← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

والاعتقاد، ويَدُلُّ عليه أنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، نفى الإيمان عنهم مع قولهم: ﴿آمَنَّا﴾؛ لعدم الاعتقادِ منهم. * * * (٨٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ هذا وعيدٌ للكافرين بعدما ذَكَرَ وعدَ المؤمنين. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: هذا أثرُ الإعراضِ عن الأعداء، والأوَّلُ أثرُ الإقبالِ على الأولياء (١). * * * (٨٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال الكلبيُّ: إنَّ أبا بكرٍ وعمر، وعليًّا، والمقدادَ بن الأسود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وأبا ذر الغفاريَّ، وعبدَ اللَّه بنَ مسعود، وعبدَ اللَّه بن عمر، وسلمانَ الفارسيَّ، وعمَّار بن ياسر، وجماعةً ﵃ أجمعين، اجتمعوا في دار عثمان بنِ مظعون الجمحي، فذكروا القيامةَ، فرَقُّوا وبكوا، وحرَّموا على أنفسِهم الطيَّبات (٢).

стр. 2627

وفي روايةِ ابن عباسٍ ﵄: همَّت طائفة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ فقالوا: نَقطعُ مذاكيرنا، ونَتركُ شهواتِ الدُّنيا، ونَسيحُ في الأرضِ كما يَفعلُ الرُّهبان (١). وفي حديث عكرمة: تَبتَّلُوا وجَلسوا في بيوتِهم (٢)، واعتَزلوا النِّساءَ، ولَبِسوا المسوحَ، وحرَّموا طيِّباتِ الطَّعام واللِّباس، وهمُّوا بالخصاء، وأجمَعوا على قيامِ اللَّيل وصيام النهار (٣). فبلغ (٤) ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأتى عثمانَ في منزلِه، فلم يجدهم، فقال لامرأةِ عثمان -أم حكيم بنت أمية السُّلَميَّة-: "أحقٌّ ما بَلغني عن زوجكِ وأصحابِه"، قالت: ما هو؟ فأخبرَها به، فكَرِهت أنْ تَكذِبَ رسولَ اللَّه ﷺ حين سألَها، وكرهَتْ أن تُبديَ على زوجِها، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إن كان أخبرك به عثمانُ فقد صَدَقك، فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "قولي لزوجِك وأصحابِه: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ يَقولُ لكم: إنِّي آكلُ وأشربُ، وآكلُ اللَّحمَ والدَسم، وأنامُ وأُصلِّي، وآتي النِّساءَ، وأصومُ وأُفطِر، فمَن رغبَ عن سُنَّتي فليس مني" (٥). وفي رواية: جاء عثمانُ وأصحابُه، فقرأ عليهم هذه الآية، وقال: "إنَّ لأنفسِكم عليكم حقًّا، ولأهاليكم (٦) عليكم حقًا؛ فصوموا وأفطروا، وقوموا وارقدوا"، ثمَّ

стр. 2628

جمعَ النَّاس وخطبَهم وقال: "ما بالُ أقوامٍ حرَّموا النِّساء، والطِّيب، والطَّعام، والنَّوم، وشهواتِ الدُّنيا، أمَا إنِّي لست آمرُكم أنْ تكونوا رهبانًا وقسِّيسين، وليس في ديني تركُ اللَّحمِ والنِّساء، ولا اتِّخاذُ الصَّوامعِ، وإنَّ سياحةَ أمَّتي الصَّومُ، ورهبانيتَهم الجهادُ، اعبدوا اللَّهَ، ولا تُشرِكوا به شيئًا، وحُجُّوا واعتَمِروا، وأقيموا الصَّلاةَ، وآتوا الزَّكاةَ، وصوموا رمضان، واستقيموا، ولا تُشَدِّدوا على أنفسِكم؛ فإنَّما هلكَ مَن كان قبلَكم بالتَّشديد؛ شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّد اللَّهُ عليهم" (١). وقيل: لمَّا نزلَ ذِكرُ الرُّهبان والقِسِّيسين، ومَن صفتُهم التَّبتُّل وتركُ الشَّهوات، أحبُّوا أن يَقتدوا بهم، فنزلت الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: لا تَجاوزوا حدَّ الشَّرع؛ فإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن اعتدى حدودَه ونقضَ عهودَه. وقيل: الآيةُ نزلَت في النَّهي عمَّا كان عليه بعضُ العرب مِن تحريم (٢) البحيرة والسَّائبةِ والوصيلةِ والحامي وبعضِ الزُّروع. * * * (٨٨) - ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: اتَّقوا مخالفةَ أمرِه ونهيِه.

стр. 2629

وفيه دليلٌ أنَّ الإيمانَ لا يَزولُ بزوال التَّقوى، فقد أثبتَهُ اللَّه مع ذلك. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: من أمارات السَّعادةِ الوقوفُ على حدِّ الأمرِ؛ إن أباحَ الحقُّ شيئًا، قَبِلَ ذلك، وإنْ حظرَ وقفَ، ثمَّ أكلُ الحلالِ الطَّيِّبِ أنْ يَأكلَ ما يأكلُ على شهودِه؛ فإن نزلَت الحالةُ عن هذا، فعلى ذِكْرِه، فأمَّا الأكلُ على الغفلةِ، فليس بطيِّبٍ عند أهلِ الحقيقة (١). * * * (٨٩) - ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ ولمَّا نزلت الآيةُ في حقِّ عثمانَ بنِ مظعون وأصحابِه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وقد كانوا حلفوا؛ لا يَتنعَّمون، ولا يأتون الأهالي (٢)، ولا يَلبَسون اللَّيِّن مِن الثياب ونحو ذلك، قالوا: يا رسولَ اللَّه، كيف بأيمانِنا التي حلفنا عليها؟ فنزلَت هذه الآية (٣). ووجهُ آخرُ للانتظام: أنَّ السُّورة في الوفاءِ بالعقود، والأيمانُ مِن العقود، واللَّغوُ اختُلِفَ فيه، وقد تكلَّمنا فيه في سورة البقرة (٤).

стр. 2630

وقيل: المرادُ هاهنا إلغاءُ تلك الأيمانِ بالحنث (١) فيها، عملًا بقول النبيِّ ﷺ : "من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خيرٌ (٢) ثم ليكفر يمينه" (٣)، فأخبرَ بهذه الآيةِ أنَّهم إذا ألغَوها، وحنَثوا فيها، لم يُؤاخذوا بالإثمِ، وعليهم الكفارة. وقالت عائشةُ ﵂: اللَّغو: هو ما يَجري في كلام الناس: لا واللَّه، وبلى واللَّه (٤)، ولا كفارةَ فيه. وبه أخذ الشافعيُّ ﵀ (٥). وقال أبو هريرة وابنُ عبَّاس ويحيى بنُ سعيد الأنصاري ومكحولٌ وجماعةٌ من الصَّحابة والتَّابعين رضوان اللَّه عليهم أجمعين: هو أنْ يَحلف على الشَّيء يَراهُ من بعيد، فيَظنُّ أنَّه كذا، فيقول: واللَّه إنَّه كذا، فإذا هو خلافه (٦)، فلا مؤاخذةَ في هذا بإثمٍ ولا كفارةٍ، وبه أخذ أصحابُنا ﵏ (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ قرأ ابنُ كثير، ونافعٌ، وأبو عمرو، وعاصمٌ في رواية حفص؛ بالتَّشديد: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾. وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (٨)، وعاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد (٩) بالتخفيف.

стр. 2631

وقرأ ابنُ عامر في رواية ابن ذكوان (١): ﴿عاقدتم﴾ بالألف (٢). و"ما" مع الفعل مصدرٌ، وتقديره: بعقدِكمُ الأيمان، وهو اليمينُ على أمرٍ في المستقبل، نفيًا أو إثباتًا: ليفعلنَّ كذا، أو لا يفعلُ كذا؛ لأنَّ العقدَ ضِدُّ الحَلِّ، واليمينُ في المستقبل هي التي تَقبلُ الحلَّ، فهي التي يَتحقَّقُ فيها العقدُ. وعلى هذا: لا كفارةَ في اليمينِ الغموس عندنا، وهي اليمينُ الكاذبة في الماضي؛ لأنَّها غير معقودة (٣)، وعند الشافعيِّ ﵀: العقدُ: هو القَصدُ بالقلبِ، واليمينُ الغَموس مقصودةٌ بالقلب، فكانت معقودةً، فكانت الكفَّارة فيها مشروعةً (٤). وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ الهاءُ كنايةٌ عن قوله: "ما" في قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ هو أنْ يُغَدِّيَهم ويعشِّيهم، ويجوزُ أنْ يُعطيَهُم بطريقِ التَّمليك، وهو لكلِّ واحدٍ منهم نصفُ صاعٍ مِن حنطة، أو صاعٌ مِن شعيرٍ (٥)، أو صاعٌ من تمر، وعند الشافعيِّ ﵀: مدٌّ مِن حنطة (٦). وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ هم مَن في عياله مِن الزَّوجةِ والأولاد والخَدَم، والأوسَطُ: بين الجيِّد والرَّديء، وبين الإسرافِ والتَّقتير، وبين

стр. 2632

المرَّة والثلاث؛ يعني: المرتين، والأوسَطُ: الأعدل، قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ [القلم: ٢٨]؛ أي: أعدلُهم، وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: عدولًا. وقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ هو مصدرٌ، ومعناها الإلباس، و ﴿أَوْ﴾ للتَّخيير، وكذلك قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فيختار أيَّ الثلاثةِ شاء؛ مِن إطعامِ عشرةِ مساكين، أو إلباسُ عشرة مساكين كلَّ واحدٍ كسوةً تامَّةً، يجوز له فيها الصَّلاةُ، مِن إزارٍ ورداءٍ، أو قميصٍ وسراويل، وللمرأة ذلك مع خمار، أو اعتاقُ رقبةٍ كاملةٍ ليس بها نقصانُ عمى، أو قطعِ يدين أو رجلين ونحوهما، صغيرةً كانت أو كبيرةً، مسلمةً كانت أو كافرة. وعند الشافعيِّ ﵀: لا يجوزُ إلَّا المؤمنة (١)؛ استدلالًا بالرَّقَبةِ في قتل (٢) الخطأ، وعندنا: هذا مطلقٌ، فيَجري على إطلاقه (٣). والمراد من الرَّقبة تمامُ البدن، ولكنَّ التَّحريرَ في معنى فكِّ الأسيرِ المغلولِ العنقِ، فلذلك ذكرَ الرَّقبة. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي: فمَن لم يَجِد أحدَ هذه الأشياء، فكفَّارتُه صيامُ ثلاثةِ أيَّام، وهي مطلقةٌ عند الشَّافعيِّ ﵀؛ إنْ شاءَ تابعَها، وإنْ شاءَ فرَّقَها؛ لإطلاق النَّص، وهي عندنا متتابعةٌ؛ لقراءة عبد اللَّه بن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (٤)، وقراءَتُه بمنزلةِ روايتِه عن النبيِّ ﷺ ، فقيَّدنا به المطلقَ. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾؛ أي: ذلك المذكور.

стр. 2633

وقوله تعالى: ﴿إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ وأضمر فيه: وحنثتم، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أضمر فيه: فأفطر، وأجمعوا أنَّه لا يَجِبُ التَّكفيرُ بنفس اليمين ما لم يَحنَث فيها، واختلفوا في جوازه، فأجازه الشافعيُّ بالمال (١)، وأصحابُنا لم يجيزوا ذلك لا بالمال ولا بالصوم. وقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قيل: أي: فلا تنسوها. وقيل: أي: فلا تَحْنَثوا فيها. وقيل: أي: فأقِلُّوا منها، واحفظوا أنفسَكم عنها، قال كثير عزة: قليلُ الألايا حافِظٌ ليَمينه... وإن بدرت منه الأليَّةُ برَّتِ (٢) وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: كما بيَّنَ حكمَ اليمين، بيَّن سائرِ الأحكام؛ لتَشكروا نعمَهُ ببيانِ ما بكم إليه حاجةٌ. وقيل: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ رفعِ الإثم بيمين اللَّغو، وكان الأوَّلون مأخوذين بها، وكذلك شرَعَ لكم التَّحليل بالكفَّارةِ في اليمين على ما يكونُ الخيرُ في غيرِه، وكذلك رفعَ إثمَ الحنثِ بالكفَّارة، ولم يكن ذلك للأوَّلين. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: اللَّغوُ عند أهل المعرفةِ: ما يَجري على ألسنتِهم في حال غلباتِ الوجد، مِن تجديد العهدِ، وتأكيدِ العقد، فيقول: وحقِّك، لا نظرتُ إلى سواك، ولا قلتُ بغيرِك، ولا حُلْتُ عن عهدِك، وهذا كلُّه عندَهم لغوٌ،

стр. 2634

وعن (١) شهودِ الأحدِيَّةِ سهوٌ، ومَن أنت في الرِّفعَة حتَّى تعدمن (٢) نفسَك؟ وأين في الدِّيار ديَّار حتَّى تَقولَ بتركِه ووصله (٣) أو هجره، كلَّا، بل هو اللَّه الواحدُ القهَّار. وكما أنَّ الكفَّارة الشَّرعيَّةَ؛ إمَّا عتقٌ، وإمَّا إطعامٌ وإمَّا كسوةٌ؛ فإنْ لم تَستطِع فصيامُ ثلاثةِ أيَّام؛ فكفَّارتهم على موجبِ الإشارةِ؛ إمَّا بذلُ الرُّوح بحكمِ الوَجْدِ، أو بذلُ القلبِ بصحَّةِ القصدِ، أو بذلُ النَّفسِ بدوامِ الجهدِ؛ فإنْ عجزتَ فإمساكٌ وصيامٌ عن المناهي والآثام (٤). * * * (٩٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ذكرَ أوَّلًا النَّهيَ عن تحريمِ الطيِّبات، ثمَّ نَهى في هذه الآية عن تناول غيرِ الطيِّبات (٥)، ومنها الخمرُ، وقد ذكرنا تفسيرَها ومأخذَها والاختلافَ فيها في سورة البقرة (٦). وقال سعد بن أبي وقاص: نزلت فيَّ أربع آيات: إحداها: أنِّي وجدتُ سيفًا يوم بدرٍ، فأخذتُه وأتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ وقلتُ: نفِّلنيهِ

стр. 2635

يا رسول اللَّه، فقال: "ضعهُ حيث وجدتَه"، فأعدتُ السُّؤال، حتَّى فَعلتُ ذلك ثلاثًا، فنزل قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]. والثانية: كنت مريضًا، فعادَني رسولُ اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسولَ اللَّه، أأوصي بجميع مالي؟ فقال: "لا"، فقلت: أأوصي بثلُثَي مالي؟ فقال: "لا"، فقلت: أأوصي بثلُثِ مالي؟ فسكتَ، فنزلَ قولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وهو الثُّلث. والثالثة: قالتُ أمِّي: أليسَ قد أمرَ اللَّهُ تعالى ببِرِّ الوالدين، فواللَّه لا أَطعمُ طعامًا، ولا أشربُ شرابًا حتَّى أموتَ أو تكفر، فكنَّا إذا أردنا أن نُطعِمها أو نسقيها، شَجَرنا (١) فاها بعصا، فأوجَرناها الطَّعامَ والشَّراب، فنزلت الآية قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ الآية (٢) [لقمان: ١٤]. والرابعة: صنع رجلٌ مِن الأنصارِ طعامًا، فدعانا، فأتيناهُ فأكلناهُ، وشربنا الخمرَ حتَّى سَكِرنا، وأخذنا في الحديثِ، وتفاخرنا بالأحساب، فقالت الأنصارُ: نحن أفضلُ منكم، وقالت قريشٌ: نحن أفضلُ منكم، فأخذ رجلٌ مِن الأنصار بلَحْيِ جزورٍ، فضربَ أنفي ففَزَرَهُ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٣). وقد ذكرنا ترتيبَ نزولِ آياتِ الخمرِ في سورة البقرة (٤).

стр. 2636

وقال أنس ﵁: كنت مع جماعةٍ؛ منهم أبو عبيدة بنُ الجرَّاح، وأبيُّ بنُ كعب، وسهيلُ بن بيضاء (١)، وأبو دجانة، وغيرهم، في دار أبي طلحةَ الأنصاريِّ ﵃، وكنت أنا ساقيهم، وهم يَشربون الخمرَ، فمرَّ علينا رجلٌ، فقال: إنَّ الخمر قد حُرِّمت، فواللَّه ما توقَّفوا (٢) حتَّى قالوا: أهْرِق ما في إنائكَ يا أنس، فأهرقتُه، ثمَّ ما عادوا فيها حتَّى لقوا اللَّه (٣). ولمَّا نَزلت الآيةُ، وفي آخرها: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، قالوا: قد انتهينا، فقال النبيُّ ﷺ عند ذلك: "أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ قد حرَّمَ الخمرَ، فمَن كان عنده منها شيءٌ فلا يَبعْها ولا يَشربْها" (٤). وقال أنس ﵁: فأراقوها حتى كانت أنهار المدينة تجري بالخمر (٥). وقال أنس ﵁: قَدِمَت لحمزة روايا خمرٍ مِن الشَّام، فقيل له: أشعرتَ أنَّ اللَّهَ تعالى أنزلَ تحريمَ الخمرِ، قال: سمعًا وطاعةً، فقال النَّبيُّ ﷺ لأصحابه: "قوموا"، فقام أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ ﵃، فدخلوا على حمزةَ، ومع رسول اللَّه ﷺ عَنَزَةٌ (٦)، فقال النبيُّ ﷺ : "يا حمزةُ، أين الرَّوايا؟ " قال: هذه يا رسولَ اللَّه، قال: "خلِّني حتَّى أشقَّها"، قال حمزة: لا تَشقَّها، ودَعني أردها إلى الشَّام، فقال:

стр. 2637

"لا، إنَّ اللَّهَ تعالى لعنَ حاملَ الخمرِ، وغارِسَها لا يَغرِسُها إلَّا للخمرِ، ولعنَ مُجتَنيها، وحاملَها إلى المعصرةِ، وعاصرَها، وشاربَها، وبائعَها، ومديرَها، وآكلَ ثمنِها" (١). وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾؛ أي: القِمار، وأصلُه الجَزور، وقد يَسَرَ الجزورَ (٢)؛ أي: جزَّأَهُ أجزاءً، ثمَّ يُقالُ للضَّاربين بالقِداح والمتقامرين على الجزور: ياسرون؛ لأنَّهم جازرون، ثمَّ يُقال للنرد: ميسِر؛ على التَّشبيه، أو لأنَّه قمارٌ كذلك. وقال ابنُ عباس ﵄: الميسرُ: القِمارُ كلُّه، حتَّى لعبُ الصِّبيانِ بالجوزِ والكِعاب (٣). وفي "التأويلات": قال النَّبيُّ ﷺ : "اجتنبوا هذا الكِعابَ (٤) الموسومةَ التي يُزجَرُ بها زَجْرًا؛ فإنَّها مِن الميسِر" (٥).

стр. 2638

وقال النَّبيُّ ﷺ : "مَن لعبَ بالنَّرد فقد عصى اللَّهَ ورسولَه" (١). وقال عليٌّ ﵁: لأنْ آخذَ جمرتَين مِن نارٍ، فأقلبَهما في يدي؛ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أقَلِّبَ كَعبتين (٢). وقال عليٌّ ﵁: الشَّطرنجُ مَيسِرُ الأعاجم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾؛ أي: الأصنام؛ لأنَّها كانت تُنصَبُ، فتُعبَدُ مِن دونِ اللَّه، وقد بيَّنَّا أصلَه في أوَّل هذه السُّورة (٤). وقولُه تعالى: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ جمع زلَم، وزلم بضمِّ الزَّاي وفتحِها. قال صاحب "الغريبين": هي قِداحٌ كانت زُلِمَتْ؛ أي: سُوِّيَت، وأُخِذَ من حُروفِها، وكانت لقريشٍ وغيرِها، مكتوبٌ عليها الأمْرُ والنَّهيُ، وكانت تُجعَلُ في وعاءٍ، فإذا أرادَ الرَّجلُ سفرًا أو حاجةً، أدخلَ يدَهُ، فأخرجَ منها زلمًا؛ فإنْ خرج الآمِرُ مضى لطِيَّتِه (٥)، وإن خرجَ النَّاهي كفَّ وانصرف (٦).

стр. 2639

وقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: نَجَسٌ. وقيل: أي: مستقذَرٌ، ووحّدَ، وهو صفةُ الجمعِ؛ لأنَّه على صيغةِ المصدر. وقيل: أي: قبيحٌ. وقيل: أي: إثم. وقيل: أي سببُ عذابٍ، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، قيل: هو اللَّعنةُ في الدُّنيا، والعذابُ في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: مما (١) يزيِّنُه ويُحسِّنُه، مع قبحِ عاقبتِه، كما قال في قصة موسى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥]، يقول: هذه الأشياءُ ﴿رِجْسٌ﴾؛ أي: ممَّا ينبغي أن يُستقذَرَ ويُجتَنبَ، وهو ممَّا يَدعو إليه الشَّيطانُ ويُحسِّنُه في الحال، ويُخفي قبحَه في المآل. وقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾؛ أي: كونوا مِن هذا الرِّجسِ بجانب، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: على الرَّجاءِ للفوز والفلاح. * * * (٩١) - ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ فـ ﴿الْعَدَاوَةَ﴾: ما يُفضي إلى التَّعدِّي بالفعل، و ﴿وَالْبَغْضَاءَ﴾: ما يَتمكَّن (٢) مِن البُغض في القلبِ. وقوله تعال: ﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾؛ أي: في استعمالِهما.

стр. 2640

وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: يَمنعَكُم عن ذلك، فمِن إيقاع العداوةِ والبغضاء ما رَوينا في حديث سعد بن أبي وقَّاص وضَرْبِ الأنصاريِّ أنفَه (١). ورويَ أنَّ قبيلتين مِن الأنصارِ شَرِبوا حتَّى ثَمِلوا، فعبثَ بعضُهم ببعضٍ، فلمَّا أفاقوا رأوا الآثارَ في وجوهِهم ولحاهُم، فقال بعضُهم: لو لم يَكن لفلانٍ عليَّ ضغنٌ، لما فعل بي هذا، وقال آخرون: مثلَ ذلك، حتى كادَ يَهيجُ بينهم هَيْجٌ، فنَزلت الآيةُ (٢). وقال قتادة: كان الرَّجلُ في الجاهليَّةِ يُقامر على أهلِه وماله، فيبقى حزينًا (٣) سليبًا، يَنظرُ إلى مالِهِ في يد غيرِه، فكان يَقعُ بينهم عداوةٌ وبغضاءُ، فنزلَتِ الآيةُ في ذلك (٤). وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: انتهوا، دلَّتِ الآية على تحريم الخمرِ قطعًا من عشرة أوجه: أحدُها: أنَّه قرنَها بالميسِر، وذاك حرامٌ، فكذا ما قرنَ به. والثَّاني: أنَّه قرنَها بالأنْصابِ، وهي كذلك. والثَّالث: أنَّه قرنَها بالأزلام، وهي كذلك.

стр. 2641

والرَّابع: أنَّه قال: ﴿رِجْسٌ﴾. والخامس: أنَّه قال: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. والسَّادس: أنَّه قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أمرٌ به وهو للإيجاب. والسَّابع: أنَّه وعدَ الفلاحَ على ذلك، وإنَّما يُدرَكُ الفلاحُ باجتناب الحرام. والثَّامن: أنَّه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ وما يُؤدِّي إلى ذلك فهو حرامٌ. والتَّاسع: أنَّه يَصُدُّ عن ذكرِ اللَّه تعالى وعن الصَّلاة، وذلك حرامٌ. والعاشر: أنَّه أمرَ بالانتهاء عن ذلك، وإنَّما يَجبُ الانتهاءُ عمَّا هو حرامٌ، ونظيرُ قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (١) [الأنبياء: ٨٠]، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: الخمرُ حرامٌ؛ لأنَّها تُزيلُ العقلَ، وتُورِدُ السُّكْرَ، ومَنْ سَكِرَ مِن خمرِ الغفلةِ فسُكرُه أصعبُ مِن سُكْرِ مَن شَرِبَ الخمرَ، وشربُ الخمرِ يُوجِبُ الحدَّ، وخمرُ الغفلةِ يُوجِبُ البُعدَ، ومَن سَكِرَ مِن الخمرِ فهو ممنوعٌ عن الصَّلاة، ومن سَكِرَ مِن الغفلةِ فهو محرومٌ عن الصِّلَات، وكما أنَّ السَّكرانَ لا يُقامُ عليه الحدُّ ما لم يفق، فالغافلُ لا يَنجعُ فيه الوَعْظُ ما لم يَنتبِه، وكما أنَّ الخمرَ سببُ كلِّ صغرٍ وذِلَّةٍ، فالغَفلةُ سببُ كلِّ بُعد وحَجْبةٍ (٢). * * *

стр. 2642

(٩٢) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ أي: في تحريمِ الخَمْرِ والميسرِ ونحوِهما (١)، ولا تُطيعوا الشَّيطانَ في شيءٍ. وقوله تعالى: ﴿وَاحْذَرُوا﴾؛ أي: عقابَهُ في مخالفتِه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كلَّما كان العبدُ أعْرَفَ بربَّه، كان أخْوَفَ مِن ربِّه، وإنَّما يَنتفي الحذرُ عن العبدِ عند تَحقُّقِ الوعدِ بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وذلك عند دخولِ الجنَّةِ (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: قال: فإنْ أعرضتُم فقد قامَت عليكم الحُجَّةُ بإبلاع الرَّسولِ ذلك، وبَرئ الرَّسولُ عمَّا كان عليه، ولا يَملِكُ هو مِن أمرِكم (٣) إلَّا التبليغُ الظَّاهر، ثمَّ الحكمُ للَّه في إثابة المطيعين ومعاقبة العاصين، فاحذَروا نزولَ عِقابه، وحلولَ عذابِه، وهو أبلغُ وعيدٍ وتهديد. * * * (٩٣) - ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾؛ أي: ذاقوا مِن الخمر، كما في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩].

стр. 2643

قال مقاتل: لمَّا نَزلَت الآيةُ في تحريمِ الخمر، قال حُيَيُّ بنُ أخطب: فما حالُ مَن ماتَ مِنكم وهم يَشربونها، فذكر المسلمون ذلك لرسولِ اللَّه ﷺ ، وقالوا: إخواننا ماتوا وقتلوا وهم يشربونَها، فأنزل اللَّهُ هذه الآية (١). وقال ابنُ كيسان: لمَّا نزلَ تحريمُ الخمر، قال أبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁: يا رسول اللَّه، كيف بإخوانِنا الذين ماتوا وقد شَربوا الخمرَ، وأكلوا القمار؟ وكيف بالغائبين عنَّا في البلدان، لا يَشعرون أنَّ اللَّهَ تعالى حرَّم الخمرَ، وهم يَطعَمونها؟ فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مِن الأموات والأحياء في البلدان إثمٌ ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ من الخمرِ والقِمار (٢). وقوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ (٣) ما حرَّم اللَّه عليهم سواهما، وقيل: اتَّقوا الشِّركَ، ﴿وَآمَنُوا﴾ باللَّه ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في إيمانهم، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ يعني: الأحياءَ في البلدان الخمرَ والقِمار إذا جاءَهم تحريمُها، ﴿وَآمَنُوا﴾ صدَّقوا بتحريمها، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما يُحرَّمُ عليهم بعد هذا بنصٍّ يَرِدُ في التحريم لبعض ما أُحِلَّ لهم، ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ فيما تعبَّدهم اللَّه به، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا معنى الأمر بالتَّقوى ثلاثًا في هذه الآية. وقال بعضُ أهل المعرفة: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾؛ أي: الشِّركَ، ﴿آمَنُوا﴾ باللَّه وحدَهُ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ في أعمالِهم الصَّالحة عن شهودِ الخَلْق، ﴿وَآمَنُوا﴾ بأنَّ اللَّهَ يَعلمُ السِّرَّ والعلانيةَ، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ إعجابَ النَّفسِ؛ ليتحقق بذلك منهم الإحسان، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

стр. 2644

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: اتَّقى الشِّركَ فعرفَ، ثمَّ اتَّقى الحرامَ فانصرف، ثمَّ اتَّقى الشُّحَّ فآثرَ وما أسرفَ. وقال: الأوَّلُ للعوامِّ؛ ﴿اتَّقَوْا﴾ الشِّركَ والمعاصي، ﴿وَآمَنُوا﴾ بأنَّ الأمرَ (١) والنَّهي للَّه، والثاني للخواصِّ؛ ﴿اتَّقَوْا﴾ المنعَ، ﴿وَآمَنُوا﴾ بالخلف؛ أي: اللَّه يُخلِف (٢)، والثَّالثُ: لأشرافِ الخواصِّ، ﴿اتَّقَوْا﴾ شهودَ الخلق، ﴿وَأَحْسَنُوا﴾ العملَ للَّه، فالإحسانُ أنْ تَعبدَ اللَّه كأنَّك تَراه (٣)، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ أعمالًا، والمحسنين أحوالًا، والمحسنين آمالًا (٤). قال ابنُ جريج: إنَّ أبا عبيدة كان بالشام، فوجدَ أبا جندل بنَ سُهيل بنِ عمرو، وضرارَ بنَ الخطَّابِ المحاربيَّ، وأبا الأزور، وهم مِن أصحابِ رسولِ اللَّه ﷺ قد شَرِبوا الخمرَ، فقال أبو جندل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، فكتب أبو عبيدة إلى عمرَ: إنَّ أبا جندلٍ خاصَمني بهذه الآية، فكتب عمرُ: إنَّ الذي زَيَّن لأبي جندلٍ الخَطيئةَ هو الذي زيَّنَ له الخصومةَ، فاحددهم، فقال أبو الأزور: أتَحدُّنا؟! قال: نعم، قال: فدعْنا نَلقى العدوَّ غدًا، فإنْ قُتلنا فذاك، وإن رَجعنا إليك تَحدُّنا (٥)، فلقوا العدوَّ، فاستُشهِدَ أبو الأزور، وحُدَّ الآخران، وكتب عمرُ إلى أبي جندل: إنَّ الذي زَّين لكَ الخطيئةَ، حظرَ عليك التَّوبةَ: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ

стр. 2645

الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر: ٢] (١). * * * (٩٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ لمَّا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ فقد أمرَهُم أنْ يَقتصِروا فيما يأكلونَه، أو لا يأكلونَهُ (٢) على ما حَرَّمَ اللَّه تعالى وأحلَّ، ثمَّ بيَّن أنَّ مِن المحرَّماتِ: الخمرُ، والميسِرُ، وصيدُ البرِّ على المحرِم. وقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾؛ أي: بالنَّهيِ عن الاصطياد، والبلوى والابتلاء: الاختبارُ، وهو مِن اللَّه تعالى لإظهار ما علمَ مِن العبدِ على ما علم، لا ليَعلمَ ما لم يَعلم، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقوله تعالى: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ وهو للتبعيض فإنَّ المُحَرَّم هو صيْدُ البرِّ دون صيْدِ البحر، وصيْدُ الإحرامِ دون الإحلال، وصيْدُ الحرمِ دونَ الحِلِّ. وقال الزَّجَّاج: ويجوزُ أن يكون للتَّجنيس، كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] (٣). وقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾؛ أي: تُصِيبُه. وقال الكلبيُّ وغيرُه: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ البيضُ والفِراخُ وصغارُ الطَّير بغير سلاح،

стр. 2646

﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ جمع رُمْحِ، وكذا غيره من السِّلاح، وهو كبارُ الطَّيرِ التي لا تُؤخذُ إلا بحيلةٍ، ولا تُصابُ إلَّا بسلاح. وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: ليعلمَ اللَّهُ خوفَ الخائف منه بالامتناعِ عن الاصطياد موجودًا، كما كان يَعلمُ قبل وجودِه أنَّه يُوجَد؛ ليُثيبَهُ على عملِه، لا على علمه فيه، وهو أيضًا يَقتضي ضدَّهُ؛ أي: وليظهرَ إقدامُ مَن لا يَخافُه على الاصطيادِ، فيعاقبَهُ على عملِه، لا على علمِهِ فيه. وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾؛ أي: بالاستدلال، دونَ العلمِ الضَّروري الواقعِ بالعِيان ونحوِه، كما ذكر ذلك في الإيمانِ بالغيب، إذ لا خطرَ للإيمان ولا للخوفِ حالةَ العِيان. وقيل: معناه: في حالة الغيبةِ عن النَّاس، وهو الخوفُ الحقيقيُّ دون ما يَظهرُ مِنه عند رؤيةِ النَّاس؛ فإنَّه يكون مُرَاءاةً لا حقيقة لها، كعمل المنافقين. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: اصطادَ بعد هذا الابتلاء؛ وهو النهيُ والبيان. وقوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: يُضْرَبُ على ظهرِه وبطنِه وتُنزَعُ ثيابُه (١). واسمُ العذابِ يَقع على الضَّرب في الدُّنيا، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وقال تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: ٢١].

стр. 2647

وقيل: هو العذابُ في الآخرة مع الكفَّارةِ في الدُّنيا إذا لم يتب منه؛ لأنَّ الكفَّارةَ لا تَرفعُ الذَّنْبَ عن المُصِرِّ. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ والكلبيُّ ومقاتلُ بنُ حيَّان: كان ذلك عام الحُديبية حين انطلقَ رسولُ اللَّه ﷺ معتمرًا، فكانَت الوحشُ والطَّيرُ والصَّيدُ تَغشاهُم في رِحالِهم، لم يَروها قطُّ كذلك فيما خلا، فنَهاهُم عن أخذِها وهم مُحرِمون (١). * * * (٩٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ هو جمعُ حَرام، وهو الذي أحرمَ بحِجَّةٍ أو عمرةٍ، وهو أيضًا الذي دَخل الحرمَ، والنَّهيُ يَتناولُهما جميعًا، ﴿وَأَنْتُمْ﴾ الواو للحال، نَهى عن قتل الصَّيدِ في هذه الحالة، وهو في الحقيقةِ نهيٌ عن التَّعرُّض للصَّيدِ بكلِّ وجهٍ. وخصَّ القتلَ بالذِّكر؛ لأنَّه هو معظمُ المقصود في الاصطياد، وسمَّاهُ قتلًا لا ذبحًا؛ لبيان أنَّه وإنْ ذبحَهُ لم يَحِلَّ، كما لو قتَلَهُ، والصَّيدُ أصلُه مصدرٌ، والمرادُ به هاهنا المَصِيد؛ لأنَّ القتلَ إنَّما يكونُ فيه، والمرادُ مِن الصيدِ ما يُقصدُ اصطيادُه، فهو اسمٌ له قبلَ وقوعه فيه باعتبارِ العاقبة، ثمَّ هو اسمٌ للوحشيِّ الممتنعِ بقوائمِه أو جناحَيه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أوجبَ الجزاءَ في

стр. 2648

قتلِ كلِّ صيدٍ، فيَدخلُ فيه عندنا ما يُؤكلُ لحمُه وما لا يُؤكَلُ لحمُه، إلَّا الخمسَ الفواسِقَ المستثناةَ في الخبر، وهو قوله ﷺ : "خمسٌ فواسقُ يُقتلن في الحلِّ والحَرَم؛ الحيَّةُ، والعقربُ، والفأرةُ، والحدأةُ، والكلبُ العقور" (١)، ويُلْحَقُ بها ما ابتدَأ فعَدا على الآدميِّ، فقتلَهُ ذابًّا عن نفسِه. وعند الشافعيِّ ﵀ عنه: إذا قتلَ صيدًا غير مأكول اللحمِ لم تَلزمهُ كفَّارتُه (٢)، وحُجَّتُنا فيه: قوله ﷺ : "الضّبع صيدٌ، وفيه كبشٌ إذا قتلَهُ المحرِم" (٣). وإذا قتل الصيدَ متعمِّدًا، فعليهِ الجزاءُ بالنَّصِّ، فأمَّا إذا قتلَهُ مخطِئًا، فقد قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وعطاءٌ وسالمٌ والقاسمُ -وهو مذهب داودَ بنِ عليٍّ-: لا شيء عليه؛ لأنَّ النَّصَّ في المتعمِّدِ (٤)، وقلنا: التَّنصيصُ لا يَدلُّ على التَّخصيص. وقال الحسنُ ومجاهد: إنَّما يَجِبُ على مَنْ كان مُتعمِّدًا لقتلِ الصَّيدِ، ناسيًا لإحرامه (٥)، ولو كان ذاكرًا لإحرامِه، فلا جزاءَ عليه في الدُّنيا، بل جزاؤهُ الانتقامُ في الآخرةِ؛ لآخرِ هذه الآية. وقلنا: النَّصُّ مطلَقٌ، فإنْ كان في ناسي الإحرام فإنَّه في العمدِ يَدلُّ على الوجوبِ

стр. 2649

بالطَّريق الأَوْلى؛ لأنَّ الكفارةَ لرفعِ الإثم، والإثمُ في العمْدِ أكثرُ، ولا يَرِدُ عليه قتلُ العمدِ أنَّه لا كفَّارة فيه؛ لأنَّ الشَّرعَ أوجبَ القِصاص، وهو أغلظُ مِن الكفَّارة، ولا شيء هاهنا، فلا معنى لمنعِ (١) وجوب الكفارة مع تَغلُّظِ الإثم. وعن إبراهيم النَّخَعيِّ ومجاهدٍ وعطاء أنَّهم قالوا: عمده وخطؤه سواء (٢). وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قرأ عاصمٌ والكسائيُّ وحمزةُ بالتَّنوين، و ﴿مِثْلُ﴾ بالرَّفع. وقرأ الباقونَ على الإضافة؛ بحذف التَّنوين وخفض ﴿مثل﴾ (٣). واختلف الفقهاءُ في حكم هذه الآية، ويَختلفُ لذلك تفسيرُ الآية: قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه: إذا قتلَ صيدًا مأكولَ اللحم قوَّمهُ عدلان لهما بصرٌ في المكان الذي أصابَهُ، ثمَّ الخِيارُ بعد ذلك إلى القاتل، فإنْ بلغَتْ قيمتُه هَديًا؛ فإنْ شاءَ اشترى بها هديًا، فذبحَهُ في الحَرَمِ، فتَصدَّقَ به على الفقراء، وإنْ شاءَ اشترى بها طعامًا فتصدق به على كل فقير بنصف صاع، وإن شاء صامَ مكان كلِّ نصفِ صاعٍ يومًا، إن شاء متتابعًا وإن شاء متفرقًا (٤). وقال محمَّدٌ والشَّافعيُّ رحمهما اللَّه: الخيارُ فيه إلى الحكمَين؛ فإنْ شاءا حَكما عليه بالهَديِ، وإنْ شاءا بالطَّعام، وإنْ شاءا بالصِّيام (٥)، فإنْ حَكما بالهَدي أوْجَبا مثلهُ

стр. 2650

خلقةً مِن النَّعم الأهليِّ، فيجبُ في حمارِ الوحشِ بقرةٌ، وفي النَّعامةِ جملٌ، وفي الظَّبي شاةٌ، وفي الأرنب عناقٌ أو جَدْيٌ، وفي اليَرْبوع جَفْرة (١)، فإن لم يكن له مثلٌ صورةً، كالحمامةِ والطَّيرِ الآخرِ يُشترى بقيمتِه هديٌ، وإن حكما بالطَّعام أو الصَّوم -كما قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه- فصار الاختلافُ في موضعَين، فيمن له الخِيار، وفي معنى المثل، وعن عمر: أنه أوجبَ المثلَ صورةً، وجعل الخيارَ للحكمين. وروي عن قَبيصةُ بنُ جابر: أنَّه أصاب ظبيًا وهو مُحْرِمٌ، فسألَ عمرَ ﵁، فشاورَ عبدَ الرَّحمن بنَ عوف، ثمَّ أمرَهُ أنْ يَذبحَ شاةً، فقال قَبيصةُ بنُ جابرٍ لصاحبِه: واللَّهِ ما عَلِمَ أميرُ المؤمنين حتَّى سألَ غيرَهُ، فأقبلَ عمرُ ﵁ يَضرِبُه بالدِّرَّةِ، ويقول: أتغْمَصُ (٢) الفُتيا، وتَقتلُ الصَّيدَ وأنت محرم؟! قال اللَّه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فأنا عمرُ وهذا عبدُ الرَّحمن بنُ عوف (٣). ومذهبُ أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة اللَّه عليهما مرويٌّ عن ابنِ عبَّاسٍ (٤) وجماعةٍ مِن الصَّحابة والتَّابعين، وهو أوفقُ للأصول والمعقول؛ لأنَّ النَّصَّ أوجبَ المِثلَ، والمِثلُ المطلَقُ في الكتاب والسُّنَّة وإطلاقِ الأمَّة مقيَّدٌ بالصُّورة والمعنى، أو المعنى بلا صورة، فأمَّا الصُّورةُ بلا معنى، فلا، ولأنَّ التَّحكيمَ مع شرطِ العدالةِ لا يَليقُ بمعرفةِ الصُّورة التي لا تحتمِلُ الكذبَ، وإنَّما يَليقُ بمعرفةِ القيمة التي تَتفاوتُ، ولأنَّ القيمةَ مرادةٌ هاهنا في الذي لا مثلَ له صورةً بالإجماع، فلا يبقى غيرُها مرادًا؛ لأنَّ الاسمَ المشتركَ لا عمومَ له.

стр. 2651

فإذا عُرِف هذا، فالتَّفسيرُ الصَّحيحُ على وَفْقِ هذا أن نقول: قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ بالتَّنوين؛ أي: فعليه جزاءٌ، وقوله تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ هو تفسيرُ الجزاء. وأمَّا قِراءةُ الإضافة: فمعناه: فعليه جزاءُ مثلِ المقتول، وجزاءُ مثلِهِ وجزاءُ عينِه سواءٌ، والجزاءُ ما يعادلُ الشَّيء ويُقاوِمُه، وقوله تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾؛ أي: المقتول مِن النَّعم؛ فإنَّ الصُّيودَ نعمٌ وَحشيَّةٌ، كالنَّعم الأهلية، ولم يُرِد به أنَّ الواجبَ في الجزاءِ مِن النَّعم، كما قال محمَّد والشَّافعيُّ رحمهما اللَّه. وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أي: بالتَّقويم. وقوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا﴾ نُصب بقوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾: أي: يُجزى هديًا، أو حُذف باؤه؛ أي: يُجزَى بهديٍ. وقوله تعالى: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾؛ أي: الحرم، كما قال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]؛ لأنَّ عينَ الكعبةِ ليس بمرادٍ (١) بالإجماع؛ لأنَّها تُصانُ عن إراقةِ الدَّمِ فيها، فأُريدَ بها ما حولَها مِن الحَرَمِ الذي له حرمتُها. وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ على الإضافة، وقرأ الباقون بالتَّنوين فيهما (٢)، وهو عطفٌ على قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾؛ أي: فعليه كفَّارةٌ، وهو إطعامُ المساكينِ إنْ شاءَ على (٣) ما فسَّرناه. وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ و ﴿أَوْ﴾ للتَّخيير في هذه الأشياء الثَّلاثةِ، فيَختارُ أيَّها شاءَ. والعَدلُ: المِثل.

стр. 2652

وقال الفرَّاء: العَدْلُ بالفتح: ما عادلَ الشَّيءَ مِن غيرِ جنسِه، فيَدخلُ فيه الفداءُ والقيمةُ، وعدل الشيء بالكسر: مِثلُه مِن جنسِه، تقول: عندي غلامٌ عِدْلُ غلامِك، فإنْ أردْتَ قيمتَهُ مِن غيرِ جنسِه، فَتَحتَ العين (١). وقال أبو حاتم: العَدلُ بالفتحِ مصدرٌ، والعِدلُ بالكسرِ اسمٌ. وقال الكسائيُّ: هما واحدٌ (٢)، وقد قُرِئ بهما (٣). وقوله تعالى: ﴿صِيَامًا﴾ نصب على التَّفسير. قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾؛ أي: تقَلَ ما جُوزيَ به في بدنِه أو مالِه، وأصلُ الوبال: هو ثقلُ الشَّيء المكروه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]؛ أي: شاقًّا ثقيلًا، ويقال: اسْتَوبَلتُ الطَّعامَ؛ أي: استثقلته، والوبيل: خشبةُ القَصَّار، والعصا الثقيلة. وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾؛ أي: في الجاهلية قبل النَّهي، وقيل: بالكفَّارة وقع العفو. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؛ أي: فاللَّهُ يَنتقمُ منه، ولذلك رفعَ ولم يجزم، مع أنَّه جزاء الشَّرط، ومعنى هذا الكلام عند سعيدِ بن جبير وعطاء: أي: مَن عادَ إلى قتلِ الصَّيد بعد ورودِ النَّهي، فاللَّهُ تعالى يُوجِبُ عليه الجزاءَ بهذه الأشياء (٤)، ولا يَعفو عنه (٥)، وسمَّاهُ انتقامًا كما سمَّاه وبالًا؛ لأنَّه شاقٌّ.

стр. 2653

وقال داودُ بنُ علي: لا جزاءَ عليه في الثَّانية والثَّالثة؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى أوعدَ عليها الانتقامَ، وهو عقوبةُ الآخرةِ لا غير. وعند عامَّةِ العلماء: يجبُ فيه الجزاءُ؛ لعمومِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾؛ فأمَّا الانتقامُ فقد بيَّنَّا أنَّه يَجوزُ أن يكون عبارةً عن الكفَّارة. وتأويلٌ آخرُ ذكرَهُ عطاءٌ قال: كانوا يَستحِلُّونَ في الجاهليَّةِ قتلَ الصُّيود في حالةِ الإحرام، فقال اللَّه تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ في الجاهليَّة بالإسلام، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ بعد الإسلام مستحلًّا، فاللَّهُ يَنتقِمُ مِنه في الآخرة (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾؛ أي: منيعٌ لا يُغالَبُ، منتقِمٌ ممَّن خالفَه لا يُعارَضُ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: حرَّمَ اللَّهُ تعالى الصَّيدَ على المُحرمِ الذي قصدَ زيارةَ البيتِ، والإشارةُ فيه أنَّ مَنْ قصد بيتَنا فيَنبغي أن يكونَ للصَّيدِ منه أمانٌ، ولا يَتأذَّى به حيوانٌ؛ فإنَّ البَرَّ مَن لا يُؤذي الذَّرَّ، ولا يُضمِرُ الشَّرَّ، وكما أنَّ الصَّيدَ حرامٌ على المحرمِ إلى أن يَتحلَّلَ، فكذلك الطَّلبُ والطَّمعُ والاختيارُ حرامٌ على العارفِ ما دام مُحْرِمًا بقلبِه، فإذا قَتلَ الصَّيدَ فعليه الكفَّارةُ، وإذا لاحظَ العارِفُ الأغيارَ، أو طمعَ في شيءٍ، أو اختار، لزمَتْهُ الكفَّارةُ، لكن لا يُكْتَفى منه بجزاءِ المثلِ، ولا بأضعافِ ما تَصرَّف فيه، لكنَّ كفَّارتَه تَجرُّدُه عن كلِّ خيرٍ؛ قلَّ أو كثُرَ، صغَر أو كبُر (٢). * * * (٩٦) - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ وهو ما يُولَد ويَنشأ في الماء، والبَطُّ والنُّحام (٣)

стр. 2654

لا يَدخلان فيه؛ لأنَّهما يُولدان في البرِّ، والبَحرُ لهما مرعى، كما هو للنَّاس متجر (١). وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ﴾ رويَ عن أبي بكرٍ وعمرَ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمر وقتادة رضي اللَّه عليهم: أنَّ الطَّعامَ ما قذفَهُ البحرُ (٢). ومِنهم مَنْ أحلَّ الطَّافي لظاهرِ هذا التَّفسير، ولا يَستقيمُ ذلك؛ فإنَّ الأحاديثَ وردَت في تَحريمِه، وهذا فيما قذفَ فماتَ بآفةٍ (٣). وعن ابن عباسٍ في روايةٍ أُخرى: الصَّيدُ هو الطَّريُّ منه (٤)، والطَّعامُ هو المملَّحُ منه، ويَدلُّ عليه ما بعدَهُ، وهو قولُه: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾؛ أي: للعيرِ وهم القومُ المسافرون، وقوله تعالى: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾؛ أي: متعةً ومنفعةً، والطَّري منه منفعةٌ للحاضرين، والمملَّحُ مِنه للمسافرين، ثمَّ هذا يَقعُ على السَّمك (٥) خاصَّة. وعند الشَّافعيِّ ﵀: كلُّ حيوانٍ في البحرِ فهو حلالٌ (٦) لإطلاقِ هذا النصّ، ولما روى جابرُ بنُ عبد اللَّه قال: بعثَنا رسولُ اللَّه ﷺ في سريَّةٍ، وأمَّرَ علينا أبا عبيدة بنَ الجرَّاح، نَتلقَّى عِيرًا لقُريش، وزوَّدنا جِرابًا مِن تمرٍ، وكان أبو عبيدة ﵁ يُعطينا تمرةً تمرة، فكنَّا نَمَصُّها كما يَمَصُّ الصَّبيُّ، ثمَّ نشربُ عليها الماءَ، فيَكفينا يومًا إلى اللَّيل، فأصَبنا على ساحلِ البحرِ كهيئةِ الكثيبِ الضَّخم دابَّةً ميتةً تُدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: نحن رُسُل رسولِ اللَّه ﷺ ، وفي سبيلِ اللَّه، وقد اضْطُررِتُم فكُلوا، فأَقمنا عليها شهرًا، ونحن ثلاث مئةٍ، حتَّى سمِنَّا، ولقد رأيتُنا نَغترِفُ مِنْ وَقبِ عينِها

стр. 2655

بالقِلال الدُّهنَ، ونَقطعُ مِنها الفِدَرَ كالثَّور، ولقد أخذَ أبو عبيدة منَّا ثلاثةَ عشرَ رجلًا، فأقعدَهُم في وَقْبِ عينها، وأخذ ضِلْعًا من أضلاعِها، فأقامها، ثمَّ رَحَّل أعظمَ بعيرٍ لنا، فمرَّ تحتَها، فتَزوَّدنا مِن لحمها وشائق، فلمَّا قَدِمنا المدينةَ، أتينا رسولَ اللَّه ﷺ ، فذكَرنا ذلك له، فقال: "هو رِزقٌ أخرجهُ اللَّهُ لكم، فهل معكم مِن لحمِها شيءٌ"، فأرسَلنا إلى رسولِ اللَّه ﷺ شيئًا مِنهُ، فأكله (١). وقلنا: هذا نوعٌ مِن السَّمك، وهو أنواع. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: حكمُ البحر بخلافِ حكم البرِّ، وإذا غَرِقَ العبدُ في بحارِ الحقائق، سقطَ حكمُه، فصيدُ البحرِ مباحٌ له؛ لأنَّه إذا غرقَ صار محوًا، فما دفع إليه ليس منه ولا به؛ إذ هو محوٌ في نفسه، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف: ٢١] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فمنهم مَن حملَهُ على لحمِ صيدِ البَرِّ مطلقًا حالةَ الإحرام، وإن لم يكن صادَهُ محرِمٌ، وعندنا هذا على الاصطياد والنَّهي عنه، فأمَّا ما صاده حلالٌ فلا بأسَ بأكلِه للمحرِم، وحديثُ أبي قتادة فيه مشهورٌ: قال جابرٌ ﵁: عقرَ أبو قتادةَ حمارَ وحشٍ، ونحن محرمون وهو حلال، فأكلنا معه، ومعنا رسولُ اللَّه ﷺ (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: إنَّ بني مدلج أتوا رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نَتكلَّفُ الصَّيدَ،

стр. 2656

فنصطادُ مِن صيد البحر، وربَّما مدَّ البحرُ حتَّى يعلوَ الماءُ كلَّ شيءٍ، ثمَّ يَرجعُ، ويَبقى السَّمكُ بالأرضِ، ويذهبُ الماء عنه، فنصيبُه ميتًا فنأكلُه، فحلالٌ لنا أكله؟ فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ما حسرَ عنهُ الماءُ وألقاه (١). ولفظة ﴿مَتَاعًا لَكُمْ﴾ يقول: منفعة لكم ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ المسافرين، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في الاصطياد في الحرم والإحرام، ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تُبعَثون فيَجزيكم بأعمالِكم. * * * (٩٧) - ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ لمَّا حرَّمَ الاصطيادَ في الحرم والإحرام، وكان ذلك لحرمةِ البيتِ الحرامِ، عقَّبهُ ذكرَه. والكعبة سُمِّيَت بها لتكعُّبها؛ أي: لتربُّعِها، قاله مجاهدٌ وعكرمة رحمة اللَّه عليهما (٢). وقيل: لكُعوبها؛ أي: لنتوئها، من قولهم: جاريةٌ كاعِبٌ، إذا نتأَ ثدياها. وقيل: لشرفها، مِن قولهم: أعلا اللَّهُ تعالى كعبَه؛ أي: شَرَفَهُ، وهو مِن كعب القناة، وهو أنبوبُها، وتكعُّبها (٣): علوُّها وارتفاعُها. وقوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ ترجمةٌ وبدلٌ عنها، والقِيامُ: العِماد والمِلَاكُ، وكذلك القِوام، وهو ما يَستقيمُ به الشَّيء.

стр. 2657

وقوله تعالى: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ هذا جنسٌ أريدَ به الجمعُ، وهو الأربعةُ الأشهر الحُرُم؛ رجب، وذو القَعدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم. وقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ فسَّرناهُما في أوَّلِ هذه السورة (١)، يقول: ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾ في حكمِه وشرعِه على ألسنةِ أنبيائه ﴿الْكَعْبَةَ﴾ قِوامًا لأمورِ النَّاس، ونِظامًا لها، وكذلك جعل الأشهرَ الحُرُمَ والهديَ والقلائدَ التي تُوجَّه (٢) إلى الكعبة، يأمنون بقصدِ الكعبةِ، ودخولِ هذه الأشهُر، وتوجيهِ الهدايا إلى مكَّة شرَّ كلِّ ذي شرٍّ. ويَحتمِلُ قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾؛ أي: جَبَلَ القلوبَ على ذلك، وجمعَهُم عليه. وقال مجاهد (٣): جعلَها اللَّهُ ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ حين لا يَرجون جنَّةً، ولا يَخافون نارًا، وشدَّدَ اللَّهُ تعالى ذلك بالإسلام (٤). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: قد عَلِمَ اللَّهُ تعالى في الأزلِ أنَّ العربَ يكونُ بينَهم سفكُ الدِّماء والتَّباغي، فجعلَ الكعبةَ مأمنًا؛ ليتوصَّلوا بها إلى إقامةِ معايشِهم ولا يَتفانوا (٥). * * * (٩٨) - ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: لمَنْ كفرَ وعصى، وأزالَ

стр. 2658

الأمْنَ عن النَّاس مع هذه المعاني الأربعةِ، واعتدى، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لمَن آمنَ واتَّقى، وحفِظ الحقوقَ وراعى. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ للخواصِّ إنْ زاغوا عن الشُّهودِ لحظةً، ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للعوامِّ إنْ رجَعوا إليه بتوبَةٍ وحسرة. * * * (٩٩) - ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؛ أي: تبليغُ الأمرِ والنَّهي، والوعدِ والوعيدِ، وليس عليه الحملُ على الطَّاعة جبرًا، والمنعُ عن المعصية كُرهًا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾؛ أي: بالألسنة، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: بالأفئدة. وقيل: ﴿مَا تُبْدُونَ﴾ مِن الطَّاعة، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ من المعصية. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا ضررَ عليه في تركِ القومِ إجابتَه، وهو كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤]. قال: والآيةُ ردٌّ على مَن يقول: لا ينجع قول الواعظِ إذا لم يَعمَل بعلمِه، فإذا كان يَعملُ به ينجع قوله؛ فإنَّه ليس أحدٌ مِن الخلقِ أشدَّ استعمالًا للعلمِ مِن الأنبياء، ولم ينفع مواعظُهم في (١) قومهم؛ لشؤمِهم ولشِدَّةِ تعنُّتِهم. وقال في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾؛ أي: من المكر له (٢)، والقصدِ إلى قتله، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]، كلَّما همُّوا به،

стр. 2659

أطلعَ اللَّهُ رسولَهُ عليه، وعصمَهُ، وردَّ كيدهم، وقال اللَّه تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] (١). * * * (١٠٠) - ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ قال السُّدِّيُّ ﵀: أي: لا يَستوي المشرك والمؤمن (٢). ولمَّا أخبرَ أنَّه ﴿يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، ذكرَ أنَّه لا يُسوِّي بين خبيثِهم وطيِّبِهم، بل يُميِّزُ بينهما، فيُعاقِبُ الخبيثَ، ويُثيبُ الطَّيِّبَ، وإن قلَّ الطَّيِّبُ، وكَثُر الخبيث، وذلك (٣) قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾، وهو خطابٌ لكلِّ واحدٍ مِن المخاطَبين، ونهيٌ له عن أنْ يُعجَبَ بكثرةِ هؤلاء. وقال الكلبيُّ وعطاء: أي: لا يَستوي الحرامُ والحلال (٤). وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾؛ يريد أنَّ أهلَ الدُّنيا يُعجِبُهم كثرةُ المال وزينةُ الدنيا، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؛ أي: العقولِ الخالصة. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: على رجاءِ الفوزِ بكلِّ مطلوبٍ، والأمنِ مِن كلِّ مرهوبٍ، والإطماعُ مِن اللَّه تحقيقٌ.

стр. 2660

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿الْخَبِيثُ﴾: ما اكتسَبَهُ العبدُ حالةَ الغفلةِ عن الحقِّ، ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: ما اكتسبَهُ على شهودِ الحقِّ. قال: ويُقال: ﴿الْخَبِيثِ﴾: ما لَم يُخرَج منه حقُّ اللَّهِ تعالى، ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: ما أُخرِج منه حقُّه. قال: ويقال: ﴿الْخَبِيثِ﴾: ما ادَّخرتَهُ لنفسِكَ، ﴿وَالطَّيِّبُ﴾: ما قدَّمته بأمرِ ربِّك (١). * * * (١٠١) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ إنَّما لم يَصرِف (٢) ﴿أَشْيَاءَ﴾، وإن صرَفْتَ: أحياء، وأكفاء، وأسماء؛ لأنَّ أصلَه أشْيياء، على وزن: أفعلاء. وقالوا: كان أصلُ الواحدِ: شَيِيْء (٣) على وزن فَعِيل، وجمعه أفعلاء، كالنَّصيب والأنصباء، ثمَّ حُذِفت الهمزةُ تخفيفًا، وبَقيَت غيرَ منصرفةٍ لأجلها، فأمَّا الأحياء ونحوها فهي على وزن (٤): أفعال، وهي منصرفةٌ. وفي نزول هذه الآية أقاويل، منها ما روى أبو هريرة وأنسُ بنُ مالكٍ ﵄ أنَّهم (٥) سألوا رسولَ اللَّه ﷺ ، فأكثروا المسألةَ، فقامَ على المنبر فقال: "سلوني، فواللَّه لا تسألونني عن شيءٍ في مقامي هذا إلَّا لأحُدِّثنَكم (٦) "، فأشفقَ أصحابُه أن يكون حدثَ أمر، فبكوا، فقام عبدُ اللَّه بنُ حذافةَ السَّهميُّ، وكان يُطعَنُ في نسبِه،

стр. 2661

ويُدعَى إلى غيرِ أبيه، فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافةُ بنُ قيسٍ السَّهمي"، فأخبرَ أمَّه بذلك، فقالت: لقد عققتَني بسؤالِك هذا، فواللَّهِ ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك، أكنتَ تأمنُ أنْ تكونَ أمُّك قارفَت ما قارفَت بعض نساء الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس (١)، فقال: ما كان يَطمئنُّ قلبي، فواللَّه لو ألحقَني رسولُ اللَّه ﷺ بعبدٍ حبشيٍّ للَحِقتُ به، وقام آخرُ فقال: أين والدي؟ فقال ﵊: "مع والدي في النار"، ولم يَزل يُسألُ حتَّى اشتدَّ غضبُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقام عمرُ فقال: رضينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ نبِيًّا، نعوذُ باللَّه مِن غضب اللَّه، وغضبِ رسول اللَّه. ثمَّ قال: يا رسولَ اللَّه، إنَّا قريب العهد بالجاهليَّةِ والشِّركِ، فاعفُ عنَّا، عفا اللَّه عنك، فلم يَزل يَقولُه حتَّى سُرِّيَ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، وسكنَ غضبُه، ونزلت هذه الآية (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وجماعةٌ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَخطبُ ويُخبِر النَّاس بفرضية (٣) الحجِّ، ويقرأ قولَهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقامَ رجلٌ مِن بني أسدٍ -وقيل: هو الأقرع بن حابس- وقال: يا رسولَ اللَّه أفي كلِّ عامٍ؟ فأعرضَ النَّبيُّ ﷺ بوجهِه، فأعادَ السُّؤالَ، فأعرضَ عنه بوجهِه، فأعادَ السُّؤال، فقال: "لو قلتُ: لكلِّ عامٍ، لوجبَ عليكم، ولو وجبَ عليكم ثمَّ تركتموهُ لضللتُم".

стр. 2662

ثم إنه (١) قال: "اتركوني ما تركتُكم، فإذا أمرتُكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتُم، وإذا نَهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه" (٢). وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "اتركوني ما تركتُكم، فإذا حدَّثتُكم فخذوا عنِّي فإنَّما هلكَ مَن كان قبلَكم بكثرةِ سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم" (٣). وقال القفَّالُ ﵀: إنَّ المؤمنين كانوا يَسألون رسولَ اللَّه ﷺ أشياءَ مِن الغيب ومن (٤) المعجزات بإشارة اليهود، كما قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]، فنُهوا عن ذلك، وهو السُّؤال عن أمورٍ لا حاجةَ لهم بها، وعن اقتراح آياتٍ بعد وقوعِ الكفاية بمعجزاتٍ ظهَرَت لهم مِن غير سؤال. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي: إنْ تَظهَر لكم تُحزِنكُم، كما ظهرَ لذلكَ السَّائِلِ أنَّ أباهُ في النَّار، وفي ظهور الآياتِ المقترحة أيضًا ما يَسوؤهم؛ فإنَّهم لو خالفوا بعدَ ذلك أُهلِكوا، كما قال في آخرِ هذه السُّورة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ الآية. وعلى هذا التفسير يكون قولُه: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؛ أي: ليس عليه إيرادُ الآياتِ على جهة الاقتراح. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: وإنْ تَسألوا (٥) عن أشياء بعد نزولِ القرآن بها وفيها إشْكالٌ، ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: تَظهَر لكم، وهذا إطلاقٌ للسُّؤالِ عند الإنزالِ لحلِّ الإشكال، وتوبيخٌ لهم على السُّؤال فيما لا حاجةَ إليه في الحال.

стр. 2663

وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: وإن تسألوا عنها وهي مهمَّةٌ، تُبْدَ لكم حين يُنزَّل القرآنُ؛ أي: يظهرْ ذلك لكم في القرآنِ المنزلِ فيه بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾؛ أي: عفا اللَّهُ عنكم هذه السُّؤالاتِ التي سألْتُموها مِن غيرِ حاجة. وقيل: بل هي صفةٌ لِتلك الأسئلةِ؛ أي: لا تَسألوا عن أشياءَ قد (١) عفا اللَّه عنكم فيها؛ أي: خُفِّفت (٢) عليكم (٣)، فلم يُلزِمكم ذلك، وهو كقوله ﷺ : "عفوتُ لكم عن صدقة الخيلِ والرَّقيق" (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ أي: لا يعاقِبُكم إلَّا بعد الإنذار. وروى أبو ثعلبةَ الخشنيُّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّهَ تعالى فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعوها، ونهى عن أشياءَ فلا تَنتهِكوها، وحَدَّ حدودًا فلا تَعتدوها، وعفا عن أشياءَ مِن غيرِ نسيانٍ رحمةً لكم، فلا تبحثوها" (٥). * * * (١٠٢) - ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾.

стр. 2664

وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾؛ أي: سألوا آياتِ الاقتراح، كقوم صالحٍ سألوا النَّاقةَ، ثمَّ كفروا بها وعقروها، وقومِ طالوت قالوا لنبيهم: ابْعث لنا ملِكًا نقاتلْ في سبيلِ اللَّه، فلمَّا كُتِبَ عليهم القتالُ تولَّوا إلَّا قليلًا منهم، وقومِ عيسى سألوا المائدةَ فقال لهم: اتَّقوا اللَّهَ إن كنتُم مؤمنين، ثمَّ كفروا بها. وقيل: أي: سألوا، فلمَّا أُخبِروا بما كرِهوا، كذَّبوا الرُّسل. وقيل: سألوا البيانَ، فلمَّا بيَّن لهم لم يَعملوا به، وكانوا شدَّدوا على أنفسِهم، كأصحابِ البقرةِ، فلمَّا شدَّد عليهم تَركوا. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي: إذا أسبل عليكم سترَ اللُّطفِ، فلا تَتعرَّضوا لعلمِ ما أخفي عنكم، فيَتنغَّصَ بالتَّحسُّر عليكم عيشُكم. ويقال: لا تَتعرَّضوا للوقوفِ على محلِّ الأكابر، ولا تستوجبون ذلك، فيَسوؤكُم تقاصرُ رُتبتِكُم. وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ توهَّم قومٌ أنَّهم مُحرَزون عن التَّأثُّر (١) فيما يُصادِفُهم مِن فجأة المقادير، وذلك منهم ظَنٌّ، كما قال بعضهم: تَبيَّن يومَ البينِ أنَّ اعْتِزامَه... على الصَّبر مِن إحدى الظُّنونِ الكواذبِ (٢) * * *

стр. 2665

(١٠٣) - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾؛ أي: ما شرعَ اللَّهُ تعالى ذلك، وما جعلَهُ مِن أمورِ الدِّين. والبَحيرةُ: النَّاقةُ التي تُشَقُّ أذنُها، بَحرتُ أذنَ النَّاقةِ أَبْحَرُها بَحْرًا؛ أي: شققتُها شقًّا واسعًا، ومنه البحرُ، وهو اسمٌ لا صفة، ولذلك دخلَتْ فيها الهاءُ، كما في النَّطيحةِ والذَّبيحة والنَّسِيكة، وكانت النَّاقةُ إذا نَتَجَتْ خمسةَ أبطُنٍ، فكان آخرُها ذكرًا، بَحروا أُذنَها، وامتنعوا مِن ركوبِها وذبحِها، ولم تُطْرَد عن ماءٍ، ولم تُمنَع عن مرعى، وإذا لقيَها المُعيى لم يَركبها. وقيل: كانوا يَفعلون ذلك بها إذا ولَدَت سبعةَ أبطُن. وقال مقاتل ﵀: إن كان ولدُها الخامسُ ذكرًا ذبَحوه للآلهة، وكان لحمُه للرِّجال لا للنِّساء، وإنْ كانت أُنثى شقُّوا أُذنها، لا يُجَزُّ لها وبرٌ، ولبنُها للرِّجال دون النِّساء (١). وقيل: إذا ماتَت اشتركَ فيها (٢) النِّساءُ والرَّجال. وقوله: ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ لتأكيدِ النَّفي على العموم؛ إذ لو قال: ما جعلَ اللَّهُ بحيرةً، وقعَ عند السَّامعِ أنَّه ما جعلَ بحيرةً واحدةً، بل جعل بحائرَ، فنفى بكلمةِ ﴿مِنْ﴾ كلَّ بحيرةٍ. والسَّائبةُ: المخلَّاةُ تَذهبُ حيث شاءَت، مِن قولِهم: سابَ الماءُ؛ أي: جَرى على وجهِه، وانسابَتِ الحيَّةُ كذلك. وكان الرَّجلُ في الجاهليَّة إذا نذرَ لقدومٍ مِن سفرٍ، أو بَرئ مِن مرضٍ ونحوه، قال: ناقتي سائبةٌ، فكانت كالبحيرةِ، وكذلك كان من كثُرَ مالُه سيَّبَ واحدةً منها
следующие страницы →