← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: قل يا محمَّدُ لهؤلاءِ المشركين الذين يَعدِلون بربِّهم: أخبروني عنكم، وعمَّا تَرون عليه أنفسَكم ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ -قيل: هو ما أتاهم (١) يوم بدرٍ وأُحُدٍ والأحزاب- أو أتتكم القيامةُ بأهوالِها، أإلى غيرِ اللَّه تلتَجئون من الأصنام التي تعبدون؟ أم إلى اللَّه؛ تُقِرُّون أنَّه خالقُكم ورازِقُكم؟ * * * (٤١) - ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: بل اللَّهَ تَدعون، فيَكشِفُ اللَّهُ عنكم البلاءَ الذي تَدعونَ اللَّهَ إليه، وهي كلمة غاية؛ أي: إلى أن يَتِمَّ الفرج. وقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾؛ أي: إنَّما يَكشِفُ بمشيئتِه لا بطَلبِكم؛ إذ لا إكراهَ عليه، ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ وتتركونَ ما كنتُم تشركونَه باللَّه؛ أي: فما معنى عبادتِكم الأصنامَ بعد هذا، وهي لا تُفرِّجُ عنكم الشَّدائدَ، ولا تَستجيبُ دَعواتِكم بالمقاصد (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: إن تَرددتُم بنفوسِكم، وأطَلتم الفِكرةَ بقلوبِكم، لم تَجدوا منِ دونِه أحدًا، ولا عَن حكمِه مُلْتَحدًا، فتَعودون إليه في استكشافِ الضُّرِّ، واستعطافِ البِرّ، كما قيل: إلى بابي تَعودُ وإنْ تَناءَتْ... دياري بعدَ معرفةِ الرجالِ

стр. 2767

وكما قيل: قد تركناكَ والذينَ تُرِيدُ... فعَسى أنْ تَملَّهم وتَعودُ فإذا جرَّبتَ الكُلَّ، وذُقتَ الحلوَ والمُرَّ، أفضى بك الضُّرُّ إلى بابِه، فإذا رجعْتَ بنعتِ الانكسار، وشواهدِ الاضطرار، فإنَّه يَفعلُ ما يُريدُ، إنْ شاءَ أباح (١) اليُسر، وأزاحَ العسرَ، وإنْ شاءَ ضاعفَ الضُّرَّ، وأدامَ المرَّ، فله الخَلقُ والأمر (٢). * * * (٤٢) - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أي: أرسلنا إليهم رُسُلًا، فخالفوهم، وصحَّ الحذفُ لوضوح المراد. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال الحسن ﵀: أي: بالفقرِ والمرض (٣). وقيل: ﴿بِالْبَأْسَاءِ﴾: شدَّة (٤) البطشِ، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾: الأوجاع. وقيل: الجوع والقحط. فعلنا بهم ذلك ليَتضرَّعوا، وهو لطفٌ في الدُّعاء إليه، و"لعلَّ" كلمةُ ترجٍّ، ومعناه: كان الأنبياءُ صلوات اللَّه عليهم يَترجَّون منهم ذلك. * * *

стр. 2768

(٤٣) - ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾؛ أي: فهلَّا تذلَّلوا ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾؛ أي: بلاؤنا وشدَّةُ الأمر منا. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: غَلُظَت، فلم تركن (١) للاتِّعاظ بسبب إصرارِهم على سوء اختيارهم. وقيل: ما جفَّتِ العيونُ إلَّا بقسوةِ القلوب، ولا قسَتِ القلوبُ إلَّا بكثرةِ الذُّنوب. وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: حسَّن إليهم أعمالَهم، فلم يَتوبوا عنها، فقد ذكرَ هاهنا أنَّهم لم يَتضرَّعوا، وقال قبلَه: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾، وقال في آيات: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢] ولا اختلافَ بينهما؛ لأنَّ تضرُّعَهم كان عند إحاطةِ البلاء بهم، كما قال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، وكانوا يضطرُّون إلى مثل هذا التَّضرُّع، فأمَّا عند نزولِ القحط والغلاء، والمرض والبلاء، فكانوا يقولون: هذا أمرٌ معتادٌ بين العباد، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥]، فليس هذا ببلاءٍ نزلَ لأجلِ ذنبٍ، وليس علينا فيه مِنْ عَتَب. * * * (٤٤) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: لم يتَّعِظوا بما وعِظوا، ولم يتضرَّعوا وقد امتُحِنوا.

стр. 2769

وقوله تعالى: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: وسَّعنا عليهم النِّعمَ؛ ليَشكروا، فلم يشكروا. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾؛ أي: أشِروا وبَطِروا، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: فجأةً بالعذابِ المستأصِل، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾؛ أي: فحينئذٍ هم آيِسون مِن كلِّ خير (١). وقيل: الإبلاس: انقطاعُ الحُجَّة. وقيل: الحيرةُ عند حلولِ البليَّة. وقيل: هو الإطراقُ مِن الحزنِ. وقيل: هو تغيُّرُ اللَّون. وقيل: هو شِدَّةُ الحسرةِ. وقيل: هو الاستسلامُ للهلاك. * * * (٤٥) - ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: أُهلِكوا جميعًا؛ لأنَّ دابرًا مِن قولهم: دَبَره يَدْبُرُه؛ أي: أتى بعده، فإذا قُطِعَ الجائي بعدَهم، فقد أُهلِكوا (٢) كلُّهم. وقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قيل: حَمِدَ نفسَه بنفسه؛ إذ نصرَ أولياءَهُ، وقهرَ أعداءَه.

стр. 2770

وقيل: بل أمرَ محمَّدًا ﷺ بأنْ يَحمَدَ اللَّه على ذلك. وقال الحسن: إذا سمعتَ بموتِ ظالمٍ فاحمَدِ اللَّهَ بهذه الآية. وقيل: أي: اللَّهُ محمودٌ على كلِّ حالٍ بما كرَّر مِن المواعظِ والأذكار، ولم يُنزِل بهم البوارَ إلَّا بعد الإعذار والإنذار. * * * (٤٦) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ ذَكرَ إهلاكَ الماضين، وأوعد الحاليِّين (١)، فقال: أعلمتُم، وهو تقرير (٢) حجاجٍ، فيه معنى الإنكار؛ إنْ أصمَّكمُ اللَّهُ، وأعماكم، وشدَّ قلوبَكم، فلم يصل إليها فهمٌ. وقوله تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: فلا إلهَ سوى اللَّهِ يأتي بالمأخوذ، وإنما وحَّد ﴿بِهِ﴾ (٣) لهذا، والفعلُ يَدلُّ على المفعول، وهو كقولك: مَن كذبَ كان شرًّا له؛ أي: فإذا لم تكن آلهتكم تَقدِرُ على ذلك، والقدرةُ على (٤) الكمالِ للَّه ذي الجلال، فما العذرُ في الإشراكِ والضَّلال؟! وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾؛ أي: انظر يا محمَّدُ،

стр. 2771

كيف نُبيِّنُ (١) ونكرِّرُ لهم الشواهدَ على بُطلان الشِّرك وعلى حَقِّيَّة (٢) الإسلام، ثمَّ هم يُعرِضون عنها؛ أي: عن تدبُّرها وقَبولها، و ﴿ثُمَّ﴾ كلمةُ تعجيب. * * * (٤٧) - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله (٣) تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال الحسن: ﴿بَغْتَةً﴾؛ أي: ليلًا ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾؛ أي: نهارًا (٤)؛ أي: قل يا محمَّد: أخبروني ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ فجأةً مِن حيث لا تَعلمون، أو علانيةً مِن حيث تَعلمون، فلا يُمكنكُم أنْ تَردُّوه عن أنفسِكم، فهلكتُم به، هل يكون ما نزلَ بكم مِن ذلك إلا هلاكًا نزلَ بقومٍ ظلَموا أنفسَهُم بكفرِهم بربِّهم. * * * (٤٨) - ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ قال الكلبيُّ: أي: ﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ﴾ المؤمنينَ بالجنَّة، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ الكافرين بالنَّار، ليس إليهم إلَّا هذا، وليس بأيديهم إنزالُ الآياتِ التي تقترحونها.

стр. 2772

وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ أي ﴿فَمَنْ آمَنَ﴾ باللَّه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أعمالَهُ، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ بدخولِ النَّار، ولا حزنٌ بفوتِ الجنَّة، وهذا من تبشيرِهم. * * * (٤٩) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: يُصيبُهم فلا يُفارِقُهم. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أي: يَخرجون مِن طاعة اللَّه بالكفرِ، وهذا مِن إنذارِهم. * * * (٥٠) - ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ ولمَّا اقترحَ المشركون -لعنهم اللَّه- على رسول اللَّه ﷺ مِن الآياتِ ما ليس في مقدور البشر، أمرَ اللَّهُ نبيَّهُ أنْ يُخبِرَ الكفَّارَ عن نفسِه بهذه الجملة، فقال قل لهم: ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ -جمع خِزانة وخَزينة، وهي ما يَخزِنُ؛ أي: يحرِزُ بحيث لا تناله الأيدي ويَحفظُ- فأملكَ إنزالَ ما تقترحونَه مِن الآيات، أو آتيكم بكنوزِ الأموالِ، وأفجِّرَ لكم الأنهارَ في الجنان، كما قلتم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [الفرقان: ٧ - ٨]، ولا أقولُ لكم: إنِّي أعلمُ الغيبَ، فأخبرَكُم بكلِّ ما تَسألون عنه ما لم

стр. 2773

يُعلِّمنيهِ اللَّهُ ، أو أعلمَ الأمرَ الذي إذا جئتُكم به آمنتُم، وأعلمَ عواقبَ الأمور. وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أقوى على ما لم يقوَ عليه البشرُ فأقهرَكم على ما أُريدُ (١) منكم بقوَّتي، وإنَّما أنا عبدٌ مربوبٌ، بشرٌ مثلُكم، أتَّبعُ ما يُوحي إليَّ ربِّي، فأبلِّغُكم. وقيل: أي لا أنزِلُ نفسي فوقَ ما أنزَلنيهِ اللَّهُ تعالى، فلا أقولُ عندي خزائنُ اللَّه، ولا أعلمُ الغيبَ، ولا لي قوَّةُ الملَك، بل أنا رسولُ مَن له الخزائنُ، وله عِلْمُ الغيبِ، وله الملائكةُ وسائرُ الخَلْق. وقيل: معنى هذه الثلاثة يَرجِعُ إلى شيءٍ واحدٍ، وهو التَّبرِّي عن العِلم بالوقت الذي يَأتيهم فيه العذابُ الذي أنذروا به، بقوله: (ليست عندي خزائن اللَّه)؛ أي: ما خزنَهُ اللَّهُ مِن العذابِ (٢) في الغيب؛ أي: لم (٣) يُطلِعني اللَّهُ على ما خزنَه مِن هذا، ولستُ أعلمُ الغيبَ بنفسِي، فأخبرَكُم به، ولستُ ملكًا فأشاهدَ ما تشاهِدُ الملائكة إذا نزلَ العذابُ مِن السَّماء، ما أتَّبع في (٤) العلمِ إلَّا ما يَأتيني به الوحيُ، ولم يأتني الوحيُ بوقتِ عذابكم، وهذا كلُّه جوابُ قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ أن يكونَ معناه: لا أقولُ شيئًا مِن هذا، ولو قلت: عندي خزائن اللَّه، وأنا أعلمُ الغيبَ، ولي قوَّةُ الملَك، كان ذلك أشدَّ

стр. 2774

لاتِّباعِكم لي وطاعتِكم (١)، لكن أقولُ: أنا بشرٌ مثلُكم يوحى إليَّ، ما أتَّبعُ إلَّا الوحيَ، لتَعلموا أنِّي صادقٌ في قولي، مُحِقٌّ في دعواي (٢). وتعلَّقت المعتزلةُ بظاهرِه في تفضيلِ الملَك على البشر، وليس لهم به متعلَّقٌ لما قلنا: إنَّه أرادَ (٣) قوَّةَ الملَك في البطش، أو اختصاصَهُ بمشاهدةِ ما في السَّماء، دون الفضلِ والقَدْر. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أي: فأبصروا رشدَكم بقبول إنذاري؛ فإنَّه لا يَستوي الأعمى عنِ الرُّشد والبصيرُ بالرُّشد، أفلا تتأمَّلونَ بقلوبِكم ما فيه رُشدُكم؟ قال قتادة: ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: الكافرُ والمؤمن (٤). وقال سعيد بن جبير ومجاهد: الضَّالُّ والمهتدي (٥). وقال مقاتل: أفلا تتفكرون أنهما لا يستويان (٦). وقيل: هذا استفهامٌ بمعنى الأمر؛ أي: فتفكروا. وقال الإمام القشيري ﵀: أي: لا أتخطَّى خطِّي، ولا أتعدَّى حدِّي، ولا أثبتُ شيئًا مِن ذات نفسي، وما أتَّبع إلَّا أمرَ ربِّي (٧).

стр. 2775

(٥١) - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾؛ أي: خَوِّف بالقرآن، فقد سبق ذكره: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ وهم المؤمنون؛ أي: إنَّ الكفَّار المقتَرحين ليسوا بقابِلين إنذارَك، فاصرفِ الآن إدامةَ الإنذارِ إلى المؤمنين الذين يخافون البعثَ والحسابَ والجزاء. وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾؛ أي: لا ناصرَ لهم غيرُ اللَّه، ولا شافعَ يستوهِبُ ذنوبَهم؛ أي: الشفعاءُ إنَّما يَشفعونَ بإذن اللَّه، فهو مِن اللَّه تعالى في الحقيقة. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾؛ أي: ليَتَّقوا في المستأنَفِ، ويَثبتُوا على الإيمان. وقال مقاتل: هم الموالي وفقراءُ العرب، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ﴾: قريبٌ ينفعُهم، ﴿وَلَا شَفِيعٌ﴾ في الآخرةِ يَشفعُ لهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ المعاصي (١). وهم جماعةٌ مسمَّون، يذكرون في الآية التي تليها قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾. وقيل: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ الكلَّ، وإنَّما ينتفع به ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾، كما قال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾؛ أي: للكفَّار، وكانوا يقولون: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقال: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١]. * * *

стр. 2776

(٥٢) - ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ قال مقاتل: نزلت الآيةُ في الموالي؛ عمَّار، وبلال، وصُهَيب، وخبَّاب، وسالم، ومِهْجَع، وسعدِ بن مالك، وسلمان الفارسي، وعامر، وابن مسعود، ونحوهم، وذلك أنَّ أبا جهلٍ وأصحابَهُ -لعنهم اللَّه- قالوا: انظروا إلى هؤلاءِ الذين اتَّبعوا محمَّدًا مِن موالِينا وخدمِنا، رذالة النَّاس، وأوباش كلِّ حي، فذكروا ذلك لأبي طالب، فقال أبو طالبٍ لرسول اللَّه ﷺ (١): لو طردتَ هؤلاءِ عنك، لعل سراةَ قومِك يتَّبِعونك، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآية (٢). وقال السُّدِّيُّ: جاء الأقرعُ بنُ حابس، وعيينةُ بنُ حصن، فوجدا رسولَ اللَّه ﷺ مع بلالٍ وصُهيبٍ وخبَّابٍ وناسٍ مِن ضُعفاءِ المسلمين، فحَقَروهم، فخلَوا به، فقالوا: نُحِبُّ أنْ تجعلَ لنا منك مجلسًا، تَعرِفُ به العربُ فضلَنا؛ فإنَّ وفودَ العرب تأتيكَ، فنَستحي أنْ ترانا مع هؤلاء الأَعبُد، فإذا نحنُ جئناكَ، فاطردهُم عنك، فإذا نحن فَرَغْنا، فاقعد معهم، قال: "نعم"، قالوا: فاكتب لنا بذلك كتابًا، فدعا عليًّا ليكتُبَ ونحن قعودٌ في ناحيةٍ، فنزلَ جبريلُ ﵇ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ الآية، ثمَّ ذكرَ الأقرعَ وعيينةَ، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية (٣).

стр. 2777

وقال جُبير بنُ نفير: إنَّ قريشًا أتوا رسولَ اللَّه ﷺ ، فقالوا: إن كُنت أُرسِلتَ إلينا، فاطرُد هؤلاء السُّقَّاط عنك، فنكونَ مِن أصحابِك، فركن إليهم، فأنزل اللَّه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية، وأنزل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾ الآية (١). وقال الكلبيُّ: قال لهم رسول اللَّه ﷺ : "نهاني اللَّه عن طرد هؤلاء"، فقالوا: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، فقال: "لا أفعل"، قالوا: فاجعل المجلسَ واحدًا، وأَقْبِل علينا، ووَلِّ ظهرَكَ إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذهب عامَّةُ أهلِ التَّاويل إلى أنَّ النَّبيَّ ﷺ همَّ بطرد هؤلاء، فعاتَبهُ اللَّهُ في ذلك، ولكنَّه بعيدٌ سمِجٌ؛ يَنسِبون النَّبيَّ ﷺ إلى أقبحِ فعلٍ وأوحشِه، ولا يَحتمِلُ أن يكون النَّبيُّ ﷺ يُقرِّبُ الأعداءَ، ويُبعِدُ الأولياء، ولو فعلَ ذلك لوجدَ الكفرةُ عليه مطعنًا، يقولون: يَدعو النَّاسَ إلى الإيمانِ به والتَّوحيدِ والاتِّباع له، فإذا فعلوا ذلك وأجابوهُ، طردَهُم، وأبعدَهم (٣)، هذا لعَمري مدفوعٌ في عقلِ كلِّ عاقلٍ، ولكن يَجوزُ أن يكونَ طلبَ ذلك منه أولئك، فأمَّا أنْ يَهُمَّ هو بذلك، فلا يجوزُ، إلَّا أنْ يكونَ هذا مِن اللَّه ابتداءَ تأديبٍ وتعليمٍ له في صُحبة أصحابِه ومعاملتِهم، وإخبارًا عن عظيم قدرهِم عنده (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾؛ أي: لا تُبعِد.

стр. 2778

قال ابنُ عباسٍ ﵄: يَعبدون (١) ربَّهم بالصَّلاة المكتوبة، وكذا قال الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك (٢). وقال إبراهيم النَّخعيُّ: هو الذكر (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ يُشبِهُ أنْ يكونوا مجتمعِين إلى النَّبيِّ ﷺ في كلِّ غداةٍ وعشيٍّ، فيستمعونَ منه، ثمَّ يتفرَّقون كما هو المعتادُ مِن الاجتماعِ عند الفقهاءِ. ويَحتملُ أنْ يكونَ المرادُ به الليلَ والنَّهارَ، كما في قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢]. وجائزٌ أن يكونوا أصحابَ مكاسِبَ، يَجتمعون عنده بالغداةِ والعشِيِّ، ثمَّ يَتفرَّقون للكسبِ. وجائزٌ أن يكون المرادُ به صلاةَ الغداةِ والعشيِّ؛ فإنَّه لا يَشهدُهما إلَّا أهلُ الإيمان، فأمَّا أهلُ النِّفاقِ (٤)، فكانوا يَشهدون غيرَهما مِن الصَّلوات (٥). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾؛ أي: يَطلبون بدعائِهم وذِكْرِهم وصلاتِهم وعبادتِهم رضاهُ.

стр. 2779

وقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: إنَّ حقائقَ أمورِ العباد إنَّما تَرجعُ إلى الأعمال التي يُحاسِبهم اللَّه عليها يوم الحشر، لا إلى حسبٍ ورياسة، وضَعةً ودناءةً، بل الجميعُ سواءٌ في حكم اللَّه تعالى، وإنَّما عليك اعتبارُ أحوالِ النَّاسِ في إيمانِهم بك وكفرِهم، وهو كما أخبرَ عن نوحٍ ﵇ أنَّ قومَه قالوا له: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١١١ - ١١٤]. وقيل: أي: أرادَ بالحسابِ الجزاءَ. وقيل: أرادَ به المؤنة. وقوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جوابُ الجحد بالفاء، وهو قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ جوابُ النهي بالفاء، وهو قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾؛ أي: إنْ فعلتَ ذلك، كنتَ وضعْتَ التَّقريب والتَّبعيدَ غير موضعهما. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ويجوزُ أنَّ أولئك (١) لم يَكونوا أهلَ الحكمة، وقد قال النبيُّ ﷺ : "مَن وضعَ الحكمةَ في غيرِ أهلِها فقد ظلمها، ومن مَنعَها مِن أهلِها فقد ظلمهم" (٢). وقد ذكرنا معنى النَّهي عن هذا ونحوه أنَّه تعليمٌ لغيرِه، ويجوزُ أن يكون له وإن كان معصومًا؛ لأنَّ العصمةَ لا تُزيلُ المِحْنةَ، ولا تَرفعُ النَّهيَ.

стр. 2780

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: هذه وصيةٌ للنَّبيِّ ﷺ في بابِ الفقراء والمستَضعفين، وذلك لمَّا قصُر لهم لسانُ المعارضةِ واستدفاعِ ما عرضَ لهم مِن إخلاءِ الرَّسولِ مجلسَه عنهم، سكتوا متصدِّعينَ (١) بقلوبهم بين يدي اللَّه ، داعين له بحسنِ الابتهال، فتولَّى الحقُّ سبحانَه خصومتَهم، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، لا تَنظر يا محمَّد إلى خرقتهم على ظواهرِهم، وانظر إلى حُرْقَتِهم في سرائرِهم، كانوا مستورين، فشهرَهُم اللَّهُ في بحبوحةِ الهِداية، بإرسالِ جبريلَ إلى محمَّدٍ بهذه الآية، ولولا أنَّه قال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ فشهدَ لهم بالإرادة، وإلَّا فمَن كان يَتجاسرُ أنْ يقولَ: إنَّ مخلوقًا يُريدُ الحقَّ . وقد تكلَّموا في الإرادة فأكثروا، وتحقيقُها: اهتياجٌ يَحصلُ في القلب، يَسلبُ القرارَ مِن العبدِ حتَّى يَصِلَ إلى اللَّه، فصاحبُ الإرادةِ لا يَهدأُ ليلًا ولا نهارًا، ولا يَجدُ مِن دون وصولِه إليه سكونًا ولا قرارًا، والمريدُ حمول، كما قال قائلُهم: ثمَّ قطعتُ اللَّيلَ في مهْمَهٍ... لا أسدًا أخشى ولا ذيبَا يَغلِبُني شَوقي فأَطْوي السُّرى... ولم يَزلْ ذو الشَّوقِ مغلوبا وقيَّد دعوتَهم بالغداةِ والعشيِّ دون الإرادة؛ لأنَّها مِن الأعمالِ الظَّاهرةِ، وهي مؤقتَّةٌ، وأدامَ إرادَتهم، فاستغرقَت جميعَ أوقاتِهم؛ لأنَّها مِن الأحوال الباطنة، وهي مؤبَّدةٌ، أصبحوا لا سؤلَ لهم في دنياهم، ولا مطلوبَ لهم في عُقباهُم، ولا همَّ لهم سوى حديثِ مولاهم (٢).

стр. 2781

(٥٣) - ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال الحسن وقتادة: أي: امتحنَّا وابتلينا بعضَ هؤلاءِ القومِ ببعض (١)، فامتحنَّا الرؤساءَ منْهم بالصَّبرِ على قربِ منازلِ الضُّعفاءِ مِن النَّبيِّ ﷺ ، وامتحنَّا الضُّعفاء بالصَّبرِ على الضَّعفِ والفقر، وعلى أذى الرؤساء، وهو كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠]، ثمَّ أخبرَ عمَّا انكشفَت عنه هذه الفتنةُ، وهو أنَّ الفقراءَ صبروا، والرؤساءَ اضطربوا، فقالوا: وهو: قوله تعالى: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قال قتادة: قال الوليدُ بنُ المغيرة، والأسودُ بنُ عبد المطلب، والأسودُ بن عبدِ يَغوث، والعاص بنُ وائل، والحارثُ بنُ قيس، وعبدُ العُزَّى بنُ عبد المطلب، وعتبةُ، وشيبةُ، والأسودُ بنُ عبد الأسد، والنَّضرُ بنُ الحارث، وأبو جهل بنُ هشام -لعنهم اللَّه-: أي: ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ الفقراء والضعفاء ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أنعمَ اللَّه عليهم من بيننا، فأعطاهم الإيمانَ والتوحيد، ولم يُعطِنا؟! قال الكلبي: كان الشريفُ مِنهم إذا نظرَ إلى الوضيعِ قد آمنَ قبلَهُ، حميَ أنفًا أنْ يُسلِمَ، ويقولُ: هذا سبقَني بالإسلام، فلا يسلم (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ بالفهم والحفظ؛ يَفهمُ هؤلاء منه، ولا نَفهمُ نحن، ويَحتمل: ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ

стр. 2782

بَيْنِنَا﴾ بالتَّقريبِ في المجلسِ، وجعلِهم مَتبوعين مِن بيننا، بعد أنْ كانوا أتباعًا لنا (١). * * * (٥٣) - ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ المطيعينَ للَّه، الذين شكروا إنعامي؛ بإرسالِ الرسول، وإنزالِ الكتاب، فهم أولى بإعطاءِ الإسلام ممَّن يَرجعُ إلى حسبٍ رفيعٍ، ومالٍ كثيرٍ، ولا يَنقادُ لأمري، ولا يؤمِنُ بي. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ أمَّا الفاضلُ فلْيَشكُر، وأمَّا المفضولُ فلْيَصبِر. ويقال: سبيلُ المفضولِ على لسان أهل (٢) المحبَّةِ الشُّكرُ، ولا يَتقاصر شكرهُ عن شكرِ الفاضل، وقال قائلٌ (٣) في معناه: أتاني مِنكِ سبُّك لي فسُبِّي... أليس جرى بفيكِ اسمي فحسبي (٤) وقال آخر: وأنَّ فؤادًا رُعْتَهُ لك شاكرٌ... وأنَّ دمًا أجريتَهُ لكَ حامِدُ (٥) * * *

стр. 2783

(٥٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: وإذا أتاكَ المؤمنون بالقرآنِ وسائرِ الآيات؛ مِن العُربِ والعَجَم، والرُّؤساءِ والأتباع، فابدأهم بتحيَّةِ الإسلام، وكلمةِ السَّلام، وقل: سلامٌ عليكم، وهو الدُّعاءُ بالسَّلامة من الآفاتِ كلِّها، في الدِّينِ والنَّفسِ والمال. وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾؛ أي: وعدَكم بالرَّحمةِ وعدًا مؤكَّدًا. وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (١): ﴿إنَّه﴾ ﴿فإنه﴾، كلاهما بالكسرِ على الاستئناف فيهما، أو على إضمارِ القولِ في الأوَّل. وقرأ عاصم وابنُ عامر وسهلٌ ويعقوب (٢) بالفتح فيهما؛ ترجمةً عن الرَّحمة؛ أي: كتب ﴿أَنَّهُ﴾ ﴿فَأَنَّهُ﴾. وقرأ نافعٌ وأبو جعفر (٣): ﴿أَنَّهُ﴾ بالنَّصب ﴿فإنَّه﴾ بالكسر (٤)، وأوقع: كتبَ على الأوَّل، واستأنفَ الثَّاني، و"إنَّ" كلمةُ تأكيد، وإنَّما كرَّرَ مبالغةً في التَّاكيد، ولأنَّه حالَ بين الأولى وخبرِها حائلٌ، فأُعيدَت في موضعِها، كما في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥].

стр. 2784

والجهالة: هي جهلُ عاقبةِ الأمر، والتَّوبة: الرُّجوعُ عن الذَّنب، والإصلاحُ: تحقيقُ التَّوبةِ بإصلاح الأعمال، وقيل: هو قضاءُ الفوائتِ وردُّ المظالم. وقيل في نزول الآية: لمَّا نزل قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ قال الرؤساء: اجعل لهم يومًا ولنا يومًا، نؤمنْ بك، ونَتَّبِعْك، ونأتيك، وكان النبيُّ ﷺ حريصًا على إسلام المشركين، فشاورَ عمرَ في ذلك، فأشارَ إليه بالإجابة، فواعدَهم أن يأتيَهم يومًا، فتَهيَّئوا ولبسوا وتعطَّروا وتجمَّلوا (١) وزيَّنوا الدَّار، فخرجَ رسولُ اللَّه ﷺ يَقصِدُهم، وقد قام الفقراءُ على الطَّريقِ في ثيابِهم الرَّثَّة، وقد جاء جبريلُ ﵇ وتَزيَّا بزِيِّهم، وقال: يا محمَّدُ، إلى أين؟ فقال: "إلى ملأ (٢) من قريش؛ واعدتُهم رغبةً في إسلامهم"، فوضع يدَهُ على صدرِهِ وصَرَفَه (٣)، وقرأ عليه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ الآية، فانصرفَ، وخَجِلَ عمرُ ﵁، ودخلَ المسجدَ باكيًا، وفارقَ موضعَهُ المعروف؛ حياءً مِن رسولِ اللَّه ﷺ ، ونزل في شأن عمرَ وأصحابه: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٤). وقال عكرمةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: الذين يَدعونَ ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ، وكان النَّبيُّ ﷺ إذا رآهُم بدأَهم بالسَّلام، وقال: "الحمدُ للَّه الذي جعلَ في أمَّتي مَن أمرَني أن أبدأَهم بالسَّلام" (٥).

стр. 2785

وقال أنسٌ ﵁: أتى رسولَ اللَّه ﷺ رجالٌ، فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّا أصبنا ذنوبًا كثيرةً وعظيمة، فسكتَ عنهم رسولُ اللَّه ﷺ ، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية (١). وقيل: نزلَتِ الآيةُ في وحشيٍّ قاتلِ حمزةَ ﵁، لمَّا جاءَ يُسلِّم، كان يستحي مِن الدُّخولِ على رسول اللَّه ﷺ لِما جنى في حقِّ عمه، فأمرَهُ اللَّهُ تعالى أن ابتَدِئهُ بالسَّلام؛ تَسكينًا لقلبه. وقال أهل المعاني (٢): السَّلامُ كلمةُ أمانٍ، فأمرَ النَّبيَّ ﷺ بأن يبدأَ بالسَّلام مَن أتاه للإسلام؛ إثباتًا لأمانِه عند إيمانِه، ولمَّا قرُبَ خروجُ النَّبيِّ ﷺ مِن الدُّنيا، كان يَهتم لانقطاع سلامِه عن أمَّتِه، فقيل له: إنَّ جبريلَ يَنزلُ كلَّ ليلةِ قدرٍ مع الملائكةِ، فيُسلِّم على كلِّ مسلمٍ، وملكُ الموتِ وأعوانُه إذا نزلوا لقبضِ روحِ المؤمن سلَّموا عليه، قال تعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ [النحل: ٣٢]، وفي القيامة يَستقبلُ الملائكةُ المؤمنين، فيَقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر: ٧٣]، وعند دخول الجنَّة يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، ويقول اللَّه تعالى بلا واسطةٍ: سلامٌ عليكم أحبابي وأوليائي، وذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]. * * * (٥٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو وابنُ عامرٍ، وسهلٌ ويعقوب (٣)، وعاصمٌ في رواية حفص بتاءِ التَّانيث،

стр. 2786

و ﴿سَبِيلُ﴾ بالرَّفع؛ لأنَّها فاعلةٌ وهي مؤنَّثةٌ سماعًا، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، ومعناه: ولتَظهرَ. وقرأ حمزةُ والكسائيَّ وخلف (١)، وعاصمٌ في رواية أبي بكر، وحمَّاد (٢) بياء التذكير، و ﴿سَبِيلُ﴾ بالرفع، وهو مذكَّرٌ أيضًا في لغة بني تميم، وقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، والتأنيث لغة أهل الحجاز والمدينة (٣) والقرآن نزل بهما. وقرأ نافعٌ وأبو جعفر (٤) بتاء المخاطبة ﴿سبيلَ المجرمين﴾ بالنَّصب (٥) على أنَّه مفعولٌ، ومعناه: لِتَعلم يا محمَّدُ سبيلَ المجرمين. يقول: وكذلك نُبيِّنُ الآياتِ ونفتِنُ البعضَ بالبعضِ، ونخاطبُك بمعاملة الرُّؤساءِ والفقراء؛ ليظهرَ أنَّ كفرَ الكافرين؛ لعنادِهم، لا لخفاءِ الحقِّ. ومعنى الواو في قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ﴾ إضمارُ فعلٍ قبلَه، ثمَّ العطفُ عليه، وتقديرُه: ليَظهرَ الحقَّ، ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾، وفي آخرِه إضمارٌ أيضًا: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ مِن سبيل المؤمنين، وإنَّما حذفَ اختصارًا لوضوحه بدلالة الحال، كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحرَّ والبرد. وقيل: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: كما فصَّلنا لكمُ الآياتِ نُفصِّلُها لغيرِكم.

стр. 2787

وقيل: كما فصَّلنا لكم الآياتِ في مُحاجَّة المشركين، نُفصِّل لكم الآياتِ في كلِّ ما بكم إليه حاجةٌ مِن أمور الدين. وقيل في قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾: فتَجتنبوه، من سبيلِ المؤمنين فتَلزموهُ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يَحتمِل: نُبيِّنُ الآياتِ مع ما يَعرِفُ السَّامِعون أنَّها آيات مِن عند اللَّه غيرُ مخترعةٍ مِن عند الخلق. ويَحتملُ: نُبيِّنُ مِن الآياتِ ما يَفصِلُ بين المجرمين وبين المهتَدين، فيَتبيَّنُ سبيلُ هؤلاء مِن هؤلاء (١). * * * (٥٦) - ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال بعضُ المشركين لرسول اللَّه ﷺ : استلم بعضَ آلهتِنا حتَّى نؤمِنَ بإلهك، فقال اللَّه تعالى له: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: الأصنامَ، والملائكة، والشَّياطينَ والجِنَّ. و ﴿تَدْعُونَ﴾؛ أي: تَدعونه إلهًا، وقيل: أي: تعبدون، وقيل: أي تَدعونهُ في مُهمَّاتِ أمورِكم للإجابة. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾؛ أي: في هذا، وفي طرد الذين يَدعون ربَّهم، وفي كلِّ شيء.

стр. 2788

وقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: لو فعلتُ ذلك لكنتُ ضَلَلتُ طريقَ الحقِّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾؛ أي: إلى طريقِ الحقِّ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ﴾؛ أي: صرِّح بالاعترافِ بجميل (١) ما خصصناكَ به؛ مِن وجوهِ العِصْمَة، وأنواعِ النِّعمة، وأخبِرهم أنَّك في كَنَفِ الإيواء تَتقلَّب، وفي قبضة الصَّونِ تتصرَّف، فلا للهوى عليك سلطانٌ، ولا لك عن محلِّ التَّحقيقِ تباعدٌ، ولا عن الحضورِ غيبةٌ (٢). * * * (٥٧) - ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾؛ أي: على بيانٍ فاصلٍ بين الحقِّ والباطل، وهو النُّبوَّةُ ونزولُ الوحي. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنِّي (٣) على حجَّة، تخبِر أنَّ ما يعبدُ هؤلاء، يعبدون اتِّباعًا لهوى أنفُسِهم، وهو يَعبدُ اللَّه اتِّباعًا للحُجَّةِ والعقل، وما (٤) يُتَّبع بالهوى يَجوزُ أن يتركه صاحبُه، ويتَّبعَ غيرَه لما تهوى نفسُه هذا بعد الأوَّل، فأمَّا ما يُتَّبعُ بالحجَّة والعقلِ والسَّمع، [فإنَّه] لا يَجوز أن يَتركَ اتِّباعَه،

стр. 2789

ويتَّبِعَ غيرَه، وفيه تسفيهُهم على التَّعريض، ولهذا قال: ﴿قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي﴾ قال الزَّجَّاج: البيانُ والبَيِّنةُ واحدٌ، فلذلك ذكَّرَ (٢)، وهو كقوله: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨]؛ لأنَّه (٣) بمعنى الإنعام. وقيل: أي: كذَّبتُم بمدلولِ البيِّنةِ. وقيل: أي: كذَّبتُم بربِّي؛ لأنَّه قد سبقَ ذِكرُه. وقوله تعالى: ﴿مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ أي: مِن العذاب. وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾؛ أي: ما القضاءُ إلَّا للَّه في إنزالِه وتأخيرِه وفي كلِّ شيء. وقوله تعالى: ﴿يَقُصُّ (٤) الْحَقَّ﴾؛ أي: يُتِمُّ الحقَّ، وقيل: يَحكُم بالحقِّ. ومعنى قوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ مع أنَّ القُضاةَ لهم أحكامٌ نافذةٌ: أنَّ الحكمَ الذي يَفصِلُ الحقَّ (٥) مِن الباطل على الحقيقة هو للَّهِ وحده. وقرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو جعفر (٦) وعاصمٌ: ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ بالصَّاد (٧)، من: قَصَّ يَقُصُّ؛ أي: يُخبِرُ بالحقِّ، ولا خُلْفَ في وعدِه ووعيده (٨).

стр. 2790

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾؛ أي: القاضين بين عبادِه؛ لأنَّه لا يَخفى عليه الحقُّ والصَّواب. * * * (٥٨) - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾؛ أي: مِن العذاب، قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [العنكبوت: ٥٤]. وقوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لأتمَّ الأمرَ بيني وبينكم بتعجيلي ذلك لكم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ وهو يُنزِلُ عليكم العذابَ للوقتِ الذي يَعلمُه أردعَ وأمنع. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: نزلت هذه الآية والتي قبلها في: النَّضرِ بن الحارث ورؤساءِ قريش، كانوا يقولون: ائتنا بالعذابِ الذي تَعِدُنا، وقام النَّضرُ بنُ الحارث في حَطيمِ الكعبة، فقال: اللهمَّ إنْ كان ما يقولُ محمَّدٌ حقًّا فأتنا بالعذاب، فوقع ذلك به يومَ بدر (١). قال ابنُ عبَّاس ﵄: نزلَت في النَّضر بن الحارث ثماني آيات: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ [الإسراء: ١١]، ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾

стр. 2791

[الحج: ٤٧]، ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦]، ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٨]، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي قل: إنَّ اللَّهَ تعالى لم يغادرني في فقر التَّطلُّب والتباسِ التَّحيُّر، وأغناني عن كدِّ الاستدلال، ولوَّحَ لي شموسَ التَّحقيق، ولئن بَقيتُم في ظُلمةِ الالتباس، فليس لي (٢) قدرةٌ على إزالةِ ما مُنِّيتُم (٣) به مِن التَّحيُّر، ونفيِ ما امتُحِنتُم به من التَّردُّد، ولو أنَّ عندي تعجيلَ ما طلبتم، لأجبتُكم إلى ما سألتُم، لكنَّ المنفردَ بالحكم اللَّهُ الحميدُ، ولا يُعارَضُ فيما يُريد (٤). * * * (٥٩) - ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ (٥) مفاتح: جمعُ مِفْتَح، بكسر الميم، وهو الإقليدُ الذي يَفتح، وفي قوله: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ هي جمع

стр. 2792

مَفتَح بفتح الميم، وهي الخزانةُ التي فيها المال، تُفتَح وتُغلق. ويتَّصِلُ هذا بالآية الأولى: ليس عندي علمُ وقتِ العذاب، وعند اللَّه ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾؛ أي: عند اللَّه الأشياءُ التي يُفتَح بها المنغلِقُ مِن الأمور التي يَغيبُ علمُها عن الخلق. وقيل: أي: هو العالِمُ بكلِّ شيءٍ مِن مبتدئِه إلى منتهاه. قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ لا يَعلمُ الأشياءَ على حقائقها جملةً وتفصيلًا ﴿إِلَّا هُوَ﴾. وقال عطاء: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: ما غابَ عنكم مِن الثَّواب والعقاب، وما يَصيرُ إليه أمري وأمرُكم (١). وروى ابنُ عمر ﵄ عن رسولِ اللَّه ﷺ أنَّه قال: "مفاتحُ الغيب خمسة لا يَعلمها إلا اللَّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ والعبادُ يَعلمون أنَّ في البحرِ ماءً وحيتانًا، وفي البرِّ رملًا وحصًى وأشجارًا وأوراقًا وأغصانًا، واللَّهُ يعلم مقاديرَها، وظواهرَها وبواطنَها، وما أودعَ فيها. وقوله تعالى ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال ابنُ عباسٍ ﵄: ما مِن شجرةٍ في برٍّ ولا بحرٍ إلَّا بها ملكٌ موكَّلٌ يَكتبُ ما يَسقطُ من ورقِها (٣).

стр. 2793

وقال كعب: وُكِّل بها ملكان؛ يَكتبُ أحدُهما ما يَسقطُ مِنها، ويَكتبُ الآخرُ ما يطلع. وقال أبو بكر بن عبدش (١): ما تسقطُ مِن ورقةٍ إلَّا يَعلمُ كم انقلبَت ظهرًا لبطن، إلى أن سقطت على الأرض. وفي التأويلات: قال بعضُ الحكماء: ما مِن ورقةٍ أو نباتٍ إلَّا وتُقدَّرُ بثلاثة أشياء، بالهواء، والأرضِ، والماء، فلو اجتمعَ حكماءُ العالم، لم يدركوا أنَّ الورقَ أو النَّبات؛ كم مقدارًا يأخذُ مِن الهواء، وما يأخذُ من الأرض، وما يأخذُ من الماء؟ ولم يُدرِكوا المعنى الذي به الحياةُ والتَّربيةُ، واللَّهُ تعالى يَعلمُ ذلك كلَّه، وكيف لا يَعلم، وبه أخذَ ما أخذ، وبه اجتمعَ وتَضمَّن وتَربَّى. وقوله تعالى: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾ قال مجاهدٌ: أي: في جوف الأرض. وقال سعيدُ بنُ جبير: ما مِن حبَّةٍ إلَّا مكتوبٌ عليها: هذا رزقُ فلان (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾؛ أي: إلَّا يعلمُها، وهذا للتَّعميم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللَّوحُ المحفوظ.

стр. 2794

وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: هو محفوظٌ كلُّه عند اللَّه، ويَحتمِلُ أن يكون معناه: ﴿فِي كِتَابٍ﴾؛ أي: في تقديرٍ وحكم. وقيل: هو اللَّوحُ المحفوظ. وقيل: هو ما يُكتبُ ليلةَ القدر -أو ليلة البراءة- مِن النسخ، ويُدفَعُ إلى الملائكة (١). و ﴿إِلَّا﴾ بعد ﴿إِلَّا﴾ ليس للاستثناء من الاستثناء (٢)، بل للجمع بمعنى الواو، كقولك: ما زيد إلَّا عند عمرٍو، إلَّا في دارِه. وقال الحسن: إنَّما ذكرَ إثبات هذه الأشياءِ في اللَّوح المحفوظ؛ ليَعلمَ ابنُ آدمَ أنَّ عملَه أولى بالإحصاءِ؛ لأنَّه للحسابِ والجزاء (٣). ونظيرُ قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٨]، وكذا قوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣]، ومَن عنده المفاتحُ فله الخزائنُ، وله الملكُ والعِلْمُ والتَّصرُّفُ. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾: وعندَك مفاتِحُ الغيب، فمَنْ آمنَ بغيبِه، أسبلَ اللَّهُ السِّترَ على عيبِه (٤). * * * (٦٠) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

стр. 2795

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾؛ أي: يُنيمُكم، وهو كقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، والتوفِّي في اللُّغةِ: هو قبضُ الشَّيء على تمامه. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾؛ أي: كسبتُم، وجوارحُ الصَّيدِ: كواسِبُها، قولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] من ذلك، والاجتراحُ: الاكتساب، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]، والجوارحُ: الأعضاء؛ لأنَّها كواسب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ليس فيه أنَّه لا يَعلمُ ما جَرحْنا باللَّيل، ولا أنَّه لا يتوفَّانا بالنَّهار، فدلَّ أنَّ تخصيصَ الشَّيء في حالٍ بالذِّكرِ لا يَدلُّ على سقوطِ ذلك في حالةٍ أخرى (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾؛ أي: يُوقِظُكم من منامِكم في النَّهار. وقوله تعالى: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ أي: ليُتِمَّ مدَّة الحياةِ. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: بالبعثِ بعد الموت. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا وعدٌ ووعيد. * * * (٦١) - ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ قد فسَّرناه في هذه السُّورةِ مرَّة (٢)؛ أي:

стр. 2796

يُصرِّفُهم كيف يشاء، مِن يقظةٍ إلى نومٍ، ومِن نومٍ إلى يقظة، ومِن حياةٍ إلى موت، ومن موتٍ إلى حياة، لا كالأصنام التي اتَّخذتموها آلهةً، وهي لا تَضرُّ ولا تَنفع. وقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾؛ أي: ملائكةً كرامًا كاتبين، يَكتبون أعمالَكم وأقوالَكُم، فيحفظونها عليكم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكر إرسالَ الحفظَةِ بعد قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾؛ ليُعلَمَ أنَّ إرسالَهم لم يكن لحاجته إلى ذلك؛ لأنَّ المُحتاجَ لا يكونُ قاهرًا، بل لحكمةٍ، وهي امتحانُ الحفَظة بما أمرَهُم به، وللَّه أنْ يَمتحِن عبادَه بما شاء، وأُخرى لتكونَ العبادُ على حذرٍ، وهذا أبلغُ في الزَّجرِ؛ لأنَّ مَن علِمَ أنَّ عليه رقيبًا كان أجدرَ بالحذرِ والنَّظر، وإن كان يَعلمُ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عليه بدونِه. والحَفَظةُ هم كتبَةُ الأعمالِ عند بعضِهم، وظاهرُ نظمِ الآيةِ يَدلُّ على أنَّهم هم الذين يَحفظون أنفاسَ الخلقِ ويَعدُّونَها إلى وقتِ انقضائِها، ثمَّ يَقبِضون الرُّوح (١)، ويدلُّ عليه ما بعده وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾؛ أي: قَبضَتْ روحَهُ ملائكةٌ أرسلناهم غيرُ هؤلاء، وهم أعوانُ ملكِ الموت، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]؛ أي: هو الموكَّل به وحدَه، وهو الذي يَلِي ذلك وهؤلاء يُعينونه، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]؛ أي: هو المقدِّرُ ذلك. وقال ابنُ عباس ﵄: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾: قبضَهُ ملكُ الموت، وأعوانُه سبعة مِن ملائكةِ الرَّحمةِ، وسبعةٌ مِن ملائكة العذاب، فإذا قبضَ ملكُ الموتِ نفسًا

стр. 2797

مؤمنةً، دفعَها إلى ملائكة الرَّحمة، وإذا قبضَ نفسًا كافرةً دفعَها إلى ملائكةِ العذاب (١). وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ قال ابن عباس: لا يؤخِّرونهُ طرفةَ عين (٢) ومعناه في اللُّغة: لا يُقصِّرون، والمرادُ به: لا يُقدِّمون ولا يؤخِّرون. * * * (٦٢) - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾؛ أي: رُدَّ المتوفَّون بردِّ الملائكة. وقيل: بردِّ اللَّهِ بالبعثِ والحشر. ﴿مَوْلَاهُمُ﴾؛ أي: مالكهم، ﴿الْحَقِّ﴾ لا كموالي الدُّنيا المتغلِّبين. وإن جُعلَ هذا في حقِّ الكفَّار فقوله: ﴿مَوْلَاهُمُ﴾ مع قوله: ﴿الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾: أنَّ المولى هاهنا هو المالكُ والسيِّدُ، وهناك: المعينُ والنَّاصر. وقوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾؛ أي: يَنفُذُ حكمُه، لا حكم غيرِه فيه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾؛ أي: الرَّدُّ إليه للحساب والجزاء، ولا يَشغلُهُ حسابُ أحدٍ عن حساب غيره، ولا يكونُ فيه لبثٌ، ولا يَدخلُه غلطٌ، ولا من العبدِ لجاجٌ، فيُسرِّعُ حسابَهم، ويُعجِّلُ جزاءَهم.

стр. 2798

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ردَّهم إلى نفسِه، وما غابوا عن قبضتِه لحظةً (١)، ولا خرجوا عن مشيئته خطرةً ولا لفظة، والرَّدُّ إلى مَن ربَّاك خيرٌ مِن البقاءِ مع مِن آذاك. * * * (٦٣) - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي، وظلماتٌ البرِّ والبحر: شدائدُهما، ويقالُ لليوم الذي فيه شِدَّةٌ: يومٌ مظلم، ويومٌ ذو كواكب، وأنشد: بني عمِّنا هل تَذكرونَ بلاءَنا... إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أشهَبُ (٢) ويجوزُ أنْ يُرادَ بها عينَ الظُّلمات، فقد يقعُ ذلك في البرِّ والبحرِ في أوقات النكبات. ويجوزُ أنْ يُراد بها عينَ الظُّلماتِ في اللَّيل في البرِّ والبحرِ في السَّفر.

стр. 2799

وقوله تعالى: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: علانيةً وسرًّا. وقال الحسنُ: التَّضرُّع: ما يُرفَعُ به الصَّوتُ، والخفيةُ: ما يُدعى سرًا (١). وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أنجيتنا (٢) مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾؛ أي: يقولون هذا، وأضمر فيه هذا؛ لدلالة ﴿تَدْعُونَهُ﴾ على ذلك. وقرأ أهلُ المدينة وأبو عمرو: ﴿أنجيتنا﴾ (٣) خطابًا للَّه تعالى، والباقون (٤): ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا﴾ بالألف، أي أنجانا اللَّه ﴿مِنْ هَذِهِ﴾؛ أي: مِن هذه الظُّلمات. وقال ابنُ عبَّاس ﵄: هي (٥) الأهوال والكربات، وقوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾؛ أي: المؤمِنين المؤدِّين شكرَ اللَّهِ على نعمِه بطاعتِه. * * * (٦٤) - ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: سلهُم: مَنْ يُنجيكم منها؟ وإذا أقرُّوا بذلك فقل: هو كما قلتُم؛ اللَّهُ يُنجيكُم مِن تلك الظُّلماتِ، فتَهتدوا للطريق وهو يُنجيكم. وقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾؛ أي: غمٍّ يأخذُ بالنَّفْسِ، وكذلك الكُرْبةُ.

стр. 2800

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: لا تُخلِصونَ حين (١) تَتخلَّصون، ولا تَشكرون، بل تُشرِكون. * * * (٦٥) - ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾؛ أي: اللَّهُ الذي قَدَرَ على إنجائِكم، هو قادر على إهلاكِكم بأنواعِ العذاب؛ إن شاءَ بعثَ عليكم العذابَ مِن فوقِكم بالطُّوفان والصواعق والقذف بالحجارة والرِّيح والصَّيحة. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ وهو الخسفُ والزَّلزلةُ والإغراقُ. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾؛ أي: يَخلِطَكُم فِرَقًا، وأرادَ به الأهواءَ المختلفة. وقوله تعالى: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾؛ أي: الشِّدَّةَ والقتلَ. وقال الضَّحَّاك ﵀: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ مِن قبل كباركم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ ممَّن هو أسفل منكم، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾؛ أي: يجعَلَكم فَرَقًا، ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: يُسلِّطَ بعضَكم على بعضٍ بالقتل. وقال مجاهدٌ: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: السَّلاطين الظَّلمة، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: العبيدُ السُّوء (٢). وفي "تأويلات" الإمام أبي منصور ﵀: قال أبو بكر بن كيسان:

стр. 2801

الآيةُ في مشركي العرب؛ لأنَّ الآياتِ التي قبلَها وبعدها فيهِم، والسُّورةُ في محاجَّة المشركِين (١). وقال أبيُّ بن كعب: هي في أهلِ الإسلام، وقد جاء اثنانِ بعد وفاة النبيِّ ﷺ ؛ ألبِسوا شِيَعًا، وأُذيقَ بعضُهم بأسَ بعضٍ، وبقيَ اثنان لا بدَّ واقعان. وقال الحسنُ ﵀: ثنتان في أهلِ الإسلام؛ الأهواءُ المختلفة، والقتلُ، وثنتان في أهل الشِّرك مِن أهل الكتاب، وهما الخسفُ في الأرض، والحجارةُ مِن السَّماء. وقال في قولِه: ﴿أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: يَحتملُ إسقاطَ السَّماءِ عليهم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ طيَّ الأرضِ من تحتِكم وخسفكم (٢). والآية حجَّةٌ في خلقِ أفعال العباد. ورويَ أنَّ خبابَ بنَ الأرتِّ قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ ليلةً يُصلِّي، فلمَّا فرغَ قال: قلتُ له وقت الصُّبح: لقد رأيتُك تُصلِّي صلاةً ما رأيتُكَ صلَّيتَ (٣) مثلها! قال: "أجل، إنَّها صلاةُ رغبةٍ ورهبة؛ سألتُ ربِّي فيها ثلاثًا، فأعطاني ثِنتين، وزوى عنِّي واحدةً؛ سألتُه ألَّا يُسلِّطَ على أمَّتي عدوًّا مِن غيرِهم، فأعطاني، وسألتُه ألَّا يُرسِلَ عليهم السَّنةَ فتَقتلَهُم جوعًا، فأعطاني، وسألتُه ألَّا يَجعلَ بأسَهم بينَهم، فزواها عني" (٤). وقال الكلبيُّ: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ، شَقَّتْ على النَّبيِّ ﷺ مشقَّةً شديدةً، فقال: "يا جبريل، ما بقاء أمتي على ذلك؟ " فقال: إنَّما أنا عبدٌ مثلُك، فادع ربَّك، وقام

стр. 2802

رسولُ اللَّه ﷺ ، فتوضَّأ وصلَّى، وسألَ ربَّه ألَّا يبعثَ على أمَّتِه عذابًا مِن فوقِهم، ولا مِن تحتِ أرجلِهم، ولا يَلْبِسَهُم شِيَعًا، ولا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعض، فنزلَ جبريلُ ﵇ وقال: إنَّ اللَّهَ تعالى سمعَ مقالتَكَ، وإنَّه أجارَهُم مِن خصلتين، ولم يُجِرهم مِن خِصلتين؛ أجارَهم ألَّا يبعثَ عليهم عذابًا من فوقهم، ولا مِن تحتِ أرجلِهم، ولم يُجِرهم مِن أنْ يَلبِسَهم شِيَعًا، ويذيقَ بعضَهم بأسَ بعض. فقال: "يا جبريل فما بقاء أمتي" قال: سلِ اللَّه لأمَّتِك، فقام رسولُ اللَّه ﷺ ، فتوضَّأ وصلَّى، وسأل ربَّه، فنزل جبريل ﵇ فقال: إنَّ اللَّه تعالى يقول: إنَّا أرسلنا مِن قبلِكَ رُسلًا إلى قومِهم، فصدَّقهم مُصدِّقون، وكذَّبهم مُكذِّبون، ولم يمنعْنا أنْ نبتليَ الذين زَعموا أنَّهم مؤمنون مِن بعد قبضِ أنبيائِهم ببلاءٍ يعرف فيه صدقُهم مِن كذبهم، ثمَّ نزل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ الآيات [العنكبوت: ١ - ٢] (١). وروى عبد اللَّه بن عمرو (٢) ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ بين يدَي السَّاعةِ لهَرْجًا"، قلنا: وما الهَرْجُ؟ قال: "القتلُ والكذبُ" ثلاث مرات، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، أكثرَ مِن قتلِنا الكفَّار، فواللّه إنَّا لنَقتلُ في العامِ الواحدِ كذا وكذا، قال: "ليس بقتلِكم الكفَّار، ولكن قتلٌ يكونُ بينكم يا معشَرَ أهلِ الإسلام، حتَّى يَقتلَ الرَّجلُ جارَهُ، ويَقتُلُ صاحبَهُ وأخاه وأباه" فقلنا: يا رسول اللَّه، ومعنا عقولنا؟! وفينا

стр. 2803

كتاب ربنا؟! قال: "تُنْتَهَبُ عقولُ أكثرِ أهلِ ذلك الزَّمان، حتَّى يَروا أنَّهم على شيءٍ، وليسوا على شيء" (١). وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: كيف نُورِدُ عليهم المواعظَ المختلفةَ، مِن بيانِ الحقِّ، وإجابةِ الدُّعاءِ، والإنجاءِ مِن الظُّلمات، وتصريفِ اللَّيلِ والنَّهار، والأمرِ والنَّهي، والوعدِ والوعيدِ، مِن أوَّل السُّورةِ إلى هاهنا؛ ليَستنبطَ هؤلاء المشركون مِنها بُطلانَ قولِهم، وتناقضَ مذاهبِهم. وقال الإمامُ القشَيريُّ ﵀: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لا طعمَ أدوى (٢) مِن طعمِ الإنسان؛ إنْ شئتَ في الولايةِ والمحبَّةِ، وإن شئتَ في العداوةِ والبُغضة، فمَن مُنيَ بالمصيبة (٣) مع أشكالِه تَنغَّصَ عليه عيشُه في الدُّنيا، ومَن مُني بمحبَّةِ أمثالِه، تَكدَّرَ عليه حاله مع المولى، ومن صانَهُ اللَّهُ عن الخلقِ فهو المحفوظُ المعافى (٤). * * * (٦٦) - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ قال الحسنُ والسُّدِّيُّ: أي: بالقرآن (٥)، وقيل: أي: بتصريفِ الآيات.

стр. 2804

وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الصِّدقُ والكائنُ. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بحافظِ أعمالِكم حتَّى أجازيَكُم عليها، بل اللَّه يَجْزيكم بها. قال الحسن: وقيل: لستُ عليكم بمُسلَّطٍ أمنعكم جبْرًا أنْ تكفروا، بل إليَّ الدَّعوةُ والتَّبليغ (١). قال ابنُ عباس ﵄: نسخَها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢). وقيل: ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أملكُ تَصريفَكم على ما أُريد، وأنْقلُكم عن أهوائِكم. * * * (٦٧) - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لكلِّ خبرٍ استقرارٌ وموضعُ اسْتقرار، فإنَّ اللفظةَ تَصلحُ للمصدر والمكان، ومعناه: لكلِّ خبرٍ قرارٌ على غايةٍ يَنتهى إليها، فيَتبيَّنُ حينئذٍ صدقُه مِن كذبِه، وحقُّه مِن باطله. وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ خبرِ ما كذَّبتم به، وهي كلمةُ وعيد،

стр. 2805

فقيل: إنهم قد علِموا بذلك يومَ بدر، ويجوزُ أن يكون بعضُ وعيدِهم يَتحقَّقُ في الآخرةِ، أو (١) يتحقَّقُ كلُّه يومئذٍ. وقيل: أي: لكلِّ وعدٍ ووعيدٍ مِن اللَّه وقوعٌ واستقرارٌ، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزلَ، وهو كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]. وقال الحسن: أي لكلِّ عملٍ جزاءٌ، فمَن عملَ خيرًا جُوزِيَ به الجنَّةَ، ومَن عملَ سوءًا جُوزيَ به النَّار، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يا أهلَ مكَّة (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: يَحتملُ أن يكون هذا صلةَ قوله: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾، لكن ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لم أسلَّط على قتالِكم الآن، ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ في أن أغنمَ أموالَكم، وأسبيَ ذراريكم إذا وردَ الأمرُ بالقتال (٣). * * * (٦٨) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ قال الحسنُ وقتادةُ ومجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبير: هو خوضُ تكذيبٍ واستهزاء (٤). وقال ابنُ عبَّاس: أمرَ اللَّهُ رسولَه: إذا رأيتَ المشركين يُكذِّبون بالقرآن وبك،
следующие страницы →