وقرأ الباقون: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ بضمِّ الياء، على ما لم يسمَّ فاعلُه؛ أي: مَن يُصْرَف عنه عذابُ يومِ القيامة، فقد ذكر العذابَ في الآية الأولى.
وقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾؛ أي: ﵀.
وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّه دائمٌ لا زوالَ له، وليس كفوزِ الدُّنيا أنَّه يَنقطِعُ.
* * *
(١٧) - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: إنْ يُصِبكَ اللَّهُ بفقرٍ، أو مرضٍ، أو بلاءٍ، فلا كاشفَ له إلَّا هو.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾؛ أي: بغِنًى، وسَعَةٍ في الرِّزقِ، وصِحَّةٍ في الجسم، فهو مِن عندِه.
وقوله تعالى: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن السَّعةِ والضِّيق، وهو تحقيقُ قوله: ﴿أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، وأنقادَ للَّه، فأُقِرَّ له بذلك، ولا أتَّخِذَ غيرَهُ وليًّا، وهو المالكُ للنَّفعِ والضُّرِّ.
* * *
(١٨) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ القهرُ: القدرةُ على الغَلَبة،
стр. 2732
والقهَّارُ: مبالغةٌ في صفةِ القاهر، و ﴿فَوْقَ﴾ ليس بصلةٍ لقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾، بل هما كلامان تامَّان، وتقديرُه: وهو القاهر وهو فوق عباده.
و ﴿فَوْقَ﴾ ليس للمكان؛ فإنَّ اللَّهَ خالقُ كلِّ مكانٍ، وقد كان ولا مكان، وهو الآن على ما كان، ولكنَّه أراد به الجلالَ والعلوَّ، وهو مستعمَلٌ في اللُّغة لذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، عنوا به العظمةَ والجلال، لا الارتفاع في المكان.
و ﴿الْحَكِيمُ﴾ العالمُ بتدبير الصَّنعةِ، المانعُ عن الخّلل، و ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالمُ بسرِّ العبادِ وعَلانيتِهم، يقول: وهو القاهرُ، القادِرُ، المحكمُ في أقواله وأفعاله، العالمُ بأحوالِ عبادِه، فلا يُسَوِّي يومَ القيامة بين مَنْ أطاعَهُ ومَنْ عصاه، فلا يَنبغي أنْ يُتَّخَذَ وليٌّ غيرُه، ولا يَنبغي أن يُجعلَ له شريكٌ، ولا يَنبغي أنْ تخافَ المشركين أنْ يَنالوك بسوءٍ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فيه جميعُ ما يَحتاجُ إليه أهلُ التَّوحيد في التَّوحيد؛ لأنَّه القاهرُ والخلقُ مقهورون، ومِن البعيدِ أن يكونَ بين القاهر والمقهور مناسبةٌ و (١) مشابهةٌ ومشاركةٌ، وجميعُ التَّوحيد يَدور على هذين (٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الآية، إنَّما يُنجيكَ مِن البلاءِ مَن يُلقيكَ في العناء.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: عَلَت رتبةُ الأحدِيَّة صفةَ
стр. 2733
البشريَّة، فهذا لم يَزل، وهذا لم يَكُن فحصَل، ومتى يكونُ البقاء للحدثان مع وضوحِ هذا السُّلطان (١).
* * *
(١٩) - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ قال الكلبيُّ: أتى أهلُ مكَّةَ رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: أما وجدَ اللَّهُ رسولًا غيرَك، ما نَرى أحدًا يُصَدِّقُك لما تقول، ولقد سألنا عنك اليهودَ والنَّصارى، فزعموا أنَّه ليس لك عندَهم ذِكرٌ، فأرِنا مَنْ يَشهدُ أنَّك رسولُ اللَّه كما تَزعُم، فأنزل اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ (٢).
ودلَّ هذا على أنَّه يَجوزُ إطلاقُ اسمِ الشَّيء على اللَّه ، فإنَّه عبارةٌ عن الموجود، واللَّهُ تعالى موجود، يعني: قل يا محمد للمشركين: أيُّ شيءٍ أعظمُ شهادةً في الصِّدقِ والصِّحَّة؟ فسيقولون: اللَّه؛ لأنَّ هذا قولُهم في الشِّرك.
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾؛ أي: قل لهم بعد هذا: هو اللَّهُ شهيدٌ بيني وبينكم، على أنِّي قد بلَّغتُكم وتبرَّأتُ مِن أنْ أتَّخِذَ وليًّا غيرَهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: وإنَّما أوحيَ إليَّ هذا الكتابُ، لأخوِّفَكُم به من عذاب اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾؛ أي: وجميعَ مَن بلغَه هذا ممَّن غابَ عن بلدِكم، أو
стр. 2734
تأخَّرَ عن عصرِكم، وتُحذَفُ هاءُ الكنايةِ في الموصول، يقال: مَن أكرمت أبوك؛ أي: مَن أكرمتَهُ.
وقال مجاهد: أي: ومَنْ بَلَغَه مِن الأعاجمِ وغيرِهم (١).
وقال مقاتل: ومَنْ بلَغَهُ مِن الجِنِّ والإنس (٢).
وقال سعيدُ بن جبير: ومن بلغَهُ القرآن، فكأنَّما رأى النَّبيَّ ﵊ (٣)، وهو في حقِّ كلِّ الخلقِ إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ هذا إلى آخرِ هذه الآيةِ متَّصلٌ بما قبله، وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ هذا معترِضٌ.
قوله ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ استفهام بمعنى التوبيخ، وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾؛ أي: إنَّكم إنْ شهِدتُم بذلك، فإنِّي لا أشهدُ به.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ معناه: سلهم: أتَشهَدون بهذا، فإنَّ مِن العجيب أنْ يَشهدوا بهذا بعد وضوحِ البيان، فإنْ لَجُّوا وشَهِدوا فقل: لا أشهدُ معكم، وحُذفَ هذا لدلالة الكلامِ عليه، وقد بيَّنهُ في موضعٍ آخر، فقال: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾، وهذه الشَّهادةُ مِن اللَّه بإقامة الدلالاتِ ونصبِ المعجزات كما بينا ذلك في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الآية [آل عمران: ١٨].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفي الآيةِ دلالة على أنَّ البِشارةَ والنِّذارةِ يكونان ببعثِ آخرَ يُبشِّرُ ويُنذِر، وهو دليلٌ لقول أصحابنا ﵏: إنَّ مَن حلف: أيُّ عبدٍ مِن عبيدي بشَّرني بكذا، فهو حرٌّ، فبشَّرهُ برسولٍ أو بكتابٍ، عَتَق.
стр. 2735
(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ قال الحسنُ وقتادة والزَّجَّاج: يعرفون محمدًا (١)؛ أي: إنَّ أهلَ الكتاب الذين يَرجع إليهم هؤلاء المشركون في السُّؤال، يعرفون أن محمدًا رسولَ اللَّه حقٌّ، كما يَعرفون أولادَهم؛ لذِكْرِه في كتابِهم. وقد ذكرنا حديثَ ابنِ سَلام فيهِ في سورة البقرة.
وقال مجاهد: يعرفون أنَّ الإسلامَ دينُ اللَّهِ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه، يَجدون ذلك مكتوبًا عندهم في التَّوراة والإنجيل (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويجوز أن يكون معنى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآن، وقد أُمِروا أنْ يَأتوا بمثلِه، فعجَزوا عنه، فلَزِمَتهمُ الحجَّةُ، وثَبتَت لهم به المعرفةُ (٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يجوزُ أنْ يكون (٤) نعتًا لقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، ويجوزُ أن يكون مبتدأً، وخبره قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقد فسَّرنا هذا مرَّة في هذه السُّورة (٥).
стр. 2736
(٢١) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار؛ أي: لا أحدَ أظلمُ ممَّن اختلقَ على اللَّه زورًا، فأشركَ به غيرَه، ووصفَهُ بما لم يَصِف به نفسَه.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾؛ أي: بالقرآنِ وبمحمَّدٍ ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: لا يفوزُ المشركون.
وقيل: المشركون وأهلُ الكتابِ ما داموا على ظلمِهم.
* * *
(٢٢) - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: لا يُفلِح الظَّالمون أيَّامَ الدُّنيا ويومَ نحشرُهم.
وقيل: أي: وليتَّقوا يومَ نحشُرُهم؛ أي: نَبعثُهم، ونَجمعُهم كافَّةً، ثمَّ نقولُ للمشركين: أين مَن أشركتُموهم باللَّه مِن آلهتِكم؛ رجاءَ نفعهِم إيَّاكم عند اللَّه؟
أضاف الشُّركاء إليهم في هذه الآية؛ لأنَّهم همُ الذين جعلوها شركاء، وزعموا أنَّهم شركاء، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ [النحل: ٢٧]، فأضافَهم إلى نفسِه؛ لأنَّهم جعلوها شركاءَ للَّه، وهو كما قلنا في الأجل أنَّه قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّر﴾ [نوح: ٤]، وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]، أضاف الأجلَ إلى نفسِه في آيةٍ؛ لأنَّه هو الجاعل، وأضافَهُ إليهم في آيةٍ؛ لأنَّهم هم المجعولُ لهم.
وقوله: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: تقولون.
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يَجمعُهم يومَ الحشرِ والنَّشر، لكنَّه يُفرِّقُهم في
стр. 2737
الحكمِ والأمر، فالبعثُ يَجمعُهم، لكنَّ الحكمَ يُفرِّقُهم (١)، قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
* * *
(٢٣) - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿يَكن﴾ بياء التذكير ﴿فتنتَهم﴾ بالنَّصب، وهو خبرُ كان، والاسم قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن ﴿أَنْ﴾ مع الفعل مصدرٌ، وتقديرُه: إلا قولُهم، بالرفع.
وقرأ نافعٌ وعاصم في رواية أبي بكرٍ وأبو عمرو بتاءِ التَّأنيث، و ﴿فتنتَهم﴾ بالنَّصب، وعلى هذا يكونُ تقديرُه: إلَّا مقالتُهم بالرَّفع فيكونُ اسمًا و ﴿فتنتَهم﴾ خبرًا.
وقرأ ابنُ كثيرٍ في رواية شبل (٢) وابنُ عامر وحفصٌ عن عاصم: ﴿يكن﴾ بياء التَّذكير (٣) و ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾ بالرَّفعِ (٤)، وهو اسمٌ، والتَّذكيرُ لتَقدُّم الفعلِ عليه، ولأنَّ تأنيثَها غيرُ حقيقيٍّ، ولأنَّه مصدرٌ بمعنى الفِتن.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (٥): ﴿ربَّنا﴾ بالنَّصب على النِّداء؛ أي: يا ربَّنا، والباقون ﴿رَبِّنَا﴾ بالكسر (٦)، نعتًا لقوله: ﴿وَاللَّهِ﴾.
стр. 2738
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ثمَّ لم تكنْ معذِرتُهم (١) حين قيل لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟ ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فكذا قال قتادة (٢)، ووجهُه: عذرُ فتنتِهم؛ أي: شركهم في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾.
وقيل: سمَّى المعذرةَ فتنةً؛ لأنَّها صارت بليَّةً لزمتهُم بها الحجَّةُ وعذابًا.
وقال الزَّجَّاج: معناه: ثمَّ لم تكن عاقبةُ ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾؛ أي: كفرهم، إلَّا تبرؤهم عنها بقولهم: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؛ أي: عند أنفُسِنا، بل كنا موحِّدين بإقرارِنا أنَّ الخالقَ واحدٌ والرَّازقَ واحد، وإنَّما عبدنا الأصنامَ ليقرِّبونا إلى اللَّه زُلْفى.
وقال الحسن: هذا في المنافقين، كانوا يَكذبون في الدُّنيا، ويَروجُ كذبُهم، فيَظنُّونَ في الآخرة أنَّه يَرُوج كذبهم، فيقولون ذلك (٤)، وهو كقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨].
وقال مجاهد ومقاتل: هذا قولُ جميع المشركين إذا جمع اللَّه الخلائق، ورأى المشركون سعة رحمةِ اللَّه، وشفاعةَ الرَّسول للمؤمنين، قال بعضُهم لبعض: تعالَوا نكتمُ الشِّرك؛ لعلَّنا نَنجو مع أهل التَّوحيد، فإذا قال اللَّه تعالى لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فيَختمُ اللَّهُ على أفواههم، فتَشهدُ عليهم أيديهم وأرجلُهم (٥).
стр. 2739
(٢٤) - ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ قيل: يقولُ اللَّه تعالى حينئذٍ لمحمَّدٍ ﵊: انظر كيف كذَبوا على أنفسِهم بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: تلاشى افتراؤهم: إنَّا نعبدُهم ليَشفعوا لنا، فلم يَحصل ذلك لهم.
وقيل: أي: اشتغلَ عنهم الآلهةُ التي كانوا يَفترون على اللَّهِ بجعلِها شركاءَ للَّه، فعلى الأوَّل ﴿مَا﴾ للمصدر، وعلى الثَّاني للاسم.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذا الذي أخبرَ عنهم غايةُ التَّمرُّد؛ حيث جَحَدوا وعلى ذلك أقسموا، ولو كان لهم باللَّه عِلْمٌ لتَحقَّقوا بأنَّه يَعلمُ سرَّهُم ونجواهم، فلا يَخفى عليه شيءٌ مِن أولاهم وأُخراهم، لكنَّ الجهلَ الغالب عليهم استنطقَهم بما رجعَ بالفضيحةِ عليهم (١).
* * *
(٢٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾؛ أي: ومِنْ هؤلاء الظَّالمين مَن يَستمِعُ إليك كالمُظهرِ للقَبول والانقياد، وهو مُصِرٌّ على الجحودِ والعناد.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: أغطيةً، جمع كِنان، وهو الغطاء، وقد كنَّ الشَّيء إذا صانه، وأكنَّه؛ أي: غطَّاه. وقوله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾؛
стр. 2740
أي: جَعلنا في أسماعِهم ثِقَلًا، وليس ذلك بإجبارٍ، بل هو عقوبةٌ لهم على اختيارِهم الكفر على إصرارهم، ويدلُّ عليه ما بعدَه، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾؛ أي: كلَّ آيةٍ اقترحوها.
وقيل: الآياتُ المقترحةُ وغيرُها، وهو في قومٍ علمَ اللَّه منهم الاختيارَ للكفر على الأبد؛ أي: يُدخِلون الشُّبهَ فيها، ويَقولون: لعلَّها سحرٌ، ولعلَّها أساطيرُ الأولين.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾؛ أي: يُحاجُّونَك.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: أحاديثُ الأوَّلينَ التي كانوا يَسطرُونَها (١)؛ أي: يكتبونها.
وقال أبو عبيدة: واحدُها إسطار (٢)، وهي التُّرَّهات.
وقال الأخفش: وقيل: واحدها: إسطارةٌ، كالإصبارة (٣)، وقيل: أسطورة (٤)، كالأضحوكة. قال: وهي عندي لا واحدَ لها، وهي كالعباديد والأبابيل (٥).
وقال الزَّجَّاج: هو جمع جمعٍ؛ سطرٌ وأسطارٌ وأساطيرٌ (٦).
وقال الكلبي: استمع إليه أبو سفيان بنُ حرب، والوليدُ بنُ المغيرة، والنَّضرُ بنُ الحارث، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، وأميةُ وأُبي ابنا خلف، والحارث بن عامر: استمعوا
стр. 2741
إلى حديثِ رسول اللَّه ﷺ ، فقالوا للنَّضر بنِ الحارث: ما يقولُ محمَّد؟ قال: والذي جعل الكعبةَ بيتَهُ، ما أدري ما يقول، إلَّا آّني أراهُ يُحرِّكُ لسانَه، ويقولُ أساطيرَ الأولين، مثلما كنتُ أحدِّثُكم عن القرونِ الماضية (١)، وكان النَّضرُ كثيرَ الحديث عن القرون، وقال أبو سفيان: إنَّي لأَرى بعضَ ما يقول حقًا، قال أبو جهل لعنه اللَّه: كلا، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾؛ يعني: إلى حديثك، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾؛ أي: غطاءً وغشاوةً؛ ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أي: لئلَّا يَفقهوه (٢).
وقال الحسنُ: أي: ألَّا يقبلوه (٣)، كقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]؛ أي: لا يَقبلون عن اللَّه.
وقال محمد بن إسحاق: كلُّ ما في القرآن مِن ذكرِ الأساطير، فهو من قول النَّضر بن الحارث، كان يُسافرُ إلى أرضِ العجم، فيَحفظُ حديثَ رستُم واسفنديار، ويُعارِضُ به القرآن (٤).
* * *
(٢٦) - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: هؤلاء الكفَّار يَنهون النَّاسَ عن اتِّباعِ النَّبيِّ ﷺ ، وعن الاستماع منه، قاله مجاهد.
стр. 2742
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أي: يتباعدون بأنفسِهم عنه.
وقيل: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ عن القرآن والإصغاءِ إليه، ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ عن العملِ به، فقد سبقَ ذكرُه عند قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، وذلك كنايةٌ عن القرآن، وهذا قول قتادة (١).
وقال الكلبيُّ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ عن محمَّدٍ مَن سألَهم عنه؛ أنْ يَقربوهُ ويتَّبعوهُ، ويَتباعدون عنه، فلا يتَّبِعونه (٢).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نَزلت في أبي طالب؛ كان يَنْهى أن يُؤذَى رسولُ اللَّه ﷺ ، ويَنأى عمَّا جاءَ به (٣).
ورويَ أنَّ قريشًا لمَّا همَّت بقتلِ النَّبيِّ ﷺ ، وعَلِم به أبو طالب، قال للنَّبيِّ ﷺ : أعلمْتَ أنَّ قريشًا همت بقتلك؟ قال: "نعم"، قال: ومن أنبأكَ به، وهذا أمرٌ خفيٌّ؟! قال: "أنبأني به ربي، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣٠] "، فقال أبو طالب: نِعْمَ الرَّبُّ ربُّك يا محمَّد، فأوصيك به (٤)، ثم خرج أبو طالب وقال للملأ وهُمْ مجتمِعون: يا قوم، إنَّ محمدًا ابنُ أخي وولدي، ومَن همَّ به فأنا مُزهِقٌ روحَه، فطمعَ رسولُ اللَّه ﷺ في إيمانِه، فجاءَ يُحَرِّضُه على الإسلام، فقال أبو طالب:
ودَعَوتَني وزعمتَ أنَّك ناصِحي... ولقد صَدَقتَ وكنتَ قبلُ أمينَا
وعرضتَ دينًا لا محالةَ أنَّه... مِن خيرِ أديانِ البَرِيَّةِ دِيْنَا
لولا الغضاضَةُ أو تكونَ مَسبَّةٌ... لوجدَتني سَمحًا بذاك مبينَا (٥)
стр. 2743
واللَّه لن يَصِلوا إليك بجمعِهم... حتَّى أوسَّدَ في التُّرابِ دَفينَا
فاصْدَع بأمرِكَ ماعليكَ غضاضَةٌ... وابْشِرْ وقَرَّ بذاكَ منْكَ عيونَا
فنزلَتْ فيه هذه آيةُ (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: وما يُورِدونَ مواردَ العذابِ إلَّا أنفسَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يَنتفعون بعلمِهم.
وقيل: وما يَعلمون ما عليهم مِن العذابِ في الآخرة، وهو نفيُ العلمِ بقَدْرِ ذلك، وهو إعظامٌ له (٢).
* * *
(٢٧) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾؛ أي: حُبِسوا، وهو متعدٍّ؛ وقفتُه وقفًا.
قال الأصمعيُّ: قال أبو عمرو: ما سمعتُ أحدًا من العرب يقول: أوْقَفْتُ الشَّيءَ؛ بالألف، إلا أنِّي لو رأيتُ رجلًا بمكانٍ، فقلت له: ما أوقفك هاهنا؟ لرأيته حسنًا (٣)؛ أي: ما عرَّضك للوقوف.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ ابنُ عامر (٤) وحمزةُ وعاصمٌ في رواية حفص: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ﴾ بالنَّصبِ فيهما على
стр. 2744
جواب التَّمنِّي بالواو، وكما في الجواب بالفاء، وتقديرُه: حتَّى لا نُكذِّب وحتَّى نكونَ، وعلى الصَّرف (١) أيضًا، ومعناه: أنَّ قوله: ﴿نُرَدُّ﴾ على التَّمنِّي، وما بعدَهُ ليس على ذلك، بل على الإخبارِ قطعًا، فصرف عن الأوَّلِ بالنَّصب.
وقرأ الباقون بالرَّفع (٢) فيهما على الإخبار ابتداءً، وتقديره: ولسنا نُكذِّبُ بآياتِ ربِّنا، بل نكونُ مِن المؤمنين.
وقرأ ابنُ عامر في رواية: ﴿وَلَا نُكَذِّبُ﴾ رفعًا، وهو يكونُ إخبارًا واقعًا بين التَّمنِّي وجوابِه، ﴿وَنَكُونَ﴾ بالنصب (٣) جوابًا للتَّمنِّي بالواو، ومعنى الآية: ولو ترى يا محمَّد إذْ وُقِفَ هؤلاءِ على النَّار.
وقال الزَّجَّاج: أي: على شفير النار، فتكونُ النَّارُ تحتَهم، وهو قبل أن يَدخلُوها (٤)، كما في قوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣].
وقيل: أي: اطَّلعوا عليها، كما يقال: وقفتُ على حقيقةِ هذا الأمر، وأوقفني عليه غيري، وذلك حين قَرُبوا منها، فرأَوها وعرفوها، ويكون أيضًا بعدما دخلوها وعرفوها (٥)، فقالوا: يا ليتنا نَرجِعُ إلى الدَّنيا فنؤمنَ ولا نكفر، لرأيت أمرًا عظيمًا، هذا محذوفٌ، وهو مقدَّرٌ في جواب ﴿وَلَوْ﴾.
* * *
стр. 2745
(٢٨) - ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿بَلْ﴾ ردٌّ للأوَّل، ومعناه: ليس ما يتمنَّونه مِن الرَّجعةِ رغبةً في الإيمان، لكن أظهرَ اللَّهُ أعمالَهم السيِّئةَ على رؤوسِ الأشهادِ يومَ القيامة، ففضحَهم، كما قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨].
وقيل: ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ﴾ هذا من أهل النِّفاقِ، وقد سبقَ ذِكرُهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾.
وقيل: أي بدا للأتباعِ ما كان الرؤساءُ يُخفونَ مِنهم؛ مِن صدقِ رسولِ اللَّه ﷺ ، ومِن حقيَّةِ (١) البعثِ يوم القيامة.
وقيل: هو إخفاء الضَّمائر، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]، وقال: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠].
وقيل: ظهرَ لهم عقابُ ما كانوا يُخفونَهُ مِن سيِّئاتِ أعمالِهم، كقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]؛ أي: عقابُ ما كَنزتُم.
وقيل: كان مِن المشركين مَنْ إذا خوَّفهُ رسولُ اللَّه ﷺ العذابَ بكفرِه، دخلَهُ خوفٌ على سبيلِ الشَّكِّ، فيُخفيه ولا يُبديه، فيَبدو له ذلك في القيامة.
وقيل: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾؛ أي: لمشركي العرب ما كان أهلُ الكتاب يُخفونَه عنهم مِن قبل، وقد سبق ذِكرُهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: ولو رُدُّوا إلى الدُّنيا لرجَعوا إلى ما نُهوا عنه مِن الشِّرك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: في قولهم: ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
стр. 2746
وقال أبو روق: إذا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وختمَ اللَّهُ على أفواهِهم، وأنطقَ جوارحَهم، فشَهِدَت بما كتموا، فذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١).
وروى مكحولٌ عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: يَعتذرُ اللَّهُ إلى آدمَ ثلاثةَ معاذير؛ أي: يلاطِفُه ثلاثَ ملاطفات:
أولاهنَّ أنْ يقول: يا آدم، لولا أنِّي لعنتُ الكذَّابين، وأبغض الخُلْفَ والكذِبَ، لرحمتُ ذُرِّيَّتكَ اليوم من شِدَّةِ ما أعددتُ لهم، ولكن حقَّ القولُ منِّي لمن كذَّب رسلي، وعصى أمري، أنْ أملأَ جهنَّم منهم أجمعين.
ويا آدم، إنِّي لا أُدخِلُ النَّار إلَّا مَنْ عَلِمتُ أنِّي لو رددتُه إلى (٢) الدُّنيا لم يَتُب ولم يُراجِع عمَّا نهيتُه عنه، ثم قرأ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾.
ويا آدم، كن أنتَ اليومَ بيني وبين ذُرِّيَّتِك، فقُم عند الميزان، فانظُر إلى ما رُفِعَ إليَّ مِن أعمالِهم، فمن زادَتْ حسناتُه على سيِّئاتِه مثقالَ حبَّةٍ مِن خردلٍ، فأدْخِلهُ الجنَّةَ؛ لتعلمَ أنِّي لا أُدخِلُ النَّار إلَّا كلَّ ظالمٍ، ومَن هو أهلٌ لها (٣).
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: تَعلَّقت الخوارجُ بظاهرِ هذه الآية: ﴿وَإِنَّهُمْ
стр. 2747
لَكَاذِبُونَ﴾ أنَّ المؤمنَ إذا قال: لا أُذنب ثمَّ أذنبَ، ظهر أنَّه كاذب في قوله الأوَّل، وقالوا في قوله: ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢]: إنَّهنَّ إذا سرقنَ، أو زَنينَ، ظهرنَ أنَّهنَّ بايعن على الكذب، فلم يكن إيمانًا ولا بيعةً، وقالوا: لمَّا عَلِم اللَّهُ تعالى من هؤلاء ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ سمَّاهم بذلك كاذبين للحال، ثبتَ ما قلنا، لكنَّا نقول: ليس كذلك، بل الكذِبُ: هو الإخبارُ عن الشَّيء على خلافِ ما هو به، وإذا كان اعتقادُ المخبر على ما يخبِرُ به، لم يكن على خلافه، فأمَّا الآيةُ فلها وجوهٌ:
أحدها: أنَّهم أضمروا بخلافِ ما أظهروا، وهو كقوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
والثاني: أنَّ معناه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾؛ أي: ليَكذبون في العاقبةِ، ويُخالِفون ما قالوا، كما يُقول: إنَّه فاعل كذا غدًا.
والثالث: أنَّه سمَّاهم كاذِبين بكذبِهم القديم، كما سَمى أهلَ النَّارِ كفَّارًا بكفرِهم القديم (١).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ غدًا تُهْتَك (٢) الأستارُ، وتَظهرُ الأسرار، فكم مِن متجلِّلٍ بثوبِ تقواهُ، حكمَ له معارِفُه أنَّه زاهد في دنياهُ، راغبٌ في عقباهُ، مُحِبٌّ لمولاه، مفارِقٌ لهواه؟ يُكشَفُ الأمرُ عن (٣) خلافِ ما توهَّموهُ، وافتُضِحَ عندهم بغير ما ظنُّوه، وكم مِن متهتِّكٍ، سُتِرَ بما أُظهِر عليه، ظنَّ الكُلُّ أنَّه خليعُ العِذار،
стр. 2748
مشوَّشُ الأسرار، وظهرَ لذوي البصائرِ طهارتُه، وبرزَ مِن خفايا السِّرِّ حقيقتُه (١).
* * *
(٢٩) - ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾؛ أي: قال هؤلاء الكُفَّار: ما الحياةُ إلَّا حياتُنا القربى؛ أي: الحاليَّة، ولا نُبعثُ بعدَ الموتِ أحياءَ للجزاء.
* * *
(٣٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: حُبِسوا على حسابِ ربِّهم، أو على عذابِ ربِّهم، أو "على" بمعنى اللام، وتقديرُه: وقفوا لربِّهم، كما قال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].
وقيل: أي: حُبِسوا على ما يكونُ مِن أمرِ اللَّه فيهم، قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، ويُقال: هذا الأمرُ موقوفٌ على فلانٍ، وعلى مجيء فلان، وجواب ﴿وَلَوْ﴾ مضمرٌ؛ أي: لرأيتَ أمرًا عظيمًا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: قال اللَّهُ تعالى، أو قال الملَكُ (٢) بأمرِه: أليسَ البعثُ بحقٍّ.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ اعترفوا به مُحقَّقًا بالقسم بعدما كانوا يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
стр. 2749
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أي: فلا نفعَ لكم في هذا الإقرار، فدُوموا في هذا العذابِ بذلك الإنكار.
* * *
(٣١) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ الخسران: الهلاكُ وذهابُ رأسِ المال، وقد فاتَ هؤلاءِ خلاصُ أنفسِهم، ولزمَهُم هلاكُها.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾؛ أي: بالبعثِ للحساب والجزاء، ويكونُ أيضًا برؤية اللَّه التي وعدَها للمؤمنين، وقد كشَفنا معنى الكلمةِ عند قوله: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾؛ أي: حتَّى إذا أتتهم القيامةُ فجأةً، وسُمِّيَت القيامةُ ساعةً؛ لسرعة الحساب فيها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، كأنَّه قيل: وما هي إلَّا ساعةٌ حتَّى يحصلَ أهلُ الجنَّة في الجنَّة، وأهلُ النَّارِ في النَّار.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾؛ أي: يا ندامَتنا على ما قصَّرنا في حقِّها؛ أي: في حقِّ القيامةِ مِن الاستعداد لها، وتقديمِ الأعمال الصَّالحةِ لأجلِها، وحقيقةُ ﴿فَرَّطْنَا﴾ جعلنا غيرَنا الفارِطَ؛ أي: السَّابقَ إلى طاعة اللَّه، فحَصلنا مُتخلِّفين.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾؛ أي: وهم مع هذا التَّحسُّر يَحمِلون أثقالَ آثامِهم على ظهورِهم، وهو عبارةٌ عن لزومِ تلك الآثام لهم، وكونِهم مثقَلِين بها، مرتَهَنين بعذابِ اللَّه تعالى.
стр. 2750
وقوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾؛ أي: يَحمِلون.
قال قتادة: يأتي الكافرَ عملُه الخبيثُ في أقبحِ صورةٍ، وأنتنِ ريحٍ، فيقول له: طالما رَكِبتني في الدُّنيا، فهلمَّ أركبكَ، فيركبُ (١) ظهرَه (٢).
ونظيرُ الحملِ على الظَّهر ما ذُكِر مِن جعله في العنق، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، وما روي (٣): يأتي أحدُكم بالشَّاة في عنقه (٤)، وقوله ﷺ : "من غصبَ شبرًا من أرض طَوّقَهُ اللَّه إلى سبعِ أرضين يوم القيامة" (٥)، وكلُّ ذلك له وجهان:
أحدُهما: معنى اللُّزوم.
والثاني: أن يُجعلَ يوم القيامة صورةً، فيُحمَل على ظهرِه، أو يُطوَّق في عنقِه تعذيبًا له.
стр. 2751
(٣٢) - ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ يَرجِعُ إلى قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾؛ أي: وما الحياةُ (١) التي دعوتُم النَّاس إلى التَّمتُّع فيها، وقلتُم لا حياةَ غيرها؛ في قِصَر مدَّتها وسرعة انقضائها في جنب الحياة الآخرة، إلَّا كلَعِبِ الصِّبيان، ولهْوِ الفُرسان.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: أي: الحياةُ الدُّنيا للدُّنيا خاصَّة (٢) لعبٌ ولهو، واللَّعب: هو الذي لا حقيقةَ له، ولا مقصدَ فيه، واللهو: ما يُقصَدُ به قضاءُ الشهوة، وهو كالعبثِ المذكورِ في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، يقول: لو لم تَكن هذه الحياةُ (٣) لدارٍ أُخرى يُرجى بها الثَّوابُ، ويُخشى بها العقاب، لم يكن فيها حكمةٌ، بل كانت لهوًا ولعبًا، وكذلك خلقُ البشرِ، لو لم يكن للبعثِ والجزاءِ على العمل كان عبثًا (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قرأ ابنُ عامر: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ بلامٍ واحدة على الإضافة (٥)، ومعناهُ: ولَدارُ الحياةِ الآخرةِ، أو ولَدارُ النَّشأةِ الآخرةِ، على ما فسَّرناهُ عند قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤].
وعلى القراءةِ الظاهرة ﴿الآخِرَةُ﴾ نعتٌ للدَّار، ومعنى الآية: إنَّ نعيمَ الآخرةِ خيرٌ مِن نعيم الدُّنيا؛ لأنَّه لا يَزولُ ولا يَحول، ولا يُنتقص ولا يَتنغَّص، وخصَّ به المتَّقين؛ لأنَّهم هم المنتفعون به، والصَّائرون إليه.
стр. 2752
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (١) قرأ نافع وأبو جعفر، وابنُ ذكوان عن ابنِ (٢) عامر (٣)، وعاصمٌ في رواية حفص، وسهلٌ ويعقوب (٤)؛ بتاء المخاطبة، والباقون بياء المغايَبة (٥)؛ أي: أفلا يَعقِلُ المشركون هذا فيعملوا به؟ وهي كلمةُ استبطاء.
* * *
(٣٣) - ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ﴿قَدْ﴾ في الكلام في مثل هذا النَّظم (٦) لثلاثة أوجه:
أحدها: التوقُّع، كقولك: قد ركبَ الأمير، لقومٍ يَتوقَّعون ذلك (٧)، ولمَّا سمعَ النَّبيُّ ﷺ حجَّةَ اللَّهِ عليهم، تَوقَّع ما يُخاطب به في أمورهم (٨)، فقيل هذا.
والثاني: التَّقريبُ من الحال، كقولك: إنْ كان القومُ قد أتَوا فعرِّفني، ويكون معناه هاهنا تقريبَ حالِ الحزنِ من حالِ الخطاب.
والثالث: بمعنى التَّقليل في الأحيان، كقولِك: قد يكون كذا، ويكونُ معناه هاهنا: تقليلَ حزنِه بذلك؛ لتسليةِ اللَّه إيَّاه.
стр. 2753
وقوله: ﴿لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ قال الحسنُ ﵀: قولُ قريشٍ: إنَّك ساحرٌ كذَّابٌ مجنون.
وقيل: هو ما سبق ذكره: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: يَحتملُ أنَّه كان يُحزِنُه افتراؤهم وكذبُهم على اللَّه، أو كان يحزِنهُ تكذيبُ أقاربِه، فإذا كذَّبوه انتهى الخبرُ إلى الأبعدين، فكذَّبوهُ أيضًا، فيَحزنُ لذلك، أو يحزنُ حزنَ طبعٍ؛ لأنَّ طبعَ كلِّ أحدٍ يَنفِرُ عن التَّكذيب، أو كان يَحزنُ إشفاقًا عليهم لما يَنزِلُ عليهم مِن العذاب، وذلك (١) قولُه: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، والآيةُ إخبارٌ مِن اللَّه أنَّه على علمٍ منه بتكذيبِهم إيَّاه بعثَهُ إليهم رسولًا، وأنَّه لا عذرَ له بتركِ التَّبليغِ وإن كذَّبوه (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ قرأ نافعٌ والكسائيُّ بالتَّخفيف (٣)؛ مِن قولك: أكذَبتُ فلانًا؛ أي: وجدتُه كاذبًا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يقول: لا يَجِدونكَ كاذبًا فيما تقول، لكنَّ الكافرين الظَّالمين أنفسَهم، الواضعين الشَّيءَ غيرَ موضعِه، يُنكِرون الحقَّ مع علمِهم به.
وقرأ الباقون: ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بالتشديد، ومعناه: لا يَنسبونكَ إلى الكذب، وهذا مُشكِلٌ مع بقيَّةِ الآية، لكن له وجوهٌ صحيحة.
стр. 2754
قال ابن عباس ﵄: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ من تكذيبهم إياك في العلانية؛ فإنَّهم لا يُكذِّبونك في السِّرِّ، وقد علموا أنَّك صادقٌ، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بمحمَّدٍ والقرآنِ في العلانية (١).
وقال أبو ميسرة: مرَّ رسولُ اللَّه ﷺ على أبي جهلٍ لعنه اللَّه، فقال: يا محمَّد، ما نُكذِّبُك، وإنَّك عندنا لمصدَّقٌ؛ أي: لا نَصِفُكَ بأنَّك رجلٌ كاذبٌ، بل نُسمِّيك أمينًا في سائر الأشياء، ولكنَّنا نُكذِّبُك فيما (٢) جئتنا به، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٣).
وقال أبو يزيد المدني: لقيَ رسولُ اللَّه ﷺ أبا جهلٍ، فصافحَهُ، فلقيَهُ بعضُ شياطينه، فقال له: رأيتُكَ تُصافِحه، فقال: واللَّهِ إنِّي لأَعْلَم إنَّه لصادقٌ، ولكنَّا متى كنا تبعًا لبني عبد مناف، فنزلَت الآية (٤).
وقال السُّدِّيُّ: لمَّا كان يومُ بدرٍ الْتقى الأخنسُ بن شريق وأبو جهل، فقال الأخنسُ: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمَّدٍ، أصادقٌ هو أم كاذب؟ فإنَّه ليس هاهنا أحدٌ يَسمعُ كلامي غيري وغيرُك، فقال أبو جهلٍ لعنه اللَّه: واللَّه إنَّ محمَّدًا لصادقٌ، وما كذبَ محمَّدٌ قطّ، ولكن إذا ذهبَ بنو قُصَيٍّ باللِّواء والسِّقاية والحِجابةِ والنَّدوةِ والنُّبوَّة، فماذا يكونُ لسائرِ قريش (٥).
стр. 2755
وقال مقاتل: نزلَت في الحارثِ بنِ عامر بنِ نوفلَ بن عبد مناف بن قصي، كان يُكذِّبُ النَّبيَّ ﷺ في العلانية، فإذا خلا به مع أهل بيته (١) قال: ما محمَّدٌ مِن أهل الكذب، ولا أحسبُه إلَّا صادقًا، وقال للنبيِّ ﷺ : إنَّا لنَعلمُ أنَّ الذي تَقولُهُ حقٌّ، وإنَّه لا يَمنعُنا أن نتَّبع الهُدى معك إلَّا المخافةُ مِن أنْ يتخطَّفنا النَّاسُ مِن أرضِنا، فنزلَت الآيةُ (٢).
وقال الحسنُ ﵀: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بأنَّ اللَّهَ ليس بخالقهم ولا برازقِهم، ولكنَّ المشركين بدينِ اللَّه الإسلامِ يَجحدون.
وقال الضَّحَّاك: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ أي: لا يُمكنهم إثباتُ الكذبِ عليك، ولا يَقدِرون ألَّا يكونَ الرَّسولُ رسولًا، وعلى ألَّا يكونَ القرآنُ قرآنًا، وإنَّما يُكذِّبونَك بألسنتِهم (٣).
وفي تفسير مالك بن سليمان: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾؛ يعني: المؤمنين، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: الكافرين ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، وهو نظيرُ قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩].
وقيل: أي: فإنَّ الكفَّار لا يُكذِّبونكَ بحُجَّةٍ، فلا تَعتدَّ بتكذيبِهم؛ فإنَّه لا حقيقةَ له، وهو كنَفي الرَّمي في قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧].
وقيل: أي: لا يُكذِّبونك في ردِّ الوحي، وإنَّما يُكذِّبونَني؛ لأنَّك تُخبِرُ به عنِّي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قد نَعلمُ ما قالوا فيك، وإنَّما قالوا ذلك بسبِبنا ولأجلِنا، وقد كنتَ عظيمَ الجاهِ فيهم قبل أن أوقعنا عليك هذا الرَّقم، وكانوا
стр. 2756
يُسمُّونك محمَّدًا الأمين، وإنَّما أصابَك ما أصابكَ لأجلِ حديثنا؛ أي: لإرسالنا (١)، فغيرُ ضائعٍ لك هذا عندنا، وحالُك فينا كما قيل:
أشاعوا لنا في الحيِّ أشنعَ قِصَّةٍ... وكانوا لنا سِلْمًا فصاروا لنا حَرْبًا (٢)
* * *
(٣٤) - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ وقال الكلبيُّ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كذَّبهم قومُهم كما كذَّبتك قريشٌ، ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ في أبدانِهم، ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾؛ أي: عدتنا بهلاكهم (٣)، ﴿وَلَا مُبَدِّلَ﴾؛ أي: لا مغيِّرَ ﴿لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: المواعيد في القرآنِ أنَّه سيَنصرُك والذين آمنوا معك، كما نصرَ الأنبياءَ قبلَك، ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ مِن خبرِهِم في القرآن كيف أنجيناهُم، ودمَّرنا قومَهم (٤).
وكان النبي ﷺ منهم إذا أتى قومًا فكذَّبوهُ وأُهلكوا ونجا هو؛ أتى مكَّةَ، فتَعبَّد فيها حتَّى يأتيَهُ الموتُ.
وقال عكرمة: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ يعني قولَه تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا
стр. 2757
لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية [الصافات: ١٧١]، وقولَه تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] (١)، وقولُه: ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ هو للتبعيض.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يقول: لستَ بأوَّلِ مُكذَّبٍ مِن الرُّسُل، بل كُذِّبَ إخوانُك قبلَك فصبروا، ولم يتركوا تبليغَ الرِّسالة، فعلى ذلك لا عذرَ لك في تركِ تبليغِها، ثمَّ وعدُهُم بالنَّصر يَحتمِل وجوهًا؛ فيحتمل نَصرَهُم بالحُجَج والبراهين، ويحتمل بالغلبة والقهر، ويحتمل بإهلاك الأعداء (٢).
وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: يقول: إنَّ مَن سلكَ سبيلَنا؛ صبرَ (٣) على ما أصابَه في حديثنا، فلا خَسِرَت فينا صفقتُهم، ولا خفيَت علينا حالتُهم، وما قابلَ حكمَنا مَنْ عرفَنا إلَّا بالمُهَج، وما حملوا ما لقُوا فيه إلَّا على الحدق.
إن الأُلى ماتُوا على دينِ الهَوى... وَجَدوا المنيَّة منهلًا معسولًا (٤)
* * *
(٣٥) - ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾؛ أي: ثَقُلَ.
стр. 2758
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سَرَبًا (١)، وقال القتيبي: مدخلًا (٢)، وقال أبو عوسجة (٣): غارًا (٤).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ قال قتادة: درجًا، وقال السُّدِّيُّ: مصعدًا (٥).
وقوله تعالى: ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾؛ أي: ممَّا يَقترحون ذلك فافعل، وهذا مضمَرٌ، يقول: قد ذكرنا أنَّ سائرَ الرسل صبروا، فاصبرْ لتُنصَرَ كما نُصِروا، فإنْ تَعذَّر عليك ذلك، واستعجَلتَ النَّصْرَ، فإن قَدرت على أنْ تأتيَ بذلك مِن الأرضِ أو مِن السَّماء، فافعل، وهذا بيانُ أنَّه ليس بيدِه ذلك، فلا معنى لاستعجالِه وقِلَّةِ صبرِه.
ويُقال هذا الكلامُ لمَن يُنبَّهُ للصَّبر، وأنَّه لا يَنفعُه الاضطراب، وكان النَّبيُّ ﷺ موصوفًا بالصَّبر، والأمرُ به في حقِّه كالأمرِ بالتَّقوى، والنَّهيِ عن الشِّرك (٦)، وسائرُ مخاطباتِه بالأوامرِ والنَّواهي لحكمٍ قد بيَّنَّاها مرَّاتٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: جعلَهم جميعًا بحيث يختارون الهُدى (٧)، ولكن لمَّا علمَ أنَّهم يَختارون الكفرَ على الهُدى، لم يشأ أنْ يَجمعهُم على ذلك، ولا يجوزُ أنْ يُحملَ على مشيئة الجبرِ والقهر؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ هدًى (٨).
стр. 2759
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أنَّ اللَّهَ لو شاء لجمعَهم على الهُدى.
وقيل: ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أنَّ بعضَهم يُؤمِنُ دون بعض.
قال ابنُ عبَّاس ﵄: كان النبيُّ ﷺ يَحرِصُ على أنْ يؤمِنَ جميعُ النَّاس ويتابعوه على الهدى، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١).
وهذا وقوله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يجوزُ خطابُه ﷺ به؛ لِما عُرِفَ أنَّه وإنْ كان معصومًا، ولكنَّ العِصمةَ لا تُزيلُ المِحْنةَ على ما عُرِف.
* * *
(٣٦) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ القولَ (٢)، يقول: إنَّما يَستجيبُ دعاءَك الذين يَسمعون دعاءَك للقَبول والانقياد، فأمَّا مَن ألِفَ الشِّركَ وتمادى في الطُّغيان، فلا.
وقيل: ﴿يَسْمَعُونَ﴾؛ أي: يَنتفعون بالسَّماع.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ قال مقاتل: ﴿وَالْمَوْتَى﴾ يعني: كفَّار مكَّة، يَبعثُهم اللَّهُ في الآخرةِ، ثمَّ إليه يُردُّون، فيَجزيهم بأعمالِهم (٣).
وقيل: هو (٤): ابتداءٌ، وهو على حقيقة الموت.
стр. 2760
(٣٧) - ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: وقال هؤلاء الكفَّارُ: هلَّا نُزِّلَ عليه آيةٌ يَقترحُها، كآيات الأنبياءِ الماضين، مثل: فلق البحرِ لموسى، والناقةِ لصالح؛ مِنْ تَسيير الجبال، وتصيير الصَّفا ذهبًا، وتفجيرِ الينابيع، وإسقاطِ السَّماءِ كِسَفًا، والرُّقيِّ في السَّماء وإنزالِ الكتاب (١)، ونحو ذلك، قل (٢) يا محمد: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ﴾ الآيةَ التي اقترحوها، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
قال مقاتل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما لهم في نزولِها (٣).
وقال القفال ﵀: أي: لا علمَ لهم بوجهِ تخصيص كلِّ نبيٍّ بمعجزةٍ، وإنَّ موسى خرجَ في زمن السَّحرةِ، فأتى بمعجزةٍ مِن جنسِ ذلك، وعرفوا أنَّ ما أتى به ليس ممَّا يَدخلُ في وِسْع البشر، وعيسى خرجَ في زمنِ الأطبَّاء، فأتى بمعجزةٍ مِن جنس ذلك، وعرَفوا أنَّه لا يدخل (٤) في وِسْعهم ذلك، فلَزِمتهُم به الحُجَّةُ، ومحمَّدٌ ﷺ خرجَ في زمنِ البُلغاء والفُصحاء، فأتى بالقرآنِ، وعَجَزوا عن معارضتِه، ولزِمَتهمُ الحُجَّةُ، ولو أتى بما كان مِن جنسِ معجزاتِ سائرِ (٥) الأنبياء، لكان لأهلِ عصرِهِ أنْ يَقولوا: ليس هذا من جنسِ عملنا، فلا نَقدر على معارضتِك، ولغيرِنا أنْ يُعارِضَكَ بمثلِه.
стр. 2761
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّه إذا أُنزِلت الآيةُ الاقتراحيَّةُ ولم يُؤمنوا، استؤصلوا، ومحمَّدٌ ﷺ نبيُّ الرَّحمةِ، فلا استِئصالَ في زمانِه.
ويَحتمل ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللَّهَ لا يُنزِلُ الآية إلَّا عند الحاجةِ بهم إليها، ولا حاجة إليها، فقد نَزلَت الآياتُ العقليَّةُ والسَّمعيَّةُ والحِسِّيَّةُ؛ أي: القرآنُ، والإخبارُ عن الكائنات، وتكثيرُ الطَّعامِ والشَّراب.
وقيل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يَطلبون ذلك للعلمِ، بل للتَّعنُّتِ (١).
* * *
(٣٨) - ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: حيوانٍ يَدِبُّ على وجه الأرض.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هو للتَّأكيد والتَّحقيق، فإنَّ الطَّيران قد يُستعمَلُ للسُّرعةِ مجازًا، فذِكرُ الجناحين لإثباتِ حقيقةِ الفعل.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؛ أي: أصنافٌ، وقد ذكرنا وجوهَ الأُمَّة عند قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقوله تعالى: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: قال أبو هريرة ﵁: أي: سيحشرون (٢) يومَ القيامة كما تُحشرون أنتم (٣)، ثمَّ يُقتَص
стр. 2762
للبهائمِ بعضِها من بعض، ثمَّ يُقال لها: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] (١).
قال: وقيل: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؛ أي: يفقهُ بعضُها مِن بعض كما يَفقهُ بعضُكم مِن بعض.
قال: وقيل: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ في معرفةِ ما يُؤتى وما يُتَّقى.
ويَحتمل: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في الكثرةِ والعددِ والخَلْقِ والصُّنوفِ، تُعرَفُ بالأسامي كما تعرفون أنتم، وهذا قولُ مجاهدٍ ﵀ (٢).
وقيل: ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ (٣)؛ أي: مسخَّرةً لكم، وليس يكون مِنهم ما يكونُ مِنكم، مِن العنادِ، وتكذيبِ الرُّسلِ، والخروجِ عليهم.
قال: ويحتمل ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ في معرفةِ وحدانيَّةِ اللَّهِ تعالى وألوهيَّتِه، وفي حقَّ الطَّاعة له، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] (٤)، وهو قولُ ابنِ عبَّاسٍ وعطاء (٥).
وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄:
стр. 2763
ما تركنا مقَصِّرين ذكرَ شيءٍ مِنهم في اللَّوح المحفوظ من أعدادِهم وأرزاقِهم وآجالِهم (١).
وقيل: ﴿الْكِتَابِ﴾: القرآن، وعلى هذا التَّاويل قولُه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ هو معترِضٌ هاهنا، وموضعُه بعد تمام آيتين إلى قوله: ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)؛ يعني: كلُّ ما خلقَ في الأرضِ مِن ذي روحٍ يَدِبُّ على وجهِ الأرض، ويطير في الهواء، فهي أصنافٌ مزدوجةٌ ومختلفةٌ، وكلٌّ مِنها مُسَخَّرٌ لمَا خُلِقَ له، يَجري عليه مِن غير امتناع، وبنو آدمَ مخلوقون لعبادةِ اللَّهِ وتوحيدِه، وميَسَّرون (٣) له، ومُقَرُّونَ عليه، ثمَّ أكثرُهم لا يَجرون على ما خُلِقوا له، بل يَتخبَّطون في الظُّلمات، وهم الكفَّار، فهم صُمٌّ وبكمٌ، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ﴿مَا فَرَّطْنَا﴾؛ أي: ما تركنا ذكرَ شيءٍ في القرآن بالخَلقِ حاجةٌ إليه، مجمَلًا (٤) أو مفصَّلًا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قيل: أي: يُبعثون للحسابِ والجزاء، وهم بنو آدم، ولذلك جمع بالواو والنُّون.
وقيل: الحشرُ لكلِّ الأمم، لكن رويَ عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: حشرُ الحيوانات موتُها (٥).
وقال عامَّةُ الصَّحابةِ والتَّابعين؛ منهم أبو ذرٍّ وأبو هريرة والحسن: حشرُها:
стр. 2764
بعثُها يومَ القيامةِ للقِصاصِ بين الجمَّاء والقرناءِ ونحو ذلك، ثمَّ تصيرُ ترابًا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] (١).
والدَّليلُ على أنَّ الحشرَ هو البعثُ دون الموت قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (٢) ونظائرها، كقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ (٣) [الصافات: ٢٢].
* * *
(٣٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بالقرآنِ، وبمحمَّدٍ، وبالبعثِ بعد الموت.
وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾؛ أي: يَتصامُّون عن سماعِ الحقِّ، ويَتباكمون عن القولِ بالحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: هم في ظلماتِ الكفر.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: من عَلِمَ منه اختيارَ الضَّلالِ، شاء ضلالَهُ، وخلقَهُ فيه، ومَن عَلِمَ منه اختيارَ الاهتداء، شاءَ اهتداءَه، وخلقَه فيه.
стр. 2765
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ تساوَت المخلوقاتُ، وتَماثلتِ المصنوعاتُ في الحاجةِ إلى المنشِئ في حالة الابتداء، وكذا في حالةِ البقاء، وكذا في جميع الصِّفاتِ النَّفسيَّةِ، والنُّعوتِ الذاتيَّة، فما مِن شيءٍ، مِن عينٍ وأثرٍ، ورَسْمٍ وطَلَلٍ، إلّا وهو على وحدانيَّتِه شاهدٌ، وعلى كونه في نفسهِ مخلوقًا دليلٌ ظاهر، والذين فاتَتهمُ العنايةُ الأزليَّةُ، سَدَّ الحرمانُ أسماعَهم وغَشَّى الخذلانُ أبصارَهم، والإرادةُ لا تُعارَضُ، والمشيئةُ (١) لا تُزاحَم، والحقُّ سبحانه غالِبٌ (٢).
* * *
(٤٠) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ هذه كلمة استفهام، وعند البصريِّين يجري التَّوحيدُ والجَمع والتَّذكيرُ والتَّأنيثُ والتثنية على الكاف وما بعدها، والتاءُ على حالةٍ واحدةٍ، مفردةً مفتوحةً (٣): أرأيتَكَ، أرأيتكما، أرأيتكُم، أرأيتَكِ بفتح التَاءِ وكسر الكاف، أرأيتَكن.
وعند الكوفيين: يَجري في التَّاء أيضًا، فيقال: أرأيتُك، وأرأيتُماكما (٤)، وأرأيتُموكم، وأرأيتُكِ بكسرها، وأرأيتُنَكُنَّ بنونين مشدَّدتين.
وعلى الطَّريقة الثَّانية: التَّاءُ رفع؛ لأنَّه فاعل، والكاف نصب؛ لأنَّه مفعولٌ به، وعلى الطَّريقة الأولى: الكافُ كالتَّاء رفع على أنَّه فاعل.
стр. 2766
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: قل يا محمَّدُ لهؤلاءِ المشركين الذين يَعدِلون بربِّهم: أخبروني عنكم، وعمَّا تَرون عليه أنفسَكم ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ -قيل: هو ما أتاهم (١) يوم بدرٍ وأُحُدٍ والأحزاب- أو أتتكم القيامةُ بأهوالِها، أإلى غيرِ اللَّه تلتَجئون من الأصنام التي تعبدون؟ أم إلى اللَّه؛ تُقِرُّون أنَّه خالقُكم ورازِقُكم؟
* * *
(٤١) - ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: بل اللَّهَ تَدعون، فيَكشِفُ اللَّهُ عنكم البلاءَ الذي تَدعونَ اللَّهَ إليه، وهي كلمة غاية؛ أي: إلى أن يَتِمَّ الفرج.
وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: إنَّما يَكشِفُ بمشيئتِه لا بطَلبِكم؛ إذ لا إكراهَ عليه، ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ وتتركونَ ما كنتُم تشركونَه باللَّه؛ أي: فما معنى عبادتِكم الأصنامَ بعد هذا، وهي لا تُفرِّجُ عنكم الشَّدائدَ، ولا تَستجيبُ دَعواتِكم بالمقاصد (٢).
وقال الإمام القشيري ﵀: إن تَرددتُم بنفوسِكم، وأطَلتم الفِكرةَ بقلوبِكم، لم تَجدوا منِ دونِه أحدًا، ولا عَن حكمِه مُلْتَحدًا، فتَعودون إليه في استكشافِ الضُّرِّ، واستعطافِ البِرّ، كما قيل:
إلى بابي تَعودُ وإنْ تَناءَتْ... دياري بعدَ معرفةِ الرجالِ
стр. 2767
وكما قيل:
قد تركناكَ والذينَ تُرِيدُ... فعَسى أنْ تَملَّهم وتَعودُ
فإذا جرَّبتَ الكُلَّ، وذُقتَ الحلوَ والمُرَّ، أفضى بك الضُّرُّ إلى بابِه، فإذا رجعْتَ بنعتِ الانكسار، وشواهدِ الاضطرار، فإنَّه يَفعلُ ما يُريدُ، إنْ شاءَ أباح (١) اليُسر، وأزاحَ العسرَ، وإنْ شاءَ ضاعفَ الضُّرَّ، وأدامَ المرَّ، فله الخَلقُ والأمر (٢).
* * *
(٤٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أي: أرسلنا إليهم رُسُلًا، فخالفوهم، وصحَّ الحذفُ لوضوح المراد.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال الحسن ﵀: أي: بالفقرِ والمرض (٣).
وقيل: ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: شدَّة (٤) البطشِ، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الأوجاع.
وقيل: الجوع والقحط.
فعلنا بهم ذلك ليَتضرَّعوا، وهو لطفٌ في الدُّعاء إليه، و"لعلَّ" كلمةُ ترجٍّ، ومعناه: كان الأنبياءُ صلوات اللَّه عليهم يَترجَّون منهم ذلك.
* * *
стр. 2768
(٤٣) - ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾؛ أي: فهلَّا تذلَّلوا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾؛ أي: بلاؤنا وشدَّةُ الأمر منا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: غَلُظَت، فلم تركن (١) للاتِّعاظ بسبب إصرارِهم على سوء اختيارهم.
وقيل: ما جفَّتِ العيونُ إلَّا بقسوةِ القلوب، ولا قسَتِ القلوبُ إلَّا بكثرةِ الذُّنوب.
وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: حسَّن إليهم أعمالَهم، فلم يَتوبوا عنها، فقد ذكرَ هاهنا أنَّهم لم يَتضرَّعوا، وقال قبلَه: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، وقال في آيات: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢] ولا اختلافَ بينهما؛ لأنَّ تضرُّعَهم كان عند إحاطةِ البلاء بهم، كما قال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وكانوا يضطرُّون إلى مثل هذا التَّضرُّع، فأمَّا عند نزولِ القحط والغلاء، والمرض والبلاء، فكانوا يقولون: هذا أمرٌ معتادٌ بين العباد، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥]، فليس هذا ببلاءٍ نزلَ لأجلِ ذنبٍ، وليس علينا فيه مِنْ عَتَب.
* * *
(٤٤) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: لم يتَّعِظوا بما وعِظوا، ولم يتضرَّعوا وقد امتُحِنوا.
وقيل: بل أمرَ محمَّدًا ﷺ بأنْ يَحمَدَ اللَّه على ذلك.
وقال الحسن: إذا سمعتَ بموتِ ظالمٍ فاحمَدِ اللَّهَ بهذه الآية.
وقيل: أي: اللَّهُ محمودٌ على كلِّ حالٍ بما كرَّر مِن المواعظِ والأذكار، ولم يُنزِل بهم البوارَ إلَّا بعد الإعذار والإنذار.
* * *
(٤٦) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ ذَكرَ إهلاكَ الماضين، وأوعد الحاليِّين (١)، فقال: أعلمتُم، وهو تقرير (٢) حجاجٍ، فيه معنى الإنكار؛ إنْ أصمَّكمُ اللَّهُ، وأعماكم، وشدَّ قلوبَكم، فلم يصل إليها فهمٌ.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: فلا إلهَ سوى اللَّهِ يأتي بالمأخوذ، وإنما وحَّد ﴿بِهِ﴾ (٣) لهذا، والفعلُ يَدلُّ على المفعول، وهو كقولك: مَن كذبَ كان شرًّا له؛ أي: فإذا لم تكن آلهتكم تَقدِرُ على ذلك، والقدرةُ على (٤) الكمالِ للَّه ذي الجلال، فما العذرُ في الإشراكِ والضَّلال؟!
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾؛ أي: انظر يا محمَّدُ،