← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾؛ أي: هدايةٌ إلى الدِّين، ونورٌ يُضيءُ طريقَ (١) الصَّواب في الأحكام. وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾؛ أي: انقادوا لحكمِ اللَّهِ تعالى في التَّوراة، وهو كقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، وهو هاهنا مِن الأوصافِ اللَّازمةِ التي ذُكِرَت للمدحِ والتَّشريف، لا مِن الأوصافِ المحتمِلة التي تُذكَرُ للتَّمييز والتَّعريف. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾؛ يعني: على اليهود، واللامُ بمعنى "على"، كما في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها. وقال مقاتلُ بن حيَّان: أي: لهم وعليهم (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿النَّبِيُّونَ﴾، والرَّبانيُّون: العالِمون العامِلون، نُسِبوا إلى الربِّ؛ لأنَّهم عالمون بهِ عاملون له. وقيل: لأنَّهم يُربُّون النَّاسَ بعلمِهم. قوله: ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ جمع حبر؛ بفتح الحاء وكسرها، وهو العالمُ الذي يُحَبِّرُ الأمورَ تحبيرًا (٣)؛ أي: يُحَسِّنُها. وقال قطرب: هو مِن الجمالِ والهيئة، والعالم له (٤) جمالُ العلم وبهاؤه، وفي

стр. 2557

الحديث: "يخرجُ رجلٌ مِن النَّارِ قد ذهبَ حِبْرُهُ وسِبْرُهُ" (١)؛ أي: جماله وهيئته (٢). وقوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ قيل: الباء (٣) صلةُ "الأحبار"؛ أي: العلماءُ المحسنون بسبب حفظِ الكتاب. وقيل: الباء صلة ﴿يَحْكُمُ﴾؛ أي: يَحكمون بالتَّوراة بسبب استحفاظِهمُ الكتابَ. وسينُ الاستفعالِ للطَّلب والسُّؤال، والحفظُ يكونُ عن النِّسيان، ويكونُ عن التَّضييعِ، وقد أُخِذَ عليهم الأمران جميعًا؛ أنْ يَحفظوها فلا يَنسَوها، ويُراعوا حقَّها (٤) فلا يُضيِّعوها، فالحكمُ الذي يَحكُمُ به هؤلاء هو الرَّجمُ في الزِّنى، والقِصاصُ في قتلِ العمد، وغير ذلك، وقد ذُكر هذان الأمران قبلها وبعدها. قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾؛ أي: كان هؤلاء جميعًا شهودًا على أنَّه كتابُ اللَّه وحكمُه، وأمرُه ونهيُه. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ولمَّا كان الاستحفاظُ لِئلَّا يُحرِّفوا، وكان التَّحريفُ لأمرين؛ لخوفِ الكِبار، وطمعِ العوام، سدَّ عليهم البابين فقال: لا تَخشوا كبارَ القومِ واخشون (٥)، ولا تَستبدلوا بأحكامِ دِيني عرضَ الدُّنيا.

стр. 2558

وقال الحسينُ بنُ الفضلِ البَجليُّ ﵀: إنَّ اللَّهَ استحفظَ أهلَ الكتابِ كتابَه، فبَدَّلوا، وحفظَ القرآنَ بنفسِه فما بدلوا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وكان المعنى في ذلك أنَّه كان بعد التَّوراةِ نزولُ الإنجيل، فعرَّفَهم تبديلَ اليهودِ التَّوراة، وكان بعد الإنجيلِ نزولُ القرآن، فعرَّفهُم تبديلَ النَّصارى الإنجيلَ، ولم يكن بعد القرآنِ كتابٌ آخرَ، ولا بعد النَّبيِّ (١) نبيٌّ آخرُ يُعرِّفُهم لو وقعَ التَّحريفُ، فحفِظَهُ بنفسِه عن التَّبديل؛ ليَبقى لهم هاديًا إلى سواءِ السَّبيل. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ "من" اسمُ جنسٍ تَصلحُ للجمعِ فوحَّد الشَّرطَ لتوحيدِ لفظِه، وجمع الجزاء لاجتماعِ معناه، ومعناهُ: ومَن لم يرَ الحكمَ به ولم يعتقده. وقال عكرمةُ: من جحدَ شيئًا مِن حدود اللَّه فقد كفر، ومن أقرَّ بها ولم يَحكُم بها فهو ظالمٌ فاسق (٢). وقال مقاتل: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ أهلَ خيبرَ أنْ تُخبِروهم بالرَّجم، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ إنْ كتمتمُوه (٣). وقال الكلبيُّ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ﴾ في إظهارِ صفةِ محمَّدٍ، والعملِ بالرَّجمِ، ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ في كتمانِ ذلك، ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾ بالقرآنِ وبمحمَّدٍ عرضًا يسيرًا مِن مآكلِ الدُّنيا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في القرآن، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. وقال الضَّحَّاك ﵀: نزلت الآيات الثلاث: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ في حقِّ اليهود (٤).

стр. 2559

وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: مَن اتَّخذ غيرَ اللَّهِ حكمًا، ولم يَحمد (١) تحت جريانِ حُكمِهِ سِلمًا، فعن شِرْكٍ خامَرَ قلبَهُ، وكفرٍ قارنَ سِرَّهُ، وهيهات أنْ يكونَ معه سواه (٢). * * * (٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ أي: في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ؛ أي: الواحدةُ تَقتصُّ بالواحدة، وقد خالفتُم ذلك، ففَضَّلتم بني النَّضيرِ على بني قُريظة بالتَّضعيف، ثمَّ أخبرَ أنَّ القِصاصَ فيما دون النَّفس كذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، قرأ الكسائيُّ بالرَّفع، وقد روى أنسٌ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قرأ كذلك إلى آخر الآية (٣)، وهو اختيارُ أبي عبيد (٤). وقرأ عاصمٌ ونافعٌ وحمزةُ كلَّها بالنَصب عطفًا على ﴿النَّفْسَ﴾. وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامر وأبو عمرو بالنَّصب إلَّا قولَه: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٥)؛ لأنَّ الأوائلَ على نهج الأول، وهذا أُفرد بخبرٍ، فاستؤنف به.

стр. 2560

وقال أبو حاتم: الرَّفعُ أولى؛ لأنَّها جملٌ تامَّةٌ، فالاستئنافُ أولى، كما في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الجاثية: ٣٢] و ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. وقوله: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾؛ أي: العينُ الواحدة تُقتَصُّ بالعين الواحدة، وكذلك ما بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾؛ أي: فيما يمكنُ حفظُ المساواةِ فيه؛ تحقيقًا لمعنى القصاص. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾؛ أي: عفا عنه، ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ للعافي بإحسانه. وقيل: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ للمعفوِّ عنه بسقوطه، ثمَّ أجرُ العافي على اللَّه. وقال مجاهدٌ: معناه: فمَن جنى، وخفيَ ذلك على وليِّ الجناية، فأقرَّ به، وسلَّمَ نفسَهُ، فهو كفارةٌ إذا اقتُصَّ منه. وقال الضَّحَّاك: كان لبني إسرائيل القصاصُ والعفو، ولم يكن لهم الدَّية، ولنا هذه الأشياءُ الثَّلاثة. وقال ابن عباس ﵄: كانوا لا يَقتلون الرَّجلَ بالمرأةِ، فنزل قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾. وقال مقاتل: قالت بنو قريظة - منهم أبو لبابة وسعيد (١) بن عمرو الليثي لكعب بن الأشرف: إخوانُنا بنو النضير (٢)، أبونا واحدٌ، ودينُنا واحدٌ، وكتابُنا

стр. 2561

واحد، فإنْ قتلَ بنو النضير منَّا قتيلًا، أعطونا سبعين وسقًا من تمرٍ، وإنْ قتَلنا منهم واحدًا، أخذوا منا مئةً وأربعين وسقًا، فإنْ كان القتلى بواءً (١)، فلِم صارَت جراحاتنا على أنصافِ جراحاتهم؟ فاقض بيننا وبينَهم. وكانت بنو قريظة بينهم وبين بني النضير دماء، قال: فإنِّي أحكمُ أنَّ دمَ القُرَظيِّ وفاءٌ مِن دمِ النَّضيريِّ، ودمَ النَّضيري وفاءٌ مِن دمِ القرظي، وذلك قبل أن يبعثَ اللَّه محمدًا ﷺ ، ليس لأحدِهما فضلٌ على الآخر في دمٍ ولا عقلٍ ولا جراحةٍ، الدَّمُ بالدَّم، والجِراحةُ بالجِراحة، فغضبَ بنو النضير مِن ذلك، وقالوا: لا نَرضى بحكمِك؛ فإنَّك لنا عدوٌّ، وإنَّك لا تألوا من وضعِنا وتَصغيرنا، فأنزل اللَّه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾؛ يعني: حكمَهم الأول ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾؛ أي: لا أحدَ أحسن ﴿مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢) [المائدة: ٥٠]، ثمَّ أخبرَ أَنَّه كتبَ عليهم القِصاص في النَّفس، وفي ما دون النَّفس بهذه الآية (٣). قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: الواضعون الأمرَ غيرَ موضعه. * * * (٤٦) - ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾؛ أي: أتبعنا، وقد قَفَاه يَقفُوه قفوًا أي: تبعَهُ،

стр. 2562

ومنه القفا والقافية، وقفَّاه يُقَفِّيه تقفيةً؛ أي: أتبعَهُ، ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: آثارِ الذين أسلموا. وقيل: على آثار الربانيِّين والأحبار. وقوله تعالى: ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾؛ أي: أرسلناهُ بعدَهم. وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾؛ أي: صدَّق (١) بما تَقدَّمه من نزول التوراة أنَّها حقٌّ، وأنَّها مِن عند اللَّه، وأنَّ العملَ بها واجبٌ عليهم إلى ورود نَسخِ ما نُسِخَ منها. وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾؛ أي: وأعطينا عيسى الإنجيلَ، ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في الإنجيل ﴿هُدًى﴾؛ أي: بيانُ التَّوحيد والطَّاعة، ﴿وَنُورٌ﴾ أي: وضياءٌ للطَّريق الحقّ. وقوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: وجعلنا الإنجيلَ موافقًا لما تَقدَّمَهُ مِن التَّوراة في أصل التَّوحيد والطَّاعة. وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى﴾؛ أي: هاديًا إلى الحقِّ، مُرشِدًا إليه، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾؛ أي: واعظًا، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ خصَّهم بها؛ لانتفاعِهم بها، كما قال في أول سورة البقرة: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] مصدران بمعنى النعتين، فوصف الكتابَ بها بطريق التَّسبيب. * * * (٤٧) - ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾؛ أي: في الإنجيل مِن الأحكام.

стр. 2563

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الخارجون عن الطَّاعة. * * * (٤٨) - ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: وأنزلنا إليك يا محمَّدُ القرآن ببيانِ الحقِّ، موافقًا لما تَقدَّمه مِن التَّوراة والإنجيل. وقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال الكسائيُّ: أي: شاهدًا عليه (١)، وأنشد: إن الكتاب مهيمن لنبينا... والحق يعرفه ذوو الألباب (٢) وقال ابنُ عبَّاس وقتادةُ والحسنُ ومجاهد: أمينًا عليه (٣). وقال الزَّجاج: أصلُه: مؤيمن (٤) بالهمزة مفيعل بمعنى الفعيل، كقولهم: مبيطِر،

стр. 2564

بمعنى البَطير، وأبدلت الهمزة بالهاء لتقاربهما، كما في قولهم: أرقتُ الماءَ وهَرَقْتُه، وإيَّاك وهيَّاك، وأيهات وهيهات (١). وقيل: حفيظًا. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال أبو عوسجة: مسلَّطًا (٢). وقال الأصم: هي كلمةٌ مأخوذةٌ مِن كتُبهم، غيرُ مأخوذةٍ مِن لسان العرب؛ ليَعلموا أنَّه إنَّما عرف باللَّه لا أنَّه استخرجَه بلسانه. ومعنى الكلِّ أن يُؤدِي ما في الكتبِ المتقدِّمة على وجهه وحقيقتِه، مِن غيرِ زيادةٍ ولا نقصان في المعنى، ويُخبِرُ عن تحريف أهل الكتاب وخيانتِهم فيها، ومعنى تصديقِه الكتبَ موافقتُها في التوحيد والعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، ذكر إنزالَ التَّوراة على موسى، ثمَّ إنزالَ الإنجيلِ على عيسى، ثمَّ إنزالَ القرآنِ على محمَّدٍ صلواتُ اللَّه عليهم، وبيَّن أنَّه ليس للسَّماع فحسب، بل للحكم به، فقال في الأولى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾، وقال في الثَّانية: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾، وقال في الثَّالثة: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٣)؛ أي: بالرَّجمِ على المحصَن، وبالتَّسوية في القِصاص بين القرظي والنَّضيري (٤). قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: في تركِ القَوَد، وإعطاءِ الدِّيةِ، وتركِ

стр. 2565

الرَّجم واختيارِ الجلد، وهذا ناسخٌ لما تَقدَّمَ مِن التَّخيير: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ قيل: أي: ميلًا عمَّا جاءَك مِن الحق، أضمرَ فيه هذا. وقيل: أي: بعد ما جاءَك. و"عن" و"بعد" يتناوبان، قال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. وقوله: ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾؛ أي: البيانِ في القرآن. وقال الإمامُ القشيريُّ: قدَّم اللَّهُ تعريفَ رسولِه قصص المتقدِّمين بين يديهِ على تكليفِهِ اتِّباعَ ما أُنزِلَ إليه؛ لئلَّا يَسلُكَ سبيلَ الذين سبقوهُ؛ فيستوجب ما استوجبوه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ أي: لا تَستميلنَّك مودَّةُ قريبٍ، واعتنِق ملازمةَ أمرِ اللَّه بتركِ كلِّ نصيب (١). وقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾؛ أي: جعلنا لكلِّ أمَّةٍ شريعةً، وهي في الأصل: المدخلُ إلى الماءِ، وبه الحياةُ والطَّهارةُ والمصالح (٢)، وشرائعُ الدِّين -وهي أحكامُه وحدودُه ولوازمُه- كذلك. ﴿وَمِنْهَاجًا﴾؛ أي: طريقًا واضحًا؛ كأنَّه قال: جعلنا لكلٍّ منكم موردًا وطريقًا إليه، أخبرَ أوَّلًا أنَّ هذا مصَدِّقٌ لما قبلَهُ والأصلُ واحد، ثمَّ بيَّن أنَّ الطُّرقَ مختلفةٌ، وكلُّها مؤدِّيةٌ إلى واحد.

стр. 2566

وقال ابنُ عباس ﵄: الشَّريعةُ: المنصوصُ عليها في الكتاب، والمنهاج: الثَّابتُ بالسُّنَّةِ (١). وقال مجاهدٌ والزَّجَّاج: الشِّرعةُ والمنهاج واحدٌ، وهو الطَّريق؛ أي (٢): الدِّين (٣)، وهو كقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ و ﴿الْفُرْقَانَ﴾، وهو تكرارُ اللِّفظِ واتِّحادُ المعنى، كقول القائل: حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عهدُه... أقوى وأقفرَ بعد أمِّ الهيثمِ (٤) وقال مقاتل: شِرْعةُ اليهودِ القِصاص، ولا عفوَ ولا ديةَ، وشرعةُ النَّصارى العفوُ لا غير، وشرعتُنا في العمدِ كل ذلك، وكذلك الحدُّ في الزِّنى مختلفٌ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على شرعةٍ واحدةٍ، وهي الإسلام، بلا اختلافٍ ولا تفاوت. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؛ أي: جعلَ الشَّرائعَ مختلفةً؛ أي: ليَختبركُم فيما أعطاكُم مِن الدِّين. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: فابتَدروا إلى العملِ بالشَّرائع، فهي خيراتٌ كلُّها، جامعةٌ خيرَ الدَّارَين. وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أيُّها الأمم، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ

стр. 2567

تَخْتَلِفُونَ﴾ وهو وعدٌ ووعيد؛ أي: كنتم مختلفين، فكان بعضُكم يُضيفُ شيئًا إلى اللَّه أنَّه شَرعَهُ، وينفيه آخر، فأُثيبُ منكم المحقَّ على حقِّه، وأجزي المبطِلَ جزاءَ مثله. وقال الإمام القشيري: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: أفردنا (١) كلَّ واحدٍ منكم معاشرَ الأنبياء بطريقةٍ، وأما أنت يا محمَّدُ، فلا يُدانيكَ أحدٌ في طريقتِك على الحقيقة، فأنت المقدَّمُ على الكافَّةِ، والمفضلُ على الجملة، ولو شاءَ اللَّه لسوَّى مراتبَكم، ولكن غاير بينكم ابتلاءً، وفضَّلَ بعضَكم على بعضٍ امتحانًا. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: سارعوا إلى الطَّاعات، ومسارعةُ كلِّ أحدٍ على ما يَليقُ بوقتِهِ، فالعابدون يُسارِعون بقدمِهم من حيث الأوراد، والعارفون بهمَمِهم (٢) مِن حيثُ المواجيد. قال: ويقال: استباقُ الزَّاهدين برفضِ الدُّنيا، واستباقُ العابدين بقطعِ الهوى، واستباقُ العارفين بنفي المُنى، واستباق الموحَّدين بتركِ الورى، واستباقُ المقرَّبين بنسيانِ الدُّنيا والعُقبى (٣). * * * (٤٩) - ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.

стр. 2568

وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قيل: يتَّصِلُ بقوله: ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وبـ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾، ولا يصلح عطفًا على قوله: ﴿فَاحْكُمْ﴾ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾ (١). وقيل: يتَّصِل بقوله: ﴿مُصَدِّقًا﴾؛ أي: أنزلناه بتصديقِ ما بين يديه وبـ ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾. وقيل: يقعُ عليه الإنزالُ، وتقديره: إنَّا أنزلناه إليك ﴿وَأَنِ احْكُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ قال أبو عبيد: أي: يصرفوك، وقال قطرب: أي: يَستزِلُّوك، وهو كقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: فإنْ أعرضوا عن الانقيادِ لحكمك، فاعلم أنَّ اللَّهَ يُريدُ أنْ يُعجِّلَ لهم عقوبة بعضِ ذنوبِهم في الدُّنيا، فإنَّ الدُّنيا ليست بدار كمالِ الجزاء، وعذابُ الدُّنيا عذابُ بعض الذُّنوب؛ لأنَّه لا يَدوم، وعذابُ الآخرةِ عذابُ جميعِ الذُّنوب؛ لأنَّه يَدوم، وقد أصابَهم بذلك، وهو قتلُ بني قريظة، وإجلاءُ بني النَّضير. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: معناه: عِظْهُم بلسانِ العلم، فإنْ أبَوا قَبوله، فشاهِدهم بعينِ الحكم، [ويقال:] أشرْ (٣) عليهم باعتناقِ لوازم التكليف، فإن أعْرَضوا، فعاينهُم بعينِ التَّصريف (٤)، فإنَّ الحقَّ بشرطِ التَّليفِ

стр. 2569

يُلزمُهم، وبحكمِ التَّصريفِ يُؤخِّرُهم ويقدِّمُهم (١)، فالتَّكليفُ فيما أوجبَ، والتَّصريفُ فيما أوجدَ، والعبرةُ للإيجادِ لا للإيجاب (٢). وقال مقاتلٌ: إنَّ رؤساءَ يهودِ بني النَّضير قال بعضُهم لبعض: انطلِقوا بنا إلى محمَّدٍ ﷺ نفتِنُه، ونَردُّه عمَّا هو عليه، إنَّما هو بشرٌ، فاصتوهُ فقالوا له: هل لك أنْ تَحكُم لنا على أصحابِنا في أمر الدِّماء (٣) كما كنَّا عليه مِن قبل، فإنْ فعلتَ فإنَّا نبايعك، وإن بايعناك تابعكَ أهلُ الكتابِ كلُّهم، فإنَّا بقيَّتُهم وخيارُهم، فأنزلَ اللَّه هذه الآية يُحذِّرهُ ويقول: لا تتَّبع أهواءَهم، واحذرْهُم أنْ يَصدُّوك عن بعضِ ما أنزلَ اللَّهُ إليك من التَّسوية في الدِّماء، فإن أبَوا حكمك، فاعلم أنَّ اللَّهَ يُريد أنْ يُصيبَهم؛ أي: يُعذِّبَهم في الدُّنيا بالقتلِ والجلاء. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي: من رؤساء اليهود وغيرهم ﴿لَفَاسِقُونَ﴾ خارجون عن الطَّاعة، فلمَّا نزل هذا، قال كعبُ بن الأشرف ومالكُ بن الصَّيف: لا نرضى بحكمك، فنزل قوله تعالى: * * * (٥٠) - ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (٤) الألفُ ألفُ الاستفهام، وهو للاستنكار والاستعظام. و ﴿الْجَاهِلِيَّةِ﴾ حالةُ الشِّرك، والجهلُ المطلقُ يقع على (٥) جهل الكفار، قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].

стр. 2570

والبُغاء: الطَّلبُ بضمِّ الباء، يقول: أتطلبون حكمَ أهل الجاهليَّةِ في حدِّ الزِّنى والقصاص حيث لم تَرضوا بحكم التَّوراةِ والإنجيلِ والقرآن. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: لا أحسنُ حكمًا مِن اللَّه ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أنَّ لهم إلهًا، فيعلمون أنَّه لا أحسنُ حكمًا منه (١)؛ لأنَّه على المصلحةِ والحكمةَ، لا على المجازفة والشَّهوة. وقيل: معناه: عند قومٍ يوقنون باللَّه وبحكمته، وحرفُ اللَّام، وكلمة "عند" يتقاربان، يقال: لفلانٍ العلمُ بهذا الأمرِ، و: عندهُ العلمُ بهذا الأمر. وقال الإمام القشيريُّ: أيعودون في ظُلمةِ الحِجاب بعدما انهتكَ سِتْرُ الارتياب؟! اصلطلبون منك أنْ تَحيدَ عن المحجَّة المُثلى والطريقة العظمى، بعدما اتَّضحَ لك البراهيُن وتَجلَّى اليقين (٢)؟! * * * (٥١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: لا تَتولَّوهم. وقال الإمام أبو منصور: ويَحتملُ: لا تَدينوا بدينهم، فإنَّكم إذا فعلتُم ذلكَ صِرْتُم لهم أولياء (٣). وقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾؛ لاتِّفاق أديانِهم، فإذا تولَّيتُموهم كنتم على دينِهم.

стр. 2571

وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ وهذا إذا تولَّاهم لدينِهم، وأمَّا الصُّحبةُ لمعاملةٍ أو شراءِ شيءٍ منهم، أو لطلب عملٍ منهم، مع المخالفةِ في الاعتقادِ والأمور الدينيَّة، فليس فيه هذا الوعيد. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ دليلٌ على أنَّ الكفرَ كلَّه مِلَّة واحدةٌ باطلة (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لا يُرشِدُ الظالمين أنفسَهم بتركِ إخوانِهم المؤمنين وموالاةِ الكافرين. قال مقاتل: نزلت في أبي لبابة واسمُه مروان، ورجلين آخرين، وذلك أنَّه لمَّا كان يومُ أحد، خاف ناسٌ مِن المسلمين أن يُدالَ الكفَّارُ عليهم، فقال أحدُهما: إنِّي آتي فلانًا اليهوديَّ فأتهوَّدُ، وقال آخرُ: إنِّي آتي الشَّامَ فأتنصَّر، فنزلَت الآيةُ (٢). وقال عياض الأشعري: قدم أبو موسى الأشعري على (٣) عمر، ومعه كاتبٌ له نصرانِيٌّ، فدعا به، فقرأ كتابًا، فأعجبَهُ ظرفه وحفظُه، فلمَّا كان يومُ الجمعة قال له عمر: ادع كاتبَك، قال: إنَّه لا يَدخلُ المسجدَ، فقال: أجنبٌ هو؟ قال: لا، ولكنَّه نصرانيّ، فقال: لا تُكرِموهم إذْ أهانَهم اللَّه، ولا تُعِزُّوهم إذ أزلَّهمُ اللَّه، ولا تَأتمِنوهم إذ خوَّنهمُ اللَّه، ولا تُدنوهم إذْ أقصاهمُ اللَّه (٤).

стр. 2572

وقال عطية العوفي: جاء عبادةُ بنُ الصَّامت إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسولَ اللَّه (١)، إنَّ لي مواليَ مِن يهودَ كثيرٌ عددُهم، وإنِّي أبرأُ إلى اللَّه وإلى رسولِه من وَلايتِهم، فقال عبد اللَّه بنُ أبيٍّ: إنِّي رجلٌ أخافُ الدَّوائرَ، ولا أبرأُ مِن ولاية مواليَّ. وهم يهود بني قينقاع، فقال رسول اللَّه ﷺ لعبدِ اللَّه بنِ أُبيّ: "ما بخِلتَ به مِن ولايةِ يهود على عبادةَ فهو لك"، فقال: قد قبِلتُ، فأنزل اللَّه فيهم: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ (٢)؛ أي: نفاقٌ ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾؛ أي: في ولايتهم، ونزلَ في عبادة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٥٥]. وقال عكرمة: نزلَتْ في أبي لبابةَ بنِ عبد المنذر حين تَنصَّح إلى بني قريظةَ، فأشار إليهم أنَّهُ الذبح (٣). * * * (٥٢) - ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾؛ أي: فتُبصِرُ يا محمَّدُ المنافقين الذين في قلوبهم شكٌّ في الدِّين، وغِلٌّ على المؤمنين، يُبادِرون في موالاةِ اليهودِ والنَّصارى والكافرين، ثمَّ يَحتجُّون بما لا حُجَّة فيه، وذلك قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ هي الدولةُ الدائرةُ من قومٍ إلى قوم؛ أي: يقولون: نخافُ أنْ يكون للدَّهر دائرةٌ على المؤمنين، فنضطرَّ إلى هؤلاءِ الكفَّار والالتجاءِ بهم،

стр. 2573

فخيَّبَ اللَّهُ ظنَّهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾. قال الكلبيُّ ﵀: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ أي: شكٌّ ونِفاق، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي: في ولايةِ اليهودِ ونصارى أهلِ نجران؛ لأنَّهم كانوا أهلَ ريفٍ، وكانوا يَميرونهم ويُقرِضونهم، ويقولون: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾؛ أي: سنةٍ جدْبَةٍ (١)، ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾؛ يعني: فتح مكة، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾؛ أي: الخصب لمحمَّدٍ وأصحابه، ﴿فَيُصْبِحُوا﴾؛ أي: فيَصيروا؛ يعني: أهلَ النِّفاق ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا﴾؛ أي: أضمَروا في أنفسِهم؛ أي: في قلوبِهم ﴿نَادِمِينَ﴾؛ أي: على ما كان مِن ولايتِهم ودسِّ الأخبارِ إليهم (٢). وقيل: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ أي: بالفرج (٣) من غدرِ اليهودِ؛ بقهرهم حتَّى يُذعِنوا لهم بالذِّمَّةِ وقَبول الجزية، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ بإهلاكهم. وقال الضَّحاك: ﴿بِالْفَتْحِ﴾ لقُرى اليهود فدك وخيبر (٤)، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ إجلاء (٥) بني النَّضير، وقتلِ بني قريظة. والفتحُ: هو حلُّ الأمورِ المنعقدة، وفتحُ الأبوابِ المنغلقة. و"عسى" من اللَّهِ إطماعٌ، وإطماعُ الكريم إيجابٌ، ومعنى الإطماعِ بهذه الكلمة بدون كلمة التَّحقيق: تعليقُ القلوب بحسن الرَّجاء، وحملُ المؤمنين على صدقِ

стр. 2574

الالتجاء، وكذلك إدخال ﴿أَوْ﴾ بين الأمرين، مع علم اللَّه أنَّه يكون هذا أو هذا؛ لتعلُّقِ القلوبِ بلطفِ اللَّه بهم، دون اعتمادهم على أمرٍ كائنٍ لهم. قوله تعالى: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ ولمَّا تحقَّقوا ذلك ندموا، لكنَّ ندامتَهم لم تكن على نفاقِهم؛ لأنَّه توبةٌ منهم، بل على تولِّيهم إيَّاهم، واعتدادِهم به، وجملتُه أنَّ اللَّهَ أخبرَ بهذا الكلام أنَّه لا يكونُ لليهود علوٌّ على المسلمين مِن بعد، وأنَّ المنافقين يَندمون على ذلك، وكان كذلك. وقال عطاء (١): ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ عبدُ اللَّه بنُ أبيٍّ وأصحابُه، ﴿يُسَارِعُونَ﴾ في مودَّة بني قينقاع (٢)، وكانوا أسارى في يدِ رسول اللَّه ﷺ ، فما زال بالنبيِّ ﷺ حتَّى قال: "خُذهُم، لا باركَ اللَّهُ لك فيهم"، فما بقيَ منهم نافخُ ضَرْمَةٍ (٣). * * * (٥٣) - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرأ أبو عمرو (٤) بالنَّصبِ عطفًا على: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾، والباقون بالرَّفع على الاستئناف (٥).

стр. 2575

وقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾؛ أي: يقول المؤمنون لليهود: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ المنافقين ﴿الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ مجتهدين غايةَ جهدِهم فيها ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: الحالفون ﴿لَمَعَكُمْ﴾ أيُّها اليهود ومتولُّوكم وأعوانُكم، وقد وثقتُم بهم، وقد ظهرَ كذبُهم في أيمانِهم، وخيبةُ ظنونِكم بهم. وقيل: معناه: ويقول المؤمنون بعضُهم لبعض: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ المنافقون الذين حلَفوا أنَّهم معكم ائُها المؤمنون، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وقد أظهرَ اللَّهُ أنَّهم يُوالون أهلَ الكتابِ، فهتكَ أستارَهم. وقولُه تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾؛ أي: بَطَلَت أعمالُ المنافقين في موَالاةِ أهل الكتاب، وانقَطَعتْ أطماعُهم. وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾؛ أي: في الدُّنيا والآخرة؛ بفوات المعونةِ، ودوامِ العقوبة. وقال الإمام القشيري: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: إنَّ الذين سَقِمت ضمائرُهم، وضَعفت في التَّحقيقِ بصائرُهم، سبقَ إلى قلوبِهم هوادةُ الأعداءِ؛ خوفًا من معرَّتِهم، وطمعًا في المأمولِ مِن صُحبتِهم، ولو استيقَنوا أنَّهم في أسرِ العجزِ وذلِّ الإعراض، لأمَّلوا من اللَّه الموعودَ من كفاليه، والمعهودَ مِن رعايته، ولكنْ حُجِبوا عن محلِّ التَّوحيد والإيمان، فتَفرَّقوا في أوديةِ الظُّنون والحسبان، وعن قريبٍ يأتيكم الفَرَجُ أيُّها المؤمنون، وهم يَستشعِرون النَّدمَ، ويُقاسون الألمَ، وأنتم تَعلو رؤوسُكم، وتضيءُ بزواهرِ القُرَب قلوبُكم، وتَصلون مِن الموعودِ إلى ما يُربي على المقصودِ. * * *

стр. 2576

(٥٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: مَن يرجِعُ منكم عن دينِ الإسلام بموالاة الكفَّار، فليَعلم أنَّ اللَّهَ لا يُخْلِي دينَه عن أنصارٍ يَحمونَه، وذلك قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ أي: يرضى منهم أعمالَهم، ويُثني عليهم بها، ويُطيعونَهُ ويُؤثِرون رضاه. وقوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ جمع ذَلُول، وهو اللَّيِّنُ، يقال: دابَّة ذَلولٌ بيِّنَةُ الذِّلِّ، بكسر الذَّال، ورجل ذليلٌ بيِّنُ الذُّلِّ بضمِّ الذَّال، قال تعالى: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]، وقال: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ [النحل: ٦٩]. وقوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ جمع عزيز، وهو الشَّديد، يُقال: ناقةٌ (١) عزوز، إذا تعذَّر استخراج لبنها (٢)، وأرضٌ عَزَازٌ؛ أي: صُلبة؛ أي: يأتي بقومٍ رحماءَ بالمؤمنين عاطفين عليهم، غلاظٍ على الكفَّار أشداءَ عليهم. وقوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: يَبذُلون المجهودَ في قتال الكفَّار، حملًا لهم على الإسلام، ومنعًا عن عبادةِ الأصنام. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾؛ أي: لا يَخشون في إظهارِ دينِ اللَّه ملامةَ مَنْ يَلومُهم مِن أقاربِهم الكفَّارِ على قطيعةِ الرحم.

стр. 2577

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾ اتِّصافُهم بهذه الأوصافِ ممَّا آتاهمُ اللَّهُ مِن فضلهِ؛ ثوابًا لهم على حُسنِ نيَّاتِهم. وقوله تعالى: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يُعطيه مَن يعلَمُهُ أهلًا له؛ باختيارِه طاعتَه، وكراهيةِ معصيته. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يَسَعُ فضلُه جميع خلقِه، عَليمٌ بمَن هو مِن أهلِه. وقال محمَّد بنُ كعبٍ القُرظي: هو في رِدَّة مقيس بن صبابة (١)، وطُعمةَ بنِ أُبيرِق، والعرنيين ورجالٍ معدودين، والقومُ الذين ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أهلُ اليمن، قَدِموا وأسلموا، وهم ألفان أو ثلاثةُ آلاف (٢)، قال أبو هريرة ﵁: قال النبيُّ ﷺ : "أتاكُم أهلُ اليَمَن، هم ألينُ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً، الإيمانُ يمان، والحكمةُ يمانية" (٣). وقال عياض الأشعري: لمَّا نزلَ قولُه تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال النَّبيُّ ﷺ لأبي موسى الأشعريِّ ﵁: "هم قومُ هذا" (٤). وقال الكلبيُّ: ارتدَّ بعد وفاةِ رسولِ اللَّه ﷺ بنو تميمٍ، وبنو حنيفةَ وأسدٍ وغطفان، وأناسٌ مِن كِندة، وفيهم الأشعثُ بن قيس، وبقيَ ثلاثةُ مساجدَ لم يَرتدُّوا بمكَّةَ والمدينة والبحرين، فأتى اللَّه بخيرٍ مِن الذين ارتدُّوا، فشدَّد بهم الدِّين، وهم أحياءٌ

стр. 2578

مِن اليمن؛ مِن كندة ومن النَّخَع ومن بَجيلة، ألفان من النَّخَع، وخمسةُ آلافٍ من كِنْدَة وبَجيلة، وثلاثةُ آلافٍ من سائر النَّاس، فجاهدوا في سبيل اللَّه يوم القادسيَّة (١). وقال عطاء: ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: هم (٢) الأنصار. وقال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ البَصريُّ وقتادةُ والضَّحَّاك: هم أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وأصحابُه، وذلك أن عامة العرب بعد وفاة رسول اللَّه ﷺ قالوا: أما الصلاة فإنا نصلي وأما الزكاة فلا تغصب أموالنا، فقال أبو بكر ﵁: لو منعوني عناقًا مما أدوا إلى رسول اللَّه ﷺ لقاتلتهم عليه (٣)، فقال عمر: أليس قال رسول اللَّه ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" فقال أبو بكر ﵁: هذا من حقِّها (٤). وقال الإمامُ أبو منصور: وفيه إثباتُ إمامةِ أبي بكرٍ الصِّديق ﵁؛ لأنَّ اللَّهَ مدحَ المجاهدين معه بأمرِه (٥)، فثبتَ أنَّ الائتمارَ بأمرهِ طاعة وأنَّه مفترَضُ الأمر، وفي ثبوتِ خلافتِهِ ثبوتُ خلافةِ عمرَ وعثمان وعليٍّ ﵃. قال: وفيه دليلٌ على أنَّ عليًّا ﵁ لم تكنْ له الخلافةُ حين قُبِضَ

стр. 2579

رسولُ اللَّه ﷺ ؛ إذ لا يَحتمِلُ أنْ يَرى الحقَّ (١) لنفسِه في زمن أبي بكر ﵁، ثمَّ يتركَ طلبَها، وفيه تضييعُ حقِّ اللَّه عليه، مع قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: ﴿يُجَاهِدُونَ﴾ بنفوسِهم باستدامةِ الطَّاعات، وبقلوبِهم بقطعِ المنى والطَّلبات، وبأرواحهم بحذفِ العِلاقاتِ، وبأسرارِهم بالاستقامةِ على الشُّهودِ في دوام الأوقات (٣). * * * (٥٥) - ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ نهى عن موالاةِ الأعداء، وأَخبَرَ أنَّ وليَّهم هو اللَّهُ الذي يتولَّى مصالِحَهُم ومراشِدَهم، ويَأمرُ رسولَهُ أنْ يَتولَّاهم بالنَّصيحةِ والدُّعاءِ إلى طاعة اللَّه وطلبِ مرضاتِه، ورَسولُهُ يَأمرُ المؤمنين بأنْ يتولَّوهم بالشفقةِ (٤) والمعاونة على التَّقوى والطَّاعة. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وهذا من صفاتِ الذين آمنوا. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾؛ أي: هم خاشعون للَّه، مع استكثارِهم نوافلَ الصَّلوات والصَّدقات. ورويَ أنَّ الآيةَ نزلَت في عليٍّ ﵁، تَصدَّق بخاتَمه في ركوعِه، فعلى هذا يكون قوله: ﴿وَهُمْ﴾ واو الحال، وظاهرُه العموم.

стр. 2580

وقال ابنُ عباس: إنَّ بلالًا أذَّن للظُّهر، فخرجَ النَّبيُّ ﷺ والنَّاسُ يُصلُّون، فإذا هو بمسكينٍ يَطوفُ ويَسألُ النَّاسَ، فدعاهُ رسولُ اللَّه ﷺ وقال: "هل أعطاكَ أحد شيئًا؟ " قال له: نعم، قال: "ماذا؟ " قال: خاتم فضة، قال: "من أعطاك؟ " قال: ذاك الرَّجلُ القائم، فنظرَ إليه النَّبيُّ ﷺ ، فإذا هو عليٌّ ﵁، فقال: "على أيِّ حالٍ أعطاكَهُ؟ " قال: أعطاني وهو راكعٌ، فنزلتِ الآيةُ (١). وقيل: قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ في الفرائضِ، وقوله: ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ في النَّوافل. وقال ابنُ عبَّاس: إنَّ رهطًا مِن مؤمني أهلِ الكتاب عبدَ اللَّه بن سلام وأسيد (٢) وثعلبة لمَّا أمرَهُم رسولُ اللَّه ﷺ أنْ يَقطعوا مودَّة اليهودِ، ففعلوا، قالت قريظةُ والنَّضير: ما بالُنا نودُّ أهلَ دينِ محمَّد ﷺ ، وقد تبرَّؤوا منَّا، فوالذي نحلف به، لا نُكلِّمُ أحدًا منهم، ولا نجالِسُهم، فبلغَ ذلك ابنَ سلامٍ وأصحابَه، فأتوا رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: إنَّ قومَنا قد هجَرونا، وأقسموا ألَّا يجالسونا، ولا نَستطيعُ مجالسةَ أصحابِك؛ لبُعدِ المنازل، فنزلَتِ الآيةُ، فقرأَها عليهم رسولُ اللَّه ﷺ ، فقالوا: رضينا باللَّه وبرسولِه وبالمؤمنين أولياء (٣). * * *

стр. 2581

(٥٦) - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: ومَن جعلَ اللَّهَ وليًّا له، يَتولَّى مصالحَهُ ونَصْرَهُ (١)، وجعلَ رسولَه وليًّا له يَدلُّه على مراشدِه، وجعل المؤمنين أولياءَ له (٢)، يَعتضِدُ بهم في أمورِه، ويَجعلُهم موضِعَ سرِّه وصلتِه وبرِّهِ، فهو مِن حزب اللَّه. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ قال الحسن: ﴿حِزْبَ اللَّهِ﴾ جندُه، وقيل: أنصاره. والتَّحزُّبُ: التَّجمُّع لدفعِ ما يَحْزُبُ؛ أي: ينوبُ، فأخبرَ أنَّ الغلبةَ لحزب اللَّه، وقد كان كذلك، فقد جعلَ الغلبةَ للمسلمين على اليهود، فقتَلَهُم وأجلاهُم، وفرَّقَهم وسباهم، وخيَّب ظنونَ مَنْ تولَّاهم. وقال الإمام القشيري: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ لا موالاة بين أولياء اللَّه وأعداء اللَّه، أعداءُ اللَّه (٣): أعداءُ الدِّين وأعداءُ المسلمين، وأعدى عدوِّكَ نفسُك التي بين جنبيك، ومَن عادى نفسَهُ، لم يَخرج بالمخاصمةِ عنها على الخلق، وبالمعارضةِ فيها مع (٤) الحقِّ. قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ الفانون عن حظوظِهم، الذين هم خصمُ الحقِّ على أنفسِهم، لا خصمُ أنفسِهم على مولاهم، والغلبةُ بالحجج (٥) والبُرهان لا باليدِ واللِّسان (٦).

стр. 2582

(٥٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ قرأ أبو عمرو والكسائيُّ: ﴿والكفارِ﴾ بالجرِّ؛ عطفًا على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾؛ أي: ومِن الكفَّارِ، وقرأ الباقون بالنَّصبِ؛ عطفًا على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ﴾ (١). نهى عن موالاةِ كلِّ الكفَّارِ على العموم بعد ما نَهى عن موالاةِ أهل الكتاب على الخصوص، يقول: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾ اليهودَ والمشركين ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، ووَصفهُم فقال: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا﴾؛ أي: سخريةً ﴿وَلَعِبًا﴾؛ أي: عبثًا؛ أي: يهزؤون به، ويقولون: هو محدَثٌ، لا قرارَ له ولا ثبات، ولا هو مِن عندِ اللَّه آت. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: واحذروا عذابَ اللَّهِ؛ في تركِ ما أمرَكُم به، وفعلِ ما نهاكُم عنه مِن اتِّخاذِ الكفَّارِ أولياء وغيرِ ذلك، إن آمنتم، فإنَّ الإيمانَ يُوجِبُ طاعةَ اللَّهِ، وتركَ موالاةِ أعداءِ اللَّه. * * * (٥٨) - ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾؛ أي: وإذا أذَّنَ مؤذِّنُكم، فدعا إلى الصَّلاة، اتَّخذوا الصَّلاةَ سخريةً وعبثًا، وقالوا: هذا أمرٌ لا ثباتَ له، فإذا كان صنيعُهم هذا بأجلِّ أمورِ دينكم، فكيف يَجوزُ لكم أنْ تُوالوهم وتَثِقوا بهم؟ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: إنَّما يَفعلون ذلك لأنَّهم سفهاءُ،

стр. 2583

لا يَعلمون ما في الصَّلاةِ والدُّعاءِ إليها مِن النَّهيِ عن الفحشاءِ والمنكر في الدُّنيا، والثَّوابِ الجزيلِ في العُقبى. وروي أنَّهم كانوا إذا سمعوا النداء والإقامة قالوا: قد قاموا لا قاموا، قد صلَّوا لا صلَّوا (١). وقال السُّدِّيُّ: إنَّ نصرانيًّا بالمدينة كان إذا سمعَ المؤذِّن يقول: أشهد أنَّ محمَّدًا رسول اللَّه، يقول: حُرِّقَ الكاذبُ، فدخلَ خادِمهُ بنارٍ ليلًا، فتطايرَت شرارةٌ، فاحترقَ بها هو وأهلُه (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: نبَّههم على موجبِ التَّحيُّزِ عنهم، والتَّميُّزِ منهم، فإنَّ المخالِفَ في العقيدةِ لا يكونُ موافقًا في الحقيقة، وأمرهم بأن لا يلاحظوهم إلَّا (٣) بعين الاستصغار، كما لاحظوا دينَ المسلمين بعين الاستحقار. ثمَّ الأذانُ دعاءٌ إلى محلِّ النَّجوى، فمَنْ تَحقَّق بعلوِّ المحلِّ فسَماعُ الأذانِ يوجِبُ له روحَ الرُّوح (٤)، ومَن كان محجوبًا عن حقيقةِ الحال، لاحظَ ذلك بعينِ اللَّعِب، وأصغى إليه بأذنِ الاستهزاء، وذلك حكمُ اللَّه غايَرَ بين عبادِه على ما (٥) يشاء (٦). * * *

стр. 2584

(٥٩) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: هل تَعيبون؟ وقيل: تَكرهون؟ وقيل: تَطعنون (١)، وقال أبو عوسجة: تُنكِرون؟ (٢) وقال ابن عباس في سبب نزولها: أنّ نفرًا مِن اليهود، منهم أبو ياسر بن أخطب ورافعُ بنُ أبي رافع وغيرُهما، أتوا رسولَ اللَّه ﷺ ، فسألوهُ عمن يؤمِنُ به من الرُّسل؟ فقال: "أؤمنُ باللَّهِ وما أُنزِل إلينا، وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، وما أُوتيَ موسى وعيسى، وما أُوتيَ النَّبيُّون مِن ربِّهم، لا نُفرِّقُ بين أحدٍ منهم، ونحن له مسلمون"، فلمَّا ذكرَ عيسى، جحدوا نبوَّتَه، وقالوا: لا نؤمِنُ بما (٣) آمنتَ به، فأمرَ اللَّهُ تعالى (٤) نبيَّه ﷺ أنْ يقولَ لهم: ما الذي تَعيبون منَّا في تديُّننا بالإسلام إلَّا أنَّا لم نُفرِّق بين الأنبياء والكتبِ، فآمنَّا بكلِّ مَن أرسلَهُ اللَّهُ، وبكلِّ ما أنزلَهُ اللَّه، وليس نداؤنا بالصَّلاة والشَّهادةِ لمحمَّدٍ بالرِّسالة جحودًا لمَن يَنتحلونَهم مِن الأنبياء؛ مِن موسى وغيرِه، بل هو جامعٌ للشَّهادة للَّه بالتَّوحيد، وللأنبياءِ بالرِّسالة، فلا عيبَ علينا، بل العيبُ عليكم إذ بدَّلتُم وخالفتُم. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن الطَّاعة، وبحضُكم أسلمَ وأطاعَ، كعبد اللَّه بن سلام وأصحابِه.

стр. 2585

(٦٠) - ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ قيل: هذا جوابٌ لكلامٍ محذوف، وهو قولُهم للمؤمنين: إنَّ ثوابَكم على دينِكم ما أنتُم فيه من الفقرِ والضُّرِّ، ولو كنتم مُحقِّين لكنتُم للخيرِ والبِرِّ مستحقِّين، فنزلَ قوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ بمَن هو شرٌّ مثوبةً منَّا؛ أي: جزاء. وقد أثابَهُ؛ أي: جزاه (١)، والمثوبة: الثَّواب، وهو الجزاء. وقوله تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّه﴾؛ أي: هو أنتم وأسلافُكم، و ﴿مَنْ﴾ اسمُ جنسٍ، ولفظه فرد ومعناه جمع، فلذلك وحَّد قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾، ثمَّ جمعَ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾، واللَّعْنُ في سلفِهم ما ذكرَ: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧]، وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ كما قال: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، فسلبَهُم مُلكَهم، وشتَّتَ شملَهم، وضربَ عليهم الذِّلَّةَ والمسكنة. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ قيل: جعل أصحابَ السَّبتِ قردةً، وجعلَ أصحابَ المائدة خنازير. وعن ابن عباس ﵄ قال: كلا الصِّنفين مِن أصحابِ السَّبت، فشُبَّانهم مُسِخوا قردةً، ومشايخُهم مُسِخوا خنازير (٢). وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ عطف على قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: ومَنْ عبدَ

стр. 2586

الطَّاغوت، وهو ما عُبِدَ مِن دونِ اللَّه، وجَعَلَهُم بطاعتِهم أحبارَهُم ورهبانَهم فيما أَمروهُم به مِن معصيةِ اللَّه عابدينَ لهم، كما قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. وقيل: أراد بهِ عبادةَ العجلِ. وقيل: أراد بـ ﴿الطَّاغُوتَ﴾ كعبَ بنَ الأشرف، كما قلنا في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ١٦٠]. وقرأ حمزة: ﴿وعَبُدَ الطَّاغوتِ﴾ بفتح العينِ وضمِّ الباء ونصبِ الدال وخفضِ تاء ﴿الطَّاغوتِ﴾ على الإضافة (١)، والصَّحيحُ من وجهِ قراءته أنَّه أرادَ به جمعَ العبد، يقال: عبدٌ وعبيدٌ وعُبُدٌ جمع الجمعِ، وهو كقولهم: السَّرير والسُّرُر، ثمَّ نُقِلَت ضمَّة العينِ فتحًا؛ لئلَّا يجتمع ضمَّتان، ومعناه: وجعلَ منهم عبدةَ الطَّاغوتِ؛ على الإضافة. وقرأ بعضُهم: (عُبَّدَ الطَّاغوت) (٢)، وهو جمع عابد. وقوله تعالى ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: هؤلاء الذين هذه صفاتُهم أردأُ منزلةً، وأبعدُ عن قصدِ الطَّريق -وهو الهدى- ممَّن قلتم. ثمَّ ذكر في أول الآية ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾، وقال في آخرها: ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾، وقال: ﴿وَأَضَلُّ﴾، ولا شرَّ ولا ضلالَ في المؤمنين، فكيف يكون الفريقُ الآخرُ شرًّا منهم وأضلَّ منهم؟! ومعناه: أنَّه أرادَ به أنَّ حالَكُم شرٌّ مِن حالِ مَن ظننتُم أنَّه في شرِّ حالٍ، وهو ما فيه المؤمنون مِن الفقرِ والضُّرِّ.

стр. 2587

وقيل: هو خطابٌ لهم على ما في زعمهم، كما قال ذلك في الخير: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]، ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]. ولمَّا نزلَت هذه الآيةُ عيَّرهم المسلمون، وقالوا: يا إخوةَ القردةِ والخنازيرِ، فنَكسوا رؤوسَهم بما فضحهم اللَّهُ تعالى على لسان رسولِه ﷺ . * * * (٦١) - ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾؛ أي: مِن هؤلاء اليهودِ منافقون يَلقونَكُم بوجهٍ، ويَلقون الكفَّارَ بوجهٍ، فإذا جاؤوا مجلسَ الرَّسول ﷺ قالوا: آمنَّا بما أنزلَ اللَّه، قولًا مجملًا. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ﴾؛ أي: دخلوا وهم كافِرون. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وخرجوا وهم كافرون، كما يُقال: دخلَ بردائِه وطَيلسانِه؛ أي: وهو لابِسهما، ﴿وَهُمْ﴾ تأكيدٌ أنَّ الكفرَ منهم، ونفي أنْ يكون من أمر (١) النبيِّ ﷺ سبب يوجب (٢) لهم الكفرَ. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي: بما لم يزالوا يُضمِرون من النِّفاق والحقد عليكم. * * *

стр. 2588

(٦٢) - ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن اليهود ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾؛ أي: الوزر، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ أي: الظُّلم، ويجوزُ أن يكونَ الإثمُ في القولِ، والعدوانُ في الفِعل، كما قال في الآية التي بعدها: ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ أي: الحرام. وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ هي كلمةُ ذمٍّ. * * * (٦٣) - ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾؛ أي: هلَّا (١) يَنهاهم العلماءُ العُمَّال، ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ هم العلماءُ المحسِنون، ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ هو تغييرهم نعتَ النَّبيِّ ﷺ ، ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي: الحرام، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، هو ذمُّ العلماء، والأوَّلُ ذمُّ العامة، وقوله: ﴿كَانُوا﴾ وصفٌ لهم أنَّهم لم يَزالوا كذلك. وقال الحسن: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ﴾ علماءُ أهلِ التَّوراة، ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ علماءُ أهلِ الإنجيل. وقال الضحاك: هي أخوف آيةٍ في القرآن، حيث أنزلَ (٢) تاركَ النَّهيِ عن المنكرِ منزلةَ مرتكبِ المنكر (٣).

стр. 2589

(٦٤) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ولمَّا استوى عامَّتُهم وعلماؤهم في المعاصي ابتلاهُمُ اللَّهُ تعالى بالسِّنين، وكذلك كانت سُنته في الماضين، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، وقال في قصة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، فلم يَنتبهوا، ولم ينتهوا، لكن تَجاهلوا وتَسفَّهوا، ووَصفوا اللَّهَ تعالى بالبخلِ بمنعِ الخصبِ، وتسليطِ المحل، فقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ أي: هو بخيلٌ لا يُعطينا ما يَنفعُنا ولا يَضرُّه، والعربُ تُسمِّي البخيلَ مغلولَ اليدين؛ أي: ممسكَ اليدينِ عن العطاء، كالذي هو مغلولٌ حِسًّا، وهو كما قال اللَّه: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: هم الذين قُبِضَت أيديهِم عن الإعطاء، فهم الموصوفون بكمالِ البُخل، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]. وقيل: وهو وعيدٌ لهم بالغُلِّ في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾؛ أي: بُعِّدوا عن الرَّحمةِ وطُردوا. وقال الكلبيُّ: نَزلت في فِنحاص بن عازورا اليهوديِّ وأصحابِه، وذلك أنَّ اللَّهَ تعالى كان بسطَ على اليهود حتَّى كانوا أكثرَ النَّاس مالًا، وأخصبَهُم ناحيةً، فلمَّا

стр. 2590

عصوا اللَّهَ تعالى في محمَّدٍ، وكفروا به، كفَّ اللَّهُ عنهم بعضَ الذي بسطَ عليهم مِن السَّعة، فقال فِنحاص وأصحابُه: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ أي: ممسِكةٌ عنَّا في الرِّزق، محبوسةٌ، لا يَبسطُ (١) علينا كما كان يَبسطُ (٢)، فقال اللَّه تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: أُمسِكتْ أيديهِم أنْ يُنفِقوا في خير. وقال يمانُ بن رئاب: شدَّد وثقَّلَ عليهم الشَّرائعَ، وهو قوله: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (٣). وقال الحسنُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ أي: مكفوفةٌ عن عذابِنا، فليس يُعذِّبُنا إلَّا بما يَبرُّ بهِ قسَمَه قدرَ ما عبدْنا العجلَ سبعةَ أيام، قال اللَّه تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ (٤). وقيل: إنَّهم قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ حين نزلَ قولُه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، قالوا: هو (٥) فقيرٌ يَستقْرِضُ مِن عبادِه، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ لا يوسِّعُ الدُّنيا على محمَّدٍ وأصحابِه. وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ اليدُ والعينُ والمجيءُ والإتيانُ ونحوُها صفاتُ اللَّه، وردَ بها القرآنُ فنُثبِتُها للَّه على اعتقادِ ما أراد اللَّهُ تعالى بها، مع نفيِ الجوارح عنه وما لا يَليقُ بصفاتِه، ومَن فسَّر اليدَ بالنِّعمة أو بالقُدرة فقد جعل الصفتين واحدةً، واللَّهُ تعالى أثبتَ كلَّ ذلك، فنُثْبِتُ ذلك كلَّه على ما بيَّنَّا.

стр. 2591

والمفهومُ مِن هذه الكلمةِ هاهنا ردُّ ما قالوا، وإثباتُ سَعَةِ فضلِه وسبوغِ نعمِه على عبادِه. وقال بعضُ أصحاب المعاني: إنَّهم لمَّا قالوا: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ، على طريقِ المَثَلِ، ذكرَ اللَّهُ تعالى في مقابلةِ كلامهم ما هو أتمُّ منه في ضدِّ معناه؛ أي: نِعَمُ (١) اللَّهِ أكثرُ مِن أنْ تُحصَى، وعطاياهُ أوسعُ، وخزائنه (٢) أكثر، ومعنى التَّثنية أنَّ المتعارَفَ في الإعطاءِ مِن البشرِ المناولةُ بيدٍ واحدةٍ، فالمناولَةُ باليدين أوسعُ منه (٣) وأكثر (٤)، فأثبتَ اللَّهُ صفتَه (٥) بإكثار العطاء وإسباغِ النعماء بهذهِ الكلمة، على مطابقة كلامهم، ونظيرُه من المطابقة والمقابلة قولُه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقولُه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، ونظائرُه. وقيل: أرادَ باليدينِ نعمةَ الدُّنيا ونعمةَ الدِّين. وقيل: أراد به أنَّه يَملِكُ الثَّواب والعقاب. وقيل: أي: ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ بالمغفرةِ والتعذيب؛ أي: يَغفرُ لمَن يشاء، ويُعذِّبُ مَن يَشاء. وقال الإمامُ القشيري: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: بل قدرتُه بالغةٌ، ونعمتُه سابغةٌ، ومشيئتُهُ نافذةٌ، وإرادتُه ماضيةٌ.

стр. 2592

قال: وقيل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يَضعُ ويَرفعُ، ويَدفعُ ويَنفعُ، فلا يَخلو أحدٌ مِن نعمةِ الدَّفْعِ، وإنْ خلا عن نعمةِ النَّفع (١). وقوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ أي: يَرزقُ مَن يشاءُ ما يشاءُ على ما يشاءُ مِن توسيعٍ وتضييق، فله الحكمُ والمشيئةُ في كلِّ البَرِيَّة. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ اللامُ للقَسم، وهو للتَّأكيد، ومعناهُ أنَّ كثيرًا مِن هؤلاء اليهود يَزداد -عند نزولِ القرآنِ بكشفِ سرائرِهم القبيحةِ- عنادًا وثباتًا على الكفر، وهذا من إضافة الفعل إلى السَّبب؛ كما قال: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقال: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فسرَّناه في هذه السُّورة مرَّة (٢)، وهذا عقوبةٌ لهم على ما كان منهم، وامتنان على النبيِّ ﵇ وأصحابِه، فإنَّ ذلك يُورِثُ الفشلَ لعدوِّهم. وقال مقاتل: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ بني النَّضير، ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في أمرِ الرَّجمِ (٣) في القرآن، ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ بالقرآن، ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ بين اليهودِ والنَّصارى ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ أبدًا (٤). وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ مجازٌ عن همِّهم بتهييجِ الحروبِ على النبيِّ ﷺ ، وإبطالِ اللَّه ذلك.

стр. 2593

وقال قتادة: لا تَلقى اليهودَ في بلدةٍ (١) إلَّا وهم أذلُّ أهلها، ولقد جاءَ اللَّه بالإسلامِ وهم تحتَ أيدي المجوس (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ قيل: بالمعاصي. وقيل: باختداع الضَّعفة (٣)، وصدِّهِم عن الإسلام. وقيل: بأخذِ الرِّشا وتغييرِ الكتاب. وقيل: بقطعِ الطَّريقِ، وإخافةِ السَّبيل، وقد ذكر ذلك في هذه السورة مِن صفاتهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ هذا ظاهرٌ. * * * (٦٥) - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾؛ أي: اجتنبوا المعاصي، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ السَّالفة، ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ في الآخرة؛ أي: لا يُعذِّبهم بما قالوا، لحاجةٍ له إلى تعذيبهم، بل جزاءً لهم على كفرِهم وتكذيبِهم، ولو أنَّهم آمَنوا وأسلموا، لأَمِنوا وسَلِموا. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: شرطَ في حقِّهم الإيمانَ والتَّقوى لإدخالهم

стр. 2594

الجنَّة، ووعد للظَّالمين مع السَّابقين والمقتصدين مِن هذه الأُمَّة إدخالَ الجنَّة فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: ٢٣] (١). * * * (٦٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: أقاموا العملَ بذلك على الاستقامةِ دون التَّحريف. وقيل: أي: نصَبوا ذلك بأعينِهم فاتَّبعوه ولمْ يُخالِفوه، واتَّبعوا القرآنَ أيضًا، وذلك في حكمِ الرَّجمِ والقِصاصِ، وبيانِ نعت (٢) النبيِّ ﷺ ، وغيرِ ذلك. وقيل: هو المحافظةُ على ذلك، كإقامةِ الصَّلوات. وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾؛ أي: لتابَعْنا عليهم بركات السَّماء بالأمطارِ وبركاتِ الأرض بالنَّبات (٣)، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقال الفرَّاء: هو كقولهم: فلانٌ في الخيرِ مِن قرنِه إلى قدمِه (٤). وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ مِن الثِّمار، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الحبوب.

стр. 2595

وقيل: أي: من الجبلِ والسَّهل. ودلَّ ذلك على أنَّ العملَ بطاعةِ اللَّه سببٌ لسَعَةِ الرِّزق، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقولِه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ الآيات [نوح: ١٠ - ١١]، وقولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ الآية [الجن: ١٦]. وقيل: هذا إشارةٌ إلى ما جرى على اليهودِ؛ مِن قطعِ نخيلِهم، وإفسادِ زروعِهم، وإجلائِهم. وقيل: هو جوابُ قولِهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يَعنون البخل، أي (١): مُنِعَ ذلك عنهم ليس للبخل، بل حُرِموه للكفر. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ جاريةٌ على القصدِ، وهو الطريق العادل؛ أي: لم يزيغوا، ولم يَغلُوا في دينِهم، ولم يَقولوا في المسيح وفي أمِّه غيرَ الحقِّ، وهم الذين آمَنوا بموسى وعيسى ومحمَّد ﵊، كالنَّجاشيِّ وأصحابِه، وعبدِ اللَّه بن سلام وأشكالِه، وبَحيرى الرَّاهب، وسلمان، ورهطٍ مِن الشَّام. وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ سائر اليهود؛ مِن الكفر، وصدِّ الناس عن الإيمان، واستحلالِ السُّحت. * * * (٦٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
следующие страницы →