← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

مقيَّدًا في يوم مظالم، وقال: لتأتيني بحُجَّةٍ ظاهرةٍ على ذلك وإلا لأقتلنك (١)، فقرأ يحيى هذه الآية، وقال: إن عيسى ﵊ ما كان لهُ أبٌ، ومع ذلك جعلَهُ مِن ذُرِّيَّةِ نوحٍ بسبب (٢) أمِّه (٣)، ولذلك (٤) احتُجَّ بقوله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾؛ أنه دعا يومنذٍ الحسنَ والحسين ﵄ (٥)، فكانا من أبنائِه، فأطلقه. * * * (٨٨) - ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ أي: ما ذكرَ في قوله: ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾، وفي قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ﴾ = هو هُدى اللَّه، ولهُ أنْ يَهدي به مَن يَشاءُ مِن عباده (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا إنباءٌ عن الحكمِ فيهم لو أشركوا، إلا أنهم لا يشركون؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى

стр. 2837

قد عصمَهُم واختارَهُم لرسالتِه، وذكر هذا ليَعلموا أنَّ الحكمَ واحدٌ فيمن أشركَ باللَّه غيرَه، وضيعًا كان أو شريفًا، وكذا قال في حقِّ الملائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩]، وقولُه: ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي من الحسناتِ والخيرات قبل الإشراك (١). وقال الإمام القشيري ﵀: بيَّنَ أنَّه لولا تخصيصِه إيَّاهم بالتَّعريف، وتفضيلِه لهم على من سِواهم بغاية التَّشريف، لم يكن لهم استحقاقُ ذلك، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لو لاحظوا غيرًا، أو شاهدوا (٢) من دوننا شيئًا، أو نسبوا شيئًا مِن الحوادث إلى غير قدرتنا، لتلاشى ما أسلفوهُ مِن عرفانِهم وإحسانِهم؛ فإن الحقَّ لا يَغفِرُ الشِّركَ بحالٍ، وإنْ كان يَغفرُ ما دون ذلك لمن يشاء، ما يشاء من عصيانهم (٣). * * * (٨٩) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾؛ أي: الكتبَ مِن الصُّحف والتَّوراةِ والإنجيل والزَّبور، ووحَّدَ لأنَّه جنسٌ؛ أي: أوحينا إليهم، وجعلناهُم الحكَّامَ على الأُمم، وأرسلناهُم بالنُّبوَّة. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: فإن يَجحَد بهذه الأشياءِ أهلُ مكَّةَ.

стр. 2838

وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾؛ أي: قد هيَّأنا للإيمانِ بها قومًا ليسوا بها جاحدين، قيل: هم أهلُ المدينةِ، وهو بشارةٌ بإيمانِ الأنصار؛ لأنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ. وقيل: قد أقمنا لمراعاةِ النُّبوَّة والشَّرائعِ والقيام بها هؤلاء الأنبياء، وقد بشَّروا بخروجِكَ، ووَصفوا حالَك، وهذا أرفعُ لقدرِكَ مِن تصديقِ أشراف أهل مكَّة. وقيل: الموكَّلون بها هم الملائكة. وجملتةُ: أنَّه لا ضعفَ في حالِكَ بتكذيبِ أهل مكَّة، فقد صدَّقكَ الأنبياءُ والملائكةُ، ومن آمنَ مِن الجنِّ والإنس. قال الزهري: هم العجمُ. وقال مجاهد: هم الفرس، وهو كالأوَّل. وقال أبو روق: هم علماءُ أهل الكتاب الذين أسلموا (١). والقولُ الأوَّل أنّهم أهلُ المدينة والأنصار: قولُ ابنِ عبَّاس ﵄ (٢) والكلبيِّ. * * * (٩٠) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ الاقتداءُ: الاتِّباع، وقد

стр. 2839

قداهُ يَقدُوهُ؛ أي: تبِعَهُ، والقدوة بفتح القاف وضمِّها وكسرها: الأسوة، و ﴿اقْتَدِهْ﴾ أمرٌ، والهاءُ للاستراحة. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يعني أولئكَ الذين طهَّرَ اللَّهُ عن الجحدِ أسرارَهُم، ورفعَ على الكافَّةِ أقدارَهُم، فاقتفِ يا محمَّدُ هداهم المختار؛ فإنَّ مَن سلك الجدد (١) أمِن العِثار (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: الهدى: اسم لما يُدانُ به، وليس باسم للأفعال، لا يقال لتارك الصلاة أو الصَّوم أو الزَّكاة: ضالٌّ، ودلَّ هذا على أنَّ الأنبياءَ كانوا على دينٍ واحدٍ، والدِّينُ لا يَحتمِلُ النَّسخَ والتَّغييرَ، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، فأمَّا الشَّرائعُ فهي مختلفةٌ، تَحتَمِلُ النَّسخَ (٣). وقيل: معناه أنَّ الأنبياءَ كانوا صابرين صالحين، خاشعين عابِدين، زاهدين (٤) محسنين، كما ذكروا في آياتٍ، فكن كذلك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ [الحجر: ٩٩]، ونحوها. وقيل: أراد به ما بعدَه؛ أي: لم يكونوا يسألون الأجرَ مِن الأُمَم على التَّبليغ، فكن كذلك، وذلك قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وكان الأنبياءُ كذلك، قال في قصَّة هودٍ: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية [هود: ٥١]، وقال في قصَّة صالحٍ: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾

стр. 2840

[هود: ٥١]، وقال في قصَّة نوحٍ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩]، وقال في قصَّة شعيبٍ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٨٠]، فكذلك في حقِّ نبيِّنا في هذه السُّورة، وفي سورة حم عسق (١)، وقال في سورة الطُّور: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [الطور: ٤٠]. والآيةُ دليلٌ على أنَّ أخذَ الأُجرة على تعليم القرآنِ والعلمِ وروايةِ الأحاديث ونحوها، وعلى الإمامةِ والأذانِ لا تجوزُ (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: ما هو، يعني: القرآن، إلَّا عظةٌ للجنِّ والإنس، قاله ابن عباس ﵄ (٣). ثمَّ في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أضاف الهدى إلى الأنبياء، وفي قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ أضافَهُ إلى نفسِه؛ لأنَّ اللَّهَ هو الهادي به، والأنبياء هم المهتدون به، وهو كما قلنا في الأجل: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩]، ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]. * * * (٩١) - ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾.

стр. 2841

وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال مجاهدٌ ﵀: الآيةُ نزلَت (١) في مشركي قريش؛ لمَّا قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾، قالوا: ما أرسل اللَّه رسولًا ولا أنزل كتابًا، فقال اللَّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾. وقال أبو العالية: وما وصفوا اللَّه حقَّ صفته (٢). وقيل: أي: وما عرفوه حقَّ معرفتِه. وقيل: أي: وما عظَّموه حقَّ تعظيمه. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾؛ أي: قل يا محمَّد للمشركين هذا الكلام، فإنَّهم وإنْ كانوا لا يؤمنون بموسى والتَّوراة، فإنَّهم يَرجعون إلى أهلِ الكتابِ في كثيرٍ مِن أمورِهم، ويُصدِّقونَهم فيها. وقوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ (٣) كَثِيرًا﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو بياء المغايَبةِ فيها (٤)، خبرًا عن أهلِ الكتاب أنَّهم يَجعلون التَّوراةَ صحفًا وكتبًا. والقراطيس: جمعُ قِرْطاس، وهو الكتابُ والصَّحيفة، وقد قرطسَ؛ أي: كتبَ، وقال زهير: بها أخاديدُ من آثارِ كاتبِها... كما تردَّدَ في قرطاسِهِ القلمُ (٥)

стр. 2842

وقيل: أي: طوامير (١). وقال عبدُ العزيز بن يحيى: ﴿قَرَاطِيسَ﴾؛ أي: كتبًا متفرِّقة، وذلك ضربٌ مِن الاستخفاف والتَّهاون، ولذلك نُهي أنْ يصغَّر المصحف (٢). ﴿ويخفون كثيرًا﴾ عن العامَّة ما فيه نعتُ محمَّدٍ ﷺ الإسلام، ويبدون صحفًا قد عزلوها عن الجملة في مدحِ بني إسرائيل، وتثبيتِ دين موسى ﵇، وتأكيدِ أمرهِ، ونحو هذا. وقيل: يُبدون قراءةَ بعضها، ويُخفون قراءةَ بعضها، وهي في أحكامٍ لا يَرضون بها، كالرَّجمِ والقِصاص ونحوهما ممَّا ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ قال مجاهدٌ: هو خطابٌ للمسلمين مِن هذه الأمَّة (٣). وقال الحسنُ: هو خطابٌ للعرب الكفَّار؛ أي: عُلِّمتُم بهذا القرآنِ ما لم تَعلموا أنتم، ولا عَلِمَهُ آباؤكم مِن أخبارِ ما يكون وما كان، ومِن الاحتجاجِ على الكلِّ، ولا يجوزُ أن يعلمَهُ محمَّدٌ إلَّا بوحيٍ، فمن أين جاء إنْ كان اللَّهُ لم يُنزِل على بَشرٍ مِن شيء؟ وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ يعني: إذا قلت: مَن أنزلَ الكتابَ؟ فلم يجيبوا، فقل أنت: اللَّهُ أنزلَهُ، وقيل: أي: هو اللَّه، وقيل: أي: اللَّهُ الحكمُ بيننا؛ بإضمارٍ قبلَه أو بعده، والأصحُّ هو الأوَّلُ؛ فإنَّه تامٌّ بغيرِ إضمار.

стр. 2843

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: دَعهم وما هم فيه من التَّخليط والتَّكذيبِ بالكُتب على غير معرفةٍ، فإنَّهم إنَّما يَلعبون، فيَأتيهم الجزاءُ على خوضِهم ولعبِهم، وهي كلمةُ وعيدٍ. وقيل: هو أمرٌ بالكفِّ عن القتال إلى أنْ يُؤمَر به. قال ابنُ عبَّاس وقتادةُ ومجاهدٌ ومحمَّدُ بنُ كعبٍ القُرَظيُّ والرَّبيعُ بنُ أنس: الآيةُ في اليهودِ والنَّصارى (١)، والسُّورة مكِّيَّةٌ، لكنَّ هذه الآيةَ والتي تليها مدنيَّةٌ. قال ابن عباس ﵄: كان مالكُ بن الصَّيف رأسَ اليهود، وكان سمينًا، فأتى رسولَ اللَّه ﷺ بمكَّة، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "أنشدُكَ اللَّهَ الذي أنزلَ التَّوراة على موسى، هل تجد فيما أنزلَ اللَّهُ تعالى أنَّ اللَّهَ تعالى يُبغِضُ الحبرَ السَّمين؟ " فقال: نعم، قال: "فأنت الحبرُ السَّمينُ، قد سَمِنتَ مِن مأكلَتِك التي يُطعِمُك اليهودُ" فضحِكَ القومُ، فغضبَ مالكٌ، ثمَّ التفتَ إلى عمر ﵁، فقال: يا عمر، ما أنزلَ اللَّه على بشرٍ مِن شيءٍ، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية [الأنعام: ٩١]، فلمَّا رجع مالكٌ إلى قومِه، قالوا: يا ويلَك، ما هذا الذي بلغنا عنك؟ قال: إنَّه أغضبَني، فلذلك قلتُ ما قلت، قالوا له: أو كلَّما غضبتَ كفرتَ، فنزعوهُ، وجعلوا مكانَه كعبَ بن الأشرف (٢). وقال ابنُ عبَّاس ﵄ في روايةٍ أخرى: إنَّ اليهودَ قالوا: يا محمد، أنزلَ اللَّهُ عليك كتابًا؟ قال: "نعم"، قالوا: واللَّهِ ما أنزل اللَّهُ تعالى مِن السَّماءِ كتابًا،

стр. 2844

فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا﴾ (١)؛ أي: ضياءً مِن الضَّلالة، ﴿وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ﴾ (٢)؛ أي: تكتبونه (٣) في قراطيسَ مقطَّعةٍ، حتى لا تكونَ مجموعةً؛ لتُخفوا مِنها ما شِئتم، ولا يشعرَ بها العوام، ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ بتاء المخاطبة على قراءة الأكثر؛ لأنَّه كان يُواجِهُهم بها، قوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ على هذا التَّأويل خطابٌ لأهل الكتاب أيضًا، علموا بالتَّوراة ما لم يَعلموا هم ولا آباؤهم. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: لو كان هؤلاء أهلَ الكتاب في الحقيقة ما أنكروا الرُّسلَ، ولا الكتبَ؛ لأنَّ أهلَ الكتاب يؤمنون ببعضِ الرُّسل، وببعضِ الكُتُب، وإنْ كانوا يَكفرون ببعض، لكن هؤلاء أنْكَروا الرُّسل لمَّا كانوا أهلَ نفاقٍ؛ ويكونُ من اليهود أهلُ نفاقٍ، كما يكونُ مِن أهل الإسلام، كانوا يُظهِرونَ الموافقةَ لهم، ويُضمِرون الخلافَ لهم، والموالاةَ لأهل الشِّرك، ويُظاهِرون عليهم، كما كان يفعل ذلك منافقو أهلِ الإسلام، كانوا يُظهِرونَ الموافقةَ لرسولِ اللَّه ﷺ ، ويُضمِرون الخلافَ له، ويُظاهِرونَ المشركين عليه، فأطلعَ اللَّهُ رسولَه على نفاقِهم؛ ليعلمَ قومُهم خلافَهم، وأنَّ ما كان من تحريفٍ وكتمانٍ كان منهم (٤). * * *

стр. 2845

(٩٢) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ البرَكةُ: ثبوتُ الخيرِ على الازدياد، قال الشاعر: ولا يُنجي مِن الغَمَراتِ إلَّا... بُرَاكاءُ القتالِ أو الفرارُ (١) أي: الثّبوت للقتال؛ يعني: وهذا القرآنُ كتابٌ كثيرُ الخيرِ، موافِقٌ للتَّوراة التي كانَت قبلَه، وكانت ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ وقد أنزلناهُ عليك. قوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ أي: ولتُخوِّفَ أهلَ مكَّة، فأضمرَ الأهل، كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] وسُمِّيَت مكَّةُ أمَّ القرى؛ لأنَّها مجتَمَعُ أهلِ القُرى، كما تَجتمِعُ الأولاد إلى الأمِّ. وقال السُّدِّيُّ: لأنَّها أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ (٢)، فكأنَّ القُرى تنشَّأت عنها. وقال الزجاج: لأنَّها معظَّمةٌ عليها كتعظيم الأمِّ (٣). وقيل: هي من الأَمِّ، وهو القصدُ؛ لأنَّها مقصِدُ الخلقِ. ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من البلاد والبوادي؛ أي: لإنذارِ أهل مكَّة ومَن حولَهُم مِن سكانِ كلِّ المواضع أنزلناه، دلَّت الواوُ على إضمار ذلك في آخره، كما في

стр. 2846

قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، أضمر: "أريناه" في آخره (١). وقيل: تقديره: ليُصَدِّقَ الذي بين يديهِ وليُنذِر به هؤلاء. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾؛ أي: الذين يُصدِّقون بالآخرةِ مِن (٢) أتباعِ محمَّد ﵊، وقد تَدبَّروا هذا القراَنَ، فدلَّهم ذلك على أنَّه مُنزَّلٌ مِن عند اللَّه، فصدَّقوا به، فهم به مؤمنون، وللصَّلواتِ الخمسِ -التي هي أعظمُ العبادات بعدَ الإيمان، وأجمعُها للخضوعِ والخشوعِ وخصالِ الخير- مؤدُّون، وعليها مداومون. وقوله تعالى: ﴿بِهِ﴾ يرجِعُ إلى القرآن، وقال الفرَّاء: إلى النَّبيِّ ﷺ (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قيل: إنَّ أهلَ الكتابِ يُؤمنونَ بالبعثِ، ولا يؤمنون بهذا الكتاب، فما معنى هذه الآية؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنَّ هذا في قومٍ مخصوصين منهم، آمَنوا بالبعثِ وآمنوا به. والثَّاني: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ بالعلم والحُجَج، آمنوا بالقرآن؛ لأنَّ القرآن جاءَ بتأييد حججِ البعث وتأكيدِه، فلا يجوزُ أنْ يُؤمنوا بما يُؤيِّدُه القرآنُ، ولا يُؤمنوا بالقرآن. والثالث: أنَّه إخبارٌ عن أوائِلهم أنَّهم كانوا آمَنوا بالبعثِ وبالآيات والحجج، فلمَّا جاءَ محمَّدٌ بالقرآنِ آمَنوا به (٤).

стр. 2847

والرَّابع: أنَّ الآيةَ في المؤمنين، أخبرَ أنَّهم آمَنوا بالآخرةِ، وآمنوا بالقرآن. والخامس: أنَّ معناه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يَحِقُّ لهم أنْ يُؤمِنوا بالقرآن؛ لأنَّه به يَتزوَّدُ إلى الآخرة (١). وقال غيره: إنَّ أهلَ الكتاب وإنْ آمنوا بالبعثِ، ولكن لا يعتدُّ (٢) بإيمانهم؛ لأنَّ إيمانَهم بالآخرة للجزاءِ بالثَّواب والعقاب يَدعوهم إلى الإيمانِ به، والمحافظةِ على الصَّلواتِ، وسائرِ الطَّاعات. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ كتابُ الأحبابِ عزيزُ الخطرِ، جليلُ الأثرِ، فيه سلوةٌ عند غَلَباتِ الوجدِ، ومن بقي عن الوصول تذلَّل للرسول، وقيل في معناه: وكُتبُكَ حولي لا تُفارِقُ مضجعي... وفيها شفاءٌ للذي أنا كاتمُ كأنّي ملحوظ من الجن نظرة (٣) ... وهنَّ حواليَّ الرُّقى والتَّمائِمُ (٤) * * * (٩٣) - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾.

стр. 2848

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ أي: ومَن أظلمُ لنفسِه وعقلِه، وأوضعُ للشَّيء في غيرِ موضعِه، ممَّن اختلقَ على اللَّه كذبًا، وادَّعى أنَّه أرسلَهُ نبيًّا وأوحى إليه، ولم يكن أوحى إليه، كمُسيلِمةَ والعَنسيِّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وممن قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ وهو عبدُ اللَّه بنُ سعد بنِ أبي سَرْح. قال ابنُ عباس ﵄: نزلت (١) في مسيلمة الكذاب الحنفي. وكذا قال مقاتل (٢)، قال: زعمَ أنَّ اللَّهَ تعالى أوحى إليه، وكان أرسلَ إلى النَّبيِّ ﷺ رسولين، فقال لهما رسولُ اللَّه ﷺ : "أتشهدان أنَّ مسيلِمةَ نبيٌّ؟ " قالا: نعم، فقال ﷺ : "لولا أنَّ الرُّسلَ لا يُقتَلون لضَربتُ أعناقكما" (٣). وقال جابر ﵁: قال النبيُّ ﷺ : "رأيتُ في المنام كأن في (٤) يديَّ سوارينِ من ذهبٍ، فكبُرا عليَّ، فقيل لي: انفخْهُما، فنفختُهما فطارا عنِّي، فأوَّلتُهما الكذَّابين اللذين أنا بينهما؛ كذابُ اليمامةِ مسيلمة، وكذابُ صنعاء الأسود العنسي" (٥) قتله قيس بن مكشوح على عهدِ رسول اللَّه ﷺ .

стр. 2849

وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وهو عبدُ اللَّه بن سعد بن أبي سرح، من بني عامر بن لؤي، أخو عثمان من الرَّضاعة، وكان تكلَّم بالإسلام، فدعاهُ النَّبيُّ ﷺ ليكتبَ له، فكان إذا ألقى عليه رسولُ اللَّه ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، كتب: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وأشباه ذلك، فلمَّا نزل قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية، أملى عليهِ رسولُ اللَّه ﷺ الآيةَ، فعجبَ عبدُ اللَّه مِن تفصيلِ خلق الإنسان، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "اكتبها فهكذا نزلت (١) " فشكَّ عبدُ اللَّه، وقال: لئن كان محمَّدٌ صادقًا، لقد أوحيَ إليَّ كما أوحيَ إليه، وإنْ كان كاذبًا لقد قلتُ كما قال، ثم ارتدَّ عن الإسلام (٢). وقال السُّدِّيُّ: فلحقَ بمكَّة بالمشركين، ووشى بعمَّار بنِ ياسر وبعبد ابن (٣) الحضرميِّ، فأخذوهما وعذبوهما حتَّى كفرا باللِّسان، وجُدِعت أذن (٤) عمار، وأنزل اللَّه تعالى فيهم: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]؛ يعني: عمارًا، ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ يعني: عبدَ اللَّه بنَ سعد بنِ أبي سَرْح (٥).

стр. 2850

وقال عطاء: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يريد المستهزئين، النضر بن الحارث وأصحابَه، والمقتسمين، قالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أخبرَ عمَّا يَجري على هؤلاء الظَّالمين المذكورين في أوَّلِ هذه الآية عند مولِهم، فقال: ولو تَرى يا محمَّدُ، إذ هؤلاء المشركون الظَّالمون أنفسَهم وعقولهم في شدائدِ الموتِ وسكراتِه التي تَغمرُ عقولَهم؛ أي: تُزيلُها وتَغلبُ عليها كغمرةِ الماء، ورجلٌ مغامِرٌ؛ أي: مخاطِرٌ بنفسِهِ ملقٍ لها في الغَمَرات. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الذين هم قابِضو الأرواحِ مِن ملائكة العذاب، ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بعنفٍ وغِلْظَةٍ، يَقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ القولُ هاهنا مضمَرٌ لدلالة الحال عليه؛ أي: أخرجوا أرواحَكم مِن أبدانِكم. وقال الحسن ﵀: أي: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ مِن هذه الشَّدائدِ لو قدَرتُم، وهذا توبيخ وصيغتُه صيغةُ الأمر، ومعناه التَّقريع، كقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [الأنعام: ٣٠] (٢). وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾؛ أي: الهوانِ والذُّلِّ، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: بشركِكُم، وكذبِكم على اللَّه، وتَعظُّمِكُم على الانقيادِ للحقِّ. وجواب ﴿وَلَوْ﴾ محذوف، وتقديرُه في آخره: لرأيتَ أمرًا عظيمًا، ونحو ذلك.

стр. 2851

وقال الحسن: هذا في النار (١)، ومعنى قوله: ﴿فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾؛ أي: في شدائد العذاب، ولم يُردْ به حقيقةَ الموت، وهو كقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وعلى هذا قوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾، وله وجهان دون إخراج الأروح: أحدهما ما حكيناه عن الحسن: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ مِن هذه العقوبات. والثاني: بمعنى لاقوا شِدَّة العذاب، كما يُقال للواقع في الشِّدَّة والغيظ: أخرج نفسَك، وانْزِع روحَك. وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾: إنَّ الذين يَتنزَّلون منزلةَ المحدَّثين، ولم يلق إلى أسرارهم خصائصُ الخطاب، فالحقُّ عنهم (٢) بريء، والمتشبِّعُ بما لم يَنَل، كلابس ثوبَي زورٍ -كما روي (٣) -، وأنشدوا في معناه: إذا اشتبكت دموعٌ في خدود... تبيَّنَ مَنْ بكى ممَّن تباكى (٤) * * * (٩٤) - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.

стр. 2852

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ ويقال لهم في الآخرة هذا، أضمَرَ في أوَّله (١)، أو ذَكرَهُ بصيغة الماضي والمرادُ به المستقبل، كما ذكر في كثيرٍ مِن أمورِ يوم القيامة؛ لقربِه وتحقُّقه؛ إلحاقًا بالماضي، كالكائن المتحقِّق. و ﴿فُرَادَى﴾ جمعُ فرد عند الفرَّاء (٢)، وعند بعضِهم جمعُ فريد، كما يُقال: قرين وقُرانى، ورَديف ورُدافى، ولا يَنصرفُ للياء المرسلةِ الزائدة في آخره؛ أي: جئتمونا مُنفردِين (٣) عن الأعوانِ والشفعاء، وقيل: عن الأموالِ والخدَمِ والحشَم. وقوله تعالى: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: بهذه الصِّفة جئتُم، لا يَصحبكم ما كنتم تتكثَّرون به مِن الأعوان والأنصار والأموال، ولا معكم ما كنتم تعبدونَهُم وتزعمون أنَّهم (٤) شركاءُ للَّه شفعاءَ لكم. وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ التَّخويلُ: تَمليكُ الخَول؛ أي: الخدم والأتباع، وواحدُهم خائل. وقيل: التَّخويلُ: الإعطاءُ على غير جزاء؛ أي: خلَّفتُم في الدُّنيا ذلك، وتَركتُموهم لا تَنظرون إليهم ولا تلتفتون، كالمنبوذِ وراءَ الظَّهر، إنَّما نظرُكم إلى أعمالِكم التي قدَّمتموها. وقيل: أي: لم تُقدِّموا ما خوَّلناكم فتَنتفِعوا به، بل تركتموه لمن يَخلُفُكم مِن الورثة.

стр. 2853

وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾؛ أي: أصنامَكم التي قلتم: إنها شفعاءُ لكم وشركاءُ لي. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرأ نافعٌ وأبو جعفر (١) والكسائيُّ، وعاصم في رواية حفص: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بالنَّصب؛ أي: ما بينكم، أو: تقطَّعَ الودُّ بينكم، أو السَّببُ الذي (٢) بينكم. وقرأ الباقون: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ برفع النُّون (٣)؛ لأنَّه في معنى الاسم، ومعناهُ: تقطَّع وصلُكم. وقوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أي: بَطَلَ ما قلتُم: إنَّها شفعاؤكم. وقال عكرمة: قال النَّضر بن الحارث: يَشفعُ لي اللَّاتُ والعُزَّى، فنزلَت هذه الآيةُ (٤). والآيةُ الأولى وعيدٌ لهم عند الموت، وهذا وعيدٌ لهم بعد البعث، و ﴿بَيْنَكُمْ﴾ بالرَّفع؛ أي: وصلُكم، والبينُ الفصلُ أيضًا، وهو مِن الأضداد. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ دخلتَ الدُّنيا بخِرْقَةٍ، وخرجتَ منها بخِرقَةٍ، ألا وتلك الخِرْقةُ أيضًا لبسة (٥)، وما دَخلتَ إلَّا بوصفِ التَّجرُّد (٦)، ولا خرجتَ إلَّا بحكمِ التَّجرُّد، ثمَّ الأثقالُ والأوزارُ والأحمالُ والأوضار

стр. 2854

لا يَأتي عليها حصرٌ ولا مقدار، فلا مالُكم أغنى عنكم، ولا حالُكم يرفع منكم (١)، ولا شفيعَ يُخاطِبُنا فيكم، لقد تَفرَّقَ وصلُكم، وتَبدَّد شملُكم، وتلاشى ظنُّكم (٢)، وخابَ سعيُكم (٣). * * * (٩٥) - ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؛ أي: إنَّ اللَّهَ الذي أنتم أيُّها المشركونَ معترِفون به هو اللَّهُ الذي فلقَ الحبَّ؛ أي: شقَّ الحبَّ في الأرضِ، فأخرجَ منه النَّباتَ والزَّرع، وفلقَ النَّوى؛ أي: شقَّ النَّوى، فأخرجَ مِنهُ الغِراسَ والأشجار. وقيل: أي: يَشُقُّ الحبَّ اليابسَ، فيُخرِجُ منه الورقَ الأخضرَ. والحبُّ: جمعُ حبَّة، والنَّوى: جمعُ نواة. وقال مقاتل: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾؛ أي: خالق البُرِّ والشَّعيرِ والذُّرة والحبوبِ كلِّها، ﴿وَالنَّوَى﴾ يعني: كلّ ثمرةٍ لها نوى؛ الخوخُ والنَّبْقُ والمشمشُ والغُبيراء والإجَّاص، وما كان من الثِّمار لها نوى (٤). وقيل: هو ما يُوجدُ من الشَّقِّ في الحبِّ والنَّوى، ووجودُ ذلك على هذه الهيئةِ فيه أعجوبةٌ ودلالةٌ على صنعِ صانعٍ.

стр. 2855

وقال الإمام أبو منصور ﵀: أخبرَ أنَّه يَشقُّ النَّواةَ مع شدَّتِها وصلابتِها، ويُخرجُ منه نبتًا أخضرَ ليِّنًا، ما لو اجتمعَ كلُّ الخلائقِ على إخراجِ مثلِه ما قَدَروا عليه، وإنَّ مَن قدَرَ على هذا لقادرٌ على إعادة الخلقِ وبعثِهم بعد موتهم. وفيه دليلٌ أنَّه فعلُ صانعٍ واحدٍ؛ لأنَّه لو كان فعلَ عددٍ لكان إذا أرادَ هذا شَقَّه منعَهُ الآخرُ. وفيه دليلٌ على أنَّه على تدبيرٍ خرجَ، لا جُزافًا، حيث اتَّفقَ ذلك كلُّه في كلِّ عامٍ على وجهٍ واحدٍ (١). وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: الإنسانِ من النُّطفة (٢). وقال الحسن: أي: المؤمنِ مِن الكافر (٣). وقيل: الطائعِ مِن العاصي. وقيل: الطيرِ من البيضة. وقيل: أي: السُّنبلة مِن الحبَّة، والشَّجرة من النَّواة. وقوله تعالى: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾؛ أي: هو مخرجُ الميِّت من الحيِّ؛ النُّطفةِ مِن الإنسان، والبيضةِ مِن الطير، والكافرِ مِن المؤمن، والعاصي من الطَّائع، والحبَّةِ مِن السُّنبلة، والنَّواةِ مِن الشَّجرة.

стр. 2856

و"مخرج" موصولٌ بقوله: ﴿فَالِقُ﴾، وبينهما: ﴿يُخْرِجُ﴾؛ لأنَّه فعلٌ دائمٌ، والاسمُ المأخوذُ مِن الفعلِ يَدلُّ عليه، فتجانسا. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: القادرُ على هذه الأشياء، والمنعمُ بها هو اللَّهُ وحدَهُ، لا الأصنام. وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: فإلى أين تُصرَفون عن هذا حتَّى تَعدِلوا به غيرَهُ. * * * (٩٦) - ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾؛ أي: هو الآتي بالنَّهار معاشًا، والفَلْقُ: الشَّقُّ، و ﴿الْإِصْبَاحِ﴾: الصُّبح. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ قرأ حمزةُ وعاصمٌ والكسائيّ وخلف (١): ﴿وَجَعَلَ﴾ وهو فِعلٌ، و ﴿اللَّيْلَ﴾ نُصِبَ لأنَّه مفعول، و ﴿سَكَنًا﴾ مفعولٌ ثانٍ. وقرأ الباقون: ﴿وَجَاعَلُ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ (٢) وهو صفةٌ، كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ﴾، و ﴿اللَّيْلَ﴾ مضافٌ إليه، ﴿سَكَنًا﴾ مفعولٌ بالفعلِ الذي دلَّ عليه قولُه: ﴿وَجَاعَلُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ بالنَّصب على القراءتين المتقدِّمتين؛ أمَّا على قراءة من قرأ: ﴿وَجَعَلَ﴾ فظاهرٌ أنّهما معطوفان على قوله: ﴿اللَّيْلَ﴾، وأمَّا على قراءةِ مَن قرأ: ﴿وَجَاعَلُ اللَّيْلَ﴾ فبتأويل وقوع ﴿جاعلُ﴾ على ﴿اللَّيْلَ﴾؛ لأنَّهم

стр. 2857

يَذهبون بالفعلِ الدَّائم إذا أضافوهُ مذهبَ الماضي، يقولون: وحشيٌّ قاتلُ حمزة؛ أي: الذي قتلَ حمزة، فإذا نَسقوا على ما خفضوهُ بظاهرِ لفظة الإضافةِ، نَسقوا عليه بالنَّصبِ؛ لأنَّه عندَهم في تأويلِ منصوبٍ. ومعنى قوله: ﴿حُسْبَانًا﴾ أنَّهما يَسيرانِ في الفلَكِ بحسابٍ معلومٍ، لا يَختلِفُ على مرورِ الزَّمان (١)، وذلك قولُ الكلبيِّ (٢)، منازلُهما بحسابٍ معلومٍ لا يُجاوزانِه، حتَّى يَنتهيا إلى أقصى منازلِهما، والحُسبان جمعُ حِساب، كالشُّهبان جمعُ شهاب. وقيل: أي: بحساب ما يَحتاجُ إليه العبادُ في معايشِهم ومعاملاتهم؛ أما الشَّمسُ فللثِّمار والحرثِ والنَّسل، وفي ذلك قِوَامُ العالم، وأمَّا القمرُ فلآجال الدُّيون، ومواقيتِ الأشياء، كما قال في الأهِلَّة: ﴿هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾؛ أي: هو تقديرُ ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي لا يُغَالَبُ، و ﴿الْعَلِيمِ﴾ بمصالحِ العباد، وما يَعبدون مِن دونه عاجزٌ عن هذا كلِّه، وليس بعزيزٍ ولا عليم، فكيف يُعدَلُ باللَّه. * * * (٩٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال

стр. 2858

قتادة: جُعِلَت النُّجومُ لثلاثة أشياء؛ ليُهتدَى بها في ظلماتِ البَرِّ والبحر، وجُعِلت زينةً للسَّماء (١)، وليُرمى بها الشَّياطين (٢). وقال مقاتل: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ نورًا (٣)؛ لتَعرِفوا بها الطَّريق ليلًا إذا سرتُم ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٤). وقوله: ﴿لَكُمُ﴾ ليس للملكِ بل للانتفاع. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه دليلُ وحدانيَّة الرَّبِّ وتدبيرِه وحكمتِه؛ لأنَّه جعلَ في السَّماءِ أدلَّة يَهتدون بها، ويَستدِلُّون بها على معرفة الطُّرق (٥)، مع بعدِ ما بين السَّماءِ والأرض مِن المسافة، وسوَّى أسبابَهما، وعلَّقَ منافعَ بعضِها ببعض؛ ليُعلمَ أنَّه كان بواحدٍ مدبِّرٍ حكيمٍ (٦). وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: قد بيَّنَّا العلاماتِ الدَّالَّات (٧) على انتفاءِ الأضداد والأندادِ لقومٍ يَفهمون. وقيل: تفصيلُ الآياتِ أن يُؤتَى بها فصولًا، حتَّى يُفردَ كلُّ فصلٍ بالتَّأمُّلِ، فيكون أبلغَ في الاعتبارِ، وأبعدَ مِن الالتباس. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ فلقَ صُبحَ الكونِ فأشرقَت به

стр. 2859

الأقطارُ، كذلك فلقَ صبحَ القلوبِ، فاستنارَت به الأنوارُ، وكما جعل اللَّيلَ سكنًا، تَسكنُ فيه النُّفوسُ مِن كَدِّ التَّصرُّف في أسباب المعاش، كذلك جعلَ اللَّيلَ سكنًا للأحبابِ، يَسكنون فيه إلى روحِ المناجاة إذا هدأَت العيونُ مِن الأغيار، كما قيل: اللَّيلُ للعاشقين سِترٌ... يا ليتَ أوقاتَهُ تَدومُ (١) وجعلَ الشَّمسَ والقمرَ يجريان بحسابٍ معلومٍ، على حدٍّ معلوم، فالشَّمس بوضعها (٢) منذ خلقت لم تَنقُص، ولم تَزدَد، والقمرُ لا يَبقى ليلةً واحدةً على حالةٍ واحدةٍ، بل هو أبدًا في الزِّيادةِ والنُّقصان، فلا يَزالُ يَنمو حتَّى يصيرَ بدرًا، ثمَّ يَنقُص حتَّى لا يُرى، ثمَّ يأخذُ في الظُّهورِ، كذلك دأبُهُ أبدًا إلى أن تَنقضي العادةُ، فلا نقصانَ ولا زيادة. قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ الآية، فكما أنَّ نجومَ السَّماءِ يُهتدى بها في الفلَوَات، فكذلك نجومُ القلوبِ يُهتدَى بها في معرفةِ ربِّ الأرض والسَّماوات (٣). * * * (٩٨) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ هي آدمُ صلوات اللَّهِ عليه، وقد فسَّرنا ذلك في أوَّلِ سورة النساء.

стр. 2860

وقوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو وسهلٌ ويعقوب (١): ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ بكسرِ القاف، وهو نعتٌ، ومعناه: فمِنكم مُستَقِرٌّ، ومِنكم مُستودعٌ. وقرأ الباقون بفتح (٢) القاف (٣)، وهو مصدرٌ أو موضعٌ، ومعناه: فلكم مستقَرٌ ومستودَعٌ. واختلف فيهما، روى عوفٌ عن ابن عباسٍ ﵄ قال: كلُّ مخلوقٍ قد فُرِغَ من خلقه فهو المستَقرّ، والمستودعُ ما في الأصلاب الذي هو مودَعُ خالقِه (٤). وكتب حَبْرُ تيماءَ إلى ابن عباسٍ ﵄ يسألُه عن هذه الآية؟ فكتبَ إليه: المستودعُ الصُّلب، والمستقر الرحم، ثم قرأ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] (٥). وقال ابنُ الحنفية على عكسه: المستقر: الصُّلب، والمستودعُ: الرَّحم (٦)؛ لأنَّ في الآيةِ تقديمَ ذكرِ المستقَرِّ على المستودَع. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: ويَحتمل ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ في كلِّ حال؛

стр. 2861

لأنَّه مستقرٌّ إلى أنْ يَنتقل (١)، ومستودع؛ لأنَّه على شرف أن يَنتقل، ويَحتمِلُ مستقرٌّ في اللَّيل، ومستودعٌ في النَّهار (٢). وقال مِقْسَم: المستقرُّ: حيث يَأوي، والمستودعُ: حيث يَموت (٣). وقيل: المستقرُّ في الدُّنيا مدَّة حياتِه، والمستودَعُ: القبرُ إلى أنْ يُبعَثَ. ورويَ عن النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ الميِّتَ إذا بُعِثَ قالت الأرض التي كان مقبورًا فيها: اللَّهمَّ هذا ما استودعتَني" (٤). والاستيداعُ: جعلُ الشَّيء في الشَّيء للاحتفاظِ به. وقال سفيانُ بنُ عيينة: مستقرُّها في الدُّنيا، ومستودَعُها في الآخرة (٥). وقال الحسنُ وقتادة: المستقرُّ: في القبر، والمستودَعُ في الدُّنيا حتَّى يَلحقَ بصاحبِه (٦). وكان الحسن يقول: يا ابنَ آدم، أنت وديعةٌ في أهلِك، وأنشد قول لبيد: وما المالُ والأهلون إلَّا وَديعَةٌ... ولا بُدَّ يومًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ (٧)

стр. 2862

وعنه أيضًا أنه قال: المستقر من مات والمستودع أنتم (١)، وأنشدَ لسليمان بن يزيد العدويِّ: فُجِعَ الأحِبَّةُ بالأحِبَّة قبلَنا... فالنَّاسُ مَفجوعٌ به ومُفَجَّعُ مستودعٌ أو مُستَقرٌّ قد خلا... فالمستقرَّ يَزورُه المستودعُ (٢) وقيل: المستودَعُ: ما دامَ في البطن؛ لأنَّه قليلُ اللُّبثِ، وتَختلفُ به الأحوال، فإذا خرجَ فلهُ مستَقَرٌّ في الأرض، على ظهرِها، ثمَّ في بطنِها ثمَّ في الجنَّة، أو في النار، قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٦]، وقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وقال كُريب عن ابن عباسٍ ﵄: المستودعُ: في الصُّلب، وفي الرَّحم، وفي القبر، والمستقَرُّ: يوم القيامة. فجعلَّ كلَّ موضعٍ لا قرارَ فيه مستودَعًا، وجعلَ المستقرَّ في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: يَفهمون (٣). وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: الفقهُ: معرفةُ الشَّيء بمعناهُ الدالِّ على نظيرِه، ولهذا لا يقال: اللَّه (٤) فقيهٌ، والعِلمُ ما يُعلم بنفسه، واللَّهُ تعالى عالمٌ بالأشياء بذاتِه، لا بأغيارها ونظائرها (٥).

стр. 2863

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كما أنَّ للنُّفوسِ والأبشارِ مُستَقرًّا ومستودَعًا، فإنَّ للضَّمائرِ والأسرارِ مستقرًّا ومستودعًا، فمِن عبْدٍ مستقَرُّ قلبِه أوطانُ الشَّهواتِ والمُنى، ومِن عبدٍ مستقرُّهُ مربعُ الزُّهدِ والتُّقى، ومن عبدٍ مستقرُّهُ حيث لا مسكنَ ولا مثوى وراءَ الورى (١). * * * (٩٩) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ نقلَ الكلامَ مِن المغايبةِ إلى الإخبار عن نفسِه جمعًا بخطاب الملوك، وهو متعارفُ أهلِ اللِّسان. قوله: ﴿بِهِ﴾ أي بالماء وهو المطر. وقوله تعالى: ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ يعني: نباتَ ما تُنبِتُهُ الأرضُ مِن كلِّ شيءٍ. وقيل: أي: غذاءَ كلِّ شيءٍ، وما يَنبتُ به ويَنمو كلُّ شيءٍ. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾؛ أي: مِن النَّباتِ ﴿خَضِرًا﴾؛ أي: زرعًا أخضرَ أوَّل ما يَظهر. وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾؛ أي: مِن الزَّرعِ الأخضر ﴿حَبًّا﴾؛ أي: حباتٍ كثيرةً متراكبةً بعضُها فوق بعضٍ؛ لالتفافها، والحَبُّ جمعُ حبَّة، وإنَّما لم يقل: متراكبة؛ لظاهرِ اللَّفظِ الذي هو للواحدِ في الوضع.

стр. 2864

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾؛ أي: ومِن طلعِ النَّخل، وكرر "من"؛ لأنَّ الأُولى تقدَّمَت موضعَها، فأُعيدَت في موضعِها. وطلعُها: أوَّلُ ما يطلُعُ من ثمرِها. والقنوان: جمعُ قِنو، وهو الكِباسَة (١)، وقُنوان بضمِّ القاف لغةٌ. والدَّانية: المُتدلِّيةُ القرلِبةُ مِن المتناوَل، وهذا عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ والبراءِ بن عازب وقتادةَ والضَّحَّاك (٢). وقال الزَّجاج: وفيه حذفٌ، وتقديرُه: مِنها دانيةٌ، ومنها بعيدةٌ، كما في قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أي: الحرَّ والبرد (٣). وقال الحسنُ: أي: متدانيةً بعضُها إلى بعض (٤). وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ بكسرِ التاء وهو نصبٌ، وهي قراءةُ العامَّة؛ أي: أخرجنا به نباتَ كلِّ شيءٍ وجناتٍ أيضًا، أو (٥) عطفًا على قوله: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾، وبالرَّفع -وهي روايةُ الأعشى والبرجميّ (٦). . . . .

стр. 2865

عن أبي بكر (١) عن عاصم (٢) - هي معطوفةٌ على قوله: ﴿قِنْوَانٌ﴾، أو يُضمَرُ في أوَّله: ومنه جناتٌ، أو هناك جنات. وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ بالنَّصبِ عطفًا على ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ على قراءة النصب، أو على قوله: ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أو ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾. وقوله تعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قال ابنُ عباس ﵄: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ في المنظر، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في المطعَم (٣). وقال قتادة: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ ورقُه، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ ثمرُه (٤). وقال مقاتلُ بن حيان: يشبهُ ورقُ الزَّيتونِ ورقَ الرُّمان (٥). وقيل: أي: يَتشاكلُ بعضُها في الخِلقةِ والصُّورةِ والطَّعمِ واللَّون، ويَختلفُ بعضُها. وقيل: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ في الألوان، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ في الطُّعوم، أو على العكس. وإنَّما قال: ﴿مُشْتَبِهًا﴾، ولم يقل: مشتبهة؛ لأنَّه أرادَ به جنسَ الثَّمرِ كلِّه، أو أراد (٦) به المذكور، وخصَّ الرُّمَّان والزَّيتونَ بالذِّكر مِن بين سائر الأشجار (٧)؛ لقربِ مكانِهما مِن القوم المخاطَبين، وعظَمِ خطرِهما عندهم.

стр. 2866

وقال الزَّجاج: هما شجرتان تَزعُمُ العربُ أنَّ ورقَهما يَشتمل على الغصنِ مِن أوَّلِه إلى آخره، والبركة في ورقه اشتمالُه على عودِه كلِّه (١). وقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (٢): ﴿ثُمُره﴾ بالضمِّ، وهو صيغةُ الجمع، وقرأ الباقون بالفتح (٣)، وهو صيغةُ الفرد. وذكرَ فعله على التَّذكير؛ لظاهر (٤) اللفظ، وكذلك قال: ﴿ثَمَرِهِ﴾، ولم يقل: ثمرها؛ ذهابًا به إلى المذكور، أو إلى الذي سبقَ ذكره. واليَنعُ: النُّضجُ والبلوغ، وقد يَنَع يَيْنَعُ وأينعَ، ويقال: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ هو جمعُ يانع؛ أي: انظروا إلى اليانعِ منه، وهو كالتَّاجِر، وجمعُه التَّجْر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: فيما ذكرنا دلالاتٌ على أنَّ لها صانعًا عليمًا حكيمًا حيًّا، قادرًا على تتابعِ نعمه على عبادِه، وعلى البعثِ بعد الموت؛ بما تَرونَ مِن إعادةِ النَّباتِ بعد التَّلاشي، وعلى وجوب الشكرِ له، وبطلانِ إشراكِ غيرِه به، وخصَّ المؤمنين بها؛ لأنَّهم هم المنتفعون بها، كما قال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: في هذه الآيات بيانُ قدرتِه، وسبوغ نعمتِه، وفيه محاجَّة المشركين في إبطالِ إشراكِهم باللَّه غيرَهُ، وتوجيهِهم الشُّكرَ إلى غيرِه. وقال في قوله: ﴿خَضِرًا﴾: إنَّ الثَّمرَ أوَّل ما يخرجُ يكون خَضِرًا، ثمَّ يَتحوَّلُ إلى لونٍ آخر، وأراد به بقاءَ النَّضرةَ بالماء، ولولاه ليبس.

стр. 2867

وقال في قوله: ﴿حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾: هو إخبارٌ عن لطفِه وصنعِه؛ إذ ليس في وِسع البشرِ إخراجُه وتركيبُهُ على ذلك الوجه، وفيه إثباتُ إنشاءِ الشَّيء لا مِن شيء؛ لأنَّه أخرجَ مِن الحبَّةِ والنَّواةِ نباتًا أخضر، ولم يكن في الأصل ذلك. وفيه نقضُ قولِ الدَّهريَّةِ في كون الأشياءِ في شيءٍ واحد؛ إذ لا يَحتمِلُ كونُ عشرةِ آلاف نواةٍ، أو حبَّةٍ في نواة، أو حبَّةٍ واحدةٍ، أو الشجرةِ بطولها: في النَّواة. وقال في قوله: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾: لمَّا كان التُّرابُ والماءُ واحدًا، واختلفَ الخارجُ، عُلِمَ أنَّه بتدبيرِ اللَّه وتخليقِه، لا بالماءِ والتُّراب، وفي إخراجِ الثِّمارِ والحبوب على التَّعاقُب، وإنزالِ المطرِ على التَّفاريق، قطراتٍ لا تَختلِطُ مع كثرتها وازدحامِها وبعدها؛ ما لو اجتمعَ الخلائقُ على حفظه ما قدروا عليه = دلالةٌ أنَّه بمدبِّرٍ عليم حكيمٍ. وكذلك انتقالُ الثَّمرِ مِن حالٍ إلى حالٍ إلى ينعها، على وجؤِ مختلفةٍ؛ دليلُ ما قلنا (١). وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: تَجانسَت أجزاءُ الأرضِ، وتوافقَت أقطارُ الكون، وتباينَ النَّباتُ في الطَّعم واللَّون، فدلَّ كل مخلوقٍ بلسانٍ فصيحٍ، وبيانٍ صريح، أنَّه لا يَستقِلُّ بنفسِه، وأنَّه موجودٌ بإيجادِ ربِّه (٢). * * * (١٠٠) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾؛ أي: جعلَ المشركون الجنَّ شركاءَ للَّه، وهم الذين قالوا: بيزدان وأهرمن.

стр. 2868

وقيل: هو ردٌّ على بني مليح؛ قالوا: إنَّ اللَّهَ صاهر الجنَّ، فولدت له الملائكة، وهم بناتُه. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾؛ أي: هو خلقَ الكُلَّ. وقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾؛ أي: اختلقوا وافتروا عليه بنسبةِ البنين والبنات إليه، وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: جهلًا. وقيل: هم الذين قالوا: عزيرٌ ابن اللَّه، والمسيح ابنُ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أمرَ عبادَهُ بتنزيهِه عن ذلك، ونصبُه على المصدر. وقوله تعالى: ﴿وَتَعَالَى﴾؛ أي: تنزَّهَ ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي: من الشَّريك والولد. * * * (١٠١) - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: مبدِعُها، وقد فسَّرناه في سورة البقرة بأتمَّ مِن هذا (١). وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾؛ أي: أبدعَ السَّماوات والأرض، ومن فيهما، وما فيهما من الملائكةِ والجنِّ، وكلَّ ما أشرك هؤلاء باللَّه، فلا يجوزُ أنْ يُسوَّى به شيءٌ مِن خلقِه في العبادة، ولا يجوزُ أن يكون له ولدٌ؛ لأنَّ الولدَ إنَّما يُحتاجُ إليه للاعتضاد به، أو للخدمة منه، أو للاستئناس به، أو لبقاءِ الذِّكرِ به بعد موت الوالد، واللَّهُ تعالى يَتعالى عن ذلك كلِّه علوًّا كبيرًا.

стр. 2869

وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾؛ أي: زوجة؛ أي: مِن أين يكونُ له ولدٌ؟ وكيف يكون له ولد؟ فالولدُ إنَّما يَكون عن ملاقاةِ زوجةٍ، والملاقاةُ والمماسَّة والمحاذاةُ تَستحيلُ في وصف (١) الباري جلَّ وعلا، والصاحبةُ لا تكونُ إلَّا كفؤًا، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]. وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي (٢): الأشياء كلّها بتخليقِه وفي ملكه وحكمه، فلا كفؤَ له مِن خَلْقِهِ، ولا حاجةَ له إلى غيرِه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فله العِلمُ والقدرةُ على الكمالِ، فلا مثلَ له، ولا مثال. * * * (١٠٢) - ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾؛ أي: الموصوفُ بكمالِ القدرةِ والعلمِ والمُلكِ، والمنزَّهُ عن شبه (٣) المخلوقين، هو ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ وحدَه، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ يَستحِقُّ هذا، فإياه فاعبدوا. وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾؛ أي: حافظٌ مُدبِّرٌ، مصرِّفٌ على إرادته (٤)، فلا يَستحِقُّ العبادةَ غيرُه.

стр. 2870

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: تَعرَّف إليهم بآياتِه، ثمَّ تَعرَّف إليهم بصفاتِه، ثمَّ كاشفَهم بذاتِه، بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ تعريفُ العوامِّ والأصاغر، وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تعريفُ الخواصِّ والأكابر (١). * * * (١٠٣) - ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ أي: لا تحيطُ به؛ لأنَّ الإحاطةَ تكون بالمحدود والمتناهي، واللَّهُ يَتعالى عن ذلك، وحملَهُ المعتزلةُ على نفي الرؤية، وليس كذلك؛ فإنَّ الإدراكَ ليس باسم الرُّؤية، ونفيُه ليس بنفيِ الرُّؤية، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، نفى الإدراكَ مع إثبات الرؤيةِ، فصحَّ ما قُلنا. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؛ أي: تُحيطُ رؤيتُه وعِلْمُه بالأشياءِ كلِّها، فله كمالُ العلمِ والصِّفات، والمخلوقاتُ كلُّها تحت قدرتِه وسلطانِه ومملكتِه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾ في فعالِه (٢) بالعباد، ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالمُ بالعبادِ وأعمالِ العباد. قال: وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: البارُّ الرَّحيم. قال: وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: العليمُ بخفيَّاتِ الأشياء، و ﴿الْخَبِيرُ﴾: العليمُ بظواهرِ الأشياء (٣).

стр. 2871

وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: الذي لا يَخفى عليه شيءٌ. وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: العالمُ بدقائقِ الأمورِ ومشكلاتِها. وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: الذي أَعطى فوق الكفايةِ، وكلَّفَ دون الطَّاقة. وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: المحسِنُ المتَفضِّل الرَّفيق. * * * (١٠٤) - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: حُجَجٌ ظاهرات. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فمَن تَدبَّر فيها منصِفًا لا معانِدًا (١) ولا متعصِبًا، أبصرَ الرُّشدَ، وكان نفعُه له. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾؛ أي: مَن تَعامى عنها فضَررُ ذلك على نفسِه. وقال الكلبي: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: القرآن ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ صدق القرآن وآمن بمحمَّدٍ، ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عَمِلَ وأحرزَ الثَّواب، ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ فلم يُصدِّق، فعلى نفسِه جنى (٢) العذاب. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: قل يا محمَّد: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ﴾ في هذه الحالة برقيبٍ أقهرُكم على قَبولِه، بل ذاك إلى اللَّه سبحانَه، ونسخَتهُ آيةُ القِتال.

стр. 2872

وقال الإمام القشيري ﵀: أوضحَ السَّبيلَ، وألاحَ الدَّليلَ، وأزاحَ العِلل، وأنارَ السُّبلَ، ولكن قيل (١) في معناه شعر: وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بمقلتِهِ... إذا استوَت عندَهُ الأنوارُ والظُّلَمُ (٢) * * * (١٠٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: وكما صرَّفنا الآياتِ في هذه السُّورةِ (٣)، نُصَرِّفُها بعد هذا في سائر السُّور. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ﴿دارستَ﴾ بالألف، وقرأ الباقون: ﴿دَرَسْتَ﴾ بغير ألف، بفتح التَّاء على الخطاب، إلَّا ابن عامر، فإنَّه قرأ: ﴿دَرَسَتْ﴾ بتسكينِ التَّاء (٤). و ﴿دارست﴾ معناه: ذاكرتَ به أهلَ الكتاب وقارأتهم، وهو عن ابن عباس وسعيد بن جبير (٥). ﴿دَرَسْتَ﴾ بغير ألف؛ أي: قرأتَ عليهم، وتعلَّمتَ منهم. و ﴿درسَتْ﴾ بتسكين التاء؛ أي: هذه أخبارٌ قد دَرَسَتْ وانمحت آثارُها، لتَقادُم العهد، وهو عن الحسن (٦).

стр. 2873

وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نُبيِّنُ الآياتِ في القرآن، في كلِّ وجهٍ نَدعوهم بها ونُخوِّفُهم، ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ يعني: أهلُ مكَّة حين تقرأ عليهم القرآن: ﴿دَرَسْتَ﴾ يقولون: تَعلَّمتَ مِن يسار أبي فُكيهة، وجبرٍ مولى قريش، وقرأت علينا، تَزعُمُ أنَّه مِن عند اللَّه (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: واختلافُ القراءات (٢) لاختلافِ أقوال (٣) الكفَرة لرسول اللَّه ﷺ ؛ من قال: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فهو تأويل ﴿دَرَسْتَ﴾، ومنهم من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، فهذا تأويل ﴿درسَتْ﴾ بالسكون، ومنهم من قال: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ: ٤٣] فهذا تأويلُ ﴿دَرَسْتَ﴾ بالفتح (٤). ثمَّ معنى الكُلِّ عند بعضهم أنَّ فيها إضمارَ: لا، وتقديرُه: وكذلك نُصرِّفُ الآيات لئلَّا يَقولوا دارلسْتَ أهلَ الكتابِ، أو (٥) أخذت منهم، أو هذه أخبارٌ قد مضَت، إذا تأمَّلوا في الآياتِ وعرَفوا الدِّلالات، وهذا الإضمارُ كما في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقوله: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]. وقيل: هو بغيرِ إضمار، وهو بيان العاقبة؛ أي: صرَّفنا الآياتِ، فعاندَ بعضهم، وقالوا ذلك، وصارَ بيانًا للعالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛

стр. 2874

أي: المؤمنين العلماء؛ فإنَّ الآياتِ تقعُ بيانًا لهم، وزيادةَ علمٍ باللَّه وبدينِه، فأمَّا المعانِدون فيقولون: هذا شيءٌ أخذتَهُ مِن أهل الكتاب، أو سمعتَ الأخبارَ، فجعلتها كتابًا مِن عندِك، وأضفتَهُ إلى اللَّه كاذبًا، فإذا قالوا ذلك، حقَّ العذابُ عليهم. ثمَّ الواو في: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ (١) ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ إمَّا أن تكون صلةً، أويُضمر في آخره فعلٌ، أي: وكذلك صرَّفنا الآياتِ، كما مرَّ في قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. * * * (١٠٦) - ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢)، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: دعا المشركون رسولَ اللَّه ﷺ إلى ملَّةِ آبائه، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ مِن القرآن (٣). وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فإيَّاه فارْجُ، وإيَّاه فخَفْ. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تُعاقِبهم في الحال (٤) إلى أنْ يرِدَ الأمرُ بالقتال. * * * (١٠٧) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.

стр. 2875

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ بيَّنَ أنَّهم لا يُشرِكون على خلاف مشيئة اللَّه قهرًا له، وأنَّه لو علم منهم (١) اختيارَ الإيمان لهداهُم للإيمان، ولكن علمَ مِنهم اختيارَ الشِّرك، فشاءَ لهم الشِّركَ، فأشركوا بمشيئته. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أي: مراعيًا لأعمالِهم، مأخوذًا بإجرامهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ بمسلَّطٍ على إكراهِهم على الإسلام، وليس عليك الآنَ إلَّا التَّبليغُ، إلى أنْ تؤمرَ بِقتالِهم. * * * (١٠٨) - ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ السَّبُّ: الشَّتم والعَيب والطَّعن، و ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: يَعبدونه وَيدعونه إلهًا، ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ نصب لأنَّه جوابُ النَّهي بالفاء، و ﴿عَدْوًا﴾؛ أي: تجاوزًا عن الحقِّ إلى الباطل، وهذه الآيةُ تحقيقُ قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقال ابنُ عباس ﵄: قالوا: يا محمَّد، لتَنتهينَّ عن سبِّ آلهتِنا، أو لنَهجوَنَّ ربَّك، فنهاهُم اللَّهُ أنْ يَسبُّوا أوثانَهم (٢). وقال السُّدِّيُّ: لمَّا حضر أبا طالبٍ الوفاةُ، دخل عليه أبو سفيان، والنَّضرُ بنُ الحارث، وأبو جهل، وأميَّة وأبيّ ابنا خلف، والأسودُ بن البختريِّ، وعمرو بن
следующие страницы →