← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

عبيد: لأنْ أكونَ أعلمُ أنَّ اللَّهَ قد تَقبَّل منِّي مثقالَ حبَّةٍ من خردل أحبُّ إليَّ مِن الدُّنيا وما فيها، وتلا هذه الآية (١). وقالوا: قُبلَ قُربان هابيل لتعظيمه، ورُدَّ قُربان قابيلَ لتحقيرِه، وما ينبغي لأحدٍ أنْ يَترُكَ تعظيمَ اللَّه فيما يَتقرَّبُ به إليه، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية [الحج: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ الآية [الحج: ٣٧] - اجتمع في قابيل عقوقُ الأبِ، وحَسَدُ الأخ، وتحقيرُ القُربان، والتَّأخيرُ في الائتمار، فأفضى به ذلك إلى ردِّ الأمر والوقوعِ في الكفر، وكذلك إيثارُ (٢) المعاصي والإصرارُ عليها والاستهانةُ بها. * * * (٢٨) - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: لئن مددتَ، و (اللَّام) للقسم، وكذلك أجيب بـ ﴿مَا﴾ الذي هو مِن جواب القسم، ولولاه لكان بالفاء؛ لأنَّ جوابَ الشرط كذلك، وإذا اجتمعا، وصَدرُ الكلامِ للقَسَم، كان اعتبارُه أولى. وقوله تعالى: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ قيل: أي: أستَسْلِمُ وأصبرُ، ولا أعارض، وكانت معارضةُ القاتِلِ يومئذٍ حرامًا، والتَّسليمُ واجبًا، فأخبرَ أنَّه يَخافُ اللَّه، ولا يَرتكبُ الحرام.

стр. 2522

وقيل: بل كان واجبًا ذلك؛ فإنَّ تركَ المعارضةِ إهلاكُ نفسه، ومشاركةُ القاتل (١) في إثمه، لكن معناه: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ﴾ مبتدئًا ظالمًا لقصدِك ذلك منِّي، وكان عازمًا على مدافعتِه إذا قصدَ قتلَهُ، لكن أخذَهُ على غفلةٍ وهو نائم، فشدخَ رأسَه، فلم يُمكنهُ دفعُه. وذكر (٢) الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ في "تأويلاته": أنَّ أبا موسى الأشعريَّ رَوى عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "كسِّروا قِسِيكم، وقَطِّعوا أوتارَكم، والزموا أجوافَ البيوت، وكونوا كخيرِ ابني آدم" (٣). قال الشيخ: هذا في الذين يَقتتلان مع غير إمامٍ عادلٍ (٤) بحميَّةٍ أو عصبيَّةٍ، فهما على الخطأ، فأمَّا الخوارجُ على إمام الهدى فقتالُهم واجبٌ بالإجماع (٥). روى أنسٌ وأبو سعيدٍ الخدريُّ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "سيكونُ في أمَّتي اختلافٌ وفرقةٌ، قومٌ (٦) يُحسِنونَ القولَ، ويُسيئون العملَ، يَمرقون مِن الدِّين كما يَمرقُ السَّهمُ مِن الرَّميَّةِ، ولا يَرجعون، هم شرُّ الخليقةِ والخلق، طُوبى لمَن قتلَهم وقتلوه، ويدعون إلى كتابِ اللَّه وليسوا منه في شيءٍ، مَن قتلَهُم كان أولى باللَّه منهم" (٧).

стр. 2523

وقال النبيُّ ﷺ : "قاتِلْ دون مالِكَ حتَّى تمنعَ مالك، أو تكونَ مِن شهداءِ الآخرة" (١). وقال: "من قُتِلَ دون مالِه فهو شهيدٌ" (٢). * * * (٢٩) - ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: تَرجِعَ، وقيل: أي: تَحتمل (٣). وقوله تعالى: ﴿بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: بإثمِ قتلِك إيَّايَ، وبسائرِ ما أثِمْتَ به؛ مِن عقوقِ الأب، والحسد، والحقد، والكُفر. أضافَ الإثمَ إلى نفسِهِ أوَّلًا؛ لأنَّه أثِمَ بسببِه، فيَجوزُ إضافتُه إلى كلِّ واحدٍ منهما، وهو كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]، أضافه إلى المؤجَّلِ تارةً، وإلى المؤجِّلِ له تارةً أخرى، فيُضافُ الإثمُ أيضًا إلى الآثم بالجناية، وإلى المجنيِّ عليه أيضًا، وهذا معنى قول قتادةَ ومجاهدٍ والضحَّاكِ والسُّدِّيِّ ﵏ (٤). ثمَّ ليس هذا رضا بالذَّنب، بل هو إرادةُ عقوبةِ المذنب، ولذلك جاء في بعض التفاسير: إنِّي أريدُ أنْ تبوءَ بعقوبة إثمي؛ أي: بعقوبةِ إثمِك في قتلي، ﴿وَإِثْمِكَ﴾؛ أي: بعقوبةِ سائر آثامك. وقيل معناه: أريدُ أن تكون عليك آثامي التي كانت بذنوبي بسببِ قتلكَ إيَّاي،

стр. 2524

فقد رُويَ أنه يؤخَذُ من سيِّئات المظلومِ يوم القيامة فتحمَلُ على الظالم (١). وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: فتعذَّبَ بالنَّار إذا بُؤتَ بالإثم، وذلك جزاءُ مَن قتلَ نفسًا بغيرِ حقٍّ، واختارَ الدُّنيا على الآخرة، ومَن فعل ذلك، فقد نقصَ نفسَهُ حظَّها مِن ثوابِ اللَّه تعالى. * * * (٣٠) - ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ يقال: طاعَ لفلانٍ كذا؛ أي (٢): أتاه طوْعًا منقادًا، وطَوَّعَ متعدٍّ له؛ أي: سهَّلَت له نفسُهُ قتلَ أخيه حتَّى فعلَ غيرَ خائفٍ، ولا مُتفكِّرٍ في عاقبتِه، فأطاعَ هواهُ، وقتلَ أخاهُ. وقال قتادة: زَيَّنَت له نفسُه. وقال مجاهدٌ: شجَّعتهُ (٣). وقال أبو عبيد: أعانَتهُ على ذلك (٤). وقال الكلبيُّ: تابعتهُ نفسُه على ذلك.

стр. 2525

وقال يمانُ بن رئاب: سهَّلت له (١). وقال عبد العزيز بن يحيى (٢): أجابتهُ إلى ذلك. وقال أبو عبيدة (٣): جرَّأتهُ (٤). وقال المؤرِّج: رخَّصت له (٥). وقال عطاء (٦): سوَّلت له نفسُه (٧). وقوله تعالى: ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ أي: صار خاسرًا دنياهُ وآخرتَهُ، فقد أسخطَ والديه، وفقدَ أخاهُ، وأسخطَ ربَّه، وصار إلى النَّار. وفي بعض الآثار أنَّه لم يَدرِ كيف يقتلُه، فتمَثَّل له إبليسُ -لعنه اللَّه- في هيئة طائرٍ، فأخذَ طائرًا، فقطعَ رأسَهُ (٨)، ثمَّ وضعَهُ بين حجرَين، فشدخَ رأسَه يُعلِّمُه القتلَ،

стр. 2526

فطلبَهُ ليقتلهُ، حتَّى انتهى إليه في ظلِّ جبلٍ نائمًا، وغنمُه تَرعى حولَهُ، فأخذَ صخرةً، فضربَ بها رأسَهُ فمات (١). وقال الأعمش: لمَّا قتلَ ابنُ اَدم أخاهُ، نَشِفَتِ الأرضُ دمَهُ، فلُعِنَت، فلم تَنْشَف دمًا (٢) بعده (٣). وقال النبيُّ ﷺ : "لا تُقتَلُ نفسٌ ظلمًا إلَّا كان على ابنِ آدم كِفْلٌ مِن دمِها، وذلك أنَّه أوَّلُ مَن سنَّ القتلَ" (٤). وقال عبدُ اللَّه بنُ عمر ﵄: وقابيلُ: هو أبو يأجوجَ ومأجوج. وقال عليُّ بن الحسين: وُكِّلَ به ملكان، يَطلُعان بهِ مع الشَّمس إذا طَلَعَت، ويَغرُبان به مع الشَّمسِ إذا غربَت، ويَنضحانِه بالماء الحارِّ مع حرِّ الشَّمس، حتَّى تقومَ السَّاعة (٥). وقال ابنُ عباسٍ ﵄: لمَّا قتلَ قابيلُ هابيلَ، وآدمُ بمكَّةَ؛ اشتاكَ الشَّجرُ، وتَغيَّرتِ الأطعمةُ، وحَمِضَتِ الفواكهُ وأمرَّ الماءُ، واغبرَّتِ الأرضُ، فقال آدم: حَدثَ في الأرضِ حادثٌ، فأتى الهندَ وهو يقول: تَغيَّرتِ البلادُ ومَن عليها... فوجهُ الأرضِ مغبَرٌّ قبيحُ تَغيَّرَ كلُّ ذي لونٍ وطعمٍ... وقلَّ بشاشة الوجهِ الصَّبيح (٦)

стр. 2527

وما لي لا أجودُ بسكبِ دمعٍ... وهابيلٌ تَضمَّنهُ الضَّريحُ أرى طولَ الحياة عَلَيَّ غَمًّا... فهل أنا مِن حياتي مُستريحُ (١) وروي أنَّ الوحوش والطيور كانت تألَفُ أولادَ آدم، فلمَّا وقعَ هذا نفرَتْ واستوحشَتْ، وهاجَتْ ريحٌ أظلمَتْ لها الدُّنيا، وكان آدمُ في مناسكِ الحجِّ، فقال لجبريل ﵇: ما هذا؟ فقال: هذا مِن شؤمِ قتلِ ابنكَ قابيل أخاه هابيل، فحزنَ لذلك آدمُ، وبكى، ولم يَضحَك (٢) مئةَ سنةٍ لذلك. وروي أنَّه لم يَقرَبْ آدمُ بعد ذلك حوَّاء مدَّة حياتِه. * * * (٣١) - ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: قتلَ أخاه، ولم يَدْرِ ما يَصْنَعُ به، فأرسلَ اللَّهُ غرابًا يُثيرُ التُّرابَ عليه.

стр. 2528

وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾؛ أي: ليُبْصِرَهُ كيف يُخفي جثَّةَ أخيه، وقد كانت أنتنَت، فسُمِّيَت سوأةً لذلك. وقيل: السوءةُ: العورةُ هاهنا، كما في قوله: ﴿يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقوله: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧]. وقال قتادةُ: قَتلَ غرابٌ غرابًا، ثمَّ جعلَ يحثو عليه (١). وقال ابن عباس ﵄: جاء غرابٌ حيٌّ إلى غرابٍ ميتٍ، فواراهُ في التُراب (٢). وقال الحسينُ بن الفضل: بعث اللَّهُ غرابًا يَبحثُ في الأرضِ بمنقارِه، فعلم أنَّه يَبحثُ الأرضَ ليدفنَ بها أخاه. وقال بعضُهم: جاء الغرابُ وأثارَ الأرضَ، ووارى به هابيل (٣). وظاهرُ الآيةِ يَحتمِلُ كلَّ ذلك، واللَّهُ أعلمُ بحقيقة ما كان. والإمامُ أبو منصور ﵀ جعل الروايةَ الصَّحيحةَ مواراةَ الغرابِ هابيلَ، لا الغراب الآخر؛ لأنَّه قال: ﴿سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾، والغرابُ لا يكون له سوأَةٌ (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾؛ أي: قال قابيل: ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ وهي كلمةُ تأسُّف على ما فَعَلَ، فلا نفعَ له. وقيل: الويلُ والويلة: الهلاك، وهذا على وجهِ النِّداء، والألفُ في آخرِه للنُّدبة، وتقديرُ النِّداء في مثل هذا: يا ويلةُ احضري، فقد آنَ أوانُك.

стр. 2529

وقوله تعالى: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ استفهامٌ بمعنى التعجُّب، وتقديره: أعجَزتُ عن أن أكونَ، وهذا تَحسُّرٌ منه على ما فاتَه مِن مقدارِ هذا العلم الذي وقفَ عليه الغرابُ. قوله تعالى: ﴿فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ نصبَ بالفاء في جوابِ الاستفهام. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾؛ أي: صار نادمًا على حملِهِ، لا على قتلِه، قال وهبُ بن منبِّه: حملَهُ ثلاثةَ أيَّامٍ لا يَدري ما يَصنع به، حتَّى بعثَ اللَّهُ تعالى الغُرابين. وقال الكلبيُّ ﵀: حملَهُ سنةً. وقال مجاهدٌ: حملَهُ مئة سنةٍ يَطوفُ به. وقال الكلبيُّ: ندم على حملِه والتَّطوافِ به، ولو كانت ندامتُه على قتلِه، لكانت توبةً له. وقال الحسينُ بنُ الفضل ﵀: كانت ندامتُه على ذنبِه، وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧]: إنَّهم ندموا على قتلِها، لكنَّ ندمَ الأوَّلين لم يكن توبةً، وكانوا يعاقَبون على جنايتِهم بعد ندامتِهم، كما عُرِف في الذين عَبدوا العجلَ وندِموا، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩]، ومع ذلك عُوقِبوا بقَتلِ أنفسِهم، وإنَّما جُعِلَ النَّدمُ توبةً في حقِّ هذه الأمَّةِ خاصَّةً. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ويَحتمل أن يكون: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ بمعنى: فيصبح، يعني: في القيامة، ماضٍ بمعنى المستقبل، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] (١). وقيل: لمَّا قتلَهُ نُودي: كنْ خائفًا أبدًا، لا تَرى أحدًا إلَّا خفتَهُ أنْ يَقتلك.

стр. 2530

وقيل: لما قتلَهُ اسودَّ جسدُه (١)، فلما رآه آدمُ قال له: أين هابيل؟ قال: لم أكن وكيلًا عليه، قال آدم: بل أنت قتلتَهُ، ولذلك اسودَّ جسدُك (٢). قال الواقديُّ: فالسُّودان من ولدِه. وقيل: لمَّا هامَ به في الأرض خائفًا كان يَرميه مَن رآهُ بحجرٍ، فرآهُ بعض ولدِه، فرماهُ بحجرٍ فقتلَه (٣). وقيل: أمرَ اللَّهُ تعالى الرِّيحَ فألقتهُ في أحرِّ موضعٍ في الدُّنيا، فهو يُقاسيهِ في الصَّيف، وتُلقيهِ في أبردِ موضعٍ في الدُّنيا، فهو يُقاسيهِ في الشِّتاء. وقيل: قَتَلَ أخاه وهو غيرُ مستحِلٍّ له، ولا رادٍّ للأمر، فكان عاصيًا، بخلافِ أبيه، وقتلِ أخيه، واستئثارِ أختِه، لكن حملَهُ شؤمُ المعصيةِ على الكفر، وسببُ ذلك أنَّ إبليسَ -لعنه اللَّه- تَمثَّلَ له في صورةِ إنسانٍ، وقال له: أتدري لم قُبِلَ قربانُ أخيك؟ قال: لا، قال: إنَّه كان يُعظِّمُ النَّارَ، ويَتواضَعُ لها، فلذلك أكلَتْ (٤) قربانَهُ، فاسجُد أنت للنَّار، فسجدَ لها مِن دون اللَّه، فكفرَ بذلك، وهو أوَّلُ مَن سجدَ للنَّار (٥). وقال محمَّدُ بن عليٍّ التِّرمذي ﵀: إنَّ قابيلَ تولَّدَ مِن قوَّةِ حبَّةٍ أكلَها آدمُ مِن الشَّجرةِ مع النَّهي، فأثَّر في فسادِ هذا الولد، فصار أبًا ليأجوج ومأجوج الذين يَكثُر فسادُهم في آخر الزَّمان على وجهٍ لا تُعرَفُ غايتُه.

стр. 2531

(٣٢) - ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: بسبب ذلك أكَّدنا القولَ على بني إسرائيلَ، وغلَّظنا (١) الميثاقَ عليهم، وخَصَّ بني إسرائيلَ بالذِّكرِ، والحكمُ ثابتٌ في (٢) الكلِّ؛ لأنَّ المخالفين في عصرِ النَّبيِّ ﷺ بقيَّةُ بني إسرائيل، وكانوا يَدينون بالتَّوراة والإنجيل، فذكَّرهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: بغير نفسٍ قتلَها هو، فاستحقَّ القِصاص بذلك. قوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ردَّةٍ؛ فإنَّ الفسادَ اسمٌ للكفر، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]. وقيل: أي: زَنَى وهو محصَنٌ، قال النبيُّ ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى معانٍ ثلاثة: زنًى بعد إحصان، وكفرٌ بعد إيمان، وقتلُ مؤمنٍ بغير حقٍّ" (٣). وقوله تعالى: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: هذا في حقِّ مَن قتلَ نبيًّا أو إمامًا عدلًا (٤)، فالآيةُ في حقِّ بني إسرائيل،

стр. 2532

وكانوا معروفين بقتلِ الأنبياءِ، وقتلُهم قتلُ كلِّ العالم، أو هو في حقِّ كلِّ مقتولٍ، لكن خُصَّ بنو إسرائيل بهذا التغليظ، كما خُصُّوا بسائرِ التَّغليظات. وقيل: هو في حقِّنا كذلك، ومعنى الآية: أنَّ نفعَ هذا الواحدِ كان يَصلُ إلى كلِّ المؤمنين، وكان يقوم ببدنِه في مصالحِ كلِّ المؤمنين، وكان يقول بلسانِه: اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فيَصِلُ ذلك إلى كلِّ المؤمنين. وقال الحسينُ بنُ الفضل ﵀: هذا في حقِّ قتل المؤمن، فقد قال النَّبيُّ ﷺ : "المسلمون كنفسٍ واحدة" (١)، فكان قتلُه قتلَهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتمِلُ أنَّه في أول قتيلٍ (٢) قُتِل، حتَّى جعلَ النَّاسُ يَقتلون بعد ذلك بعضَهم بعضًا، يَستنُّون به، وقال النبيُّ ﷺ : "من سنَّ سنةً سيِّئةً، فلهُ وِزرُها ووِزرُ مَن عمِلَ بها إلى يوم القيامة" (٣). وقيل: أي: يَجِبُ عليه من القَتلِ ما يَجبُ عليه لو قتلَ النَّاس جميعًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وهو في العفوِ عن القصاصِ، وإبقائه حيًّا، وهو إبقاءُ النَّفعِ منه على كلِّ النَّاس، فهو كإحياءِ كلِّ النَّاس. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: ولقد جاء بني إسرائيلَ هؤلاء ﴿رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الواضحاتِ الدَّالَّاتِ على صدقِهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾؛ أي: بعد

стр. 2533

ذلك المجيء بالدِّلالات لَمُجاوِزون حدَّ الأمرِ والنَّهي، وناقضونَ الميثاقَ بالعصيان والكُفر. وقال عطاءٌ: أي: يُسرِفون على أنفسهم. وقال الكلبي أي: لمشركون، فمِن قائلٍ: الملائكةُ بناتُ اللَّه، وقائلٍ: عزيرٌ ابنُ اللَّه، وقائلٍ: المسيحُ ابن اللَّه، وقائلٍ: الأصنامُ شركاء اللَّه. وقال مقاتل: المسرفون في سفكِ الدِّماء واستحلال المعاصي (١). * * * (٣٣) - ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ لمَّا ذكرَ عقوبةَ مَن قتلَ نفسًا بغيرِ نفسٍ أو فسادٍ في الأرض، ذكرَ بعدَه عقوبةَ مَن يَسعى بالفساد في الأرض، وهم قطَّاع الطَّريق، وجعلَهم محاربين اللَّهَ ورسوله؛ لأنَّهم يُحارِبون المؤمنين، وهم أولياءُ اللَّه ورسولِه، فشرَّفَهم بجعلِ محاربتِهم محاربتَه ومحاربةَ رسوله، وقال النبيُّ ﷺ : "يقول اللَّه تعالى: من أهان لي وليًّا فقد بارزَني بالمحاربة" (٢)، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال في ضدِّه: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨].

стр. 2534

وقيل: معناهُ: يُخالِفون اللَّهَ ورسولَه؛ فإنَّه لا محاربةَ بدون المخالفة. ثمَّ جعلَ أخذَ مال المسلمين بغير حقٍّ محاربةً للَّه ورسوله بأيِّ طريقٍ كان، فقال في الأخذ قهرًا ومجاهرةً: ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وقال في الأخذ لطفًا ومعاقدةً: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]. وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾؛ أي: بفسادٍ. وقيل: هو على الحال مصدرٌ بمعنى النَّعت، وتقديره: فاسدين أو مفسدين. وقيل: هو مفعول ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾؛ بمعنى: يكسبون، كما قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]؛ أي: كسبَ، وأصلُهُ المشيُ عن سرعةٍ، واستُعيرَ في الكسبِ والتَّصرُّف؛ لأنَّه به يَحصُلُ غالبًا. وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ التَّقتيلُ: تكثيرُ القتل وتكريرُه. وقوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ التَّصليبُ: تكثيرُ الصَّلْبِ وتكريرُه، وهو نوعُ قتلٍ يكونُ مع التَّعليق في جذع. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ التَّقطيعُ: تكثيرُ القطعِ وتكريرُه، و ﴿مِنْ خِلَافٍ﴾؛ أي: تقطع اليدُ اليمنى والرِّجلُ اليسرى. وقوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ النَّفيُ: التَّبعيد، وقيل: هو التَّسييرُ في البلاد (١)، وتركُ التَّقرير في مكان، وقيل: هو الحبسُ في السِّجن. و ﴿أَوْ﴾ في هذه الآية ليس للتَّخيير، بل هو للتَّفصيل، وقد بيَّنَّا وجوههُ (٢) في

стр. 2535

أوائل سورة البقرة، ومعناه: أن يقتَّلوا، ويُكتفى به إذا كان مِن أحدِهم قتلُ أحدٍ مِن أهل الطَّريق، ويُصَلَّبوا مع ذلك، إذا كان منهم قتلٌ وأخذُ مالٍ، وتُقطَّعَ أيديهم وأرجلهم من خلاف، إذا أخذوا المال، ولم يكن منهم قتلٌ، ويُحبَسوا (١) في السِّجن إذا خَوَّفوا النَّاسَ في الطَّريق، ولم يكن منهم قتلٌ ولا أخذُ مالٍ، وهذا الحبسُ يكون نفيًا عن الأرض معنًى؛ إذ لا يبقى لهم تَقلُّبٌ في الأرض، وقد قال بعض المسجونين شعر: خرَجنا من الدُّنيا ونحنُ مِن اهْلِها... فَلَسْنا مِنَ الأحياءِ فيها ولا الموْتَى إذا جاءَنا السَّجَّانُ يومًا لحاجةٍ... عَجِبنا وقُلنا جاءَ هذا مِن الدُّنيا (٢) وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: فضيحةٌ، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى المذكورِ قبلَه. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؛ أي: مع عقوبةِ الدُّنيا. وقال الكلبيُّ عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ وادعَ هلالَ بنَ عويمر -وهو أبو بردةَ الأسلميُّ- على ألَّا يعينَه، ولا يعينَ عليه، ومَن أتاهُ مِن المسلمين فهو آمن من (٣) أنْ يُهاج، فمرَّ أناسٌ مِن بني كنانة يُريدون الإسلام بأناسٍ من (٤) أسلمَ من قوم هلال،. . . . . . .

стр. 2536

ولم يكن هلال شاهدًا يومئذٍ، فنهدوا (١) إليهم، فقتلوهم، وأخذوا أموالَهم، فبلغَ ذلك إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فنزل جبريلُ ﵇ بالقضية فيهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٢) فقال له جبريل: ابعثْ في طلبِ القوم، فمن قدَرْتَ عليه وقد قُتِلَ وأَخَذَ المال، فحَدُّهُ الصَّلب، وإنْ وجدتَه قد قَتَلَ ولم يَأخذِ المالَ فحدُّه القتل، وإنْ وجدتَه قد أخذَ مالًا ولم يَقتُل، فحَدُّهُ القطعُ، تُقطعُ يدُه اليُمنى ورجلُه اليُسرى، ومَن لم يقدِر عليه نُفِيَ مِن الأرض، والنَّفيُ مِن الأرض إذا عجَزوا عن إدراكِه، أن يُنادى عليه: مَن لقيه قتلهُ. وقال سعيدُ بنُ المسيَّب: نزلَتِ الآية في العُرَنيِّين الذين ارتدُّوا، واستاقوا الإبلَ، وقَتلوا الرِّعاء، والقِصَّةُ مشهورةٌ (٣). * * * (٣٤) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فتَسقطُ عنهم هذه الحدودُ. وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) يَغفرُ لهم بالتَّوبة فلا يُعذِّبُهم، ويَرحمُهم، فلا يُعاقِبُهم.

стр. 2537

وقال الإمام أبو منصور ﵀: والفرق بينه وبين سائر الحدود: أنَّ التَّوبةَ مِن غيرِ المحارب لا تَظهرُ حقيقةُ، فلا تَظهرُ في إسقاطِ ما وجَبَ، وفي المحارب تَظهرُ. والثاني: أنَّه لو لم يُقبَل منه ذلك لتَمادى في السَّعيِ في الأرض بالفساد، فيَلحقُ بالمسلمين مِن الضَّررِ أكثرُ مِن أخذِهم بذلك (١). وقال القشيريُّ: السَّعيُ (٢) بالفساد على ضربين؛ بالظَّاهرِ، وعقوبتُه هذه الظَّواهر، وبالباطن وعقوبتُه واردةٌ على السَّرائر، وذلك بقطعِ ما كان متَّصِلًا من وارداتِ الحقِّ، والسِّترِ بعد الكَشْف، والحجابِ بعد البَسط، واستشعارِ الوَحْشَة بعد الأنس، وتبديلِ تَوالي التَّوفيق بتتابعِ صنوفِ الخِذلان، والنَّفي عن بساطِ العبادة، والإخراجِ إلى متابعات النُّفوس، وذلك -واللَّه- خزيٌ عظيمٌ، وعذابٌ أليم. وقال في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾: مَن أقلعَ عن معاصيه، وارتدعَ عن ارتكاب مساويه، قبل أنْ يَنهتِكَ (٣) عنه سِتْرُ السَّداد، لا تقامُ عليه في الظَّاهر حدودُ الشريعة، ولا يؤاخِذُه الحقُّ بسالفِ الجريمة، وإذا قَدَر عليه الإمامُ قبلَ إظهارِ التَّوبةِ، أقامَ عليه الحدَّ وإنْ تَقنَّع بنقابِ التَّقوى والخشية، وكذلك إذا سقطَ العبدُ عن عينِ اللَّه، لم يصل بعدَهُ إلى ما كان عليه مِن تقريبِ اللَّهِ إيَّاه بالمشاهدة (٤). * * *

стр. 2538

(٣٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تُؤذوا عبادَ اللَّه، وثقُوا بوعدِ اللَّه، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. وقوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾؛ أي: القُربة بالتَّقوى، فلن يُقرِّبكُم إليه غيرُه، لا كما يَفعلُ هؤلاء اليهود بالتَّوسُّل بآبائهم (١)، والإفراطِ في ذلك، حتى يقولوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾ هؤلاء اليهودَ وسائرَ الكُفَّار. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لِتَأمنوا ما تخافون، وتَنالوا ما تَرجون. وقيل: لمَّا قال: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وهي القربة، قطعَ وَهْمَ القُربةِ بالمكانِ، فقال: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ﴾؛ أي: هذا التَّقرُّب بسلوكِ سبيل طاعتِه واجتنابِ مخالفتِه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ابتغاءُ الوسيلة: التَّبرِّي عن الحولِ والقُوَّةِ، والتَّحقق بشهودِ الطَّولِ والمنَّة. ويقال: ابتغاءُ الوسيلةِ: التَّقرُّب إليه بما سبقَ إليك مِن إحسانِه. ويقال: هو خلوصُ العقدِ عن الشِّرك (٢). ويقال: هو استدامةُ الصِّدق في الوَلاء إلى آخر العمر.

стр. 2539

ويقال: هو تجريدُ الأعمالِ عن الرِّياءِ، وتفريدُ الأحوالِ عن الإعجاب، وتخليصُ الأنفاسِ عن الحظوظ (١). * * * (٣٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ذكرَ وعيدَ المتباعِدين بعد وعد المتوسِّلين، يقول: لو أنَّ الكُفَّار ملكوا جميعَ ما في الأرض، وملكوا مثلَ ذلك، ليفتدوا به، فيُخلِّصوا أنفسَهم مِن عذابٍ حضر (٢)، لم يُتقَبَّل ذلك منهم، ولم يُخلَّصوا، ولهم عذابٌ وجيع. وقال أنسُ بن مالك ﵄: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُقالُ للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملءُ الأرض ذهبًا، أكنتَ تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال: لقد سُئلتَ أيسرَ من ذلك" (٣). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: اليوم يُقبَلُ مِن الأحبابِ مثقالُ ذرَّةٍ، وغدًا لا يُقبَلُ مِن الأعداءِ ملءُ الأرضِ ذهبًا ودرًّا (٤). * * *

стр. 2540

(٣٧) - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾ قيل: أي: يَطمعون، كما يقولُ الرَّجلُ لآخر: إنَّما أريدُ أنْ تُعطيني كذا؛ أي: أطمع، وهو قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، وقال أبو الدرداء (١): يقولُ المرءُ فائِدتي ومالِي... وتقوى اللَّهِ أفضلُ ما استَفادَا (٢) يُريدُ المرءُ أنْ يُعطَى مُناهُ... ويَأبَى اللَّهُ إلَّا ما أَرادَا (٣) فمعناه: يَطمعون اليومَ أنْ يَخرُجوا منها غدًا، فقطعَ طمعَهم بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾. وقيل: معناه: أي: يَتمنَّون في النَّار أنْ يَخرجوا منها، ولا يكونُ ما يَتمنَّون. وقيل: هو قصدُهم في النَّار إلى الخروج (٤)، ولا يمكَّنون منه، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]. وقيل -وهو قول الضَّحَّاك-: هو سؤالُهم الإخراجَ مِن النَّار، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، وقال (٥): ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [فاطر: ٣٧].

стр. 2541

وقيل: معناه: يكادونَ يَخرجون منها إذا رفعَتهم بلهبِها، وهو كقوله: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ وهذا الخلودُ للكفَّار، وصدرُ الآيةِ فيهم. وقال مجاهدٌ: إذا أُخرِجَ (١) المؤمنون من النَّار، تمنَّى الكفار أن يكونوا مسلِمين، فذلك قولُه تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] (٢). وقال عوفٌ للحسن البصريِّ ﵀: بمَ يدخلون النَّار؟ قال: بذنوبِهم، قلت: وبم يَخرجون؟ قال: بإيمانهم. * * * (٣٨) - ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ السَّرقةُ: أخذُ ما ليس له مستخفيًا، هذا هو حقيقتها لغةً، واستراقُ السَّمعِ كذلك، والسَّرقةُ الموجبةُ في الشَّرع للقطع: هي أخذُ النِّصابِ مِن الحرزِ على استخفاء، والسَّارقُ: الرجل الفاعل لذلك، والسارقةُ: المرأة، وبدأ بالرَّجل هاهنا، وبالمرأةِ في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾؛ لأنَّ الدَّاعي إلى ذلك الفعلِ يَنشأ مِن جهتِها غالبًا، وهذا الفعلُ وهو السَّرقةُ وجودُه يكونُ مِن الرَّجل غالبًا. وقوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أضافَ الأيدي إليهما، فيكون عن كلِّ واحدٍ منهما يدٌ واحدةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وتقديرُه: صغى قلبُ كلِّ واحدٍ منكما، فكذلك هاهنا، وتقديرُه: فاقطعوا يدَ كلِّ واحدٍ منهما،

стр. 2542

ثمَّ لم يعرف تعيينُ اليدِ التي تُقطع فيها، ولا (١) موضعُ القطعِ منها بإطلاقه، فتوقَّفَ على بيان (٢) النبيِّ ﷺ ، وقد بيَّنَهُ فعلًا بقطعِ (٣) يمين السَّارقِ من المفصل (٤)، فصارَ ملتحقًا بالنصِّ كالمنطوقِ به، ولذلك قرأ عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (فاقطعوا أيمانَهما) (٥)، وهو جمعُ يمين. وقيل: إنَّما جمعَ الأيدي؛ لأنَّ السَّارقَ اسمُ جنس، وكذلك السَّارقة، وأريد بهما الجمع، فلذلك قال: الأيدي؛ لأنَّها أفرادٌ مضافةٌ إلى الجمع، وقال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ على التثنية، ولم يقل: أيديهم؛ لظاهرِ اللَّفظ، وهذا جمعٌ بين اعتبارِ اللَّفظِ واعتبارِ المعنى في كلامٍ واحد، وهو سائغٌ (٦) لغةً، كالجَمعِ بين تذكيرِ المعنى وتأنيث اللَّفظ، قال الشاعر: أبوك خليفةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرى... وأنتَ خَلِيفةٌ ذاكَ الكمالُ (٧)

стр. 2543

واتِّصالُ هذه الآية بما قبلَها: أنَّ ذلك في أخذِ مال الغيرِ ظاهرًا، وهذا في أخذِه باطنًا. وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: مكافأةً لهما على ما فعلا مِنْ فِعلِ السَّرقةِ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قيل: ما الحكمةُ في قطعِ يدٍ قيمتُها ألوفٌ بسرقةِ عشرة دراهم، وقد قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠]؟ قلنا: جزاءُ الدنيا محنةٌ يُمتحَنُ بها المرءُ، وللَّه تعالى أنْ يَمتحن عباده (١) بما شاء ابتداءً مِن غير جزاءٍ على كَسْب، ولأنَّ القطعَ ليس بجزاءِ ما أخذَ مِن المال، ولكن لمَا هتكَ مِن الحُرمة، ألا ترى أنَّه قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾، فيجوز أنْ يَبلغ جزاءُ هتكِ تلك الحرمة قطعَ اليد، وإنْ قصرَ عن البشر علمُ ذلك؛ لأنَّ مقاديرَ العقوبات إنَّما يَعلمُها مَن يَعلمُ مقاديرَ الإجرام، وإذا كان كذلك، فحقُّه التَّسليمُ والانقياد (٢). وقوله تعالى: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾؛ أي: عقوبةً رادعةً لهما من العود، ولغيرِهما مِن الاقتداء بهما، مأخوذٌ من النُّكول، وهو الامتناعُ، وقد شرحنا ذلك في قِصَّة القِردة مِن سورة البقرة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: منيعٌ لا يُعارَضُ في حكمِه، ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكمَ به في شرعِه، فهو تحصينٌ للأموال، ومنعٌ للعِباد عن سيِّء الأفعال.

стр. 2544

قال ابنُ عباس ﵄: نزلت الآيةُ في طُعمَة بن أُبيرِق الظَّفَري سارقِ الدِّرع (١)، وقد بيَّنَّا القصَّة في سورة النِّساء (٢). * * * (٣٩) - ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾؛ أي: سرقتِه، كما في قوله: ﴿فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥]؛ أي: السَّارقين. وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ردَّ المسروقَ، وأَرْضى الخصمَ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يقبلُ توبتَه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يَغفِرُ ذنبَه، فلا يَفضحُه، ويَرحمُه فلا يُعذِّبُه. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: مَن ندِمَ على ما صنعَهُ، وتَداركَ ما ضيَّعَهُ، وأصلحَ مِن أمرِه ما أفسدَهُ، أقبلَ اللَّهُ عليهِ بفضله فغفرَه (٣)، وأعادَ (٤) عليه باللُّطفِ وجبرَه (٥). * * *

стр. 2545

(٤٠) - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾؛ أي: يا محمَّدُ، وقيل: أي: يا إنسان؛ خطابٌ لكلَّ مكلَّف، وقيل: الخطابُ للنَّبيِّ ﷺ ، والمرادُ جميعُ أمَّتِه. وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والمرادُ مِن هذا الاستفهام الأمرُ؛ أي: اعلَمْ أنَّ ملكَ السَّماواتِ والأرض للَّه. وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: السَّارقَ، يأمرُ بقطعِه مع توبتِه. وقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يُسقِطُ الحدَّ عن قاطعِ الطَّريق إذا تابَ قبل أنْ يُقدَرَ عليه، نَفى بذلك وَهْمَ من يقول في نفسه: لم افترقَ حكمُهما؟ فيقول: الملكُ لي، والحكمُ لي، فلا اعتراضَ على فعلي. وقال الكلبيُّ: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ مَن ماتَ على كُفرِه، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لمَن تابَ مِن ذنبِه. وقال الضَّحَّاك: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ على الصَّغيرةِ إذا أصرَّ عليها، ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الكبيرةَ إذا نزعَ عنها (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: على التعذيبِ والمغفرةِ وغيرِهما. * * * (٤١) - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ

стр. 2546

سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ خاطبَ سائرَ الأنبياءِ باسم التعريف: ﴿يَاآدَمُ﴾ [البقرة: ٣٣]، ﴿يَانُوحُ﴾ [هود: ٣٢]، ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: ٧٦]، ﴿يَالُوطُ﴾ (١)، وخاطبَ محمَّدًا ﷺ باسم التَّشريفِ: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤]. ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ لا يغمك المسارعون ﴿فِي الْكُفْرِ﴾. قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقون. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ عطف على المنافقين. وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: هم ﴿سَمَّاعُونَ﴾، أضمرَ الابتداء. وقيل: تمَّ الكلامُ الأوَّلُ بذكرِ المنافقين، وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ابتداءٌ، و ﴿سَمَّاعُونَ﴾ خبره، وانتظامُها بما قبلَها: أنَّ أخذَ المال بقطع الطَّريق والسَّرقة أورث (٢) العقوبةَ، وأخذَ اليهودِ أموالَ النَّاس لتحريف الكتاب أورثَ الكفرَ. وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ مبالغةٌ في السَّماع.

стр. 2547

وقال الحسنُ ﵀: معناه: ﴿سَمَّاعُونَ﴾ منك ليَكذِبوا عليك (١). وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾؛ أي: يَسمعون منك ليُخبِروا مَن لم يَأتِك، والسَّمَّاعون: هم كبارُ اليهود، والذين لم يَأتوك هم عوامُّهم الذين اشتَغلوا بمعايشِهم، يعني: يَنقُلون عنك إليهم (٢) غيرَ ما قلت، يَحتالون بذلك للتَّحريف، وكانوا يُفتونهم (٣) بآرائِهم، ويُروِّجون ذلك بقولهم: نأتي محمَّدًا فنسمعُه يقولُ كذلك، وهو حكمُ اللَّه في كتابنا وكتابهم، يقول: إنَّ عوامَّهم لا يأتونَك فيعرفوا أحكامَ الإسلام. وقيل: معنى قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾؛ أي: قابلونَ لكذب أحبارهم في أخبارهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١]؛ أي: قالوا: قبلنا، وهم لا يقبلون. وقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾؛ أي: جواسيسُ يَأتونك فيتجسَّسون، ثمَّ يَر جِعون فيُخبِرون، وهو كقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾؛ أي: مِن بعد إنزالِ اللَّهِ تلك مذكورةً في مواضعها، ﴿الْكَلِمَ﴾ جمعٌ على صيغةِ الواحد، فجَمَعَ المواضعَ، ووحَّد الكنايةَ في آخرِها لذلك. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾؛ أي: يقولُ أحبارُهم لعوامِّهم: إنْ حَكَمَ لكم محمَّدٌ بما أخبرَنا أنَّه في كتابِنا فاقْبَلوه.

стр. 2548

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: إنْ حكمَ بخلافِ هذا، فلا تَقبلوهُ، وتَحرَّزوا عن حكمِه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قطعَ رجاءَ محمَّدٍ ﷺ عن إيمانِ هؤلاء، فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ﴾ إضلالَهُ في الدُّنيا، وتعذيبَهُ في الآخرةِ، فلن تمنعَ أنت يا محمَّدُ (١) عنهم ذلك. والفتنةُ: قد تكون بمعنى الإضلال، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقد تكون بمعنى العذاب، قال تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: ١٤]. وقال الزَّجَّاج: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾؛ أي: فضيحتَهُ (٢) وإخزاءَهُ بإظهار حاله. ودلَّت الآيةُ على إرادة اللَّه تعالى أفعالَ العبادِ وخلقها، وهو في من علم أنَّه يَختارُ الكفرَ. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾؛ أي: عن الكفرِ؛ لعلمِه منهم اختيارَ الكفر. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وخزيُ الدُّنيا هو ما قال: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]. وقيل: هو أخذُ الجزيةِ منهم. وقيل: هو السَّبيُ والجلاء.

стр. 2549

وقال مقاتل: نزلَت الآيةُ في المنافقين واليهود، والذين هادوا (١) كعبُ بن الأشرف، وكعبُ (٢) بن أسيد، وسعيد (٣) بن عمرو، ومالك بن صوريا (٤)، وكنانة، وشاس بنُ قيس، وأبو نافع (٥)، ويوسف، وعازار (٦)، وسلول (٧)، ومختار بن عمرو بن سلول (٨)، وهم ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: ليهودِ خيبر، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٩) أي: أمر الرَّجم، وذلك أنَّ رجلًا [يسمى يهوذا] وامرأةًا سمُها بسرة من يهود خيبر زنيا، وكانا في شرفٍ، فكرهوا رجمَهما، وقالوا: إنَّ في دين محمد الضَّرب، فلو كان نبيًا كما يَزعُم، فليس على صاحبنا رجم، فكتب يهودُ خيبرَ إلى يهود المدينة، وبعثوا نفرًا منهم، وقالوا: سلوا محمَّدًا عن الزانيين إذا أحصنا، ما حدُّهما؟ فإن أمرَكم بالجلد فاقبلوا منه، وإن لم تؤتوه -أي: الجلد- وأمرَكُم بالرَّجم، فلا تَقبلوه منه. فجاؤوا وسألوا، فأتاهُ جبريلُ بالرَّجم، وقال جبريل: اجعل بينك وبينَهم ابنَ صوريا الأعور، وسلهم عنه، فقال النبيُّ ﷺ : "هل تعرفون غلامًا شابًا أبيضَ أمردَ أعور، يَسكن فدك، يقال له: ابنُ صوريا؟ " قالوا: نعم، هو أعلمُ يهوديٍّ بقي في (١٠) الأرض، فأرسلَ

стр. 2550

إليه النَّبيُّ ﷺ ، فجاءَ فقال له: "أنت أعلمُ اليهود؟ " قال: كذلك يزعمون، قال النبيُّ ﷺ : "اجعلوه بيني وبينكم"، قالوا: قد رضينا بما رضيت، فقال له: "فإنِّي أنشُدك اللَّهَ الذي لا إلهَ إلا هو، إلهَ موسى وإلهَ بني إسرائيل، الذي أخرجَكم مِن مصر، وفلقَ لكم البحرَ، فأنجاكم وأغرقَ آل فرعون، وأنزلَ عليكم كتابًا فيه حلالُه وحرامه، وظلَّل عليكم الغمامَ، وأنزلَ عليكم المنَّ والسَّلوى، هل وجدتُم في كتابكم الرَّجم على مَن أحصِن؟ " قال: نعم، ولولا مخافةُ أنْ أهلِكَ إن كتمتُ أو كذبتُ، ما اعترفت لك به، فقال له قومُه (١): ما أسرعَ ما أخبرتَهُ به، فأمر النبيُّ ﷺ بهما فرُجِما (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه وجوهٌ من الدَّلائل: أحدها: أنَّه ظهرَ بكتمانِهم الحقوقَ التي بينَهم وبين اللَّه تعالى خيانتُهم في كتمانِهم بعثَ النبيِّ ﷺ . والثاني: إثباتُ رسالته إذ باللَّهِ عَلِمَ. والثالث: أنَّهم لمَّا طلبوا منه الرُّخصةَ والتَّخفيفَ في الحدِّ، دلَّ أنَّهم عرَفوا أنَّه رسولٌ؛ إذ لا يُطلَبُ ذلك مِن غير الرَّسول؛ لكنَّهم عاندوا. والرابع: جوازُ شهادة بعضِهم على بعض؛ إذ قبلَ شهادةَ ابنِ صوريا عليهم بالرَّجم (٣). وقال الكلبيُّ: نزلَت الآيةُ في أبي لُبابة بنِعبد المنذر: وذلك لمَّا استشارَهُ بنو

стр. 2551

قريظة: أننزل (١) على حكم سعد بن معاذ (٢)؟ فأشار عليهم بيده أنَّه الذبح، قال أبو لبابة: فما زالتْ قدمايَ حتَّى علمتُ آّني خنتُ اللَّهَ ورسولَه (٣). وقال قتادة: ذُكِر لنا أنَّ هذا كان في قتل بني قريظة والنَّضير، رجل من قريظةَ قتلَهُ النَّضير، وكانت النَّضيرُ إذا قَتلت مِن قريظةَ لم يُقيدوهم (٤)، وإنَّما يُعطونَهم الدِّيةَ؛ لفضلِهم عليهم، وكانت قريظةُ إذا قتلَت مِن النَّضير لم يَرضَوا إلَّا بالقَوَد؛ لفضلِهم في أنفسِهم تَعزُّزًا، فقدِمَ النَّبيُّ ﷺ على هؤلاء، فأرادوا أن يَرفعوا ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ ليَحكمَ بينهم، فقال رجلٌ مِن المنافقين لهم: إنَّ قتيلَكُم هذا عمدٌ (٥)، ومتى تَرفعوه إلى محمَّدٍ أخشى عليكم القَوَدَ، فإنْ قَبِلَ منكم الدِّيةَ فخذوه (٦)، وإلَّا فكونوا على حَذَرٍ (٧). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ من أرسلَ عليه قوارعَ (٨) الهوى، وسلَّطَ عليه نوازِعَ المُنى، وأذلَّهُ بسُوءِ القضاء، فليس يُلقى عليه غيرُ الشَّقاء (٩).

стр. 2552

(٤٢) - ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ له وجهان كما مرَّ، وهو نعتٌ لـ ﴿أُولَئِكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ أي: الحرام المستأصل، وقد سَحَتَهُ وأسْحَتَهُ إذا استأصَلَهُ، قال تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١]. وقال الزَّجَّاج: سُمِّي الحرامُ به؛ لأنَّه يُعقِبُ عذابَ الاستئصال (١). وقيل: لأنه لا بركةَ فيه، فيزولُ عن قريب. وقال الخليل: هو القبيحُ الذي فيه العار، فيُسْحِتُ مروءةَ الرَّجل (٢). وقيل: هو حرامٌ يَحمِلُ عليه الشَّرَهُ، من قولهم: فلانٌ مسحوتُ المعدة، إذا كان أكولًا شَرِهًا. والسُّحت هاهنا: هو الرشوة في الفُتيا والحكمِ وتحريفِ الكتاب. قال مقاتل بن حيان: هو كعبُ بنُ الأشرف، كانت اليهودُ تَحاكَمُ إليه، فيَرتشي، فيَقضي لمن رشاهُ. وقال الحسن: كان الحاكمُ في بني إسرائيل إذا أتاهُ أحدهم برشوةٍ جعلَها في كمِّه، فيريها إيَّاه، فينظرُ إليها، ويَتكلَّمُ بحاجتِه، فيَسمع منه، ولا يَنظرُ إلى خصمِه، فيَأكلُ الرشوةَ، ويَستمعُ للكذب (٣)، فأنزلَ اللَّهُ تعالى فيهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.

стр. 2553

وقال مسروق: سألتُ ابنَ مسعودٍ ﵁ عن السُّحت، أهو الرشوةُ في الحكم؟ قال: لا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٤، ٤٥، ٤٧]، ولكنَّ السُّحتَ أنْ يَستعينَك على مَظْلَمَةٍ فيُهدي لك، فتَقبلَه، فذلك السُّحتُ (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: إذا دفع مالًا ليدفع الظلم عن نفسه أو ماله فهو معذور، رويَ ذلك عن الحسن وعطاء والشَّعبي (٢). وقال أبو الشَّعثاء: لم نَجِد في زمنِ زياد شيئًا أنفعَ لنا من الرِّشا (٣). وأمر النبيُّ ﷺ بلالًا أن يُعطيَ رجلًا (٤)، وقال له: "اقطعْ عنِّي لسانَه" (٥). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قال الكلبيُّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾، يعني: أهل خيبر، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ بالرَّجمِ، ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فلا تقضِ بينهم، أنت في ذلك بالخيار. قال ابنُ عبَّاس ﵄: ثمَّ نُسِخَ الخيار، ووجبَ الحكمُ بقولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] (٦).

стр. 2554

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾؛ أي: لن يقدروا على الإضرارِ بك. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾؛ أي: وإن اخترتَ ذلك فاحكم بالعدلِ، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العادلين. وقال عمرُ وعليٌّ وابنُ عبَّاسٍ ﵃: السُّحتُ: الرِّشوةُ في الحكمِ، ومهرُ البَغِيِّ، وحلوانُ الكاهن، وثمنُ الكلبِ، وثمنُ الميتةِ، والدَّمِ، والخنزير، وعسَبُ الفحل، وأجرُ النَّائحة والمغنِّيةِ والساحر والقائف، وأجرُ مصوِّر التَّماثيل، وهديَّة الشَّفاعة، والاستجعال في المعصية (١). وقال الحسن: إنَّما ذلك في الحَكَمِ إذا رشوتَهُ ليُحِقَّ لك باطلًا، أو ليُبطِلَ عنك حقًّا، فأمَّا أنْ يُعطي (٢) الرَّجلُ الواليَ يخافُ ظلمَه وعدوانَه شيئًا؛ ليَدرأهُ عن نفسه، فلا بأسَ به له، وعليه (٣) وِزرُه (٤). * * * (٤٣) - ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 2555

وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ استفهامٌ بمعنى الاستنكار؛ يعني: كيف يجعلونكَ حاكمًا فيَرضون بحكمِكَ، وعندَهمُ التَّوراة فيها حكمُ اللَّه، فلا يَرضون به؟ قال ابنُ عباس ﵄: هو الرَّجم (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أي: الرَّجم فلا يقبلونه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ للحال بكتابهم؛ لأنَّهم قد حرفوه. وقيل: أي: لا يؤمنون في المستقبلِ بكَ وبكتابِك (٢)، وهذا في قومٍ عَلِمَ اللَّهُ منهم أنَّهم لا يؤمنون. وقال قتادة: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ بيانُ ما تَشاجروا في أمر قتيلِهم (٣)، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، وهم يَقتلون النَّفسَين بالنَّفس، وفيها: العين بالعين، وهم يَفقَؤون العينين بالعين. * * * (٤٤) - ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

стр. 2556

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾؛ أي: هدايةٌ إلى الدِّين، ونورٌ يُضيءُ طريقَ (١) الصَّواب في الأحكام. وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾؛ أي: انقادوا لحكمِ اللَّهِ تعالى في التَّوراة، وهو كقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وهو هاهنا مِن الأوصافِ اللَّازمةِ التي ذُكِرَت للمدحِ والتَّشريف، لا مِن الأوصافِ المحتمِلة التي تُذكَرُ للتَّمييز والتَّعريف. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾؛ يعني: على اليهود، واللامُ بمعنى "على"، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها. وقال مقاتلُ بن حيَّان: أي: لهم وعليهم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿النَّبِيُّونَ﴾، والرَّبانيُّون: العالِمون العامِلون، نُسِبوا إلى الربِّ؛ لأنَّهم عالمون بهِ عاملون له. وقيل: لأنَّهم يُربُّون النَّاسَ بعلمِهم. قوله: ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ جمع حبر؛ بفتح الحاء وكسرها، وهو العالمُ الذي يُحَبِّرُ الأمورَ تحبيرًا (٣)؛ أي: يُحَسِّنُها. وقال قطرب: هو مِن الجمالِ والهيئة، والعالم له (٤) جمالُ العلم وبهاؤه، وفي

стр. 2557

الحديث: "يخرجُ رجلٌ مِن النَّارِ قد ذهبَ حِبْرُهُ وسِبْرُهُ" (١)؛ أي: جماله وهيئته (٢). وقوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ قيل: الباء (٣) صلةُ "الأحبار"؛ أي: العلماءُ المحسنون بسبب حفظِ الكتاب. وقيل: الباء صلة ﴿يَحْكُمُ﴾؛ أي: يَحكمون بالتَّوراة بسبب استحفاظِهمُ الكتابَ. وسينُ الاستفعالِ للطَّلب والسُّؤال، والحفظُ يكونُ عن النِّسيان، ويكونُ عن التَّضييعِ، وقد أُخِذَ عليهم الأمران جميعًا؛ أنْ يَحفظوها فلا يَنسَوها، ويُراعوا حقَّها (٤) فلا يُضيِّعوها، فالحكمُ الذي يَحكُمُ به هؤلاء هو الرَّجمُ في الزِّنى، والقِصاصُ في قتلِ العمد، وغير ذلك، وقد ذُكر هذان الأمران قبلها وبعدها. قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾؛ أي: كان هؤلاء جميعًا شهودًا على أنَّه كتابُ اللَّه وحكمُه، وأمرُه ونهيُه. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ولمَّا كان الاستحفاظُ لِئلَّا يُحرِّفوا، وكان التَّحريفُ لأمرين؛ لخوفِ الكِبار، وطمعِ العوام، سدَّ عليهم البابين فقال: لا تَخشوا كبارَ القومِ واخشون (٥)، ولا تَستبدلوا بأحكامِ دِيني عرضَ الدُّنيا.

стр. 2558

وقال الحسينُ بنُ الفضلِ البَجليُّ ﵀: إنَّ اللَّهَ استحفظَ أهلَ الكتابِ كتابَه، فبَدَّلوا، وحفظَ القرآنَ بنفسِه فما بدلوا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وكان المعنى في ذلك أنَّه كان بعد التَّوراةِ نزولُ الإنجيل، فعرَّفَهم تبديلَ اليهودِ التَّوراة، وكان بعد الإنجيلِ نزولُ القرآن، فعرَّفهُم تبديلَ النَّصارى الإنجيلَ، ولم يكن بعد القرآنِ كتابٌ آخرَ، ولا بعد النَّبيِّ (١) نبيٌّ آخرُ يُعرِّفُهم لو وقعَ التَّحريفُ، فحفِظَهُ بنفسِه عن التَّبديل؛ ليَبقى لهم هاديًا إلى سواءِ السَّبيل. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ "من" اسمُ جنسٍ تَصلحُ للجمعِ فوحَّد الشَّرطَ لتوحيدِ لفظِه، وجمع الجزاء لاجتماعِ معناه، ومعناهُ: ومَن لم يرَ الحكمَ به ولم يعتقده. وقال عكرمةُ: من جحدَ شيئًا مِن حدود اللَّه فقد كفر، ومن أقرَّ بها ولم يَحكُم بها فهو ظالمٌ فاسق (٢). وقال مقاتل: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ أهلَ خيبرَ أنْ تُخبِروهم بالرَّجم، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ إنْ كتمتمُوه (٣). وقال الكلبيُّ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ في إظهارِ صفةِ محمَّدٍ، والعملِ بالرَّجمِ، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في كتمانِ ذلك، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ بالقرآنِ وبمحمَّدٍ عرضًا يسيرًا مِن مآكلِ الدُّنيا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في القرآن، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. وقال الضَّحَّاك ﵀: نزلت الآيات الثلاث: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في حقِّ اليهود (٤).

стр. 2559

وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: مَن اتَّخذ غيرَ اللَّهِ حكمًا، ولم يَحمد (١) تحت جريانِ حُكمِهِ سِلمًا، فعن شِرْكٍ خامَرَ قلبَهُ، وكفرٍ قارنَ سِرَّهُ، وهيهات أنْ يكونَ معه سواه (٢). * * * (٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ أي: في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ؛ أي: الواحدةُ تَقتصُّ بالواحدة، وقد خالفتُم ذلك، ففَضَّلتم بني النَّضيرِ على بني قُريظة بالتَّضعيف، ثمَّ أخبرَ أنَّ القِصاصَ فيما دون النَّفس كذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، قرأ الكسائيُّ بالرَّفع، وقد روى أنسٌ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قرأ كذلك إلى آخر الآية (٣)، وهو اختيارُ أبي عبيد (٤). وقرأ عاصمٌ ونافعٌ وحمزةُ كلَّها بالنَصب عطفًا على ﴿النَّفْسَ﴾. وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامر وأبو عمرو بالنَّصب إلَّا قولَه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٥)؛ لأنَّ الأوائلَ على نهج الأول، وهذا أُفرد بخبرٍ، فاستؤنف به.

стр. 2560

وقال أبو حاتم: الرَّفعُ أولى؛ لأنَّها جملٌ تامَّةٌ، فالاستئنافُ أولى، كما في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الجاثية: ٣٢] و ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾؛ أي: العينُ الواحدة تُقتَصُّ بالعين الواحدة، وكذلك ما بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ أي: فيما يمكنُ حفظُ المساواةِ فيه؛ تحقيقًا لمعنى القصاص. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾؛ أي: عفا عنه، ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ للعافي بإحسانه. وقيل: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ للمعفوِّ عنه بسقوطه، ثمَّ أجرُ العافي على اللَّه. وقال مجاهدٌ: معناه: فمَن جنى، وخفيَ ذلك على وليِّ الجناية، فأقرَّ به، وسلَّمَ نفسَهُ، فهو كفارةٌ إذا اقتُصَّ منه. وقال الضَّحَّاك: كان لبني إسرائيل القصاصُ والعفو، ولم يكن لهم الدَّية، ولنا هذه الأشياءُ الثَّلاثة. وقال ابن عباس ﵄: كانوا لا يَقتلون الرَّجلَ بالمرأةِ، فنزل قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. وقال مقاتل: قالت بنو قريظة - منهم أبو لبابة وسعيد (١) بن عمرو الليثي لكعب بن الأشرف: إخوانُنا بنو النضير (٢)، أبونا واحدٌ، ودينُنا واحدٌ، وكتابُنا
следующие страницы →