← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نُعاينُكَ، فقد ثبتَ في الحديثِما أنَّ الإحسان: "أنْ تعبدَ اللَّه كأنك تَراهُ فإنْ لم تكن تراه فإنه يَراك" (١). وقال ابن عباسٍ ﵄: معناه: وإياك نستعينُ على عبادتِك. وقال السُّدِّيُّ: معناه: وإياك نستعينُ على ما لا طاقة لنا به. وقال الحسن ﵀: وإياك نستعينُ على الشيطان الذي يمنعُنا عمَّا خلَقْتنا (٢) له من عبادتك. وقال ابن عُيينةَ: وإياك نستعينُ على محاربةِ الشيطان الذي يمنعُنا عن (٣) عبادتك. وقال مقاتل بن سليمان: أي: بك نستعين في أمورنا على ما يُصْلحنا في دِيننا ودُنيانا. والجامعُ للأقاويل: نسألُكَ أن تُعِيننا على أداءِ الحقوق، وإقامةِ الفروض، وتحمُّلِ المكاره، وطلبِ المصالح. فإن قالوا: المعونةُ إنما تُطلب قبل العمل، فهلَّا قال: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قبل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. فجوابُه من وجوهٍ: أحدها: أن الواو لمطلَقِ الجمع لا للترتيبِ، فمعناه: أنه يأتي بهما ولا يتركُهما (٤).

стр. 282

وآخَرُ (١): أنَّ معناه: إياك نوحِّدُ وإياك نستعينُ على الثبات على التوحيد. وآخَرُ: أن معناه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أداء الطاعات بعد التوحيد. وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في الحال، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على ذلك في الاستقبال (٢). وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بظواهرنا فهي التي في وُسعِنا، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على حفظ بواطنِنا فأنت الذي تقلِّبها كيف تشاء. وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على الرجاء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الخوف. وآخَرُ: أن معناه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على الشكر، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هو على الصبر. وقال أبو بكرٍ الورَّاقُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك خلقْتَنا، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنك هدَيْتنا (٣). وقال محمد بن عليٍّ الترمذيُّ (٤): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فاقْبَلْ عبادتنا وإنْ كانت غيرَ صافيةٍ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فأَعِنَّا وإنْ كنَّا غيرَ مستحقِّين للإعانة. وقال أبو الحسن القَنَّاد (٥) ﵀: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك الصانعُ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن المصنوعَ لا غنَى به (٦) عن الصانع.

стр. 283

وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنَّا عبيدٌ، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنك كريمٌ مَجيد. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأنك المعبود بالحقيقة ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على لُزوم هذه الطريقة. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهذا تذلُّلٌ في الظَّاهر ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أن تَعلَم قلوبُنا أنه تَعزُّزٌ في الحقيقة والباطن، وقد (١) قال قائلُهم: وإذا تذلَّلتِ الرِّقابُ تقرُّبًا... منَّا إليكَ فعِزُّها في ذُلِّها (٢) وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بقطع العلائق والأعراض (٣) ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الثبات على هذا الحال فإنه بك لا بنا. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالإخلاص ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على المكاشفة لأسرارنا. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بأمرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ عليها بفضلك. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالدعاء (٤) ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أن تُسقطَ عنا الدعاوي وتردَّنا إلى رياض الحقائق. وقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالتوفيق ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على شكر ما وفَّقتنا من عبادتك. ثم الجمعُ بين الكلمتين للافتخار والافتقار، فقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾ افتخارٌ بكونه

стр. 284

عبدًا له عابدًا له، وقولُه تعالى: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ افتقارٌ إلى معونتهِ، واحتياجٌ إلى توفيقِه وعِصمته، كأنه (١) يقول: (بناز وسر يرادكه بيده مني، وبنو روسو فر وداركه مي معونت من برهيج مني) (٢). وقالوا: هما لتعليمِ بذل المجهودِ، وتلقينِ سؤالِ العطاءِ والجُود. ثم تحقيقُ هذين اللفظينِ من العبد: أن لا يَخدمَ غيرَ اللَّه، ولا يسألَ غيرَ اللَّه، بعدما أظهرَ هذا من نفسِه أنه إياه يَعبدُ وإياه يستعين. وقد حُكي عن سفيان الثوريِّ: أنه أَمَّ قومًا في صلاة المغرب، فلما قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ خرَّ مغشيًا عليه، فلما أفاق قيل له في ذلك، فقال: خفتُ أن يُقالَ لي: فلمَ تَذهبُ إلى أبوابِ الأطبَّاء والسَّلاطين؟ ثم في مجموعِ الكلمتين تحقيقُ مذهب أهل السُّنة والجماعة، وهو إثباتُ الفعل من العبدِ والتوفيقِ من اللَّه تعالى، وفيه ردٌّ على (٣) الجبريَّة والمعتزلةِ (٤): فالجبريةُ يَنْفون الفعلَ من العبد، وقولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يردُّ عليهم ذلك. والمعتزلةُ لا يَرون التوفيقَ من اللَّه (٥)، وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يردُّ ذلك عليهم.

стр. 285

وأهلُ السنَّة والجماعةِ يقولون: من العبد الفعلُ واختيار الفعل، ومن اللَّه تعالى خلقُ ذلك الفعلِ ومشيئةُ ذلك الفعلِ، والآيةُ تدلُّ على ذلك كلِّه. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: قولُه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ هو على إضمارِ الأمر، أي: قلْ هذا، ثم لم يَجعلْ له أن يستثنيَ في (١) القول به، بل أَلزمه القولَ به، فيجب أن لا يستثنيَ في التوحيد، فإن مَن استثنَى فيه عن (٢) شكٍّ يُستثنَى، واللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥]. وقال النبيُّ ﷺ : "أفضلُ الأعمال إيمانٌ لا شكَّ فيه" (٣). قال: وقولُه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إبطالُ قولِ المعتزلة؛ لأن الاستعانة لا تصحُّ على قولهم، لأن تلك المعونةَ على أداء ما كلِّف قد (٤) أُعطيَ العبد ذلك، إذ على قولهم لا يجوزُ أن يكون مكلَّفًا وقد بقيَ شيءٌ مما به أداءُ ما كلِّف به عند اللَّه، وطلبُ ما أُعطيَ كتمانُ العطية، وهو كفرانٌ، فيصير كأنَّ اللَّه تعالى أَمر (٥) أن يَكفرَ نعمَه ويكتمَها (٦) ويطلبها منه تعنُّتًا، وظنُّ مِثله باللَّه كفرٌ. ثم لا يخلو من أنْ يكون عند اللَّه تعالى ما يطلب فلمْ يُعْط التمامَ إذًا، أو

стр. 286

ليس عنده فيكونُ طلبه استهزاءً به، إذ مَن طلَب إلى آخرَ ما يَعلم أنه ليس عنده فهو هازئٌ به. ولأن الذي يطلب إمَّا أن يكونَ للَّه أن لا يُعطيَه مع التكليف، فيَبْطُل قولهم؛ إذ (١) لا يجوز أن يكلِّف وعنده ما به الصلاحُ في الدِّين فلا يعطي، أو ليس له أنْ لا يعطيَ، فكأنه قال: اللهم لا تَجُرْ، ومَن هذا علمُه بربِّه فالإسلامُ أولى به (٢). ثم قولُه (٣): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وإن أُضمر فيه الأمرُ بالقول في أولِ السورة كذلك، فإنَّ الأول مغايَبةٌ وهذا مخاطَبةٌ، وكذلك قوله: ﴿اهْدِنَا﴾، فكيف جمع بينهما؟ وجوابه: أنه سائغٌ (٤) في كلام العرب، وواردٌ في القرآن: قال اللَّه تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢]. وقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ [مريم: ٦٨]، ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ [الأحزاب: ٥٠] ثم قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وهذا كلُّه مغايَبةٌ ثم مخاطَبةٌ.

стр. 287

وقد وردت المغايَبةُ بعد المخاطبة أيضًا قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ [يونس: ٢٢]. وقال النابغة: يا دارَ ميَّةَ بالعلياءِ فالسَّندِ... أَقْوَتْ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ (١) رجَع في هذا من المخاطَبة إلى المغايَبة. وقال آخرُ ورجَع عن المغايَبة (٢) إلى المخاطَبة: يا ويحَ نفسي كان جِدَّةُ خالدٍ... وبياضُ وجهِكَ للتُّرابِ الأَعْفرِ (٣) ثم اللطيفةُ فيه هاهنا: أن المحبَّ إذا ابتدأ عاتَبَ وإذا انبسَط خاطَبَ. ومنهم مَن جعَل ابتداءَ هذه المخاطبة من قوله : (مالِكَ يومِ الدِّين) على قراءةِ مَن نصب الكافَ على النداء، ومَن قرأ: (ربَّ العالَمين) على النصبِ جعَل الابتداءَ من ذلك، ومَن جعلَهما نصبًا على المدح أو على القطع كان على المغايَبة بناءً على افتتاحِ السُّورة. وقولُه ﵇ في حديث القِسمة: "هذا بيني وبينَ عَبْدي نصفَين" (٤)، أشار الإمامُ أبو منصورٍ ﵀ إلى معنيَين فيه:

стр. 288

أحدُهما: أن يكون كلُّ واحدٍ منهما بين اللَّه وعبدِه، العبادةُ من العبدِ وهي للَّهِ تعالى، والاستعانةُ فعلُ العبد وهي طلبُه من اللَّه تعالى. والثاني: أن العبادةَ من العبد للَّه تعالى، والمعونةَ من اللَّه تعالى للعبد، وهذا أظهرُ؛ لأنه قال في بقية السورة: "هذا لعَبْدي ولعَبْدي ما سَأل" (١) لمَّا كان نفعُ الهدايةِ للعبد جعَله للعبد، فكذلك نَفْعُ المعونة (٢). ثم دلَّت هذه القسمةُ على أنَّ التسميةَ ليست من الفاتحة، فإنه جعَل السورةَ نصفين، ثم جعل هذه الآيةَ المتوسطةَ نصفين، وقَبْلَها ثلاثُ آياتٍ بدون التسمية، فتصيرُ مع نصفِ هذه الآية نصفَ السورة، ونصفُ هذه الآية مع الثلاثِ الآيات التي بعدها نصف السورة، وهي سبعُ آياتٍ. وأنه لم يَعدَّ البسملة (٣) في تقسيمها، بل بدأ بقوله: "فإذا قال العبد: الحمد للَّه، قال اللَّه تعالى: حَمِدني عبدي" (٤). وهذا قولُ قرَّاء المدينة والبَصرة وفقهاءِ الكوفة، وعلى ذلك دلَّتِ الأخبارُ وآثار الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم. * * * (٦) - ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾: انتظامه بما قبله: أن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إظهارُ

стр. 289

التوحيد (١) من نفسه، و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ طلبُ العونِ من ربه، وقوله: ﴿اهْدِنَاَ﴾ سؤالُ الثباتِ على دِينه، وهو تحقيقُ عبادته واستعانتِه. وفي تفسير الكلمة أقاويلُ: أحدها -وهو المجمَع على صحته-: قول عليٍّ وأبيٍّ ﵄: ﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: ثبِّتْنا على هذا الصراط المستقيم (٢)، وهذا كما يقالُ للرجل: كُلْ، وهو يأكل، و: اقرأْ، وهو يقرأ؛ أي: دُمْ على ذلك واثْبُتْ عليه، وهو نظيرُ قول إبراهيمَ وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] وهو (٣) دعاءُ استدامةٍ واستثباتٍ، وبذلك خاطَب اللَّهُ ﷻ المؤمنين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]. والثاني: قول مقاتل والسدِّي: ﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: أَرْشِدْنا، وهو طلبُ إعطاءِ الرُّشدِ (٤) في كلِّ ساعةٍ إلى الطريق المستقيم كيلا يَزيغَ عنه لحظةً؛ فعلًا ولا قولًا ولا نيةً، وكذا قال ابن عباسٍ ﵄: معناه: أرشِدْنا إلى الطاعات (٥). والثالث: قولُ بعضِ المفسِّرين: إنه طلبُ الزيادة المذكورةِ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، قيل (٦): وهو اليقينُ والنور؛ أي: زدنا اليقينَ الصائب والنورَ الثاقبَ حتى نزدادَ كلَّ يومٍ استبصارًا، وعلى الدِّين الحقِّ ثباتًا وقرارًا.

стр. 290

والرابع: قولُ بعضهم: معناه: وفِّقْنا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ أي: لا يوفِّقُهم، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]؛ أي: لنوفِّقَنَّهم لسلوكِ سبُلنا، وقال الشاعر: فلا تَعْجَلنِّي هَدَاكَ المَلِيكُ... فإنَّ لكلِّ مَقامٍ مَقالًا (١) والخامس: قولُ بعضهم: معناه: قدِّمْنا إلى (٢) طريق الجنة؛ قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]؛ أي: قدِّموهم، وهو من قولهم: أقبلَتْ هَوَادي الخيل؛ أي: متقدِّماتُها (٣)، وهوادي الجبال: وجوهُها وأعناقُها، وهادِيَةُ الإجْلِ (٤): العَنْزُ المتقدِّمةُ عليها. وأصل الكلمة: الإمالةُ، وأغلبُ استعمالها في الإرشادِ والدِّلالة، يقال: هداه كذا، ولكذا، وإلى كذا، وثلاثتُها في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. والدلالةُ إمالةٌ، وهِدَاءُ (٥) العروس إلى زوجها -وهو زفافُها- كذلك، وإهداءُ

стр. 291

الهديَّة إلى الصَّدِيق كذلك، وإهداءُ (١) الهَدْيِ إلى الحرم كذلك، وتهادَى القومُ في المشي: إذا (٢) تمايَلوا، وخرج فلانٌ يُهادَى بين اثنينِ من ذلك، والهادي: العنقُ والعصا والسائقُ (٣) من ذلك أيضًا. والهديُ المذكور في القرآن وإن ذُكِرت وجوهُه زائدةً على العشرة فحاصلُه شيئان: أحدهما: البيان، كما في قوله عز وعلا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]. والثاني: خلقُ فعلِ الاهتداء في العبد، كما في قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وقد يجيءُ ثالثٌ وهو الإثباتُ على الاهتداء، وهو عين الثاني لأنه يجدِّده فيه. فعلى (٤) هذا قولُه: ﴿اهْدِنَا﴾ ليس هو سؤالَ البيانِ فإنه سابقٌ، ولا ابتداءِ الإيجاد فإنه قد أعطاه، لكنه سؤالُ التثبيت وهو تجديدُه فيه ساعةً بعد ساعةٍ. فأمَّا وجوهُه المذكورةُ في القرآن: فقد ذُكر للبيان، وذُكر لخَلْق فعل الاهتداء، وقد تلَوْنا الآيتين. وللتثبيت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وللدَّعوة: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]. وللدِّلالة: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].

стр. 292

وللإصلاح: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]. وللإلهام: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣]؛ أي: خلق الذَّكر والأنثى فألهمَهُما كيف يأتيها وتأتيه. وللدِّين: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]. ولليقين: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]. وللتَّوحيد: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ [سبأ: ٣٢]. وللرُّسل والكتب: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨]. ولأمر محمدٍ ﷺ خاصةً: ﴿يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩]. وللقرآن خاصَّةً: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]. وللتوراة خاصَّةً: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ [الإسراء: ٢]. وذُكر الاهتداءُ في القرآن لوجوهٍ: لمعرفة طرُق الدنيا: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. وللاسترجاع: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. وللاستنان بسَننِ الماضين: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. ولسلوك مذهب السنَّة والجماعة: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]. ولبعض أهلِ التحقيق (١) في قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ كلماتٌ مليحةٌ وهو الإمامُ القشيريُّ قال:

стр. 293

﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: مِلْ بنا إليك، واجعَلْ إقبالَنا عليك، وكنْ عليك دليلَنا، ويسِّر إليك سبيلَنا. اقطعْ أسرارَنا عن شهود الأغيار، ولوِّح في قلوبنا طوالعَ الأنوار، وأفرِدْ قُصودنا إليك عن دنسِ الآثار، ورقِّنا عن منازل الاستدلالِ إلى ساحات القُرب والوصال، وحُلْ بيننا وبين مساكَنةِ الأمثال والأشكال بما تكاشِفُنا به من شهودِ الجمال والجلال. أزِلْ عنا ظلماتِ أحوالنا لنستضيءَ بنور بأنوارِ قدسك، وارفع عنا ظلَّ (١) جهدنا لنستبصِرَ بنجوم جُودك. احفَظْنا عن (٢) النَّزَغات والوساوس، والخطَرات والهواجس، كيلا يستهويَنا آفةٌ من فشلٍ أو هوادة، أو طبعٍ أو عادة، أو كسلٍ أو ضعفِ إرادة، أو طمعِ مالٍ واستزادة (٣). قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قالت المعتزلة: المراد بالهداية (٤) هاهنا البيانُ، فإنهم لا يَرون من اللَّه خلقَ فعلِ الاهتداء، ولو كان كما قالوا فهم (٥) والمغضوبُ عليهم والضالُّون في ذلك سواءٌ، لأنه قد بيّن للكلِّ (٦). ثم في هذه الكلمةِ فوائدُ:

стр. 294

منها: أنَّ اللَّه تعالى أمر عباده بهذا السؤالِ لأنه أهمُّ حوائجهم، وهو الذي سأله الأنبياءُ ﵈ والأولياءُ، قال (١) يوسفُ صلوات اللَّه عليه: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ (٢) [يوسف: ١٠١]، وقال سحرةُ فرعونَ عليه لعائنُ اللَّه: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦]، وقا لت الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وما ينبغي أن يُعتمد على ظاهرِ الحال، فقد يتغيَّر في المآل، واعتَبِرْ بإبليس وبرصيصا، وبلعامَ (٣) وثعلبة. ومنها: أنه علَّم كيفيَّةَ الدعاء، وهو البدايةُ بالثناء، وقد قال ﵊: "مَن بدأ بالدُّعاء قبل الثَّناء فهو قَمِنٌ أنْ لا يُستجابَ له" (٤). ومنها: أنه أَمر بهذا الدعاءِ، ولو لم يُرِدْ به (٥) الإجابةَ لَمَا أَمر به، وقد حقَّق ذلك فيما روِّينا: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" (٦)، وهذا إثباتُ المباسَطةِ، وهو دليلُ حقيقةِ المحبة، وما رُوي: أن المصلِّيَ يناجي ربَّه (٧)، فقد قيل: هو في هذا، وفي إثباتِ هذه المناجاةِ إثباتُ المحبةِ والقربةِ والخصوصيَّة، فلا مناجاةَ إلا من أهل المحبة، وإلا بَعدَ نيلِ القُربة، وإلا عند ظهورِ الخصوصيَّة. ومنها: أنَّ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾ على الجمعِ يكون لنفسه ولعامة المسلمين،

стр. 295

وهو إثباتُ محلِّ الشفاعةِ له، ويقول في آخِر الصلاة: واغفر (١) للمؤمنين والمؤمنات، فيشفع لهم في طلب المغفرة، ويقول: ﴿آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، فيشفع لهم في سؤالِ مصالحِ الدنيا والآخرة، وفي القيام يقول: ﴿اهْدِنَا﴾ وهذا (٢) سؤالٌ لنفسه ولهم الثباتَ على الإيمان والمعرفةِ، وأنه أعظم الشفاعة، ولمَّا ثَبتت الشفاعة لكلِّ مؤمنٍ في حقِّ كلِّ أهلِ الإيمان، فما ظنُّك بشفاعة النبيِّ ﷺ في حقِّ أهل العصيان؟ وقوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ﴾: فقد قرأ نافع وأهلُ العراق والعامَّةُ بالصَّاد، وقرأ ابنُ عباس ﵄ بالسّين، وبه قرأ بعضُ القرَّاء وهو ابن كثير (٣)، وقرأ حمزة بإشمام الزاي قليلًا (٤). فالصَّادُ لغةُ قريشٍ، والسّينُ لغةُ بني قيسٍ، والزايُ لغةُ بني عُذْرةَ. والصّراط هو السبيل، وقيل: هو الطريق السَّوِيُّ، وقيل: هو الطريق الواضح. وقيل: هو لغةُ الروم. وقال أبو عبيدةَ: ليس في القرآن غيرُ اللغةِ العربية. وقيل: لمَّا تكلَّمت العرب به صارت عربيةً أيضًا.

стр. 296

وقيل: هو من الاسْتراط وهو الابتلاعُ، سمي به لأنه يبتلِعُ سالكيه. وقيل: إن المسترَط هو (١) ممرُّ الطعام، والطريقَ ممرُّ الأنام، وصارت السينُ صادًا لمطابقةِ الطاء، وكذا الضعيف يَقْوَى باتصاله بالأقوياء. واختُلف في المرادِ به هاهنا: فقال ابنُ عباسٍ وجابرٌ وابنُ الحنفيةِ والضحاكُ ومقاتلٌ وابن جُريجٍ: هو الإسلام (٢)، قال تعالى خبرًا عن إبليس: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]؛ أي: لأضلَّنهم عن دين الإسلام (٣)، وقال لنبيه (٤) محمدٍ ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣]. وقال عليٌّ وابن مسعودٍ ﵄: هو كتاب اللَّه تعالى؛ قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: ٤٣] (٥). وقال الحسن البصريُّ وأبو العالية الرِّيَاحيُّ رحمهما اللَّهُ: هو طريقُ النبيِّ ﷺ ، وصاحبيه أبي بكرٍ وعمرَ ﵄ (٦). قال اللَّه تعالى في حقِّ النبيِّ- ﷺ : ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢].

стр. 297

وقال في حقِّ أصحابه (١): ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١٨ - ٢٠]. وعن بكرِ بنِ عبد اللَّه المزنيِّ قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ في المنام فسألتُه عن الصراط المستقيم فقال: سُنَّتي وسُنّة الخلفاءِ الراشدين من بعدي (٢). وقال أبو سليمانَ الدَّارَانيُّ: هو طريق العبودية التي ذكرها قبله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وقال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]. وقال السُّدِّيُّ: هو طريقُ الجنة، فالطريقُ طريقان: طريقُ الجحيم قال تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣]، وطريق الجنة قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ثم إنما سمِّي الدِّين صراطًا لأن مَن كان له مقصودٌ أو مطلَبٌ (٣) فإنما يصل إليه بعد قطعِ الطريق وسلوكِ (٤) سواءِ السبيل، واللَّهُ تعالى متعالٍ (٥) عن الأمكنةِ، لكنَّ العبد الطالب صاحبُ المكان، فلا بد له من قطعِ المسافات، ومسِّ الآفَات، وتحمُّلِ المَخافات، ليُكرَم بالوصول والموافاة. وقيل لبعض الكُبراء: ما الطريقُ إلى اللَّه تعالى؟ فقال: عَطْفتينِ (٦) وقد وصلتَ: تدورُ مرةً فتنبذُ الدنيا وراء ظهرك، وتدورُ ثانيةً فتنبذُ العُقْبى وراء ظهرك، وقد وصلت.

стр. 298

وقوله تعالى: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: أي: المستوي، يقال: أقامه فاستقام، كما يقال: أوسَعَه فاستَوْسَع، وأَرْخاه فاستَرْخَى، واللازمُ يجيءُ من ثلاثةِ أبوابٍ: من الانْفِعال كالانْقِطاع، ومن الافْتِعال كالاخْتِلاط، ومن الاستِفْعال كالاستِرْسال. ثم وصفُ الطريقِ به له معنيان: أحدهما: أنه مستوٍ بنفسه غيرُ مُعْوَجٍّ. والثاني: أن سالكه مستقيمٌ فيه، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يُبصَرُ فيه، وكقولك: نهرٌ جارٍ؛ أي: الماءُ جارٍ فيه، ونظيرُه في القرآن: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: عَزَمو ا فيه، وقولُه: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]؛ أي: ما ربحوا فيها، وقولُه تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢]. وقال بعضُ أهل التفسير: هو المستوي الذي لا يميلُ بسالكه إلى خطأ. وقال بعضُهم: هو الذي يُفضي بسالكه إلى الجنة. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: هو القائمُ؛ أي: الثابتُ بالبراهين، الذي لا يزيلُه شيءٌ، ولا يَنقُض حُججَه كيدٌ (١). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هو ما عليه من الكتاب والسنَّة دليل، وليس للبدعةِ إليه سبيل. وقال أيضًا: هو ما دَرَجَ عليه سَلَفُ الأمَّة، ونطَق بصوابه دلائلُ العِبرة. وقال أيضًا: هو ما شَهد بصحَّته دلائلُ التوحيد، ونبَّه عليه شواهدُ التَّحقيق (٢).

стр. 299

قال نجمُ الدِّين (١) رضي اللَّه تعالى عنه: وأنا أقول: هو ما ليس عليه ظلامُ النُّكرةِ ولا غبارُ البِدعة. هو ما لا يَضلُّ سالكُه ولا يهتدِي تاركُه. هو ما لا يُخاف فيه قطعُ الطريق، ويُمدُّ سالكُه ببَدْرقةِ (٢) العصمة والتوفيق. هو ما يُسهِّل إلى المقصِد، والمقصودُ وصولُ قُصَّاده، واللَّهُ تعالى بمِرْصاده. * * * (٧) - ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾: هو بدلٌ عن قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وهو كالتفسير له، والبدلُ يَتبعُ المبدَلَ في إعرابه (٣)؛ لأنه هو: إمَّا عينًا وإما اتِّصالًا (٤)، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] فأُتبعَ الخفضُ الخفضَ، وهاهنا أُتبع النصبُ النصبَ، وهذا كقوله:

стр. 300

﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٥]، ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ١ - ٢]. هذا كلُّه عند الخليلِ يسمَّى: البدَلَ، وعند الأخفشِ يسمَّى: عطفَ البيان، وعند الكسائيِّ يسمَّى: الإتْباعَ، وعند الفرَّاء يسمَّى: المترجِم (١). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ﴾ هو جمعُ الذي، وهو اسمٌ موصولٌ لا يَتمُّ إلا بصِلَته (٢) ولا يُذكر بدونها، وتأنيثُه: التي، وتثنيةُ الذي: اللَّذَان، وتثنيةُ التي: اللَّتان، وجمعُ الذي: الذينَ، وجمعُ التي: اللَّاتي واللَّوَاتي واللَّائي. وقولُه تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: مَنَنْتَ عليهم، والاسم منه: النِّعمة بالكسر، وبالفتح: التنَعُّم، وبالضمِّ: المسرَّة. واختُلفَ في هؤلاء المنعَم عليهم: مَن هم؟ وفي هذا الإنعامِ الذي عليهم: ما هو؟ قال مجاهدٌ وأبو رَوْق (٣): هم النبيُّون، ودليلُه قولُه في سورة مريمَ بعد ذِكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [مريم: ٥٨].

стр. 301

وقال ابنُ كيسانَ: هم الأنبياءُ والصِّدِّيقون. وقال الحسنُ وعبدُ الرحمن بنُ زيدٍ: هم الأنبياءُ وأتباعُهم (١). وقال مقاتلٌ: هم الأنبياءُ والصدِّيقونَ والشُّهداءُ والصالحون (٢). وقال السدِّيُّ: هم الأنبياءُ والمؤمنون. وهذه الأقاويلُ الأربعةُ كلُّها (٣) متقاربة، ودليلُها كلُّها قولُه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩]. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: هم أصحابُ موسى -صلواتُ اللَّهِ عليه- قبلَ أن يغيِّروا نعمةَ اللَّه عليهم (٤)، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقال الضحَّاك وابنُ جُريجٍ ووَكيعٌ: هم المؤمنون (٥)، ودليلُه قولُه تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال سعيدُ بن المسيِّب: هم جميعُ مَن أنعم اللَّه عليهم بالهدى والطاعةِ؛ لِمَا مَرَّ (٦).

стр. 302

وقال سهلُ بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ: هم الذين أنعم اللَّه عليهم بالسُّنَّة (١)، وذلك دليلُ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧ - ٨]. وقال محمدُ بن عليٍّ: هم الذين أَنعم اللَّه عليهم بشكرِ ما أَنعم عليهم، وذلك لأنَّ النعمة إنما تبقَى لمَن شَكَر لا لمَن كَفَر، فإذا زالتْ فكأنَّها لم تكن. وقال عليُّ بن الحسين بن واقِدٍ: هم الذين أنَعم اللَّه عليهم بالشكر على السَّرَّاء والصبرِ على الضَّرَّاء (٢)؛ لأنَّ الشكر لا يَتمُّ إلا بالصبر. وقال الحسنُ ﵀: هم الصحابةُ الأربعةُ، ودليلُه ما تلَوْنا: ﴿أُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وهي نَزَلت فيهم. وقال الإمامُ القُشيريُّ ﵀: هم الذين أَنعَم اللَّه عليهم بالهدايةِ إلى الصِّراط المستقيم؛ لأنها هي المذكورةُ قبله، وهم الأنبياءُ والأصفياء (٣). وقال الحسينُ بن الفَضل: هم الذين أتمَّ اللَّه عليهم النعمةَ وخَتَم لهم بالموت (٤) على الإسلام؛ لأنه هو النعمةُ بالحقيقة. هذه أقاويل المفسرين، وفيه أقاويلُ للمحقِّقين: قال جعفرُ بنُ محمدٍ الصادقُ ﵁: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالعلم بكَ والفهمِ عنك (٥).

стр. 303

وقال محمدُ بن عليٍّ الترمذيُّ: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (١) زمَمْت (٢) جوارحَهم بالهيبة عند الخدمة. وقال أبو العباس بنُ عطاءٍ: هم طبقاتٌ، فالعارفون أَنعَم اللَّه عليهم بالمعرفة، والأولياءُ أَنعم عليهم بالصدق والرضا واليقين والصَّفوة، والأبرارُ أَنعم اللَّه عليهم بالحلم والرأفة، والمريدون أَنعم اللَّه عليهم بحلاوة الطاعة، والمؤمنون أَنعم عليهم بالاستقامة (٣). وقال أبو عثمان الحِيْريُّ: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بأنْ عرَّفْتَهم مهالكَ الصراط، ومكائدَ الشيطان، وخيانةَ النفس (٤). وقال محمدُ بن الفضلِ ﵀: [﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ لقبولِ ما افترَضْتَ عليهم. وقال أبو الحسن الورَّاق]: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالإعانةِ على الاستقامةِ (٥) في طريق مناجاتك. وقال بعضُ البغداديين: صراطَ مَن أَغْنَيتَه (٦) عن النظرِ إلى النعمة بدوامِ التنعُّم بقُربك ومؤانَسَتك. وقيل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالنظر إلى جريان ما جرى عليهم في الأزل، فلم يَشْغلْهم كشفُ ذلك عن الشُّغل بك.

стр. 304

وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالإيمان والهداية والتوفيق والرعاية والمراقبة والكلاءة. وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بفناء حظوظهم وقيامهم معك بحسن الأدب. وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بمشاهدة المنعِم دون النعمة. وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بإزالةِ ظلماتِ الأكوان عن سرائرهم، وطهَّرتَ أرواحهم بنورِ قُدسك، فشاهدوك بهمَمِهم ولم يشاهدوا معك سواك. وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بعبادتك على المشاهدة حتى عبدوك كأنهم يَرونك. وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن أَذِنْتَ لهم في سؤالكَ ومُناجاتك (١). وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالوصولِ، فلم يَقِفوا في الطريق. وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بالقيام بحقوقِك دون التَّعريج على استِجْلاب حظوظهم، وهو قول القشيري. وقال أيضًا: صراطَ مَن طهَّرْتَهم عن (٢) آثارهم حتى وصلوا إليك بك. وقال أيضًا: أي: حَفِظْتَ عليهم آثارَ الشَّريعة عند غَلَبات وارادات (٣) الحقيقة حتى لم يخرجوا عن حدِّ العلم، ولم يخلُّوا بشيءٍ من أحكامِ الشرع (٤). وقيل: أي: أهَّلْتَهم لإنعامك وأصلَحْتَهم لإكرامك. وقيل: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في البداية بالعناية، وفي الحال بالهداية، وفي النهاية بالحماية، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] وهذا

стр. 305

في البداية، وقال تعالى: ﴿أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧] وهذا في الحال، وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ وهذا في النهاية. وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: وعلى قول المعتزلة ليس للَّه تعالى على أحدٍ من المؤمنين نعمة ليست على المغضوب عليهم ولا الضالين؛ إذ لا نعمةَ من اللَّه تعالى على أحدٍ إلا الأصلحُ (١) في الدِّين والبيانُ للسبيل المَرْضيِّ، وتلك قد (٢) كانت على جميعِ الكفرة، فبَطَل على قولهم الثُّنيا (٣)، وباللَّه العصمةُ (٤). وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: فكلمةُ (غير) تجيءُ على ثلاثة أوجهٍ: بمعنى: المُغايِر، وفارسيّته: (جرْ)، قال تعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣]. وبمعنى: (لا)، وفارسيَّته: (ني)، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ أي: لا باغيًا ولا عاديًا. وبمعنى: (إلا)، وفارسيته: (مكر)، قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]؛ أي: إلا (٥). ويجوزُ صرفُها هاهنا إلى هذه الوجوه: فإنْ حُمِلتْ على الأول فمعناها: ثبِّتْنا على طريقِ (٦) الذين أَتممْتَ النعمة عليهم، المغايرين للمغضوبِ عليهم.

стр. 306

وإنْ حُملتْ على الثاني فمعناها: على طريقِ المنعَم عليهم لا المغضوبِ عليهم. وإنْ حُملتْ على الثالث فمعناها: إلا المغضوبَ عليهم. وهذا على قراءة الخفض (١)، وقد روَى الخليلُ بن أحمدَ عن ابن كثيرٍ أنه قرأ بالنصب (٢)، وللنصب وجوهٌ: أحدها: الاستثناءُ، وللاستثناء وجهان: أحدهما: حقيقةُ الاستثناء على تفسيرِ ابن عباسٍ ﵄؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أنهم بنو إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ويكون هذا سؤالَ التثبيتِ على طريق (٣) أهلِ الكتاب الذين آمنوا بكلِّ الأنبياء وبكلِّ الكتبِ، واستثناءِ اليهودِ والنصارى منهم الذين آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعضٍ. والثاني: أن يكون استثناءً منقطعًا بمعنى: لا؛ أي: نسألك طريقَ (٤) الأولياء لا طريق الأعداء. ووجهٌ آخرُ للنصب: أنه على الحال. وقال الكسائيُّ: هو على القطع.

стр. 307

وقيل: هو على المدح، وتقديره: لا مغضوبًا عليهم. وقراءةُ الخفض -وهي (١) قراءةُ العامَّةِ- لِمَا أنه نعتُ ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وذلك مخفوضٌ بالإضافة. ويجوز في اللغة الرفعُ على الاستئناف، بمعنى: وهم غيرُ المغضوبِ عليهم، ولم يَقرأْ به أحدٌ، فلا يُقرأُ به. فأما المغضوبُ عليهم: فالغضبُ هو نقيضُ الرضا. وقيل: هو إرادةُ الانتقام. وقيل: هو تحقيقُ الوعيد. وقيل: هو الأخذُ الأليمُ، والبطشُ الشديد. وقيل: هو هتكُ الأستار والتعذيبُ بالنار. ثم الغضبُ فعلٌ لا يَتعدَّى إلا بصلةٍ، وهي على وجوهٍ، ويجيء منه (٢) المفعولُ به موصولًا بهذه الصلة، ثُم التثنيةُ والجمع والتأنيث يدخلُ على الصلة لا الموصولِ؛ لأن هذه الزياداتِ تدخل بعد التمامِ، وتمامُه بصلته. فيقال: رجلٌ مغضوبٌ عليه، و: امرأةٌ مغضوبٌ عليها، و: رجلان مغضوبٌ عليهما (٣)، و: امرأتان مغضوبٌ عليهما، و: رجالٌ مغضوبٌ عليهم، و: نساءٌ مغضوبٌ عليهنَّ. وفي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ سبعُ قراءاتٍ:

стр. 308

بكسر (١) الهاءِ وتسكينِ الميم، وهي قراءةُ أهلِ المدينة (٢) والبصرةِ والكوفة والشام (٣). وبضمِّ الهاءِ وتسكينِ الميم، وهي قراءة الأعمش (٤). وبكسر الهاء وضمِّ الميم مع الواو، وهي قراءةُ ابن كثير (٥). وبضمِّ الهاء والميم مع الواو، وهي قراءة عيسى بن عمر. وبكسر الميم مع الياء قراءةُ الحسن. وباختلاس ضمة الهاء وإسكان الميم روايةُ عبد الوهَّاب عن أبي عمرو (٦).

стр. 309

بكسر (١) الهاء والميم بغير ياءٍ قراءة عمرو بن فائدٍ (٢). فأما المرادُ بالمغضوب عليهم (٣) في هذه الآية: فقد روى عَديُّ بن حاتم الطائيُّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ : أنَّهم هم اليهودُ، والضالُّون هم النصارى (٤). وكذا قال ابن عباسٍ ﵄ (٥)، واستَشهدَ بقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] (٦)، وذلك أنهم ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٨٩]؛ أي: يستنصِرون على كفار العربِ بمحمدٍ ﷺ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] لأنهم (٧) كانوا يَرْجون أن يكون محمد من ولد إسحاق وهو أبوهم، فلمَّا بُعث محمدٌ ﷺ وهو من ولد إسماعيلَ كفروا به حسدًا وبغيًا (٨) ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]؛ أي: انقلَبوا بسَخَطٍ على سَخَطٍ، ولعنةٍ على لعنةٍ، الأولُ بكفرهم بعيسى، والثاني بكفرهم بمحمدٍ ﵉. وكذا فسَّر الضحَّاك ومقاتلٌ والسدِّيُّ وعطاءٌ وابن جُرَيجٍ وابن كَيْسانَ، وفيه كلامٌ كثيرٌ نذكُره (٩) بعد ذكرِ الضالِّين.

стр. 310

وقوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: قيل: (لا) (١) صلةٌ مؤكِّدةٌ، ومعناه: غيرِ المغضوبِ عليهم والضالِّين، لكن زيدتْ (لا) لئلَّا يُظنَّ أنه معطوفٌ على ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وقيل: هو بمعنى (غير) الذي تقدَّم، كأنه قال: غيرِ المغضوبِ عليهم وغيرِ الضالِّين، وإنما جاز أن يُعطف بـ (لا) على (غير) لأنهما جميعًا للنفي فتَناسَبَا، يقال: هذا غيرُ عاقلٍ وغيرُ عالمٍ، و: هذا غيرُ عاقلٍ ولا عالمٍ، و: هذا لا عاقلٌ ولا عالمٌ. وقيل: كلمة (لا) لفائدةٍ زائدةٍ، فإن قولك: ما جاءني زيدٌ وعمرٌو، ينفي مجيئَهما جميعًا (٢). وقولُكَ: ما جاءَني زيدٌ ولا عَمرٌو، ينفي مجيئهما جميعًا (٣) وتَفْرِقةً، وهذا أبلغُ في النفي، فكذلك في سؤال التثبيت على طريقِ المنعَم عليهم، والعصمةِ عن طريقِ الضالِّين والمغضوبِ عليهم. وأما قولُه تعالى: ﴿الضَّالِّينَ﴾ فالضَّلَالُ نقيضُ الرُّشد، وهو في القرآن لمعانٍ: للغيِّ (٤) والكفر: قال اللَّه تعالى خبرًا عن إبليس لعائنُ اللَّه عليه: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]. وللزَّلل (٥): قال تعالى: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]. وللخَسَار: قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٢٥].

стр. 311

وللخطأ: قال تعالى خبرًا عن إخوةِ يوسف صلوات اللَّه عليهم: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِين﴾ [يوسف: ٨]. وللبطلان: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ١]. وللجهالة: قال تعالى خَبَرًا عن موسى: [فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]. وللنسيان: قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وللتَّلَاشي: قال تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠]. وفي هذه الآيةِ هو ضلالُ الكفر؛ لأنه مقابَلٌ بالإيمان المذكورِ في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. ثم (١) هو كفرٌ مخصوصٌ؛ لأنهم معطوفون على المغضوب عليهم، فالظاهرُ أنهم غيرهم، وقد قلنا: إنه رُوي أنهم النصارى. ثم الغضبُ والضلال وردا جميعًا في القرآن لجميع الكفار على العموم، ولليهود والنصارى جميعًا على الخصوص: قال اللَّه تعالى في حقِّ جميع الكفار: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧]. وقال في حقِّ اليهود: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال في حقِّ النصارى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا

стр. 312

كَثِيرًا﴾ إلى أن قال: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠]. وإنما خصَّ اليهود بالغضب في هذه الآية والنصارى بالضلال؛ لأن وعيد الغضب فوق الوصف بالضلال؛ لأن الغضب هو إرادة الانتقام لا محالةَ، واليهودُ أحقُّ (١) بذلك؛ لغايةِ قبحِ كفرهم، وبلوغِهم الغايةَ في التمرُّد والمعاندة، فقد قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أي: هو بخيل، وقالوا: إن اللَّه تعالى خلَق السماوات والأرض في ستة أيامٍ فلَغِبَ (٢) فاستراح يوم السبت، وكانوا يعادُون جبريل صلو ات اللَّه عليه وسلامُه، وكانوا يقتلون النبيين بغيرِ الحق، وقصدوا قتلَ عيسى صلوات اللَّه عليه، وقالوا: قد قتلناه، وقالوا على مريم ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] وحَرَّفُوا التوراة ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] فاستحَقُّوا بذلك كلِّه الغضب. وأما الضلالُ فهو الميلُ عن الطريق المستقيم، والنصارى قد عدَلوا عنه بعد غايةِ التبيين، فقد دعاهم موسى وعيسى ومحمدٌ عليهم الصلاة والسلام بالتوراة والإنجيل والفرقان، فهم في غايةِ الضلالة بعد وقوع البيان على الكمال، ولأنهم في غاية العمَى والتَّمادي في التَّردِّي بقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وقولِهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، وذلك لأنهم (٣) رأوه بدعائه يُصِحُّ المرضى ويُحيي الموتى وكذا وكذا، وذاك شيءٌ ملا أعطاه اللَّه عزَّ وعلا معجزةً له، واللَّهُ تعالى هو المُوْجِدُ والمُظْهِر لذلك، فجعلوه من عندِ عيسى نفسِه، واتَّخَذوه

стр. 313

إلهًا وأشرَكوا به، مع ما رأوه يأكلُ ويشرب، ويجيءُ ويذهب، ويستريحُ ويتعب، ولم يكن لهم من الفطنةِ ما يعلمون أن المضطرَّ المغلوبَ المقهورَ المربوب لا يكون إلهًا، فيَرجعوا إلى ما رجع إليه إبراهيم حيث قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] إلى أن قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧]. ولأن (١) المغضوبَ عليه لا ينال الرِّضى أبدًا، فكذلك اليهود لا يُسلِمون أبدًا (٢)، فأما الضالُّ فقد يهتدِي. وقد رُوي أن عيسى صلوات اللَّه عليه حين ينزل من السماء في آخِر الزمان يدعو النصارى إلى الإيمان بمحمدٍ فيؤمنون، وبعد الضلالِ يَهتدون. وقال بعضُ المحقِّقين: المغضوبُ عليهم هم المعاندون من أهل الكتاب، والضالُّون هم المقلِّدون منهم، كما (٣) قال تعالى في حقِّ المعاندين منهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقال تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وقال تعالي: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]. وقال في حق المقلِّدين منهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨]، وقال: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ

стр. 314

مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وقال: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١]. ثم الغضبُ للمعاندين، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ [الشورى: ١٦] والضلالُ صفةُ المقلِّدين قال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. ثم في مجموع الكلمتين كلامٌ كثيرٌ للسلف: قال سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بالبدعة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن السنَّة. وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: المكابرون، والضالون: المرتابون. وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: المشركون، والضالون: المنافقون. وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: أئمة الكفر، والضالون: أتباعُهم. وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: الكافرون، والضالون: المبتدِعون. وقيل: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: الموقَعون في مَهاوي الرَّدَى، والضالُّون: الحائدون (١) عن طريق الهدى باتباعِ الهوَى. وعلى لسان أهلِ المعرفة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ برؤية الأفعال، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بطلبِ الأعواض على الأعمال. وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بتركِ حُسنِ الأدب في أوقاتِ القيام بخدمتك، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن رؤية منَّتك.

стр. 315

وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بالعُجب والمراءاة (١) ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن مراعاة السُّننِ في أركان العبادات. وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بأنْ وكَلْتَهم إلى أنفُسهم ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بتركِ اعتصامهم بك وتمسُّكِهم. وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ و﴾؛ أي: الذين صدَمَتْهم (٢) هواجِمُ (٣) الخذلان، وأدركتهم (٤) مصائبُ الحرمان، وكبستهم (٥) سَطْوةُ الردّ، وغلَبَتْهم صدمةُ الصدّ. وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ بنسيانِ التوفيق والعصمة ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ عن شهود سوابق (٦) الاختيارِ والقِسمة. وقيل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ لتضييعِهم آداب الخدمة، وتضجيعهم (٧) في أداءِ شروط الطاعة. وقيل: هم الذين تقطَّعوا (٨) في مفاوِز الحرمان، وتبدَّدت بهم الهمومُ في أوديةِ وجوهِ الحسبان.

стр. 316

وقيل: قولُه تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: ثبِّتنا على طريق الذين أنعمتَ عليهم بتوفيقِهم لحمدك (١)، ورؤيتِهم استحقاقَ الحمدِ لك دون غيرِك، لا على طريق ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين استَجازوا (٢) حمدَ غيرك، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذين إذا حَمِدوك شاهدوا فعلَهم في حمدك (٣)، وغفلوا عن رؤية منَّتك في توفيقِهم لحمدك (٤). وقيل: أي: ثبِّتنا على طريق الذين أنعمتَ عليهم فقلتَ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، واعصِمْنا عن طريقِ المغضوب عليهم والضالِّين الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فاجعَلْنا من أحبَّائك (٥) الذين صحَّ لهم المعنى، ولا تجعَلْنا من أعدائك الذين قطَعَهم عنك كاذبُ الدَّعوى. وقيل: أي: ثبِّتْنا على طريقِ الذين أنعمتَ عليهم فرضِيْتَ عنهم إذا رضُوا عنك بما كان عليهم منك، ولا تجعَلْنا من الذين (٦) غضبْتَ عليهم إذا سَخِطوا عنك بما أصابهم من مكروهٍ سَبق به القضاءُ منك، ولا من الذين ضلُّوا عن الطريق، بأنْ قصَدوا في سلوكِ الطريقِ عينَ الطريق، وإنما أُمروا بسلوك الطريقِ للوصول (٧) إلى مَن أمَرهم بسلوك هذا الطريق، فإذا نازَلوا الطريق فقد انقطَعوا عن الوصول، وحُجبوا عن الدخول، وليس كلُّ مَن وصَل دخل (٨)، ولا كلُّ مَن دخَل قرُب، ولا

стр. 317

كلُّ مَن قرُب بُرَّ، ولا كلُّ مَن بُرَّ خُصَّ، ولا كلُّ مَن خُصَّ بُقِّي (١)، فكم مِن مقرَّبٍ بُعِّدَ ومختصٍّ طُرد. ثم ذكر هاهنا الهدى والصِّراط، فأضاف (٢) الهدى إلى نفسِه في قولهِ ﷻ : ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠] وأضافَهُ إلى العباد في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأضاف الصِّراط إلى نفسه في قولهِ عزَّ وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأضافهُ إلى العباد في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وكذا قال في الدِّين: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] ثم قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وذلك (٣) لوجوهٍ: أحدُها: أن ذلك كلَّه له (٤) شرعًا ولنا نفعًا، هو الذي شرَع ذلك وجعَل لنا نفعَ ذلك، ولأنها له ارتضاءً واختيارًا ولنا سلوكًا وائتمارًا، ولأنه أيضًا أضافه إلى نفسه قَطْعًا لعَجَب العبد ثم أضافها إلى العبد تسكينًا لقلبِ العبد، ولأنه أضافها إلى العبد تشريفًا له وتقريبًا ثم أضافها إلى نفسه قطعًا لطمع إبليسَ عنه وتخييبًا. وهذا كما قيل: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] قال اللَّعين (٥): إنْ لم أقدِرْ على سلب عزَّةِ اللَّه وعزَّةِ رسوله أسلُبُ عزةَ (٦)

стр. 318

المؤمنين، فقال اللَّه ﷻ : ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، فقطَع طمعه عن ذلك. وقول القارئ: (آمين) بعد تمام السورة (١) فيه لغتان (٢): (أَمِينَ) بالقصر، قال الشاعر: تباعَدَ مِنِّي (٣) فُطْحُلٌ إذ لَقِيتُهُ... أَمِينَ فزاد اللَّه ما بَيننا بُعدًا (٤) و (آمِينَ) بمدِّ الألف، قال الشاعر: ياربِّ لا تَسْلُبَنِّي حبَّها أبدًا... ويرحمُ اللَّهُ عبدًا قال آمينًا (٥) و (آمين) بالإمالة لغةٌ، وهي قراءةٌ أيضًا (٦). ولو قيل: (آمِّين) بالتشديد فهو خطأٌ في هذا الموضع، وذكر شمسُ الأئمَّة أبو محمدٍ عبدُ العزيز بنُ أحمدَ الحَلْوانيُّ ﵀ (٧) وجهًا لهذا؛ تصحيحًا لكلام

стр. 319

العامَّة، وصيانةً لصلاتهم (١) عن الفساد، أن معناه: ندعُوكَ قاصدينَ إجابتَك. فإن تفسير الآمِّين بالتشديد هم القاصدون، قال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. وعن جعفرِ بن محمدٍ الصَّادقِ أنه فسَّره بما يدل على أنه كان يشدِّده (٢)، فإنه قال: أي: قاصِدِين نحوك وأنت أكرمُ مِن أن تخيِّبَ قاصِدَك (٣). وكذلك قال الحسينُ بن الفضل البَجَليُّ: معناه: قصَدْناك بهذا الدعاء فأَجِبْه لنا. وفي (٤) إعرابه وجوهٌ. أفصحُها (٥): الفتحة، وهي القراءة الظاهرةُ، ووجهُه: أنه من الأدوات وهي مبنية، والأصل في (٦) البناء السكونُ، وعند الْتِقاء الساكنَين يُضطرُّ إلى التحريك فيُفتح؛ لأن الفتحة أخفُّ الحركات كما في سوف وكيف وأين، وقد يسكَّن للوقف، وقد يُكسَر أيضًا لأن السَّاكن إذا حرِّك كُسر، وقد (٧) قال الشاعر: فإنْ تُصِبْكَ من الأيام جائحةٌ... لم نَبْكِ منك على دُنيا ولا دِينِ

стр. 320

ولا نقولُ إذا يوما نُعيتَ لنا... إلا بآمينِ ربَّ العرشِ آمينِ (١) أي: لا نقول إلا: اللهمَّ استجِبْ لنا (٢). وقد ذُكر فيه الرفعُ على النداء، على تأويلِ مَن جعَله اسمًا للَّه تعالى، كأنه قال: يا آمينُ. فأمَّا تفسيرُه: ففيما رواه ابنُ عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ : "ربِّ افعَلْ" (٣). وقال ابن عباسٍ ﵄: معناه: كذلك يكون (٤). وقيل: أصلُه فارسيةٌ، ومعناه (٥): مُهيمنٌ. وقال مجاهدٌ: هو اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى (٦)، ومعناه: أنه آمنٌ من الزوال، ومأمونٌ من جَوره، ومؤتمَنٌ على كلِّ شيءٍ، ومهيمنٌ؛ أي: شهيدٌ.
следующие страницы →