← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: الذي لا يَخفى عليه شيءٌ. وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: العالمُ بدقائقِ الأمورِ ومشكلاتِها. وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: الذي أَعطى فوق الكفايةِ، وكلَّفَ دون الطَّاقة. وقيل: ﴿اللَّطِيفُ﴾: المحسِنُ المتَفضِّل الرَّفيق. * * * (١٠٤) - ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: حُجَجٌ ظاهرات. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أي: فمَن تَدبَّر فيها منصِفًا لا معانِدًا (١) ولا متعصِبًا، أبصرَ الرُّشدَ، وكان نفعُه له. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾؛ أي: مَن تَعامى عنها فضَررُ ذلك على نفسِه. وقال الكلبي: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: القرآن ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ صدق القرآن وآمن بمحمَّدٍ، ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عَمِلَ وأحرزَ الثَّواب، ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾ فلم يُصدِّق، فعلى نفسِه جنى (٢) العذاب. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾؛ أي: قل يا محمَّد: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ﴾ في هذه الحالة برقيبٍ أقهرُكم على قَبولِه، بل ذاك إلى اللَّه سبحانَه، ونسخَتهُ آيةُ القِتال.

стр. 2872

وقال الإمام القشيري ﵀: أوضحَ السَّبيلَ، وألاحَ الدَّليلَ، وأزاحَ العِلل، وأنارَ السُّبلَ، ولكن قيل (١) في معناه شعر: وما انتفاعُ أخي الدُّنيا بمقلتِهِ... إذا استوَت عندَهُ الأنوارُ والظُّلَمُ (٢) * * * (١٠٥) - ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: وكما صرَّفنا الآياتِ في هذه السُّورةِ (٣)، نُصَرِّفُها بعد هذا في سائر السُّور. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو: ﴿دارستَ﴾ بالألف، وقرأ الباقون: ﴿دَرَسْتَ﴾ بغير ألف، بفتح التَّاء على الخطاب، إلَّا ابن عامر، فإنَّه قرأ: ﴿دَرَسَتْ﴾ بتسكينِ التَّاء (٤). و ﴿دارست﴾ معناه: ذاكرتَ به أهلَ الكتاب وقارأتهم، وهو عن ابن عباس وسعيد بن جبير (٥). ﴿دَرَسْتَ﴾ بغير ألف؛ أي: قرأتَ عليهم، وتعلَّمتَ منهم. و ﴿درسَتْ﴾ بتسكين التاء؛ أي: هذه أخبارٌ قد دَرَسَتْ وانمحت آثارُها، لتَقادُم العهد، وهو عن الحسن (٦).

стр. 2873

وقال ابنُ عبَّاس ﵄: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: نُبيِّنُ الآياتِ في القرآن، في كلِّ وجهٍ نَدعوهم بها ونُخوِّفُهم، ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ يعني: أهلُ مكَّة حين تقرأ عليهم القرآن: ﴿دَرَسْتَ﴾ يقولون: تَعلَّمتَ مِن يسار أبي فُكيهة، وجبرٍ مولى قريش، وقرأت علينا، تَزعُمُ أنَّه مِن عند اللَّه (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: واختلافُ القراءات (٢) لاختلافِ أقوال (٣) الكفَرة لرسول اللَّه ﷺ ؛ من قال: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، فهو تأويل ﴿دَرَسْتَ﴾، ومنهم من قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥]، فهذا تأويل ﴿درسَتْ﴾ بالسكون، ومنهم من قال: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ: ٤٣] فهذا تأويلُ ﴿دَرَسْتَ﴾ بالفتح (٤). ثمَّ معنى الكُلِّ عند بعضهم أنَّ فيها إضمارَ: لا، وتقديرُه: وكذلك نُصرِّفُ الآيات لئلَّا يَقولوا دارلسْتَ أهلَ الكتابِ، أو (٥) أخذت منهم، أو هذه أخبارٌ قد مضَت، إذا تأمَّلوا في الآياتِ وعرَفوا الدِّلالات، وهذا الإضمارُ كما في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقوله: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]. وقيل: هو بغيرِ إضمار، وهو بيان العاقبة؛ أي: صرَّفنا الآياتِ، فعاندَ بعضهم، وقالوا ذلك، وصارَ بيانًا للعالمين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛

стр. 2874

أي: المؤمنين العلماء؛ فإنَّ الآياتِ تقعُ بيانًا لهم، وزيادةَ علمٍ باللَّه وبدينِه، فأمَّا المعانِدون فيقولون: هذا شيءٌ أخذتَهُ مِن أهل الكتاب، أو سمعتَ الأخبارَ، فجعلتها كتابًا مِن عندِك، وأضفتَهُ إلى اللَّه كاذبًا، فإذا قالوا ذلك، حقَّ العذابُ عليهم. ثمَّ الواو في: ﴿وَلِيَقُولُوا﴾ (١) ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ إمَّا أن تكون صلةً، أويُضمر في آخره فعلٌ، أي: وكذلك صرَّفنا الآياتِ، كما مرَّ في قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. * * * (١٠٦) - ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٢)، قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: دعا المشركون رسولَ اللَّه ﷺ إلى ملَّةِ آبائه، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ مِن القرآن (٣). وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فإيَّاه فارْجُ، وإيَّاه فخَفْ. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا تُعاقِبهم في الحال (٤) إلى أنْ يرِدَ الأمرُ بالقتال. * * * (١٠٧) - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.

стр. 2875

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ بيَّنَ أنَّهم لا يُشرِكون على خلاف مشيئة اللَّه قهرًا له، وأنَّه لو علم منهم (١) اختيارَ الإيمان لهداهُم للإيمان، ولكن علمَ مِنهم اختيارَ الشِّرك، فشاءَ لهم الشِّركَ، فأشركوا بمشيئته. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أي: مراعيًا لأعمالِهم، مأخوذًا بإجرامهم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ بمسلَّطٍ على إكراهِهم على الإسلام، وليس عليك الآنَ إلَّا التَّبليغُ، إلى أنْ تؤمرَ بِقتالِهم. * * * (١٠٨) - ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ السَّبُّ: الشَّتم والعَيب والطَّعن، و ﴿يَدْعُونَ﴾؛ أي: يَعبدونه وَيدعونه إلهًا، ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ نصب لأنَّه جوابُ النَّهي بالفاء، و ﴿عَدْوًا﴾؛ أي: تجاوزًا عن الحقِّ إلى الباطل، وهذه الآيةُ تحقيقُ قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقال ابنُ عباس ﵄: قالوا: يا محمَّد، لتَنتهينَّ عن سبِّ آلهتِنا، أو لنَهجوَنَّ ربَّك، فنهاهُم اللَّهُ أنْ يَسبُّوا أوثانَهم (٢). وقال السُّدِّيُّ: لمَّا حضر أبا طالبٍ الوفاةُ، دخل عليه أبو سفيان، والنَّضرُ بنُ الحارث، وأبو جهل، وأميَّة وأبيّ ابنا خلف، والأسودُ بن البختريِّ، وعمرو بن

стр. 2876

العاص، فقالوا له: إنَّا نستحي أنْ نقتلَ محمَّدًا بعد موتِك (١)، فتقولَ العربُ: كان أبو طالبٍ يَمنعُه، وأنت كبيرُنا وسيِّدُنا، وإنَّ محمَّدًا قد آذانا وآذى آلهتَنا، فادْعُه حتَّى يدَعَنا وآلهتَنا، وندعَهُ وإلهَهُ، فدعاهُ، فقال له: إنَّ هؤلاء قومُك وبنو عمِّك، فقال لهم رسول اللَّه ﷺ : "ما تريدون؟ " قالوا: نَدَعُكَ وإلهَكَ، وتَدَعُنا وآلهتنا، فقال أبو طالب: لقد (٢) أنصفَكَ قومُك، فقال لهم رسولُ اللَّه ﷺ : "هل تعطوني كلمةً إنْ تكلَّمتُم بها ملَكتُم العربَ، ودانت لكم العجم"، قال أبو جهل: نُعطيكَها وعشرةَ أمثالِها، قال رسول اللَّه ﷺ : "قولوا: لا إله إلا اللَّه"، فأبوا، فقال أبو طالب: فهل غيرُها، فإنَّ القومَ قد فزِعوا منها؟، فقال: "لا أريدُ غيرَها"، فقالوا: لتَكفَّنَّ عن شتمِ آلهتِنا، أو لنَشتُمَنَّكَ ونَشتمَ مَن يَأمرك به، فذلك قوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٣). وقال الإمام أبو منصور ﵀: كيف نهانا عن سَبِّ مَن يَستحِقُّ السَّبَّ؛ مخافة سبِّ (٤) مَن لا يَستحِقُّه، وقد أُمِرنا بقتالهم، وإذا قاتلناهُم قتلونا، وقتلُ المؤمنِ بغير حقٍّ منكرٌ، وكذا أمرَ النَّبيَّ ﷺ تبليغَ الوحيِ والتلاوةَ عليهم، وإن كانوا يُكذِّبونَه؟! قيل: إنَّ السَّبَّ لأولئكَ مباحٌ غيرُ مفروض، وقتالُهم فرضٌ، وكذا التَّبليغُ، وما كان مباحًا فإنَّه يُنهَى عما يَتولَّدُ مِنه وَيحدثُ، وما كان فَرضًا لا يُنهى عن المتولِّدِ منه. وعلى هذا يَقعُ الفرقُ لأبي حنيفة ﵀ في مَن قطعَ يدَ قاطعِ يدِه

стр. 2877

قصاصًا، فماتَ منه؛ فإنَّه (١) يضمنُ الدِّيةَ؛ لأنَّ استيفاءه حقَّهُ مباحٌ، فأُخِذَ بالمتولِّدِ منه، والإمامُ إذا قطعَ يدَ السَّارقِ، فمات، لم يَضمن شيئًا؛ لأنَّه فرضٌ عليه فلم يُؤخَذ بالمتولِّدِ منه (٢). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾؛ أي: كما زيَّنَّا لهؤلاء المشركينَ عنودهم وجحودَهم طبعًا (٣)، باختيارهم ذلك وإصرارهم على ذلك طوعًا، ﴿زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ قبلَهم ﴿عَمَلَهُمْ﴾. والمعتزلةُ يَحمِلون هذا على وجهٍ آخر، وقالوا معناه: زيَّنَّا لهم الإيمانَ والطَّاعةَ بالأمرِ والوعد، لكنَّهم تَركوا ذلك، واتَّبعوا ما زَيَّن لهم الشيطانُ مِن الكفر والمعصية، وقالوا: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ تَزيينَهُ في حقِّ الإيمان، فقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]، وذكر تزيين المعاصي مِن الشَّيطان، فقال: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فلا يَجوزُ أنْ يُزَيِّنَ اللَّهُ ما يُزيِّنُ الشَّيطان. وقال الإمام أبو منصور ﵀: التَّزيين على وجهين: تزيينٌ في العقول، وهو تزيينٌ مِن طريقِ الآيات والبراهين، وذلك لا يَحتمِلُ في الكفر والضَّلال أنْ يكونَ مِن جهةِ الآيات. وتزيينٌ في الطِّباعِ والشَّهوات، ويجوزُ أنْ يكون ذلك للكافر (٤) في الكفرِ

стр. 2878

والمعصيةِ مِن اللَّه، وليس إضافةُ ذلك إليه بأكبرَ مِن إضافةِ الإغواءِ والإضلال إليه، فقد ثبتَ ذلك، ومعناه ما مر مرَّات (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: ثمَّ يكونُ إلى جزاءِ اللَّه تعالى مصيرُهم يومَ القيامةِ، فيُخبِرُهم بما عمِلوا ويَجزيهِم عليه. * * * (١٠٩) - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾؛ أي: حلفَ هؤلاء المشركون باللَّهِ مجتهدين في الحَلِفِ، مظهِرينَ للوفاء به. وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾؛ أي: كالآياتِ الظَّاهرةِ التي كانت لموسى وعيسى وغيرِهما، ممَّا لا يمكَنُ معارضتُه وإنكارُه. وقيل: هي ما ذُكِرَ في قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]. وقيل: هي ما اقترحوهُ ممَّا ذُكِرَ في قولِه: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات (٢)، قالوا: لو جاءت هذه الآية لنصدقنَّ بها، ولنَشهدَنَّ لك بالنُّبوَّةِ ولنَدعَنَّ عبادةَ الأصنام. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: هي مِن عندِهِ تجيء، وهو يَأتي بها، لا أنا.

стр. 2879

وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرو وسهلٌ ويعقوب وخلفٌ وقتيبةُ ونصيرٌ عن الكسائيِّ وأبو بكر وحمَّاد (١) عن عاصم (٢): ﴿إنها﴾ بالكسر، وهو على الابتداء، ومعناه: وما يُدريكم أنَّكم تؤمنون بها، ثمَّ ابتدأ خطابَ المؤمنين، فقال: ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: الكفَّار؛ لأنَّهم معاندون. وقرأ عاصمٌ في رواية حفمصٍ والمفضَّلُ (٣) وحمزةُ والكسائيُّ بالفتح (٤)، وله وجهان: أحدهما: أنَّ معناه: لعلَّها إذا جاءَت لا يؤمنون، كما تقول للرَّجل: ائتِ السُّوقَ؛ أنَّك تَشترِ لنا شيئًا، وقال عديُّ بنُ زيد: أعاذِلُ ما يُدريكَ أنَّ مَنيَّتي... إلى ساعةٍ في اليومِ أو في ضُحى الغَدِ (٥) والثاني: ما قال الفرَّاء: ﴿لَا﴾ هاهنا صلة، ومعناه: وما يُشعركم أنَّها إذا جاءَت لا يؤمنون، وهو كقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، وقولِه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] (٦). وقال الكلبيُّ: لمَّا نَزلت الآيةُ التي في "الشعراء" (٧)، قال المشركون -لعنهم اللَّه-:

стр. 2880

أنزِلْها علينا إن كنتَ مِن الصَّادقين، حتَّى نؤمنَ بها، فقال المسلمون: يا رسولَ اللَّه، أنْزِلْها عليهم حتَّى يؤمنوا، فأنزلَ اللَّه هذه الآية (١). * * * (١١٠) - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ﴾ عن قَبولِ الحق ﴿وَأَبْصَارَهُمْ﴾ عن رؤيةِ الحقِّ عند نزول (٢) الآية التي اقترحوها، فلا يؤمنوا بها، وهذا مضمَرٌ، وليس هذا بإجبارٍ، ولكن جزاءٌ لهم على سوءِ الاختيار، وعقوبةٌ لهم على الإصرارِ. ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾؛ أي: باللَّه، فقد سبقَ ذِكرُه. وقيل: أي بما (٣) سبق ذكره من الآيات ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أي: حين انشقَّ القمرُ، وظهرَت الآياتُ المتقدِّمةُ على هذه الحالة. وقيل: أي: كما لم يؤمن به المتقدَّمون عندَ رؤية الآية، كقوم صالح عند خروجِ النَّاقة، وقومِ عيسى عند نزول المائدة، ونحو ذلك. وقيل: أي: كما لم يُؤمن هؤلاء ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وهو عند مجيء النَّبيِّ ﷺ ووحي القرآن، وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عنهم أنَّهم ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ

стр. 2881

لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾؛ أي: النَّصارى واليهودِ والمجوس، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ أي: ونتركُهم في تماديهِم يَتحيَّرون، وظهر بآخرِ الآيةِ أنَّ الأوَّل جزاءُ فعلِهم، وفيه إثباتُ الخلق مِن اللَّه تعالى، والفعلِ من العبد، وهو كقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وقيل: إنَّ قولَه: ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ الكافُ للمجازاة كما تقول: فعلتُ بك (١) كما فَعَلتَ بي؛ أي: هذا الخذلانُ جزاءُ تلك المعاندة. وقيل: ﴿بِهِ﴾؛ أي بالتقليب؛ أي: بسببِه. * * * (١١١) - ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: إلى هؤلاء المقترحين كلَّ الملائكةِ، فشَهِدوا لك، وإن كانوا سألوا مَلَكًا واحدًا، بقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]. وقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى﴾؛ أي: وأحيينا لهم كلَّ الأمواتِ، فشهِدوا لك، وإنْ كانوا سألوا منك إحياءَ اثنين من موتاهم؛ قصيِّ بنِ كلاب وجدعان بنِ عمرو، وكانا كبيرين فيهم، صدوقين منهم، قالوا: لو أحييتَهما، فشهدا لك بالنُّبوَّةِ لشهدنا نحن أيضًا.

стр. 2882

وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قيل: أي: وبَعثنا كلَّ حيوانٍ، مِن الفيلِ إلى البعوض؛ أي: أقمنا القيامة. وقيل: أي: جمَعنا لهم كلَّ النَّاس (١). ﴿قُبُلًا﴾ قرأهُ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ وابنُ كثير وأبو عمرو بضمِّ القاف والباء، وهو جمعُ القبيل والقبيلة؛ أي: قبائل، وهو قول مجاهد: فوجًا فوجًا (٢)، وقول (٣) يمانُ بن رئاب: جيلًا جيلًا. وقيل: هو جمعُ القبيل الذي هو الضَّمين، كما قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]؛ أي: جمَعنا لهم كلَّ الناس ضمناءَ بصحَّةِ أمرِ نبوَّتِك، وبالوفاءِ بوعدِ الثَّواب. وقيل: هو القُبُل الذي هو ضِدُّ الدُّبُر؛ أي: أتَوْهُم مِن قِبَلِ وجوهِهم، وهو قولُ الفرَّاءِ (٤)، وهذا يكون نصبًا على الظَّرف، والأوَّلُ على الحال. وقرأ أبو جعفر (٥) ونافعٌ وابنُ عامرٍ: ﴿قِبَلًا﴾ بكسر القافِ وفتح الباء (٦)، ومعناه: أي: عيانًا ومقابلة، ومنه القِبلةُ. وقيل: أي: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ كلَّ ما غابَ عنهم مِن ثوابِ الآخرة وعقابِها فرأوهُ معاينةً.

стр. 2883

وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾؛ أي: لم يؤمنوا برؤيةِ هذه الآيات إلَّا أنْ يشاءَ اللَّه إيمانَهم فيؤمِنوا، فدلَّ على عنادِهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ودلَّ هذا على أنَّ الآيةَ وإن عظُمت، فإنَّها لا تَضطرُّ إلى الإيمان، فلا آيةَ أعظم مِن قيام السَّاعة، واللَّهُ تعالى يقول: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، ويكون معنى قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]؛ أي: إنْ شاءَ اللَّه أنْ يخضعوا، لا أنَّ الآيةَ تَضطرُّهم إلى ذلك (١). ودلَّ أنَّهم إنَّما (٢) لم يؤمنوا؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى لم يَشأ، ولو شاءَ لآمَنوا، ومَن عَلِمَ اللَّهُ مِنهم اختيارَ الكفرِ والإصرارَ عليه، شاءَ لهُ ذلك، ومَن علمَ منهُ اختيارَ الإيمانِ، شاءَ له ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ولم يقل: كلهم، وإن كانت جهالةُ الكفرِ تَعمُّهم (٣)؛ لأنَّ المراد -واللَّه أعلم-: ولكنَّ أكثرَهم يَجهلون أنَّه لو آتاهُم كلَّ آيةٍ يَقترِحُونها ما آمنوا طوعًا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: بيَّنَ أنَّ الآياتِ وإن تَوالَت، وشموسَ البُرهانِ وإنْ تَعالَت، فمَن قصمتهُ العِزَّةُ، وكَبَستْهُ القسمةُ، لم يَزِدهُ ذلك إلَّا ضلالًا، فلم يَستجِدَّ إلا للشقوةِ حالًا (٤). وقال الكلبيُّ: هم المستهزئون بالقرآن، وهم خمسةُ رهطٍ: الوليد بن المغيرة،

стр. 2884

والعاص بن وائل، والأسودُ بنُ عبدِ يَغوث، والأسودُ بنُ عبد المطَّلب، والحارث بن غيطلة، أتَوا رسولَ اللَّه ﷺ في رهطٍ مِن أهلِ مكَّة، فقالوا: يا محمَّد، ابعثْ لنا بعضَ موتانا حتَّى نسألَهم عنك، أحقٌّ ما تقولُ أم باطل، فنؤمن بك؟ أو ائتِنا بالملائكة يَشهدونَ لك، أو ائتِنا باللَّه والملائكة قبيلا؛ أي كفيلًا على ما تَقولُ أنَّه الحقُّ، فنزلَت الآيةُ (١). * * * (١١٢) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾؛ أي: وكما جعلنا لك يا محمَّد أعداءً مِن المشركين، مجتمعين على عداوتِكَ، يَسألونك الآياتِ المقترحةَ، ويصوِّرونَ عند أصحابِهم أنَّك عاجِزٌ عن الإتيان بها، فكذلك جعلنا لكلِّ نبي عدوًّا، وهذه تسليةٌ له وتعزية. و ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ هم الخبثاءُ والبُعداءُ عن الخيرِ منهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤]. وقال الكلبيُّ: إنَّ إبليسَ قسمَ جندَهُ فريقَين، فبعثَ منهم فريقًا إلى الإنسِ، وفريقًا إلى الجنِّ، فشياطينُ الجنِّ والإنسِ أعداءٌ لرسولِ اللَّه ﷺ ولأوليائه، وهم يَلتقون في كلِّ حينٍ، فيقول شيطانُ الإنس لشيطان (٢) الجنِّ: أضللتُ صاحبي بكذا،

стр. 2885

فأضِلَّ صاحبَك بمثلِه، ويقول شيطان الجنِّ لشيطان (١) الإنس كذلك، فذلك وحيُ بعضِهم إلى بعض (٢). وقال قتادةُ: مِن الجنِّ شياطين، ومن الإنس شياطين، ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٣). وقال مالك بن دينار: إنَّ شياطينَ الإنسِ أشدُّ عليَّ مِن شياطين الجنِّ، وذلك أنِّي أتعوَّذُ باللَّه ذهب شيطانُ الجنِّ عنِّي، وشيطانُ الإنسِ يَجيئُني، فيَجرُّني إلى المعاصي عيانًا (٤). وقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾؛ أي: يوسوِس ويخطرُ بالبال بزخارفِ الأقوال، والزُّخرف: الزِّينة؛ أي: يُزيِّنون لهم الكفرَ والمقام على دين الآباء، فيُفسِدون قلوبَ الضَّعفةِ بذلك، ويَمنعونهم عن الإيمان، وهذا غرورٌ مِن شيطان (٥) الجنِّ بالوسوسةِ والتَّمويه، ومن شياطين الإنس بالقبول، كتزيين إبليس لأبي جهل ما زَيَّن له، وهما عدوَّان للنَّبيِّ ﷺ ، كما كان مثلُه لسائر الأنبياءِ، وهم صبَروا حتَّى أتاهمُ الفرجُ، فاقتدِ بهم يا محمَّد. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ فدلَّ أنَّ كلَّ ذلك بمشيئتِه (٦)، وكذلك

стр. 2886

قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا﴾ دليلٌ على أنَّ أفعالَ العبادِ كلَّها بخلقِ اللَّه ، فإنَّ جعلَهم عدوًّا يَخلقُ العداوةَ في قلوبهم، وعداوتُهم كفرٌ، فدلَّ أنَّ الأفعالَ (١) خيرُها وشرُّها مخلوقةٌ للَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: على اللَّه تعالى وعليكَ (٢)، فإنَّ اللَّهَ يَجزيكَ ويَنصرُك ويُخزيهِم، وهو كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ الآية [الحجر: ٣]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كلَّما كان المحلُّ أعلى، كانت البلايا أوفى، والمطالباتُ أقوى، فلمَّا كانت رتبةُ الأنبياء أشرفَ، كانت العداوةُ معهم أشدَّ وأصعب (٣). * * * (١١٣) - ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾؛ أي: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾؛ ليُغروهم (٤)، وليَميلَ إلى زخرفِ القول الذين لا يُصَدِّقون بالبعث. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾؛ أي: وليُحِبُّوا ذلك.

стр. 2887

وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾؛ أي: ولِيَكتَسبوا مِن المعاصي ما يُريدون أنْ يقترفوا، كما قال: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾؛ أي: ما تُريدُ أن تَقضيه. وقيل: أي: ولِيَجْتَهدوا في تكذيبِ الأنبياء، وصَدِّ النَّاس عنهم ما في وسعِهم، فليس ذلك بضائرٍ لهم. والصَّغْو والصُّغوُّ والصَّغَى (١): الميل، وصرفُه من باب: صنعَ وعَلِم. والاقترافُ: الاكتساب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ [الشورى: ٢٣]. وقيل: تتَّصلُ هذه الآيةُ بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾؛ لينكشف بامتحاني إيَّاك بهم إيمانُ المؤمنين، وكفرُ الكافرين. وقيل: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ وهم الأتباعُ، ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ فعلَهم ﴿مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ الرؤساء؛ أي: ليَشتركوا في الكفر. * * * (١١٤) - ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ استفهامٌ بمعنى الجَحْد، وبمعنى التوبيخ أيضًا. وقال الكلبيُّ ﵀: أي: قل لأهل مكَّة: أغيرَ اللَّه أبتغي ربًّا أعبدُه؟!. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾؛ أي: مبيَّنًا مفرَّقًا في عشرين سنة سورةً سورةً وآياتٍ آيات.

стр. 2888

وقال عطية العوفي: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾؛ أي: قاضيًا في نزول العذاب (١). وقال مقاتل: ﴿حَكَمًا﴾ في نزول العذاب ببدر، فليس أحدٌ أحسنُ قضاءً مِن اللَّه تعالى (٢). وقيل: أي: قُل للذين التمَسوا الآياتِ المقترحةَ، بعدما أخبرتَهم أنَّ اللَّهَ غيرُ مجيبِهم إليها إذْ هم متعنِّتون؛ أنَّ حكمَ اللَّه في مَن اقترحَ آيةً، ثمَّ كذَّب بها (٣) إذا أتته آيةٌ مصطَلِمةٌ، قل لهم: هذا حكمُ اللَّه فيما سألتموه (٤)، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ أطلبُ لكم حاكمًا، وهو الذي كفاكم مؤنةَ مسألة الآيات التي حكمُها هذا بما أنزلَ إليكم من الكتاب المفصَّل، الذي قد أتى على تفصيلِ ما بكم الحاجةُ إليه في دِينِكم، وهو الكتابُ الذي أتى بما يُفصِّل بين الصَّادقِ والكاذب، وفصَّل فيه الحلالَ والحرامَ، والأمرَ والنَّهيَ، والوعدَ والوعيد، والإيمانَ والكفر، ونحو ذلك، وهو الكتابُ الشَّاهدُ بصدقي. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ قيل: أي: أهلُ الكتاب الذين تَرجعون في كثيرٍ مِن أمورِكم إليهم، يَعلمون أنَّ القرآنَ منزَّلٌ مِن ربِّك بالحقِّ. قال عطاء: والمؤمنون الذين اَتيناهم القرآنَ يَعلمون ذلك (٥). وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾؛ أي: الشَّاكِّين أنَّه مِن عند اللَّه. خاطب

стр. 2889

رسولَه ﷺ ، وأرادَ به أمَّتَه؛ أي: دُوموا على يقينِكم بحقِّيَّته. وله وجوهٌ أخرُ بيَّنَّاها في سورة البقرة (١). وقيل: أي: لا تكوننَّ مِن الشَّاكِّين أنَّهم قد غيَّروا ما في كتبِهم. * * * (١١٥) - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قرأ عاصمٌ وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ وسهلٌ ويعقوب (٢): ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ لأنَّ كلامَ اللَّهِ واحدٌ لا يَتعدَّد. وقرأ الباقون: ﴿كلماتُ ربِّك﴾ (٣) على التَّفخيمِ والتَّعظيم ولموافقةِ قوله: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾؛ أي: ما أنزلتُه عليكَ مِن كلامي في الاحتجاج على المشركين قديمٌ في معاني الصِّدق والعدل (٤)، وزالَ عنه الكذبُ والجورُ في الاحتجاج، فلا أحدَ يَقدِرُ على تبديلِ شيءٍ منه، فيجعلَهُ جورًا أو كذبًا، ولزمَت به (٥) الحجَّةُ، واللَّه سميعٌ عليم؛ أي: سميعٌ لما يَقولونَه، عليمٌ بما يُريدونَه. وقيل: أرادَ به جميعَ ما وردَ في القرآن مِن وعيدهم أنَّها صدقٌ وعدلٌ، فليَستعِدُّوا له إنْ لم يَتوبوا منه.

стр. 2890

وقيل: هو في معنى قولِه ﷺ : "سبقَ القضاءُ، وجفَّ القلمُ بالسَّعادةِ لمن آمنَ واتَّقى، والشَّقاوةِ لمن كفرَ وعصى" (١)، وكلماتُ اللَّه تعالى: أقضياتُه. وقال قتادة: هي كتابُ اللَّهِ، لا يَزيدُ فيه المفترون، ولا يَنقصون (٢). وقال: هو ﴿صِدْقًا﴾ فيما وعد، ﴿وَعَدْلًا﴾ فيما حكم (٣). وقال الكلبيُّ: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ هو قولُه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ الآية [غافر: ٥١]. وعن ابن عباسٍ ﵄: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ يعني: لا إله إلا اللَّه، ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾: لا إله إلا اللَّه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ تفسير قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، ولهذا قال أصحابُنا: مَن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ أتمَّ الطَّلاق، أنَّه طلاق واحدٌ رجعيٌّ، ولا يَرجِعُ إلى تمامِ العدد، بل إلى تمامِ معنى العدل وموافقةِ الشَّرع. * * * (١١٦) - ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: تمَّت كلماتي على هؤلاء المشركين، فلا تُطِعهُم وإنْ كثُر عددُهم؛ فإنَّهم ضالُّون، وإنْ أطعتَهم أضلُّوك عن دينِ اللَّه.

стр. 2891

وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يَتَّبعون إلَّا الشَّكَ، قيل: هو قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾؛ أي: وما هم إلَّا يَكذِبون، قيل: أي: في قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾. قيل: إنَّ المشركين قالوا لرسول اللَّه ﷺ : إنَّا نعبدُ الأصنامَ، وهي في الحقيقة عبادة اللَّه؛ لأنَّا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وكانوا يقولون: هم (١) شفعاؤنا عند اللَّه، وكانوا يرتكبون الفواحشَ ويقولون: اللَّهُ أمرَنا بها، ودعَوا رسولَ اللَّه ﷺ إلى موافقتِهم، فنزلَت (٢) الآية. * * * (١١٧) - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ كان المشركون يقولون: نحن مهتدون وأنتم ضالُّون، فقال اللَّهُ تعالى هذا، وهو لطفٌ في الخطاب، وتحقيقُه: إنَّ اللَّه تعالى يَعلمُ أنَّ المشركين ضالُّون، وأنَّ المسلمين مهتدون، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ الآية [سبأ: ٢٤]، وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: تَقاصرَت علومُ الخلقِ عن إدراك غيبهِ إلَّا بقدرِ ما عرَّفهم مِن أمرِه؛ فإنَّه لا يَخفى عليه شيءٌ مِن أمورِ خلقِه (٣).

стр. 2892

(١١٨) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ قيل: اتِّصالُها بما قبلَها أنَّها في محاجَّةِ المشركين أيضًا. قال عكرمة: لمَّا نزلَ تحريمُ الميتة، كتبَ مجوسُ فارس إلى مشركي قريش: إنَّ محمَّدًا وأصحابَه يزعُمون أنَّهم يتَّبعون أمرَ اللَّه، وما ذبحَ اللَّه بسكينٍ مِن ذهب -يعنون به: ما أماته- فلا يأكلونَهُ، وأمَّا ما ذبحوه، فيأكلونَه، فكتب بذلك المشركون إلى أصحابِ محمَّدٍ ﷺ ، فوقعَ في أنفس ناسٍ مِن المسلمين من ذلك شيءٌ، فنزلت الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ (١). الشياطين: أهل (٢) فارس، وأولياؤهم: قريش، وكانت العربُ لا تَأكلُ ما مات حتف أنفِه، وإنَّما حملَهم المجوسُ -لعنهُم اللَّه- على المحاجَّة به تظاهرًا؛ لأنَّهم كلَّهم مشركون، وتعلَّق به المشركون؛ لما أنَّ المسلمين كان يَعدُّون ذبائحَهم للأصنامِ ميتاتٍ، ويَعيبونَهُم على أكلها، فأوردوا هذا النَّوعَ مِن الشُّبهةِ؛ دفعًا عن أنفسِهم هذا العيب، فردَّ اللَّهُ تعالى عليهم، وأمرَهم بأنْ يُحِلُّوا ما أحلَّ اللَّه، ويُحرِّموا ما حرَّمَ اللَّه، ومجموعُ ذلك في هذه الآية والآيات (٣) بعدها. وقال الإمام أبو منصور ﵀: صرفَ أهلُ التَّأويل (٤) الآيةَ إلى أهل الكفر بهذه القِصَّة، والأشبهُ أنْ يُصرَفَ إلى أهل الإسلام؛ لأنَّه ذكرَ في آخره: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، ويكونُ هذا في حقِّ قومٍ امتَنعوا عن الطيِّبات، كما قلنا في قوله:

стр. 2893

﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [لمائدة: ٨٧]، فنُهوا عن ذلك بتلك الآية، وأُمِروا بأكلِها في هذه الآية. أو (١) علمَ اللَّهُ تعالى أنَّ قومًا من المتقشِّفةِ والمتزهِّدةِ يُحرِّمون ذلك على أنفسِهم، فنهاهم عن ذلك. وإنْ حُمِلت الآيةُ على المشركين، فمعنى قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لما تعلمونَ أنَّ الخلقَ له، والأمرَ له، وقد بيَّن في الآيات ما تَعلَمون به ذلك (٢). * * * (١١٩) - ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: وأيُّ عذرٍ لكم في ﴿أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: عند الذَّبح. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر: ﴿فُصِّلَ﴾ و ﴿حُرِّم﴾ على ما لم يسمَّ فاعلُه (٣). وقرأ نافعُ وأبو جعفر (٤)، وعاصمٌ في رواية حفص، وسهلٌ ويعقوبُ جميعًا بالفتح (٥): ﴿فَصَّلَ﴾ و ﴿حَرَّمَ﴾ على الفعل الظاهر؛ إخبارًا أنَّ اللَّهَ تعالى فعلَ ذلك.

стр. 2894

وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر، وحمادٌ (١) وحمزةُ والكسائيُّ وخلف (٢): ﴿فَصَّلَ﴾ بفتح الفاء والصاد، و ﴿حُرِّمَ﴾ بضمِّ الحاء وكسرِ الرَّاء (٣)؛ ومعناه: وقد فصَّل اللَّهُ ذكرَ أجناسِ المحرَّمات؛ وهي الميتةُ والموقوذةُ والمنخنقةُ والمتردِّيةُ والنَّطيحةُ وما أكلَ السَّبُع، وأحلَّ المذكَّى، وهو مالكُ الأعيانِ، وشاخُ الحلالِ والحرام. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أي: المجوسُ يَحتجُّون بقولِهم: تأكلون ما أمَتُّم، ولا تأكلون ما أماتَهُ اللَّهُ تعالى، وهذا قولٌ بالهوى، والحكمُ في التَّحليلِ والتَّحريم لمالك الأعيان، وهو اللَّهُ تعالى، فالحلالُ ما أحلَّهُ اللَّهُ، والحرامُ ما حرَّمَهُ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾؛ أي: المعتدين مِن الحلالِ إلى الحرام. * * * (١٢٠) - ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أصلُ كلِّ الإثم: الشِّركُ (٤)، وظاهرُهُ: تكذيب اللِّسان، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ جحودُ القلبِ، والسُّورةُ في محاجَّةِ أهلِ الشِّرك.

стр. 2895

وقيل: هو تفسيرُ الاعتداء المذكورِ في آخر الآية التي قبلها، وهو ظاهرُ الإثمِ وباطنُه، وهو نظيرُ قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وقال قتادة: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾: سرُّه وعلانيتُه (١). وقال عطاء: قليله وكثيره. وقال مجاهد: العمل والنية (٢). وقال الكلبيُّ: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: الزِّنى، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ المخالَّة. وقال السُّدِّيُّ: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾ الزِّنى في منازلهنَّ المتَّخذةِ لها، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ الزنا بالصَّديقةِ سرًّا (٣). وعن الكلبيُّ في روايةٍ: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: طوافُ الرِّجال بالنِّساء نهارا، وباطنُه طوافُ النِّساء باللَّيل (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾ ما للأغيار عليه اطِّلاعٌ بوجه، وباطنه الإثم: ما هو سرٌ بينَك وبين اللَّه، لا وقوفَ لمخلوقٍ عليه. قال: ويُقال: باطنُ الإثمِ: خفيَّاتُ العقائدِ، ومُسترَقاتُ الألحاظ. ويقال: باطن الإثم: ما تُلَبِّسُهُ على نفسِك بنوع تأويلٍ (٥)، قال النَّبيُّ ﷺ : "استفتِ قلبَك وإنْ أفتاكَ المفتون" (٦).

стр. 2896

ويقال: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: ما يَظهرُ لجنسِك، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ ما يَختصُّ به الملَكُ الموكَّلُ بكَ. ويقال: باطَنُ الإثم على لسان أهل المجاهدات: الرُّكونُ إلى تَتبُّع الرُّخَص. وقيل: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: الشِّركُ الجَلِيُّ، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾ الشِّركُ الخَفِيُّ. قال: ويقال: أسبغت عليكم النِّعمَ ظاهرًا وباطنًا، فذَروا لي الإثمَ ظاهرًا وباطنًا، فإنَّ مِن شرط الشُّكرِ تركُ استعمالِ النِّعَم في مخالفةِ المنعِم (١). وقيل: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: رؤيةُ الأفعال، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾: طلبُ الرُّكون إليها في السِّرِّ باطنًا. وقيل: ﴿ظَاهِرَ الْإِثْمِ﴾: طلبُ الدُّنيا، ﴿وَبَاطِنَهُ﴾: طلبُ الجنَّة والنَّعيم، وهما يَشغلان عن الحقِّ، وما يَشغلُ عن الحقِّ فهو إثمٌ. وقال سهيل (٢): اتركوا المعاصيَ بالجوارح، وحبَّها بالقلبِ (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾؛ أي: يَكتسبون. * * * (١٢١) - ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾.

стр. 2897

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: عند الذبح، ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾؛ أي: إنَّ متروكَ التَّسميةِ عند ذبحِه عمدًا حرامٌ، وهو كقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقال في آخر آيةِ تحريم الميتة: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، وسُمِّيَ به؛ لأنَّ متناوِلَهُ فاسقٌ. وقيل: أي: تناولُه فسقٌ؛ أي: خروج عن الطَّاعة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾؛ أي: يُوسوسُ الشَّياطينُ إلى المشركين ﴿لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ بقولهم: تأكلون ما أمتُّم، ولا تَأكلون ما أماتَهُ اللَّهُ، وقد ذكرنا أيضًا عن عكرمة: أنَّ الشياطينَ هم المجوس، يُلقِّنون المشركين ذلك في مُحاجَّةِ أهلِ الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾؛ أي: أطعتُم الكفَّار في استحلالِ ما حرَّم اللَّه، ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ مثلَهم. والآيةُ نصٌّ على تحريمِ متروكِ التَّسميةِ عمدًا عند الذَّبْح، وهو حجَّةٌ لنا على الشافعيِّ ﵀ (١)، وتعلَّقَ بظاهرهِ داودُ بنُ عليٍّ (٢)، وحرَّمَ متروكَ التسميةِ ناسيًا، وعندنا يحلُّ ذلك، وعن ابن عبَّاسٍ وجماعةٍ أنَّ الآيةَ محمولة على تركِها عامدًا. * * * (١٢٢) - ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ

стр. 2898

فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ يَتَّصل بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وقولِه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ولا تُطيعوا المشركين فيما يَقولون، فإنَّهم ضالُّون مُضِلُّون، وليس الضالُّ كالمهتدي. وقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ﴾ الألفُ للاستفهام، والواو للعطف، وهو استفهامٌ بمعنى النَّفي، ومعناه: أو من كان كافرًا فهديناهُ؟ والموتُ هو الكفرُ، والحياةُ هي الإيمان. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ قيل: هو القرآنُ، وقيل: هو الإيمان، وقيل: هو نورُ يومِ القيامة. وقوله: ﴿يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يَمضي به بين الناس، يُرشِدُهم إلى الهدى، أو يَمضي به على السَّلامة في العقبى. وقوله تعالى: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قيل: المثلُ صلةٌ، ومعناه: كمن هو، وهو كقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: الجنَّة. وقيل: المثل: الصِّفة؛ أي: كمَن صِفتُه أنَّه: ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾، كقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]. وقيل: ذكر المثل لأنَّه ضربَ به المثل؛ أي: مثلُه كمثلِ مَن كان في الظُّلمات. وقيل: هي ظُلمات الدُّنيا. وقيل: ظلماتُ البطن. وقيل: ظلماتُ القيامة؛ أي: ليسا يَستويان. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: زُيِّن لهؤلاء الكفرةِ عملُهم فعملوه، كما زُيِّنَ لسائرِ الكفَّار عملُهم.

стр. 2899

وقال الكلبيُّ: نَزلت الآيةُ في عمَّارِ بن ياسر، صدَّقَ بمحمَّدٍ رسولِ اللَّه ﷺ ، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ إيمانًا يمشي بهِ مع المسلمين (١)، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾، يعني: أبا جهل (٢) في ظلمات الكفرِ باللَّه، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ليس بمؤمِنٍ أبدًا، ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ﴾ أبي جهلٍ وذويه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال يمانُ بن رئاب: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ هو عمرُ بنُ الخطَّاب ﵁، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أبو جهل بن هشام (٣)، وكانا جميعًا يؤذيانِ رسولَ اللَّه ﷺ ، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ لأحدِهما، فاستُجيبَ له في عمر (٤). وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنَّه قال: زاحَمْنا بني عبدِ منافٍ في الشَّرف، حتَّى إذا صِرنا كفرسَي رهانٍ -هذا مثلٌ يُضرَب به عند التساوي (٥) -، قالوا: منَّا نبيٌّ يُوحى إليه، واللَّهِ لا نؤمِنُ لهُ، ولا نتَّبعُهُ أبدًا، إلَّا أنْ يأتيَنا وحيٌ كما يأتيه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] (٦). وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ يريدُ به حمزةَ بنَ عبدِ المطَّلِب، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾؛ يَعني: أبا جهلٍ، رمى رسولَ اللَّه ﷺ بفرث،

стр. 2900

وحمزةُ لم يؤمن بعدُ، فأُخبِرَ حمزةُ (١) بما فعل أبو جهل، وبيدِ حمزةَ قوسٌ، فأقبلَ غضبان، حتَّى علا أبا جهلٍ بالقوس، وهو يقول: أبا يعلى، يَتضرَّعُ إليه ويستكين، يقول: يا حمزة، أما تَرى ما جاء به، سفَّهَ عقولَنا، وسبَّ آلهتَنا، وخالفَ آباءَنا، فقال حمزةُ: ومَن أسفهُ منكم؟! تَعبدون الحجارةَ مِن دونِ اللَّه تعالى! أشهدُ أن لا إله إلَّا اللَّه وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه (٢). وقيل: الحياةُ أنواع: حياةٌ بالرُّوح، قال تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]. وحياةُ الأرضِ بالمطر، قال تعالى: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]. وحياةٌ بالإيمان، كما في هذه الآية. وحياةٌ بالطَّاعة، كما في قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قولُه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ يَنقضُ قولَ المعتزلة؛ فإنَّهم يَقولون: العبدُ هو الذي يَجعلُ لنفسِه نورًا يَمشي به، وهو تحريفٌ لظاهرِ القرآن، وعلى هذا قولُه بعد هذا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ الآية. قوله: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ﴾ اختلف في من زيَّنها: قال الحسن: زيَّنها الشيطانُ لهم. وقال غيرُه: زيَّنها الأكابِرُ على الأصاغر. وقال قائلون: زيَّنَها اللَّه.

стр. 2901

وقال: وما أضيف إلى الشيطان فهو وسوسةٌ، وما أُضيفَ إلى الكفَّار فهو دعوة، وما أُضيفَ إلى اللَّه فهو تخليقٌ وقضيَّة (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أهلُ الغفلةِ إذا أُلهِموا الذِّكرَ، فقد صاروا أحياءَ بعد الممات، وأربابُ الذِّكر إذا اعتراهُم نسيانٌ فقد ماتوا بعد الحياةِ، والذي هو في أنوارِ القُرْب، وروحِ الاستبصار، لا يُدانيهِ مَنْ هو في أسر الظُّلمات، ولا يُساويهِ مَن هو رهينُ الآفات (٢). * * * (١٢٣) - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾؛ أي: جَعلنا في كلِّ بلدةٍ مجرميها أكابرَ ورؤساءَ للنَّاس. واتِّصالُها بما قبلها أنَّ تقديرَهُ: وكما جعلنا لمنْ أحْييناهُ بالإيمان نورًا يَمشي به، فكذلك جعلنا المجرمين أكابر، والأوَّل توفيقٌ، والثَّاني خذلانٌ. وقيل: وكما وسَّعنا على أكابرِ قريشٍ في الدُّنيا حتَّى يَرأسوا على أهل مكَّة، فكذلك فعلنا بكلِّ قومٍ في كلِّ قريةٍ، وهو إبطالُ وهمِ الكفَّارِ أنَّهم فُضِّلوا على فقراء المسلمين بما أُعطوا من الرِّئاسةِ والسَّعةِ والبَسطة. وقوله تعالى: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: ليَقولوا الكذبَ (٣)، وليَتَجبَّروا على النَّاس فيها، ويَعملوا بالمعاصي.

стр. 2902

وقيل: أي: ليَظهرَ مِنهم ما علمَ اللَّهُ منهم، وقد علمَ اللَّهُ مِنهم (١) أنَّه إذا جعلهم أكابرَ أنَّهم يَمكرون؛ (٢) أي: يَقصدون إهلاكَ الأنبياءِ في خُفية. والمعتزلة يقولون هذه لامُ العاقبة، وما جعلَهُم اللَّهُ أكابرَ ليمكروا، لكن وجدَ مِنهم في العاقبة كذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وهم ما التقطوهُ لذلك، لكن صار كذلك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا يخلو هذا؛ إمَّا أن يقال: إنَّه خلقَهم لغيرِ المكرِ والضَّلال، وهو يَعلمُ أنَّهم لا يَكونون لما يخلقُهم، وذلك ليس فعلَ حكيم؛ أنْ يَعملَ عملًا يَعلمُ أنَّه لا يكون، أو يقال: خلقَهم لذلك، وهو لا يَعلم أنَّهم يكونون كذلك، وهو جهلٌ بالعواقب، واللَّهُ تعالى يَتعالى عن ذلك، والحقُّ أنَّه خلقَهم ليكونوا على ما علمَ أنَّهم يكونون كذلك، ويختارون ذلك (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: وما يَرجِعُ ضررُ ذلك إلَّا عليهم، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: وما يَعلمون أنَّه واقعٌ بهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، وقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]. * * * (١٢٤) - ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾.

стр. 2903

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ قد بيَّنَّا قبل هذا باَيتين أنَّ أبا جهلٍ -لعنه اللَّه- قال ذلك. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: أي: إذا أنزلت عليهم آيةٌ مِن السَّماء قال الوليد بن المغيرة وأبو مسعود الثقفي: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ مِن الآياتِ فنكونَ أنبياء (١). وقيل: أي: نؤتَى من الآياتِ مثلَ ما أوتوا، فيُعظمَنا النَّاسُ (٢) بها، وهذه غاية السَّفه؛ أن يُقالَ لرجلٍ (٣): آمن، فيقول: لا أؤمن حتَّى يَجعلني اللَّهُ نبيًّا. وقال الضَّحَّاك: سأل كلُّ واحدٍ مِن القوم أنْ يُخَصَّ بالوحي والرِّسالة، كما أخبرَ اللَّهُ تعالى عنهم: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ (٤). وقال مقاتل: قال الوليد بن المغيرة: واللَّه لو كانت النبوَّة حقًّا، لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبرُ منك سِنًّا وأكثر منك مالًا، أو أنزلت على أبي مسعودٍ الثَّقفيِّ، فنزلت: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] (٥)؛ يعني: مكَّة والطائف، ونزل قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾؛ أي: ليس إعطاءُ النَّبوَّة بالشَّهوات، وإنَّما هو بتخصيصِ اللَّه بها مَن راص أهلًا لها، وهؤلاء الكفار محرومون (٦)، وعن صفاتِ الحمد مُتعَرُّون (٧).

стр. 2904

وقوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: سينالُهم ذِلَّةٌ وتَصغيرُ قدرٍ. وقوله تعالى: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ قوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ قيل: أي: من عِند اللَّه، وقيل -وهو قولُ الفرَّاء-: إنَّ أَنَفَتَهُم مِن اتِّباعِ الحقِّ صغارٌ لهم عند اللَّه (١). وقال الزَّجَّاجُ: أي ﴿صَغَارٌ﴾ في الآخرة ومجازاةٌ؛ أنَّه يَنالُهم ذلك إذا صاروا إلى جزائه (٢). وقيل: ﴿صَغَارٌ﴾ معدٌّ لهم ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾، والصغار والصُّغرُ بضمِّ الصَّاد هو الذُّلُّ، وصرفُه مِن حدِّ: عَلِم، ونعتُه الصَّاغِر، فأمَّا الصَّغيرُ الذي هو نقيضُ الكبير، فصرفُه من حدِّ (٣): شَرُفَ، ومصدرُه الصِّغَر؛ بكسرِ الصَّاد وفتح الغين. وقوله: ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ وقد أصابَهم ذلك يومَ بدر. وقيل: هو في المستهزئين به، وقد قُتِلَ كلُّ واحدٍ منهم بقتلٍ غيرِ قتل صاحبِه. وقال الإمامُ القشيريُّ ﵀: بعد إزاحةِ (٤) العِلَّة، وبيانِ الحُجَّة، وزوالِ الشُّبهة، إقدامٌ (٥) على سوءِ الأدب، وذاك محال من الحال، والتَّصدِّي لمساواةِ أهل الاستحقاق نوعٌ مِن تَسويلات النَّفس، بل موجبٌ لدوامِ الهوان والرِّجس (٦). * * *

стр. 2905

(١٢٥) - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾؛ أي: فمَن يشاءُ اللَّهُ أنْ يُرشِدَهُ ويُثبِّتَ له صفةَ الاهتداء؛ يُوسِّع قلبَه للانقياد للحقِّ، والتأمُّلِ في الآيات للقَبول والأخذ، فخَفَّ عليه اتِّباعُ مَن اختارهُ اللَّهُ تعالى للرِّسالة، وخرجَ مِن أن يكونَ مجرِمًا يَنالُهُ الصَّغارُ والعذابُ الشَّديدُ في الدُّنيا والآخرة، وإنَّما يريدُ ذلك في حقِّ مَن علمَ منه اختيارَ الرُّشدِ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾؛ أي: يَخذلَه، ويُثبِّتَ له صفةَ الضَّلالة. وقوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ قرأ نافع وأبو جعفر وسهل (١)، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمَّاد (٢): ﴿حَرَجًا﴾ بكسرِ الرَّاء، والباقون بالفتح (٣). وقال سيبويه: بالفتح مصدرٌ، وبالكسر نعتٌ، وهو أشدُّ الضِّيق (٤). وقيل: هما واحدٌ كالدَّنِف والدَّنَف، والوَحِد والوَحَد، والفَرِد والفَرَد، وللنَّعت كلاهما. وروى محمد بن جريج: أنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب ﵁ أتى على هذه

стр. 2906

الآية، فرأى راعيًا، فسأله (١): ما الحرج؟ قال: هي الشَّجرةُ التي لا تصِلُ إليها الرَّاعية؛ لالتفافِ أغصانِها، واحدتها حرجة (٢). وقال عبيدُ بن عمير: قرأ ابنُ عبَّاس ﵄ هذه الآية، فقال: هل هاهنا أحدٌ مِن بني بكر؟ فقال رجلٌ: نعم، فقال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثيرُ الشَّجر، المستمسِكُ الذي لا طريق فيه، فقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كذلك قلبُ الكافر (٣). وقال النَّضرُ بن شميل: ﴿حَرَجًا﴾؛ أي: قلقًا (٤). وقال قتادة: ملتبسًا (٥). وقال مجاهد: أي شاكًّا (٦). وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ (٧). وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ قرأ ابنُ كثير: ﴿يَصْعَدُ﴾ مخفَّفًا، مِن الصُّعود، وهو الرُّقيُّ.

стр. 2907

وقرأ عاصم في روايةِ أبي بكرٍ وحمَّاد (١): ﴿يصَّاعد﴾ مشدَّدًا مع الألف. والباقون: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ (٢) مشدَّدًا بغيرِ ألف، وأصله: يتصعَّد؛ أي: يَتكلَّفُ الصُّعود، فأُدغِمت التَّاءُ في الصَّاد، كما في قوله: ﴿يُذْكَرِ﴾. و ﴿يصَّاعد﴾ أصله: يتصاعد، وأُدغمَت التَّاء في الصَّاد. وقال مقاتل بن سليمان: أي: لا يَقدِرُ على الإيمانِ مَن أضلَّهُ اللَّهُ تعالى عن الهدى، كما لا يَقدِرُ المتكلِّفُ على الصُّعودِ إلى السَّماء (٣). وهذا الإضلالُ والخُذلان في حقِّ مَن علمَ اللَّهُ منه اختيارَ الضَّلال، والآيةُ دامغةُ المعتزلةِ في إنكارِهم الهدايةَ والإضلالَ مِن اللَّهِ تعالى. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: العذاب، وقيل: الإثم، وقيل: اللَّعن، قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١] (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن شرح اللَّه صدره للإسلام فآيتُه ألَّا يَتحرَّك في باطنِه عِرْقٌ لمنازعةِ التقدير (٥)؛ لأنَّ الإسلامَ يَقتضي تسليمَ الكُلِّ، ومَن استثقلَ شيئًا مِن التَّكليفِ، أو بقيَ فيه نفسٌ لكراهةِ شيءٍ فهو غيرُ مستسلمٍ لحكمِه.

стр. 2908

ويقال: نورٌ في البداية هو نورُ العقل، ونورٌ في الوسائط هو نورُ العلمِ، ونورٌ في النِّهايةِ هو نورُ العرفانِ، فصاحبُ العقلِ مع البُرهان، وصاحبُ العلمِ مع البيان، وصاحبُ المعرفةِ في (١) حكم العِيان. ويقال: مَن وَجَدَ أنوارَ الغيبِ، ظهرَ له خفايا الأمورِ، ولم يُشكِل عليه شيءٌ عند ظهورِ النُّور، قال النبيُّ ﷺ : "اتَّقوا فراسةَ المؤمنِ؛ فإنَّه يَنظرُ بنورِ اللَّهِ تعالى" (٢). ويقال: أوَّل آيةٍ لأنوارِ الغيبِ في العبد: تنبِّهُهُ على نقائصِ قدرِه، ومساوئِ عيبِه، ثمَّ تَشاغُلُه عن شهودِ نفسِه بما يَلوحُ له مِن شهودِ ربِّه، ثمَّ غلباتُ الأنوارِ على سِرِّه، حتَّى لا يشهدَ السرَّ بعدما كان يشهد، كالنَّظرِ في قرصِ الشَّمس، يَستهلِكُ أنوارَ بصرِه في شُعاع الشَّمس، فكذلك تستهلِكُ أنوارُ البصيرة حقائقَ الشُّهود، وفيه خمود العبدِ بالكُلِّيَّة، وبقاءُ الأحديَّةِ بنعتِ السَّرمديَّة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: يعني الإسلام (٤)، وقد ذكر في الآية الأولى. وقال ابنُ مسعود ﵁: هو القرآنُ (٥)، وقد ذكر قبله بآيات (٦). و ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نُصِب على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ ذُكِرَت بعد معرفة. وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ أي: يتذكرون، ومعناه: يتَّعِظون.

стр. 2909

(١٢٧) - ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: للمتذكِّرين الجنَّة. وقال الحسنُ والسُّدِّيُّ: السَّلام هو اللَّه تعالى (١)، والدَّارُ أُضيفَت إليه. وقال الزجاج: أي: دارُ السَّلامة الدَّائمةِ مِن كلِّ آفةٍ وبليَّةٍ (٢). وقيل: هي دارُ السَّلام الذي هو التَّحيَّة، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤]. وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مضمونةً عند ربِّهم، حتَّى يوصلَها إليهم. وقيل (٣): أي: هي (٤) في الآخرةِ يُعطيهم إيَّاها. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾؛ أي: حبيبُهم، وقيل: ناصرُهم، وقيل: متولِّيهم، وقيل: حافظُهم. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: مِن الطَّاعات؛ أي: يتولَّاهم بكرمِه وفضلِه ونُصرتِه؛ جزاءً لهم بأعمالِهم الصالحة. وقال الحسينُ بنُ الفضل: يتولَّاهم في الدُّنيا بالتَّوفيق، وفي الآخرةِ بالجزاء (٥). وقال الإمام القشيريُّ ﵀ (٦): دارُ السَّلام: دارُ السَّلامة (٧)، ومَنْ كان في

стр. 2910

رِقِّ شيءٍ مِن الأعراض، لم يجدِ السَّلامة، وإليه تشيرُ أنَّ القومَ في الجنَّة، لكنَّهم ليسوا في أسْر الجنة. ويُقال: من لم يسلم اليوم عن الكونين، لم يجد غدًا سلامَ مكوِّنِ الكَونين. ويُقال: دارُ السَّلام غدًا لمن سَلِمَ اليومَ لسانُه مِن الغيبة، وجَنانُه مِن العيبة، وظاهرُه مِن الزَّلَّةِ، وباطنُه مِن الغفلةِ، وعقيدتُه مِن البدعةِ، ومعاملتُه مِن الجفوة، وأعمالُه مِن الرِّياءِ والسُّمعةِ، وأحوالُه مِن العُجبِ والملاحظة. ويقال: قيمةُ الدَّار بالجار، قال قائلهم: إنِّي لأحسُد جارَكُم (١) لجوارِكُم... طُوبى لِمَنْ أضْحى لدارِكَ جارَا يا ليتَ جارَك باعَ لي مِن دارِه... شِبْرًا لأعطيه بِشبرٍ دارا والحقيقةُ وإنْ كانت منزَّهةً عن قَبول الجِوار، وليس القربُ مِنه بتداني (٢) الأقطار، فإطلاقُ هذا اللَّفظِ مؤنِسٌ لقلوب الأحباب، وقاطعٌ للوسائطِ والأسباب. ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ الذي آثرَهم على أشكالهم، فآثروه في جميع أحوالهم، وليُّهم في أولاهم، ووليُّهم في أخراهم، وليُّهم الذي يَطلب رضاهم، وليُّهم الذي لم يَكِلهُم إلى هواهم، لا إلى دنياهم، ولا إلى عُقباهم، وليُّهم الذي بإفضالِه يُلاطِفُهم، وبجمالِه وجلالِه يُكاشِفُهم، وليُّهم الذي اختطَفهم عن كلِّ حظٍّ ونصيب، وحالَ بينَهم وبين كلِّ حميمٍ ونسيب، وليُّهم الذي حرَّرهُم مِن كلِّ مرجوٍّ ومرهوب، وممنوعٍ وموهوب، وليُّهم الذي ليس لهم سواه، وليُّهم الذي لا يشهدون إلَّا إيَّاه، لا في بدايتِهم يَقصِدون غيرَه، ولا في وسائِطهم يَشهدون غيرَه، ولا في نهايتِهم يَجدون غيرَه (٣).
следующие страницы →