← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

إسرائيل حين أخرجَهُم مِن مصر أنْ يَجعلَ تلك البلادَ لهم، فأمرَهُم موسى بالمسيرِ إليهم لقتالِهم، واختارَ مِن كلِّ سبطٍ رجلًا منهم، يتجسَّسون (١) الأخبارَ، ويَرجعون فيُخبرون قومَهم، فيعمَلون (٢) على ذلك. وقيل: هم الأمراء. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقال أبو عوسجة: هم المنظورُ إليهم، والمصدورُ عن رأيِهم. وقال أبو عبيد: هم الأمناءُ والضُّمناء (٣). وقال مقاتل: هم الشهداء (٤). وقال محمَّدُ بنُ إسحاق: هم الكفلاء. وقال هو: وأسماؤُهم فيما يُذكر أهل التوراة: بحشون (٥) بن عميم رأسُ سبطِ بيت يهوذا، وياليل بن صَعُوراء رأسُ سبطِ بيت يشتاخر، وإلياب بن جولان رأسُ سبط بيت زبالون (٦)، ونصور بن شازورا (٧) رأسُ سبطِ بيت روبيل، وشلامور بن صوريا رأسُ سبطِ بيت شمعون، والياسف بن رعويل رأسُ سبطِ بيت حاذٍ، واليَسع بن عيهود رأسُ سبط بيت أفراييم بن يوسف، وجميل بن ترينون رأسُ سبط بيت منشا بن يوسف، وأبيدن بن خرعون رأس سبط

стр. 2487

بيت بنيامين، وخيعور بن شبوذا رأسُ سبط بيت دان، وخيعل بن جعون رأسُ سبطِ بيت أنشا بن يعقوب، وأجزع (١) بن عينان رأسُ سبط بيت نفتايل (٢). وفي بعض الروايات: من سبطِ روبيل شامول بن بكول، ومن سبطِ شمعون ساقط بن حزن، ومن سبطِ يهوذا كالب بن يوفنَّا، ومن سبطِ أفراييم بن يوسف يوشع بن نون، ومن سبطِ بنيامين رقود (٣) بن فلطا، ومن سبطِ زبالون (٤) جدي (٥) بن شوراهم، ومن سبطِ منشا بن يوسف جويّ بن شوسا، ومن سبط دان حمايل بن آزر، ومن سبط أنشا تور بن مكايل، ومن سبط نفتايل فولايل بن مكيد، ومن سبط يشاخر (٦) أخدع بن عينان (٧). سارَ بهم موسى ﵇ إلى الأرض المقدَّسةِ بأمر اللَّه تعالى، حتَّى إذا نزلَ بريةً (٨) بين مصر والشام، وهي بلادٌ ليس بها خَمَر (٩)، دعا موسى ربَّه حين آذاهم

стр. 2488

الحرُّ، فظلَّلَ اللَّه بالغمام (١)، ودعا لهم بالرِّزق، فأنزلَ اللَّه تعالى عليهم المنَّ والسَّلوى، وأمرَه (٢) اللَّه تعالى أن يُرسِلَ رجالًا يتجسَّسون (٣) له أخبارَ الأرض المقدَّسةِ التي وهبَ اللَّهُ لبني إسرائيل، فقال لهم: اصعدوا الجبلَ، وانظروا ما في الأرض التي يسكنونَها أقليلٌ أم كثير؟ وهم أقوياءُ أم ضعفاء؟ وانظروا أرضَهم، أذاتُ شجرٍ مثمرة، أم لا؟ وإن كانت ذات شجرٍ مثمرةٍ فاحملوا إلينا من ثمرِها (٤). فحملوا عنقودًا بين خمسةِ رهْطٍ، وسمُّوا ذلك الوادي وادي العنقود، ثمَّ رجعوا بعد أربعين يومًا، فأتَوا موسى وهارون، وقصُّوا عليهما، وقالوا: هي أرضٌ تَفيضُ لبنًا وعسلًا، وهذه من ثمرِها، وأهلُها أقوياءُ أشدَّاءُ، ولهم حصونٌ وثيقةٌ، فقال كالوب (٥) ويوشع: إنَّ لنا بهم قوة، وقال الباقون: إنَّ بها جبابرةً، ورجالًا جسامًا، ونحن في أعينهم مثلُ الجراد، وبكوا من ذلك، فخرَّ موسى وهارون سجودًا، وخرَّق كالوب ويوشع ثيابَهما. فأوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى: إنْ كان أولئك لا يَقدِرون على دخولِها، فإنِّي غَفرتُ لهم بكلمتِك، وأمَّا كالوب ويوشع فإنِّي أدخلُهما تلك الأرضَ حتَّى يراهما (٦) مَن فيها مِن العماليق والكنعانيين.

стр. 2489

وقيل: لمَّا أرادَ موسى أنْ يبعثَ هؤلاء، قالوا: إنَّ أولئك أقوياء، ونحن نخافُهم، فوعدَهُمُ اللَّه الحفظَ بما شرَطَ عليهم (١)، وذلك قولُه تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾؛ أي: قال لهم: إنِّي حافظُكم، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، وقال موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣]، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، قوله: ﴿لَئِنْ﴾ لام قسم، وقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ﴾ لامُ جواب، و ﴿الصَّلَاةَ﴾ اسمُ جنس، وأريد بها كلُّ الصَّلوات، والتَّعزير: النُّصرة في قول الزَّجَّاج (٢) والتعظيم في قول أبي عبيدة (٣)، وأنشد: وكم من ماجدٍ لهم كريمٍ... ومِن ليثٍ يُعزَّرُ في النَّدِيِّ (٤) وأصلُ العَزْرِ: المنع، قال القطاميُّ: ألا بَكَرَتْ سلمى بغيرِ سَفاهةٍ... تُعَنِّفُني والمرءُ يَنفعُه العَزْرُ (٥)

стр. 2490

والتَّعزيرُ المشروع في حق الجُناة: هو منعُهم عن المعاودةِ (١) بالتَّأديبِ، وتعزيرُ الأنبياء: نصرتُهم بمنعِ الأعداء عنهم. وقيل: العَزْرُ متَعدٍّ، والتَّعزير: التَّكثير، والتَّكرير منه، وهو نصرتُهم مرَّةً بعد أخرى. والإقراضُ الحسَنُ: وراء الزَّكاة، وهو الإحسانُ إلى كلِّ محتاجٍ في أيِّ وقتٍ وقعَ مِن غير كراهةٍ في القلب وامتنانٍ على الفقير، بل يَطلُبُ به رضا اللَّهِ، وتطيبُ به نفسُه. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قال الكلبيُّ: أي: فمَن نقضَ منكم هذا العهدَ فقد أخطَأَ قصدَ الطَّريق، وضلَّ عن الهُدى. قال: فأطاع منهم خمسةٌ، أخذوها بحقِّها، وعمِلوا بطاعةِ اللَّه، وأبَى سبعةٌ منهم، فاستحلُّوا المحارمَ، وسعَوا في الأرض بالفسادِ، وقَتلوا الأنبياءَ، وخرج خلال الاثني عشرَ نقيبًا اثنان وثلاثون كذابًا، يأخذونَ المُلكَ بالسَّيف، فلم يَفوا بما أُخِذَ عليهم مِن العهد. * * * (١٣) - ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ "ما" زائدة. وقيل: مؤكِّدة.

стр. 2491

قوله تعالى: ﴿لَعَنَّاهُمْ﴾ أي: طردناهم وبعَّدناهم عن الرَّحمة. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: عذَّبناهم بالجزيةِ. وقال الحسن: مسخناهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ قرأ حمزةُ والكسائي: ﴿قَاسِيَةً﴾، والباقون: ﴿قَاسِيَةً﴾ (٢)، والقاسيةُ أظهر، والقَسيَّةُ أبلغ، والقسوةُ: اليُبْسُ والصَّلابةُ، فلا تَلينُ، ولا تَنقاد لأحكامِ الدين (٣). وقيل: القَسيَّةُ: الفاسدة، من قولهم: دِرْهمٌ قسِيٌّ؛ أي: فاسد. وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: يُغيِّرون كلماتِ التوراة عن مواضعِها، و ﴿الْكَلِمَ﴾ جمع كلِمة، كالشَّجر جمعُ شجرة، ولذلك جعل لها مواضع، ولكن قال: ﴿مَوَاضِعِهِ﴾ ذهابًا إلى ظاهره؛ لأنَّه على وزنِ الكذبِ واللَّعب الذي هو واحدٌ مذكَّرٌ. والتحريفُ له وجهان: كتابةُ غيرِها مكانَها، كما قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩]. والثاني: فسادُ التأويل. وقوله تعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: وترَكوا نَصيبًا ممَّا وُعِظوا به مِن الإيمانِ بمحمَّدٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: أبدًا تقِفُ على خيانةٍ منهم،

стр. 2492

مصدرٌ على وزنِ: فاعلة، كقوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]، وهو كقولِهم: سمعتُ راغيةَ الإبل، وثاغيةَ الغنم. وقيل: معناه: تَطَّلِعُ على فرقةٍ خائنةٍ منهم؛ على النَّعت. وقيل: أي: على خائنٍ منهم، والهاء للمبالغةِ، كقولهم: فلانٌ راويةُ الشِّعر، وعلَّامة، ونسَّابة. ويعني به: يهودَ بني النَّضير، منهم كعبُ بنُ الأشرف حين أتاهم النبيُّ ﷺ يَستعينُهم في ديةِ المسلمين، فهمُّوا بقتلِه وقتلِ من معه (١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ عبد اللَّه بن سلام وأصحابه. وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾؛ أي: اترك مكافأتهم للحال (٢)، ﴿وَاصْفَحْ﴾ أي: أعرِض عن قتلِهم إلى وقت الأمرِ بالقتال، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ العافينَ الصافحين، ثم نسخَتْها آيةُ السَّيف. وقال ابنُ حيَّان: والقليل منهم: كفَّارٌ لا يخونون (٣). وقال السُّدِّيُّ: من تحريفِهم آيةُ الرَّجم. وقال إبراهيمُ: كان في التوراة: يا أبناءَ أحباري، فكتبوا: يا أبناء أبكاري (٤). ثم في قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾، وقوله: ﴿عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ إثباتُ أفعال العباد، وفي قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ إثباتُ

стр. 2493

التَّخليق مِن اللَّه، وهو حجَّةُ (١) أهلِ السُّنَّة والجماعة على الجبريَّة والقدرَّية. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: قسوةُ القلبِ: عدمُ التَّوجُّعِ بما يُمتحَنُ به مِن الصَّدِّ، وعن قريبٍ يُمتحَنُ بالرَّدِّ، والرَّدُّ نهايةُ الفراق، وغايةُ البعد، وأوَّل حالِها فوتُ الصَّفوةِ، ثمَّ استيلاءُ الشَّهوةِ، ثمَّ جريانُ الهفوةِ، ثمَّ استحكامُ القَسوةِ، فإن لم يوفَّق للإقلاع عن جملتِها، فهو تمامُ الشِّقوة (٢). * * * (١٤) - ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ذكرَ نقضَ العهدِ وتركَ الوفاءِ بالعقد من النَّصارى أيضًا، كما ذكرَ من اليهود. وقال الحسن: قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ (٣) دليلٌ على أنَّهم ابتدَعوا النصرانيَّة وتلقَّبوا بها (٤). وفي رواية عنه قال: قيل للنَّصارى: كونوا أنصارَ اللَّه، فقالوا: بل نكونُ نصارى (٥).

стр. 2494

وقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الإغراءُ بالشَّيء: الإلصاقُ به من جهةِ (١) التَّسليط عليه، قال تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾؛ أي: لنُسلِّطنَّك عليهم. وقيل: هو التَّحريش (٢)، وأصلُه ما قلنا، وقد أغريتُه بالشَّيءِ فغَرِيَ، والغِراء اللُّزوق؛ لما له مِن صفة اللَّزق (٣). وقال الكلبيُّ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ [المائدة: ٦٤]، وهي التي تُفضي إلى التَّعدي بالأفعال (٤)، ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾ العداوةُ الكامنة في القلب. وقال إبراهيم: هي الأهواء المتفرِّقة (٥). وقال مقاتلُ بن حيَّان: أغرينا بين النُّسطوريَّة منهم الذين قالوا: عيسى (٦) ابنُ اللَّه، وبين اليعقوبيَّة منهم الذين (٧) قالوا: إنَّ اللَّهَ هو المسيحُ بن (٨) مريم، وبين الملكانيَّة منهم الذين يقولون: إنَّ اللَّه ثالثُ ثلاثة (٩)، فهي عداوةٌ ملصقةٌ لا تُفارقهم، عوقِبوا بها لنقضِهم ميثاقَهم.

стр. 2495

وقيل: هذا الإغراءُ بين النَّصارى واليهود، وقد سبق ذكرُهم جميعًا في الآيتين، وذلك ظاهرٌ في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية [البقرة: ١١٣]، ثمَّ قال: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ مع ما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [النساء: ١٥٩]. وقيل: ذلك عند نزولِ عيسى ﵇ من السماء؛ لأنَّ معناه -واللَّه أعلم-: بقاءُ هؤلاءِ المصِرِّينَ على نقضِ العهدِ على هذه العداوة إلى الموت. وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ هذا وعيدٌ لهم في الآخرة مع ما ذكرَ لهم من وعيدِ الدُّنيا؛ ﴿يُنَبِّئُهُمُ﴾ به توبيخًا، ثمَّ يُجَازيهِم عليه تعذيبًا وتخليدًا. والوعيدُ بهذا الإغراء ثابتٌ أيضًا في حقِّ اليهود. قال تعالى في هذه السورة: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]. * * * (١٥) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ خطابٌ لليهود والنَّصارى جميعًا، وقد سبقَ ذكرُهم. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: محمَّدٌ ﵊. قال الإمام أبو منصور

стр. 2496

رحمه اللَّه: لم يَذكر اسمَهُ؛ ليُعلَم أنَّ الرُّسلَ يُعرفون بالآياتِ المعجزة، دون الأسامي. وفيه دليلٌ أنَّ مَن آمنَ بالرُّسلِ كلِّهم يكون مؤمنًا، وإن لم يَعرِف أسماءَهم (١). و ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا﴾ هو الرَّجمُ المذكور في التَّوراة، والبِشارةُ بالنبيِّ المصطفى محمَّدٍ ﷺ في التَّوراة والإنجيل، وقصَّةُ أصحاب السَّبتِ الذين مُسِخوا قردةً، كانوا يخفونَه (٢)؛ لما فيه من السُّبَّة. وقال الحسين بن الفضل ﵀: ومنها ملَّةُ إبراهيم، وحرمةُ لحوم الإبل وألبانِها، كتموها عن السَّفِلة، وقصَّة عيسى. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أي: يَتركُ بيانَه لكم، وإن أعلمَهُ اللَّهُ به؛ لأنَّ ما بيَّنهُ حُجَّةٌ كافيةٌ عليكم. وروي أنَّ يهوديًّا قال: ما الكثيرُ الذي يَعفو عنه؟ فأعرض عنه، فسأله ثانيًا وثالثًا، فأعرضَ (٣)، وكان قصد اليهودي أن تظهرَ منه مناقضتُه بتركِ العفو، فلمَّا أعرضَ تيقَّنَ بصدقِه وأسلمَ. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ وهو محمَّدٌ ﷺ ؛ لأنَّه يُستضاءُ به من ظلماتِ الكفرِ والأهواء. وقوله تعالى: ﴿وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ هو القرآنُ، يُبيِّنُ كلَّ شيءٍ بنا إليه حاجةٌ مِن أمورِ الدِّين. * * *

стр. 2497

(١٦) - ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾؛ أي: يُرشِد اللَّهُ بالقرآن مَن كان همُّه اتِّباعَ مرضاةِ اللَّهِ بطلب الحقِّ، لا التَّعصُّبِ لدينِ آبائه، إلى طرقِ السَّلامةِ من مكاره الدَّارين. و ﴿السَّلَامِ﴾: السَّلامة. وقيل: ﴿السَّلَامِ﴾ هاهنا اسمُ اللَّه تعالى، كما في قوله: ﴿السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]؛ أي: إلى طريق اللَّه، وهو دينُ اللَّه. وقيل: ﴿السَّلَامُ﴾ سمُ الجنَّة، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]؛ أي: إلى الطَّريق الذي يُفضي بسالكِهِ إلى الجنَّة. وقيل: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ يَرجعُ إلى محمَّدٍ والقرآن؛ لأنَّهما ذُكِرا قبلَه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾، وكلُّ واحدٍ منهما يقعُ به الهدايةُ بالدِّلالة، وإنَّما وحَّدَ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُساوي الآخرَ في الهداية. وإنَّما قال: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ جمعًا، ودينُ الإسلامِ طريقٌ واحدٌ، ولذلك قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]؛ لأنَّ أصلَ الدِّينِ واحدٌ، ولكنَّ طرقَ الطَّاعات مُتَفَنِّنةٌ، وكلُّ طريقٍ يُفضي بسالكِه (١) إلى الجنَّة بوعدِ اللَّه على تلك الطَّاعة، ولأنَّ سالكيه متعدِّدون، فجَمعَهُ لاجتماع السَّالكين، كما قال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] والميزانُ واحدٌ، لكنَّ الموزوناتِ متعدِّدةٌ، فجمعَ ﴿الْمَوَازِينَ﴾ لتعدُّدِ الموزونات.

стр. 2498

وقوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾؛ أي: يُخرِجُهم مِن ظُلماتِ الشِّركِ وهي أنواعٌ، إلى نورِ الإيمان وهو واحدٌ. وقيل: أي: مِن الشُّكوكِ إلى اليقين. وقيل: أي: من الجَهالاتِ إلى العِلْم. وقيل: أي: من الضَّلالاتِ إلى الرُّشد. وقيل: الإخراجُ هاهنا مجازٌ عن الحفظِ، فقد ذكرَ أوَّلًا: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾، وما بعد الهداية يكونُ حِفظًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: يُثبِّتُهم على الدِّين (١) الحقِّ القيِّم، ومنهم مَن جعلَ قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ﴾، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾، ﴿وَيَهْدِيهِمْ﴾ شيئًا واحدًا والتَّكرار للتَّأكيد، والصَّحيحُ أنَّ الأوَّلَ إعطاءُ (٢) الهداية، والثَّاني: حفظُهم عن الغِواية (٣)، والثالث: إبقاؤهم عليه تجديدًا للفوائد. * * * (١٧) - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هذا

стр. 2499

توبيخٌ للنَّصارى، وإبطالٌ لقولِهم بقولِهم؛ لأنَّهم قالوا: هو ابنُ مريم، فكيف يكون إلهًا؟ والأمُ أقدمُ من الولدِ، فهو حادثٌ، والحادثُ لا يكون إلهًا، وهو بعضُها في أصلِ الخلقةِ، والمتبعِّضُ لا يكون إلهًا، وهو منتقِلٌ مِن الرَّحمِ إلى الأرض، والمتمكِّنُ في مكانٍ، والمنتقلُ مِن مكانٍ إلى مكان؛ لا يكون إلهًا. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: فمَن يَمنعُ اللَّهَ مِن شيءٍ يُريدُ أنْ يفعلَهُ؛ لأنَّ مَن منعَ غيرَهُ عن فعلٍ فقد ملكَ عليه أمرَهُ. وقوله: ﴿فَمَنْ يَمْلِكُ﴾ أي: فمن كان يملك؛ لأنَّه (١) ذكرَ إهلاكَ عيسى وأمِّه، وهي مريم، وهي يومئذٍ كانت ميتةً، وإهلاكُها حقيقةً يكونُ في حياتِها، فيكون هذا في معنى الماضي؛ أي: مَن كان يَمنعُ اللَّهَ عن إهلاك عيسى وإهلاكِ أمه حالَ حياتِها (٢)، ونظيرُ هذا (٣) المستقبل قولُ القائل: فانْضَحْ جوانبَ قبرِهِ بدِمائها (٤) ... فلقد يكونُ أخا دمٍ وذبائحِ (٥) أي: فلقد كان يكون. وقيل: أرادَ بالإهلاكِ: التَّعذيبَ في القيامة، وبيَّن بهذا غايةَ ضلالتِهم في اعتقاد عيسى إلهًا مع أنَّه مقدورٌ عليه، مقهورٌ مجبور.

стр. 2500

وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وعيسى منهم، فكان مملوكًا مخلوقًا. وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ كما يشاء، بأبٍ وغير أب، فليس فيه ما يُوهِم أنَّ عيسى إله. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يخلق ما يشاء كيف يشاء. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: من اشتملَ عليه أرحامُ الأمَّهات، متى يفارِقُه نقصُ البَشريَّة؟ ومَن لاحت عليه شواهدُ التَّغيير أنَّى يَليق به نعتُ الرُّبوبيَّة؟ ولو قطعَ البقاءَ عن جميع ما أوجَدَ، فأيُّ نقصٍ يعودُ إلى الصَّمديَّة (١)؟ * * * (١٨) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ قال محمَّدُ بنُ إسحاق: قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: إنَّ نعمانَ بنَ أضاء، وبحريَّ بنَ عمرو (٢)، وشاس بنَ عَدي، كلَّموا رسول اللَّه ﷺ ، فدعاهُم إلى اللَّه، وحذَّرهُم نِقْمتَه، فقالوا: ما تُخَوِّفُنا يا محمد، فنحن أبناءُ اللَّه وأحباؤه (٣).

стр. 2501

وعن ابن عباس ﵄: إنَّ الآيةَ نزلت في يهود المدينة، كعبِ بن الأشرف، وكعبِ بن أسد، وسعيد بن عمرو، ووهب بن يهوذا، وزيد بن التَّابوت، وبحريِّ (١) بن عمرو، وسائر رؤساء اليهود، ومن نصارى نجران السيَّدُ والعاقِبُ ومَن معهما، خاصموا أصحابَ رسول اللَّه ﷺ في الدِّين، فعيَّرهم أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ بالكفرِ، وبغضبِ اللَّه عليهم، فقالت اليهود: إنَّما غضبَ (٢) اللَّهُ علينا كما يغضبُ (٣) الرَّجلُ على ولدِه، ثمَّ يَرضى عنه، وإنَّا أبناءُ اللَّه وأحباؤه. وهم معترفون أنَّهم يُعذَّبون في النَّارِ أربعينَ يومًا، عدَّةَ الأيَّام التي عَبدوا فيها العجلَ، فردَّ اللَّهُ عليهم بهذه الآية. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾؛ أي: بالنَّارِ، ولا يُعذِّبُ والدٌ ولدَهُ بالنَّار. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أي: لم جعلَ منكم القردةَ والخنازيرَ، والوالِدُ لا يَفعلُ ذلك بولده (٤). وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: أرادوا بقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أنَّ منَّا عُزَيرًا، وهو ابنُ اللَّه على زعمهم، ومنَّا المسيح، وهو كذلك عندَهم (٥)، وهو كقولِ الواحد من القوم: نحنُ الكُتَّاب، ونحن (٦) الفوارس، يعني بذلك: أنَّ منَّا كذا.

стр. 2502

وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: خلقٌ مِن خلقِه، فلا بُنوَّةَ. وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يَغفِرُ لمَن تابَ مِن النَّصرانيَّةِ واليهوديَّة، ويُعذِّبُ مَن ماتَ عليهما. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فله التَّصرُّفُ فيهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: إلى جزائِه مرجعُ الكلِّ. * * * (١٩) - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: يا أهلَ اليَهوديَّة والنَّصرانيَّة، وأراد بالكتاب الكتابَين؛ التوراة والإنجيل، وكذلك فيما تقدَّمَ في هذه السُّورة، لكنَّ الكتابَ مصدرٌ، أو اسمُ جنسٍ، فصلحَ للتَّثنية، ولأنَّهما (١) يَعتقدان التَّوراة، فأضيفوا جميعًا إليها. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾؛ أي: محمَّدٌ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾؛ أي (٢): ما لكم وعليكم. وقوله تعالى: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾؛ أي: حالَ فتورِ أمرِ الرُّسلِ بانقطاعِ مجيِئهم مدَّةً يَدْرُسَ فيها الدِّينُ، أو يَكاد يَدرُس. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾؛ أي: لئلَّا يَقولوا يومَ القيامةِ: كنَّا في زمانِ فترةٍ، فاتَّبعْنا النَّاسَ على ما أدركناهُم عليه، ولم يَكن عندنا علمٌ بما بدَّلوا

стр. 2503

وغيَّروا، فقَطَعَ اللَّهُ احتجاجَهُم بهذا، ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ بمعنى: لئلَّا تقولوا، كما بيَّنَّا في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ﴾؛ يعني: نبيٍّ مبشِّرٍ بالجنَّةِ المطيعين، ﴿وَلَا نَذِيرٍ﴾ يُنذِر بالنَّارِ الجاحدين. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ هو محمَّدٌ ﷺ ، فانقطعت حُجَجُكم، وبَطَلَتْ معاذيرُكم بإتيانِه وتبيانه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كانوا يقولون: لا رسولَ بعد موسى، فقال: إنَّ اللَّهَ قادرٌ على إرسالِ محمَّدٍ وإقامةِ المعجزاتِ له، كما كان قادرًا على إرسالِ موسى وإقامة المعجزاتِ له، وعلى كلِّ شيء (١). وقال ابنُ عبَّاس ﵄ وقتادة: الفترةُ بين عيسى ومحمدٍ خمسُ (٢) مئةٍ وستُّون سنة (٣). وقال الضحاك ومقاتل: ستُّ مئة سنة (٤). وقال الكلبيُّ ومجاهدٌ: خمسُ مئةٍ وأربعون سنة (٥). وقال الكلبيُّ: كان بين موسى وعيسى ألف وسبع مئة سنة (٦)، وكان بينهما ألف

стр. 2504

نبيٍّ، وكان بين مولدِ عيسى ومولدِ محمَّد ﷺ خمسُ مئةٍ وتسعٌ (١) وستُّون سنة (٢)، وكان عيسى حينَ رُفِع ابنَ اثنتين وثلاثين سنة وستَّةَ أشهر. * * * (٢٠) - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾؛ أي: واذكُرْ يا محمَّدُ إذ قال موسى لبني إسرائيلَ حين أنجاهمُ اللَّهُ مِن فرعون وقومِه، وأخرجَهم مِن أرضِ مصر، ووعدَهم إسكانَهُم أرضَ الشَّام، وأمرَهم بجهادِ أهل أرضِ أريحا مِن بلادِ فلسطين، فذكروا أنَّها أرضونَ لا علمَ لهم بها، ولا يَهتدون لوجهِ قتالِ أهلِها، فبَعثَ موسى اثنَي عشرَ نقيبًا يتجسسون (٣) أخبارَها، فأتوهم وهم أقوياءُ طوال، وقد التقطَهُم بعضُهم، وجعلَهم في حجرِه، وجاء بهم إلى ملكِهم، فنثرَهُم بين يديه، وقال: هؤلاء الذين يَغزوننا وخلَّاهُمُ الملكُ؛ ليَرجعوا ويُخبروهم بحالِهم، فجاؤوا موسى فأخبروهُ به، فقال: اكتموا بني إسرائيلَ ما شاهدتُم؛ لئلَّا يَجبُنوا، فلم يَكتُموا إلَّا رجلين (٤)، نذكرُهما من بعد.

стр. 2505

فانتشرَ الخبرُ في بني إسرائيلَ مِن جهة العشرة النُّقباء، فأظهروا الامتناعَ عن قتالِهم، فحَرَّكهم (١) موسى على الجهاد بهذا، وهو قوله: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، وذِكْرُ النِّعمةِ يَستَدعي الشُّكرَ، وطاعةَ المنعمِ فيما أمر، ونِعَمُ اللَّهِ كثيرةٌ، ومنها ما قال: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ والأنبياءُ بعد إبراهيم كلُّهم مِن نسلِ إبراهيم، وبنو إسرائيل أولاده. وقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال الحسن: أحرارًا تملكون أنفسَكم بعد ما كنتم في أيدي القبط كأهل الجزية فينا (٢). وقال مقاتل (٣): أي: لا يُدخَلُ عليكم إلَّا بإذنٍ (٤)، وكان قومُ فرعون يَدخلون عليهم متى شاؤوا (٥) من غير استئذان تهاونًا بهم. وقال عطاء: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾: آتاكم مِن النِّعمةِ: فَلْقَ البحرِ، وإغراقَ العدوِّ، والآيات (٦). وقال الضَّحَّاك: كانت منازلُهم واسعةً، فيها مياهٌ جاريةٌ ومن كان له مسكنٌ واسعٌ، وفيه ماءٌ جارٍ، فهو ملك (٧). وقال قتادة: جعلَ لكم الخدمَ مِن بني آدم، وهم أوَّلُ قومٍ جعلَ لهم ذلك (٨).

стр. 2506

وقيل: أي: جعلَكم بعد ما كنتم (١) تُستَعبدون تَقصِدون الملوكَ وتُجاهِدون. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: جعلَ لكم الخَدَمَ والحشَم (٢). وقال ابنُ مسعودٍ ﵁: مَن كان له بيت وخادم فهو ملك (٣). وقال مجاهدٌ: كان بنو إسرائيل يقولون: من كان له دار وخادم وزوجة فهو ملك (٤). وقد روى زيدُ بن أسلم عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: " ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ مَن كان له مسكنٌ وزوجةٌ وخادمٌ فهو مَلِك" (٥). وقال الحسن في روايةٍ: أي: جعل لكم المركَبَ والخادم (٦). وقيل: أي: وجعلَ فيكم الأنبياء، وبهم قوامُ الدين، وجعلَ فيكم الملوكَ، وبهم قوامُ الدُّنيا؛ أي: هيَّأ (٧) أسبابَ معاشِكم ومعادِكم، فاشكروا له بطاعتِكم وجهادِكم. وقوله تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانِكم. وقيل: هو التوراة.

стр. 2507

وقيل: هو فلقُ البحر. وقيل: تظليلُ الغَمام، وإنزالُ المنِّ والسَّلوى. لكن عند بعضِهم كان هذا في التيه، وكان ذلك بعد هذا الأمرِ بالجهاد، فهو على سائر ما أوتوهُ مِن الآياتِ وأنواع الكرامات. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أمر اللَّهُ بني إسرائيلَ على لسان نبيِّه أنْ يَذكروا نعمَة اللَّه، وأمر هذه الأمة بخطابِ نفسِه، لا على لسان مخلوق؛ بأنْ يَذكروهُ، فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ثمَّ جعلَ جزاءَ أولئك ثوابَه الذي هو فعلُه، وجعلَ جزاء هؤلاء ذكرَه الذي هو قولُه. وقال في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الملِكُ مِن المخلوقين: مَن عبدَ اللَّهَ الملِكَ الحقيقيَّ. وقال: الملكُ: مَن مَلَك هواهُ، والمملوكُ مَن هو في رِقِّ شهواتِه ومُناه. قال: ويقال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ لم يُحوِجكُم إلى أمثالِكم، ولم يَحجبكُم عن نفسِه بأشغالِكم، وسهَّل سبيلَكُم إليه في عمومِ أحوالِكم. وقال في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: لئن آتى بني إسرائيلَ بمقتضى جودِه، فقد أغنى عن الإيتاء هذه الأمة فاكتفوا بوجوده، والاكتفاء بوجوده أتم من الاستغناء بمقتضى جوده (١). * * * (٢١) - ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.

стр. 2508

وقوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿الْمُقَدَّسَةَ﴾: المطهَّرة، وقيل: المباركة. قال ابنُ عباس ﵄: هي أرض بيت المقدس أريحا وغير ذلك (١). وقال قتادة: أرض الشام (٢). وقال الكلبيُّ: دمشق وفلسطين وبعضُ الأردن (٣). وتَقدُّسها (٤): بكونها مستقرَّ الأنبياء والعُبَّادِ والزُّهَّاد. وقيل: مقدَّسة: مطهَّرة من الشِّركِ والفواحش، وبركتُها: بكثرةِ الماء والشَّجرِ والثَّمر، قال تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (٥) [الإسراء: ١]، قالوا: بكثرةِ الماء و (٦) الشجر والثَّمر وسَعَة العيش. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: هي مدينةُ الجبَّارين (٧). قوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: قضى أنْ يكون لكم، وقيل (٨): جعلَها اللَّهُ لكم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: أي: كتبَ اللَّهُ عليكم قتالَ أهلِها

стр. 2509

ليُسلِموا، واللامُ بمعنى: "على"، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها (١). وقال القتبيُّ: أمرَكُم بدخولِها (٢). فإن قالوا: رُويَ أنَّهم لمَّا لم يجيبوا إلى الجهادِ (٣) بَقوا في التِّيه أربعين سنةً، وماتوا فيها، فكيف كانت مكتوبةً لهم، وماتوا قبل أن يدخلوها (٤)؟ قلنا عنه أجوبة: أحدها: أنَّ هذا كان وعدًا مقيَّدًا بشرطِ الجهاد؛ لأنَّه وإنْ أُطلِقَ في أوَّل هذه الآية، فقد قال في آخرها: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾، وقد خالَفوا الشَّرطَ فحُرِموها. والثَّاني: أنَّ الخطابَ لبني إسرائيل، وقد وقع الفتحُ على أيدي أولادِ هؤلاء، ودخلوها، فتَحقَّق الوعدُ. والثَّالث: أنَّ بعض مَن بقيَ في التِّيه الذين كانوا مع موسى حين خاطَبهم، منهم يوشع بن نون وكالب؛ قد (٥) فتحوها ودَخَلُوها. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾؛ أي: ولا تَرجِعوا موَلِّينَ ظهورَكُم منهزمين، فتَخسروا ما وعدَ لكم؛ مِن الاستيلاءِ على بلادِهم في الدُّنيا، ومن الثَّوابِ في العُقبى.

стр. 2510

(٢٢) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ قال ابنُ عرفة: أي: أهل سَطوةٍ وقَهرٍ. وقال ابنُ اليزيديِّ (١): ﴿جَبَّارِينَ﴾؛ أي: عظماء. وقال الأزهريُّ: ﴿جَبَّارِينَ﴾؛ أي: عاتين (٢). وقيل: عِظامُ الأجسام، يُقال: نخلةٌ جبَّارةٌ: طويلةٌ عظيمة. وقال قتادة: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾؛ أي: أشدَّ منَّا قوَّةً، وأطولَ منا أجسامًا (٣). وقال الزُّهريُّ (٤): كان عوج الجبَّار في فلسطين، وقد غلبَ عليها كلَّها. وقال محمد بن إسحاق: كان أهلُ الكتاب يقولون في عوج: إنَّ السَّحابَ كان يكون إلى معقدِ إزارِه، وكان يَضربُ بيدهِ الحوتَ مِن أسفلِ البحر، فيَشويهِ بقَرنِ

стр. 2511

الشَّمس، ثمَّ يأكلُه، وكان عُمِّر (١) ثلاثةَ آلافٍ وست مئة سنة، وولد في دار (٢) آدم، ثمَّ عاش حتى قتلَهُ موسى ﵇ (٣). وقيل: كان طولُ هؤلاء الجبارين ثمانين ذراعًا. وقيل: مئة ذراع. وقيل: أربع مئة ذراع. وقيل (٤): ثمان مئة ذراع. وقيل في عوج: عاج بن عوج. وقيل: هو الذي أخذَ الاثني عشر نقيبًا وجعلَهم في كُمِّه، ثمَّ خلَّاهم، فلمَّا رجعوا أخبر العشرةُ منهم بني إسرائيلَ بحال هؤلاء، فخافوا، فلذلك قالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا﴾؛ أي: بالقتال، ﴿حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ بغيرِ قتال، فيُسلِّموها لنا، ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ أي: يسلِّموها لنا طائعين، أو بغيرِ قتال، ﴿فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ بلادَهم حينئذٍ. * * *

стр. 2512

(٢٣) - ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾؛ يعني: قال اثنان مِن أولئك الاثني عشر، وهما يوشعُ بنُ نون وكالب بن يوفنَّا، وهما مِن الذين يَخافون اللَّهَ، ولا يَخافون غيرَهُ، وذلك بإنعامِ اللَّه عليهما بالتَّوفيق للاعتماد عليه، والأمنِ بوعدِه. وقيل: أي: من الذين يَخافون الجبَّارينَ طبعًا كخوف غيرهما، لكن أنعمَ اللَّهُ عليهما بالثِّقةِ بوعدِه، ومجاهدةِ النَّفسِ في الائتمار بأمرِه. وقال الإمام أبو منصور ﵀ (١): وعن سعيد بن جبير أنَّه كان يَقرؤها: (يُخافون) بضمِّ الياء (٢). قال أبو عبيد: جعلَ الرجلين من الجبارين وقد أسلما فاتبعا موسى ﵇ (٣). وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾؛ أي: قالا لهم: ادخلوا أنتم بابَ بلدِهم، فإذا دخلتم انهزَموا، وكانت الغلبةُ لكم. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إنَّ الإيمانَ باللَّه يوجِبُ الثِّقةَ بوعد اللَّه، والاعتمادَ على نُصرةِ اللَّه، والائتمارَ بأمرِ اللَّه.

стр. 2513

(٢٤) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. وقال الكلبيُّ: قالوا: يا موسى أتكذِّبُ عشرةً، وتُصدِّقُ اثنين؟ وعادوا إلى الكلامِ الأوَّل، وذلك قولُه تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾؛ أي: وإنْ كثُرَ القول، وامتدَّ الزَّمان. وقوله تعالى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ مِن أهل الظَّاهرِ مَن حمل هذا على الظَّاهر، وقال: اعتقدوا في اللَّه الذَّهابَ، وهو كفرٌ مِنهم، لكن لا وجهَ لهذا؛ لأنَّهم لو قالوا ذلك اعتقادًا، وكفروا به لحاربَهم موسى ﵇، ولم تكن مقاتلةُ الجبَّارينَ أولى من مقاتلةِ هؤلاء، لكن له وجهان صحيحان: أحدهما: اذهب أنت، وربُّك ﷻ يعينُك على قتالِك، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]. والثاني: ﴿وَرَبُّكَ﴾؛ أي: سيِّدُك، وهو أخوك الأكبرُ هارون، اذهبا جميعًا فقاتلاهم، وقوله: ﴿أَنْتَ﴾ زِيدَ عمادًا لضمير ﴿فَاذْهَبْ﴾، ويجوزُ في المرفوع إثباتُه وحذفُه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٨]، وقال: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾ [النمل: ٦٧]، وفي المخفوضِ لا بدَّ مِن الإثبات؛ أي: لا بد من إعادة العامل (١). وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ "ها" تنبيهٌ و"هنا" إشارةٌ إلى المكان الحاضر، وهناك إشارة إلى المكان الغائب، و ﴿قَاعِدُونَ﴾؛ أي: مستَقِرُّون ثابتون، لا نَتقدَّم إلى بابِ بلدِهم، ولا نُقاتل أهلَه.

стр. 2514

وقال المقدادُ بن الأسود ﵁ للنَّبيِّ ﷺ : إنَّا لا نقولُ لك: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن نقول: اذهب أنت، وربُّك يعينُك، وإنَّا معكم مقاتلون (١). * * * (٢٥) - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾؛ أي: قال موسى: يا رب، إنِّي لا أملكُ إلَّا نفسي، وأخي أيضًا لا يَملِكُ إلَّا نفسَه، فلا نقدِرُ على تكليف هؤلاء شيئًا، وهو رفعٌ عطفًا على موضع الضمير في ﴿أَمْلِكُ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الآية [الأنعام: ١٤٨]. وقيل (٢): ﴿إِلَّا نَفْسِي﴾ وإلَّا أخي، فإنَّه يُطيعُني ولا يُخالِفُني، فأنا مالكٌ أمرَه بظاهرِ الحال وموافقتَهُ (٣) إيَّاي في كلِّ شيءٍ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ولمَّا ادَّعى أنَّه يَملِكُ نفسَه، عُرِّفَ عجزَهُ عن ملكِهِ نفسَه، حيث أخذَ برأسِ أخيهِ يجرُّه إليه. ويقال: ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي﴾؛ أي: لا أدَّخرها عن البذلِ في أمرِك، ولا أملِكُ إلَّا أخي، فإنَّه لا يُؤثِرُ بنفسِه عن الذي كلَّفتُهُ مِن قبلك (٤). وقوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: أخْرِجنا مِن (٥) عدادهم، ولا تُلحِقنا بهم في استحقاقِ العقوبة.

стр. 2515

وقيل: أي: اقضِ بيننا وبينَهم، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]؛ أي: يُقضى. وقيل: أي: باعِدْ بيننا وبينَهم، قال الرَّاجزُ: يارَبِّ فافرُق بينَه وبيني... أشَدَّ ما فرَّقتَ بين اثْنينِ (١) وقيل: أي: ميِّز بيننا وبيثَهم في الآخرة، فيكونُ هؤلاء في النَّار، وهؤلاء في الجنَّة، ولم يقل: بيننا وبينهم؛ لأنَّ فيهم مَن أطاعَهُ، كيوشع وكالب، فلذلك قال: ﴿وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ على التَّخصيص. * * * (٢٦) - ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: فإنَّ الأرضَ المقدَّسةَ ممنوعةٌ عليهم أنْ يَدخلوها ويَسكنوها، والتَّحريمُ: المنع، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]، وهو تَفعيلٌ مِن الحرمان، وكان ذلك عقوبةً لهم بعصيانِهم. وقيل: أي: التَّوبةُ محرَّمةٌ عليهم، فلا يَتوبون. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرفٌ لقوله: ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، وقيل: لقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يَبقون مُتحيِّرين في الأرضِ التي هُم فيها، وهي البرّ.

стр. 2516

والتِّيهُ: التَّحيُّر الذي لا يُهتَدى لأجلِه للخروجِ إلى الطَّريقِ المستقيم، والتِّيهُ: التكبُّر، مِن ذلك، والتَّيهاءُ: الأرضُ التي لا يُهتَدَى فيها، وكان التِّيهُ مقدارَ ستَّةِ فراسخ عرضًا، في اثني عشرَ فرسخًا طولًا. وقال مقاتل: أوحى اللَّهُ تعالى إلى موسى ﵇ أنِّي أحبِسُهم بالنَّهار، وأسيَّرُهم باللَّيل أربعينَ سنة، فإذا بلغَ أجلُهم أربعين سنةً، أرسلتُ عليهم الموتَ، فلا يَدخلُها إلَّا خلوفُهم، غير يوشعَ وكالب، وهما يسوقان بني إسرائيلَ إلى تلك الأرضِ، فتاهَ القومُ في ستة فراسخ، وقالوا لموسى: ما صنعْتَ بنا، ونَدِمَ موسى على ما دعا عليهم (١). وقيل: لم يقصد موسى بالدُّعاء هذا النوعَ من العذاب، بل أرادَ بهم ما هو أخفُّ منه، وحَزِنَ بهذا، فخفَّفَ اللَّه تعالى عليه ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لا تحزَن عليهم بما أصابَهم وهم فاسقون مستحِقُّون لذلك. قال مقاتل: ثمَّ إنَّ اللَّهَ تعالى أخرجَ ذراريهم بعد أربعين سنةٍ، وقد هلكَتِ العُصاةُ في التَّيه، فأتَوا أريحا، فقتلوا مقاتليهِم، وسبوا ذرارِيهم، وقتلَ ثلاثةً مِن الجبَّارين، ومات في التِّيهِ كلُّ ابن عشرين سنة، ومات هارونُ في التِّيهِ، ومات موسى بعدَهُ بسنةٍ، واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون (٢). وقيل: قد أُجيبَتْ دعوةُ موسى في الفَرْق بينه وبينهم؛ فإنَّهم كانوا محبوسين في التِّيه، وموسى وهارون ويوشع وكالب لم يكونوا محبوسين، بل كانوا مخيَّرين،

стр. 2517

وإنَّما مَكثوا في التِّيهِ حفظًا لهم على الإسلام والطَّاعة، فإنَّهم كانوا يَرجعون عن الدِّين لولاهم. وقيل: إنَّ قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ما علمَ به بنو إسرائيل، بل علِم به هو، أو (١) هؤلاء الثلاثة معه على الخصوص، ولو علموا بذلك لما تَكلَّفوا المسيرَ كلَّ يومٍ مع علمِهم بالحبسِ. وقيل: إنَّ تظليلَ الغمامِ وإنزالَ المنِّ والسَّلوى كان في هذا. وقيل: هذا نعمةٌ، وكان حبْسُهم محنةً، بل ذلك كان حين خرجوا من البحرِ، ودخلوا تلك البَرِّيَّة، وهذه البَرِّيَّةُ غيرُ تلك البَرِّيَّةِ (٢). وقيل: يَجوزُ أن يكون هذا في هذه البَرِّيَّة، والعقوبةُ في الدُّنيا لا تُنافي النِّعمةَ؛ فإنَّها ليست بدار الجزاءِ على الحقيقة. وفي تفسير الربيع بن أنس أنَّ حبسَهُم في التِّيهِ كان أربعينَ سنةً، ثمَّ زالَ، فدخلوا تلك الأرض (٣). والصَّحيحُ أنَّهم ماتوا فيها، وفُتِحَت تلك البلادُ لأولادهم. * * * (٢٧) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على أهلِ الكتاب هؤلاء؛ الذين قال أسلافُهم

стр. 2518

لموسى ذلك، وهؤلاء الذينَ في عصرِك مِن أولادِهم يَحسدُونك، وقد همُّوا أنْ يَبسطوا أيديَهم إليك بالقتل، فأخبِرهم بقِصَّةِ ابنَي آدمَ، الذي بَسطَ يدَهُ إلى صاحبِه بالقتلِ حسدًا له، وإلى ماذا صار أمرُه مِن خُسران الدُّنيا والآخرة، فكذلك حالُ هؤلاء. وقيل: يَرجِعُ هذا إلى قوله: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ١٥]، وكان من ذلك هذه القصَّة. وقوله تعالى: ﴿نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾؛ أي: خبرَهما. وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: ليَعتبروا ويتذكَّروا، لا ليَحمِلوه على اللَّعبِ والباطل ككثيرٍ مِن الأقاصيص التي هي من لهوِ الحديث. قال الحسن: وبعض الناس يقولون (١): إنَّ هذين الرجلين من بني إسرائيل (٢)، وضربَ اللَّهُ المثلَ بهما؛ لبيانِ أنَّ التَّحاسُدَ في بني إسرائيل قديمٌ، وبلغ ذلك حتَّى قَتلَ مَن رُدَّ قربانُه مَن قُبِلَ قربانُه؛ حسدًا له على ما آتاهُ اللَّه من فضلِه، وهؤلاء أولادُ أولئك، فلا تُنكِر يا محمَّدُ حسدَهم إيَّاكَ. وسمَّاهما ابنَي آدم؛ لأنَّهما مِن نوافله، كما سمَّانا بني آدم، وهذا وإن كان أقربَ إلى النَّظم، فهو خلافُ المأثورِ المشهورِ أنَّهما وَلَدا آدمَ لصلبه؛ هابيل وقابيل، على ما رُويَ عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: كانت حوَّاءُ تَلِدُ في كلِّ بطنٍ اثنين؛ غلامًا وجاريةً، وقد ولدَت خمسَ مئة بطنٍ، فولَدَت أوَّل بطنٍ قابيلَ وأختَه إقليما، ثمَّ مكثَت سنتَين، ثمَّ ولدَت البطنَ الثَّاني هابيلَ وأخته لبوذا (٣).

стр. 2519

فلمَّا أدركوا، أمرَ اللَّهُ تعالى آدمَ أنْ يُنكِحَ قابيلَ أختَ هابيل، وأنْ يُنْكِحَ هابيلَ أختَ قابيل، فرضيَ هابيلُ بالذي أُمِر، وسخِطَ قابيل؛ لأنَّ أختَه كانت أحسنَهُما، وقال: ما أمرَ اللَّهُ آدمَ بهذا قطّ، ولا أزوِّجُ هابيلَ أختي، قال آدمُ: فقرِّبا قُربانًا، فمِن أيِّكما تُقُبِّل تزوَّجَها، فقرَّبَ هابيلُ حملًا سمينًا مِن خيرِ غنمِه [و] (١) لبنًا وزُبدًا، وقرَّبَ قابيلُ فسيلًا مِن شرِّ زرعِه، فانطلقَ بهم آدمُ إلى الجبلِ، فأضمرَ قابيلُ في نفسِه: ما أبالي تَقبَّل اللَّهُ منِّي أم لا، لا يَتزوَّج هابيلُ أختي أبدًا، وأضمرَ هابيلُ في نفسِه الرِّضا للَّه، فنزلَت نارٌ مِن السَّماء، فتَقبَّل اللَّهُ تعالى مِن هابيل؛ لأنَّه كان زاكيَ القلب، ولم يَتقبَّل مِن قابيل، فنزلوا من الجبلِ وتَفرَّقوا. ثمَّ أتى قابيلُ هابيلَ وهو في غنمه، فقال له: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ (٢)، قال: ولم؟! قال: لأنَّ اللَّهَ تعالى قبلَ قربانَك وردَّ قُرباني، وستَنكِحُ (٣) أختي الحسناء، وأنكِحُ أختَك القبيحةَ، فيَتحدَّثُ النَّاسُ أنَّك خيرٌ منِّي، ويَفخَرُ ولدُكَ على ولدي، قال له هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي (٤): ممن كان زاكي القلبِ (٥)، ورُدَّ عليك لأنَّك لست بزاكي القلبِ. وروي أن الكبش كان أبيض (٦) أعين أقرن. وقال السُّدِّيُّ: كان قابيلُ أكبرَ مِن هابيل، فأرادَ آدمُ الخروجَ إلى مكَّة، فطلبَ

стр. 2520

إلى السَّماء أنْ تحفظَ عليه أهلَه وولدَه بأمانةِ اللَّه، فأبت، وطلبَ إلى الأرضِ، فأبَت، وطلبَ إلى الجبالِ، فأبت، فقال قابيل (١): أنا أحفظُهم عليك بأمانة اللَّه، فضَمَّنهُ ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وانطلق آدمُ إلى مكَّة، فطاف بالبيت، فطلب هابيلُ إلى قابيل أنْ يُزوِّجَهُ أختَه، فقال له قابيل: أنا أكبرُ منك، وأنا وصيُّ أبي، فقال له هابيل: ما أنت خيرًا مني، تعال فلنقرِّب قُربانًا، فأيُّنا تُقبِّلَ قربانُه فهو خيرٌ مِن صاحبه، وكان قابيلُ صاحبَ زرعٍ، وهابيلُ صاحبَ غنمٍ، فأخرج قابيلُ سُنبلًا، وأخرج هابيلُ كبشًا سمينًا، فجاءت نارٌ فأخذت الكبشَ، وتركتِ السُّنبلَ، فحسَده قابيلُ، فقال: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، فقال هابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾؛ أي: تَقرَّبا إلى اللَّه بقربانٍ؛ قابيلُ بالسُّنبلة، وهابيلُ بالكبش، فتُقبِّلَ مِن هابيل، ولم يُتقبَّل مِن قابيل، وقوله تعالى: قربا قربانًا؛ أي: قرَّبَ كلُّ واحدٍ منهما (٣) قربانًا، أو هو مصدرٌ، فصَلَح للاثنين والجمع. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي: قال قابيلُ ذلك؛ أي: كيلا يَقولَ النَّاسُ إذ رأوك ورأوني: هذا مقبولُ القُربان، وهذا مردود القربان (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: قال ذلك هابيل، قال فضالةُ بنُ

стр. 2521

عبيد: لأنْ أكونَ أعلمُ أنَّ اللَّهَ قد تَقبَّل منِّي مثقالَ حبَّةٍ من خردل أحبُّ إليَّ مِن الدُّنيا وما فيها، وتلا هذه الآية (١). وقالوا: قُبلَ قُربان هابيل لتعظيمه، ورُدَّ قُربان قابيلَ لتحقيرِه، وما ينبغي لأحدٍ أنْ يَترُكَ تعظيمَ اللَّه فيما يَتقرَّبُ به إليه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ الآية [الحج: ٣٧] - اجتمع في قابيل عقوقُ الأبِ، وحَسَدُ الأخ، وتحقيرُ القُربان، والتَّأخيرُ في الائتمار، فأفضى به ذلك إلى ردِّ الأمر والوقوعِ في الكفر، وكذلك إيثارُ (٢) المعاصي والإصرارُ عليها والاستهانةُ بها. * * * (٢٨) - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: لئن مددتَ، و (اللَّام) للقسم، وكذلك أجيب بـ ﴿مَا﴾ الذي هو مِن جواب القسم، ولولاه لكان بالفاء؛ لأنَّ جوابَ الشرط كذلك، وإذا اجتمعا، وصَدرُ الكلامِ للقَسَم، كان اعتبارُه أولى. وقوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قيل: أي: أستَسْلِمُ وأصبرُ، ولا أعارض، وكانت معارضةُ القاتِلِ يومئذٍ حرامًا، والتَّسليمُ واجبًا، فأخبرَ أنَّه يَخافُ اللَّه، ولا يَرتكبُ الحرام.

стр. 2522

وقيل: بل كان واجبًا ذلك؛ فإنَّ تركَ المعارضةِ إهلاكُ نفسه، ومشاركةُ القاتل (١) في إثمه، لكن معناه: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ مبتدئًا ظالمًا لقصدِك ذلك منِّي، وكان عازمًا على مدافعتِه إذا قصدَ قتلَهُ، لكن أخذَهُ على غفلةٍ وهو نائم، فشدخَ رأسَه، فلم يُمكنهُ دفعُه. وذكر (٢) الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في "تأويلاته": أنَّ أبا موسى الأشعريَّ رَوى عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "كسِّروا قِسِيكم، وقَطِّعوا أوتارَكم، والزموا أجوافَ البيوت، وكونوا كخيرِ ابني آدم" (٣). قال الشيخ: هذا في الذين يَقتتلان مع غير إمامٍ عادلٍ (٤) بحميَّةٍ أو عصبيَّةٍ، فهما على الخطأ، فأمَّا الخوارجُ على إمام الهدى فقتالُهم واجبٌ بالإجماع (٥). روى أنسٌ وأبو سعيدٍ الخدريُّ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "سيكونُ في أمَّتي اختلافٌ وفرقةٌ، قومٌ (٦) يُحسِنونَ القولَ، ويُسيئون العملَ، يَمرقون مِن الدِّين كما يَمرقُ السَّهمُ مِن الرَّميَّةِ، ولا يَرجعون، هم شرُّ الخليقةِ والخلق، طُوبى لمَن قتلَهم وقتلوه، ويدعون إلى كتابِ اللَّه وليسوا منه في شيءٍ، مَن قتلَهُم كان أولى باللَّه منهم" (٧).

стр. 2523

وقال النبيُّ ﷺ : "قاتِلْ دون مالِكَ حتَّى تمنعَ مالك، أو تكونَ مِن شهداءِ الآخرة" (١). وقال: "من قُتِلَ دون مالِه فهو شهيدٌ" (٢). * * * (٢٩) - ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: تَرجِعَ، وقيل: أي: تَحتمل (٣). وقوله تعالى: ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: بإثمِ قتلِك إيَّايَ، وبسائرِ ما أثِمْتَ به؛ مِن عقوقِ الأب، والحسد، والحقد، والكُفر. أضافَ الإثمَ إلى نفسِهِ أوَّلًا؛ لأنَّه أثِمَ بسببِه، فيَجوزُ إضافتُه إلى كلِّ واحدٍ منهما، وهو كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]، أضافه إلى المؤجَّلِ تارةً، وإلى المؤجِّلِ له تارةً أخرى، فيُضافُ الإثمُ أيضًا إلى الآثم بالجناية، وإلى المجنيِّ عليه أيضًا، وهذا معنى قول قتادةَ ومجاهدٍ والضحَّاكِ والسُّدِّيِّ ﵏ (٤). ثمَّ ليس هذا رضا بالذَّنب، بل هو إرادةُ عقوبةِ المذنب، ولذلك جاء في بعض التفاسير: إنِّي أريدُ أنْ تبوءَ بعقوبة إثمي؛ أي: بعقوبةِ إثمِك في قتلي، ﴿وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: بعقوبةِ سائر آثامك. وقيل معناه: أريدُ أن تكون عليك آثامي التي كانت بذنوبي بسببِ قتلكَ إيَّاي،

стр. 2524

فقد رُويَ أنه يؤخَذُ من سيِّئات المظلومِ يوم القيامة فتحمَلُ على الظالم (١). وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فتعذَّبَ بالنَّار إذا بُؤتَ بالإثم، وذلك جزاءُ مَن قتلَ نفسًا بغيرِ حقٍّ، واختارَ الدُّنيا على الآخرة، ومَن فعل ذلك، فقد نقصَ نفسَهُ حظَّها مِن ثوابِ اللَّه تعالى. * * * (٣٠) - ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ يقال: طاعَ لفلانٍ كذا؛ أي (٢): أتاه طوْعًا منقادًا، وطَوَّعَ متعدٍّ له؛ أي: سهَّلَت له نفسُهُ قتلَ أخيه حتَّى فعلَ غيرَ خائفٍ، ولا مُتفكِّرٍ في عاقبتِه، فأطاعَ هواهُ، وقتلَ أخاهُ. وقال قتادة: زَيَّنَت له نفسُه. وقال مجاهدٌ: شجَّعتهُ (٣). وقال أبو عبيد: أعانَتهُ على ذلك (٤). وقال الكلبيُّ: تابعتهُ نفسُه على ذلك.

стр. 2525

وقال يمانُ بن رئاب: سهَّلت له (١). وقال عبد العزيز بن يحيى (٢): أجابتهُ إلى ذلك. وقال أبو عبيدة (٣): جرَّأتهُ (٤). وقال المؤرِّج: رخَّصت له (٥). وقال عطاء (٦): سوَّلت له نفسُه (٧). وقوله تعالى: ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: صار خاسرًا دنياهُ وآخرتَهُ، فقد أسخطَ والديه، وفقدَ أخاهُ، وأسخطَ ربَّه، وصار إلى النَّار. وفي بعض الآثار أنَّه لم يَدرِ كيف يقتلُه، فتمَثَّل له إبليسُ -لعنه اللَّه- في هيئة طائرٍ، فأخذَ طائرًا، فقطعَ رأسَهُ (٨)، ثمَّ وضعَهُ بين حجرَين، فشدخَ رأسَه يُعلِّمُه القتلَ،
следующие страницы →