← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وقيل: قولُه تعالى: ﴿اهْدِنَا﴾؛ أي: ثبِّتنا على طريق الذين أنعمتَ عليهم بتوفيقِهم لحمدك (١)، ورؤيتِهم استحقاقَ الحمدِ لك دون غيرِك، لا على طريق ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ الذين استَجازوا (٢) حمدَ غيرك، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الذين إذا حَمِدوك شاهدوا فعلَهم في حمدك (٣)، وغفلوا عن رؤية منَّتك في توفيقِهم لحمدك (٤). وقيل: أي: ثبِّتنا على طريق الذين أنعمتَ عليهم فقلتَ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، واعصِمْنا عن طريقِ المغضوب عليهم والضالِّين الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فاجعَلْنا من أحبَّائك (٥) الذين صحَّ لهم المعنى، ولا تجعَلْنا من أعدائك الذين قطَعَهم عنك كاذبُ الدَّعوى. وقيل: أي: ثبِّتْنا على طريقِ الذين أنعمتَ عليهم فرضِيْتَ عنهم إذا رضُوا عنك بما كان عليهم منك، ولا تجعَلْنا من الذين (٦) غضبْتَ عليهم إذا سَخِطوا عنك بما أصابهم من مكروهٍ سَبق به القضاءُ منك، ولا من الذين ضلُّوا عن الطريق، بأنْ قصَدوا في سلوكِ الطريقِ عينَ الطريق، وإنما أُمروا بسلوك الطريقِ للوصول (٧) إلى مَن أمَرهم بسلوك هذا الطريق، فإذا نازَلوا الطريق فقد انقطَعوا عن الوصول، وحُجبوا عن الدخول، وليس كلُّ مَن وصَل دخل (٨)، ولا كلُّ مَن دخَل قرُب، ولا

стр. 317

كلُّ مَن قرُب بُرَّ، ولا كلُّ مَن بُرَّ خُصَّ، ولا كلُّ مَن خُصَّ بُقِّي (١)، فكم مِن مقرَّبٍ بُعِّدَ ومختصٍّ طُرد. ثم ذكر هاهنا الهدى والصِّراط، فأضاف (٢) الهدى إلى نفسِه في قولهِ ﷻ : ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠] وأضافَهُ إلى العباد في قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأضاف الصِّراط إلى نفسه في قولهِ عزَّ وعلا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣]، وأضافهُ إلى العباد في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وكذا قال في الدِّين: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] ثم قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وذلك (٣) لوجوهٍ: أحدُها: أن ذلك كلَّه له (٤) شرعًا ولنا نفعًا، هو الذي شرَع ذلك وجعَل لنا نفعَ ذلك، ولأنها له ارتضاءً واختيارًا ولنا سلوكًا وائتمارًا، ولأنه أيضًا أضافه إلى نفسه قَطْعًا لعَجَب العبد ثم أضافها إلى العبد تسكينًا لقلبِ العبد، ولأنه أضافها إلى العبد تشريفًا له وتقريبًا ثم أضافها إلى نفسه قطعًا لطمع إبليسَ عنه وتخييبًا. وهذا كما قيل: لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] قال اللَّعين (٥): إنْ لم أقدِرْ على سلب عزَّةِ اللَّه وعزَّةِ رسوله أسلُبُ عزةَ (٦)

стр. 318

المؤمنين، فقال اللَّه ﷻ : ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]، فقطَع طمعه عن ذلك. وقول القارئ: (آمين) بعد تمام السورة (١) فيه لغتان (٢): (أَمِينَ) بالقصر، قال الشاعر: تباعَدَ مِنِّي (٣) فُطْحُلٌ إذ لَقِيتُهُ... أَمِينَ فزاد اللَّه ما بَيننا بُعدًا (٤) و (آمِينَ) بمدِّ الألف، قال الشاعر: ياربِّ لا تَسْلُبَنِّي حبَّها أبدًا... ويرحمُ اللَّهُ عبدًا قال آمينًا (٥) و (آمين) بالإمالة لغةٌ، وهي قراءةٌ أيضًا (٦). ولو قيل: (آمِّين) بالتشديد فهو خطأٌ في هذا الموضع، وذكر شمسُ الأئمَّة أبو محمدٍ عبدُ العزيز بنُ أحمدَ الحَلْوانيُّ ﵀ (٧) وجهًا لهذا؛ تصحيحًا لكلام

стр. 319

العامَّة، وصيانةً لصلاتهم (١) عن الفساد، أن معناه: ندعُوكَ قاصدينَ إجابتَك. فإن تفسير الآمِّين بالتشديد هم القاصدون، قال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. وعن جعفرِ بن محمدٍ الصَّادقِ أنه فسَّره بما يدل على أنه كان يشدِّده (٢)، فإنه قال: أي: قاصِدِين نحوك وأنت أكرمُ مِن أن تخيِّبَ قاصِدَك (٣). وكذلك قال الحسينُ بن الفضل البَجَليُّ: معناه: قصَدْناك بهذا الدعاء فأَجِبْه لنا. وفي (٤) إعرابه وجوهٌ. أفصحُها (٥): الفتحة، وهي القراءة الظاهرةُ، ووجهُه: أنه من الأدوات وهي مبنية، والأصل في (٦) البناء السكونُ، وعند الْتِقاء الساكنَين يُضطرُّ إلى التحريك فيُفتح؛ لأن الفتحة أخفُّ الحركات كما في سوف وكيف وأين، وقد يسكَّن للوقف، وقد يُكسَر أيضًا لأن السَّاكن إذا حرِّك كُسر، وقد (٧) قال الشاعر: فإنْ تُصِبْكَ من الأيام جائحةٌ... لم نَبْكِ منك على دُنيا ولا دِينِ

стр. 320

ولا نقولُ إذا يوما نُعيتَ لنا... إلا بآمينِ ربَّ العرشِ آمينِ (١) أي: لا نقول إلا: اللهمَّ استجِبْ لنا (٢). وقد ذُكر فيه الرفعُ على النداء، على تأويلِ مَن جعَله اسمًا للَّه تعالى، كأنه قال: يا آمينُ. فأمَّا تفسيرُه: ففيما رواه ابنُ عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ : "ربِّ افعَلْ" (٣). وقال ابن عباسٍ ﵄: معناه: كذلك يكون (٤). وقيل: أصلُه فارسيةٌ، ومعناه (٥): مُهيمنٌ. وقال مجاهدٌ: هو اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى (٦)، ومعناه: أنه آمنٌ من الزوال، ومأمونٌ من جَوره، ومؤتمَنٌ على كلِّ شيءٍ، ومهيمنٌ؛ أي: شهيدٌ.

стр. 321

وقال [عبدُ الرحمن بن] زيد بنِ أسلمَ: (آمين) كنزٌ من كنوز العرش لا يَعلمُ تأويلَه إلا اللَّهُ تعالى (١). وأمَّا فتحُه على تفسيرِ مَن جعَله اسمًا للَّه (٢) تعالى -ومِن حقِّه الرفعُ لأنه نداءٌ- فلأنه نداءُ نُدْبةٍ، وأصله: يا أميناه، وحُذفت الهاء والألف تخفيفًا فبقيتِ النونُ على الفتح. ثم هي عند مجاهدٍ من السورة (٣)، وعند غيرِه ليست منها. ورُوي أنَّ النبي ﷺ لمَّا قرأ الفاتحة قال له جبريل: قُلْ: آمين (٤). وقال ﵇: "آمين خاتَمُ ربِّ العالَمِين على عباده المؤمنين" (٥). وسمع ﵊ رجلًا يدعو ليلًا، فقال له عليه الصلاة السلام: "اخْتِمْ بآمِينَ وأَبْشِرْ" (٦).

стр. 322

وروَى ابنُ عُمرَ ﵄ عنه ﷺ أنه قال: "الدَّاعي والمؤمِّنُ شريكان" (١)، يعني به قولَه تعالى: مي قَالَ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]. وقال ﵊: "إذا قال الإمامُ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإن الإمام يقولُها والملائكةُ تقولُها، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه" (٢). وفارسية التعوُّذِ والتسميةِ والفاتحة على بسطٍ يأتي على أكثرِ الأقاويل فيها: (هداي اند خسم وبناه من خواهم، ونكاه داشت متجواهم، دامان متجواهم، وناوي متجواهم، وفرياد مي خواهم بهداي كه معبود بحق اللَّه واند خسر اده خلق أست واله كشده أهل شوق أست وقديم وأزك أست وعظيم وعلى أست وعقلها حيران أست در عظمت أو ود لها با أرام أست در مشاهدة أو ديدها محجوب أست در دينا أردويت أو أرديور يده ورايده ودرحوت وهلاكت مانده وبي ورمان لي درمان نا عدوان باطغيان مي كنم بنام خداي بخشنده بخشانيده هنده أمر زنده هانفد سانيده خواننده خواهنده فكويند سباس وستائش مرخد أي راسد دخن أخبار داري وسباس مرخد أي راجون ابتدا داري وجامع مربعاني حمد را ابن بود بنا مر خد أي رزكه تهمة تناها سن أست وشكر وراس همه يعميها لدى حدوتي عنتها أست

стр. 323

ورضا بقضاوي بدحكم وبادشاتي وراست وستايشها همه وراكه صفات وي سري مدحت وتناست أفريد كار ومر دركا رهمه جهانيان أست ودره حيري بر ألوهيت وربوبيت ووحدانيت بر قدرت أو شان أست وروي دهنده بند كان أست كسانيده نوعا صيان أست بادشاه وروي وسخيزات كه دروي حساب وجزا وحكم وقضا وكدامت موحدان وتواحت مطيعان وخضوع جباران وقهر قهاران وجحود كافران أست درانيم برأخوانيم وتراخواهيم وبرثيات وتراباشيم وترابرشيم وإياك نستعين وياري ارتواخيم برتبات برايمان وكرار دقومان ومخالفت شيطان وكشيدن باركران ويسكان داس أشكار أونهان بدارها وأبدراه إيمان موافقت قومان ومتابعت أنبياء وناران وهمت نيكواكاران وتوفيق ده مارا بر طاعات وبيقر أي مار أبريقين وتعت وبنش فرشت ما راد دراه جنت ونكاه دار ما راين طريق سنت ودور دارمادا ارجهودان وترسايان وراندينان كم راهان وناكر وندكان وهو أداران وخدمت نا أرند كان ومن نابيند كان ودررفت راه يراه بسنده كنبد كان ودر كر دكار بكار بسنده كفعد كان آمين أي موا حوف فتاني ودر فعل توجور وجفاني ودرقول نو خلف وخطابي ودر علم توهيج حيدرا جفاني همنن دمكهحوا استيم كه خزتوا جانب كشده دعائي) (١).

стр. 324

ثم من لطفِ اللَّه ﷻ أنْ أكرَمَنا بهذه السورةِ، وأتمَّ لطفَه علينا (١) بمحمدٍ رسولهِ ﷺ نبيِّ الرحمة، فقال في أول هذه السورةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وقال في حقِّ محمدٍ (٢) نبيِّه ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩]. ثم قال هاهنا: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقال في حقِّ رسوله: ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣) [الأنبياء: ١٠٧]. ثم قال هاهنا: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقال في حقِّ رسوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. ثم قال هاهنا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال في حقِّ رسوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ﴾ [التوبة: ٣٣]. ثم قال هاهنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقال في حقِّ رسوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦]. ثم قال هاهنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقال في حقِّ رسوله ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].

стр. 325

ثم قال هاهنا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وقال في حق رسوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: ٦]. ثم قال هاهنا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وقال في حق رسوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]. ثم يقولُ قارئ السورةِ: آمين، وهو خاتمُ ربِّ العالمين، والمصطفى محمدٌ (١) خاتمُ النبيين، اللهم صلِّ عليه وسلم عليه وعلى سائرِ الأنبياء والمرسلين (٢)، والحمدُ للَّهِ ربِّ العالَمِين. * * *

стр. 326

سورة البقرة

стр. 327

سورة البقرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الذي أنزل الكتابَ بلا ريب، الرحمنِ الذي لَطَف بالمؤمنين المتَّقين بالغيب، الرحيمِ الذي مَنَّ على المقصِّرين بسَتر العيب. وانتظام هذه السورة بالفاتحة من سبعةِ أوجهٍ: بواحدٍ واثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ وخمسةٍ وستةٍ وسبعةٍ. أما الواحدُ: فالفاتحة أمُّ الكتاب، وافتتاحُ هذه السورةِ بـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ولأن الفاتحة أولُ سورةٍ أُنزلت بمكةَ والبقرةَ أولُ سورةٍ أنزلت بالمدينة. وأما الاثنان: فإن الفاتحة قسمان: ثناءٌ ودعاءٌ، وهذه السورة أولُها ثناءٌ وآخرُها دعاءٌ، فإن: ﴿الم﴾ فيها أقاويلُ كثيرةٌ: منها: أنه اسم اللَّه الأعظم. ومنها: أن معناه: أنا اللَّه اللطيف المجيد. ومنها: أنا اللَّه أعلم. وذاك (١) ثناءٌ على اللَّه، وآخِرُ السورةِ سؤالاتُ الحاجات من اللَّه ﷻ . وأما الثلاثةُ: فإن أولَ الفاتحة بيانُ ألوهية اللَّه تعالى وربوبيَّته، ورحمتهِ وملكه،

стр. 328

وفيه تعليمُ توحيدِ اللَّه تعالى ومعرفتِه، ووسطَها إخبارُ العبد عن عبادتهِ وعُبودته (١) واستعانتهِ، وهو تعريفُ العبد سلوكَ طريق شريعتهِ وحقيقته، وآخرَها سؤالُ الثبات على ذلك والعصمةِ من مخالفته، وفيه تلقينُ العبد الرجوعَ إلى اللَّه تعالى في طلبِ مصالحِ دنياهُ وآخرتهِ. ومجموعُ هذه السُّورة أقسامُ هذه الصُّورة، فإنه ذكَر الإيمانَ في أوَّلها وأثنائها وآخرِها: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، والآياتُ التي فيها بيانُ وحدانيَّته ﷻ (٢): ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٥]. وذكر نفسَ العبادة في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. وتفاصيلَ العبادة: من الصلاةِ واستقبالِ القبلة فيها والخشوعِ فيها، والصومِ والزكاةِ وسائرِ الصَّدقات والنَّفقات، والحجِّ والعمرةِ والجهادِ والاعتكافِ والوصيةِ وإيتاءِ المالِ على حبِّه. وتفاصيلَ العبودة (٣): من التَّقوى والصبرِ والشكرِ واجتنابِ الخمر، والوفاءِ بالعهد وتركِ الحرام، والانقيادِ للأحكام من القصاصِ والطلاقِ والنكاحِ والمتعةِ والإنفاقِ والعِدَّةِ والرَّجعةِ والرَّضاعِ والإيلاءِ والحيضِ والولادةِ، والمبايعاتِ والمدايَناتِ والرُّهونِ والأماناتِ في تفاريقِ الآيات.

стр. 329

وذكر الدَّعواتِ من آدم في أوَّلها ومن إبراهيمَ صلواتُ اللَّه عليهما في وسطِها، ومن المؤمنين من سؤالِ الحُسنيين من بعدها، ومن المصطفى ﷺ ومن (١) الأمة في آخرها. وأما الأربعةُ: فإن الفاتحة لمَّا أُنزلت أولَ شيءٍ وقرأها النبيُّ ﷺ وسمعَها الناس وفيها دعاءٌ إلى التوحيد وغيرِ ذلك مما قلنا، صار السامعون أربعةَ أصنافٍ: صنفٌ: كانوا (٢) عبدةَ الأصنام (٣)، فآمَنوا به ظاهرًا وباطنًا. وصنفٌ: كانوا أهلَ الكتاب ومؤمنين بالماضين من الرسل، فآمنوا به ظاهرًا وباطنًا أيضًا. وصنفٌ: كفروا به وكذَّبوه ظاهرًا وباطنًا. وصنفٌ: خافوا سيفَه فآمَنوا به ظاهرًا وكفروا به باطنًا. فذكَرهم اللَّه تعالى جميعًا في أول هذه السورة: فإن قولَه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآيةَ في الصِّنف الأول. وقولَه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ في الصِّنف الثاني. وقولَه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٤) الآيتين في الصِّنف الثالث. وقولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآياتِ في الصِّنف الرابع.

стр. 330

وأمَّا الخمسة: فالأفعالُ المذكورةُ في الفاتحة خمسةٌ: الحمد والعبادة والاستعانة والاهتداء والضلالة: فالحمد على النِّعم وفي هذه السورة تعديدُها، والعبادةُ على وجوهٍ وفي هذه السورة تفصيلُها، والاستعانةُ على أمورٍ وفي هذه السورة تبيينُها، وفي الاهتداء به مثوباتٌ وفي هذه السورة تقريرُها، والضلالُ عليه عقوباتٌ وفي هذه السورة تكريرُها (١). وأما الستةُ: فالمذكورةُ في أولِ آيات الفاتحة: العالَمون، وأكثرُهم على أنه اسمٌ لأهل الحياة منهم دون الجماد؛ لجمعه بالياء والنون، وهم ستةٌ: الملائكةُ والجنُّ والإنسُ والشياطينُ والدوابُّ والطيور. كما حكَينا عن أبي حذيفة (٢)، وهم كلُّهم مذكورون في هذه السورة. فأمَّا الملائكةُ: فقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٩٨]، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ١٦١]، ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وأمَّا الجنُّ: فقد ذكر إبليس وذكر في آيةٍ أنه كان (٣) من الجنِّ. وأمَّا الإنسُ: فقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وكرَّر ذلك. وأمَّا الشياطينُ: فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢].

стр. 331

وأمَّا الدَّوابُّ: فهي كلُّ ما يَدبُّ على وجه الأرض من السباع والبهائم والهوَامِّ، وقد ذُكر فيه من السباعِ الخنزير، ومن البهائم البقرةُ والعجلُ وما استَيْسَر من الهدْي، ومن الهوامِّ الحيةُ وهو في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] وكان فيهم الحيةُ، وأمَّا الطيورُ فقد ذُكر منها في قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وأما السبعة: فالفاتحةُ سبعُ آياتٍ، وكلماتُ آياتها (١) مذكورةٌ في سورة البقرة: فـ ﴿الْحَمْدُ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. و (اللَّهُ) في آياتٍ. و ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. و ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه ذكرُ يوم القيامة، وفي سورة البقرة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] وهي آخرُ آيةٍ نزلت، وهي أبلغُ آيةٍ نزلت (٢) في ذكر يومِ القيامة. و ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ في قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ونحوِه. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]. وقولُه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقولُه: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ في قوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، وقد أُريد به الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، وذُكر من الأنبياء في سورة البقرة: آدمُ،

стр. 332

وإبراهيمُ، وإسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ، والأسباطُ، وموسى، وهارونُ، وداودُ، وسليمانُ، وعيسى، وحِزقيلُ (١)، وأشموئيل (٢)، وعزيرٌ، صلوات اللَّه عليهم. وعلى العموم في قوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وفي قولهِ: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقولُه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾: ذُكر الغضب في قوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، والضلالُ في قولهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقولهِ تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ثم هم اليهودُ والنصارى، وأكثر صدر السورة في ذكرهم، إلى أن قال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٢٠]. ثم السورةُ تُدعَى سورةَ البقرة، ومِن الناس مَن قال: يقالُ: السورةُ التي يذكر فيها البقرةُ، ويُستقبَحُ إضافةُ السورة إلى البقرة، وكذا سورةُ النحل ونحوُها. والصحيح: أنه لا حاجة إلى هذا التكلُّف، فإن المراد من هذه الإضافةِ هو ما قال: إنها ذُكرت فيها، وقد قال النبيُّ ﷺ : "سنامُ القرآنِ سورةُ البقرة" (٣)،

стр. 333

وفي ذلك أحاديث كثيرة (١)، فثبت (٢) إطلاقُ هذا الإطلاق. ثم هذه السورة مدنيةٌ إلا آيةً منها نزلتْ يومَ النحر بمنًى في حِجَّةِ الوداع: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، وهي آخرُ آيةٍ نزلت بمكة (٣)، وقد نزلت بمكةَ خمسٌ وثمانون سورةً أولُها سورة الفاتحة وآخرها ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾. ونزل سائرُها بالمدينة، وهي تسعٌ وعشرون سورةً أولُها سورة البقرة وآخرُها سورة المائدة. وحروفُ سورةِ البقرة (٤): خمسٌ وعشرون ألفًا وستُّ مئةٍ وثمانيةٌ وخمسون (٥). وكلماتُها: ستةُ آلافٍ ومئةٌ وستَّ عَشَرةَ كلمةً. وآياتُها: مئتان وأربعٌ وثمانون آيةً عند أهل الشام، وخمسٌ عند أهل مكة

стр. 334

والمدينةِ، وستٌّ عند أهل الكوفة، وسبعٌ عند أهل البصرة؛ لاختلافهم في مواضعَ منها أنه تمامُ الآية أو وسطُها. وفي بعضِ الأخبار: أنها لو كَملتْ (١) ثلاثَ مئةِ آيةٍ لتكلَّمت. ومعناه: أن السورة آتيةٌ على أكثر الأحكام والأصولِ العِظام، وبقيت عدَّةُ أحكامٍ ذُكرت في غيرها، ولو كانت في هذه السورةِ لصرَّحت بجميع ما بالناس إليه حاجةٌ من علوم الدِّين. وفي هذه السورة: خمسةَ عشرَ مَثَلًا، وخمسَ مئة حُكمٍ، وفيها أطولُ آيةٍ وهي آيةُ المدايَنة، وهي مئةٌ وثلاثون كلمةً، وفيها قريبٌ من عشرين حُكمًا. قوله تعالى: ﴿الم﴾ (٢): وافتتاح (٣) هذه السورة بالحروف المقطَّعة، وتسعٌ (٤) وعشرون من سورِ القرآن مفتَتحةٌ بها. وفي هذه الحروف -يعني: ﴿الم﴾ - التي افتُتحت بها هذه السورةُ قريبٌ من ثلاثين قولًا: قال أبو بكرٍ الصدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه: للَّه تعالى في كلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّ اللَّه عز وعلا في القرآن (٥) هذه الحروف التي في أوائل السور (٦). وقال عمرُ رضي اللَّه تعالى عنه: لكلِّ كتابٍ زينةٌ، وزينةُ القرآن حروفُ التَّهجِّي.

стр. 335

وقال عليٌّ ﵁: إنَّ لكلِّ كتابٍ صفوةً، وصفوةُ القرآن حروفُ التهجِّي (١). وقال ابن عباسٍ ﵄: هي من المكتوم الذي لا يفسَّرُ (٢). وقال الضحَّاك ﵀: عجزتِ العلماء عن تفسير الحروف المقطَّعة. وقال ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ: ألِفٌ اللَّه، لامٌ لطيفٌ، ميمٌ مجيدٌ (٣). وفي روايةٍ: معناه: أنا اللَّه أعلم، وفي (٤) ﴿المص﴾: أنا اللَّه أَعْلمُ وأَفْصِلُ، و ﴿الر﴾: أنا اللَّه أرى (٥). وعنه في روايةٍ: ألفٌ: اللَّه، لامٌ: جبريل، ميمٌ: محمد (٦)؛ أي: اللَّهُ أنزل جبريلَ على محمدٍ بالكتاب (٧). وقال ابن مسعودٍ ﵁: إنها اسمُ اللَّه الأعظم (٨). وقال الحسن وسعيد بن جُبير: هذه الحروفُ إذا أُلِّفت ضربًا من التأليف كانت

стр. 336

أسماءً للَّه تعالى وإنْ كنا لا نقف على تأليفها. وذلك لأن (١) قوله: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ن﴾ رؤوس ثلاث سورٍ، وإذا جُمعت صارت: الرحمن (٢)، وهو اسمٌ عظيمٌ (٣) من أسماء اللَّه تعالى. وقال قتادةُ: إنها أسماءُ القرآن (٤). وقال عبدُ الرحمنِ بنُ زيد بن أَسْلمَ: إنها أسماء السور (٥). وقال مجاهد: إنها فواتحُ يَفتتحُ اللَّه تعالى بها كتابه (٦). وقال سعيد بن المسيِّب: إنها في ذكرِ الكوائنِ والفتن. وقال أبو العالية: إنها في مدةِ قومٍ وآجالِ آخَرين (٧). وقال الربيع بن أنسٍ: ما فيها من حرفٍ إلا وهو في ذكر آلائه ونَعْمائه (٨). وقال جماعةٌ: الألفُ افتتاحُ اسمهِ لإلهِ والأحدِ والأولِ والآخِرِ والأمين، واللامُ افتتاحُ اسمه اللطيفِ، والميمُ افتتاحُ اسمه الملكِ والمجيدِ والمنَّان.

стр. 337

وقال محمد بن كعبٍ القُرَظيُّ: الألفُ آلاءُ اللَّهِ، واللامُ لُطفُه، والميمُ مَجْدُه (١). وقال أبو فاختةَ: هذه الحروفُ أمهاتُ الكتاب (٢)، منها استُخرج هذا القرآن (٣)؛ أي: نُظِمَ وركِّب (٤)، وأُنزلتْ مقطَّعةً ليُعلَم أنها من الحروف المعجَمة التي نزلت (٥) على آدم ﵇ مقطَّعة. وقال عبد العزيز بن يحيى: معنى هذه الحروفِ: أنَّ اللَّه تعالى ذكرها فقال: اسمعوها مقطَّعةً، حتى إذا (٦) وردتْ عليكم مؤلَّفةً كنتُم عرفتُموها قبل ذلك، وكذلك تُعلَّمُ الصبيانَ أولًا مقطَّعةً، فكأنَّ اللَّه تعالى أسمعَهم مقطَّعةً مفردةً (٧) ليعرفوها إذا وردت عليهم مفرَّقةً، ثم أسمعهم مؤلَّفةً (٨). وقال أبو رَوقٍ: إن الكفار لمَّا قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وتواصَوا بالإعراض عنه، أراد اللَّه تعالى لِمَا أحَبَّ من صلاحهم ونَفْعهم أن يُورد

стр. 338

عليهم ما لا يَعرفونه ليكونَ (١) ذلك سببًا لإسكاتهم (٢) واستماعهم لِمَا يَرِدُ عليهم من القرآن، فأنزل هذه الحروف وكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجِّبِين: استمعوا (٣) إلى ما يجيء به محمدٌ، فإذا أصغَوا فاستمعوا (٤) هجَم عليهم القرآن (٥) فأَولجه مسامعَهم، فكان ذلك سببًا لاستماعهم (٦) وطريقًا لانتفاعهم (٧). وقال الحسينُ بن الفضل: هي من المتشابهِ الذي لا يَعلم تأويلَه (٨) إلا اللَّهُ. وقال عكرمةُ: هي أقسامٌ (٩). وقال القُتَبيُّ (١٠): يجوز أن يكون اللَّه عزَّ وعلا أقسم بالحروفِ المقطعةِ كلِّها واقتصَر على ذكر بعضِها من ذكرِ جميعِها، كما يقولُ القائل: تعلَّمتُ أ (١١) ب ت ث، وهو يريد كلَّ الحروف، ويقول: قرأتُ الحمد، وهو يريد كلَّ السورة (١٢). وعن أبي العاليةِ قال: هذه من الثمانيةِ والعشرين التي دارت عليها الألسُنُ كلُّها،

стр. 339

وليس فيها (١) حرفٌ إلا وهو مفتاحُ اسمٍ من أسماء اللَّه تعالى، وفي آلائهِ ونَعْمائه، وفي مدةِ قومٍ وآجالهم (٢). وقيل: كلُّ حرفٍ مختصَرٌ عن كلمةٍ، وهو متعارفٌ في اللسان. وأنشد الزَّجَّاج: إنْ شئت أَشْرفْنا كلانا فدعَا... أللَّهَ جهدًا (٣) ربَّه فأَسمعا بالخيرِ خيراتٍ وإن شرًّا فا... ولا أريدُ الشرَّ إلا أنْ تا (٤) أي: وإن شرًا فشرٌّ، ولا أريد الشرَّ إلا أن تريدَ. وأنشد قطربٌ: جاريةٌ قد وعدَتْني أن تا... تَدْهنُ رأسي أو تُفلِّي أو تا (٥)

стр. 340

أي: تمسح. وأنشد سيبويه: نادَوْهم أنْ ألْجِموا أَلَا تا... قالوا جميعًا كلُّهم ألَا فا (١) أي: ألا تركبون، فقالوا: ألا فاركبوا. وقال آخرُ: قلتُ لها قِفِي فقالت لي (٢) ... قاف لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينا الإيجاف (٣) أي: الإسراعَ في المشي (٤). وقال المبرِّد: إنْ هذه الحروفَ احتجاجٌ من اللَّه تعالى على الكفَّار؛ لأن النبيَّ

стр. 341

- ﷺ لمَّا قال لهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هود: ١٣] وعجزوا عنه، أنزل اللَّه ﷻ هذه الحروفَ؛ أي: إن القرآن من هذه الحروف التي هي لغاتُكم، فليس عجزُكم عن الإتيان بمثلِها إلا لأنه كلامُ اللَّه تعالى لا مِثْلَ له. وقيل: إذا جُعلت هذه الحروفُ كلمةً فهي ﴿الم﴾؛ أي: ألم ترَ وألم تعلم (١) أنه ذلك الكتاب. وقيل: كلُّ حرفٍ من هذه الثلاثةِ على ما يؤدِّي نُطقًا يُطلب من ظاهره معناه وضعًا: أَلِفَ هو على وزنِ عَلِمَ من الألفة، ومعناه: ألف (٢) اللَّه محمدًا، ولامَ على وزن نامَ من اللَّوم، ومعناه: لامَ الكفارُ نبيَّنا محمدًا ﷺ (٣) على مخالفةِ الآباء، ومِيمَ على وزن بِيعَ من المُوْم وهو البِرسام (٤)، وهو المحيِّرُ المفسِدُ من الأسقام، ومعناه: بُهِتَ الكفارُ وأُرغِموا بظهور الحقِّ والهدى. وقيل: ألفٌ: أنا، ولامٌ: لي، وميمٌ: منِّي (٥). فكأنه سبحانه قال: أنا اللَّه وأنا المَلِك (٦) وأنا الرزَّاق وأنا وأنا (٧)، ولي المُلكُ ولي المِلكُ (٨)، ولي الحكمُ ولي

стр. 342

الأمرُ، ولي الحمدُ ولي المجدُ (١)، ومنِّي الإحسانُ ومنِّي الامتنانُ ومنِّي الغُفران ومنِّي ومنِّي. وقيل: ألفٌ معناه: أَفْرِدْ نَفْسَك لي بإسقاطِ العلائق والأعراض، ولام (٢) معناه: ليِّن جوارحَك لعبادتي بلا ملالةٍ ولا إعراض، وميمٌ: محِّ رسومَك وصفاتِك بالأُنس بي والمشاهدةِ لي بلا تحكُّمٍ ولا اعتراض. وقال بعضُ العراقيين: حيَّر عقولَ الخلق في ابتداءِ خطابه -هو محلُّ الفهم- ليَعلموا أنه لا سبيلَ لأحدٍ إلى معرفةِ حقوقِ خطابه إلا بعِلمهم بالعجز عن معرفة خطابه (٣). وقيل: هي رموزٌ سارَّ بها الأولياء، فالظواهرُ للعوَامِّ، والرموزُ والإشارات للخوَاصِّ، قال (٤) النبيُّ ﷺ : "لو تَعلمون ما أَعلمُ قليلًا ولبَكيْتُم كثيرًا" (٥)؛ أي: من حقائقِ سِرِّ الحقِّ إليَّ. وقال ﷺ : "أوتيتُ جوامعَ الكَلِمِ واخْتُصِرَ لي الكلامُ اختصارًا" (٦). وقيل: هو تنبيهٌ للعبد أن ينتصب قائمًا في الصلاة كالألف، ثم ينحني للركوع كاللام، ثم يجتمع في السجود كالميم.

стр. 343

وقيل: بدأ السورة الكبرى بالألف، وجعله سابقًا؛ لِمَا فيه من معانٍ: منها: الاستواءُ. ومنها: الانتصابُ. ومنها: الانقطاعُ عن سائر الحروف. ومنها: التجرُّدُ عن النقط. ومنها: الاستغناءُ عن الأمكنة، وهي (١) مخارجُ الحروف. وفيه تنبيهٌ على أن العبد إذا أراد (٢) أن يصير سابقًا فلْيَستوِ ظاهرًا وباطنًا، ولْيَنتصِبْ لخدمة (٣) اللَّه، ولْيَنقطِعْ عن الخلق، ولْيتَجرَّدْ عن الأغيار، ولْيَتبتَّلْ عن الأمكنة. ثم إنما سكِّنت هذه الحروفُ ولم تُعربْ لأنها حروفُ هجاءٍ وليست بأسماءٍ، قال أبو النَّجم: أقبلَتُ مِن عندِ زيادٍ كالخَرِفْ... تَخطُّ رجلاي بخطٍّ مختلِفْ تكتِّبانِ في الطريقِ لامَ الِفْ (٤) فإن جعلتَها أسماءً وعطفْتَ بعضَها على بعضٍ أَعْربْتَها. وأنشد أبو عبيدةَ:

стр. 344

إذا اجتَمَعوا على ألفٍ وواوٍ... وياءٍ هاج (١) بينهم القتالُ (٢) ثم للقرَّاء في هذه الحروفِ عند الوصلِ إدغامُ ميمِ اللَّام في ميمِ الميم، والمدُّ، وتثقيل الميم، ويجوز تركُ المدِّ وتركُ الإدغامِ وتركُ التثقيلِ، وعند الوقفِ يصيرُ كذلك ويجوزُ ذلك، والأحسن إخراجُ كلِّها في (٣) نَفَسٍ واحدٍ. ومحلُّ ذلك من الإعراب عند بعضِهم: أن ﴿الم﴾ ابتداءٌ، و ﴿ذَلِكَ﴾ خبرُه، و ﴿الْكِتَابُ﴾ صلةُ خبرِه، كقولك: زيدٌ ذلك الرجلُ لا شكَّ فيه. وقيل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ابتداءٌ، وقوله: ﴿الم﴾ خبرُه، وقد ذُكر مقدَّمًا على الاسم كقولك: عالمٌ هذا الرجل. وقيل: لا محلَّ لهذه الأحرف الثلاثةِ من الإعراب على وجه التعلُّق بما بعده، و ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأٌ، و ﴿الْكِتَابُ﴾ خبره، و ﴿الم﴾ قسَمٌ، أو افتتاحٌ، أو اسمٌ للسورة، أو أمرٌ؛ أي: اسمعوا هذه الحروف مقطعةً (٤)، وهو تامٌّ بنَفْسه. وأمَّا نزولُها: فقد رَوَى أبو صالحٍ عن ابنِ عباسٍ ﵄: أن رهطًا من اليهودِ لعنهم اللَّهُ منهم: كعبطُ بن الأسرفِ، وحُيَيٌّ وجديٌّ ابنا أَخْطَبَ، وأبو لُبابةَ، وكعب بن أَسيدٍ، ومالك بن الصَّيْف (٥)، دخلوا على رسول اللَّه ﷺ فسألوه عن

стр. 345

﴿الم﴾ وقالوا: نَنْشُدُك اللَّهَ الذي لا إلهَ إلا هو، أحقٌّ أنها أتتك من السماء؟ فقال النبيُّ ﷺ : "نعم كذلك نزلت"، فقال حييٌّ: لئن كنتَ صادقًا إني أعلمُ أنَّ أُكلَ (١) هذه الأمة من السنين ما نزل عليك، ثم نظر حييٌّ إلى أصحابه فقال: كيف ندخلُ في دِين رجلٍ إنما منتهَى أُكلِ أمَّته إحدى وسبعون سنةً، فقال له عمر ﵁: وما يدريكَ أنها كذلك؟ قال: أخذتُها من حسابِ الجمَّل، فالألفُ واحدٌ، واللامُ ثلاثون، والميمُ أربعون، فضحك النبيُّ ﷺ ، فقال حييٌّ: هل غيرُ هذا؟ قال (٢): "نعم"، قال: وما هو؟ قال: " ﴿المص﴾ " قال حييُّ بن أخطبَ: هذه أكثرُ من الأولى، هذه مئةٌ وإحدى وستُّون سنةً -وقد تبيَّن لنا في هذه تفسيرُ الأُولى؛ لأنه قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فنحن المتَّقون الذين آمنَّا بالغيب قبل أن يكون (٣) - فهل غيرُ هذا؟ قال: "نعم ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] " قال حييٌّ: هذه أكثرُ من الأولى والثانيةِ، وقد أَحْكَمَ فيهنَّ وفصَّلَ، فنحن نشهدُ لئن كنتَ صادقًا ما مُلْكُ أمَّتكَ إلا (٤) إحدى وثلاثون ومئتا سنةٍ، فاتَّق اللَّه ولا تقل إلا حقًّا، فهل غيرُ هذا؟ قال: "نعم ﴿المر﴾ -إلى قوله: - ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ "، قال: فنحن نشهدُ أنَّا من الذين لا يؤمنون، ولا ندري بأيِّ قولك نأخذُ، فقال أبو ياسر: أمَّا أنا فأَشهدُ بما أُنزل على أنبيائنا أنهم قد أَخبروا عن مُلك هذه الأمةِ ولم يوقِّتوا كم يكونُ، فإن (٥) كان محمدٌ صادقًا فيما يقولُ إني لأراه سيُجمع له هذا كلُّه.

стр. 346

فقام اليهود وقالوا: أَشكَلَ علينا (١) أمرُك، فلا ندري أبالقليلِ نأخذُ أم بالكثير؟ فذلك قولُه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (٢)، فالمحكماتُ هي (٣) الآياتُ التي في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاثِ آياتٍ، وأما المتشابهاتُ فـ ﴿الم﴾ (٤) و ﴿المص﴾ و ﴿الر﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ حين يَحسُبون كم (٥) أُكلُ هذه الأمة، وما يَعلم ذلك إلا اللَّه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعني: عبد اللَّه بن سلام، وثعلبةَ بنَ عمرو، وأسدَ بن كعب، وأسيد بن زيد، وسلامًا، وهم مؤمنو أهلِ الكتاب ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾؛ أي: قليلِه (٦) وكثيرِه. فقال لهم حييٌّ: ويحَكم، أمَا (٧) تعرفون الباطلَ فيما يُخلَّط عليكم؟ فقالوا: بل نعرف الحقَّ، ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية (٨)، فجعل رسولُ اللَّه

стр. 347

- ﷺ يضربُ الأمثال لليهود ليَعقلوا (١)، وكان اللَّه تعالى طبعَ على قلوبهم فلم يَفْقَهوا (٢)، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. * * * (٢) - ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: فـ ﴿ذَلِكَ﴾ (٣) ثلاثةُ أحرفٍ: ذا اسم (٤) إشارةٍ، واللام عمادٌ، والكاف خطابٌ. وهذه الكلمة في القرآن على ثلاثة أوجهٍ: إشارةٌ إلى الغائب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. وإشارةٌ إلى الحاضر، قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]. واسمٌ لمن لا يوصف بالغيبة والحضرة، قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ﴾ [يونس: ٣٢]. وقد جاء في الشعرِ (ذلك) بمعنى: هذا (٥)، قال خُفَافُ بنُ نُدْبةَ: أقولُ له والرُّمحُ يَأْطُرُ مَتْنَه... تأمَّلْ خفافًا إنَّني أنا ذلكا (٦)

стр. 348

أي: هذا. وفي هذه الآية يمكِنُ (١) تقريرُ الكلمة (٢) على الوجوهِ الثلاثة: يجوز أن يكون اسمًا للقرآن، وهو كلامُ اللَّه ﷻ ، وهو قائمٌ بذاته تعالى (٣) لا يوصفُ بحضرةٍ ولا غيبةٍ (٤). ويجوز أن يكون بمعنى: هذا، وهو قولُ مجاهدٍ ومقاتلِ بن حيَّان وابنِ جريجٍ والكسائيِّ والأخفشِ وأبي عبيدة (٥). ويجوز أن يكون بمعنى الإشارة إلى غائبٍ، قال ابن عباسٍ ﵄: معناه: ذلك الكتابُ الذي أخبرتُكَ أنِّي أُوحيه إليك. وقال عطاء بن السائبِ: ذلك الكتاب الذي وعدتُك يوم الميثاق. وقال يمانُ بن رئابٍ: ذلك الكتاب الذي ذكرتُه في التوراة والإنجيل. وقال الفرَّاء: هذا الكتاب الذي وعدتك. وقال ابن كَيسانَ: أنزل اللَّه تعالى قبل البقرة بضعَ عشرةَ سنةً سورًا كذَّب بها المشركون، ثم أنزل البقرة فقال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يعني: ما تقدَّمها (٦).

стр. 349

وقوله: ﴿الْكِتَابُ﴾ أصله في اللغة: الجمعُ، وسمِّيتِ الكتيبةُ بها لاجتماعِها، يقال: كتبتُ البغلةَ: إذا جمعتَ بين شُفْرَيها بحَلْقةٍ، قال الشاعر: لا تأمنَنَّ فَزاريًّا خَلَوْتَ به... على قَلُوصِكَ واكتُبْها بأسيارِ (١) ومنه: الكُتْبةُ، وهي الخُرْزةُ، وجمعُها: الكُتَب. والكتابُ بمعنى المكتوب، وهو في القرآن على عشرين وجهًا: بمعنى: الفرض، قال اللَّه تعالى: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]؛ أي: فرضًا موقتًا. وبمعنى: البرهان، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ [الصافات: ١٥٧]؛ أي: برهانِكم. قاله الكلبيُّ (٢). وبمعنى: الأجَل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]؛ أي: أجَلٌ (٣). وبمعنى: المقدار، قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]؛ أي: مقدارٌ (٤). وبمعنى: القضاء، قال اللَّه جل وعلا: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وبمعنى: مكاتبة العبد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣].

стр. 350

وبمعنى: الرخصة والإباحة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وبمعنى: اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ [الزخرف: ٤]. وبمعنى: التوراة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٨٧]. وبمعنى: الإنجيل، قال تعالى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ٣٠]. وبمعنى: التوراة والإنجيل، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وبمعنى: القرآن، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩]. وبمعنى: صحيفةِ أعمالِ البشر، قال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]. وبمعنى: ما كَتب اليهودُ من عندِ أنفسِهم وادَّعوا أنه كتابُ اللَّه، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]. وبمعنى: رسالة سليمان ﵇ إلى بلقيس، قال تعالى إخبارًا عنها (١): ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩]. وبمعنى: ما كُتب في الزبور، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. وبمعنى: ما اقترحه الكفارُ على نبيِّنا ﵊ إنزاله من السماء، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣]. وبمعنى: وعد الرحمة، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤].

стр. 351

وبمعنى: إثبات الإيمان في قلوب المؤمنين، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وبمعنى: الأرواح، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]. وأما المراد بالكتاب هاهنا: فقد قال سعيد بن جبير: هو اللوحُ المحفوظ. وقال عكرمة: هو التوراةُ والإنجيل. وقال ابنُ عباسٍ ﵄ والضحَّاك وقتادة: هو القرآنُ (١). وعليه الجمهورُ، وهو الأشهرُ والأظهرُ. ثم إنما (٢) سمِّي القرآن كتابًا لمعنى الجمع الذي دلَّ عليه مأخذُ الاسم من وجوهٍ: أحدها: أنه جمَعَ الحروف حتى صارت كلمات، وجمع الكلماتِ حتى صارت آيات، وجمعَ الآياتِ حتى صارت سُورًا تامَّات، وجمعَ السورَ حتى صارت كتابًا مشتمِلًا على كرامات.

стр. 352

والثاني: أنه نظامٌ لصنوف الحِكَم، وقِوامٌ لأنواعِ الحُجج، قال النبيُّ ﷺ : "أُوتيتُ جوامعَ الكَلِم" (١). والثالث: أنه جمعَ معانيَ جميع كتب اللَّه المنزلةِ، قال النبيُّ ﷺ : "أوتيتُ السبعَ الطُّولَ (٢) مكان التوراة، والمئينَ مكان الزَّبور، والمثانيَ مكانَ الإنجيل، وفضِّلتُ بالمفصَّل" (٣). والرابع: أنه يُجمعُ لأهله خيرُ الدارين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والخامس: أنه يُجمع بين أهله وبين النبيين والصِّديقين والشهداء والصالحين

стр. 353

في الجنة، على ما رُوي عن (١) عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أُنزل القرآنُ على عشَرةٍ (٢): بشيرًا ونذيرًا، وناسخًا ومنسوخًا، ومحْكَمًا ومتشابهًا، وموعظةً ومثلًا، وحلالًا وحرامًا، فمَن أَبْشرَ ببشيره وانْتَذرَ (٣) بنذيره، وعمِل بناسخه وآمَن بمنسوخه، واقتصَر على محكَمه وردَّ علمَ متشابهِه إلى عالِمه، واتَّعظ بعِظَتِه واعتَبَر بمثَله، وأَحلَّ حلالَه وحرَّم حرامَه، فأولئك من المؤمنين حقًّا لهم الدرجاتُ العُلَى مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقًا، وهو وارِثي ووارثُ الأنبياءِ من (٤) قَبْلي، ولا يزالُ في ضمَان اللَّه تعالى وكَنَفه، وحيثُما تُلي القرآن غشِيَتْه الرحمةُ ونزلت عليه السَّكينةُ، ويُحشر في زُمرتي وتحت لوائي" (٥). والسادس: أنه يَجمع بين الحبيبِ والحبيبِ، فإنه كتابُ الحبيبِ إلى الحبيب، وخطابُ الحبيبِ مع الحبيب، وتذكرةُ (٦) الحبيبِ للحبيب، وقال النبيُّ ﷺ : "مَن قرأ القرآنَ فقد كلَّمَ اللَّهَ تعالى" (٧). وقالوا: لمَّا أَنزل اللَّه تعالى على موسى التوراةَ وهي ألفُ سورةٍ كلُّ سورةٍ ألفُ آيةٍ، قال موسى ﵇: يا ربِّ، ومَن يطيقُ قراءةَ هذا الكتابِ وحِفْظَه؟ فقال تعالى: إني أُنزل كتابًا أعظمَ مِن هذا، قال: على مَن يا رب؟ قال: على خاتم النبيِّين.

стр. 354

قال: وكيف تقرؤه (١) أمتُه ولهم أعمارٌ قصيرةٌ؟ قال: إنِّي أيسِّره عليهم حتى تقرأ صبيانهم، قال: يا ربِّ وكيف تفعلُ؟ قال: إني أَنزلت من السماء إلى الأرض مئةَ كتابٍ (٢) وثلاثةَ كتبٍ، خمسين على شيت ﵇، وثلاثين على إدريسَ ﵇، وعشرين على إبراهيمَ، والتوراةَ عليك، والزبورَ على داودَ، والإنجيلَ على عيسى، وذكرتُ الكائناتِ في هذه الكتب فأذكرُ جميعَ معاني هذه الكتب في كتابِ محمدٍ ﷺ ، وأجمعُ ذلك كلَّه في مئةٍ وأربعَ عشرة سورةً، وأَجعلُ هذه السورَ في ثلاثين جزءًا، والأجزاءَ في سبعة أسباعٍ، ومعنى هذه الأسباعِ في سبعِ آياتِ الفاتحة، ثم معانيَها في سبعةِ أحرفٍ وهي: بسم اللَّه، ثم ذلك كلَّه في الألِفِ من ﴿الم﴾، ثم أفتتِح بها سورةَ البقرة فأقول: ﴿الم﴾ (٣). ولمَّا وَعد اللَّهُ تعالى ذلك في التوراةِ، وأنزله على محمدٍ ﵇، جَحدتِ اليهودُ -عليهم لعائنُ اللَّه- أن يكون هذا ذلك، فقال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: هذا ذلك. ثم سمَّاه هاهنا كتابًا، وله في القرآن مئةُ اسمٍ، وقد عدَّدْناها في صدرِ هذا الكتاب. ومِن فضلِ اللَّه علينا أنْ أعزَّنا بدِينه، وأكرمَنا بكتابه، وشرَّفنا بنبيِّه، وخصَّنا بتفضيله بأنْ ذكرَ في القرآن أسماءً سمَّى بها نفسَه وكتابَه ورسولَه وسمَّانا أيضًا بها، وهي أكثرُ من عشرين اسمًا:

стр. 355

الحقُّ: قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦]، وقال تعالى لكتابه: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] وقال تعالى لنا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]. والنُّورُ: قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] وقال تعالى لنا: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. والعزيزُ: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) [الحج: ٧٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، وقال تعالى لرسوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى لنا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. والكريمُ: قال اللَّه تعالى: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، وقال تعالى لكتابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٢) [الحاقة: ٤٠]، وقال لنا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. والعظيمُ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال تعالى لنا: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
следующие страницы →