الآيةُ في مشركي العرب؛ لأنَّ الآياتِ التي قبلَها وبعدها فيهِم، والسُّورةُ في محاجَّة المشركِين (١).
وقال أبيُّ بن كعب: هي في أهلِ الإسلام، وقد جاء اثنانِ بعد وفاة النبيِّ ﷺ ؛ ألبِسوا شِيَعًا، وأُذيقَ بعضُهم بأسَ بعضٍ، وبقيَ اثنان لا بدَّ واقعان.
وقال الحسنُ ﵀: ثنتان في أهلِ الإسلام؛ الأهواءُ المختلفة، والقتلُ، وثنتان في أهل الشِّرك مِن أهل الكتاب، وهما الخسفُ في الأرض، والحجارةُ مِن السَّماء.
وقال في قولِه: ﴿أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾: يَحتملُ إسقاطَ السَّماءِ عليهم، ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ طيَّ الأرضِ من تحتِكم وخسفكم (٢).
والآية حجَّةٌ في خلقِ أفعال العباد.
ورويَ أنَّ خبابَ بنَ الأرتِّ قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ ليلةً يُصلِّي، فلمَّا فرغَ قال: قلتُ له وقت الصُّبح: لقد رأيتُك تُصلِّي صلاةً ما رأيتُكَ صلَّيتَ (٣) مثلها! قال: "أجل، إنَّها صلاةُ رغبةٍ ورهبة؛ سألتُ ربِّي فيها ثلاثًا، فأعطاني ثِنتين، وزوى عنِّي واحدةً؛ سألتُه ألَّا يُسلِّطَ على أمَّتي عدوًّا مِن غيرِهم، فأعطاني، وسألتُه ألَّا يُرسِلَ عليهم السَّنةَ فتَقتلَهُم جوعًا، فأعطاني، وسألتُه ألَّا يَجعلَ بأسَهم بينَهم، فزواها عني" (٤).
وقال الكلبيُّ: لمَّا نزلَت هذه الآيةُ، شَقَّتْ على النَّبيِّ ﷺ مشقَّةً شديدةً، فقال: "يا جبريل، ما بقاء أمتي على ذلك؟ " فقال: إنَّما أنا عبدٌ مثلُك، فادع ربَّك، وقام
стр. 2802
رسولُ اللَّه ﷺ ، فتوضَّأ وصلَّى، وسألَ ربَّه ألَّا يبعثَ على أمَّتِه عذابًا مِن فوقِهم، ولا مِن تحتِ أرجلِهم، ولا يَلْبِسَهُم شِيَعًا، ولا يُذيقَ بعضَهم بأسَ بعض، فنزلَ جبريلُ ﵇ وقال: إنَّ اللَّهَ تعالى سمعَ مقالتَكَ، وإنَّه أجارَهُم مِن خصلتين، ولم يُجِرهم مِن خِصلتين؛ أجارَهم ألَّا يبعثَ عليهم عذابًا من فوقهم، ولا مِن تحتِ أرجلِهم، ولم يُجِرهم مِن أنْ يَلبِسَهم شِيَعًا، ويذيقَ بعضَهم بأسَ بعض. فقال: "يا جبريل فما بقاء أمتي" قال: سلِ اللَّه لأمَّتِك، فقام رسولُ اللَّه ﷺ ، فتوضَّأ وصلَّى، وسأل ربَّه، فنزل جبريل ﵇ فقال: إنَّ اللَّه تعالى يقول: إنَّا أرسلنا مِن قبلِكَ رُسلًا إلى قومِهم، فصدَّقهم مُصدِّقون، وكذَّبهم مُكذِّبون، ولم يمنعْنا أنْ نبتليَ الذين زَعموا أنَّهم مؤمنون مِن بعد قبضِ أنبيائِهم ببلاءٍ يعرف فيه صدقُهم مِن كذبهم، ثمَّ نزل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ الآيات [العنكبوت: ١ - ٢] (١).
وروى عبد اللَّه بن عمرو (٢) ﵄ قال: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "إنَّ بين يدَي السَّاعةِ لهَرْجًا"، قلنا: وما الهَرْجُ؟ قال: "القتلُ والكذبُ" ثلاث مرات، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، أكثرَ مِن قتلِنا الكفَّار، فواللّه إنَّا لنَقتلُ في العامِ الواحدِ كذا وكذا، قال: "ليس بقتلِكم الكفَّار، ولكن قتلٌ يكونُ بينكم يا معشَرَ أهلِ الإسلام، حتَّى يَقتلَ الرَّجلُ جارَهُ، ويَقتُلُ صاحبَهُ وأخاه وأباه" فقلنا: يا رسول اللَّه، ومعنا عقولنا؟! وفينا
стр. 2803
كتاب ربنا؟! قال: "تُنْتَهَبُ عقولُ أكثرِ أهلِ ذلك الزَّمان، حتَّى يَروا أنَّهم على شيءٍ، وليسوا على شيء" (١).
وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: كيف نُورِدُ عليهم المواعظَ المختلفةَ، مِن بيانِ الحقِّ، وإجابةِ الدُّعاءِ، والإنجاءِ مِن الظُّلمات، وتصريفِ اللَّيلِ والنَّهار، والأمرِ والنَّهي، والوعدِ والوعيدِ، مِن أوَّل السُّورةِ إلى هاهنا؛ ليَستنبطَ هؤلاء المشركون مِنها بُطلانَ قولِهم، وتناقضَ مذاهبِهم.
وقال الإمامُ القشَيريُّ ﵀: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ لا طعمَ أدوى (٢) مِن طعمِ الإنسان؛ إنْ شئتَ في الولايةِ والمحبَّةِ، وإن شئتَ في العداوةِ والبُغضة، فمَن مُنيَ بالمصيبة (٣) مع أشكالِه تَنغَّصَ عليه عيشُه في الدُّنيا، ومَن مُني بمحبَّةِ أمثالِه، تَكدَّرَ عليه حاله مع المولى، ومن صانَهُ اللَّهُ عن الخلقِ فهو المحفوظُ المعافى (٤).
* * *
(٦٦) - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ قال الحسنُ والسُّدِّيُّ: أي: بالقرآن (٥)، وقيل: أي: بتصريفِ الآيات.
стр. 2804
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الصِّدقُ والكائنُ.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ أي: بحافظِ أعمالِكم حتَّى أجازيَكُم عليها، بل اللَّه يَجْزيكم بها.
قال الحسن: وقيل: لستُ عليكم بمُسلَّطٍ أمنعكم جبْرًا أنْ تكفروا، بل إليَّ الدَّعوةُ والتَّبليغ (١).
قال ابنُ عباس ﵄: نسخَها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢).
وقيل: ﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أملكُ تَصريفَكم على ما أُريد، وأنْقلُكم عن أهوائِكم.
* * *
(٦٧) - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لكلِّ خبرٍ استقرارٌ وموضعُ اسْتقرار، فإنَّ اللفظةَ تَصلحُ للمصدر والمكان، ومعناه: لكلِّ خبرٍ قرارٌ على غايةٍ يَنتهى إليها، فيَتبيَّنُ حينئذٍ صدقُه مِن كذبِه، وحقُّه مِن باطله.
وقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ حقيقةَ خبرِ ما كذَّبتم به، وهي كلمةُ وعيد،
стр. 2805
فقيل: إنهم قد علِموا بذلك يومَ بدر، ويجوزُ أن يكون بعضُ وعيدِهم يَتحقَّقُ في الآخرةِ، أو (١) يتحقَّقُ كلُّه يومئذٍ.
وقيل: أي: لكلِّ وعدٍ ووعيدٍ مِن اللَّه وقوعٌ واستقرارٌ، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا نزلَ، وهو كقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣].
وقال الحسن: أي لكلِّ عملٍ جزاءٌ، فمَن عملَ خيرًا جُوزِيَ به الجنَّةَ، ومَن عملَ سوءًا جُوزيَ به النَّار، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يا أهلَ مكَّة (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يَحتملُ أن يكون هذا صلةَ قوله: ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾، لكن ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أي: لم أسلَّط على قتالِكم الآن، ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ في أن أغنمَ أموالَكم، وأسبيَ ذراريكم إذا وردَ الأمرُ بالقتال (٣).
* * *
(٦٨) - ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ قال الحسنُ وقتادةُ ومجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبير: هو خوضُ تكذيبٍ واستهزاء (٤).
وقال ابنُ عبَّاس: أمرَ اللَّهُ رسولَه: إذا رأيتَ المشركين يُكذِّبون بالقرآن وبك،
وَذَكِّرْ بِهِ﴾ يتَّصل بقوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى﴾، ويُبيِّنُ أنَّ التَّذكيرَ يجبُ أن يكون بالقرآن، وهو كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾.
وقوله: ﴿وَذَرِ﴾؛ أي: اترك محاجَّةَ هؤلاء بإيرادِ الحُجَجِ عليهم؛ لأنَّها إنَّما تَنفعُ لمَن تدبَّر وتَفكَّر، وطلبَ الحقَّ بدلائلِه، وهؤلاء الخائضونَ اتَّخذوا دينَهم عبثًا، لا يَقصِدون طلبَ الحقِّ، ولا يطلبونَ دلائلَه، ولا يُفكِّرون في معادٍ ولا جزاءٍ ولا حساب.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ التَّقديمَ والتَّأخير: وذرِ الذين اتَّخذوا اللهوَ واللَّعِبَ دينًا، حتَّى لا يفارقون ذلك (١)، كالدِّين الذي يُتَّخذُ للأبد.
ويحتمل ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾: ما هويَتهُ أنفسُهم، ودعَتْهم إليه الشَّياطين، ومَن فعلَ ذلك فهو عابثٌ لاعب (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أوهمَهم الشَّيطانُ أنَّ ما أُعطوا فيها مِن رئاسةٍ على الضَّعفة، ووُسِّع لهم فيها مِن الرِّزق، وأُطيل لهم في البَسطة، إنَّما هو لكرامتِهم على اللَّه.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ وعيدًا؛ لقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أي: وعِظْ بالقرآن.
وقيل: خوِّف بالحساب، فقد سبقَ ذِكْرُه.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: خوفَ الإبسال.
стр. 2809
وقيل: أي: لئلَّا تُبسلَ، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
و ﴿تُبْسَلَ﴾: قال الفرَّاء: أي: تُرتهن (١).
وقال الحسنُ ومجاهدٌ والسُّدِّيُّ: أي: تُسلمَ للهَلكة (٢).
وقال قتادة: تُحبس (٣).
وقال ابنُ عبَّاس ﵄: تُفضَح (٤).
وقال الضَّحَّاك: أي: تُنضَج وتُحرَقَ (٥).
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ في روايةٍ: تُهلك (٦).
وظاهرُه عند أهلِ اللغة: تُسلَم للهَلَكة، وقال عوف بن الأحوص الكلابي:
وإبْسالي بَنيَّ بغيرِ جُرْمٍ... بعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُرَاقِ (٧)
أي: إسلامي.
стр. 2810
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾؛ أي: للنَّفس وليٌّ يَنصرُها، ولا شافعٌ يَستوهِبُ ذنوبَها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾؛ أي: وإن تُفدَ كلَّ فديةٍ لا تُقبَل منها.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: أولئك الخائضون، و ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ ارتُهِنوا وأُسلِموا للهَلَكة، وحُبِسوا وفُضِحوا بما كسَبوا مِن الشِّركِ والخوض في الباطلِ والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾؛ أي: ماءٌ حارٌّ شديدُ الحرارةِ، يصهَرُ به ما في بطونِهم وتقطَّع أمعاؤهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أي: بكفرهم.
وقيل: ﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ بما شَرِبوا من القهوات (١)، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بما تَناولوا من الشَّهوات.
وقال الإمامُ القُشيريُّ ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: مَن كان نقيَّ الثَّوبِ عن ارتكابِ الآثام، كان بمعزلٍ يوم النَّشر عن ملاقاةِ تلك الآلام.
وقال في قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾؛ أي: كِلْهم إلى ما اختاروا، فإنَّا اعتدنا لهم مِن خفيِّ المكرِ ما إذا أحللنا [هـ] بهم كسرنا عليهم خِمارَ الغفلةِ، وكشَفنا عنهم خِمار الوَهْمِ والجهلة (٢).
стр. 2811
(٧١) - ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾؛ أي: أنطلَبُ النَّجاحَ ممَّن لا يَملِكُ لنا نفعًا ولا ضرًّا، وهي الأصنام.
وقيل: أي: أنَعبدُ، مِن قوله: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، ويَرجع إلى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]، والأقرب إلى قوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، وكان الكفَّارُ -لعنهم اللَّه- يتَّخِذون الأصنامَ أولياءَ وشُفعاء.
وقيل: أي: لا يَنفعُنا إنْ أطعناهُ، ولا يَضرُّنا إنْ عصيناهُ.
وقوله تعالى: ﴿وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ عطفٌ على الأوَّل، والاستفهامُ بمعنى الإنكار.
وقال المبرِّد: إذا قلت: ردَّ على عقبِه، فمعناه: جاءَ لينفذَ، فسُدَّ سبيلُه.
وقيل: أي: نرتدَّ عن دينِنا، ونرجعَ إلى ورائِنا، وهو عبارةٌ عن الإدبار والخيبةِ والدَّمار، وهو كقوله: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [الأنفال: ٤٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤].
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾؛ أي: إلى الدِّين الحقِّ.
وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ﴾؛ أي: جرَّتهُ إلى المهاوي، وهي المساقطُ والمهالك، كما يقال: استزلَّتهُ واستَغْوتهُ؛ أي: جرَّتهُ إلى الزَّللِ والغِواية (١).
стр. 2812
وقرأ حمزة: ﴿استهواه﴾ (١) لتَقدُّم الفعلِ؛ أي: إنْ فعَلنا كذلك كنَّا كرجلٍ (٢) ذهبَت به الشَّياطينُ في الفلاةِ متَحيِّرًا لا يَهتدي لطريقٍ يَتخلَّص (٣) منه، ويأمنُ به السُّقوط، وذلك قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾؛ أي: لهذا الرَّجلِ أصحابٌ مشفقون عليه، يريدون الخيرَ به، يدعونه إلى الصِّراطِ المستقيم، ويقولون: ﴿ائْتِنَا﴾ أضمرَ القولَ لدلالة ﴿يَدْعُونَهُ﴾ على ذلك؛ أي: يقولون له: دع طريقَ الضَّلالِ وعُد إلينا.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾؛ أي: الطَّريقُ الذي هدى اللَّهُ إليه، فهو الطَّريقُ المستقيم.
وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أمرنا اللَّهُ تعالى أنْ ننقادَ له، ونُسلِّمَ أنفسَنا إليه، فهو خالقُ العالمين وحافظُهم ومدبِّرُ أمورِهم.
* * *
(٧٢) - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾؛ أي: وقيل لنا ذلك، أو هو عطفٌ على قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾ باعتبار المعنى؛ فإن تقدير قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ﴾؛ أي: قيل لنا: أسلموا، فيجوزُ أنْ يُعطَفَ عليه، و ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: تذلَّلوا لهُ بالعبادة، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ ولا تخالفوا أمره ونهيَه بالمعصية.
стр. 2813
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أي: للحسابِ والجزاء أيُّها العادِلون باللَّه.
قال الكلبيُّ: نزلت في عبد الرَّحمن بنِ أبي بكر، وقد دعا أباهُ وهو (١) في حالِ كفرِه إلى دين آبائه (٢).
وقال ابنُ عبَّاس والسُّدِّيُّ ﵃: هو مثلٌ، يقول: مثلُ مَن يُدعَى إلى الكفرِ كضالٍّ في الطَّريق يَدعوه الغيلان في المفاوز باسمِه ونَسبِه، وأصحابُه يَدعونَهُ إلى الطَّريقِ السَّويِّ، فإن اتَّبعَ الغولَ هلكَ، وإن أجابَ أصحابَه اهتدى (٣).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي قل يا محمَّدُ: أنؤثِرُ الضَّلالَ على الهدى بعدَ طلوعِ شموس البُرهان؟ ونَدَعُ الطَّريقةَ المُثلى بعد ظهور البيان؟ ونترك عَقوَةَ (٤) الجنَّة، وقد نزلناها، ونطلبُ مُتبوءًا في الجحيم (٥) وقد كُفيناها؛ إنَّ هذا بعيد مِن العقول، محالٌ مِن الظُّنون، وكيف يُساعِدُ أتباعَ الشَّياطين مَن وجدَ الخلاصَ مِن صُحبتِهم، فأبصرَ الغيَّ في صفتهم؟!
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾؛ أي: أُمِرنا بملازمةِ الصَّلاة، وهي محلُّ المناجاة، ولسانٌ تعوَّد نجوى السُّلطان، متى يَنطقُ بمكالمةِ أخِسَّةِ أهلِ الزَّمان (٦).
стр. 2814
(٧٣) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: للحقِّ، ولم يَخلقهُما (١) باطلًا.
وقيل: أي: لمنافعِ العباد، ولاستبداءِ الشُّكرِ منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ متَّصلٌ بقوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ يومَ، أو هذا ابتداءٌ، وأضمرَ فيه: واحذروا يومَ يقولُ لذلك اليوم: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: يُكَوِّنهُ سريعًا، وعلى هذا تمَّ هذا، ثمَّ قولُه تعالى: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ مبتدأٌ وخبر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ كذلك، وهما كلامان تامَّان مطلقان.
وقيل: هذا يتَّصِلُ بالأوَّل ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ أي: يوم القيامة، يكونُ (٢) ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾؛ أي: يَتحقَّقُ قولُه الصِّدقُ، ويَقعُ حكمُه الفصل، ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ يومئذٍ، كما قال: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ هو تقرير قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ هو موصولٌ بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾، وهو ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: عالمُ ما غابَ علمُه عن الخلقِ، وعالمُ ما يشهَدُه الخلقُ، ويَحتملُ: عالمُ السِّرِّ والعلانية.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ المصيبُ في أقوالِه وأفعالِه؛ مِن الإماتةِ والإحياء، والإيجادِ والإفناء.
стр. 2815
وقوله تعالى: ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأعمالِ عبادهِ؛ ظاهرِها وباطنِها، والعالمُ بجزائِها.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ في الآية (١): أي: لا يَعتاصُ على قدرته حدوثُ مقصودٍ، ولا يَتقاصَرُ حكمُه عن تصريفِ موجود (٢).
* * *
(٧٤) - ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾؛ أي: اذكرْ لهؤلاءِ العادلينَ بربِّهم قصَّةَ إبراهيم، وهو أبو العرب، وهم أولى النَّاس بالاقتداء به؛ لأنَّهم ذرِّيَّتُه، وبه مفاخرتُهم، إذ قال إبراهيمُ لأبيه آزرَ منكرًا عليه، ومتعجِّبًا منه.
قوله تعالى ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾؛ أي: أتجعلُ الأصنامَ معبودةً لك تَعتقِدُها (٣) آلهةً.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بعبادتِكم ما دونَ اللَّه.
ومن قال: إنَّ اسمَ والد إبراهيم تارح (٤) في الرِّوايات المشهورة في نسبه، لا آزر؛ فإنَّه يُقالُ له: يجوزُ أن يكون له اسمان، أو أحدُهما اسمًا له، والآخرُ لقبًا له عُرِفَ به، فيُنسَبُ إليه، ومَن قال: ﴿آزرُ﴾ بالرَّفع، وهو في بعض القراءات (٥)، فله وجوه:
стр. 2816
قيل: هو نداءٌ بمعنى (١): يا آزر.
وقيل: معناه: يا شيخ.
وقيل: معناه: يا عوج (٢)؛ أي: معوجٌّ عن الدِّين.
وقيل على قراءة النصب: إنَّه اسمُ صنمٍ لهم، وتقديره: أتعبدُ آزرَ، أتتَّخِذُ أصنامًا آلهة.
وقال وهب: هو إبراهيمُ بنُ تارح بنِ ناحور بن أشرع بن أرغو بن فالغ بن عابر (٣) بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وفي التَّوراة: شاروع مكان أشرع (٤).
* * *
(٧٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل: أي كما أريناهُ ضلالَ أبيه وقومِه حتَّى قال: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أريناهُ ﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، و ﴿نُرِي﴾ مستقبلٌ بمعنى الماضي، كما في قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: وإذ قلتَ.
وقيل: أي: وكما أريناكَ ملكوتَ السَّماوات والأرض والآيات، كذلك أرينا إبراهيم.
و ﴿مَلَكُوتَ﴾ بمعنى الملك، وهو السُّلطان، وتقديرُه: ملكوتَنا في السَّماوات والأرض.
стр. 2817
قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: عُرِجَ بإبراهيمَ إلى السَّماء، فرأى عبدًا على فاحشةٍ، فدعا اللَّهَ تعالى عليه، فأهلكَه، ثمَّ رأى عبدًا آخرَ على فاحشةٍ، فدعا اللَّه عليه، فقال اللَّهُ تعالى (١): يا إبراهيم، اكفُف دعوتَك عن عبادي، فإنَّ عبدي بين خِلالٍ ثلاثٍ؛ إمَّا أنْ أُخرِجَ منه ذُريَّةً طيِّبةً، أو يتوبَ فأغفرَ له، أو النارُ من ورائه، أوَما علمتَ أنَّ مِن أسمائي الحليم؟ (٢)
وقال مجاهد: فُرِجَت له السَّماوات السَّبعُ، فنظرَ إلى ما فيهنَّ، حتَّى انتهى نظرُه إلى العرش، وفُرِجَت له الأرضون السَّبع، حتَّى نظرَ إلى ما فيهنَّ (٣).
وقال الضَّحَّاك: أُقيمَ على صخرةٍ، وفُتِحَت له السَّماواتُ فنظرَ إلى مُلْكِ اللَّهِ تعالى في السَّماوات، حتَّى نظرَ إلى مكانِه في الجنَّة، وفُتِحَت له الأرضون، حتَّى نظرَ إلى أسفلِ الأرضين، فذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]؛ أي: أُريَ مكانَه في الجنَّة (٤).
وقال قتادة: أراهُ اللَّه تعالى ملكوتَ السَّماوات والأرض؛ ملكوت السَّماوات: الشمسُ والقمرُ والنجوم (٥)، وملكوتُ الأرض: الجبالُ والأشجارُ والبحار (٦).
стр. 2818
وقيل: نظرَ في المصنوعات، فرأى ما فيها من الدّلالةِ على وحدانيةِ (١) اللَّه تعالى، والشهادةِ له بالحكمةِ والتَّعالي عن الأضداد والأنداد، وإبطالِ أن يُعدَلَ به شيءٌ سواه.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾؛ أي: وليكون مِن الموقنين أريناهُ الملكوت.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الإيقانُ بالشَّيء: هو العلمُ بحقيقتِه بعد النَّظرِ والاستدلال فيه، ولذلك لا يوصَف اللَّه تعالى باليقين (٢).
ثمَّ ليس هذا دلالةَ الشَّكِّ في الابتداء أو الجهلِ للحال، لكن لبيان إيقاعِ العلمِ له ابتدأ بهذه الدلائل، كقوله: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]، ليس هذا رفعًا عن وضعٍ، وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، ليس هذا إخراجًا عن إدخال، وقوله: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ٣٧]، ليس هذا تركًا بعد شروع، بل هذا كلُّه إثباتُ ابتداءٍ فكذلك هاهنا (٣).
* * *
(٧٦) - ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: إنَّ إبراهيم ولد في زمن نمرود بن كنعان بن كوش بن حام بن نوح، وكان جبَّارًا، وكان له كهَّان يخبرونَه بما يكونُ في الأرض، فقالوا له: إنَّه يولدُ في هذه السَّنة غلامٌ يُفسِدُ
стр. 2819
آلهةَ الأرض، ويَدعو النَّاس إلى غير دينِهم، ويكونُ هلاكُ ملكِك على يديه (١).
وقيل: إنَّهم وجِدوا ذلك في كتبِ الأنبياء.
وقيل: قالت المنجِّمةُ ذلك.
وقيل: إنَّ نمرود رأى ذلك في المنام، فهالَه (٢)، وقال: الأمرُ في هذا أنْ يعزل الرِّجال عن النِّساء، وينظر كلُّ حبلى في مملكتي، فإذا ولدَت غلامًا قتل، وإذا ولدَت جاريةً تركت، إلى أن تمضيَ هذه السنة التي قلتم، فعمد فعزلَ الرِّجال عن النِّساء، وجعلَ على كل عشرةٍ رجلًا، فإذا طهُرَت امرأة حيلَ بينها وبين زوجِها إلى أن تحيض، فرجعَ آزرُ أبو إبراهيم إلى أهله فوجد امرأتَه قد طهُرت مِن الحيض، فوقعَ عليها في طُهرها، فحملَت (٣).
فقال الكهَّان: إنَّ الغلامَ الذي أخبرناك به قد حملتة (٤) أمُّه الليلة، قال نمرود -لعنه اللَّه-: كلُّ امرأةٍ قد استبانَ حملُها خلوا سبيلها، واحبسوا اللَّواتي لم يَستبِن حملُهن، وكلُّ مَن ولدَت غلامًا فاقتلوه، فلمَّا دنت ولادةُ إبراهيم وأخذَها الطَّلقُ خرجَت هاربةً؛ مخافةَ أن يُطَّلعَ عليها، فيقتل ولدها، فوضعَتهُ في نهرٍ يابسٍ، ثمَّ لفَّتهُ في خِرقةٍ، ووضعَتهُ في حَلْفاء، ورجعَتْ وأخبَرَت زوجَها بأنَّها ولَدَت، وأنَّه في موضعِ كذا (٥)، فانطلقَ أبوه، فأخذَهُ مِن ذلك المكان، وحفر له سَرَبًا عند نهرٍ، فواراه
стр. 2820
فيه، وسدَّ عليه بصخرةٍ؛ مخافة السباع، وكانت أمُّه تَختلِفُ إليه وتُرضِعُه، فأرضعَتهُ وفطمَتهُ حتَّى شبَّ، فإذا رجَعَت مِن عنده مصَّ إبهامَهُ (١).
وقال أبو روق: كلمَّا دخلَت أمُّ إبراهيمَ عليه وجدتهُ يَمَصُّ أصابعَهُ، فقالت ذات يوم: لأنظُرَنَّ إلى أصابعِه، فوجدَتهُ يَمَصُّ مِن أصبعٍ ماءً، ومن أصبعٍ لبنًا، ومِن أصبعٍ عسلًا، ومن أصبعٍ تمرًا، ومن أصبع سمنًا (٢).
وفي حديث السُّدِّيِّ: لما عظُم بطنُها، وخشيَت عليه، انطلقَ بها آزرُ إلى أرضٍ بين الكوفةِ والبصرة، فأنزلَها في سَرَبٍ مِن الأرضِ، وجعلَ عندها ما يُصلِحُها، فولدَت إبراهيمَ في ذلك السَّرَب، وشبَّ، وكان وهو ابنُ سنةٍ كابنِ ثلاث سنين (٣).
وفي حديث محمَّد بن إسحاق: لمَّا بلغَ إبراهيمُ خمسةَ عشر شهرًا، قال لأمِّه: أخرجيني انظر، فأخرجَتهُ عِشاءً، وذكر حديث رؤية الكوكب (٤) والقمرِ والشَّمس (٥).
стр. 2821
وفي حديث ابن عباس ﵄: قال لأمِّه ذاتَ يومٍ: مَن ربِّي؟ قالت: أنا، قال: فمَن ربُّك؟ قالت: أبوك، قال: فمَن ربُّ أبي؟ قالت له: اسكُتْ، فسكتَ، ثمَّ رجعَت إلى زوجِها فأخبرَتهُ بذلك، فأتاهُ أبوه، فقال لأبيه: مَن ربِّي؟ قال: أمُّك، قال: فمَن ربُّها؟ قال: أنا، قال: فمَن ربُّك؟ قال: نمرود، قال: فمَن ربُّ نمرود؟ فلطمَه لطمةً (١).
وقال مقاتلٌ ﵀: انطلق آزرُ بإبراهيمَ ﵇ حين غابَت الشَّمسُ، فنظرَ إبراهيمُ إلى الإبل والخيل والغنم، فسأل أباه: ما هذه؟ قال: إبلٌ وخيلٌ وغنم، فقال في نفسه: ما لهذه بدٌّ مِن أن يكون لها ربٌّ وخالق، وطلعَ المشتري، وكانت تلك الليلةُ آخرَ الشَّهر، فرأى الكوكبَ (٢) قبل القمر، فـ ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ (٣)، فلم يمكث أنْ سقطَ الكوكبُ، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾؛ يعني (٤) يقول: لا أحبُّ ربًّا يَغيبُ (٥)، ثمَّ طلعَ القمرُ، فرآهُ أعظمَ وأضوأ مِن الكوكب، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، وأصبحَ وطلعَت الشَّمسُ، فرآها أعظمَ وأضوأ مِن القمر (٦)، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ونودي: أن أسلم لربِّ العالمين، فأسلمَ، وكان لا يَرى شيئًا إلَّا قال: ما لهذا بدٌّ مِن أن يكونَ له رَبٌّ، وأخذَ في طعنِ آلهتهم، وجعلَ أبوه يزيِّنها له، فلا يزداد لها إلا بُغضًا، ومنها بعدًا.
стр. 2822
وقال الإمام أبو منصور ﵀: رُوي في التَّفسير (١) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنَّه رُبِّيَ في السَّرَب، ولم يكن نظرَ إلى شيءٍ مِن خلق السَّماء، فنظرَ عند باب السَّرب في أول الليلة، فرأى الزُّهرةَ بضوئها وتلألئها، وكان في علمِه أنَّ له ربًّا، وأنَّه يَرى، فلم يرَ أضوأَ منها ولا أنور، فـ ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ علمَ أنَّ الرَّبَّ دائمٌ لا يَزول، فقال: لا أحبُّ هذا؛ يعني: ليس هذا بربٍّ، والأفول الغروب عند أهل التفسير، وهو عندنا على غيبوبته في (٢) سلطان القمر (٣)، وقَهرَ سلطانَ القمر (٤) سلطانُ النَّجم، والرَّبُّ لا يُقهَر وسلطانُه لا يَزول.
قال: وقال جماعةٌ مِن أهل الكلام: كان هذا منه في وقتٍ لم يَكن جَرى عليه القلمُ، سمعَ الخلقَ يقولون: اللَّهُ خالقُ السَّماوات والأرض، وللَّه (٥) ما في السَّماواتِ وما في الأرض، ثمَّ رآهُم عَبَدوا الأصنامَ، وسمَّوها آلهةً، فتأمَّلَها، فوجدَها لا تَسمعُ ولا تُبصِرُ، ولا تَنفعُ ولا تَضرُّ، وعلمَ أنَّ مثلَها لا يحتملُ أنْ يكون يخلق (٦) ما ذكرت، وأنَّ الذي ذلك فعلُهُ عليٌّ عظيمٌ، يجبُ طلبُ معرفتِه مِن العُلُوِّ بما كان يَسمعُ نسبةَ الملائكةِ إلى السَّماءِ، ونزولُ الغيثِ منها، ومجيءُ النُّورِ والظُّلمةِ، وكلُّ (٧) أنواعِ البركات وغيرِها منها، فصرفَ تدبُّر طلبِ الذي نُسِبَ [إليه] الخلقُ إليها (٨).
стр. 2823
ثمَّ أوَّل ما أخذَ في التَّأمُّل والنَّظر، لم يقع بصرُه على أحسن وأبهى مِن الزُّهرة، فظنَّ ذلكَ، ثمَّ لمَّا قُهِرَ، علمَ أنَّه ليس هو، وكذلك القمرُ والشَّمسُ؛ إذ رأى في الكل آثارَ التَّسخير، فرجعَ إلى ما سمعَ أنَّه خلقَ السَّماوات والأرض، فوجَّه نفسَهُ إليه بالعبوديَّة، واعترف له بالربوبيَّة، فقال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾، وكان ذلك أوَّلَ أحوال الاستدلال.
قال: وقال الحسنُ: كان بالغًا قد جَرى عليه القلمُ، وقد كان رأى ما ذكرَ غيرَ مرَّة، لكنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا أرادَ أنْ يَهديَهُ، ألهمَهُ ذلك، فألقى في نفسه، فانتبهَ انتباهَ الإنسانِ لشيءٍ كان عنه غافلًا، فرأى كوكبًا أحمرَ يَطلُع عند غروبِ الشَّمس، فراعاهُ إلى أنْ أفلَ، فعلمَ أنَّ ربَّه لا يزولُ ولا يَتغيَّر، ففزعَ إليه، وقال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، وكذلك في القمر والشمس، إلى أنْ تَبرَّأَ ممَّا كانوا يُشرِكون، ووجَّهَ التَّوحيدَ والعبادةَ إليه (١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ونحن نَتبرَّأُ إلى اللَّه تعالى أنْ نَجعلَهُ رجلًا بالغًا جرى عليه القلم، وهو عن اللَّهِ تعالى كان بهذه الغفلة، حتَّى يَتوهَّم ذلك في نجمٍ أو قمرٍ أو شمسٍ، مع ما يرى فيها (٢) الظهورَ بعد أن لم يكن، والأفولَ بعد الطلوع، ثمَّ آثارَ التَّسخيرِ والعجز عن التَّدبير، ثمَّ نقولُ ذلك مع ما قال اللَّه تعالى في حقِّه: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، وقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فنقول: إنَّ إبراهيمَ كان مؤمنًا في ذلك الوقتِ، عارفًا بربِّه حقَّ المعرفةِ، ولكن كلَّمَ قومَه كلامَ مستدرِجٍ؛ بإظهارِ المتابعة لهم؛ ليكونوا به أوثقَ، وإليه أميل، وذلك أبلغُ في الحِجاجِ، وألطفُ في المكيدة، فبدأَ بتعظيمِ ما عظَّموه؛ إذ هم قومٌ كانوا يُعظِّمون
стр. 2824
النُّجوم، وبالعلمِ بأمرِها أخبروا نمرودَ بولادةِ مَن يَهلِكُ على يديه هو ويزولُ ملكه، ولذلك قال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات: ٨٨]؛ أي: في مقايسِها وعلمِها، لا أنَّه نظرَ إليها. قال: وإلى هذا ذهب القتبيُّ (١).
ثمَّ ذكرَ وجوهًا لذلك، ونحن نذكرُ بعضَها وبعضَ ما ذكرَ غيرُه مِن الأقاويل الصَّحيحة فيها إن شاء اللَّه تعالى.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ يقال: جنَّهُ اللَّيلُ، وجنَّ عليه، وأجنَّه، وأجنَّ عليه؛ أي: ستره.
وقيل: جنَّه؛ أي: سَتَرهُ، وجنَّ عليه؛ أي: أظلمَ عليه، قال الهذلي:
وماءٍ وَردتُ قُبيلَ الكَرى... وقد جنَّهُ السَّدفُ الأدهَمُ (٢)
ومنه اشتقاق الجَنَّة والجُنَّة والجِنَّة، والجِنان، والجنين، والجنون، والجَنن.
قوله: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ قيل: الزُّهرة، وقيل: المشتري.
قوله: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ قيل: في أوَّله ألفُ الاستفهام، وهو بمعنى الإنكار، وحَذْفُ ألفِ الاستفهام في كلام العربِ سائغ، قال الشاعر:
رفوني وقالوا يا خُويلِدُ لا ترع... فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ (٣)
стр. 2825
أي: أهم هم. ونظيرُه في القرآن: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]؛ أي: أيُخادِعون اللَّهَ، ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]؛ أي: أعبادٌ، ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢]؛ أي: أوَتلكَ نعمةٌ.
وقيل: أضمرَ فيه القولَ؛ يعني: يقولون: هذا ربِّي، وإضمارُ القول في القرآن كثيرٌ، منها: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧]؛ أي: يقولون: ربَّنا.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾؛ أي: غاب، قال ذو الرُّمَّة:
مصابيحُ ليسَت باللَّواتي يَقودُها... نجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوَالكِ (١)
وصدف (٢) مِن باب ضرب (٣) ودخل جميعًا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾؛ أي: لا أُثني على الذي يَتعاقب عليه الأحوالُ، ويَعتريه التغيُّر والزَّوال باستحقاق الربوبيَّة، ولا أعطيهِ المحبَّة التي تَجِبُ للَّه الذي يَستحيلُ عليه الزِّيادةُ والنُّقصان، والذَّهابُ والإتيان.
* * *
(٧٧) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾؛ أي: طالعًا بارزًا، وثَمَّ قوم يَعبدون القمرَ،
стр. 2826
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾؛ أي: أهذا (١) ربِّي؟ على وجه الإنكار؛ أي: ليس هذا ربِّي، وأضمرَ القولَ لما مرَّ (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: لئن لم يُثبِّتني اللَّهُ تعالى على هدايتِه، لأصيرنَّ مِن الذين ضلُّوا السَّبيل، ولا يجوزُ ذلك على الأنبياء؛ فإنَّهم معصومون، لكنَّه تنبيهٌ لغيرِه، والهدايةُ هي التَّثبيت هاهنا، كما في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦].
* * *
(٧٨ - ٧٩) - ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً﴾؛ أي: فلمَّا أصبحَ ورأى الشَّمسَ طالعةً بارزةً -وهناك قوئم يَعبدون الشَّمس- أرادَ أن يُنبِّهَهم، ويُبطِلَ اعتقادَهُم.
﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾؛ أي: أهذا الطَّالعُ؟ أو أهذا النُّور؟ أو أهذا (٣) الشَّخصُ؟ وذلك لأنَّ الإشارةَ تقعُ إلى (٤) الشَّخص لا إلى الاسم، وهو استفهامٌ بمعنى النَّفي أيضًا.
قوله تعالى ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أشارَ إلى الشَّخصِ أيضًا، وأراد أنَّه أكبر (٥) شخصًا ونورًا من القمر والكواكب (٦).
стр. 2827
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ أي: فلمَّا غابَت، وعرضَ لها ما عرض للأوَّلين تبرَّأ منها ظاهرًا، ونبَّههم بهذا أنَّ الصَّانعَ هو الذي لا يجوزُ عليه شيءٌ مِن علامات الحدوث.
وقال الإمام القشيري ﵀: إنَّ إبراهيمَ ﵇ كان يلاحظُ الآثارَ والأغيارَ باللَّه، ثمَّ كان يرى الأشياء للَّه تعالى ومن اللَّه، ثمَّ طالعَ الأغيار محوًا في اللَّه، فصح منه قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ إشارةً إلى اللَّه.
وقال: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ يعني: أحاطَ به سجوفُ (١) الطَّلب، ولم يَتجلَّ له صباحُ الشُّهود، وطلعَ له نجمُ العقل، فشاهدَ الحقَّ بسرِّه بنورِ البرهان، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾، ثمَّ زيدَ في ضيائه، فطَلعَ له قمرُ العلمِ، فطالعَهُ بحقيقةِ البيان، فـ ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾، ثمَّ أسفرَ الصُّبح ومتعَ النهار (٢)، وطلعَتْ شموسُ العِرفان، فلم يبقَ للطَّلبِ مكانٌ، ولا للتُّهَمة قرارٌ، ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾؛ إذ ليس بعد العين ريبٌ ولا بعد الظُّهورِ سترٌ (٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان يَنظرُ إلى هذا كلِّه وهو في السَّرب، فلما أفلَت الشَّمسُ أتى باب السَّرب، فرفعَ الصَّخرةَ عن بابِه، وخرجَ وهو ابنُ سبعِ سنين، فنظِرَ إلى السَّماء والأرض، ثمَّ قال: ربِّي الذي خلقَ هذا، ثمَّ مضى حتَّى أتى قومَهُ فإذا هم يَعكفون على أصنامٍ لهم، فلمَّا رآهم قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ فقالوا: فمَن تعبُدُ أنت؟ فقال، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾؛ أي: أخلصتُ دِيني، وسَلَّمتُ نفسي.
стр. 2828
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: خلقَها جميعًا، مُبتدِئًا خلقَهما.
وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾؛ أي: مستقيمًا، وقيل: مُخلِصًا، وقيل: حاجًّا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: باللَّهِ شيئًا من خلقه.
وقال الكلبيُّ ومحمَّدُ بن إسحاق: كان ذلك لمَّا أتت عليه خمسَ عشرة سنة.
وقال الإمام القشيريُ ﵀: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾؛ أي: أفردتُ قصدي للَّه، وطهَّرتُ عقدي عن غير اللَّه، وحفظتُ عهدي في اللَّه للَّه، وخلَّصتُ وجدي باللَّه، فأنا للَّه وباللَّه بل محوٌ في اللَّه، فاللَّه اللَّه (١).
* * *
(٨٠) - ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾؛ أي: خاصموه بالباطل، وجادلوهُ، وخوَّفوهُ بآلِهتهم، كما قال بعضُ المشركين لنبيهم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، فأجابهم وذلك قولُه تعالى: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾؛ أي: بالباطل.
﴿وَقَدْ هَدَانِ﴾ هو لمعرفتِه، ولا تَرِدُ شبهةٌ على ما هداني له، فأمَّا الخوفُ فلستُ أخافُ آلهتكم التي تُشرِكونها باللَّه، لأنَّها لا تَضرُّ ولا تَنفع وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾؛ أي: إلَّا أنْ يُصيبَني اللَّهُ مِنها بضُرٍّ، فاللَّهُ تعالى قادرٌ على أنْ يجعلَ فيما شاء نفعًا، وفيما شاء ضرًّا، فاللَّهُ هو المالكُ للنَّفع والضُّرِّ، والقادرُ عليهما، لا الأصنام؛ فإنَّها مواتٌ لا فعلَ لها.
وقالوا: كان القوم يعبدون النجوم والأصنام.
стр. 2829
وقيل: كانوا صوَّروا أصنامًا على هيئات النُّجومِ السَّبعة في السَّماء، وبنَوا لكلِّ واحدٍ مِنها هيكلًا يحاكي ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يصيبُ عبدًا شيءٌ مِن ضُرٍّ أو نفعٍ إلَّا وقد علمَه، فهو إنْ شاءَ عصمَني عن كلِّ (١) ذلك.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: أفلا تتَّعِظون بما أقولُ، وتَتفكَّرون أحوالَ أصنامِكُم، فتعلمون أنَّها لا تَستحِقُّ العبادة.
وقيل: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾: هو استثناءٌ منقطِعٌ، بمعنى "لكن"؛ أي: لكن لو شاءَ ربِّي أنْ يُصِيبَني ضررٌ، فذاك الذي أخافُه.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ فقال لهم: أتَرومون سَتْرَ الشَّمسِ بإسبالِ أكمامِكم عليها، أو تريدون أنْ تَجرُّوا ذيولَكم، أو تُسدِلوا سجوفَكم على ضياءِ النَّهار، وقد تعالى سلطانُه، وتوالى بيانُه (٢).
* * *
(٨١) - ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "كيف" هنا للإنكار.
قال ابنُ عباس ﵄: خاصمَهُ قومُه، وخوَّفوهُ أصنامَهم (٣)، فقال: وكيف
стр. 2830
أخافُ الأصنام، ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا﴾ عذرًا في كتابِ اللَّه.
وقيل: أي: لا حجَّة معَكم على جوازِ إشراكِه؛ إذ لا حجَّةَ لهم في عبادةِ الجمادِ الذي لا يَقدر على ضرٍّ ولا نفعٍ.
وقوله تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾؛ أي: أهل الدينين أنا وأنتم ﴿أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فقالوا: أما تخافُ آلهتَنا وأنت تشتِمُها؟ قال إبراهيم: ولا تَخافون أنتم منها، قالوا: ولم ونحن نعبدُها؟ قال: لأنكم تُسوُّونَ بين الصَّغيرِ والكبير، والذَّكرِ والأُنثى، أما تَخافون الكبيرَ إذا سوَّيتموهُ بالصَّغير، أما تخافونَ الذَّكر إذا سوَّيتموهُ بالأنثى، ثم قال لهم: أمَن يَعبدُ إلهًا واحدًا أحقُّ أن يأمنَ، أمَّن يَعبدُ آلهةً شتَّى، فقالوا: مَن يعبدُ إلهًا واحدًا، قال: فأنا أعبدُ إلهًا واحدًا لا شريكَ له، وأنتم تَعبدون آلهةً شتَّى، فقَضوا له على أنفسِهم.
وقيل: وكيف أخافُ الأصنامَ وهي لا تضر ولا تنفع؟ ولا تَخافون أنتم إلهي الذي خلقَكُم فأشركتُم به؟ ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ أنا من آلهتِكُم، أم أنتم من إلهي؟!
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾؛ يعني: أيُّ خوفٍ يَقعُ على قلبي ظِلُّهُ ولم أُلْمِم بشركٍ، ولم أجنَحْ قطُّ إلى جَحدٍ؟ وأنتم ما شممتُم رائحةَ التَّوحيدِ في طول عمركم، ولا ذقتُم طعْمَ الإيمانِ في سالفِ دهرِكُم، ثمَّ بسوءِ غفلتِكم تجاسرتُم وما ارعويتُم، وخسِرْتُم (١) فما باليتُم، فأيُّنا أوْلى بأنْ يُلاحظَ بعينِ سرِّه ما هو بِصددِه مِن سوءِ مكرِهِ وعاقبةِ أمره (٢).
стр. 2831
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ هذا مبتدأ، واختُلِف في أنَّه ممَّن، قال ابنُ زيدٍ وابنُ إسحاق: هو مِن اللَّهِ على فصلِ القضاء بذلك بينَ إبراهيمَ وبين قومِه (١).
وقال ابنُ جريجٍ ﵀: هذا جوابُ قومِه لمَّا سألَهم: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾، فقالوا هذا (٢).
وقال الزجاج ﵀: وهو جواب إبراهيم كما يسأل العالم ويجيب بنفسه (٣).
وعن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: لمَّا نزلت هذه الآيةُ قالوا: يا رسولَ اللَّه، وأيُّنا لم يَظلم؟! فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنما هو كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] " (٤).
ورويَ أنَّه ﷺ سُئِلَ عن هذه الآية، فلم يُجِبهم، حتى جاء رجلٌ فأسلمَ، فلم يَلبث قليلًا حتَّى جاهدَ فاستشهد، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هذا مِنهم" (٥).
وعن أبي بكرٍ الصِّديقِ ﵁: أنَّه كان يُفسِّرهُ بالشِّرك (٦).
وعن عمرَ ﵁: أنَّه كان يُفسِّره بالذَّنب.
والظُّلمُ يَقعُ على ذلك كلِّه، فعلى تفسيرِ الصِّدِّيق معناه: أولئكَ لهم الأمنُ
стр. 2832
من العذابِ المؤبَّدِ، وعلى تفسير الفاروق معناه: أولئك لهم الأمنُ مِن بعد العذابِ المؤقَّت.
وقال الحسنُ والكلبيُّ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ في الآخرة، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ في الدُّنيا.
وقال أبو روق: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ مِن العذاب، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحُجَّة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: الذين أشاروا إلى اللَّه، ثمَّ لم يَرجِعوا إلى غير اللَّه؛ فإنَّ مَن قال: اللَّه، ثمَّ رجعَ بالتَّفضيلِ عند حاجاته أو مطالباتِه أو شيءٍ مِن حالاته إلى غير اللَّه، فخصمُهُ في الدُّنيا والعُقبى هو اللَّه.
والظُّلمُ في التَّحقيق: وضعُ الشَّيء في غيرِ موضعِه، وأصعبُه حسبان الحدثان ممَّا لم يَكُن فكان، فإنَّ المُنْشِئ هو اللَّهُ ، والمجري اللَّه، ولا إله إلَّا اللَّه، وسقطَ (١) ما سوى اللَّه (٢).
* * *
(٨٣) - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾؛ أي: وتلك الحُجَّةُ التي حاجَّ بها إبراهيمُ قومه حجَّتُنا ﴿آتَيْنَاهَا﴾؛ أي: أرشدناهُ إليها، ووفَّقناهُ للوقوف عليها، وقد ذكرَ في سورةٍ أُخرى ما حاجَّ به قومَه حين كسر أصنامَهم (٣)، وفي سورةٍ
стр. 2833
أُخرى ما قال للنُّمرود -لعنه اللَّه- حين قال: أنا أحيي وأميت (١)، فيجوزُ أنْ يكون اسمُ الحجَّة شاملًا هذا كلَّه.
وقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرأ عاصمٌ والكسائيُّ وحمزةُ وخلف ويعقوب (٢) بالتنوين، وهي مفعولُ ﴿نَرْفَعُ﴾، و ﴿مَنْ﴾ مفعول ثان هاهنا، وقرأ الباقون بغير تنوينٍ على الإضافة وإفرادِ المفعول (٣)، ومعناه: ﴿نَرْفَعُ﴾ مراتبَ ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ من عبادنا، فنؤتيه النُّبوَّة والملكَ والإمامة في الدِّين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: إنَّه يَضعُ الأشياءَ مواضعَ استحقاقِها، ومِن الحكمةِ إرسالُ الرُّسل، وتخصيصُ النَّبيِّين بالرِّسالة، وتأييدُ الرُّسلِ بالمعجزات، وهو أعلمُ حيث يَجعلُ رسالاته.
* * *
(٨٤) - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَنَ﴾؛ أي: رزقناهُ جزاءً على نصرةِ الدِّينِ ومحاجَّةِ المشركين إسحاقَ ولدًا، ويعقوبَ نافلةً.
وقوله تعالى: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾؛ أي: هدينا كلَّ واحدٍ مِنهم للحقِّ، ومِن أجلِّ الكرامةِ، وأتمِّ السرورِ: أنْ يكونَ للمرء بعد وفاتِه ولدٌ صالحٌ، خصوصًا إذا كانوا أئمَّةً في الدِّين، فكيف وهم أنبياء؟
стр. 2834
وقوله تعالى: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ قال الفرَّاء: أي: ومن ذريَّةِ نوح (١)؛ لأنَّه نسق عليه ذكرَ يونسَ ولوط، وليسا من ذُرِّيَّة إبراهيم، بل هما من ذُرِّيَّة نوحٍ ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ وهو إعطاءُ الذُّرِّيَّة الطَّيِّبةِ المهديَّةِ.
وقيل: أي: بالذِّكرِ والشَّرفِ والثَّناءِ الحسن.
وقيل: بالثَّواب والدَّرجات في الآخرة.
* * *
(٨٥ - ٨٧) - ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال الإمامُ أبو منصور ﵀: ذكر في فريقٍ أنَّهم محسِنون، وفي فريقٍ أنَّهم صالحون، وفي فريقٍ: فضَّلناهم على العالمين، وفي فريقٍ الهدايةَ والاجتباءَ، وهذا ليس على تخصيص كلِّ فريقٍ بما ذكرَ من الوصفِ، ولكنَّه على الجمع أنَّهم كذلك، ثمَّ (٢) التفضيلُ يَحتمِلُ أنَّه بالنُّبوَّة (٣)، ويَحتملُ أنَّهم
стр. 2835
كانوا مفضَّلين على العالمين بالإحسانِ والصَّلاح لو لم يكنْ رسالةٌ ولا نبوَّةٌ.
قال: وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ﴾ هم مَن تقدَّمهم، ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ مَن تأخَّر عنهم، ﴿وَإِخْوَانِهِمْ﴾ من قارنوهم (١).
وقيل: ﴿وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ محمدٌ ﷺ .
وقيل: المؤمنون بعدَهم.
والاجتباءُ يكون بالرِّسالةِ، وهو خاصٌّ لهم، ويكونُ بالتَّوحيد والإسلام، وهو يَعُمُّ الأنبياءَ والمؤمنين، ويَحتملُ أنَّه برفعِ الدَّرجاتِ والفضائل. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ للتَّبعيض؛ لأنَّ مِنهم مَن لم يجتبِهم.
وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، و ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ يَنقضُ قولَ المعتزلة؛ فإنَّهم يقولون: أعطى الكلَّ مِن الهُدى ما أَعطى الأنبياءَ والرُّسل، وشاءَ لكلِّ أحدٍ أنْ يَبلغَ المبلغَ الذي إذا بلغَ ذلك، صَلَحَ للنبوَّة والرِّسالة، لكنَّهم شاؤوا ألَّا يَبلغوا ذلك المبلغَ، فيجعلون المشيئةَ في ذلك إلى أنفسهم دون اللَّهِ تعالى (٢).
ودلَّت الآياتُ أنَّ مَن نالَ درجةً أو فضيلةً، فإنَّما نالَ بفضلِ اللَّهِ ومنَّته.
ثمَّ ذكرُ عيسى فيهم دليلٌ على أنَّ النَّسبَ يَثبتُ مِن قِبلِ الأمِّ، كما يثبتُ مِن قِبل الأب؛ لأنَّه جعلَهُ مِن ذُرِّيَّة نوحٍ، وهو لا يتَّصلُ به إلا بالأمّ.
وحكي أنَّ يحيى بنَ يَعمر كان يُناخ الحجَّاج في أنَّ العلويَّين أولادُ النَّبيِّ ﷺ ، وكان الحجَّاجُ يَنفي ذلك، ويقول: هم أولادُ عليٍّ ﵁ لا غير، حتَّى أحضرَهُ
стр. 2836
مقيَّدًا في يوم مظالم، وقال: لتأتيني بحُجَّةٍ ظاهرةٍ على ذلك وإلا لأقتلنك (١)، فقرأ يحيى هذه الآية، وقال: إن عيسى ﵊ ما كان لهُ أبٌ، ومع ذلك جعلَهُ مِن ذُرِّيَّةِ نوحٍ بسبب (٢) أمِّه (٣)، ولذلك (٤) احتُجَّ بقوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾؛ أنه دعا يومنذٍ الحسنَ والحسين ﵄ (٥)، فكانا من أبنائِه، فأطلقه.
* * *
(٨٨) - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ أي: ما ذكرَ في قوله: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾، وفي قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ = هو هُدى اللَّه، ولهُ أنْ يَهدي به مَن يَشاءُ مِن عباده (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا إنباءٌ عن الحكمِ فيهم لو أشركوا، إلا أنهم لا يشركون؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى
стр. 2837
قد عصمَهُم واختارَهُم لرسالتِه، وذكر هذا ليَعلموا أنَّ الحكمَ واحدٌ فيمن أشركَ باللَّه غيرَه، وضيعًا كان أو شريفًا، وكذا قال في حقِّ الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وقولُه: ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي من الحسناتِ والخيرات قبل الإشراك (١).
وقال الإمام القشيري ﵀: بيَّنَ أنَّه لولا تخصيصِه إيَّاهم بالتَّعريف، وتفضيلِه لهم على من سِواهم بغاية التَّشريف، لم يكن لهم استحقاقُ ذلك، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لو لاحظوا غيرًا، أو شاهدوا (٢) من دوننا شيئًا، أو نسبوا شيئًا مِن الحوادث إلى غير قدرتنا، لتلاشى ما أسلفوهُ مِن عرفانِهم وإحسانِهم؛ فإن الحقَّ لا يَغفِرُ الشِّركَ بحالٍ، وإنْ كان يَغفرُ ما دون ذلك لمن يشاء، ما يشاء من عصيانهم (٣).
* * *
(٨٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾؛ أي: الكتبَ مِن الصُّحف والتَّوراةِ والإنجيل والزَّبور، ووحَّدَ لأنَّه جنسٌ؛ أي: أوحينا إليهم، وجعلناهُم الحكَّامَ على الأُمم، وأرسلناهُم بالنُّبوَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: فإن يَجحَد بهذه الأشياءِ أهلُ مكَّةَ.
стр. 2838
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾؛ أي: قد هيَّأنا للإيمانِ بها قومًا ليسوا بها جاحدين، قيل: هم أهلُ المدينةِ، وهو بشارةٌ بإيمانِ الأنصار؛ لأنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ.
وقيل: قد أقمنا لمراعاةِ النُّبوَّة والشَّرائعِ والقيام بها هؤلاء الأنبياء، وقد بشَّروا بخروجِكَ، ووَصفوا حالَك، وهذا أرفعُ لقدرِكَ مِن تصديقِ أشراف أهل مكَّة.
وقيل: الموكَّلون بها هم الملائكة.
وجملتةُ: أنَّه لا ضعفَ في حالِكَ بتكذيبِ أهل مكَّة، فقد صدَّقكَ الأنبياءُ والملائكةُ، ومن آمنَ مِن الجنِّ والإنس.
قال الزهري: هم العجمُ.
وقال مجاهد: هم الفرس، وهو كالأوَّل.
وقال أبو روق: هم علماءُ أهل الكتاب الذين أسلموا (١).
والقولُ الأوَّل أنّهم أهلُ المدينة والأنصار: قولُ ابنِ عبَّاس ﵄ (٢) والكلبيِّ.
* * *
(٩٠) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الاقتداءُ: الاتِّباع، وقد
стр. 2839
قداهُ يَقدُوهُ؛ أي: تبِعَهُ، والقدوة بفتح القاف وضمِّها وكسرها: الأسوة، و ﴿اقْتَدِهْ﴾ أمرٌ، والهاءُ للاستراحة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يعني أولئكَ الذين طهَّرَ اللَّهُ عن الجحدِ أسرارَهُم، ورفعَ على الكافَّةِ أقدارَهُم، فاقتفِ يا محمَّدُ هداهم المختار؛ فإنَّ مَن سلك الجدد (١) أمِن العِثار (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: الهدى: اسم لما يُدانُ به، وليس باسم للأفعال، لا يقال لتارك الصلاة أو الصَّوم أو الزَّكاة: ضالٌّ، ودلَّ هذا على أنَّ الأنبياءَ كانوا على دينٍ واحدٍ، والدِّينُ لا يَحتمِلُ النَّسخَ والتَّغييرَ، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، فأمَّا الشَّرائعُ فهي مختلفةٌ، تَحتَمِلُ النَّسخَ (٣).
وقيل: معناه أنَّ الأنبياءَ كانوا صابرين صالحين، خاشعين عابِدين، زاهدين (٤) محسنين، كما ذكروا في آياتٍ، فكن كذلك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر: ٩٩]، ونحوها.
وقيل: أراد به ما بعدَه؛ أي: لم يكونوا يسألون الأجرَ مِن الأُمَم على التَّبليغ، فكن كذلك، وذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وكان الأنبياءُ كذلك، قال في قصَّة هودٍ: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية [هود: ٥١]، وقال في قصَّة صالحٍ: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾
стр. 2840
[هود: ٥١]، وقال في قصَّة نوحٍ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩]، وقال في قصَّة شعيبٍ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٨٠]، فكذلك في حقِّ نبيِّنا في هذه السُّورة، وفي سورة حم عسق (١)، وقال في سورة الطُّور: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠].
والآيةُ دليلٌ على أنَّ أخذَ الأُجرة على تعليم القرآنِ والعلمِ وروايةِ الأحاديث ونحوها، وعلى الإمامةِ والأذانِ لا تجوزُ (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: ما هو، يعني: القرآن، إلَّا عظةٌ للجنِّ والإنس، قاله ابن عباس ﵄ (٣).
ثمَّ في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أضاف الهدى إلى الأنبياء، وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ أضافَهُ إلى نفسِه؛ لأنَّ اللَّهَ هو الهادي به، والأنبياء هم المهتدون به، وهو كما قلنا في الأجل: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩]، ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤].
* * *
(٩١) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.