وقال القشيريُّ: طَلبوا المائدةَ لِتسكُنَ قلوبُهم، وكلٌّ يَطلُب على قدرِ حالتِه، فمِنهم مَن كان سكونُه في مائدةٍ مِن المطاعمِ يَجِدُها، ومنهم مَن كان سكونُه في مائدةٍ مِن المواردِ يَرِدُها، ومنهم عزيز، مَنْ يَجِدُ الغِنى عن برهانٍ يتأمَّلُه، أو بيانٍ يَتطلَّبُه.
وقال: شتَّانَ بين أمَّةٍ طلبَ نبيُّهم لهم سُكونًا بإنزال المائدةِ عليهم، وبين قومٍ بَدأهم اللَّهُ تعالى بإنزالِ السَّكينةِ عليهم مِن غير سؤالِ أحدٍ في حقِّهم.
وقال: لمَّا وعدَهم الإنزالَ حذَّرَهم العذابَ، ليَعلمَ العالِمون أنَّ المرادَ إذا حصلَ، فالخطرُ أشدُّ، والحالُ مِن الآفة أقربُ، ومهما كانت الرُّتبة أعلى كانت الآفةُ أخْفى (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ قيل: انتظامُها بقوله: ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، ويقول لعيسى هذا يومَ القيامة، وما بينهُما بيانُ شرفِ عيسى، وأنَّه مع منزلتِه هذه يُخاطَب يوم القيامةِ بهذه الهيئة.
وقال السُّدِّيُّ وقطرب: قال اللَّه تعالى له ذلك حين رفعَهُ إلى السَّماء (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا ثلاثةَ أوجه:
أحدُها: أنَّه كان وهو في الأرضِ بين أظهرِهم؛ ليكون ذلك حجَّةً لمن اتَّبعَه على مَنْ زاغَ عن طريقته؛ لأنَّه تبرَّأ أنْ يكونَ قال لهم ذلك.
ويَحتملُ أنَّه قال له ذلك حين رفعَهُ إلى السَّماء، وقرَّرَ عندَه أنَّ قومَه يقولون ذلك بعد مفارقتِه.
ويَحتمل أنَّه يقول ذلك يوم القيامةِ، ويكونُ ﴿قَالَ﴾ بمعنى: يقول، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ [غافر: ٤٩] (٣).
وأكثرُهم على هذا؛ لأنَّ ما قبلَهُ، وهو قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾، وما
стр. 2697
بعدَه وهو قوله ﷻ : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، وهو في يوم القيامة.
وعن ابن عبَّاسٍ وعطاءِ بن السَّائب كذلك، قال عطاء: فأرعدَ عيسى حتَّى سقطَ إلى الأرض، وهو يقولُ: سبحانك.
وروي أنَّه تَتخلَّعُ مفاصِلُه، وتَسقطُ مِن كلِّ شعرةٍ منه قطرة دمٍ.
وهذا حالُ مَن لم يُذنِب، ويَعلمُ أنَّ اللَّه تعالى يَعلَمُ منه أنَّه لم يُذنِب، فكيف حالُ مَن غرِقَ في الذُّنوب إذا خاطَبه بالعِتاب علَّامُ الغيوب؟!
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وإنَّما خاطبَ بذلكَ عيسى دون النَّصارى؛ لأنَّهم في غاية البغضِ عند اللَّه؛ لغاية فحشِ ما تَكلَّموا به، قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥]، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠]، وهذا كقولِه تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]، ولأنَّ عيسى ﵇ أصدقُ النَّاسِ كلِّهم عند النَّصارى، فألزمَهم كذبَهم بقولهم، ثمَّ عذَّبَهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ نزَّهَ اللَّه تعالى عن كلِّ سوءٍ أوَّلًا، ثمَّ قال: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ﴾؛ أي: ما يَنبغي لي أنْ أقولَ ذلك، وهو ظاهرُ البطلان، وقد قلتُ في الصِّغرِ: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠]، فكيف أقول بخلافه في الكِبَر؟
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وهذا اعتذارٌ حسنٌ واضح.
وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾؛ أي: في ذاتي، ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾؛ أي: في ذاتك (١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: تَعلمُ ما في غيبي، ولا أعلمُ ما في غيبِك (٢).
стр. 2698
وقال المبرِّدُ: أي: تَعلمُ ما أعلم، ولا أعلمُ ما تَعلم (١)، وتعلم ما أُخفي ولا أعلمُ ما تُخفي (٢)؛ أي: لا أطَّلِعُ على معنى خطابك هذا.
وقيل: تَعلمُ ما عندي، ولا أعلمُ ما عندك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ وهو اسمٌ للمبالغة.
* * *
(١١٧) - ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾؛ أي: وحِّدوهُ وأطيعوهُ، وكذلك أخبرَ اللَّه تعالى عنه بقوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال في سورة الزخرف: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦]، ونحوُه في سورة مريم.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ أي: شاهدًا على ما يفعلون ويقولون ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ مدَّةَ كوني فيهم، آمرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾؛ أي: قبضتَني ورفعتَني إلى السَّماء.
وقوله تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: الحفيظَ والمطَّلِعَ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مِن قولي وفِعلي، وقولِهم وفعلهم.
* * *
(١١٨) - ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ إن حُمِل هذا على خطابِه حين رُفِعَ إلى
стр. 2699
السَّماء، فالكنايةُ راجعةٌ إلى الكلِّ، ومعناه: إنْ تُمِتهُم (١) على الكفرِ، وتُعذِّبهم بالنَّار لذلك، فلك الحكمُ في مَلكِكَ (٢) ومِلكك.
ووجهٌ آخر: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ للحال (٣) ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: وإنْ تُؤخِّر العذابَ عنهم في الحال إلى الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: المنتقمُ مِنهم في الآخرة، وتأخيرُ العذابِ يُسمَّى مغفرةً، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦]، قيل: على كفرهم، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] على ذلك.
وقيل: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: وإن تَهدِهم وتغفرْ لهم بذلك، فإنَّك أنت المنيعُ في سُلطانِك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمرك، لا مانعَ لك عن مغفرتِهم، ولا شيءَ منك إلَّا وفيه الحكمةُ البالغة.
وإن حمل هذا على خطابه يوم القيامة، فمعناه الخصوص مِن العموم، فإن قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ هذا عامٌّ، وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ كذلك، ثمَّ مِنهم مَن ثبتَ على مقالتِه الشَّنيعة، ومنهم من أسلمَ ورجعَ عن ذلك، وحضرَ الفريقان جميعًا يوم القيامة، فيكون قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ إشارةً إلى الكفَّارِ منهم، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ إشارةً إلى المؤمنين منهم، ثمَّ في قراءة ابن مسعود ﵁: (وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم) (٤)، وهو ظاهرُ المعنى في نظم الآية.
стр. 2700
فأمَّا قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾؛ أي: مع مغفرتك أنت العزيزُ الحكيم، و ﴿الْعَزِيزُ﴾ في صفة الخَلق: المنتقمُ، وظهورُ العزِّ في الانتقام، فيقول هاهنا: عِزُّك ظاهرٌ، وسلطانُكَ قاهرٌ، وبرهانُك باهرٌ، مع عفوِك عن عبادِك، ومغفرتِك ذنوبَ خلقِك، وعفوُ ملوكِ الدُّنيا قد يكونُ لضعفٍ وعجزٍ، وعفوك لا يكونُ إلَّا لفضلِك وإحسانِك (١)، وكمالِ قدرتِك وسلطانِك، فأنت حكيمٌ في كلِّ أمورِك.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ المعِزُّ لهم بمغفرتِك لهم.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يضرُّك ذنوبُهم.
وقيل: ﴿الْعَزِيزُ﴾ القادرُ على الانتقامِ منهم، والعفوُ عن (٢) القدرة سِمَةُ الكرم.
وقيل: ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: أعزُّ مِن أنْ يَتجمَّل بطاعةِ مطيعٍ، أو يتضرَّر بزلَّة عاصٍ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ تَضعُ كلَّ شيءٍ موضعَهُ (٣).
* * *
(١١٩) - ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قرأ نافع (٤): ﴿يَوْمُ﴾ بالنَّصب على الظَّرف؛ أي: يقولُ اللَّه للأنبياء: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، ولعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ في يوم القيامة.
стр. 2701
وقرأ الباقون بالرَّفع على الابتداء (١)؛ أي يقول اللَّه: إنَّ هذا اليومَ يوم ينفعُ الصَّادِقين فيه صدقُهم في الدُّنيا.
وقال مقاتل ﵀: الصادقون: النَّبيُّون يَنفعُهم صدقُهم، وكان عيسى صادقًا في الدَّنيا فيما قال، فيَنفعُه ذلك، فكذلك يَنفعُ النَّبيِّين فيما شَهِدوا به على أممِهم يومئذٍ (٢).
وقال الكلبيُّ: أي: يَنفعُ المؤمنين إيمانُهم، والصَّادقون مِن أسماءِ المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾.
وقيل: الصادقون: هم الموفُّون بالعقودِ التي أمرَ اللَّهُ تعالى بها في أوَّل هذه السورة.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: ﵃ (٣) بالسَّعي المشكور، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾؛ أي: بالجزاءِ الموفور.
وقيل: أي: بتوفيقِه إيَّاهم على السَّعي المشكور.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ فإنَّه في الآخرة، وهو باقٍ، والفوزُ في الدُّنيا غيرُ باقٍ.
* * *
стр. 2702
(١٢٠) - ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: عيسى وأمُّه مِن جملةِ ذلك، فهما مملوكانِ له، فكيف يَكونان إلهين، وهو قادرٌ عليهما، فهما مقدوران له، فكيف يكونان ربَّين.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: تَمدَّحَ اللَّهُ تعالى بقدرته القديمةِ، الشَّاملةِ لجميع المقدوراتِ، الصَّالحةِ لإيجادِ المصنوعات، فهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ؛ مِن التَّقرُّبِ والإبعاد، والإشقاء والإسعاد، والقَبول والرَّدِّ، والإقبال والصَّدِّ (١).
وروي عن عليُّ بن أبي طالب ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَن قرأَ سورةَ المائدةِ شَفِعَ له عيسى ﵇، وأُعطيَ مثلَ أجور (٢) حواريي عيسى، وكُتِبَ لهُ بِكُلِّ آيةٍ قرأَها مثلُ ثوابِ عُمَّار بيتِ المقدس" (٣).
والحمدُ للَّه ربِّ العالمين (٤)، وصلَّى اللَّهُ على سيدنا محمَّدٍ وآله وصحبِه وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
* * *
стр. 2703
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش
المجلد السادس
دار اللباب
стр. 2704
سورة الأنعام
стр. 2705
سورة الأنعام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بسم اللَّه الذي خلق السَّماوات والأرض، وجعل النُّور والظُّلمات، الرَّحمن الذي أنزلَ من السَّماءِ ماءً، فأخرجَ به من النَّباتِ، وأكثرَ به الثَّمرات، وأنشأَ به جنَّاتٍ معروشاتٍ وغيرَ معروشاتٍ، الرَّحيم الذي جعلنا خلائفَ الأرضِ، ورفعَ بعضنا فوقَ بعضٍ درجات.
وسورةُ الأنعام مكِّيَّة إلَّا ثلاثَ آياتٍ نزلَتْ بين مكَّة والمدينة: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إلى قوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾ [١٥١ - ١٥٣].
وهي مئةٌ وخمسٌ وستُّون آيةً، وقيل: ستٌّ، وقيل: سبعٌ، وقيل: ثمانٌ، والاختلافُ في أربع آيات: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦]، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧].
وكلماتُها ثلاثةُ آلافٍ واثنتان وأربعون، وحروفُها اثنتا عشرةَ ألفًا وأربعُ مئةٍ وثلاثةٌ وثلاثون.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: سورة الأنعام كلُّها مكِّيَّة إلَّا ستَّ آياتٍ منها نزلت بالمدينة: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] إلى آخر ثلاث آياتٍ
стр. 2706
نَزلَت في ردِّ مقالةِ (١) اليهود لعنهم اللَّه، وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاث آيات (٢).
ونزلت هذه السورة جملةً بمكَّة ليلًا، وشيَّعَها سبعون ألف ملك، ولهم زَجَلٌ بالتَّسبيحِ والتَّحميد، حتَّى كادت الأرضُ ترتجُّ، فقال النبيُّ ﷺ : "سبحان اللَّه"، وخرَّ ساجدًا، ثم دعا بالكتَّاب، وأمرَ بكتابتِها من ليلتِه تلك (٣).
وقال سعيدُ بنُ جبير: لم يَنزل مِن الوحي شيءٌ إلَّا ومع جبريل أربعةٌ مِن الملائكة يحفظونَه مِن بين يديه ومن خلفه، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧]، إلَّا سورة الأنعام؛ فإنَّها نزلَت ومعها سبعون ألف ملك (٤).
وقال مجاهد: نزلَتْ معها خمسُ مئة ألف ملكٍ يحرسونَها (٥).
وقال كعبُ الأحبار: فُتحت التوراة بأوَّل سورة الأنعام إلى قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾، وخُتِمت في آخر سورة بني إسرائيل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] إلى آخر السُّورة (٦).
стр. 2707
وقيل: خُتِمَت بآخرِ سورة هود.
وعن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأ ثلاثَ آياتٍ مِن أوَّل سورةِ الأنعام إلى قوله: ﴿يَكْسِبُونَ﴾ حين يصبح (١)، وكَّلَ اللَّهُ به أربعين ألف (٢) ملك، يَكتبون له مثلَ عبادتِهم إلى يوم القيامة، ونزلَ ملكٌ مِن السَّماء السابعة، ومعه مِرزَبَةٌ مِن حديد، فإذا أرادَ الشيطان أنْ يُوسوِسَ في قلبهِ، ضربَهُ بها ضربةً، كان بينه وبينه سبعون حجابًا، فإذا كان يومُ القيامة يقول اللَّه تعالى له: امشِ في ظلِّ عرشي، وكُلْ مِن ثمارِ جنَّتي، واشرب مِن ماءِ الكوثرِ، واغتسل مِن ماء السَّلسبيل، وأنت عبدي وأنا ربُّك" (٣).
وفي حديث أبيِّ بن كعبٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "أُنزِلَ عليَّ سورةُ الأنعام جملةً واحدةً، يُشيِّعُها سبعون ألف ملكٍ، لهم زَجَلٌ بالتَّسبيحِ والتَّحميد، ومَنْ قرأ سورةَ الأنعام ﷺ (٤) واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعددِ كلِّ آيةٍ من سورة الأنعام يومًا وليلة" (٥).
وانتظامُ هذه السُّورة بسورةِ المائدة:
стр. 2708
أنَّ تلك السُّورةَ في ردِّ مقالات أهلِ الكتاب، وهذه السُّورة في ردِّ مقالات المشركين.
والثاني: أنَّ تلك السُّورةَ في بيان الأحكام، وهذه السُّورة في بيان التَّوحيد، وبهما تعبَّدَ اللَّهُ كلَّ خلقِه.
وانتظامُ أوَّلِ هذه السُّورةِ بآخرِ تلك السُّورة أنْ ختمَ تلك السُّورةَ بالملك، وفتح هذه السُّورةَ بالحمد، وقد قال تعالى: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [التغابن: ١]، وتقديرُه: أنَّ اللَّه الذي له ملكُ السَّماوات والأرض هو المستحقُّ للحمد.
* * *
(١) - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ بسطنا الكلامَ فيه في أوَّلِ سورةِ الفاتحة، ومختصره هاهنا: الثَّناءُ للَّهِ تعالى على أفعاله كلِّها، والشُّكرُ للَّهِ تعالى على نعمِهِ كلِّها، والرِّضا منَّا له بقِسَمِه كلِّها، وهو الممدوحُ بالصِّفاتِ التي يَستحقُّها، ودلَّ على ذلك كلِّه الألفُ واللَّامُ في أوَّله، وهما لاستغراقِ الجنس.
قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: بغيرِ عَمَدٍ مِن تحتِها، ولا عِلاقةٍ مِن فوقها، ولا سلسلةٍ مِن جوانبها، قوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾؛ أي: الأرَضين (١)، وقد قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، واسمُ الجنس يَقعُ على الجمع.
وقولُه تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: خلقَ ذلك كلَّهُ، وهو ردٌّ على الثَّنويَّةِ
стр. 2709
في إضافتِهم خلقَ النُّور إلى يَزدان، وخلقَ الظُّلماتِ إلى أهرمن، وعلى ذلك خلقُ كلِّ خيرٍ وشرٍّ.
وقال الحسنُ البصريُّ: ﴿الظُّلُمَاتِ﴾: الكفر، ﴿وَالنُّورَ﴾: الإيمان (١)، ودلَّ ذلك على أنَّ اللَّه تعالى خالقُ كلِّ أفعالِ العباد.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: خلقَ اللَّيلَ والنَّهار.
وقال عليُّ بنُ الحسين: كلُّ ما في القرآن ﴿الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ فهو (٢) الكفر والإيمان، إلَّا في هذه الآية؛ فإنَّه يريدُ بهما اللَّيلَ والنهار، وكذا قال السُّدِّيُّ (٣).
وقال قتادة: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: النَّارَ والجنَّةَ (٤).
وروى عبدُ اللَّه بنُ عمرو بنِ العاص، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنَّ اللَّه تعالى خلقَ خلقَهُ في ظلمةٍ، ثمَّ ألقى عليهم مِن نورِه، فمَن أصابَهُ مِن ذلك النُّور يومئذٍ (٥) اهتدى، ومَنْ أخطأَهُ ضَلَّ" (٦).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: خلقَ اللَّهُ تعالى الظُّلمة قبل النُّور.
وقال قتادة: خلق اللَّه السَّماوات قبل الأرض، والظُّلمةَ قبل النُّور، والجنَّة قبل النار (٧).
стр. 2710
قالوا: خلق اللَّه السَّماواتِ أوَّلًا؛ لأنَّها أشرفُ مِن الأرض، وخلقَ الظُّلمةَ أوَّلًا؛ لأنَّها مِثالٌ للشَّكِّ والحيرة، ثمَّ يُجلِّيها البيانُ والبرهان.
وفي بعض التفاسير: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾؛ أي: وقد جعلَ الظُّلماتِ والنُّور؛ لأنَّ خلقَهُما كان قبل خلقِ السَّماوات والأرض.
وقال وهبُ بنُ منبه: أوَّل ما خلقَ اللَّه تعالى مكانٌ مظلم، ثمَّ خلق جوهرةً، فأضاءَ بها ذلك المكان، ثمَّ نظر إلى الجوهرةِ نظرَ الهيبةِ، فذابَت فصارَتْ ماءً (١).
وقيل: إنَّما جمعَ الظُّلمات، ووحَّد النور؛ لأنَّه مصدرٌ كالطُّول والهُون، فيَستوي فيه الواحد والجمع.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، وكلمة ﴿ثُمَّ﴾ كلمةُ تعجيبٍ، يقول الرجل لآخر: إنِّي قد فعلتُ لك كذا وكذا، ثمَّ تَجفوني! أي: مِن العَجب هذا، ونظيره من القرآن: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢]، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا﴾ [المدثر: ١٥ - ١٦]، ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ومعنى الآية: ثمَّ المشركون مع إقرارِهم بأنَّ اللَّه خلقَهما يَعدلون بِربِّهم سواه؛ أي: يُسوُّون به الأوثان، قاله (٢) قطرب، يُقال: عدلَ الكافرُ بربِّه عدلًا وعدولًا، إذا سوَّى به غيرَه فعبدَه، والعدلُ: التَّسويةُ، عدلَ الشَّيءَ بالشَّيء، إذا سوَّاهُ به (٣).
وقال النَّضرُ بنُ شُمَيل: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: عن ربِّهم يَميلون ويَنحرفون (٤)، وهو كقوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]؛ أي: منها.
стр. 2711
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يُسَفِّهُهم بما جَعلوا له من الشُّركاء، على إقرارٍ مِنهم أنَّه (١) خالقُ السَّماوات والأرض، ولم يجعلوا له شركاءَ في تخليقِهما، وعلى علمٍ منهم بتَعلُّقِ منافعِ الأرض بمنافع السماء، مع بعدِ ما بينَهما؛ أي: كيف جعلوا له شركاءَ يُشرِكونَهُم في العبادة (٢) والربوبيَّة، وهم يَعلمون أنَّه المتفرِّدُ بذلك كلِّه؟!
وقال: النُّور: ما يَكشِفُ عمَّا استترَ مِن أبصارِ الوجوه والقلوب، والظُّلمة: ما تَستُر (٣) وتُغَطِّي على أبصار الوجوه والقلوب (٤).
وقال الرَّبيعُ بنُ أنس: من أوَّلى السَّورة إلى قوله: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في التَّوراة ستُّ مئة آية (٥).
* * *
(٢) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾؛ أي: هو اللَّه الذي خلق السَّماوات والأرضَ، والظُّلماتِ والنُّور: خلقَكُم مِن آدم، وآدمَ مِن تراب، وخلطَ ترابَهُ بالماء، فصارَ طينًا، ثمَّ صار حمأً مسنونًا، ثمَّ صلصالًا، ثمَّ بشرًا سويًّا.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أثبتَ القوالبَ مِن الطِّين، وأودعَها عجائبَ السِّرِّ، وأظهر عليها ما لم يَظهر على مخلوقٍ، فالعبرة بالوَصْل لا
стр. 2712
بالأصل، الأصلُ تربةٌ، والوَصْلُ قُربةٌ، والأصلُ نطفة وقطرةٌ، والوَصلُ تُحفةٌ ونَضْرة (١).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾؛ أي: قَدَّرَ مُدَّةً.
قال ابنُ عباس ﵄ والحسن: هو أجلُ الدُّنيا (٢).
وقال الضَّحَّاك: أجلُ العبدِ إلى الموت، وكذا عن ابنِ عباسٍ ﵄ في رواية، وهو قول قتادة وعطاء (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قيل: أي: هو أجلٌ مسمًى عندَه (٤)؛ أي: هذا الأجلُ المضروبُ معلومٌ عند اللَّه، لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]، وأكثرُهم على أنَّه غيرُ الأجلِ الأوَّل؛ فإنَّه مُنكَّرٌ، ولو كان هو الأوَّلَ لعرَّفَهُ؛ فإنَّ النَّكرةَ إذا أُعيدت عُرِّفت، قال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]، ثمَّ اختلفَتْ ألفاظُ المفسِّرين فيه:
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجلُ الموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ السَّاعةُ والوقوفُ بين يدَي اللَّهِ تعالى (٥).
وقال الضَّحَّاك: ﴿أَجَلًا﴾ أجلُ العبادِ إلى الموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ الآخرةُ والبعثُ بعد الموت.
стр. 2713
وقال قتادة: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجل حياتك إلى أنْ تموت، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ أجلٌ بعد موتِك إلى أنْ تُبعَثَ (١).
وقال الحسن: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجل الدُّنيا مِن يومِ خلقِها إلى أن تَفنى، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يوم القيامة (٢).
وقال الضَّحَّاك: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ أجل الموتِ، لكلِّ نفسٍ أجل، ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ أجلُ السَّاعة ذهابُ الدنيا، والإفضاءُ إلى اللَّه تعالى (٣).
وقال عطاء: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ من مولدِه إلى موتِه، ومن موتِه إلى بعثِه (٤).
ودلَّت الآيةُ على أنَّ الأجلَ واحدٌ، ودلَّ ذلك على بطلانِ قول المعتزلةِ في الأجلَين.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾؛ أي: وبعد هذا البيانِ أنتم تَشكُّون في البعث، و ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا للتَّرتيب وللتعقيب، وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ ليس للتَّرتيب والتَّعقيب في الوجود، بل في الإخبار؛ أي: ثمَّ أَخْبَركُم أنَّه قضى أجلًا، ولا يجوزُ أنْ يُحمَلَ على ترتيبِ الفعل؛ لأنَّه لا تَرتُّبَ في أفعالِ اللَّه تعالى؛ فإنَّ القولَ به يُوجِبُ القولَ بالحدوث، واللَّهُ سبحانه يَتعال عن ذلك علوًّا كبيرًا، ويكون هذا على ترتيب الإخبار،
стр. 2714
كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [الأعراف: ١١]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧].
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جعلَ اللَّهُ تعالى للامتحانِ أجلًا، وللامتنانِ أجلًا، فأجَلُ الامتحانِ في الدُّنيا، وأجلُ الامتنانِ في العُقبى.
قال: ويُقال: ضربَ للطَّلبِ أجلًا، وهو وقتُ المهلة، ثمَّ عقَّبهُ بأجلٍ بعدَهُ، وهو وقتُ الوصلة، فالمهلةُ لها مدًى ومنتهى، والوصلةُ بلا مدًى ولا مُنْتهى (١).
* * *
(٣) - ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ قال أبو روق: هو معبودٌ في السَّماواتِ، ومعبودٌ في الأرض.
وقال ابنُ عباس ﵄: هو إلهٌ واحدٌ في السَّماوات وفي الأرض، لا شريكَ له، وهو كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].
وقيل: أي: هو المستحِقُّ للعبادة في السَّماوات وفي الأرض، وذلك بشهادةِ السَّموات والأرض له بالإلهيَّة، كما قال تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحشر: ١]، فلا يُبطِل إلهيَّتَه إنكارُ مَن أنكرها.
وقيل: أي: هو المنفردُ بالتَّدبير فيهما، وهو كما يُقال: فلانٌ هو الملِكُ في بلد كذا وبلد كذا، لا يُرادُ به أنَّه فيهما بالذَّاتِ، بل بالملك والتَّدبير.
стр. 2715
وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ قيل: هو مقدَّم في التقدير؛ أي: هو اللَّهُ الذي ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ في السَّماوات وفي الأرض.
وقيل: بل هو مُقرَّرٌ في موضعِه، وتفسيرُ الأوَّل ما قلنا.
قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ قال مقاتل: أي: يَعلمُ سرَّ أعمالِكم وجهرَها (١).
وقيل: يَعلمُ ما تُسِرُّون مِن القولِ، وما تَجهرون به، وهو كقوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠].
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾؛ أي: ما تَعملون مِن خيرٍّ أو شرٍّ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: أي: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾؛ أي: ما تُضمِرون في القلوب، ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ ما تَنطِقون به، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ مِن الأفعالِ التي تُعمَلُ بالجوارح، يَعلَمُ ذلك كلَّه، فيُحصيهِ، ويُحاسِبكم به، ويَجزيكُم عليه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
قال: وقيل: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾؛ أي ما خلقَ في أعضائِكم مِن الأسرار، كالسَّمعِ في الأُذُن، والبصرِ في العين، والشَّمِّ في الأنف، والذَّوقِ في الفم (٢)، والنُّطقِ في اللِّسان، ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾؛ أي: ظواهرَ هذه الأعضاء، والبشرُ لا يَعرفون ماهيةَ هذه الأسرار (٣) وحقائقَها (٤).
* * *
стр. 2716
(٤ - ٥) - ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ في الأولى لتأكيد النَّفي وتعميمِ المذكور، وفي الثَّانية للتَّبعيض.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: يَحتمِل من آياتِ توحيدِ اللَّه تعالى (١)، وآياتِ إثباتِ رسالةِ محمَّدٍ ﵊، ويَحتمل آياتِ إثبات البَعث بعد الموتِ، بما أخبرَ أنَّه خلقَهم مِن طينٍ، فإذا ماتوا صاروا تُرابًا، فإذا كان إنشاؤهم مِن ترابٍ، يجوزُ إعادتُهم مِن تراب.
قال: ويحتملُ آيات القرآن (٢)، ويحتمل المعجزات.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: مُنصرِفين بقلوبِهم عن تأمُّلها، فلا يَنتفعون بها، وإنَّما يَنتفِعُ بها مَن تأمَّلها ونظرَ فيها.
وسورةُ الأنعام نَزلَتْ في محاجَّةِ المشركين؛ في إثبات الصَّانعِ وتوحيدِه، وإثباتِ البعثِ بعد الموتِ، ولو لم يكنْ له معجزةٌ أخرى، لكان القرآنُ معجزةً؛ حيث عجزَ الكلُّ عن الإتيانِ بمثله.
وفيه دليلُ وجوبِ محاجَّةِ منكري التَّوحيد، وإلزامِهم بالحجَّة.
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ هي انشقاقُ القمر، وكان بمكَّة (٣).
стр. 2717
قوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: مُكذِّبين، ولذلك ذكرَ التَّكذيبَ فيما بعدَهُ، وهو قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: بالقرآنِ، وبمحمَّد ﷺ .
وقال مقاتل: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾؛ أي: أبو جهلٍ، والوليدُ وأميَّةُ بنُ خلف.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: أخبارُ ما كانوا يَسخرون به مِن آياتِ اللَّه تعالى بنزولِ العقوبةِ بمَن جحدَها.
وقيل: أي: سيَحِلُّ بهم مِن العقوبةِ ما تَنتشرُ به الأخبار، سمَّى ما يُخبِرُ به خبرًا على المجاز.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا﴾؛ أي: يَظهرُ لهم عند حلولِ العقوبةِ غلطُهم فيما كان مِنهم، وهو عقوبةُ الماضي والرَّاهن جميعًا، وقد جرى عليهم في يوم بدرٍ وغيرِه ما جرى، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، ونُبيِّنُ تفصيلَ ذلك في تلك الآيةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: ﴿بِالْحَقّ﴾؛ أي: بنفسِ محمَّدٍ؛ فإنَّ نبيَّنا ﵊ مِن أوَّلِ نُشوئِه إلى آخرِ عمره (١) عُصِمَ، فلَم يأتِ منه ما يُستقبَحُ قَطّ، فدلَّ أنَّ ذلك إنَّما كان لما جعله اللَّه آيةً في نفسِه، وموضعًا لرسالتِه (٢)، مع ما كان له من آياتٍ عظيمةٍ، وأعلامٍ عجيبةٍ.
وقال في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كان النَّبيُّ ﷺ أوعدَهمُ العذابَ، فقالوا: ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾
стр. 2718
[الحج: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، يقولُ اللَّه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ صدقُ هذا الخبر (١).
* * *
(٦) - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ نكرةٌ في موضع (٢) النفي، فعَصَّت، وصار كقولِه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْقُرُونِ﴾ (٣) [يس: ٣١]. والقرنُ: أهلُ كلِّ عصرٍ، سُمُّوا به للاقتران من بعضِهم ببعض.
وقال الزَّجَّاج: القرنُ: أهلُ كلِّ عصرٍ فيه نبيٌّ أو عالمٌ عظيمٌ، سُمُّوا بذلك لاقترانِهم به، وعلى هذا لا يقع الاسمُ على أهل الفترة.
وقيل: مُدَّةُ ذلك سبعون سنة، وقيل: ثمانون سنة (٤).
وقوله تعالى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ التَّمكينُ في البلادِ إعطاءُ المُكنة والمكانة والعُلُوِّ والغلبة (٥).
стр. 2719
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أعطيناكُم ما لم نُعطِ (١)، يعني: وسَّعنا (٢) عليكم في كثرةِ العبيد والمال والأنعام، ومكَّنتُهُ، ومكَّنتُ له، إذا قدَّرتُه على الشَّيء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾؛ أي: السحابَ دارًّا بالمطرِ، فكَثُرَت غلَّاتُهم، ونَمَت مواشيهِم.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾؛ أي: كثُرَت مياهُ الأنهارِ بكثرةِ الأمطار، وتَفجَّرت العيون.
وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهِمْ﴾؛ أي: من تحتِ أشجارِهم.
وقيل: أي (٣): تحت تَصرُّفِهم، وكانوا يُجرونَها حيث شاؤوا في السَّواقي إلى المزارع وإلى الحدائق.
وقيل: أي: من تحت قصورهم، وهم مشرفون عليها، يَنظرون فيها.
وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أي: بتكذيبِهم أنبياءَهم، وبكفرانِهم نعمَ اللَّه، ولم يُغنِهم ذلك، ولم يَدفعْ عنهم العذابَ.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ جمعَ للمعنى؛ لأنَّه اسمٌ للطَّائفة ونحوها، أي خلقنا بعدَهم قومًا آخرين، فليَحذروا أنْ يَنالَهم مثلُ ما نال أولئكَ إذا فعلوا فعلَهم.
وإنَّما قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ مع أنَّهم لم يدركوهم؛ لأنَّه عنى به أقوامًا قد تَقرَّرَ عندهم أخبارُهم؛ مِن عادٍ وثمودَ وأصحابِ مدين ونحوهم (٤)، فصارَ كأنَّهم شاهدوهم.
стр. 2720
ثمَّ أدخل اللَّامَ في قولِه: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾، ولم يُدخله في قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾؛ لأنَّهما لغتان: مكَّنهُ ومكَّن (١) له، فجمعَ بينَهما في آيةٍ، كما جمع بين الإمهال والتمهيل -وهما لغتان- في آيةٍ، وهي قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]، ونظيرُ التَّمكين التَّبوئة، ويُعدَّي ذلك باللَّام وغيرها (٢)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، وقال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]، فجمع بين اللُّغتين في آيتين.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يقول: إنَّ مَن تقدَّمهُم كانوا أشدَّ تمكُّنًا مِن إمهالِنا، وأكثرَ نصيبًا في الظَّاهر مِن نوالنا؛ سَهَّلنا لهم أسبابَ المعاش، ووسَّعنا عليهم أبوابَ الانتعاش، فحين وطَّنوا على كواذبِ المُنى قلوبهم، وأدركوا مِن أحوال الدُّنيا محبوبَهم ومطلوبَهم، فَتحنا عليهم مِن مكامنِ التَّقدير، وأبرزنا لهم مِنْ غوامضِ الأمورِ (٣) ما قَرعوا عليه سنَّ (٤) الندم، وذاقوا دونَه طعمَ الألم، ثمَّ أنشأنا مِن بعدِهم قرنًا آخرين، وأورثناهم مساكنَهم، وأسكنَّا هم أماكنَهم، فلمَّا انخرطوا في الغيِّ في سلكهم، ألحقناهم في الإهلاكِ بهم، سُنّةً منَّا في الانتقام أمضيناها (٥) على أعدائنا، وعادَّة (٦) في الإكرامِ أجريناها لأوليائنا (٧).
стр. 2721
(٧) - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قال الكلبيُّ: أي: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾؛ أي: القرآنَ في صحيفةٍ؛ أي: مكتوبًا في بياضٍ ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: مسُّوه (١)، ولم يقل: عاينوه بأبصارِهم؛ لأنَّ ذلك ثابت مقتضى الإنزال، وهو مكتوبٌ معايَنٌ، وأراد به المعنَيَيْن؛ أي: عايَنوهُ بأبصارِهم، ومسُّوهُ بأيديهِم، لقالوا: ما هذا إلَّا سحرٌ ظاهرٌ.
نزلت في النَّضرِ بن الحارث، وعبدِ اللَّه بنِ أُميَّة المخزوميِّ، ونوفلِ بنِ خويلد؛ قالوا: يا محمد، لن نؤمنَ لك حتَّى تأتيَنا بكتابٍ مِن عند اللَّه جملةً، ومعه أربعةٌ مِن الملائكة يشهدون عليه (٢) أنَّه مِن عند اللَّه، وأنَّك رسولُه، فنَزلت هذه الآيةُ (٣).
وفيها قطعُ طمعِه عن إيمانِهم، وهو في قومٍ علمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم لا يُؤمنون، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الأنعام: ١١١]، ونظير هذا الاقتراح قوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [ا لإسراء: ٩٣].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: قالوا: هلَّا أُنزِلَ عليه ملكٌ يَشهدُ له بالنُّبوَّةِ، ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ كما يَلتمسونَه ويَشهَدُ (٤) له بالنُّبوَّةِ، ويكونُ نذيرًا معه يشاهدونه، فلم يُؤمنوا به، لفرغَ من أمرِهم
стр. 2722
بإنزالِ العذاب المصْطلِم (١) عليهم، من غير إمهالٍ لهم، وهو كقولِه تعالى: ﴿لَوْمَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: حين يَحِقُّ العذابٌ عليهم ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨]، وقد أخبر اللَّهُ تعالى أنَّهم عجِبوا مِن إرسال محمَّدٍ، كما قال: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ص: ٤]، وأخبر أنَّهم ﴿قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وأجابَ عن ذلك، فقال: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء: ٩٥] الآية.
وقال في هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ في صورته، لماتَ النَّاسُ مِن هيبةِ رؤيةِ صورته؛ لأنَّ البشرَ لا يَحتملون رؤيةَ المَلكِ على صورتِه.
وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا﴾ في صورتِهِ، لقامَتِ السَّاعة (٢)، إذ إنزالُ الملائكةِ على صورَتِهم (٣) إنَّما يكون في القيامة.
* * *
(٩) - ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾؛ أي: لا يَقعُ لهم فيما سألوا؛ لأنَّا لو أنزلنا ملكًا لجعلناهُ في صورةِ رجل؛ إذ لو أنزلناهُ على صورةِ الملَك، لم يعاينوه (٤)، على العادةِ التي أجراها للنَّاس، وإذا لم يعاينوه، لم يَثِقوا بكلامِه، ولقالوا: لا نَدري أنَّه صوتُ مَلَكٍ أو غيره، ولو جاءَهم بآيةٍ لكان لهم أن يقولوا: إنَّما عجَزْنا
стр. 2723
عن معارضَتِك؛ لأنَّك من غير جنسنا، لا أنَّه آيةٌ مِن اللَّه، وإذا لم يَجُز أنْ يَكونَ على صورة مَلَك، لهذا وجبَ أن يُجعَلَ في صورةِ رجلٍ، ثمَّ لهم أنْ يَسألوا الدِّلالةَ أنَّه مَلَكٌ جُعِلَ رجلًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ ولوقعَ الالتباسُ هاهنا كما يَقعُ في إرسالِ البشر، واللَّبْسُ والتَّلبيسُ: تَخليطُ الأمرِ وإضافتُه إليه، على معنى أنَّهم لا يُنكِرون في محمَّدٍ أنَّه بَشَرٌ، ويُنكِرونَ أنَّه رسول، ولو أُنزِلَ مَلَكٌ في صورة رجلٍ، لأنكروا رسالتَه، وأنكروا كونَهُ مَلَكًا، وكان ذلك بإنزالنا، فيكونُ اللَّبسُ منَّا حينئذٍ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ولا يجوزُ إضافةُ اللَّبسِ إلى اللَّه تعالى ابتداءً، ويَجوزُ على وجهِ المجازاة، كما في الاستهزاءِ والمكرِ والخِداع (١).
وقال الإمام القشيري ﵀: أخبرَ اللَّهُ تعالى عن كمالِ قدرتهِ في ابتداءِ ما يُريدُ لخليقتِه، وأنَّه بعد ما قضى لهم الضلال، فلو أشهدهَم كلَّ دليلٍ، وأوضحَ لهم كلَّ سبيلٍ، ما ازادوا إلَّا تماديًا في الضلال والنُّفرةِ، وانهماكًا في الجهلِ والفتنة (٢).
* * *
(١٠) - ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قال الزَّجَّاج: أي: نزلَ بهم مكروهٌ من جهةِ فعلهم، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] (٣).
стр. 2724
وقال مقاتل (١): فدار بهم، وكانوا يَستهزؤون بوعيدِ العذاب فنزلَ بهم ذلك (٢).
وفيه تسليةُ النَّبيِّ ﷺ ، على أنَّه ليس هو المخصوص (٣) به، فإنَّ سائرَ الأنبياء فُعِلَ بهم كذلك، وفيه وعدٌ له بنصرتِه وإهلاكِ عدوِّه.
وقوله تعالى: ﴿سَخِرُوا مِنْهُم﴾ قيل: أي: مِن الأنبياء، تعديةً لفعلِ السُّخرية.
وقيل: أي: مِن الأُمم، فإنَّ مِنهم مَنْ لم يَسخر، فهذا وعيدٌ لمن سَخِرَ مِنهم على الخصوص.
* * *
(١١) - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: سافِروا، فاعتبِروا بخرابِ بُلدانِهم (٤)، وزوالِ سلطانِهم؛ بتكذيبِهم أنبياءَهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]، ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨].
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أراهم آياتٍ سمعيَّةً وعقليَّةً، فلم يَنفعهُم ذلك، فأمرَهُم بالنَّظر في الآياتِ الحسِّيَّة (٥).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يقول: دوخوا الأرضَ، وامسحوا الطُّولَ منها
стр. 2725
والعرضَ، ثمَّ انظروا، هل انفلت مِن حكمنا أحدٌ؟ وهل وُجدَ من أمرنا ملتحدٌ؟ (١)
* * *
(١٢) - ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾؛ أي: قل للمكذِّبينَ والمستهزئين: لمَن مُلكُ ما في السَّماوات والأرض، وكانوا مُقِرِّين بأنَّ اللَّهَ ﷻ هو الخالقُ والمالك، فليس لهم أنْ يَجعلوا مع اللَّهِ مِن خلقِه ومُلكِه شريكًا، وكذا إذا كان ذلك كلُّه له، فهو قادرٌ على أنْ يُعاجِلَهُم بالعذاب، واتِّصالُ هذا بالأوَّل مِن هذين الوجهين.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾؛ أي: إن لم يقولوا هم: إنَّه للَّه، فقل أنت: إنَّه للَّه.
وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أصلُه: أوجب، ولكن لا يَجوزُ الإجراءُ على ظاهرِه؛ فإنَّ العبدَ لا يَجِبُ له على اللَّه شيءٌ، لكنَّ سبيلَهُ سبيلُ ما ذُكر بكلمةِ ﴿عَلَى﴾ من قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، ﴿عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، والمرادُ به: أنَّه وَعَدَ ذلك وعدًا مؤكدًا، وهو منْجِزُهُ لا محالة.
وقال الحسنُ: حكمَ على نفسِه بالرَّحمة للتَّوابين أنْ يُدخِلَهم الجنَّةَ؛ فإنَّما يَدخلونَها برحمتِهِ، لا باستحقاقِهم.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي (٢): جعلَ لهمُ الجمعَ يوم القيامة، وفيه إثابةُ المطيعين، وتعذيبُ العاصين، وذاك
стр. 2726
داعٍ في الدُّنيا إلى التَّوبةِ، وتركِ المعصيةِ، وفعلِ الطَّاعة، وهو من الرَّحمة (١).
وقيل: أي: من رحمتِه تأخيرُ العذابِ عنهم إلى يومِ القيامة، وهذا من رحمتِه في حقِّ هذه الأمَّةِ؛ فإنَّ الأممَ الخالية عُذِّبوا كما كذَّبوا.
وقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذا قسَم، وقولُه: ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قيل: ﴿إِلَى﴾ زائدة.
وقيل: هي في معنى "في".
وقيل: هي بمعنى اللَّام.
وقيل: أي: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ في القبورِ إلى يوم القيامة، وهي للغاية.
وقيل: أي: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ في الدُّنيا؛ بإلحاق المتأخِّرين بالمتقدِّمين، إلى أنْ يَجمعهُم يومَ القيامة.
وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شكَّ في الجمعِ، وله وجوهٌ ذكرناها في أوَّلِ سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الخسرانُ: ذهابُ رأسِ المال؛ أي: مَنْ فاتتهُ نفسُه وهلكَتْ في الحقيقة، فهو الذي لا يُؤمِن.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ سائِلهم: هل في الدِّيارِ دَيَّار، وهل للكون في التَّحقيق بعد الحقِّ مقدار، فإنْ بَقُوا على جوابٍ يَشفي، فقل: اللَّهُ في الرُّبوبيَّة يَكفي.
وقال في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾؛ أي: أخبرَ وحكمَ وأراد كما
стр. 2727
عَلِم؛ فمَن تعلَّقَ بنجاتِهِ علمُه، سبقَ بدرجاتِهِ حكمُه، ومن عِلْمُه (١) في آزالِه أنَّه يَشقى، فبقدرِ شقائِه في البلاءِ يَبقى (٢).
* * *
(١٣) - ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: وله ما استقرَّ في اللَّيلِ والنَّهارِ مِن خلقٍ (٣).
وقال أبو روق: إنَّ مِن الخلقِ ما يَستقرُّ نهارًا، ويَنتشِرُ ليلًا، ومنها ما يَستقرُّ ليلًا، ويَنتشِرُ نهارًا (٤).
وقيل: أراد به سكونَ الأشياءِ بقدرته وعظمتِه.
وقيل: معناه: وله ما سَكَنَ وتحرَّك، لكن اكتفى بذكرِ أحدِهما؛ لعلمِ المخاطب به اختصارًا، كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبردَ.
وقيل: ﴿سَكَنَ﴾؛ أي: تمكَّن، وهو لكلِّ متحَرِّكٍ وساكن.
أخبرَ بمجموع الآيتين أنَّه خالقُ (٥) كلِّ زمانٍ ومكانٍ، وله كلُّ ما تَحويهِ الأمكنةُ والأزمنة.
стр. 2728
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾؛ أي: لما يقولونه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يفعلونَه.
وقال الكلبيُّ: إنَّ كفَّارَ مكَّةَ أتوا رسولَ اللَّه ﷺ ، وقالوا: يا محمَّد، إنَّا قد علِمنا أنَّه ما يَحمِلُك على هذا الذي تَدعونا إليه إلَّا الحاجة، فنحنُ نَجمعُ لك مِن أموالنا ما يُغنيك، حتَّى تكونَ مِن أغنانا، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: ما استقرَّ في الليل والنَّهار مِن خلقٍ (١).
وقال (٢): ﴿السَّمِيعُ﴾ لمقالةِ قريش، ﴿الْعَلِيمُ﴾ من حيث يرزقهم.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: أي: الحادثاتُ للَّه ملكًا، وباللَّه ظهورًا، ومِن اللَّه بَدءًا، وإلى اللَّه رجوعًا، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأنينِ المشتاقين، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بحنين الواجدين (٣).
* * *
(١٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ استفهامٌ بمعنى التَّوبيخ؛ أي: قل يا محمَّدُ للمشركين: أيجوزُ أنْ يُظَنَّ بي أنْ أتَّخِذَ غيرَ اللَّه متولِّيًا لي (٤) بالحفظِ والكفايةِ والنُّصرة، كما فعلتُم أنتم، فاتَّخذتُم مِن دون اللَّه أولياءَ، فيَحتمِلُ أنَّهم دعوهُ إلى
стр. 2729
موافقتِهم على الشِّرك، فقال لهم ذلك، ويَحتملُ أنَّه تَلَطَّفَ في الجواب، استدعاءً لهم إلى الإجابة، وأرادَ به: أتتَّخذون أنتم غيرَ اللَّه وَليًّا.
وقوله تعالى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خفض؛ لأنَّه نعت قوله: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أي: هو مبتدِئ خلقِهما.
قال ابن عباس ﵄: كنتُ لا أدري ما الفاطرُ، حتَّى رأيتُ أعرابيين يختصِمان في بئرٍ، فقال أحدُهما: أنا فطرتُها؛ أي: أبتدأتُ حفرها، فعَلِمتُ أنَّه ابتداءُ الخلق (١).
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾؛ أي: يَرزُق غيرَهُ، ولا يَرزقُه أحدٌ، يُقال: فلانٌ مطعَم للصَّيد؛ أي: مَرزوقٌ منه، وهذه طُعمةٌ فلانٍ؛ أي: رزقٌ له، قال أبو تمام:
ومُطْعَمُ النَّصْرِ لم تَكهَمْ أسِنَّتُهُ... يومًا ولا حُجِبَت عن روحِ مُحْتَجِبِ (٢)
وهو كقوله: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢].
وقيل: هو على ظاهره؛ أي: هو الذي يُغَذِّي (٣) الخلقَ، وهو غنيٌّ بذاتِه عن كلِّ شيء، مُنزَّه عن الوصفِ بالطُّعم، فهو غنيٌّ والخلقُ فقراءُ إليه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [فاطر: ١٥].
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: له وَصْفُ الكرمِ، فلذلك يُطْعِمُ، ولهُ حقُّ القِدَم، فلذلك لا يُطْعَم (٤).
стр. 2730
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾؛ أي: ما يكونُ لي أنْ أتولَّى غيرَ اللَّه، فقد أُمِرتُ بهذا، ومعناه: أن أكونَ أوَّلَ مَنْ خضعَ وانقادَ مِن العربِ، أو مِن أهلِ مكَّةَ، أو مِن أهل العصر، والإسلام: هو الاستسلامُ، ولا تَعلُّقَ به لمن قال: إنَّ الإيمانَ لا يَلزمُ إلَّا بالسَّماع؛ لما أوَّلنا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إنَّما صَلَح عطفُ النَّهيِ على الإخبار؛ لأنَّ تقديرَهُ: إنِّي قيل لي: أَسْلِم، ولا تَكوننَّ (١) مِن المشركين، وقد ذكرنا معنى النَّهي عن الشِّرك في حقِّه في مواضع.
* * *
(١٥) - ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: أي: قل يا محمَّدُ لأهلِ مكَّة: إنِّي أعلمُ إنْ عصيتُ ربي فعَبدتُ غيرَه عذابَ يومِ القيامة (٢). ووصفَهُ بالعظيم؛ لأنَّ فيه الأمورَ العظام.
* * *
(١٦) - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (٣) وعاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد وسهل ويعقوب (٤): ﴿يَصْرِف﴾ بفتح الياء (٥)؛ أي: مَنْ يَصْرِف اللَّهُ عنه العذابَ يومئذٍ.
стр. 2731
وقرأ الباقون: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ بضمِّ الياء، على ما لم يسمَّ فاعلُه؛ أي: مَن يُصْرَف عنه عذابُ يومِ القيامة، فقد ذكر العذابَ في الآية الأولى.
وقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾؛ أي: ﵀.
وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّه دائمٌ لا زوالَ له، وليس كفوزِ الدُّنيا أنَّه يَنقطِعُ.
* * *
(١٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: إنْ يُصِبكَ اللَّهُ بفقرٍ، أو مرضٍ، أو بلاءٍ، فلا كاشفَ له إلَّا هو.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾؛ أي: بغِنًى، وسَعَةٍ في الرِّزقِ، وصِحَّةٍ في الجسم، فهو مِن عندِه.
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن السَّعةِ والضِّيق، وهو تحقيقُ قوله: ﴿أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، وأنقادَ للَّه، فأُقِرَّ له بذلك، ولا أتَّخِذَ غيرَهُ وليًّا، وهو المالكُ للنَّفعِ والضُّرِّ.
* * *
(١٨) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ القهرُ: القدرةُ على الغَلَبة،
стр. 2732
والقهَّارُ: مبالغةٌ في صفةِ القاهر، و ﴿فَوْقَ﴾ ليس بصلةٍ لقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾، بل هما كلامان تامَّان، وتقديرُه: وهو القاهر وهو فوق عباده.
و ﴿فَوْقَ﴾ ليس للمكان؛ فإنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ مكانٍ، وقد كان ولا مكان، وهو الآن على ما كان، ولكنَّه أراد به الجلالَ والعلوَّ، وهو مستعمَلٌ في اللُّغة لذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، عنوا به العظمةَ والجلال، لا الارتفاع في المكان.
و ﴿الْحَكِيمُ﴾ العالمُ بتدبير الصَّنعةِ، المانعُ عن الخّلل، و ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالمُ بسرِّ العبادِ وعَلانيتِهم، يقول: وهو القاهرُ، القادِرُ، المحكمُ في أقواله وأفعاله، العالمُ بأحوالِ عبادِه، فلا يُسَوِّي يومَ القيامة بين مَنْ أطاعَهُ ومَنْ عصاه، فلا يَنبغي أنْ يُتَّخَذَ وليٌّ غيرُه، ولا يَنبغي أن يُجعلَ له شريكٌ، ولا يَنبغي أنْ تخافَ المشركين أنْ يَنالوك بسوءٍ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه جميعُ ما يَحتاجُ إليه أهلُ التَّوحيد في التَّوحيد؛ لأنَّه القاهرُ والخلقُ مقهورون، ومِن البعيدِ أن يكونَ بين القاهر والمقهور مناسبةٌ و (١) مشابهةٌ ومشاركةٌ، وجميعُ التَّوحيد يَدور على هذين (٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الآية، إنَّما يُنجيكَ مِن البلاءِ مَن يُلقيكَ في العناء.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: عَلَت رتبةُ الأحدِيَّة صفةَ
стр. 2733
البشريَّة، فهذا لم يَزل، وهذا لم يَكُن فحصَل، ومتى يكونُ البقاء للحدثان مع وضوحِ هذا السُّلطان (١).
* * *
(١٩) - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ قال الكلبيُّ: أتى أهلُ مكَّةَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: أما وجدَ اللَّهُ رسولًا غيرَك، ما نَرى أحدًا يُصَدِّقُك لما تقول، ولقد سألنا عنك اليهودَ والنَّصارى، فزعموا أنَّه ليس لك عندَهم ذِكرٌ، فأرِنا مَنْ يَشهدُ أنَّك رسولُ اللَّه كما تَزعُم، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ (٢).
ودلَّ هذا على أنَّه يَجوزُ إطلاقُ اسمِ الشَّيء على اللَّه ، فإنَّه عبارةٌ عن الموجود، واللَّهُ تعالى موجود، يعني: قل يا محمد للمشركين: أيُّ شيءٍ أعظمُ شهادةً في الصِّدقِ والصِّحَّة؟ فسيقولون: اللَّه؛ لأنَّ هذا قولُهم في الشِّرك.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: قل لهم بعد هذا: هو اللَّهُ شهيدٌ بيني وبينكم، على أنِّي قد بلَّغتُكم وتبرَّأتُ مِن أنْ أتَّخِذَ وليًّا غيرَهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: وإنَّما أوحيَ إليَّ هذا الكتابُ، لأخوِّفَكُم به من عذاب اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾؛ أي: وجميعَ مَن بلغَه هذا ممَّن غابَ عن بلدِكم، أو
стр. 2734
تأخَّرَ عن عصرِكم، وتُحذَفُ هاءُ الكنايةِ في الموصول، يقال: مَن أكرمت أبوك؛ أي: مَن أكرمتَهُ.
وقال مجاهد: أي: ومَنْ بَلَغَه مِن الأعاجمِ وغيرِهم (١).
وقال مقاتل: ومَنْ بلَغَهُ مِن الجِنِّ والإنس (٢).
وقال سعيدُ بن جبير: ومن بلغَهُ القرآن، فكأنَّما رأى النَّبيَّ ﵊ (٣)، وهو في حقِّ كلِّ الخلقِ إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ هذا إلى آخرِ هذه الآيةِ متَّصلٌ بما قبله، وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ هذا معترِضٌ.
قوله ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ استفهام بمعنى التوبيخ، وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾؛ أي: إنَّكم إنْ شهِدتُم بذلك، فإنِّي لا أشهدُ به.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ معناه: سلهم: أتَشهَدون بهذا، فإنَّ مِن العجيب أنْ يَشهدوا بهذا بعد وضوحِ البيان، فإنْ لَجُّوا وشَهِدوا فقل: لا أشهدُ معكم، وحُذفَ هذا لدلالة الكلامِ عليه، وقد بيَّنهُ في موضعٍ آخر، فقال: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾، وهذه الشَّهادةُ مِن اللَّه بإقامة الدلالاتِ ونصبِ المعجزات كما بينا ذلك في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآيةِ دلالة على أنَّ البِشارةَ والنِّذارةِ يكونان ببعثِ آخرَ يُبشِّرُ ويُنذِر، وهو دليلٌ لقول أصحابنا ﵏: إنَّ مَن حلف: أيُّ عبدٍ مِن عبيدي بشَّرني بكذا، فهو حرٌّ، فبشَّرهُ برسولٍ أو بكتابٍ، عَتَق.
стр. 2735
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ قال الحسنُ وقتادة والزَّجَّاج: يعرفون محمدًا (١)؛ أي: إنَّ أهلَ الكتاب الذين يَرجع إليهم هؤلاء المشركون في السُّؤال، يعرفون أن محمدًا رسولَ اللَّه حقٌّ، كما يَعرفون أولادَهم؛ لذِكْرِه في كتابِهم. وقد ذكرنا حديثَ ابنِ سَلام فيهِ في سورة البقرة.
وقال مجاهد: يعرفون أنَّ الإسلامَ دينُ اللَّهِ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه، يَجدون ذلك مكتوبًا عندهم في التَّوراة والإنجيل (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أن يكون معنى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن، وقد أُمِروا أنْ يَأتوا بمثلِه، فعجَزوا عنه، فلَزِمَتهمُ الحجَّةُ، وثَبتَت لهم به المعرفةُ (٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يجوزُ أنْ يكون (٤) نعتًا لقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، ويجوزُ أن يكون مبتدأً، وخبره قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقد فسَّرنا هذا مرَّة في هذه السُّورة (٥).