← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

والمفهومُ مِن هذه الكلمةِ هاهنا ردُّ ما قالوا، وإثباتُ سَعَةِ فضلِه وسبوغِ نعمِه على عبادِه. وقال بعضُ أصحاب المعاني: إنَّهم لمَّا قالوا: يدُ اللَّهِ مغلولةٌ، على طريقِ المَثَلِ، ذكرَ اللَّهُ تعالى في مقابلةِ كلامهم ما هو أتمُّ منه في ضدِّ معناه؛ أي: نِعَمُ (١) اللَّهِ أكثرُ مِن أنْ تُحصَى، وعطاياهُ أوسعُ، وخزائنه (٢) أكثر، ومعنى التَّثنية أنَّ المتعارَفَ في الإعطاءِ مِن البشرِ المناولةُ بيدٍ واحدةٍ، فالمناولَةُ باليدين أوسعُ منه (٣) وأكثر (٤)، فأثبتَ اللَّهُ صفتَه (٥) بإكثار العطاء وإسباغِ النعماء بهذهِ الكلمة، على مطابقة كلامهم، ونظيرُه من المطابقة والمقابلة قولُه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، وقولُه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، ونظائرُه. وقيل: أرادَ باليدينِ نعمةَ الدُّنيا ونعمةَ الدِّين. وقيل: أراد به أنَّه يَملِكُ الثَّواب والعقاب. وقيل: أي: ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ بالمغفرةِ والتعذيب؛ أي: يَغفرُ لمَن يشاء، ويُعذِّبُ مَن يَشاء. وقال الإمامُ القشيري: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: بل قدرتُه بالغةٌ، ونعمتُه سابغةٌ، ومشيئتُهُ نافذةٌ، وإرادتُه ماضيةٌ.

стр. 2592

قال: وقيل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ يَضعُ ويَرفعُ، ويَدفعُ ويَنفعُ، فلا يَخلو أحدٌ مِن نعمةِ الدَّفْعِ، وإنْ خلا عن نعمةِ النَّفع (١). وقوله تعالى: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾؛ أي: يَرزقُ مَن يشاءُ ما يشاءُ على ما يشاءُ مِن توسيعٍ وتضييق، فله الحكمُ والمشيئةُ في كلِّ البَرِيَّة. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ اللامُ للقَسم، وهو للتَّأكيد، ومعناهُ أنَّ كثيرًا مِن هؤلاء اليهود يَزداد -عند نزولِ القرآنِ بكشفِ سرائرِهم القبيحةِ- عنادًا وثباتًا على الكفر، وهذا من إضافة الفعل إلى السَّبب؛ كما قال: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقال: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦]. وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فسرَّناه في هذه السُّورة مرَّة (٢)، وهذا عقوبةٌ لهم على ما كان منهم، وامتنان على النبيِّ ﵇ وأصحابِه، فإنَّ ذلك يُورِثُ الفشلَ لعدوِّهم. وقال مقاتل: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ بني النَّضير، ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ في أمرِ الرَّجمِ (٣) في القرآن، ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ بالقرآن، ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ بين اليهودِ والنَّصارى ﴿الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ أبدًا (٤). وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ مجازٌ عن همِّهم بتهييجِ الحروبِ على النبيِّ ﷺ ، وإبطالِ اللَّه ذلك.

стр. 2593

وقال قتادة: لا تَلقى اليهودَ في بلدةٍ (١) إلَّا وهم أذلُّ أهلها، ولقد جاءَ اللَّه بالإسلامِ وهم تحتَ أيدي المجوس (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ قيل: بالمعاصي. وقيل: باختداع الضَّعفة (٣)، وصدِّهِم عن الإسلام. وقيل: بأخذِ الرِّشا وتغييرِ الكتاب. وقيل: بقطعِ الطَّريقِ، وإخافةِ السَّبيل، وقد ذكر ذلك في هذه السورة مِن صفاتهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ هذا ظاهرٌ. * * * (٦٥) - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾؛ أي: اجتنبوا المعاصي، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ السَّالفة، ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ في الآخرة؛ أي: لا يُعذِّبهم بما قالوا، لحاجةٍ له إلى تعذيبهم، بل جزاءً لهم على كفرِهم وتكذيبِهم، ولو أنَّهم آمَنوا وأسلموا، لأَمِنوا وسَلِموا. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: شرطَ في حقِّهم الإيمانَ والتَّقوى لإدخالهم

стр. 2594

الجنَّة، ووعد للظَّالمين مع السَّابقين والمقتصدين مِن هذه الأُمَّة إدخالَ الجنَّة فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: ٢٣] (١). * * * (٦٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: أقاموا العملَ بذلك على الاستقامةِ دون التَّحريف. وقيل: أي: نصَبوا ذلك بأعينِهم فاتَّبعوه ولمْ يُخالِفوه، واتَّبعوا القرآنَ أيضًا، وذلك في حكمِ الرَّجمِ والقِصاصِ، وبيانِ نعت (٢) النبيِّ ﷺ ، وغيرِ ذلك. وقيل: هو المحافظةُ على ذلك، كإقامةِ الصَّلوات. وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾؛ أي: لتابَعْنا عليهم بركات السَّماء بالأمطارِ وبركاتِ الأرض بالنَّبات (٣)، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقال الفرَّاء: هو كقولهم: فلانٌ في الخيرِ مِن قرنِه إلى قدمِه (٤). وقيل: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ مِن الثِّمار، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الحبوب.

стр. 2595

وقيل: أي: من الجبلِ والسَّهل. ودلَّ ذلك على أنَّ العملَ بطاعةِ اللَّه سببٌ لسَعَةِ الرِّزق، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وقولِه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ الآيات [نوح: ١٠ - ١١]، وقولِه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ الآية [الجن: ١٦]. وقيل: هذا إشارةٌ إلى ما جرى على اليهودِ؛ مِن قطعِ نخيلِهم، وإفسادِ زروعِهم، وإجلائِهم. وقيل: هو جوابُ قولِهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ يَعنون البخل، أي (١): مُنِعَ ذلك عنهم ليس للبخل، بل حُرِموه للكفر. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ جاريةٌ على القصدِ، وهو الطريق العادل؛ أي: لم يزيغوا، ولم يَغلُوا في دينِهم، ولم يَقولوا في المسيح وفي أمِّه غيرَ الحقِّ، وهم الذين آمَنوا بموسى وعيسى ومحمَّد ﵊، كالنَّجاشيِّ وأصحابِه، وعبدِ اللَّه بن سلام وأشكالِه، وبَحيرى الرَّاهب، وسلمان، ورهطٍ مِن الشَّام. وقوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ سائر اليهود؛ مِن الكفر، وصدِّ الناس عن الإيمان، واستحلالِ السُّحت. * * * (٦٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.

стр. 2596

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: أي: مِن مقابحِ هؤلاء، ولا تَنظُر إلى قلَّةِ المقتصدين منهم وكثرةِ الفاسقين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ قرأ عاصمٌ في رواية أبي بكرٍ ونافعٌ وابنُ عامر: ﴿رِسَالَتَهُ﴾ على الجمع، والباقون على الواحد (١). قالت الملاحدةُ -لعنهم اللَّه-: هذا كلامٌ لا يُفيد، وهو كقولِك لغلامِك: كلْ هذا الطَّعامَ، فإنْ لمْ تَأكلهُ فإنَّك ما أكلتَهُ. قلنا: هذا قصورُ فهمٍ منكم، وبلادةُ طبع، وقلَّة معرفةٍ بكلام النَّاس، وله وجوهٌ صحيحةٌ: أحدُها: أنَّ قولَه: ﴿مَا أُنْزِلَ﴾ للعموم، ومعناه: بلِّغ جميعَ ما أُنزِل إليكَ؛ فإنْ لم تُبَلِّغ شيئًا منه فإنَّك (٢) لم تبلِّغ رسالاتي كلَّها، وهو كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ [النساء: ١٥٠]، ثمَّ قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، جعلَ الكفرَ ببعضٍ محبطًا أصلَ الإيمان. قاله عليُّ بن مهدي الطبريُّ (٣). والثاني: قول الحسين بنُ الفضل البجليُّ ﵀: معناه: بلِّغ ما أنزل إليك من ربِّك الآن، ولا تَنتظر به كثرةَ الشَّوكةِ والقُوَّة والعُدَّة، فإن لم تُبلِّغ كنتَ كمَن لم يُبلِّغ.

стр. 2597

وقيل: معناه: بلِّغ ذلك محتسِبًا غيرَ خائفٍ أحدًا، فإنْ لم تُبلِّغ على هذا الوصف فكأنَّك لم تُبلِّغهُ أصلًا. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أي: إنْ لم تُبلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ لما تَخشى مِن الإهلاكِ والمكر بك، فكأنَّك لم تُبلِّغ الرسالةَ أصلًا، لم يعذرهُ في تركِ تبليغِ الرِّسالةِ إليهم، وإن خافَ على نفسِهِ الهلاكَ، وليس كمَن أُكرِهَ على الكفرِ، رُخِّصَ له أنْ يَتكلَّم به إذا خافَ الهلاكَ على نفسِه، ولا يُرخَّصُ تركُ تبليغِ الرِّسالةِ لذلك؛ لأنَّ تبليغَ الرِّسالةِ باللِّسانِ دون القلب، والإيمانُ تَعلُّقهُ بالقلب، فإذا أُكرِهَ على الكفرِ وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان، رُخِّصَ له ذلك، وأمَّا الرِّسالةُ فلا سبيلَ له أنْ يُبلِّغَها إلَّا باللِّسان، فلذلك لم يُرخَّص له (١) تركُها وإنْ خاف. وهذا دليلٌ لقولِنا في المكره على الطَّلاق أو العتاق (٢): إذا تكلَّم به عمل، لأن تَعلُّقَ ذلك باللِّسان، لا بالقلب، والإكراه لا يمنع فعلَ اللِّسان، فلا يمنعُ النَّفاذ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: يَحفظُكَ منهم. قالت الملحدةُ لعنَهمُ اللَّه: كيف عصمَهُ منهم وقد شجُّوه وأدمَوهُ وقصدوهُ وآذوهُ. قلنا: وَعَدَهُ العِصمةَ مِنَ القَتْلِ، وقد حفظَهُ عن ذلك، فأمَّا سائرُ البلايا والمِحَن، فذلك ممَّا كان يَجري على سائرِ الأنبياء والأولياء، قال اللَّه تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]،

стр. 2598

وقال النَّبيُّ ﷺ : "أشدُّ النَّاسِ بلاءًا لأنبياءُ، ثمَّ الأولياء، ثمَّ الأمثل فالأمثل" (١). وقال محمَّدُ بنُ كعب القرظي: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُحرَسُ باللَّيل، وكان يَخاف العدوَّ، فلمَّا نزلَت الآيةُ، ووَعَدَهُ اللَّه ذلك، ترك ذلك (٢)، وكان الشجُّ وغيرُ ذلك قبل هذا. وقال أنس: كان رسولُ اللَّه ﷺ يُحرَسُ باللَّيل، حتَّى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ليلًا، فأخرجَ رسولُ اللَّه ﷺ رأسَه مِن قبَّة أدم، وقال: "انصرفوا أيُّها (٣) النَّاس؛ فقد عصَمني اللَّه" (٤). وقيل: إنَّ رسول اللَّه ﷺ دعا اليهودَ إلى الإسلام، فأكثرَ الدَّعوةَ، فجعلوا يستهزؤون به ويقولون: تريدُ أنْ نتَّخِذَك حنانًا، كما اتَّخذتِ النَّصارى عيسى حنانًا، فسكتَ رسولُ اللَّه ﷺ تثبتًا، فنزلَتْ هذه الآيةُ في التَّحريض، فعاد إلى دعوتهم، وقال: "ما أُبالي مَن خذلَني ومن نصرني" (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: لا يُرشدُ إلى الحقِّ أهلَ الكفر، ما داموا مختارين للكفرِ.

стр. 2599

(٦٨) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾؛ أي: من الدِّين الحق، ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: حتَّى تَعملوا بجميعِ هذه الكتب على الاستقامةِ والدَّوام. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾؛ قد ذكرنا أنَّ إضافةَ زيادةِ (١) الكفر والطُّغيان إلى نزولِ القرآن بطريقِ التَّسبيب. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: لا تَحزن على أنْ لم يدخلوا في دينِك، ولم يَصيروا مِن أتباعِك، فليسوا ممَّن يُتأسَّفُ بفوتهم، وهو كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]. وقيل: معناه: لا تَحزن بنزولِ العذابِ عليهم؟ فإنَّهم كفارٌ، ليسوا منك ولستَ منهم. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذا في الحقيقة تنبيهٌ للكلِّ أنَّه لا قدرَ لأحدٍ ولا لعملٍ، إلَّا بمراعاةِ الأمرِ والنهي، والمحاماةِ على أحكام الشَّرع (٢). * * * (٦٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

стр. 2600

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فسَّرنا الآيةَ في سورةِ البقرة (١)، ولمَّا ذكر وعيدَ الكافرين في الآية الأولى، ذكر وعدَ المؤمنين في هذه الآية. ثمَّ قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ رفعَهُ مع تقدُّم الكلمة (٢) الناصبة، وهي ﴿إِنَّ﴾ كَثُرَت فيه الأقاويل، وأوضحُها قولُ الكسائيِّ والفرَّاء والمبرِّد وجماعة: إنَّ قوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ محمولٌ على التَّأخير، مرفوعٌ بالابتداء، وتقديرُه: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا مَن آمنَ مِنهم باللَّه واليومِ الآخر وعملَ صالحًا، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والصَّابئون والنَّصارى كذلك (٣)، وهو كقول الشَّاعر: وإلَّا فاعْلَموا أنَّا وأنتُم... بُغاةٌ ما حَيينا في شِقاقِ (٤) وتقديره: فاعلموا أنَّا بغاةٌ ما حيينا في شقاقٍ، وأنتم كذلك، وأنشد الفرَّاء: يا ليتَني وأنتِ يا لميسُ... ببلدٍ ليسَ بهِ (٥) أنيسُ (٦)

стр. 2601

وأنشد المبرِّدُ: يا ليتَني وهُما نَخلو بِمنزلَةٍ... حتَّى يَرى بعضُنا بعضًا ونأتلِفُ (١) وقال قطرب: هو مرفوع عطفًا على قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ومحلُّه رفع بالابتداء، و"إنَّ" نصبُها أضعفُ مِن نصبِ أخواتها، مثل: "كأنَّ" و"ليت" و"لعلَّ"، لأنها أحدثَت في الكلام معاني، وهي التَّشبيه والتَّرجي والتَّمنِّي، و"إنَّ" لم تُحدِث شيئًا، فيَجوزُ تركُ عملِها، وتصير كأنَّ ابتداءَ الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وعلى ذلك قولُ قائلِهم: فمَنْ يكُ أَمْسى بالمدينةِ رَحْلُهُ... فإنِّي وقيَّارٌ بها لغريبُ (٢) وقيل: هو عطفٌ على ضميرِ ﴿هَادُوا﴾، وتقديرُه: والذين هادوا هم والصَّابئون (٣). وقيل: هو رفعٌ على الذَّمِّ، وكما يُنصب على الذمِّ قطعًا عمَّا قبلَه مِن غير النَّصب، يجوزُ رفعُه أيضًا قطعًا عمَّا قبلهُ مِن غيرِ الرَّفع. وقيل: لمَّا ضعُفَ عمل "إنَّ" فلم يَعمل في خبره لمَّا (٤) بعُد (٥)، لم تعمل في المعطوف عليه إذا بَعُدَ أيضًا.

стр. 2602

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيَّن أنَّهم وإن اختلفت أحوالهم، فبعدما جمعَهم التَّوحيد، فلهمُ الأمانُ مِن الوعيدِ والفوزِ بالمزيد (١). * * * (٧٠) - ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: في كتبِهم بالإيمانِ باللَّه وبجميعِ الأنبياء. وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾؛ أي: في تجديدِ هذا الميثاق. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: لا يوافِقُ أهواءَهم. وقوله تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾؛ أي: فريقًا كانوا يَقتلون، فإنَّه إخبار عن سَلَفَهم، وذاك ماضٍ، فدلَّ أنَّ "كانوا" مضمرٌ. قال ابنُ كيسان: كان الأنبياء ضربين (٢)؛ أصحاب كتبٍ وشرائع، لم يصلوا إلى قتلِهم، مثل: نوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى (٣) وداود وسليمان، وأنبياء (٤) لم يكن لهم كتبٌ وشرائع قتلوهم، مثل: زكريَّا ويحيى وغيرهما. وبلغني أنَّهم قتلوا في يومٍ سبعين نبيًّا، وهذا نقضٌ مِنهم للميثاق والعهد، وقد أمرَ في ابتداءِ السُّورة بالوفاء بالعهدِ، ثمَّ ذمَّ في بقيَّةِ السُّورة النَّاقضين للعهد.

стр. 2603

(٧١) - ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزةُ والكسائيُّ بالرَّفع، وتقديرُه: أنَّه لا يكونُ، والباقون بالنَّصب (١). بأن يقول: أصرُّوا على الذُّنوب، وظنُوا لطولِ إمهالِ اللَّه إيَّاهم ألَّا يقع عليهم من اللَّه عقوبة، من قوله: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤] (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال قائلون: الفتنةُ: المحنة؛ أي: حسِبوا ألَّا تأتيَهم الرُّسلُ بامتحانِهم على خلافِ ما أحدَثوا بهوى أنفسِهم (٣). وقوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾؛ أي: ألِفوا المعاصيَ، فصاروا لرَين القلوبِ عُميًا، فلا يُبصِرون قبحَها، وصمًّا، فلا يَسمعون وعظَ النَّاهي عنها. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: ثمَّ أرسلَ اللَّهُ رُسُلًا، فأجابوهُم، وتابوا للَّه، فقبِلَ اللَّهُ توبتَهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾؛ أي: ثمَّ امتدَّتِ المهلةُ، فعادوا إلى المعاصي، وألفوها، فصاروا كما كانوا عُميًا وصُمًّا، وهو كقولهم: حبُّك الشَّيءَ يعمي ويُصِمُّ (٤). وقوله تعالى: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ جمعَ الفعلَ مع التَّقدُّم على الفاعل؛ لأنَّه فعلُ

стр. 2604

قومٍ تَقدَّم ذِكرُهم (١)، ثمَّ قولُه: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ تفسيرُ قدرِ فاعلِيهِ؛ كما في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣]، هذا تفسيرُ وصفِ فاعلِيه. وقيل: هو على لغةِ بعض العرب، وهو جمعُ الفعلِ مع التقدُّم، يقولون: ذهبوا أصحابُك، قال الشاعر: ألْفَيَتا عيناكَ عند القَفا... أوْلَى فأوْلَى لكَ ذا واقِيَهْ (٢) وقال الزَّجَّاج: ﴿كَثِيرٌ﴾ خبرٌ لابتداءٍ محذوف؛ أي: العميُ والصُّمُّ كثيرٌ منهم (٣). ثمَّ إنَّما ذكرَ الكثيرَ لا الكلَّ؛ لأنَّ مِنهم مَن أبصر وسمع، فآمنَ وتبعَ ووفَّى بالعهد ولم يمتنع. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: بأعمال الأسلاف والأخلاف، فيُجازِيهم على الاستحقاق في الوِفاقِ والخلاف. وقال مجاهد: فـ ﴿تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تجاوزَ عنهم برفع البلاء (٤). وقيل: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ بعدَ موسى، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ على عهدِ عيسى، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ بعد عيسى.

стр. 2605

وقال الحسن: ﴿وَحَسِبُوا﴾ ألَّا يُبتلَوا في الدِّين، ولا يُفرَضَ عليهم طاعةُ محمَّدٍ ﷺ ، ﴿فَعَمُوا﴾ عن الدِّين، ﴿وَصَمُّوا﴾ فيه، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فاستنقذَهم بمحمَّدٍ ﷺ ، فكذَّبوه (١)، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (٢) أقاموا على اليهوديَّةِ. وقال مقاتل: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بلاءٌ وقحْطٌ، ﴿فَعَمُوا﴾ عن الحقِّ، فلم يُبصِروه، ﴿وَصَمُّوا﴾ فلم يسمعوهُ، ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ رفعَ البلاءَ عنهم، فلم يَتوبوا، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ من قتلِ الأنبياءِ وتكذيب الرُّسُل (٣). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: اغترُّوا بطولِ الإمهال، فأصرُّوا على قبيحِ الأعمال (٤)، فلمَّا أخَذَتهم فجأةُ الانتقامِ، ونوائبُ الأيَّام، لم يَنفعهُم النَّدم، ولم يُثبِت لهم القدم (٥). * * * (٧٢) - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قال الكلبيُّ: هو في نصارى بني نجران، وهو قولُ اليعقوبيَّة مِن النَّصارى أنَّ عيسى إلهٌ.

стр. 2606

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾؛ أي: هو معترفٌ بأنَّه عبدُ اللَّه ورسولُه، وأنَّ اللَّهَ ربُّه وربُّ بني إسرائيل، ويقولُ لهم: لا تُشرِكوا باللَّه، ويَتوعَّدُهم عليه، وذلك: قولُه تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ (١)؛ أي: أحدًا مِن خلقِه، ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ وهو تحريمُ المنعِ، لا تَحريمُ التَّكليف كما في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢]. وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾؛ أي: وما للمشركين أعوانٌ يمنعونَهم. والظُّلم: الشِّركُ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وهو وضعُ الشَّيء غيرَ موضعِه. * * * (٧٣) - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثم ذكر قول عامَّةِ النَّصارى، وذلك قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وذلك أنَّ النُّسطوريَّة واليعقوبيَّة (٢) والمَلكانيَّة يقولون: المعبودُ واحدٌ بالجوهر، ثلاثةٌ بالأقنوم، والأقانيمُ ثلاثةٌ؛ الأبُ، والابنُ، وروحُ القدس، والابنُ: هو الكلمة، والرُّوح: الحياةُ وكلُّ ذلك إلهٌ واحدٌ، ولا يقولون: ثلاثةُ آلهة، وهي لازمةٌ لهم على قضيَّة مقالهم عقدًا، وإن امتنعوا عن إطلاقِه لفظًا، وهي مِن أشنعِ ضلالةٍ، وأقبحِ جهالةٍ، وأفسدِ مقالة.

стр. 2607

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وهو إلهُ الخلقِ أجمعين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾؛ أي: إنْ لم يَرجِعوا عن هذا القول. وقوله تعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: ليُصِيبنَّ الذين كفروا، ولم يقل: ليَمسنَّهم؛ لأنَّه لو قال ذلك، لخَصَّ الفريقَ الثانيَ به، والمرادُ به كلا الفريقين، فلذلك قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على العموم. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: مِن كفَّار النَّصارى، وهو زيادةُ تشديدٍ لهم بالتَّخصيص (١) بهذا العذاب هاهنا، وإن كان كلُّ الكفَّار يَستحقُّونَه، وهو كقوله في آخر سورة الفتح: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، والكلامُ بدون هذه الكلمة تامٌّ؛ لأنَّه أرادَ به التَّخصيصَ بهذا الوعدِ المذكورين قبلَه والذين معه إلى آخره. وقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قيل: في الدُّنيا، وقيل: في الآخرة، وقيل: فيهما جميعًا. * * * (٧٤) - ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: فليَتوبوا إلى اللَّه مِن هذه المقالات، وليُؤمنوا، وليَستغفروا اللَّه بألسنتِهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغفرُ ذنوبَ التَّائبِ، ويَرحمُه، فلا يَردُّ توبتَه ولا يعذِّبُه.

стр. 2608

وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: لم يُغلِق بابَ التَّوبة عليهم مع قبيح أقوالهم (١)، وفسادِ عقائدهم وأعمالهم؛ تقويةً لأطماعِ المؤمنين وآمالهم (٢). * * * (٧٥) - ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾؛ أي: ليس عيسى ﴿إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ يأتي بمثلِ ما أتى به أولئكَ مِن المعجزات، ولم يكن ما أتَوا به مِن الآياتِ مُخرِجًا لهم مِن العبوديَّة، مُثبِتًا لهم استحقاقَ الرُّبوبية، فكذلك عيسى، وكانت أمُّه صِدِّيقةً؛ أي: بَرَّةً تقيَّةً، صَدَقتْ في أعمالِها وأقوالِها وأحوالِها، وذلك لا يوجبُ لها أن تكون إلهًا. وقوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾؛ أي: كانا يحتاجان إلى ما يُقيمُهما مِن الغذاءِ، وكانا يَجوعانِ وَيشبعان، ويكونُ مِنهما ما يكونُ ممَّن يأكلُ الطَّعام، وهو كنايةٌ عن قضاءِ الحاجةِ، فآثارُ الحدوثِ فيهما ظاهرةٌ، وحاجتُهما إلى ما يقيمُهما ماسَّةٌ، وهذا ممَّا لا يَتهيَّأ للنَّصارى دفعُه، فكيف تصحُّ دَعواهم فيما يَدَّعون. وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: تَدبَّر وأبصر بعينِ قلبِك كيف نوضِحُ لهم الدلائل؟!

стр. 2609

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: كيف يُصرَفون عن الحقِّ؟! وهذا تَعجيبٌ مِن اللَّه في ذهابِهم عن الفرقِ بين الرَّبِّ والمربوب. * * * (٧٦) - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: إذا كان المسيحُ وأمُّه يَحتاجان إلى ما يُقيمُهما، لم يَملِكا لأحدٍ ضرًّا ولا نفعًا إلَّا بإذن مالكِهما، كسائر المربوبين، فكيف يعبدان؟! وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؛ أي: يَسمعُ مقالاتِ (١) النَّصارى، ويَعلمُ اعتقاداتِهم، فيُجازِيهم جزاء مثلهم، وهذا وعيد. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: تعليقُ القلبِ بدون الرَّبِّ في استدفاع الشَّرِّ واستجلابِ الخير: إمضاءُ الوقت بما لا يُجدِي، وإذهابُ العمرِ فيما لا يُغني؛ إذ المتفرِّدُ بالإيجادِ بريءٌ عن الأنداد (٢). * * * (٧٧) - ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾؛ الغلوُّ:

стр. 2610

مجاوزةُ الحدِّ إلى الازدياد، وضِدُّه التَّقصير، وهو النُّقصان عن بلوغ الحدِّ، وكلاهما فاسدٌ (١)، والحقُّ في الوقوفِ عند الحدِّ. وهذا نهيٌ لليَهود والنَّصارى عن مجاوزةِ الحدِّ في عيسى؛ فإنَّ اليهودَ جاوزوا الحدَّ فيه، حيث نَسبوهُ إلى غيرِ رِشْدَةٍ، والنَّصارى جاوزوا (٢) الحدَّ فيه، فاتَّخذوه إلهًا. وقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾؛ أي: بغير الحقِّ، وهو الباطل. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾؛ أي: أسلافَكم، ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: أحدَثوا هذه الأباطيلَ، فضلُّوا بها في أنفسِهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾؛ أي: مِن الناس بدعوتِهم إيَّاهم إليها. وقوله تعالى: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: ثَبتوا على (٣) ذلك الضَّلال. وقيل: الضَّلالُ الأوَّلُ هو في أصل المذهبِ عن طريقِ الحقِّ، والثاني: ضلالُهم في إضلالِ النَّاس، فإنَّه ضلالٌ، والرُّشدُ: هو الدَّعوةُ إلى الحقِّ دون الضَّلال، ولأنَّهم يُؤاخَذون بضلالِ غيرِهم؛ لأنَّهم هم الذين حملوهُم عليه، قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وقال: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. * * * (٧٨) - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.

стр. 2611

وقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قال ابن عباسٍ ﵄: لُعنوا في الزَّبورِ على لسان داود، وفي الإنجيلِ على لسان عيسى بن مريم (١). وقال الكلبيُّ ومجاهدٌ وقتادة: لُعِنوا على لسان داود، فصاروا قردةً، وهم أصحابُ السبت، ولعنوا على لسان عيسى فصاروا خنازير وهم أصحاب المائدة (٢). وإنَّما خصَّ داودَ وعيسى بالذِّكر؛ لأنَّ مَن قارب عهدَ موسى كانوا على الحقِّ، وإنَّما حدَثت هذه الضَّلالاتُ بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أي: ذلك اللَّعنُ والمسخُ لعصيانِهم أمرَ اللَّه، وعدوانِهم على خلقِ اللَّه. * * * (٧٩) - ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾؛ أي: كان لا يَنهى بغضُهم بعضًا عن الفعلِ القبيح الذي فَعلوه. وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ وهو كلمةُ ذمٍّ؛ أي: ما أسوأ تركَ الأمرِ بالمعروف والنَّهيِ عن المنكر. ورويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لمَّا وقعَ النَّقصُ مِن بني إسرائيل، جعلَ الرَّجلُ

стр. 2612

مِنهم يَرى أخاهُ على الذَّنْبِ، فيَنهاهُ عنه، ولا يَمنعُه ذلكَ مِن أن يكون أكيلَهُ وشريبَهُ وجليسَهُ، فضربَ اللَّهُ قلوبَ بعضِهم ببعضٍ، وأنزلَ فيهم القرآن: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى آخر الأربع آيات"، وكان رسولُ اللَّه ﷺ مُتَّكئًا، فاستوى قاعدًا (١)، ثمَّ قال: "كلَّا والذي نفسي بيدِه، حتَّى تأخذوا على يدي الظَّالم، فتأطروهُ على الحقِّ أطرًا" (٢)؛ أي: تَعطِفوه. * * * (٨٠) - ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ قيل: أي: مِن كلِّ أهلِ الكتاب، وقيل: مِن اليهودِ خاصَّةً، وهو أظهر. وقوله تعالى: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: عَبدةَ الأوثان، وهذا لليهودِ خاصَّةً، وكان منهم منافقون يتولَّونَ أصنافَ المشركين لتَذبذبِهم. وقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ أي: لبئس ما قدَّموا لأنفسِهم ذُخرًا لآخرتِهم. وقوله تعالى: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ "أن" مع الفعل مصدرٌ، ومحلُّه رفعٌ، تقديرُه: لبئس ما قَدَّمت لهم أنفسُهم سَخَطُ اللَّه، وهو كقولك: بئس رجلًا زيدٌ (٣).

стр. 2613

وقيل: هو نصب بفعلِ التَّقديم؛ أي: قدَّمَت لهم أنفسُهم سخطَ اللَّه. وقيل: حُذِفت منه اللام، وتقديرُه: لأنْ سخِطَ اللَّهُ عليهم. وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾؛ أي: في جهنَّم، وهو ما قدمت لهم أنفسُهم. * * * (٨١) - ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: ولو كان هؤلاء اليهودُ يؤمنون باللَّه، وبموسى، وما أنزل إليه، وهو التوراة، ما اتَّخذوا المشركين أولياء؛ لاختلاف أديانهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ أي: كثيرٌ منهم مع كفرِهم متمرِّدون، منهمِكُون في المعاصي. وقيل: معنى الآية: لو كان المنافقون يؤمنونَ باللَّه، وبمحمَّدٍ، وبما أنزل إليه؛ أي: القرآن، ما اتَّخذوا المشركين أولياء في السِّرِّ، وهم يدَّعون الإسلامَ في العلانية، ولكنَّ كثيرًا من المنافقين لا يُبالون بارتكابِ المعاصي. وقيل: ولو كان هؤلاء المشركون يؤمنون باللَّهِ، وبمحمَّدٍ، ما اتَّخذوا هؤلاء المنافقين مِن اليهود أولياء. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: شرُّ خصال اللِّئامِ مطابقةُ مَنْ يُضادُّ الصَّديقَ مِن الأنام، فإذا كان سَخَطُ اللَّه في موالاة أعدائِه، فرحمتُه في معاداةِ أعدائه (١).

стр. 2614

(٨٢) - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾؛ أي: قَسَمًا إنَّك يا محمَّدُ تَجِدُ اليهودَ أشدَّ النَّاسِ عداوةً للمؤمنين على الإيمان؛ لأنَّ الغالبَ على اليهود قساوةُ القلوب، والإفراطُ في الحسَد، حتَّى خرجوا بذلك إلى تكذيبِ الأنبياءِ وقتلِهم، وقد قال النبيُّ ﷺ : "ما خلا يهوديٌّ بمسلم إلَّا همَّ بقتله" (١)، وكذلك المشركون، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾، وهو تعجيبٌ مِن اليهود وبلوغِ تمرُّدِهم المبلغَ الذين ألِفوا البعداءَ، وتولَّوا الكفَّارَ أهلَ الأوثان، وبَعُدوا عن القُرباء إليهم، وهم النَّصارى، مع أنَّ الأصلَ أنَّ ذوي الأديان المختلفةِ يتَّحابون على الأديان، ويُعادونَ مَن لا يَرجِعُ إلى دينٍ، ألا ترى أنَّ المسلمين في ابتداء الإسلام كانوا يَتعصَّبون لأهلِ الكتاب من الرُّوم، والمشركون يَتعصَّبون للمجوس مِن فارس، إذ كان الرُّوم أهل كتابٍ، ولم يكن المجوسُ أهلَ كتابٍ كالمشركين، وكان يجبُ على هذا الأصل أنْ يكونَ أهلُ الكتابِ يَسمعون قولَ مُحمَّدٍ، ويَتديَّنون بما أمرَ به، وإنْ كان المشركون يُعرِضونَ عنه، فلمَّا وافقَ اليهودُ المشركين، عجَّب اللَّه المسلمين مِنهم. وقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ قيل: هو في عامَّة النَّصارى، ومعناه أنَّ الغالبَ مِن حال اليهود القساوةُ

стр. 2615

والإصرارُ على ما هم عليه؛ إشفاقًا مِن زوالِ الرِّئاسةِ والمأكلة (١)، فأيأسَ اللَّهُ المؤمنين من إيمانِهم والإجابةِ لدَعوتِهم، وكذلك المشركون فيهم الحسدُ والأَنَفَةُ وحَميَّةُ الجاهليَّةِ والنُّفوسُ الأبيَّة، فهم في الإجابة كاليهود، وحرَّضَهم على دعوة النَّصارى وبيَّن أنَّ الأغلبَ عليهم التَّرهُّبُ، ورفضُ الدُّنيا، وميلُهم إلى التَّخلِّي عنها، فقلوبُهم رقيقةٌ، وطبعُهم التَّواضُعُ، فالطمعُ في (٢) انقيادِهم للإسلامِ أقوى. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ قال ابنُ زيدٍ: القِسيسُ: العابدُ (٣)، وكذلك القَسُّ، وتَعارفوا إطلاقَه على رؤوسِ العُبَّاد مِنهم، والرُّهبان جمعُ راهب، وهو الخائفُ مِن اللَّه، وهو كالرُّكبان؛ جمع راكب، والفرسان؛ جمع فارس، وقد يُطلَقُ على الواحد، ويُجمَعُ: على: رهابين، كالقُربان والقرابين، قال الشَّاعر: لو عايَنَتْ رُهبانَ ديْرٍ في القُلَل... لانْحدَرَ الرُّهبان يَمشي ونَزَلْ (٤) وقيل: القَسُ والقِسِّيس، كالشَّرِّ والشِّرير (٥): العالمُ الواقفُ على الحقِّ، المُخبِرُ به النَّاس، من قولك: قسَّ الحديثَ؛ أي: نَشَرَهُ بين النَّاس، والرُّهبانُ أصحابُ الصَّوامع، فالأوَّلون أهلُ العِلم، والآخرون أهلُ العمل.

стр. 2616

وعن سلمان ﵁ أنَّه قال: قرأتُ على النبيِّ ﷺ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾، فقال: (ذلك بأنَّ منهم صديقين) (١). وقال قتادة: الآيةُ في حقِّ مَن آمنَ منهم دون الجميع، قال: وكان أناسٌ مِن أهل الكتاب على شريعةِ ما جاء به عيسى، يُؤمِنون به، ويَنتمون (٢) إليه، فلمَّا بعثَ اللَّهُ محمَّدًا صدَّقوهُ، وآمنوا به (٣)، وكذلك القصَّةُ تَدلُّ على أنَّها للمؤمنين مِنهم على الخُصوص. وقال مقاتلٌ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ متعبِّدين، ﴿وَرُهْبَانًا﴾ أصحاب الصَّوامع، ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان، نزلت الآيةُ في أربعين رجلًا من مُسلِمي أهلِ (٤) الإنجيل، منهم اثنان وثلاثون (٥) قَدِموا مِن أرض الحبشة مع جعفر، وثمانيةٌ مِن أهل الشَّام، منهم بَحيرى الرَّاهب، وأبرهة، وأشرف (٦)، وإدريس، وتمَّام، وقسيم، ودريد، وأيمن، والقِسِّيسون الذين حلَقوا أوساطَ رؤوسهم؛ فإنَّهم لمَّا سَمِعوا القرآن من النبيِّ ﷺ قالوا: ما أشبهَ هذا بالذي (٧) كنَّا نُحَدَّث مِن حديث عيسى،

стр. 2617

فبكوا، وصدَّقوا، فنزلَ فيهم قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ يعني: المهاجرين والأنصار (١). وقال سعيدُ بنُ جُبير: بعثَ النَّجاشيُّ وفدًا (٢) من أصحابِه، فقرأ عليهم رسولُ اللَّه ﷺ القرآن، فأقرُّوا وأسلموا، وفيهم نزلَ: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ثمَّ رجعوا إلى النَّجاشيِّ فأسلم (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا التأويلُ لا يصح؛ لأنَّه يَصيرُ حاصلُ الكلام أنَّ المؤمنَ أقربُ مودَّة للمؤمنين مِن الكفَّار، وذلك كلامٌ لا يُفيد معنًى (٤)، لكنَّه على كلِّ اليهود، وكلِّ (٥) النَّصارى، وقد مرَّ بيانُ حالِ كلِّ واحدٍ مِن الفريقين في الأصل. أو على أهل عصر النَّبيِّ ﷺ ، وكان يهودُ قريظةَ والنَّضير يُعلنون العداوةَ، ويُظاهِرون المشركين على قتال النَّبي ﷺ ، حتَّى قاتلَهم رسول اللَّه ﷺ وأجلاهم، ويهودُ المدينة بايعوا أهلَ مكَّة على قتال رسول اللَّه ﷺ ، ولم يذكر من النصارى شيء من ذلك، فلذلك كانوا كذلك. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان رسولُ اللَّه ﷺ بمكَّة، فخاف على أصحابِه مِن المشركين، فبعث جعفرَ بنَ أبي طالب، وعثمانَ بن مظعون، وابنَ مسعودٍ في رهْطٍ مِن أصحابِه إلى النَّجاشيِّ ملك الحبشة، فلمَّا بلغَ ذلك المشركين،

стр. 2618

بعثوا عمرَو بنَ العاص في رهْطٍ مِنهم، فسَبقوا إلى النَّجاشيِّ، وأتوهُ بهديَّةٍ مِن مكَّة، وقالوا له (١): إنَّه قد خرجَ فينا رجلٌ سَفَّه عقولَ قريش وأحلامَها، زعمَ أنَّه نبيٌّ، وإنَّه بعثَ إليك رهطًا ليُفسِدوا قومَك عليك، فأحْبَبنا أنْ نأتيَك ونُخبرَك من هم (٢)، فقال: إن جاؤوني نظرتُ فيما يَقولون. فقدمَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ ، فأتوا باب النَّجاشيَّ، فقالوا: يستأذِنُ عليك حزبُ اللَّه، فقال: ائذنوا لهم، فمرحبًا بحزب اللَّه، فلمَّا دخلوا عليه قال جعفر: السَّلامُ على مَن اتَّبعَ الهُدى، وخشي عواقبَ الرَّدى، فقال له رهْطُ المشركين: أيُّها الملِكُ، إنَّا قد صدَقناك، وإنَّهم لم يُحيُّوك بتحيَّةِ الملك، فقال لهم: ما منعَكم أنْ تُحيُّوني بتَحيَّتي، فقالوا: إنا قد حييناك بتحيَّةِ أهل الجنَّة وتحيَّةِ الملائكة، فقال لهم: ما يَقولُ صاحبُكم في عيسى وأمِّه، قالوا: إنَّه يَقولُ: عبدُ اللَّه، وكلمةٌ مِن اللَّه ألقاها إلى مريم، ويقولُ في مريمَ: إنَّها العذراءُ الطَّيِّبةُ البَتول، فأخذَ عُودًا مِن الأرض، فقال: ما زادَ عيسى وأمُّه على ما قال صاحِبُكم فوق هذا العود، فكرهَ المشركون قولَه، وتَغيَّرت وجوهُهم، ثمَّ قال لأصحابِ رسول اللَّه ﷺ : هل تَعرفون شيئًا ممَّا أُنزِل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرؤوا فقرؤوا (٣). وفي بعض الروايات: قرأ جعفرُ من أوَّل سورة طه إلى قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: ٩]، فانحدَرت دموعُهم ممَّا عرفوا من الحقِّ، فذلك قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ إلى قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، يعنون: محمدًا وأمته (٤).

стр. 2619

ورويَ أنَّ النَّجاشيَّ قال لهم: فهل في كتابِكم ذكرُ مريم؟ قالوا: إنَّ في كتابنا سورةً تُنسَبُ إلى مريم، قال: فاقرؤوها، فقرؤوا: ﴿كهيعص﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤]، فبكى النجاشيُّ، ثم قال: ما تقولون في إبراهيم؟ فقالوا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ فقال: صدقتُم، ما كانت اليهوديَّة والنَّصرانيَّةُ إلَّا بعد إبراهيم. وفي حديث أمِّ سلمة: أنَّ أهلَ مكة بَعثوا عمرَو بن العاص وعبدَ اللَّه بنَ أبي ربيعة مع هدايا لكلِّ البطارقة، ولمَّا قدِموا قالوا للنجاشي: إن فتيةً (١) منَّا سفهاءَ، فارقوا دينَ قومِهم، ولم يَدخلوا في دينِك، ودخلوا بلادَك، فرُدَّهم علينا (٢)، فغضب وقال: لا لعَمر اللَّه (٣)، لا أردُّهم إليهم حتَّى أدعوَهم فأكلِّمَهم (٤)، قومٌ لجؤوا إلى بلادي، واختاروا جِواري على جوارِ غيري؛ فإنْ كانوا كما يقولون، رددتُهم عليهم، وإن كانوا على غير ذلكَ منعتُهم، فدَعاهم، فلما دَخلوا عليه، تكلَّم جعفرٌ، فقال له النَّجاشيُّ: ما هذا الدِّينُ الذي أنتم عليه؟ فارقتُم دينَ قومِكم، ولم تَدخلوا في يهوديَّة ولا نصرانيَّةٍ، فما هذا الدِّين؟ قال جعفر: أيُّها الملِك، كنَّا قومًا على الشِّركِ، نعبدُ الأوثانَ، ونأكلُ الميتةَ، ونسيءُ الجوارَ، ونَستحِلُّ المحارِمَ مِن سفكِ الدِّماءِ وغيرِها، فبعثَ اللَّهُ تعالى إلينا نبيًّا مِن أنفُسنا، نَعرِفُ وفاءَه وصدقَهُ وأمانتَهُ، فدعانا إلى أن نعبدَ اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، ونَصِلَ الرَّحِم، ونُحسِنَ الجوارَ، ونُصلِّي للَّه، ونصومَ له، ولا نعبدَ غيرَه، قال: فهل معك شيءٌ ممَّا جاء به؟ وقد دعا أساقفَتَهُ، فأمرَهُم

стр. 2620

فنشروا المصاحفَ حولَه، فقال له جعفر: نعم، فقال: هلمَّ فاتْلُ عليَّ ما جاءَ به، فقرأ عليه صدرًا من ﴿كهيعص﴾، فبكى واللَّه النَّجاشيُّ حتَّى اخضلَّتْ لحيتُه، وبكى أساقفَتُه حتَّى أخْضَلوا مصاحفَهم، ثمَّ قال: إنَّ هذا الكلامَ ليَخرجُ مِن المشكاةِ التي جاء بها عيسى (١)، انْطلِقوا راشِدينَ، لا واللَّه، لا أردُّهم عليكم، ولا أنعمُكم عينًا، فخَرجوا من عنده. وكان أتقى الرَّجلين (٢) عبد اللَّه بن أبي ربيعة، فقال عمرو بن العاص: واللَّه لآتينَّهُ غدًا بما استأصِلُ به خضراءَهم، فلأُخبِرنَّه أنَّهم يَزعُمون أنَّ إلهه (٣) الذي يعبدُ عيسى بنَ مريم عبدٌ، فقال له عبد اللَّه بن أبي ربيعة: لا تفعل؛ لأنَّهم وإنْ كانوا خالَفونا فإنَّ لهم رَحِمًا، ولهم حقًّا، فقال: واللَّه لأفعلنَّ. فلمَّا كان الغدُ دخلَ عليه فقال: أيُّها الملك، إنَّهم يَقولون في عيسى قولًا عظيمًا، فأرسِلْ إليهم فسَلهُم عنه، فبعث إليهم، فدخلوا عليه وعنده بطارقتُه، فقال: ما تَقولون في عيسى بنِ مريم؟ فقال له جعفر: نقول: هو عبدُ اللَّه، ورسولُه، وكلمتُه، وروحُه ألقاها إلى مريم العذراء البَتول، فدلَّى النَّجاشيُّ يدَه إلى الأرض، فأخذ عويدًا بين أصبعيه، فقال: ما عدا عيسى بنُ مريم ما قلت هذا العويد (٤)، فتناخرَت بطارقتُه، فقال: وإن تَناخرتُم واللَّه، اذهبوا فأنتم آمنون في أرضي؛ مَن سَبَّكُم غَرِمَ، ثمَّ مَن سبَّكم غَرِمَ، ثمَّ مَن سبَّكم غَرِم، ما أحبُّ أنَّ لي ذهبًا [وأنِّي آذيتُ رجلًا منكم]،

стр. 2621

وواللَّه ما أخذَ اللَّهُ منَّي الرِّشوةَ حين (١) ردَّ عليَّ ملكي، فآخذَ الرِّشوةَ فيه، ولا أطاعَ النَّاسَ فيّ، فأطيعَ النَّاسَ فيه، رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجةَ لي بها، واخرجا من بلادي، فخرجا وقد ردَّ عليهما ما جاءا به. فأقمنا مع خير جارٍ، وفي خير دارٍ، فلم نَلبث أنْ خرجَ عليه رجلٌ مِن الحبشة يُنازِعُه في مُلكِه، فواللَّه ما علِمنا حَزنًا قطُّ كان أشدَّ منه؛ فَرقًا مِن أنْ يَظهرَ ذلك الملكُ عليه، فيأتيَ ملكٌ لا يَعرِفُ مِن حقِّنا ما كان يَعرِف، فجعَلنا نَدعو اللَّهَ تعالى، ونَستنصِرُه للنَّجاشيِّ، فخرجَ إليه سائرًا، فقال أصحابُ رسولِ اللَّه ﷺ : مَنْ رجلٌ يَخرُجُ فيَحضُرُ الوقعةَ حتَّى يَنظرَ على مَنْ تكون، فقال الزُّبير -وكان مِن أحدثِهم سنًا-: أنا، فنَفخوا له قِرْبةً، فجعلَها في صدرِه، ثمَّ خرجَ يَسبحُ عليها في النِّيل، حتَّى خرجَ مِن شِقِّه الآخرِ إلى حيث التقى النَّاس، فحضرَ الوقعةَ، فهزمَ اللَّهُ تعالى ذلك الملكَ، وقتلَهُ، وظهرَ النَّجاشيُّ عليه، فجاءنا الزُّبير، فقال: أبشِروا، فقد أظهرَ اللَّهُ النَّجاشيَّ، فواللَّه ما علمنا فرحنا (٢) بشيءٍ قطُّ فرحَنا بظهورِ النَّجاشيِّ، ثمَّ خرجَ مَن خرجَ راجعًا إلى مكَّة، وأقامَ من أقام (٣). وقالت عائشةُ ﵂ في قول النَّجاشيِّ: ما أخذَ اللَّهُ منِّي الرِّشوةَ: إنَّ والدَ النَّجاشيِّ كان له أخٌ، وله مِن ولدِه من صُلبِه اثني عشر رجلًا، ولم يكن لوالدِ النَّجاشيِّ ولدٌ غيرُ النَّجاشيِّ، فأدارت الحبشةُ رأيَها بينها، فقالوا: لو أنَّا قتلنا أبا

стр. 2622

النَّجاشيِّ، وملَّكْنا أخاهُ؛ فإن له اثنَي عشر رجلًا (١) مِن صُلبِه، [فيَتوارثوا المُلك، لبقيَتِ الحبشةُ عليهم دهرًا طويلًا] لا يكون بينها اختلاف، فعَدَوا عليه فقتلوه، وملَّكوا أخاه. فدخلَ النَّجاشيُّ على عمِّه، حتَّى غلبَ عليه، فلم يُدبِّر أمرَهُ غيرُه، وكان لبيبًا، فلمَّا رأت الحبشةُ مكانَهُ مِن عمِّه قالوا: لقد غلبَ هذا الغلامُ على عمِّه، فلا نأمنُ أنْ يُمَلِّكَهُ علينا، وقد عرفَ أنَّا قد قتلنا أباهُ، فإنْ فعلَ لم يَدَع منَّا شريفًا إلَّا قتلَهُ، فكلَّموهُ فيه، فقالوا: لنَقتُلنَّه، أو لنُخرِجنَّه مِن بلادِنا، فمشَوا إلى عمِّه، وقالوا: لقد رأينا مكانَ هذا الفتى مِنك، وقد عرفتَ أنَّا قتلنا أباهُ، وجعلناك مكانَه، وإنَّا لا نأمنُ أنْ تُملِّكَهُ علينا، فيقتلَنا، فإمَّا أنْ تَقتلَه، وإمَّا أنْ تُخرِجَهُ مِن بلادِنا، فقال: ويحكم! قتلتُم أباهُ بالأمس، وأقتلُه اليوم؟! بل أخرجوهُ مِن بلادِكم، فخَرجوا به، فوقفوه (٢) بالسُّوق، فباعوهُ مِن تاجرٍ مِن التُّجارِ يَقذِفُهُ في سفينةٍ (٣) بستِّ مئةِ درهم أو سبع (٤) مئة (٥)، فانطلَقَ به، فلمّا كانت العشيُّ هاجَتْ سحابةٌ مِن سحابِ الخريف، فخرجَ عمُّه يَتمطَّرُ تحتَها، فأصابَتهُ صاعِقةٌ فقتَلتهُ، ففَزِعوا إلى ولدِه، فإذا هم مُحمِقون، ليس في أحدٍ منهم خيرٌ، فمرِجَ (٦) على الحبشةِ أمرُهم، فقال بعضُهم لبعض: تَعلمون واللَّهِ أنَّ ملِككُم الذي لا يُصلِحُ أمرَكُم غيرُه للَّذي بعتموهُ، فإن كان لكم بأمرِ الحبشة حاجةٌ فأدركوهُ قبلَ أن يَذهبَ.

стр. 2623

فخَرجوا في طلبِه حتَّى أدركوه، فرَدُّوه، فعَقدوا عليه تاجَه، وأجلسوهُ على سريرِه، وملَّكوه، فقال التاجر: رُدُّوا عليَّ مالي كما أخذتُم منِّي غلامي، فقالوا: لا نُعطيكَ، فقال: إذًا واللَّه أكلِّمُه، فقالوا: وإنْ، فمَشى إليه فكلَّمَه (١)، فقال: أيُّها الملِكُ، إنِّي ابتعتُ غلامًا، وقبضَ منِّي الذين باعوهُ ثمنَه، ثمَّ عدوا على غلامي، فنَزعوهُ مِن يدي، ولم يَردُّوا عليَّ مالي، فكان أوَّلَ ما خُبِرَ (٢) مِن صلابةِ حكمِه (٣) وعدلِه أن قال: لتَرُدُنَّ عليه مالَهُ، أو لتَجعلنَّ يدَ غلامِه في يدِه، فليَذهبنَّ به حيث يشاء، فقالوا: بل نُعطيهِ مالَهُ، فأعطَوهُ إيَّاه، فلذلك قال: ما أخذَ اللَّهُ منِّي الرِّشوةَ فآخذَ الرِّشوةَ منه حين ردَّ عليَّ ملكي، وما أطاعَ الناسَ فيَّ فأطيعَهم فيه (٤). * * * (٨٣) - ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال إسماعيل بن عبد الرحمن (٥): بعثَ النَّجاشيُّ اثنَي عشر رجلًا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقرأ عليهم القرآنَ، فبكوا، وكان فيهم سبعةُ رهبانٍ وخمسةُ قسَّيسين، أو

стр. 2624

خمسةُ رهبانٍ وسبعةُ قِسِّيسين، ففيهم نزلَت هذه الآيةُ (١). وقوله: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ﴾ خطابٌ للنَّبيِّ ﷺ ، وقوله: ﴿تَفِيضُ﴾؛ أي: تَسيلُ، والدَّمعُ: ماءُ العين، والمدامِع: مجاري ماءِ العين، وقد رَوينا أنَّ هذا في النَّجاشيِّ وأصحابِه حيث (٢) سمعوا بالحبشة قراءةَ جعفرٍ فبكوا، فعلى هذا يكونُ قوله: ﴿تَرَى﴾ خطابًا لرسول اللَّه ﷺ ، على تقدير: لو أنَّك كنتَ معهم لرأيتَ ذلك، أو يكون ﴿تَرَى﴾ بمعنى: تعلمُ وتتيقَّنُ بذلك بإخبارِ اللَّه تعالى إيَّاك به. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ بكوا حين عرفوا الحقَّ لمعنيين؛ إمَّا فرحًا بنَيلِ الإيمان، وإمَّا خوفًا مِن اللَّهِ تعالى بتأخيرِ الإيمان إلى الآن. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾؛ أي: آمنَّا يا ربَّنا بك وبرسولِك وبكتابِك. وقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: اكتبنا مع محمَّدٍ وأمَّته؛ الذين جعلتَهُم يومَ القيامة شُهداءَ على النَّاس، نَشهدُ بمثل ما يَشهدون به يوم القيامة؛ أنَّه قد بلَّغَ وأنَّ الأنبياءَ قد بلَّغوا (٣). وقيل: أي (٤): شهِدنا بأنَّه الحقُّ، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ بهذه الشَّهادةِ؛ أي: ألحِقنا بهم، واجعلْ أسماءَنا في صحفِ ملائكتكَ مع أسمائِهم. * * *

стр. 2625

(٨٤) - ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. وقيل: معناه: ألحقنا بالأنبياءِ الذين يَشهدون عندكَ بإيمانِ مَن آمنَ بهم، وكفرِ مَن كفر بهم، ثمَّ أظهروا مِن أنفسِهم الاستبصارَ في دينهم، قطعًا لأطماعِ الكفَّار في رجوعِهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أي: وبما جاءَنا؛ أي: أيُّ عذرٍ لنا في تركِ الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: مع أنَّا نرجو أنْ يُدخِلَنا اللَّهُ جنَّته مع (١) الصَّالحين لذلك، وقيل: أي: الصَّالحين في أنفسِهم، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم أمَّةُ محمَّدٍ ﷺ في هذه الآية، وعلى هذا ذكر الجنَّةِ مضمَرٌ. وقيل: لا إضمار، ومعنى قوله: ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: يُدخِلَنا في جملتهم. * * * (٨٥) - ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: جزاؤهم بما قالوا من كلمةِ التَّوحيد، مع ما كان لهم مِن الاعتقاد، وذلك مذكورٌ في قوله: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، ولا مُتَعلَّق للكرَّامية بظاهرِ قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ في (٢) أنَّ الإيمانَ بمجرَّد القولِ، فقد قلنا: إنَّه كان مع المعرفة

стр. 2626

والاعتقاد، ويَدُلُّ عليه أنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، نفى الإيمان عنهم مع قولهم: ﴿آمَنَّا﴾؛ لعدم الاعتقادِ منهم. * * * (٨٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ هذا وعيدٌ للكافرين بعدما ذَكَرَ وعدَ المؤمنين. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هذا أثرُ الإعراضِ عن الأعداء، والأوَّلُ أثرُ الإقبالِ على الأولياء (١). * * * (٨٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال الكلبيُّ: إنَّ أبا بكرٍ وعمر، وعليًّا، والمقدادَ بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وأبا ذر الغفاريَّ، وعبدَ اللَّه بنَ مسعود، وعبدَ اللَّه بن عمر، وسلمانَ الفارسيَّ، وعمَّار بن ياسر، وجماعةً ﵃ أجمعين، اجتمعوا في دار عثمان بنِ مظعون الجمحي، فذكروا القيامةَ، فرَقُّوا وبكوا، وحرَّموا على أنفسِهم الطيَّبات (٢).

стр. 2627

وفي روايةِ ابن عباسٍ ﵄: همَّت طائفة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا: نَقطعُ مذاكيرنا، ونَتركُ شهواتِ الدُّنيا، ونَسيحُ في الأرضِ كما يَفعلُ الرُّهبان (١). وفي حديث عكرمة: تَبتَّلُوا وجَلسوا في بيوتِهم (٢)، واعتَزلوا النِّساءَ، ولَبِسوا المسوحَ، وحرَّموا طيِّباتِ الطَّعام واللِّباس، وهمُّوا بالخصاء، وأجمَعوا على قيامِ اللَّيل وصيام النهار (٣). فبلغ (٤) ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأتى عثمانَ في منزلِه، فلم يجدهم، فقال لامرأةِ عثمان -أم حكيم بنت أمية السُّلَميَّة-: "أحقٌّ ما بَلغني عن زوجكِ وأصحابِه"، قالت: ما هو؟ فأخبرَها به، فكَرِهت أنْ تَكذِبَ رسولَ اللَّه ﷺ حين سألَها، وكرهَتْ أن تُبديَ على زوجِها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إن كان أخبرك به عثمانُ فقد صَدَقك، فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "قولي لزوجِك وأصحابِه: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ يَقولُ لكم: إنِّي آكلُ وأشربُ، وآكلُ اللَّحمَ والدَسم، وأنامُ وأُصلِّي، وآتي النِّساءَ، وأصومُ وأُفطِر، فمَن رغبَ عن سُنَّتي فليس مني" (٥). وفي رواية: جاء عثمانُ وأصحابُه، فقرأ عليهم هذه الآية، وقال: "إنَّ لأنفسِكم عليكم حقًّا، ولأهاليكم (٦) عليكم حقًا؛ فصوموا وأفطروا، وقوموا وارقدوا"، ثمَّ

стр. 2628

جمعَ النَّاس وخطبَهم وقال: "ما بالُ أقوامٍ حرَّموا النِّساء، والطِّيب، والطَّعام، والنَّوم، وشهواتِ الدُّنيا، أمَا إنِّي لست آمرُكم أنْ تكونوا رهبانًا وقسِّيسين، وليس في ديني تركُ اللَّحمِ والنِّساء، ولا اتِّخاذُ الصَّوامعِ، وإنَّ سياحةَ أمَّتي الصَّومُ، ورهبانيتَهم الجهادُ، اعبدوا اللَّهَ، ولا تُشرِكوا به شيئًا، وحُجُّوا واعتَمِروا، وأقيموا الصَّلاةَ، وآتوا الزَّكاةَ، وصوموا رمضان، واستقيموا، ولا تُشَدِّدوا على أنفسِكم؛ فإنَّما هلكَ مَن كان قبلَكم بالتَّشديد؛ شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّد اللَّهُ عليهم" (١). وقيل: لمَّا نزلَ ذِكرُ الرُّهبان والقِسِّيسين، ومَن صفتُهم التَّبتُّل وتركُ الشَّهوات، أحبُّوا أن يَقتدوا بهم، فنزلت الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: لا تَجاوزوا حدَّ الشَّرع؛ فإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن اعتدى حدودَه ونقضَ عهودَه. وقيل: الآيةُ نزلَت في النَّهي عمَّا كان عليه بعضُ العرب مِن تحريم (٢) البحيرة والسَّائبةِ والوصيلةِ والحامي وبعضِ الزُّروع. * * * (٨٨) - ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: اتَّقوا مخالفةَ أمرِه ونهيِه.

стр. 2629

وفيه دليلٌ أنَّ الإيمانَ لا يَزولُ بزوال التَّقوى، فقد أثبتَهُ اللَّه مع ذلك. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: من أمارات السَّعادةِ الوقوفُ على حدِّ الأمرِ؛ إن أباحَ الحقُّ شيئًا، قَبِلَ ذلك، وإنْ حظرَ وقفَ، ثمَّ أكلُ الحلالِ الطَّيِّبِ أنْ يَأكلَ ما يأكلُ على شهودِه؛ فإن نزلَت الحالةُ عن هذا، فعلى ذِكْرِه، فأمَّا الأكلُ على الغفلةِ، فليس بطيِّبٍ عند أهلِ الحقيقة (١). * * * (٨٩) - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ولمَّا نزلت الآيةُ في حقِّ عثمانَ بنِ مظعون وأصحابِه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقد كانوا حلفوا؛ لا يَتنعَّمون، ولا يأتون الأهالي (٢)، ولا يَلبَسون اللَّيِّن مِن الثياب ونحو ذلك، قالوا: يا رسولَ اللَّه، كيف بأيمانِنا التي حلفنا عليها؟ فنزلَت هذه الآية (٣). ووجهُ آخرُ للانتظام: أنَّ السُّورة في الوفاءِ بالعقود، والأيمانُ مِن العقود، واللَّغوُ اختُلِفَ فيه، وقد تكلَّمنا فيه في سورة البقرة (٤).

стр. 2630

وقيل: المرادُ هاهنا إلغاءُ تلك الأيمانِ بالحنث (١) فيها، عملًا بقول النبيِّ ﷺ : "من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ (٢) ثم ليكفر يمينه" (٣)، فأخبرَ بهذه الآيةِ أنَّهم إذا ألغَوها، وحنَثوا فيها، لم يُؤاخذوا بالإثمِ، وعليهم الكفارة. وقالت عائشةُ ﵂: اللَّغو: هو ما يَجري في كلام الناس: لا واللَّه، وبلى واللَّه (٤)، ولا كفارةَ فيه. وبه أخذ الشافعيُّ ﵀ (٥). وقال أبو هريرة وابنُ عبَّاس ويحيى بنُ سعيد الأنصاري ومكحولٌ وجماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين رضوان اللَّه عليهم أجمعين: هو أنْ يَحلف على الشَّيء يَراهُ من بعيد، فيَظنُّ أنَّه كذا، فيقول: واللَّه إنَّه كذا، فإذا هو خلافه (٦)، فلا مؤاخذةَ في هذا بإثمٍ ولا كفارةٍ، وبه أخذ أصحابُنا ﵏ (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ قرأ ابنُ كثير، ونافعٌ، وأبو عمرو، وعاصمٌ في رواية حفص؛ بالتَّشديد: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾. وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (٨)، وعاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد (٩) بالتخفيف.
следующие страницы →