← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

ويُدعَى إلى غيرِ أبيه، فقال: من أبي؟ فقال: "أبوك حذافةُ بنُ قيسٍ السَّهمي"، فأخبرَ أمَّه بذلك، فقالت: لقد عققتَني بسؤالِك هذا، فواللَّهِ ما رأيتُ ولدًا أعقَّ منك، أكنتَ تأمنُ أنْ تكونَ أمُّك قارفَت ما قارفَت بعض نساء الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس (١)، فقال: ما كان يَطمئنُّ قلبي، فواللَّه لو ألحقَني رسولُ اللَّه ﷺ بعبدٍ حبشيٍّ للَحِقتُ به، وقام آخرُ فقال: أين والدي؟ فقال ﵊: "مع والدي في النار"، ولم يَزل يُسألُ حتَّى اشتدَّ غضبُ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقام عمرُ فقال: رضينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ نبِيًّا، نعوذُ باللَّه مِن غضب اللَّه، وغضبِ رسول اللَّه. ثمَّ قال: يا رسولَ اللَّه، إنَّا قريب العهد بالجاهليَّةِ والشِّركِ، فاعفُ عنَّا، عفا اللَّه عنك، فلم يَزل يَقولُه حتَّى سُرِّيَ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، وسكنَ غضبُه، ونزلت هذه الآية (٢). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ وجماعةٌ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَخطبُ ويُخبِر النَّاس بفرضية (٣) الحجِّ، ويقرأ قولَهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فقامَ رجلٌ مِن بني أسدٍ -وقيل: هو الأقرع بن حابس- وقال: يا رسولَ اللَّه أفي كلِّ عامٍ؟ فأعرضَ النَّبيُّ ﷺ بوجهِه، فأعادَ السُّؤالَ، فأعرضَ عنه بوجهِه، فأعادَ السُّؤال، فقال: "لو قلتُ: لكلِّ عامٍ، لوجبَ عليكم، ولو وجبَ عليكم ثمَّ تركتموهُ لضللتُم".

стр. 2662

ثم إنه (١) قال: "اتركوني ما تركتُكم، فإذا أمرتُكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتُم، وإذا نَهيتُكم عن شيءٍ فاجتنبوه" (٢). وروى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "اتركوني ما تركتُكم، فإذا حدَّثتُكم فخذوا عنِّي فإنَّما هلكَ مَن كان قبلَكم بكثرةِ سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائهم" (٣). وقال القفَّالُ ﵀: إنَّ المؤمنين كانوا يَسألون رسولَ اللَّه ﷺ أشياءَ مِن الغيب ومن (٤) المعجزات بإشارة اليهود، كما قال: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]، فنُهوا عن ذلك، وهو السُّؤال عن أمورٍ لا حاجةَ لهم بها، وعن اقتراح آياتٍ بعد وقوعِ الكفاية بمعجزاتٍ ظهَرَت لهم مِن غير سؤال. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي: إنْ تَظهَر لكم تُحزِنكُم، كما ظهرَ لذلكَ السَّائِلِ أنَّ أباهُ في النَّار، وفي ظهور الآياتِ المقترحة أيضًا ما يَسوؤهم؛ فإنَّهم لو خالفوا بعدَ ذلك أُهلِكوا، كما قال في آخرِ هذه السُّورة: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ الآية. وعلى هذا التفسير يكون قولُه: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؛ أي: ليس عليه إيرادُ الآياتِ على جهة الاقتراح. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: وإنْ تَسألوا (٥) عن أشياء بعد نزولِ القرآن بها وفيها إشْكالٌ، ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أي: تَظهَر لكم، وهذا إطلاقٌ للسُّؤالِ عند الإنزالِ لحلِّ الإشكال، وتوبيخٌ لهم على السُّؤال فيما لا حاجةَ إليه في الحال.

стр. 2663

وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: وإن تسألوا عنها وهي مهمَّةٌ، تُبْدَ لكم حين يُنزَّل القرآنُ؛ أي: يظهرْ ذلك لكم في القرآنِ المنزلِ فيه بعد ذلك. وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾؛ أي: عفا اللَّهُ عنكم هذه السُّؤالاتِ التي سألْتُموها مِن غيرِ حاجة. وقيل: بل هي صفةٌ لِتلك الأسئلةِ؛ أي: لا تَسألوا عن أشياءَ قد (١) عفا اللَّه عنكم فيها؛ أي: خُفِّفت (٢) عليكم (٣)، فلم يُلزِمكم ذلك، وهو كقوله ﷺ : "عفوتُ لكم عن صدقة الخيلِ والرَّقيق" (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾؛ أي: لا يعاقِبُكم إلَّا بعد الإنذار. وروى أبو ثعلبةَ الخشنيُّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّهَ تعالى فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعوها، ونهى عن أشياءَ فلا تَنتهِكوها، وحَدَّ حدودًا فلا تَعتدوها، وعفا عن أشياءَ مِن غيرِ نسيانٍ رحمةً لكم، فلا تبحثوها" (٥). * * * (١٠٢) - ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾.

стр. 2664

وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾؛ أي: سألوا آياتِ الاقتراح، كقوم صالحٍ سألوا النَّاقةَ، ثمَّ كفروا بها وعقروها، وقومِ طالوت قالوا لنبيهم: ابْعث لنا ملِكًا نقاتلْ في سبيلِ اللَّه، فلمَّا كُتِبَ عليهم القتالُ تولَّوا إلَّا قليلًا منهم، وقومِ عيسى سألوا المائدةَ فقال لهم: اتَّقوا اللَّهَ إن كنتُم مؤمنين، ثمَّ كفروا بها. وقيل: أي: سألوا، فلمَّا أُخبِروا بما كرِهوا، كذَّبوا الرُّسل. وقيل: سألوا البيانَ، فلمَّا بيَّن لهم لم يَعملوا به، وكانوا شدَّدوا على أنفسِهم، كأصحابِ البقرةِ، فلمَّا شدَّد عليهم تَركوا. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾؛ أي: إذا أسبل عليكم سترَ اللُّطفِ، فلا تَتعرَّضوا لعلمِ ما أخفي عنكم، فيَتنغَّصَ بالتَّحسُّر عليكم عيشُكم. ويقال: لا تَتعرَّضوا للوقوفِ على محلِّ الأكابر، ولا تستوجبون ذلك، فيَسوؤكُم تقاصرُ رُتبتِكُم. وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ توهَّم قومٌ أنَّهم مُحرَزون عن التَّأثُّر (١) فيما يُصادِفُهم مِن فجأة المقادير، وذلك منهم ظَنٌّ، كما قال بعضهم: تَبيَّن يومَ البينِ أنَّ اعْتِزامَه... على الصَّبر مِن إحدى الظُّنونِ الكواذبِ (٢) * * *

стр. 2665

(١٠٣) - ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾؛ أي: ما شرعَ اللَّهُ تعالى ذلك، وما جعلَهُ مِن أمورِ الدِّين. والبَحيرةُ: النَّاقةُ التي تُشَقُّ أذنُها، بَحرتُ أذنَ النَّاقةِ أَبْحَرُها بَحْرًا؛ أي: شققتُها شقًّا واسعًا، ومنه البحرُ، وهو اسمٌ لا صفة، ولذلك دخلَتْ فيها الهاءُ، كما في النَّطيحةِ والذَّبيحة والنَّسِيكة، وكانت النَّاقةُ إذا نَتَجَتْ خمسةَ أبطُنٍ، فكان آخرُها ذكرًا، بَحروا أُذنَها، وامتنعوا مِن ركوبِها وذبحِها، ولم تُطْرَد عن ماءٍ، ولم تُمنَع عن مرعى، وإذا لقيَها المُعيى لم يَركبها. وقيل: كانوا يَفعلون ذلك بها إذا ولَدَت سبعةَ أبطُن. وقال مقاتل ﵀: إن كان ولدُها الخامسُ ذكرًا ذبَحوه للآلهة، وكان لحمُه للرِّجال لا للنِّساء، وإنْ كانت أُنثى شقُّوا أُذنها، لا يُجَزُّ لها وبرٌ، ولبنُها للرِّجال دون النِّساء (١). وقيل: إذا ماتَت اشتركَ فيها (٢) النِّساءُ والرَّجال. وقوله: ﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ لتأكيدِ النَّفي على العموم؛ إذ لو قال: ما جعلَ اللَّهُ بحيرةً، وقعَ عند السَّامعِ أنَّه ما جعلَ بحيرةً واحدةً، بل جعل بحائرَ، فنفى بكلمةِ ﴿مِنْ﴾ كلَّ بحيرةٍ. والسَّائبةُ: المخلَّاةُ تَذهبُ حيث شاءَت، مِن قولِهم: سابَ الماءُ؛ أي: جَرى على وجهِه، وانسابَتِ الحيَّةُ كذلك. وكان الرَّجلُ في الجاهليَّة إذا نذرَ لقدومٍ مِن سفرٍ، أو بَرئ مِن مرضٍ ونحوه، قال: ناقتي سائبةٌ، فكانت كالبحيرةِ، وكذلك كان من كثُرَ مالُه سيَّبَ واحدةً منها

стр. 2666

شُكرًا، وكانت لا يَنتفعُ بشيءٍ منها، ولا تُمنَعُ مِن ماءٍ ولا (١) مرعى إلى أنْ تَموت، فيَشترِكُ في أكلِها الرِّجال والنِّساءُ، وكان الرَّجل إذا أعتقَ عبدًا سائبةً، لم يكن بينهما عقلٌ ولا ولاءٌ ولا إرثٌ. والوصيلةُ: هي الأُنثى مِن الغنم. قال قتادة: هي في البطن السابع (٢). وقال السُّدِّيُّ: الشاة إذا ولدَتْ ثلاثةَ أبطُنٍ أو خمسة، وكان آخرُ ذلك جديًا، ذَبحوه، وأهدَوْهُ للآلهة، وإن كانَت عَناقًا استَحْيَوها، وإن كان جَدْيًا وعَناقًا استحيوهما (٣) جميعًا، وقالوا: إنَّها وَصَلَتْ أخاها (٤)، فهي فعيلة بمعنى فاعلة. والحامي: قال مسروق: كان البعيرُ إذا وُلد وَلَدُ ولدِه قالوا: قد قَضى ما عليه، فلَم يَنتفعوا بظهرِه، وقالوا قد حماهُ (٥). وقال قتادةُ وأبو الأحوص: إذا أدركَ مِن ولدِه عشرةَ فحولٍ قالوا: هذا قد حَمى ظهرَهُ، فلم يُزَمَّ ولم يُركَب، ولم يُمنَع من ماءٍ ولا مَرْعى (٦). يقول: إنَّ الكفَّار قد التزَموا هذه الأشياءَ في أموالِهم، وليس ذلك بشرعٍ مِن اللَّه تعالى يَلزمُهم الوفاءُ به كما يَلزمُهم الوفاءُ بالعقود، بل هي طيِّباتٌ حرَّموها على أنفُسِهم، وقد نَهى اللَّهُ عنها بقولِه: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].

стр. 2667

وقيل: أوَّلُ مَن فعل كل ذلك عمرو بن لحي. وقال مقاتل ﵀: هو عمرو بن رَبيعةَ بن لُحَيّ بن قمعة بن خندف الخزاعيّ (١). وروى زيدُ بنُ أسلم عن النَّبيِّ ﷺ قال (٢): "إنِّي لأعلمُ أوَّلَ مَن سيَّبَ السَّوائبَ، وأوَّلَ مَن غيَّرَ عهدَ إبراهيم"، قالوا: مَن هو يا رسولَ اللَّه؟ قال: "عمرو بنُ لُحَيّ، لقد رأيتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النَّار، يُؤذي ريحُه أهلَ النَّار، وإنِّي لأعرف أوَّلَ مَن بحرَ البحائر" قالوا: مَن هو يا رسولَ اللَّه؟ قال: "رجلٌ مِن بني مُدْلِج، كانت له ناقتانِ، فجدعَ آذانَهما، وحَرَّم ألبانَهما، ثمَّ شربَ ألبانَهما بعدُ، فلقد رأيتُه في النَّار وهما يَعضَّانِه بأفواههما، ويَخبِطانه بأخفافِهما" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يَختلقون بقولِهم: إنَّ اللَّهَ تعالى أمَرَنا بتحريمِها ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ تعالى لم يُحرِّمها، وهم عوامُّهم المقلِّدون رؤساءَهم. * * * (١٠٤) - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾؛ أي: قيل لأتباعِهم: هلمُّوا إلى حكمِ اللَّه تعالى ورسولِه بأنَّ هذه الأشياءَ غيرُ محرَّمةٍ. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾؛ أي: كافينا ذلك. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ الألفُ ألفُ الاستفهام بمعنى الاستنكار، والواوُ للعطفِ، وفي آخرِه مضمرٌ: يتبعونهم؛ أي: كيف يَجوزُ

стр. 2668

تقليدُ قومٍ بما لا عِلم لهم به ولا اهتداءَ لهم فيه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: إذا هتفَ بهم (١) داعي الحقِّ بالجُنوحِ إلى الصِّدقِ، صدَّهُم عن الإجابةِ ما مَرَنوا عليه من سُهولة التَّقليد، وإنَّ أسلافَهم لم يكونوا إلَّا في ضلالٍ بعيد (٢). * * * (١٠٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ نصب على الإغراء، بمنزلة قوله: احفظوا أنفسكم، بيَّن اللَّهُ تعالى في هذه السُّورة الحلالَ والحرامَ، وما يَلزمُ الوفاءُ به مِن عقودِ الدِّين، وما لا يَلزم، وأخبرَ أنَّه ليس على رسولِه إلَّا البلاع، فإذا بلَّغَ فقد أدَّى ما عليه (٣)، وإذا قيل لهم تعالوا (٤) إلى حكمِ اللَّه ورسولِه، فلم يَأتوا، لم يَضرَّهُ إصرارُ أولئك، وكذا لا يَضرُّ المؤمنين ضلالُ الكافرين؛ إذا كانوا في أنفسِهم مهتدين، وهو أن يكونوا مؤمنين بكلِّ الطَّاعات، مطيعين، وعن كلِّ المعاصي مُمتنعين؛ فإنَّ الهدايةَ تكونُ بالإيمان والطَّاعات، والاهتداءُ التام كذلك، وبه يَبطلُ قولُ مَن تَعلَّقَ بظاهرِ الآيةِ في أنَّه لا بأسَ بتركِ الأمر بالمعروف؛ فإنَّه (٥) لا يَضرُّ المطيعَ معصيةُ غيرِه؛ لما قلنا: إنَّ الاهتداءَ المطلقَ: هو العملُ بكلِّ الطَّاعات، ومن ذلك الأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المنكر.

стр. 2669

وقوله تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال حذيفةُ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ أي: إذا أمرتُم ونهيتُم (١). وقال أبو بكر الصِّدِّيق ﵁: أيُّها النَّاسُ، لا تَغرَّنَّكم هذه الآية، فيقولَ أحدُكم: عليَّ نفسي؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لتَأمُرُنَّ بالمعروفِ، ولتَنهَونَّ عن المنكر، أو ليَستَعمِلنَّ عليكم شرارَكُم، ثمَّ لتَدعونَّ اللَّهَ فلا يَستجيبُ لكم" (٢). وفي روايةٍ قال في آخر هذا الحديث: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يَقول: "ما مِن قومٍ يُعمَلُ فيهم بالمعاصي، ولم يُغيِّروا، إلَّا أوشكَ أن يعمهم اللَّه بعقابه" (٣). وقال عبدُ اللَّه بنُ المبارك ﵀: هذه الآيةُ أدلُّ دليلٍ على وجوبِ الأمر بالمعروف؛ فإنَّ قولَه تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ معناه: عليكم أهلَ دينكم (٤). وسُئِل ابنُ مسعودٍ ﵁ عن هذه الآية، فقال: ما دامَ يُقبَلُ مِنكم فقولوها، فإذا رُدَّت عليكم، فعليكم أنفسَكم (٥). وذكر قتادةُ عن واحدٍ مِن الصحابة أنه في آخر الزمان (٦). وقال أبو أميَّة: سألت أبا ثعلبةَ الخشنيَّ فقال: سألتَ عنها خبيرًا، قال: سألتُ عنها رسولَ اللَّه ﷺ ، فقال: "بل ائتَمِروا بالمعروف، وتَناهوا عن المنكر، حتَّى إذا

стр. 2670

رأيتَ شُحًّا مطاعًا، وهوًى متَّبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيِه، فعليكَ نفسُك، ودعْ أمرَ العوامِّ، فإنَّ مِن ورائِكم أيَّامًا الصَّبرُ فيهنَّ كمثل قبضٍ على الجمر، للعاملِ فيه مثلُ أجرِ خمسين رجلًا يَعملون مثل عمله"، قالوا: يا رسولَ اللَّه، أجرُ خمسين مِنهم؟ قال: "بل أجرُ خمسينَ مِنكم" (١). وقيل: هذه الآيةُ تتَّصِلُ بما قبلها؛ أي: إذا دعَوتُموهم إلى حكمِ اللَّهِ، فلم يُجيبوا، وقلَّدوا آباءَهم، لم يضرَّكم ذلك إذا اهتديتُم أنتم. وقال الكلبيُّ: إنَّ المنذر بن ساوَى -وقيل (٢): المنذر بن عمرو التميميّ (٣) - كتبَ مِن هجرَ إلى رسول اللَّه ﷺ : إنَّ اليهودَ والنَّصارى والمجوسَ قَبِلوا الجزيةَ، فرضيَ رسولُ اللَّه ﷺ بذلك، فطعنَ في ذلك المنافقون وقالوا: عجبًا مِن محمَّدٍ، يَزعُمُ أنَّ اللَّهَ بعثَهُ ليُقاتِلَ النَّاس حتَّى يقولوا (٤): لا إله إلا اللَّه، وزعمَ أنَّه رُخِّص له في أنْ يُقاتِلَهم حتَّى يُعطوا الجزيةَ، فلا نرى محمَّدًا إلَّا وقد قبِلَ مِن مشركي هجر ما ردَّ على إخوانِنا مِن العرب، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (٥) دعوتم إلى الإسلام فقد أبلغتُم وأعذَرْتُم (٦). وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ فيَجزي مَن ضلَّ ومَن اهْتدى؛ كلًّا على وفقِ حاله.

стр. 2671

وقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُعْلِمُهم بما عَمِلوا، ثمَّ يَجزيهِم على ما عمِلوا. * * * (١٠٦) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ اختلفَت الرِّواياتُ في قصَّة نزولِ هذهِ الآية وتأويلاتُ أهل العلم فيها: قال ابنُ عبَّاسٍ وأبو موسى الأشعريُّ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ وسعيدُ بنُ جُبَير وشُرَيح وإبراهيم وعَبيدةُ ومحمَّدُ بنُ سيرين ومجاهدٌ وابنُ زيد رضوان اللَّه عليهم أجمعين: الآيةُ في المسلمِ يَحضرُه الموتُ في السَّفر، فيريدُ أنْ يُوصِيَ ويدفع مالَهُ إلى وصيٍّ، فإنْ حضرَهُ مسلمان، أشهدَهما على ذلك، وإنْ لم يَجِد مسلمَينِ أشهدَ كافرَين (١)، وشهادةُ الكافرِ على المسلمِ في مثل هذه الحالةِ جائزةٌ. وقال بعضُهم: كان كذلك تمَّ نُسِخ، وبقيَ شهادتُهم على جنسِهم بهذه الآية. وقال الحسنُ وعكرمةُ وعَبيدةُ السَّلمانيُّ والزُّهريُّ: بل الآيةُ في شهادةِ المسلمين، وقولُه تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: مِن قبيلتِكم وعشيرتكم، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ أي: مِن غيرِ قبيلتِكم وعشيرتِكم (٢). ومنهم من حمل الشَّهادة فيها على الإيمان، واتِّصالُها بما قبلَها أنَّ اللَّهَ تعالى بيَّنَ في هذه السُّورةِ المحرَّماتِ والمحلَّلات، ومنها: الجنايات في الأمانات (٣)، والآيةُ فيها.

стр. 2672

قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلتِ الآيةُ في ثلاثةِ نفرٍ خَرجوا تجَّارًا مِن المدينة إلى الشَّام، وهم عَدِيُّ بن بداء، وتميمُ بنُ أوسِ الدَّاريِّ، وهُما نصرانيَّان، وبديلُ بنُ ورقاءَ ابنِ حارثة مولى عمرِو بن العاص السُّلميّ، وبُديل كان مسلمًا مهاجرًا، فلمَّا قدِموا الشَّامَ مرضَ بُدَيل بنُ ورقاء، فكتبَ كتابًا (١)، وأثبتَ فيه جميعَ ما معَهُ مِن الأمتعة والأموال، ودسَّه في رحلِهِ، ولم يُخبِر صاحبَيه بذلك، فلمَّا اشتدَّ وجعُه، أوصى إلى تميم، وأشهدَهُما على وصيَّتِهِ، وأمرَهُما بأنْ يَدفعا متاعَهُ إلى أهلِه إذا رجعَا، ومات، فلمَّا دفناهُ فتَّشا متاعَه، فأخذا منه إناءً مِن فضَّة منقوشًا بالذَّهب، وهو ثلاثُ مئةِ مثقالٍ مِن فضَّةٍ، فغيَّباهُ، فلما قضيا حاجتَهما، رجَعا إلى المدينةِ، ودفعا المتاعَ إلى أهلِه، فلمَّا فتحَ أهلُه متاعَه، وجدوا الصَّحيفةَ فيها تَسميةُ ما معه، وفيها الإناءُ فجاءهما المطَّلِب بن وداعة وعمرو بن العاص، وهما مسلمان مِن قرابةِ الميِّت، فسألاهما الإناء، فقالا: هذا الذي قبضناهُ ودفعَهُ إلينا، فقال المطَّلب وعمرو: هل باعَ بُدَيل شيئًا من متاعِه؟ قالا: لا، قال: فهل طالَ مرضُه، فأنفقَ على نفسِه شيئًا؟ قالا: لا، إنَّما مرضَ (٢) حين قدمَ البلدَ، فلم يَلبَث أنْ ماتَ، قالا: فإنَّا قد وجدنا في متاعِه صحيفةً فيها تسميةُ متاعِه، وإنَّا قد فقدنا إناءً مِن فضَّة كذا صفتُه، قالا: لا ندري، ما دفعَ إلينا دفعناهُ إليكم، ومالنا بالإناءِ مِن علمٍ، فتخاصما إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ (٣). وفي رواية معمرٍ عن قتادة وابنِ سيرين، وحجَّاج عن ابن جريج عن عكرمة في هذه القصَّة ذكر ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص: أنَّه هو الذي مرضَ وأوصى ومات، دون بُديل بن ورقاء، قال: فأمرَ رسولُ اللَّه ﷺ أن يَستحلِفوهُما بعد صلاة العصر باللَّهِ الذي لا إله إلَّا هو، ما قبضنا لهُ غيرَ هذا، ولا كتَمنا، قال: فمكثا ما شاءَ اللَّهُ

стр. 2673

أنْ يَمكُثا، ثمَّ ظهرَ عليهما على إناءٍ مِن فضَّةٍ منقوشٍ، مموَّه بالذَّهب، فقال أهلُه: هذا مِن متاعِه، قالا: نعم، ولكنَّا اشتريناهُ منه، ونَسينا أن نذكرَهُ حين حلَفنا، وكرِهنا أنْ نُكذِّبَ أنفسَنا، فترافعوا إلى النَّبيِّ ﷺ ، فنزلَت الآيةُ الأخرى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ الآية، فأمرَ رسولُ اللَّه ﷺ رجلين مِن أهل الميِّتِ أن يَحلِفا أنَّهما كتما، ثمَّ إنَّ تميم الدَّاريَّ أسلمَ، وبايعَ النَّبيَّ ﷺ ، وكان يقول: صدقَ اللَّه ورسوله، إنَّا أخذنا الإناء (١). وفي رواية: اعترف تميمٌ بالخيانة قبلَ الإسلام، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : أسلِم يتجاوزِ اللَّهُ عنك ما صنَعتَ في شِركك، فأسلمَ وحسُن إسلامُه، وماتَ عديٌّ نصرانيًّا (٢). والشيخُ الإمام أبو بكر الشَّاشيُّ القفالُ ﵀ يَحمِلُ الآيةَ على استحلافِهما، ويقولُ في هذه الرواية: إنَّه استحلفَهما، وكذلك في سياقِ هذه الآية: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، وقوله: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ قال: والشهادة في القرآن جاءت لثلاثةِ معانٍ: للبيِّنة على دعوى المدَّعي، كما في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ونحوها. وللحَلِف، قال تعالى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]. وللحضورِ، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾. وتخرَّجُ (٣) الآية وتفسيرُها على قوله هذا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: حَلِفُ ما بينكم، وإذا حذَفَ ﴿مَا﴾، خفَضَ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ على الإضافةِ، كقوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].

стр. 2674

وقوله تعالى: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ وهو المرض؛ لأنَّه مُقدِّمةُ الموتِ، ويُفضي إليه. وقوله تعالى: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾؛ أي: وقتَ الإيصاء، وقتٌ ضُمَّ إلى وقت، كما في قولك: ائتني إذا زَالَتِ الشَّمسُ حين صلاةِ الظهر. وقوله تعالى: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يَحلِفُ اثنانِ عدلانِ مِن أهلِ مِلَّتِكُم أيُّها المسلمون، إذا كانا هما الموصى إليهما والمدفوعُ إليهما مالُ المريض. وقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ أي: مِن غير مِلَّتِكم (١)، إذا كانا هما المدفوع إليهما المالُ؛ لأنَّ الإنسانَ يَأتمن على مالِه مَنْ شاء؛ كافرًا كان، أو مسلمًا. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سِرتُم وسافرتم، ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: اتَّصلَ الموتُ بالمرض. وقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾؛ أي: تَقِفونَهما للتَّحليف، أمرٌ خرجَ على صيغةِ الخبر. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قيل: هي صلاةُ العصرِ، وأهلُ الأديان كلِّها يُعظِّمون ذلك الوقت. وقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يَحلفان به. وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شكَكتُم في أمانتِهما، اعتراضُ شرطٍ هو (٢) في تقديرِ التَّقديم. وقوله تعالى: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (٣) فهذا كلامٌ يَتكلَّمُ به الحالِف قبل حَلِفه تأكيدًا لحالِه، فقد يقول له القاضي: اتَّقِ اللَّهَ، ولا تَحلِف باللَّه كاذبًا، تشتري

стр. 2675

به ثمنًا قليلًا، فيقولُ: معاذ اللَّه أنْ أكونَ كذلك، لا أستبدِلُ بالحَلِفِ أو باسم اللَّه عوضًا يسيرًا من الدُّنيا، وإنْ كان هذا الميِّتُ قريبًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: لا نَكتمُ شيئًا بالحلِفِ باللَّه، والإضافةُ إلى اللَّه تعالى لما أنَّه ثبت بشرعِه، وهو كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ﴾ [نوح: ٤]؛ أي: الأجلُ الذي أثبتَهُ اللَّهُ تعالى. و ﴿شَهَادَةُ﴾ نُصِبَ بنزعِ الباء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾؛ أي: نَأثمُ لو حلَفنا على الكذِبِ. * * * (١٠٧) - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾؛ أي: اطُّلِعَ على خيانتهما، وقد عَثَرَ على الشَّيءِ عُثُورًا؛ أي: اطَّلعَ عليه، وأعثرَهُ غيرُه عليه؛ أي: أطلعَهُ، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١]، وأصلُه: الوقوعُ على الشَّيءِ، مِن العثرةِ بالرِّجلِ، ويُستعمَلُ في الزَّلَّة أيضًا كذلك. وقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾؛ أي: فإنْ ظهَرَت خيانةُ المدَّعى عليهما؛ كما (١) ظهرَ الإناءُ في أيدي هذين، وادَّعيا أنَّهما كانا اشترياهُ مِن هذا المريضِ قبلَ موتِهِ، وصارا مدعيين على الوارثين وهما منكران، فقد قاما مقام هذين في أنَّهما صارا مدعًا عليهما، وصارتِ البيِّنةُ على المدعيين، واليمين على هذين الوارثين، فقد قاما مقامَهما فيَصيرُ الحلفُ عليهِما.

стр. 2676

وقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ قرأ ابنُ كثير في رواية قُرَّة (١)، وعاصم في رواية حفص: ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بفتح التاء والحاء، ومعناه: استحقَّ عليهِمُ الأوْليان ردَّ الأيمان، والباقون: ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بضمِّ التَّاء وكسر الحاء، على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة (٢): ﴿الأوَّلِين﴾ على الجمع، والباقون: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ (٣) على التثنية بالألف التي هي علامةُ الرَّفع. وقال الزَّجَّاج: رُفِعَ لأنَّه بدلٌ عن الضمير في ﴿يَقُومَانِ﴾، على معنى: فليَقُمِ الأوْليان مِن الذين استحقَّ عليهم (٤). وقيل: هو نعتٌ لقوله: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾، وتقديره: آخران أولَيان، وإنَّما صحَّ النَّعتُ بالألف واللَّام، مع أنَّ المنعوتَ بغير الألف واللَّام (٥)؛ لأنَّهما غيرُ معَيَّنين، فأخرجَ الكلام على النَّكرة، ووُصِفا بالقِيام باليمين، فصارا كالمُعرَّفَين، فنُعِتا بالمعرفة. والأولى هي الأحقّ. وقال سعيدُ بنُ جبير وابنُ زيد معناه: الأحقَّان بالوراثةِ مِن (٦) سائرِ أقرباءِ الميِّت (٧). وقيل: أي: الأحقَّان باليمين. وأما قراءةُ: ﴿الأوَّلِين﴾ على الجمع، فتقديرُه: فآخران مِن الأوَّلين الذين

стр. 2677

استحقَّ عليهم يقومان مقام الوصيَّينِ في اليمين، وإنَّما كانوا أوَّلين؛ لأنَّ مِلْكَ الإناءِ كان للورثةِ في الظَّاهرِ، فكانوا هم المتقدِّمين في مِلك الإناء. وقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾؛ أي: الآخرانِ الوارثانِ يَحلفان ما نعلمُ أنَّ مورِّثنا كان باعَ هذا الإناءَ منهما. وقوله تعالى: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾؛ أي: ليَمينُنا أحقُّ بالقَبولِ مِن يمين هذين الوصيَّينِ الخائنين. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾؛ أي: ما تَجاوزْنا الحقَّ في يمينِنا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: إن حلَفنا كاذبين. * * * (١٠٨) - ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ أي: شرْعُ هذا الحكم أقربُ إلى أنْ يأتيَ الأوصياءُ بالأيمانِ على وجهِها؛ أي: بالحقِّ دون الباطل، وجمعَ ﴿أَنْ يَأْتُوا﴾ مع أنَّهما كانا وصيَّين اثنين؛ لأنَّه ابتداءً ذُكِرَ في حقِّ (١) الأوصياء. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: وأن يخافوا إن حلِفوا كاذِبين، وظهرَ ذلك أنْ تردَّ الأيمانُ على الورثةِ بعد أيمانِ الأوصياء. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: في الخيانةِ أو اليمينِ الكاذبة. وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: وعظَ اللَّهِ واعمَلوا به. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لا يُرشِدُ الخارجين عن طاعتِه.

стр. 2678

والذين حمَلوها على الشَّهادةِ المعروفةِ، فتفسيرُ الآية على ذلك أنْ يُقال: قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ هذا المصدرُ في معنى النَّعت، وأضمر في أوَّله العددَ، وتقديرُه: عددُ الشهود فيما بينكم إذا حضرَ أحدَكم الموتُ وقتَ الوصية اثنان عدلان من أهل دينِكم، أو آخران مِن غيرِ أهل دينكم، فقد كان يومئذٍ مَن كان خارج المدينةَ كلُّهم كفَّارًا، فلا يوجدُ المسلمُ فيهم إلَّا على السَّفر، يقول: فإن لم (١) يوجد المسلمان يُستشهَدُ الكافران. وقوله تعالى: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا﴾؛ أي: هذين الشَّاهِدين الكافرين، ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾؛ أي: صلاة (٢) العصر، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أي: شكَكتُم في صدقِ شهادتهما، فهو شرطُ التَّحليف: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾؛ أي: يحلفان أنَّا لا نَستبدِلُ باسمِ اللَّه عرضًا يسيرًا من الدُّنيا، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾؛ أي: الشَّهادةُ الكاذبةُ تَقعُ إمَّا للرَّغبةِ في الرِّشوةِ، أو للميلِ إلى ذي القرابة، فيَنفيان هذين المعنيين؛ لإثبات صدقِهما في الشَّهادة، وتحلِيفُ الشَّاهدِ كان في الابتداءِ ثمَّ نُسِخَ. وقد رويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه كان يرى ذلك عند الارتياب. وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾؛ أي: الشَّهادةَ الحقَّ (٣) التي شرَعَها اللَّهُ تعالى. وقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِين﴾؛ أي: بكتمان الشَّهادةِ وتغييرها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. * * *

стр. 2679

(١٠٧) - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾؛ أي: فإنْ وُقِفَ على كذبِهما في شهادتِهما. وقوله تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾؛ أي: في الشَّهادة، وتقديرُه: فشاهدانِ آخرانِ يَقومانِ مقامَ الذين استَحَقَّ عليهمُ الإثم، و ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ نعتُهما؛ أي: هما الأحقَّان بالشَّهادةِ والقَبول. وقراءة ﴿الأوَّلِين﴾ على هذا التفسير نعتُ ﴿الَّذِينَ﴾ أيضًا؛ أي: يقومان مقامَ الأوَّلِين الذينَ استحقَّ عليهم الإثمُ، وإنَّما جمع ﴿الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ وهما اثنان، وهما الوصيَّان؛ لأنَّه قال: ﴿مِنْ﴾ (١)؛ أي: هما من الذين استحقَّ عليهم الإثمُ. وقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾؛ أي: إنْ شهِدا، ووقعَ الارتيابُ في صدقِهما يَحلفانِ أيضًا: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ وما اعتدينا في شهادتِنا، ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: إنْ شهِدنا (٢) بباطلٍ، ذلك أقربُ إلى أنْ يأتيَ الأوَّلون بالشَّهادةِ على وجهِها، فلا يَكتمون شيئًا، ولا يُخالِفون، ولا يُغيِّرون، وأن يخافوا أنْ تُرَدَّ أيمانُهم بأيمانِ الآخَرين وشهادتهِم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّه﴾ ولا تخالِفوا أمرَه ونهيَه، ﴿وَاسْمَعُوا﴾ وعْظَهُ، واللَّه لا يُرشِدُ إلى الإسلامِ القومَ الفاسِقين؛ أي: الخارجينَ عن طاعتِه المختارِين للكفرِ ما داموا على اختيارِ الكُفرِ. * * *

стр. 2680

(١٠٩) - ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ ذَكرَ مِن أوَّل السُّورةِ إلى هاهنا الأعمالَ، وذكرَ هاهنا يومَ جزاءِ الأعمال. و ﴿يَوْمَ﴾ نصب على الظرفِ لما قبله، قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي﴾؛ أي: لا يَهدي إلى الجنَّةِ ﴿الْفَاسِقِينَ﴾ في ذلك اليوم. وقيل: أضمر فيه: واتَّقوا يومَ يَجمعُ؛ عطفًا على قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّه﴾، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]. وقيل: أضمر فيه: واذكروا يوم يَجمعُ اللَّه الرسل. وقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾؛ أي: ماذا أجابتكُم أُممُكم، وهذا للاستشهاد، فإنَّهم شهداءُ على الأمم، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولا يقول في الابتداء للأمم: ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ إهانةً لهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]، وقال لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾؛ أي: يقولون، وذكر بصيغة الماضي؛ لأنَّه كائنٌ لا محالةَ، فهو كالموجود الآن، وإنما قالوا: لا علم لنا، عند بعضهم؛ لغلبةِ الهيبة؛ لما ذكرَ من الأهوال ومَخوْفِ الأحوال. وقال الإمام أبو منصور ﵀ (١): لو كان كذلك لم يتهيَّأ لهم الإجابةُ

стр. 2681

بقولهم: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، ولأنَّهم شهداء (١)، ولا تَصِحُّ الشَّهادةُ إذا زالَ العقلُ وخفيَ الحال، ولكن لهذا وجهان: أحدهما: أنَّهم سُئلوا عن حقيقةِ إجابتِهم لهم بالضمائر، فقالوا: إنَّك لم تُطلِعنا على الضَّمائر والغيوب (٢)، فأنت أعلمُ بذلك. والثاني: أنَّهم كانوا أحدثوا أمورًا مِن أنفُسهم وابتدَعوها، ونَسبوا ذلك إلى الرُّسل، كما قال: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، فيقولون: لا علم لنا بذلك الذي ابتدَعُوه، ولم نأمرهُم بذلك (٣)، فيُقطع به احتجاجُهم، وإنْ لم يكن لهم الحِجاج. وقيل: يجوزُ ذلك في أوَّلِ الوهلة؛ لأنَّ طبعَ الإنسان على أنَّه إذا رأى أمرًا مخوفًا دَهِشَ، وعلى ذلك خَرَّ (٤) موسى صَعِقًا حين دُكَّ الجبلُ، ويوم القيامة يُجاءُ بجهنَّم ولها زفير وتَغيُّظ، فلا يَبقى مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسلٌ إلَّا جثا بركبتيه، فلا يَبعُدُ أنْ يَلحقَهم دهشة حينئذٍ، ثمَّ تَزولُ، فيجيبون بما علموا (٥)، ويَشهدون على ما شاهدوا. وقال الإمام القشيري ﵀: يُكاشفهُم بنعتِ الجلال، فتَنْخَنِسُ (٦) فهومُهم وعلومُهم، حتَّى يَنطقوا بالبراءةِ عن تحقُّق العلمِ في الحال، وكذا يكون الحالُ غدًا، مَنْ قال بشيءٍ أو صال (٧) بشيءٍ ممَّا يكونُ نعتًا لمخلوق، فعند ظهور أوائل التَّعزُّر (٨)

стр. 2682

تتلاشى الجملةُ؛ فالملائكة يقولون: (ما عبدناك حق عبادتك)، والأنبياء يقولون: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ (١). * * * (١١٠) - ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾؛ أي: يُعدِّدُ اللَّهُ على عيسى يومئذٍ نِعَمَه، فيمِرُّ بذلك كلِّه، ويَتبيَّنُ بذلك بُطلانُ قولِ النَّصارى في اتِّخاذِه واتخاذِ أمِّه إلهين. والنِّعمةُ اسمُ جنسٍ أُريدَ بها الجمعُ؛ فإنَّه ذكرَ بعده أعدادَ نعمِ اللَّه تعالى، والنِّعمةُ عليه ما ذَكرَ في أوَّل (٢) هذه الآية وفي غيرها، وفي حقِّ والدتِه ما ذَكرَ في سورة آل عمران: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ الآيات [آل عمران: ٣٧]. ودلَّت الآيةُ على أنَّ الشُّكر يَجِبُ على الولد بنِعَم الوالدَين؛ لأنَّ النعمةَ عليهما نعمةٌ عليه. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾؛ أي: قوَّيتُك بجبريلَ ﵇. وقيل: أي بالاسم الأعظم، وقد فسَّرناه في سورة البقرة على الكشف. وقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ وهو ما قال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ الآية [مريم: ٣٠].

стр. 2683

وقوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾؛ أي: بعد ثلاثين سنةً، حين أوْحى إليكَ بالرِّسالة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ قيل: الكتابُ والحكمةُ هما التَّوراةُ والإنجيل، وفي كلِّ اسمٍ معنًى آخرُ لمسمَّى واحدٍ. وقيل: ﴿الْكِتَابَ﴾: كُتُب الأوَّلين؛ قيل (١): التَّوراة والإنجيل. وقيل: هو الكتابةُ بالقلم، والحكمةُ: فهمُ الكُتب. وقيل: العملُ بها مع علمِها. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾؛ أي: تُصوِّرُ وتُقدِّر ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾؛ أي: على صورةِ الطَّير. وقوله تعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾؛ أي: بتَخليقي، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ أي: بتخليق اللَّه موتَها. وقوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾؛ أي: تُصِحُّ المولودَ أعمى، والذي به برصٌ. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾؛ أي: تُخرِجُهم مِن قبورِهم أحياءَ، وقد عددناهم في سورة آل عمران (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: وإذ منعتُ اليهودَ عن قتلِك حين همُّوا به؛ إذ أتيتُهم بالعلاماتِ الدالَّة على نُبوَّتِك. وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: فقال الجاحدون مِن بني إسرائيل: ما هذا الذي أتيت به إلَّا سحرٌ (٣) ظاهر.

стр. 2684

وقرأ حمزة والكسائي وخلف (١): ﴿ساحِرٌ﴾ وهو إشارةٌ إلى عيسى ﵇، وقرأ الباقون: ﴿إِلَّا سِحْرٌ﴾ (٢)، وهو إشارةٌ إلى ما أتى به. وكيفيَّةُ كفِّ بني إسرائيلَ عنه ما حكيناه في سورة آل عمران. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: تذكيرُ وجوهِ النِّعم يَستخرِجُ خلاصةَ الحبِّ والهيمان في حديثِ المذكور، وكل وقتٍ للأحباب يمضي، صار لهم حديثًا يُتلى مِن بعدهم؛ إمَّا عليهم وإمَّا عنهم (٣). * * * (١١١) - ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ فسَّرنا الحواريين في سورة آل عمران (٤)، وهذا الوحيُ إلهامٌ، أو وحيٌ إلى نبيِّهم وبَلَّغهم، فصار كقوله: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]؛ أي: إلى نبيِّكُم، فبَلَّغكُم. وقوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾؛ أي: عيسى. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: واشهد (٥) يا عيسى ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: مؤمنونَ مخلِصون. وقيل: أي: واشهد؛ أي (٦): يا ربَّنا، وكان هذا دعاءً منهم، وهذا من جملةِ ما عدَّدَ اللَّهُ على عيسى من النِّعم.

стр. 2685

قال عبيدُ بن عمير: كان قولُه: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ إلى آخره في الدُّنيا، ولمَّا خاطبَه بهذهِ النِّعم، لبسَ مِن الشَّعر، وأكلَ مِن الشَّجر، وباتَ حيثُ أمسى، ولم يَرفع غداءً لعشاء، ولا عشاءً لغداء، وكان يقولُ: مع كلِّ يومٍ رزقُه (١). * * * (١١٢ - ١١٣) - ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِين﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قرأ الكسائيُّ والأعشى في اختياره (٢): ﴿يَسْتَطِيعُ﴾ بتاء المخاطبة لعيسى (٣)، ومعناه: هلْ تَقدِرُ أنْ تسألَ ربَّك، على الإضمار. وقيل: هل تَستدعي إجابةَ ربِّك، والسينُ للسُّؤال، وسؤالُ الطَّوعِ هو سؤالُ الإجابة، فإنَّ قولك: سألتُه كذا فطاعَ لي؛ أي: أجابَني وفعلَه طائعًا غيرَ كارهٍ. وقرأ الباقون: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ (٤) بياء المغايبة، و ﴿رَبُّكَ﴾ بالرَّفع؛ أي: هل يُجيبُ ربُّك، وقد طاع (٥) له طبعُه؛ أي: أجابَهُ، ولم يَكُن هذا شكًّا مِنهم في (٦) قدرةِ

стр. 2686

عيسى على السُّؤال، أو شكًّا في قدرةِ اللَّه تعالى على الإعطاء، ولكنَّه تلطُّف في السُّؤالِ والرَّجاء، كقولك لآخر: أتستطيعُ أنْ تَقضيَ حاجتي، أو يَستطيعُ فلانٌ أنْ يَقضي حاجَتي بشفاعتِك، ويُفهَمُ منه أنَّك تَكرهُ هذا السُّؤال، أو لا تكرهه؟ وفلانٌ يَكرهُ الإجابةَ أو لا يكرهها، وعلى هذا قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠]؛ أي: يكرهونه. وقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قراءة التخفيف (١) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وسهل ويعقوب (٢) على أصل الإنزال (٣)، وقراءةُ التَّشديد -وهي قراءة الباقين- على إنزالِها مرَّةً بعد مرَّةٍ، على ما رويَ، أو على إنزالِها من سماءٍ إلى سماء. والمائدة: الخوانُ عليها الطَّعام، ويقال معناها: المعطية، وقد ماده؛ أي: أعطاه، قال رؤبة: نُهدي (٤) رؤوسَ المترفين الأنداد... إلى أميرِ المؤمنين الممتاد (٥) أي: المستعطي، يُقال: امتادَ فلانٌ سيِّدَه، فمادَهُ؛ أي: استعطاهُ فأعطاه (٦). وقيل: ماد؛ أي: تحرَّك، قال تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، ومعنى المائدة: المُميَّدة، فاعلةٌ بمعنى مفعولة (٧)؛. . . . . . .

стр. 2687

أي: المحرَّكة، أو التي تميدُ (١) النَّاسَ حولَها، أو هي (٢) على حقيقتِها؛ أي: متحرِّكةٌ (٣) قابلةٌ للتَّحريك والنَّقل. وقوله تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: احذروا أنْ يكونَ سؤالُكم سؤالَ شكٍّ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إذْ كنتُم مؤمِنين. وقيل: هو على ظاهرِه، ومعناه: أنَّ الإيمانَ يوجِبُ التَّقوى، وقالوا: الحكمةُ في هذا الجواب مِن عيسى لهم كي يَقولوا ما يَدلُّ على إخلاصِهم وتَصديقِهم، وأنَّ سؤالَهم لم يكن عن ارتيابٍ، فلا يقعَ عند السَّامعين أنَّهم شاكُّون أو متعنِّتون، وذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ كما قال إبراهيمُ ﵇ حين قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾؛ أي: تَزولَ الخطَرَاتُ والوَساوِسُ والشُّبهات. قوله: ﴿أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾؛ أي: نكونَ مخصوصين بهذه النِّعمة. وقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾؛ أي: نَعلمَ صِدْقَك عِلْمَ عِيان، كما كنَّا علمناها علمَ استدلال. وقوله تعالى: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: على المائدةِ ونزولها شاهدين على الجاحدين، بوقوع العلم بالمشاهدة. * * * (١١٤) - ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.

стр. 2688

ولمَّا كان السُّؤالُ سؤالَ زيادةِ العلم، لا سؤالَ التَّعنُّتِ، أجابَهم إلى ذلك، وهو قولُه تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: قال عيسى لبني إسرائيل: هل لكم أنْ تَصوموا للَّه ثلاثين يومًا، ثمَّ تَسألونَه، فيُعطيَكم ما سألتُم، فصاموا (١). ثمَّ إنَّ عيسى ﵇ لبسَ الشَّعر وقام وصلَّى، ونُبيِّنُ كيفيَّةَ ذلك بعد هذا في القصَّةِ إنْ شاءَ اللَّه تعالى. ثم دعا عيسى، فقال: ﴿اللَّهُمَّ﴾؛ أي: يا اللَّه ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يا ربَّنا، ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾. ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ ﴿تَكُونُ﴾ رُفِع لأنَّه مستقبلٌ ذُكِر بطريقِ الصِّفةِ لا الجزاء، ولو كان جزاءً لجُزِم، وفي قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ [مريم: ٥ - ٦] قرئ بقراءتَين؛ بالجزم للجزاء، وبالرَّفع للصَّفة (٢)، وتقديرُه: مائدةً كائنةً لنا عيدًا. وقوله: ﴿عِيدًا﴾؛ أي: طعامًا يُعادُ إليه مرَّةً بعد مرَّةٍ. وقيل: أي: يكونُ ذلك اليومُ الذي تَنزِل فيه المائدةُ عيدًا باقيًا، كالأعيادِ لأهل كلِّ شريعةٍ، تعظيمًا لذلك اليوم، وأضافَهُ إلى المائدة، فقال: ﴿وَنَكُونَ﴾، لثبوت ذلك اليوم بسببها (٣). وقيل: إنَّها نَزلَت في يوم الأحد، وهو عيدُ النَّصارى. وقوله تعالى: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ على القولِ الأوَّل (٤)؛ أي: يأكلُ منها

стр. 2689

الأوَّلون، وهم الحاضرون، والآخِرون؛ أي: الذين يَأتون مِن بعد. وقيل: أي: تكونُ المائدةُ طعامًا دائمًا لنا. وقيل: أي: يَجتمعُ أهلُ مِلَّتِنا عليه قومًا بعد قومٍ، كما في الولائمِ العظيمة. وقوله تعالى: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾؛ أي: علامةً شاهدةً على صِدقي، وإزالةً للشُّبهةِ والوَسواسِ. وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾؛ أي: أعطِنا ما سألناكَ، وأنت خيرُ المعطِين، تَبتدِئ بالعطيَّة قبل الاستحقاق. ختمَ الدُّعاءَ بالثَّناءِ، كما بدأَ به (١) توسُّلًا إلى اللَّه تعالى بطلبِ الإجابة. * * * (١١٥) - ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. وقولُه تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وعدَ الإنزالَ، وشرط عليهم شرطًا وهو قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، وهذا وعيدٌ بالعذابِ بأبلغِ ما يكون، ثم قيل: أرادَ به عالمي زمانِهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٢]. وقيل: أرادَ به كلَّ العالم؛ فإنَّه مسخهَم خنازير، ولم يمسخ قومًا كذلك قبلَهم ولا بعدَهم. وقال الحسنُ البصريُّ وقتادةُ ومجاهدٌ ﵏: لمَّا سَمِعوا الشَّرْطَ خافوا فاستَعفَوا وقالوا: لا نُريدُها، فلم تَنزِل (٢). وقال الحسن: لو نزلَت لكانت باقيةً إلى يوم القيامة؛ لأنهم قالوا: ﴿تَكُونُ لَنَا

стр. 2690

عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ (١). وأكثرُ النَّاسِ على أنَّها نَزلَتْ، وعليه الأخبارُ المشهورة. رويَ عن سلمان الفارسيِّ ﵁ أنَّه قال: إنَّ الحواريين سألوا عيسى ﵇ أنْ يَسألَ اللَّه أنْ يُنَزِّلَ لهم مائدةً، فقام عيسى ابنُ مريمَ، وألقى الصُّوفَ عنه، ولبسَ جبَّةً مِن شعر، ولحافًا مِن شعر، ثمَّ وضعَ يمينَهُ على شِماله، وصفَّ بين قدميه وألزق (٢) كعبَ إحدى قدميه مع الأخرى، وسوَّى الإبهامَ مع الإبهام، وطأطأَ رأسَهُ خاشعًا للَّه تعالى، وأرسلَ عينيه بالبكاءِ حتَّى سالَت الدُّموعُ على لِحيتِه وصدرِه، وهو يَدعو ويتضرَّعُ إلى ربِّه، ثمَّ قال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. فنزلَتْ سفرةٌ حمراءُ بين غمامَتين؛ غمامةٍ فوقَها، والأُخرى تحتَها، منقضَّةٌ في الهواءِ، والنَّاسُ يَنظرون إليها، وعيسى ﵇ يَبكي، ويقولُ: إلهي، اجعلْها رحمةً، ولا تَجعلها عذابًا، إلهي، كم أسألُك من العجائبِ فتُعطيني، إلهي، أعوذُ بك أنْ يكونَ نزولُها غضَبًا ورِجْزًا، وأسألُك أنْ تَجعلَها عافيةً وسلامة، ولا تَجعلْها مُثلةً أو فتنة. فما زال يَدعو ويَتضرَّعُ حتَّى استقرَّت بين يدي عيسى ﵇، والنَّاسُ حولَهُ يَجِدونَ طيبَ ريحِها، لم يَجدوا قطُّ ريحًا أطيبَ منها، فخرَّ عيسى ساجِدًا، وخرَّ (٣) الحواريُّون معَه. وبلغَ ذلك اليهود، فأقبلوا مَغمومين مَكروبين، ونَظروا إلى أمرٍ معجِبٍ، فإذا سُفرةٌ مغطَّاةٌ بمنديلٍ، فرفعَ عيسى رأسَه، واستوى قاعدًا، فقال: لينظر مَن كان خيرَنا، وأحسنَنا عملًا عند ربِّه وأوثَقَنا بنفسِه؛ فليَكشِفَ عن هذه الآيةِ حتَّى نَنظرَ إليها، ونحمدَ إلهَنا عليها، ونأكلَ مِنها، فقال الحواريون: فأنتَ أوْلانا بذلك، وأحقُّنا يا روحَ اللَّه وكلمتَه،

стр. 2691

فقام عيسى وتوضَّأ وضوءًا حَسَنًا وصلَّى صلاةً حسنةً، وبكى بُكاءً طويلًا، ثمَّ أقبلَ حتَّى جلسَ عند السُّفرةِ، ثمَّ قال: بسمِ اللَّهِ خيرِ الرَّازقين، وكشفَ المنديل، فإذا سمكةٌ مشويَّةٌ، ليس لها فلوسٌ، ولا فيها شوكٌ، يَسيلُ السَّمنُ مِنها سيلانًا، وقد وُضِع (١) حولها من ألوانِ البُقول إلَّا الكرَّاث، وخلٌّ عندَ رأسِها، ومِلْحٌ عند ذنبِها، و [حول البُقول] خمسةُ (٢) أرغفةٍ، على كلِّ رغيفٍ زيتونٌ وخمسُ رمانات وتميرات (٣). فقال شمعون وهو رأسُ الحواريين: يا روحَ اللَّه وكلمتَهُ، أمِنْ طعامِ الدُّنيا هذا، أم مِن طعامِ الجنَّة؟ فقال عيسى: ما أخوَفني عليكم أن تُعاقبوا، فقال شمعون: لا وإلهِ بني إسرائيلَ، ما أردتُ بما سألتُك عنه سوءًا، فقال عيسى: نزلَتْ وما عليها مِن السَّماءِ شيءٌ، وليس شيءٌ مِنها مِن طعام الدُّنيا، ولا مِن طعامِ الآخرة، وهو ممَّا ابتدعَهُ اللَّهُ تعالى بالقُدرةِ البالغة، فقال له: كن، فكان، فكُلوا ممَّا سألتُم، واذكروا اسمَ اللَّهِ عليه، واحمَدوا إلهَكم، واشكروهُ يَزِدكُم؛ فإنَّه القادرُ على ما يَشاء. فقال الحواريُّون: يا روحَ اللَّه، كُن أنت أوَّلَ مَن يأكلُ مِنها، ثمَّ نأكلُ نحن، فقال عيسى: معاذَ اللَّه، بل يَأكلُ مِنها الذي سألَها وطلبَها، وفَرِقَ الحواريُّون أن يكون نزولُها سُخْطةُ، وفيها مُثْلَة، فلم يأكلوا منها، فدعا عيسى ﵇ أهلَ الفاقةِ والزَّمانةِ، مِن العميانِ والمجذومِين والمختَلِّين والمجانين، ونحوِ ذلك مِن أنواعِ أهل البلاء مِن النَّاس، فقال: كُلوا مِن رزقِ ربِّكم، ودعوةِ نبيِّكم، وآيةً (٤) مِن ربِّكم، وليَكن مَهنؤها لكم، وبلاؤها لغيركِم، فأكَلوا، فصدرَ عن تلك السَّمكةِ والطَّعامِ ألفٌ وثلاثُ مئةٍ؛ ما بين رجلٍ وامرأةٍ شباعًا، مِن بين فقيرٍ جائع، وذي فاقَةٍ وعيب، فنظرَ عيسى إلى السُّفْرةِ، فإذا هي كهيئتِها حين نزلَت مِن السَّماء، ثمَّ رُفِعَت إلى السَّماء،

стр. 2692

وهم ينظرون إليها صاعدةً، ويَنظرون إلى ظلِّها حتَّى توارَتْ، فاستَغنى كلُّ فقيرٍ (١) أكلَ مِنها يومئذٍ حتَّى مات، وبَرِئ كلُّ مبتلًى، فلم يَزل صحيحًا عتيًّا حتَّى مات. وندمَ الحوارُّيون وسائرُ الناس ندامةً شابَت منها (٢) حواجبُهم وأشفارُ أعينِهم (٣)، فكانت إذا نزلت بعد ذلك، أقبلوا إليها مِن كلِّ مكانٍ يَسعون، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا؛ الأغنياءُ والفقراء، والنِّساء والرِّجال، والصِّغارُ والكبار، وكلُّ صحيحٍ ومريضٍ، يَركبُ بعضُهم بعضًا، فلمَّا رأى ذلك عيسى، جعلها نوائب بينهم، ثم كانَت بعد ذلك تَنْزِلُ غِبًّا (٤)؛ تَنزِلُ يومًا، ولا تنزل يومًا، كناقة صالح (٥) ثمود، ترعى يومًا وتَرِدُ يومًا، فلَبثوا بعد ذلك أربعين يومًا، تَنزِلُ ضحًى، فلا تَزالُ موضوعةً يُؤكلُ منها، فإذا فاء الفيء (٦)، ارتفعَت صاعدةً في (٧) السَّماء يَنظرون إليها وإلى ظلِّها في الأرض، حتَّى تَتوارى عنهم. ثمَّ أوحى اللَّهُ تعالى إلى عيسى ﵇: أن اجْعَل مائدتي ورزقِي لليَتامى والزَّمْنى والفُقراء، دون الأغنياءِ مِن النَّاس، فتَعاظَم ذلك عند الأغنياء، وأذاعوا القبيحَ، وارتابوا، وشكَّكوا النَّاسَ فيها، حتَّى وقعَت الفتنةُ في قلوبِ المرتابين، وحتَّى قال قائِلُهم: يا روحَ اللَّه وكلمتَه، إنَّ المائدةَ لحقٌّ أنَّها تَنزِلُ مِن عند ربنا؟ فقال عيسى ﵇: ويْلَكُم هَلَكتُم، العذابُ نازِلٌ بكم، إلَّا أنْ يَعفو اللَّهُ عنكم (٨) ويرحم.

стр. 2693

فأوحى اللَّهُ تعالى إلى عيسى أنِّي آخِذُهُم بشَرطي الذي اشترطتُ عليهم، وأنِّي معذِّبٌ مِنهم مَن كفرَ بعد نزولِها عليهم بعذابٍ لا أعذِّبُه أحدًا من العالمين. فقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فأخبرَهم بنزولِ العذابِ عليهم، فمسخَ اللَّه تعالى منهم ثلاثةً وثلاثين رجلًا -وفي روايةٍ: ثلاثَ مئة وثلاثة وثلاثين رجلًا- خنازيرَ فأصبحوا يَأكلون العَذِرة في الحُشوش ويتبعون الزِّبلَ في الطُّرق. وكانوا باتوا أوَّل اللَّيلِ على فُرُشِهم مع نسائِهم في دورِهم آمِنين، في أحسنِ صورةٍ وأحسن رزقٍ، فأصبَحوا خنازيرَ، فأصبحَ النَّاس ومَنْ بقيَ منهم فَزِعين خائفين مِن عقوبةِ اللَّه تعالى، وعيسى ﵇ يَبكي ويَتضرَّعُ، وأهلوهم يَبكون معه عليهم، وكانت الخنازيرُ تَسعى إلى عيسى ﵇ إذا أبصرَتْهُ، ويَطيفون حولَه (١)، ويَنظرون إليه، ويَشمُّون ريحَهُ، ويَسجدون له، وأعيُنُهم تَسيلُ دموعًا، لا يَستطيعون كلامًا، ويَقومُ عيسى عليهم، فيناديهم بأسمائِهم (٢): يا فلان ويا فلان، فيقول برأسه: نعم، فيقول: ألمْ أُنذِركم عقوبةَ اللَّه وأُحذِّركُم؛ فيقولون برؤوسهم: نعم، وذلك قولُه تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية [المائدة: ٧٨]، وأنزلَ اللَّهُ تعالى على نبيِّه محمَّدٍ ﵊: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦]. ثمَّ إنَّ عيسى ﵇ سألَ ربَّه أنْ يُميتَهُم، فأماتَهُم اللَّهُ بعد ثلاثةِ أيَّام، فما رأى أحدٌ مِن النَّاس لهم جِيفةً في الأرض، غير أنَّ العقوبةَ إذا نَزلَت مِن السَّماء استأْصَلَت (٣).

стр. 2694

واختلفَت الرِّواياتُ في قدرِ الطَّعام الذي كان فيها وفي نوعه: رويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "نَزلَت وعليها حيتانٌ وأرغفة" (١). ورويَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: خبزٌ وسمكة (٢). وقال وهبٌ: أقرصةٌ مِن شعيرٍ وحيتان (٣). وقال عمارٌ وكعبُ الأحبار: نزلَت وعليها ثمرٌ مِن ثمارِ الجنَّة (٤). وقال عطيَّةُ العوفيُّ: نَزلت وعليها سمكةٌ فيها طعمُ كلِّ شيء. وقيل: كان عليها كلُّ شيءٍ إلَّا اللحم (٥). وقيل: إلَّا اللَّحمُ والخبز. وفي رواية: خمسةُ أرغفة على أحدِها زيتونٌ، وعلى الثَّاني عسل، وعلى الثَّالث سمنٌ، وعلى الرابع جبنٌ، وعلى الخامس قَدِيد، فقالوا: لو أريتنا في هذه الآيةِ آية أخرى، فدعا اللَّه تعالى، فأحيا الحوتَ، وعادَ فيها فلوسُها وشوكُها، ثمَّ قال: عودي بإذنِ اللَّه كما كنتِ، فعادت (٦). وفي رواية: أكل منها ألفُ رجلٍ، وفي روايةٍ: خمسةُ آلافِ رجل. وروي أنَّها نزلت يومًا، ورويَ أنَّها نَزلت ثلاثةَ أيَّام، وروي: سبعة أيام، وروي: أربعين صباحًا.

стр. 2695

وفي حديث الكلبي: فلمَّا أكلوا منها، ورَجعوا إلى قُراهُم ومنازلِهم، ونَشروا هذا الحديثَ، ضحكَ الذين لم يشهدوها، وقالوا: ويحكم، إنَّما سحرَ أعينُكم. فمَن أرادَ اللَّه به (١) الخيرَ يُثبِّتهُ على بصيرتِه، ومَن أرادَ فتنتَهُ، رجعَ إلى كفرِه، فمُسِخوا خنازيرَ، ومكثوا ثلاثةَ أيَّامٍ، ثمَّ هلكوا (٢). وقال ابنُ عمر (٣) ﵄: أشدُّ النَّاس عذابًا يومَ القيامة ثلاثة: آلُ فرعون، ومِن كفر من أصحاب المائدة والمنافقون. ومن أهل النَّظم (٤) مَن قال: لمَّا قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، قال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية، وله وجهٌ آخرُ نَذكرُه في موضعِه إنْ شاءَ اللَّه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنَّ قومًا مِن غيرِ الحواريين سَألوا الحوارييِّن أنْ يَسألوا عيسى أنْ يسألَ ربَّه ذلك؛ لأنَّهم خواصُّه، وهو كمَن كان له إلى السُّلطان حاجةٌ، فيَرجِعُ إلى خواصِّهِ ليَرفعوه إليه. وقيل: إنَّ الحواريِّين سألوا ذلك، ولكن له وجوهٌ: أحدها: ما ذكرنا أنَّهم أرادوا الطُّمأنينةَ. والثاني: أنَّ عيسى ﵇ أخبرَهم أنَّ لهم منزلةً عند اللَّه تعالى، فأحبُّوا أنْ يَعرِفوا ذلك بالإجابة. والثالث: أنَّهم أحبُّوا أنْ يَعلموا به منزلةَ عيسى ﵇ عند اللَّه (٥).

стр. 2696

وقال القشيريُّ: طَلبوا المائدةَ لِتسكُنَ قلوبُهم، وكلٌّ يَطلُب على قدرِ حالتِه، فمِنهم مَن كان سكونُه في مائدةٍ مِن المطاعمِ يَجِدُها، ومنهم مَن كان سكونُه في مائدةٍ مِن المواردِ يَرِدُها، ومنهم عزيز، مَنْ يَجِدُ الغِنى عن برهانٍ يتأمَّلُه، أو بيانٍ يَتطلَّبُه. وقال: شتَّانَ بين أمَّةٍ طلبَ نبيُّهم لهم سُكونًا بإنزال المائدةِ عليهم، وبين قومٍ بَدأهم اللَّهُ تعالى بإنزالِ السَّكينةِ عليهم مِن غير سؤالِ أحدٍ في حقِّهم. وقال: لمَّا وعدَهم الإنزالَ حذَّرَهم العذابَ، ليَعلمَ العالِمون أنَّ المرادَ إذا حصلَ، فالخطرُ أشدُّ، والحالُ مِن الآفة أقربُ، ومهما كانت الرُّتبة أعلى كانت الآفةُ أخْفى (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قيل: انتظامُها بقوله: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، ويقول لعيسى هذا يومَ القيامة، وما بينهُما بيانُ شرفِ عيسى، وأنَّه مع منزلتِه هذه يُخاطَب يوم القيامةِ بهذه الهيئة. وقال السُّدِّيُّ وقطرب: قال اللَّه تعالى له ذلك حين رفعَهُ إلى السَّماء (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا ثلاثةَ أوجه: أحدُها: أنَّه كان وهو في الأرضِ بين أظهرِهم؛ ليكون ذلك حجَّةً لمن اتَّبعَه على مَنْ زاغَ عن طريقته؛ لأنَّه تبرَّأ أنْ يكونَ قال لهم ذلك. ويَحتملُ أنَّه قال له ذلك حين رفعَهُ إلى السَّماء، وقرَّرَ عندَه أنَّ قومَه يقولون ذلك بعد مفارقتِه. ويَحتمل أنَّه يقول ذلك يوم القيامةِ، ويكونُ ﴿قَالَ﴾ بمعنى: يقول، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ [غافر: ٤٩] (٣). وأكثرُهم على هذا؛ لأنَّ ما قبلَهُ، وهو قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾، وما

стр. 2697

بعدَه وهو قوله ﷻ : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، وهو في يوم القيامة. وعن ابن عبَّاسٍ وعطاءِ بن السَّائب كذلك، قال عطاء: فأرعدَ عيسى حتَّى سقطَ إلى الأرض، وهو يقولُ: سبحانك. وروي أنَّه تَتخلَّعُ مفاصِلُه، وتَسقطُ مِن كلِّ شعرةٍ منه قطرة دمٍ. وهذا حالُ مَن لم يُذنِب، ويَعلمُ أنَّ اللَّه تعالى يَعلَمُ منه أنَّه لم يُذنِب، فكيف حالُ مَن غرِقَ في الذُّنوب إذا خاطَبه بالعِتاب علَّامُ الغيوب؟! وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما خاطبَ بذلكَ عيسى دون النَّصارى؛ لأنَّهم في غاية البغضِ عند اللَّه؛ لغاية فحشِ ما تَكلَّموا به، قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]، وهذا كقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]، ولأنَّ عيسى ﵇ أصدقُ النَّاسِ كلِّهم عند النَّصارى، فألزمَهم كذبَهم بقولهم، ثمَّ عذَّبَهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ نزَّهَ اللَّه تعالى عن كلِّ سوءٍ أوَّلًا، ثمَّ قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ﴾؛ أي: ما يَنبغي لي أنْ أقولَ ذلك، وهو ظاهرُ البطلان، وقد قلتُ في الصِّغرِ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، فكيف أقول بخلافه في الكِبَر؟ وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وهذا اعتذارٌ حسنٌ واضح. وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾؛ أي: في ذاتي، ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ أي: في ذاتك (١). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: تَعلمُ ما في غيبي، ولا أعلمُ ما في غيبِك (٢).

стр. 2698

وقال المبرِّدُ: أي: تَعلمُ ما أعلم، ولا أعلمُ ما تَعلم (١)، وتعلم ما أُخفي ولا أعلمُ ما تُخفي (٢)؛ أي: لا أطَّلِعُ على معنى خطابك هذا. وقيل: تَعلمُ ما عندي، ولا أعلمُ ما عندك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وهو اسمٌ للمبالغة. * * * (١١٧) - ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾؛ أي: وحِّدوهُ وأطيعوهُ، وكذلك أخبرَ اللَّه تعالى عنه بقوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال في سورة الزخرف: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦]، ونحوُه في سورة مريم. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ أي: شاهدًا على ما يفعلون ويقولون ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ مدَّةَ كوني فيهم، آمرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾؛ أي: قبضتَني ورفعتَني إلى السَّماء. وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: الحفيظَ والمطَّلِعَ. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مِن قولي وفِعلي، وقولِهم وفعلهم. * * * (١١٨) - ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ إن حُمِل هذا على خطابِه حين رُفِعَ إلى

стр. 2699

السَّماء، فالكنايةُ راجعةٌ إلى الكلِّ، ومعناه: إنْ تُمِتهُم (١) على الكفرِ، وتُعذِّبهم بالنَّار لذلك، فلك الحكمُ في مَلكِكَ (٢) ومِلكك. ووجهٌ آخر: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ للحال (٣) ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: وإنْ تُؤخِّر العذابَ عنهم في الحال إلى الآخرة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: المنتقمُ مِنهم في الآخرة، وتأخيرُ العذابِ يُسمَّى مغفرةً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، قيل: على كفرهم، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] على ذلك. وقيل: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: وإن تَهدِهم وتغفرْ لهم بذلك، فإنَّك أنت المنيعُ في سُلطانِك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمرك، لا مانعَ لك عن مغفرتِهم، ولا شيءَ منك إلَّا وفيه الحكمةُ البالغة. وإن حمل هذا على خطابه يوم القيامة، فمعناه الخصوص مِن العموم، فإن قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ هذا عامٌّ، وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ كذلك، ثمَّ مِنهم مَن ثبتَ على مقالتِه الشَّنيعة، ومنهم من أسلمَ ورجعَ عن ذلك، وحضرَ الفريقان جميعًا يوم القيامة، فيكون قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ إشارةً إلى الكفَّارِ منهم، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إشارةً إلى المؤمنين منهم، ثمَّ في قراءة ابن مسعود ﵁: (وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم) (٤)، وهو ظاهرُ المعنى في نظم الآية.

стр. 2700

فأمَّا قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: مع مغفرتك أنت العزيزُ الحكيم، و ﴿الْعَزِيزُ﴾ في صفة الخَلق: المنتقمُ، وظهورُ العزِّ في الانتقام، فيقول هاهنا: عِزُّك ظاهرٌ، وسلطانُكَ قاهرٌ، وبرهانُك باهرٌ، مع عفوِك عن عبادِك، ومغفرتِك ذنوبَ خلقِك، وعفوُ ملوكِ الدُّنيا قد يكونُ لضعفٍ وعجزٍ، وعفوك لا يكونُ إلَّا لفضلِك وإحسانِك (١)، وكمالِ قدرتِك وسلطانِك، فأنت حكيمٌ في كلِّ أمورِك. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ المعِزُّ لهم بمغفرتِك لهم. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يضرُّك ذنوبُهم. وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ القادرُ على الانتقامِ منهم، والعفوُ عن (٢) القدرة سِمَةُ الكرم. وقيل: ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: أعزُّ مِن أنْ يَتجمَّل بطاعةِ مطيعٍ، أو يتضرَّر بزلَّة عاصٍ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ تَضعُ كلَّ شيءٍ موضعَهُ (٣). * * * (١١٩) - ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قرأ نافع (٤): ﴿يَوْمُ﴾ بالنَّصب على الظَّرف؛ أي: يقولُ اللَّه للأنبياء: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، ولعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ في يوم القيامة.
следующие страницы →