذاهم

стр. 2488

الحرُّ، فظلَّلَ اللَّه بالغمام (١)، ودعا لهم بالرِّزق، فأنزلَ اللَّه تعالى عليهم المنَّ والسَّلوى، وأمرَه (٢) اللَّه تعالى أن يُرسِلَ رجالًا يتجسَّسون (٣) له أخبارَ الأرض المقدَّسةِ التي وهبَ اللَّهُ لبني إسرائيل، فقال لهم: اصعدوا الجبلَ، وانظروا ما في الأرض التي يسكنونَها أقليلٌ أم كثير؟ وهم أقوياءُ أم ضعفاء؟ وانظروا أرضَهم، أذاتُ شجرٍ مثمرة، أم لا؟ وإن كانت ذات شجرٍ مثمرةٍ فاحملوا إلينا من ثمرِها (٤). فحملوا عنقودًا بين خمسةِ رهْطٍ، وسمُّوا ذلك الوادي وادي العنقود، ثمَّ رجعوا بعد أربعين يومًا، فأتَوا موسى وهارون، وقصُّوا عليهما، وقالوا: هي أرضٌ تَفيضُ لبنًا وعسلًا، وهذه من ثمرِها، وأهلُها أقوياءُ أشدَّاءُ، ولهم حصونٌ وثيقةٌ، فقال كالوب (٥) ويوشع: إنَّ لنا بهم قوة، وقال الباقون: إنَّ بها جبابرةً، ورجالًا جسامًا، ونحن في أعينهم مثلُ الجراد، وبكوا من ذلك، فخرَّ موسى وهارون سجودًا، وخرَّق كالوب ويوشع ثيابَهما. فأوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى: إنْ كان أولئك لا يَقدِرون على دخولِها، فإنِّي غَفرتُ لهم بكلمتِك، وأمَّا كالوب ويوشع فإنِّي أدخلُهما تلك الأرضَ حتَّى يراهما (٦) مَن فيها مِن العماليق والكنعانيين.

стр. 2489

وقيل: لمَّا أرادَ موسى أنْ يبعثَ هؤلاء، قالوا: إنَّ أولئك أقوياء، ونحن نخافُهم، فوعدَهُمُ اللَّه الحفظَ بما شرَطَ عليهم (١)، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾؛ أي: قال لهم: إنِّي حافظُكم، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، وقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، قوله: ﴿لَئِنْ﴾ لام قسم، وقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ لامُ جواب، و ﴿الصَّلَاةَ﴾ اسمُ جنس، وأريد بها كلُّ الصَّلوات، والتَّعزير: النُّصرة في قول الزَّجَّاج (٢) والتعظيم في قول أبي عبيدة (٣)، وأنشد: وكم من ماجدٍ لهم كريمٍ... ومِن ليثٍ يُعزَّرُ في النَّدِيِّ (٤) وأصلُ العَزْرِ: المنع، قال القطاميُّ: ألا بَكَرَتْ سلمى بغيرِ سَفاهةٍ... تُعَنِّفُني والمرءُ يَنفعُه العَزْرُ (٥)

стр. 2490

والتَّعزيرُ المشروع في حق الجُناة: هو منعُهم عن المعاودةِ (١) بالتَّأديبِ، وتعزيرُ الأنبياء: نصرتُهم بمنعِ الأعداء عنهم. وقيل: العَزْرُ متَعدٍّ، والتَّعزير: التَّكثير، والتَّكرير منه، وهو نصرتُهم مرَّةً بعد أخرى. والإقراضُ الحسَنُ: وراء الزَّكاة، وهو الإحسانُ إلى كلِّ محتاجٍ في أيِّ وقتٍ وقعَ مِن غير كراهةٍ في القلب وامتنانٍ على الفقير، بل يَطلُبُ به رضا اللَّهِ، وتطيبُ به نفسُه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قال الكلبيُّ: أي: فمَن نقضَ منكم هذا العهدَ فقد أخطَأَ قصدَ الطَّريق، وضلَّ عن الهُدى. قال: فأطاع منهم خمسةٌ، أخذوها بحقِّها، وعمِلوا بطاعةِ اللَّه، وأبَى سبعةٌ منهم، فاستحلُّوا المحارمَ، وسعَوا في الأرض بالفسادِ، وقَتلوا الأنبياءَ، وخرج خلال الاثني عشرَ نقيبًا اثنان وثلاثون كذابًا، يأخذونَ المُلكَ بالسَّيف، فلم يَفوا بما أُخِذَ عليهم مِن العهد. * * * (١٣) - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ "ما" زائدة. وقيل: مؤكِّدة.
следующие страницы →