الآية، فرأى راعيًا، فسأله (١): ما الحرج؟ قال: هي الشَّجرةُ التي لا تصِلُ إليها الرَّاعية؛ لالتفافِ أغصانِها، واحدتها حرجة (٢).
وقال عبيدُ بن عمير: قرأ ابنُ عبَّاس ﵄ هذه الآية، فقال: هل هاهنا أحدٌ مِن بني بكر؟ فقال رجلٌ: نعم، فقال: ما الحرجة فيكم؟ قال: الوادي الكثيرُ الشَّجر، المستمسِكُ الذي لا طريق فيه، فقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كذلك قلبُ الكافر (٣).
وقال النَّضرُ بن شميل: ﴿حَرَجًا﴾؛ أي: قلقًا (٤).
وقال قتادة: ملتبسًا (٥).
وقال مجاهد: أي شاكًّا (٦).
وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ (٧).
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ قرأ ابنُ كثير: ﴿يَصْعَدُ﴾ مخفَّفًا، مِن الصُّعود، وهو الرُّقيُّ.
стр. 2907
وقرأ عاصم في روايةِ أبي بكرٍ وحمَّاد (١): ﴿يصَّاعد﴾ مشدَّدًا مع الألف.
والباقون: ﴿يَصَّعَّدُ﴾ (٢) مشدَّدًا بغيرِ ألف، وأصله: يتصعَّد؛ أي: يَتكلَّفُ الصُّعود، فأُدغِمت التَّاءُ في الصَّاد، كما في قوله: ﴿يُذْكَرِ﴾.
و ﴿يصَّاعد﴾ أصله: يتصاعد، وأُدغمَت التَّاء في الصَّاد.
وقال مقاتل بن سليمان: أي: لا يَقدِرُ على الإيمانِ مَن أضلَّهُ اللَّهُ تعالى عن الهدى، كما لا يَقدِرُ المتكلِّفُ على الصُّعودِ إلى السَّماء (٣).
وهذا الإضلالُ والخُذلان في حقِّ مَن علمَ اللَّهُ منه اختيارَ الضَّلال، والآيةُ دامغةُ المعتزلةِ في إنكارِهم الهدايةَ والإضلالَ مِن اللَّهِ تعالى.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: العذاب، وقيل: الإثم، وقيل: اللَّعن، قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١] (٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن شرح اللَّه صدره للإسلام فآيتُه ألَّا يَتحرَّك في باطنِه عِرْقٌ لمنازعةِ التقدير (٥)؛ لأنَّ الإسلامَ يَقتضي تسليمَ الكُلِّ، ومَن استثقلَ شيئًا مِن التَّكليفِ، أو بقيَ فيه نفسٌ لكراهةِ شيءٍ فهو غيرُ مستسلمٍ لحكمِه.
стр. 2908
ويقال: نورٌ في البداية هو نورُ العقل، ونورٌ في الوسائط هو نورُ العلمِ، ونورٌ في النِّهايةِ هو نورُ العرفانِ، فصاحبُ العقلِ مع البُرهان، وصاحبُ العلمِ مع البيان، وصاحبُ المعرفةِ في (١) حكم العِيان.
ويقال: مَن وَجَدَ أنوارَ الغيبِ، ظهرَ له خفايا الأمورِ، ولم يُشكِل عليه شيءٌ عند ظهورِ النُّور، قال النبيُّ ﷺ : "اتَّقوا فراسةَ المؤمنِ؛ فإنَّه يَنظرُ بنورِ اللَّهِ تعالى" (٢).
ويقال: أوَّل آيةٍ لأنوارِ الغيبِ في العبد: تنبِّهُهُ على نقائصِ قدرِه، ومساوئِ عيبِه، ثمَّ تَشاغُلُه عن شهودِ نفسِه بما يَلوحُ له مِن شهودِ ربِّه، ثمَّ غلباتُ الأنوارِ على سِرِّه، حتَّى لا يشهدَ السرَّ بعدما كان يشهد، كالنَّظرِ في قرصِ الشَّمس، يَستهلِكُ أنوارَ بصرِه في شُعاع الشَّمس، فكذلك تستهلِكُ أنوارُ البصيرة حقائقَ الشُّهود، وفيه خمود العبدِ بالكُلِّيَّة، وبقاءُ الأحديَّةِ بنعتِ السَّرمديَّة (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ قال ابنُ عبَّاس ﵄: يعني الإسلام (٤)، وقد ذكر في الآية الأولى.
وقال ابنُ مسعود ﵁: هو القرآنُ (٥)، وقد ذكر قبله بآيات (٦).
و ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نُصِب على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ ذُكِرَت بعد معرفة.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ أي: يتذكرون، ومعناه: يتَّعِظون.
стр. 2909
(١٢٧) - ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: للمتذكِّرين الجنَّة.
وقال الحسنُ والسُّدِّيُّ: السَّلام هو اللَّه تعالى (١)، والدَّارُ أُضيفَت إليه.
وقال الزجاج: أي: دارُ السَّلامة الدَّائمةِ مِن كلِّ آفةٍ وبليَّةٍ (٢).
وقيل: هي دارُ السَّلام الذي هو التَّحيَّة، قال تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤].
وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: مضمونةً عند ربِّهم، حتَّى يوصلَها إليهم.
وقيل (٣): أي: هي (٤) في الآخرةِ يُعطيهم إيَّاها.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾؛ أي: حبيبُهم، وقيل: ناصرُهم، وقيل: متولِّيهم، وقيل: حافظُهم.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: مِن الطَّاعات؛ أي: يتولَّاهم بكرمِه وفضلِه ونُصرتِه؛ جزاءً لهم بأعمالِهم الصالحة.
وقال الحسينُ بنُ الفضل: يتولَّاهم في الدُّنيا بالتَّوفيق، وفي الآخرةِ بالجزاء (٥).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀ (٦): دارُ السَّلام: دارُ السَّلامة (٧)، ومَنْ كان في
стр. 2910
رِقِّ شيءٍ مِن الأعراض، لم يجدِ السَّلامة، وإليه تشيرُ أنَّ القومَ في الجنَّة، لكنَّهم ليسوا في أسْر الجنة.
ويُقال: من لم يسلم اليوم عن الكونين، لم يجد غدًا سلامَ مكوِّنِ الكَونين.
ويُقال: دارُ السَّلام غدًا لمن سَلِمَ اليومَ لسانُه مِن الغيبة، وجَنانُه مِن العيبة، وظاهرُه مِن الزَّلَّةِ، وباطنُه مِن الغفلةِ، وعقيدتُه مِن البدعةِ، ومعاملتُه مِن الجفوة، وأعمالُه مِن الرِّياءِ والسُّمعةِ، وأحوالُه مِن العُجبِ والملاحظة.
ويقال: قيمةُ الدَّار بالجار، قال قائلهم:
إنِّي لأحسُد جارَكُم (١) لجوارِكُم... طُوبى لِمَنْ أضْحى لدارِكَ جارَا
يا ليتَ جارَك باعَ لي مِن دارِه... شِبْرًا لأعطيه بِشبرٍ دارا
والحقيقةُ وإنْ كانت منزَّهةً عن قَبول الجِوار، وليس القربُ مِنه بتداني (٢) الأقطار، فإطلاقُ هذا اللَّفظِ مؤنِسٌ لقلوب الأحباب، وقاطعٌ للوسائطِ والأسباب.
﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ الذي آثرَهم على أشكالهم، فآثروه في جميع أحوالهم، وليُّهم في أولاهم، ووليُّهم في أخراهم، وليُّهم الذي يَطلب رضاهم، وليُّهم الذي لم يَكِلهُم إلى هواهم، لا إلى دنياهم، ولا إلى عُقباهم، وليُّهم الذي بإفضالِه يُلاطِفُهم، وبجمالِه وجلالِه يُكاشِفُهم، وليُّهم الذي اختطَفهم عن كلِّ حظٍّ ونصيب، وحالَ بينَهم وبين كلِّ حميمٍ ونسيب، وليُّهم الذي حرَّرهُم مِن كلِّ مرجوٍّ ومرهوب، وممنوعٍ وموهوب، وليُّهم الذي ليس لهم سواه، وليُّهم الذي لا يشهدون إلَّا إيَّاه، لا في بدايتِهم يَقصِدون غيرَه، ولا في وسائِطهم يَشهدون غيرَه، ولا في نهايتِهم يَجدون غيرَه (٣).
стр. 2911
(١٢٨) - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ (١)؛ أي: خوِّفهُم يومَ يبعثُهم (٢) فيه جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾؛ أي: ويَقول -هذا مضمَرٌ يَدُلُّ عليه الحال-: يا معشرَ الشَّياطين، قد أضللتمُ الخلقَ الكثيرَ مِن الإنس، إشارةً إلى قوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ [النساء: ١١٩]، ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]، ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، وقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾؛ أي: أولياءُ الجنِّ: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾؛ أي: انتفع الجنُّ بالإنسِ، والانسُ بالجنِّ.
قال الكلبيُّ: كان استمتاعُ بعضهم ببعض: أنَّ الرَّجلَ مِن الإنسِ كان إذا سافرَ أو خرجَ، فصارَ بأرضٍ قفرةٍ، أو أصابَ صيدًا مِن صيدِهم، فخافَ على نفسه مِنهم، قال: أعوذُ بسيِّد هذا الوادي مِن سفهاءِ قومِه، فيَبيتُ في جوارٍ منهم، فهذا استمتاعُ الإنسِ بالجنِّ، واستمتاعُ الجنِّ بالإنس: أن قالوا: قد سُدْنا الإنسَ والجنَّ حين عاذَ الإنسُ بنا، فيَزدادون بذلك شرفًا في قومِهم، وعِظَمًا في أنفسِهم (٣). وكذلك قال عكرمةُ ومجاهد (٤) وجماعة (٥).
стр. 2912
وقال عبد العزيز بن يحيى: [هو طاعةُ بعضِهم بعضًا، وموافقةُ بعضهم بعضًا.
وقيل:] (١) استمتاعُ الإنسِ بالجنِّ: ما كانوا يُلقونَ إليهم مِن الأراجيفِ والسِّحرِ والكهانة، واستمتاعُ الجنِّ بالإنس: قولُهم: نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادي من سُفهاءِ أهله، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقيل: أي: تعاونَ بعضُنا ببعضٍ في المعصيةِ والمخالفةِ؛ هؤلاءِ بالدُّعاء، وهؤلاء بالإجابة.
وقيل استمتاعُ الجنَّ بالإنس: أنَّ عظامَنا طعامُهم، وأرواثَ أنعامِنا علفُ دوابِّهم (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ قال الإمامُ أبو منصور ﵀: قيل الموت، وقيل: البعثُ يومَ القيامة؛ لأنَّهم كانوا ينكرون ذلك، فأقرُّوا به حينئذٍ (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ﴾؛ أي: قال اللَّه تعالى: جهنَّمُ مقامُكم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ أي: في النَّار، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾؛ أي: إلَّا مقدارَ وقوفِكم خارجًا منها للعرضِ والحساب، فهم في هذا الوقت مستثنَون عن ذلك.
وقيل: أي: معذَّبون بالنَّار إلَّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تعذيبكم بغير النَّار.
وقال عطاء: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ مَن سبقَ في علمه أنَّه يؤمنُ كما في قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]؛ فمِنهم مَن آمنَ قبل الفتح: بجيد بن وهب (٤)، وخالد بن
стр. 2913
الوليد، وعمرو بن العاص، وجبيرُ بن مُطعِم، وعِدَّةٌ، ومِنهم مَن آمنَ بعد الفتح (١)؛ عكرمة بن عمرو، والحارثُ بن هشام، وحكيمُ بن حِزام، وسهيل (٢) بن عمرو، وضرارُ بن الخطَّاب، وهبَّارُ بنُ الأسود، وصفوانُ بن أمية، وعبدُ الرَّحمن بن أبيِّ بن خلف (٣)، وأبو سفيان بن الحارث، وصخرُ بنُ حرب، وأبو قحافة، وعِدَّة.
وقال الحسن: إلَّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كونِهم في الدُّنيا بغيرِ عذاب (٤).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ما يَفعلُ بأوليائِه وأعدائِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بالمطيعين والعاصين، يَجزي كلًّا على وفقِ عملِه.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يَعتذِرون فلا يُسمَع، ويَحتجُّون فلا يَنفع، ولقد كانوا مِن قبلُ لو أتَوا بأقلَّ منه قُبِلَ منهم، لكن سبقتِ القِسمةُ، فحقَّت الشِّقوة (٥).
* * *
(١٢٩) - ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قيل: أي: نُولِّي ظلمةَ الإنسِ ظلمةَ الجِنِّ، وظلمةَ الجنِّ ظلمةَ الإنس في الآخرة؛ أي: نَكِلُ بعضَهم إلى بعض، كما قال: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ [النساء: ١١٥]؛ فلا يَنفعُ بعضُهم بعضًا، كقول إبليس لعنه اللَّه: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، و ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ [الأنعام: ٢٢].
стр. 2914
وقيل: ﴿نُوَلِّي﴾؛ أي: نُسَلِّطُ بعضَهم على بعضٍ، فيَلعنُ بعضُهم بعضًا، ويَتبرَّأُ بعضُهم مِن بعضٍ، ويَدعو بعضُهم بزيادةِ العذابِ على بعض، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٨].
وقال قتادةُ: أي: يَتبعُ بعضُهم بعضًا في النَّار (١).
وقيل: هو مِن الولايةِ، فقال في حقِّ المؤمنين: ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾، وقال في حقِّ الكافرين: ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾؛ أي: نَجعلُ بعضَهم أولياءَ بعض، كما قال في حقِّهم.
ذلك وإذا كان اللَّه وليَّهم، فهو يَنصرُهم ويَحفظُهم، والكفَّار هم أولياء بعض، يَصيرون يومئذٍ أعداء، كما قال: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وقيل في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾: يَقتضي مشبَّهًا ومشبَّهًا به؛ أي: كما يَفعلُ بهم ذلك في الآخرةِ، يَفعلُ بهم في الدُّنيا.
قال مالكُ بنُ دينار: قرأتُ في كتب اللَّه المنزلةِ: أن اللَّه تعالى قال: أُفني أعدائي بأعدائي، ثمَّ أفنيهِم بأوليائي (٢).
وقال النبيُّ ﷺ : "إن اللَّهَ يَنتصِفُ مِن الظَّالم بالظَّالم، ثمَّ يَنتصِفُ مِنهما في القيامة" (٣).
стр. 2915
(١٣٠) - ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يُقالُ لهم (١) يوم يحشرون: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى الإثبات؛ أي: ما عذرُكم في الكفر، وقد أتاكم رسلٌ منكم؟ وهذا (٢) خطابٌ للجنِّ والإنس.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: اختلف فيه:
قال بعضُهم: لم يَكن مِن الجنِّ رسلٌ، إنَّما كانتِ الرُّسلُ مِن الإنس، لكنَّه أضافَ إلى الفريقين جميعًا، كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنَّما يَخرجُ مِن أحدِهما، وهو المالحُ منهما، وكما قال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦]، وإنَّما جعلهُ في واحدةٍ منهنَّ، وكقولِ النَّاس: في سبع قبائلَ مسجدٌ واحدٌ، وإنَّما يكونُ في واحدةٍ منهنَّ.
وقال بعضهم: كان مِن الفريقين جميعًا الرُّسل، مِن الجنِّ جنِّيٌّ، ومِن الإنسِ إنسيٌّ؛ لأنَّ الجِنَّ يَستترونَ مِن الإنس، فإنَّما يُرسَلُ إلى الجنِّ رسلٌ يَظهرون لهم، فيُبعَثُ إلى كلِّ فريقٍ الرَّسولُ مِن جوهرِهم.
وقال بعضُهم: كان الرَّسولُ مِن الإنسِ إلى الفريقين جميعًا، وكان مِن الجنِّ
стр. 2916
النُّذر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] (١).
وقال غير الإمام أبي منصور ﵀: وقد قيل (٢): إنَّ الرُّسلَ مِن الجنِّ كهؤلاء، وهم الذين يَسمعون مِن رسلِ الإنس، ويبلغون بأمرِهم إلى قومهم.
وقال أبو العباس المبرد: ﴿مِنْكُمْ﴾؛ أي: مِن أهل الأرض، والإنسُ والجنُّ مِن أهلِ الأرض (٣) بخلافِ الملائكة لأنهم من أهل السماء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وليس لنا إلى معرفة هذا حاجةٌ، إنَّما الحاجةُ إلى معرفةِ الآياتِ والحُجَج التي يأتي بها الرُّسلُ، وقد عجزَ عنها الجِنُّ والإنسُ جميعًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨]، فالجنُّ أقوى على أشياء من الإنس، فإذا عجَزوا عن ذلك فغيرُهم أعجز.
قال: وجائزٌ أنْ يكون الرُّسلُ وإن كانوا من الإنس، فإنَّ الجنَّ يَستمعون مِن الرُّسل، فلَزِمَتهمُ الحجَّةُ، والعملُ بها، والتَّبليغُ إلى قومِهم مِن غير أنْ يَعلمَ الرُّسلُ بذلك (٤).
وقوله تعالى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾؛ أي: يَتلونها عليكم في الأمرِ بالإيمانِ والطَّاعة، والنَّهي عن الكفرِ والمعصية.
стр. 2917
وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾؛ أي: يخوِّفونَكم.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾؛ أي: أقرَرنا بذلك، كما قال -خبرًا عنه (١) -: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١]، وقال تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٩].
وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ بيَّن أنَّ مخالفتَهم الرُّسلَ إنَّما كانت لأنَّهم اغترُّوا بالحياةِ الدُّنيا، وظنُّوا أنَّها تدومُ لهم، وتوهَّموا أنَّ ما أُعطوه (٢) لِكرامتِهم على اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ بتكذيبِهم، فيقول للمشركين: احذروا أن تكون هذه حالُكم يومَ القيامة.
* * *
(١٣١) - ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾؛ أي: ذلك الإرسالُ إلى الجنِّ والإنس؛ لأجلِ أنَّ ربَّك ليس مِن صفتِه أنْ يُهلِك القُرى بظلمٍ.
قال الكلبيُّ: أي: يُعذِّبَ أهلَها ﴿بِظُلْمٍ﴾؛ أي: بشركٍ، ﴿وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾؛ أي: لم يكن ليهلِكَهم مِن قبل أنْ يأتيَهم رسولٌ فينهاهم (٣)، فإنْ رجَعوا، وإلَّا أتاهمُ العذاب.
وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: لا يَستأصِلُ اللَّهُ قومًا إلَّا بعد تَقدُّم الوعيدِ؛ لئلَّا يَحتجُّوا فيقولوا: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧]، وإن لم يكن لهمُ الاحتجاجُ بذلك، لما مكَّن لهم، وركب فيهم ما
стр. 2918
يَعرفون به أنَّه لم يَخلقهُم عَبَثًا، ولا يَترُكُهم سدًا، لكنَّ سنَّتَهُ في الأوَّلين قد مضَت أنَّه لا يُهلِكُهم إلَّا بعد الوعيدِ؛ فضلًا منه ورحمةً، لا أنَّه لا يَسعُـ [ه] ذلك (١).
* * *
(١٣٢) - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾؛ أي: ولكلِّ عاملٍ بطاعةٍ أو معصيةٍ ﴿دَرَجَاتٌ﴾؛ أي: مراتبُ في الجزاء.
قال الكلبي: أي: بعضُهم أشدُّ عذابًا مِن بعض، وكذلك في الفضائلِ بعضُهم أعلى درجةً مِن بعض، على قدرِ أعمالِهم في الدُّنيا.
وقال القشيريُّ ﵀: المحسنُ في روحِ الثَّوابِ متنعِّمٌ، والمجرمُ (٢) في نوحِ العقابِ متألِّمٌ (٣).
وتَعلَّقَ أبو يوسف ومحمَّدٌ رحمهما اللَّه بظاهرِه؛ في أنَّ الجِنَّ لهم ثوابٌ؛ فإنَّه قدَّمَ ذكرَ الجنِّ والإنس، ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ﴾؛ أي: مِن الفريقين.
وقال أبو حنيفة ﵀: الكلامُ في أكثرِ هذه الآيات، وكذلك في الآية التي قبل هذه الآيةِ، في مشركي الإنسِ ومؤمنِيهِم، فالظَّاهرُ أنَّه فيهم، والأصلُ أنَّ الثَّوابَ لا يُستحَقُّ بالعمل، بل هو محضُ فضلِ اللَّه تعالى، فلا نَشهدُ به إلَّا لِمَن سبقَ له الوعدُ به، ولا نَتيقَّنُ بذلك في حقِّ الجنِّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ بتاء المخاطبة؛ ردًّا
стр. 2919
على قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، والباقون بياء المغايبة؛ ردًّا على الآية التي قبلها (١).
ومعناه عند الإمام أبي منصورٍ ﵀ على وجهين:
أحدهما: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾ عن أعمالِهم التي يَعملونها مِن المعصية، ولكن يؤخِّرُ تَعذيبَهم؛ رحمةً منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٢].
والثاني: أنه على علمٍ بأعمالِهم خلقَهم، لا عن جهلٍ؛ لما أنَّ ضررَ أعمالِهم يَرجِعُ إليهم، لا إليه (٢).
* * *
(١٣٣) - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ فلا يَنتفِعُ بالطَّاعةِ، ولا يَتضرَّرُ بالمعصية، ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ فلا يُعاجِل بالعقوبة.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿الْغَنِيُّ﴾ يُشيرُ إلى عزِّه، و ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يُشيرُ إلى لطفه، أخبرَ بقوله: ﴿الْغَنِيُّ﴾ عن جلالِه، وبقوله: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ عن أفضالِه، فبجلالِه يُكاشِفُهم فيُفنيهم، وبأفضالِه يُلاطِفُهم فيحييهم، وسماعُ غِناه يُوجِبُ محوَهم، وسماعُ رحمتِه يُوجِبُ صحوَهم، فهم في سماعِ هذه الآية بين فناءٍ وبقاء، واصطلامٍ وإكرام، وتذويبٍ وتقريب، واحتياجٍ وارتياح (٣).
стр. 2920
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ أي: يُهلككم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ يجعل فيها مَنْ يَخلُفُكم مِن غيرِكم مِن النَّاس، أو مِن غيرِهم؛ فإنَّه قال: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، ولم يقل: من يشاء، فلا يَختصُّ بالعُقلاء.
وقيل: ﴿مَا﴾ هاهنا بمعنى: من، والمراد به: ويأت بقومٍ (١) أطوعَ منكم.
قال عطاء: هم الأنصارُ والتَّابعون بإحسانٍ (٢).
وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أي: نسلِ قومٍ كانوا قبلَكم.
قال مقاتل: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ يعني: أهل سفينة نوح (٣).
وقيل: ﴿مِنْ﴾ للبدل، كما يُقال: أعطيتُك مِن دينارٍ ثوبًا؛ أي: أنشأكُم بدلًا مِنهم.
* * *
(١٣٤) - ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾؛ أي: مِن مجيء الساعة.
وقيل: مِن العذابِ في الدُّنيا والآخرة.
وقيل: مِن إظهارِ محمَّدٍ ﷺ .
وقال الكلبيُّ: ﴿لَآتٍ﴾؛ أي: لكائنٌ لا خُلفَ فيه.
стр. 2921
وقال الإمام القشيري ﵀: الإشارةُ في هذه الآية إلى قِصرِ الأمل، ومَنْ قَصُرَ أملُه، حَسُنَ عملُه، وكلُّ ما هو آتٍ فقريبٌ أجلُه (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي: بفائتين؛ أي: يُدرِكُكم حيث كنتم، وقد قَصدتُ فلانًا فأعجزني؛ أي: سبقَني ففاتَني.
* * *
(١٣٥) - ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ قرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر وحماد (٢): ﴿عَلَى مكاناتكم﴾ بالجمع؛ لأنَّه خطابُ الجمع، وقرأ الباقون: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على الواحد (٣).
والمكانةُ: الطَّريقةُ والجهة.
وقيل: أي: النَّاحيةُ، وهو عن ابن عباسٍ ﵄ (٤) والحسن.
وقال الزَّجَاج: هي مِن التَّمكُّن؛ مصدر المكين، وصيغتُه صيغةُ الأمر، ومعناهُ التَّهديد، كما قال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] (٥).
стр. 2922
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾؛ أي: قد أنذرتُكم ونصحتُ لكم، وأنتم مقيمون (١) على تكذيبي، فاثبتُوا على ما أنتم عليه مِن الكفر والمعاصي، وأنا أثبتُ على الإيمانِ والطاعةِ، والصَّبرِ على إيذائكم.
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (٢) بياءِ التَّذكير؛ لتقدُّمِ الفعل، ولأنَّ تأنيثَ العاقبةِ غيرُ حقيقيٍّ.
وقرأ الباقون بتاء التأنيثِ (٣)؛ لأنَّها مؤنَّثةٌ لفظيَّةٌ؛ أي: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ﴾ العاقبةُ (٤) المحمودةُ في دار السَّلام.
ويَحتملُ عاقبةَ دارِ الدُّنيا؛ في النَّصرِ والظَّفر ووراثةِ الأرض.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ وأنتم ظالمون لا تُفلِحون.
وقال مجاهدٌ: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾: الظَّفرُ في الدُّنيا، والفوزُ في الآخرة.
وعاقبةُ الشَّيء وعُقباهُ وعُقْبُه: آخرُه ومنتهاه.
وقال الكلبيُّ: ﴿اعْمَلُوا﴾ في منازلِكم في أمري، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ في أمرِكم بالهلاك، فسوف تعرفون (٥) مَن تكونُ له الجنَّة، إنَّه لا يَأمنُ الظَّالمون.
* * *
стр. 2923
(١٣٦) - ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وهذا ممَّا يُوحي شياطينُ الجنِّ والإنس مِن زخرف القول (١)، ومِن ضلالات أهل الشِّرك وجهلِهم وافترائهم على اللَّه، وشرعِهم ما لم يأذن به اللَّه، يقول: سمَّوا للَّه ممَّا خلقَ مِن الزَّرع الذي يزرعونه، ومن الحيواناتِ التي يَقتنونها مِن البقر والإبل والغنم حظًّا.
قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ قرأ الكسائيُّ وحدَه: ﴿بزُعمهم﴾ بضمِّ الزَّاي، والباقون بفتحها (٢)؛ أي: بقولِهم الباطل، ﴿وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾؛ أي: أصنامِنا، وكانوا يجعلونَها شركاءَ للَّه، وإنما أضافوها لأنفسِهم لاعتقادِهم إيَّاها كذلك.
ثمَّ كان من حكمِهم أنَّ ما جعلوهُ للَّه مِن حرثِهم، فاختلطَ منه شيءٌ بالذي عزلوهُ لآلهتهم قالوا هذا لآلهتنا، واللَّهُ غنيّ عنها (٣)، ولم يَردُّوه إلى ما عزلوه للَّه، وما اختلطَ منه شيءٌ ممَّا سمَّوه لآلهتِهم بالذي سمَّوه للَّه، أخذوهُ وردُّوه إلى نصيبِ آلهتِهم، وقالوا: هذا كان لها، فهي أحقُّ به، وكانوا إذا زرعوا خَطُّوا خطًّا، فقالوا: هذا للَّه (٤)، وهذا لآلهتنا، وإذا حصدوا ممَّا وقع منه فيما جعلوهُ للآلهةِ؛ بأن ذهبت به الريح أو
стр. 2924
غير ذلك، تركوه، وما وقع منه فيما جعلوه للَّه، أعادوه إلى موضعه، وكان إذا نما وحسُن ما للَّه، وانتقص ما لآلهتِهم، جعلوا ذلك النَّامي لآلهتهم، ولم يَجعلوا ذلك في عكسه.
هذا في الحرث، فأمَّا في الأنعام، فكانوا يُسمُّون بعضها للَّه، وبعضَها لآلهتهم، فكانت إذا ولدَت ما للَّه إناثُها ميتًا، أكلوه، وإذا جعلوا لآلهتهم، فولدَت ميتًا، عظَّموهُ فلم يأكلوه، وبيان ذلك في تفسير البَحيرة والسَّائبةِ والوصيلة والحامي (١).
وقال قتادة: إنْ أصابَتهُم سنةٌ، أكلوا ما جعلوا للَّه، وتَركوا ما جَعَلوا لآلهتِهم (٢).
وقيل: ما سمَّوه للأصنام كانوا يُنفِقون عليها، وما سمَّوه (٣) للَّه نحروه (٤) للأضياف والسُّؤَّال، وكذا من الحرث.
وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ في شرعِ ما لم يَشرعِ اللَّه.
وقيل: أي: في تفضيلِ الأصنامِ على اللَّه (٥) في هذه المعاملة.
وقيل: إنَّ اللَّه تعالى قال: لو كان معي شريكٌ كما يقولون، فهذا ليس بعدلٍ في القسمة؛ أن تأخذوا منِّي ولا تُعطوني.
وقال الإمامُ أبو منصورٍ ﵀: فيه وجوه سفهٍ منهم:
أحدها: أنَّهم كانوا مقرِّين أنَّ اللَّهَ خلقَ الأشياءَ كلَّها، ثمَّ جعلوا ممَّا خلقَ نصيبًا للأصنام.
стр. 2925
ومنها: أنَّهم لم يُسوُّوا في هذه القسمة على ما حكينا، فأخبرَ أنَّه بئسَ الحكم، وهو كما قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢].
ومنها: أنَّ الأصنامَ لا تملكُ شيئًا، ولا تَعقِلُ شيئًا، فلا معنى لفعلِهم هذا (١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: لمَّا بنَوا قاعدةَ أمرِهم على موجبِ الهوى، صارت فروعُهم لائقةً بأُصولهم، فهو كما قيل:
إذا كان القضاءُ إلى ابن آوى... فتعديلُ الشُّهودِ إلى القرودِ (٢)
* * *
(١٣٧) - ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾؛ أي: كما زيَّنوا لهم تحريمَ هذه الحروثِ والأنعام بخلافِ حكم اللَّه، كذلك زيَّن لكثيرٍ منهم شركاؤهم قتلَ أولادِهم بغير أمر اللَّه به، وإذنِه فيه.
والشركاء: الشَّياطين هاهنا، لا الأوثان، فكانوا يُعظِّمون الشَّياطينَ ويَقبلون منهم، فصاروا شركاءَ لهم، أشركوهم باللَّه مِن هذا الوجه، كما كان الأوثانُ شركاءَ لهم، أوقعوا في قلوبِهم (٣) بطريقِ الوسوسة قتلَ البنات؛ خشيةَ الإملاقِ ولحوقِ
стр. 2926
العار، وإنما قال: ﴿لِكَثِيرٍ﴾، ولم يقل: للكلِّ؛ لأنَّ بني كنانة كانوا لا يَئدون البنات، روي ذلك عن الحسن ومجاهد والسُّدِّي (١).
وله وجه آخر: قال الكلبيُّ: كان لآلهتهم سَدَنَةٌ وخُدَّامٌ، هم الذين يُزيِّنون للكفَّارِ قتلَ أولادِهم، وكان الرَّجلُ يَحلِفُ في الجاهليَّة: لئن وُرلدَ له كذا غلامًا، ليَنحرنَّ أحدَهم، كما حلف عبدُ المطَّلب على ابنِه عبد اللَّه (٢)، وشركاؤهم هم السَّدنَةُ، وقتل الأولاد بهذا الوجه، وهو ممَّا لم يَأذن به اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾؛ أي: ليهلكوهم وقد رَدِيَ يَرْدَى ردًا، من باب: عَلِمَ؛ أي: هلك، وأرداهُ غيرُه إرداءً.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾؛ أي: ليُشبَّهوا ويُخَلِّطوا؛ أي: يُدخِلوا الشُّبهات والتَّخاليطَ في الدِّين الذي شرعَهُ اللَّهُ لهم، فيَتركوه.
وقال الكلبيُّ: وكانوا على دينِ إسماعيل (٣).
ويحتمل: ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ الباطل، وهو الشِّركُ فيَلزموه، والدِّينُ يَقعُ على الحقِّ والباطلِ، قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ فثَبتَ أنَّ الكائناتِ كلَّها بمشيئةِ اللَّهِ تعالى ﷻ ، وبطلَ به مذهبُ المعتزلة.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: يَكذبون بقولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨].
стр. 2927
وقرأ ابنُ عامر: ﴿زُيِّنَ لكثيرٍ مِن المشركين قتلُ أولادَهم شركائهم﴾ بضمِّ الزَّاي، ونصب الأولاد، وخفضِ الشُّركاء (١)، وتقديره: قتلُ شركائِهم أولادَهم، ففصل بين المضافِ والمضاف إليه، وقد وردَ مثل ذلك في الشعر، قال قائلهم شعر:
فزَججتُها بِمِزَجَّةٍ... زجَّ القلوصَ أبي مَزَادَهْ (٢)
أي: زجَّ (٣) أبي مزادةَ القلوصَ.
وأكثرُ النَّحويين على أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ القرآنَ لا يُحمَلُ على الشَّاذِّ القبيح (٤)، وقالوا: إنَّما حملَهُ على هذه القراءة؛ لأنَّها في مصاحفِ أهل الشام: ﴿شركائهم﴾ بالياء.
ويجوزُ حملُ ذلك على وجهٍ آخرَ أحسن من هذا: ﴿أَوْلَادِهِمْ﴾ بالخفض، و ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ كذلك؛ على أنَّه بدلٌ عنه.
وسُمُّوا شركاءَ لأنَّهم يَشْرَكونَهم في النَّسب والنَّعم والميراث.
стр. 2928
وقال الفرَّاء: ويجوز "شركايُهُم" بالياءِ ورفع الياء، على لغة من قال: عشايٌ، في عشاء (١)، قال الشاعر:
إذا الثُّريَّا طَلعت عشايا... فبعْ لراعي غنمٍ كِسايا (٢)
وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾؛ قيل: لو شاءَ اللَّهُ لأهلكَهُم فلم يَفعلوا ذلك.
وقيل: لأعجزَهم ومنعَهم عن ذلك.
وقيل: لأراهُم قبحَ فعلِهم، فلم يفعلوا، ولكن علمَ اللَّهُ مِنهم أنَّهم يَختارون ذلك، وشاءَ لهم ذلك، فذَرهم (٣).
قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾؛ فإنَّ ضررَ ذلك الافتراءِ عليهم، ليس علينا ولا عليك.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ صرَّح بأنَّ المدارَ على المشيئة، والاعتبارَ لسابق القضيَّة (٤).
* * *
(١٣٨) - ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
стр. 2929
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ ﴿حِجْرٌ﴾؛ أي: حرامٌ، مِن الحَجْرِ، وهو المنعُ، وهذه الأنعامُ والحرثُ هي التي ذُكرت قبل هذا في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ وقد فسَّرناهُما.
﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾؛ أي: قولِهم الباطل، وهو ما ذكرنا مِن الأصناف والمساكين (١).
وقال الكلبيُّ: أي: الرِّجالُ دون النِّساء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ هذا في الحامي كان الفحلُ إذا رُكِبَ ولدُ ولدِه قالوا: حمى ظهره، فلا يُركَبُ، ولا يُحمَلُ عليه، ولا يُمنَع عن مرعًى ولا ماء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قيل: هي أنعامٌ كانوا لا يُحرِّمونها، ويُبيحونَ الانتفاعَ بها، لكن كانوا لا يَذكرون اسمَ اللَّهِ عليها عند حملٍ أو ركوبٍ أو حَلْبٍ أو غيرِ ذلك.
وقيل: بل كانوا لا يَنتفعون بها، ولو انتفَعوا بها لذكروا اسمَ اللَّه عليها، خصوصًا (٢) إذا حجُّوا عليها؛ فإنَّهم كانوا يَذكرون اسمَ اللَّه عليها بالتَّلبية وغيرها.
وقال أبو وائل: لا يَحجُّون عليها.
وقال السُّدِّيُّ: لا يَذكرون اسمَ اللَّهِ عليها إذا ذبحوها (٣).
стр. 2930
وذكرَ الإمامُ أبو منصور ﵀ بعضُ هذه الأقاويل وغيرها، قال: وقيل: أي: لا يَذبحوها للأكل، ولا يَذكرون اسمَ اللَّه عليها وقت الرُّكوب، وهو قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الآية [الزخرف: ١٣]؛ لأنَّهم لا يَركبونها، ولكن يُسيِّبونها.
قال: والأقربُ إلى الصَّواب: لا يَنتفِعون بها ليَعرفوا نعمَ اللَّه، ويَشكروا لهُ عليها (١).
وقوله تعالى: ﴿افْتِرَاءً عَلَيْهِ﴾؛ أي: كذِبًا على اللَّه أنَّه أمرَهُم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وهذا وعيدٌ (٢).
* * *
(١٣٩) - ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾ قراءةُ العامَّة: ﴿خَالِصَةٌ﴾ بالرَّفع والتَّنوين، وليست للتأنيث، بل يقال في الاسم: خالصٌ وخالصةٌ، قال الشاعر:
كنتَ أمينِي وكنتَ خالِصَتي... وليس كلُّ امرئٍ بمؤتَمنِ (٣)
والخالصُ: الذي لا شوبَ فيه.
وقيل: الهاءُ للمبالغة، كما يقال: راويةٌ للشِّعرِ، وعلَّامةٌ، ونسَّابةٌ، ونحو ذلك.
стр. 2931
وقرأ سفيانُ بن الحسين: (خالصةً) بالنَّصب والتَّنوين (١) على أنَّها مصدرٌ، كالعافية والعاقبة واللَّاغية والطَّاغية؛ أي: خلوصًا لذكورنا.
وقرأ ابن عباس: (خَالِصُهُ لذكورنا) برفعِ الصَّاد وهاءِ الإضافة؛ أي: الخالصُ مِنه لذكورنا (٢).
وفي مصحفِ عبد اللَّه بن مسعود: (خالِصٌ لذكورنا) (٣) على التَّذكير؛ لأنَّه نعتٌ ﴿مَا﴾، وكذا بعده: ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾.
ومعناه: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ﴾ البحيرة ونحوِها من الألبان، في قول ابن عباسٍ والشعبيِّ (٤)، وقيل: من الأجِنَّة: مباحٌ لذكورِنا، فيتناولون مِنها، ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾؛ أي: إناثنا؛ لأنَّ الإناثَ هنَّ أزواجُ الرِّجال في الجملة، فلا يَحِلُّ لهنَّ شيءٌ مِن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ قرأ ابنُ كثير: ﴿يَكُنْ﴾ بياء التَّذكير، ﴿مَيْتَةً﴾ بالرفع، وهو اسمُ كان، والفعلُ مقدَّمٌ.
وقرأ ابنُ عامر: ﴿وإن تكن﴾ بتاء التَّأنيث، ﴿ميتةٌ﴾ رفع؛ لأنَّها مؤنَّثةٌ لفظًا.
وقرأ أبو جعفر: ﴿وإن تكن﴾ بالتاء، ﴿ميِّتةٌ﴾ بالتَّشديد والرَّفع (٥).
стр. 2932
وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكر وحمَّاد (١): (وإن تكن) بتاء التَّأنيث، ﴿مَيْتَةً﴾ بالنَّصب؛ لأنَّه خبرُ كان، والاسمُ مضمَرٌ على التَّأنيث؛ وإن تكن الأنعام؛ لأن ما في بطونِ الأنعامِ أنعامٌ.
وقرأ الباقون: ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ بياء التَّذكير، ﴿مَيْتَةً﴾ بالنَّصب (٢)، والاسمُ: ما في بطون، وهو مذكَّرٌ، معناه: وإن يكن ما في البطن ميتًا، فالذُّكورُ في حلِّ أكلِه والإناثُ سواءٌ.
وقوله تعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ ما تَصِفُ ألسنتُهم مِن التَّحليل والتَّحريم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿حَكِيمٌ﴾ في جزائهم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بأفعالهم.
وروَتْ عمرةُ عن عائشة ﵂ قالت: يَعمد أحدُهم إلى مالِهِ، فيَجعلُه للذُّكور مِن ولدِه دون الإناث، فتَجيء المرأةُ الغريبةُ فتَتَبحبحُ في ماله، وجعلَت ابنتُه تَمتدُّ عيناها إلى مالِ أبيها، ما فعلوه إلَّا كما أخبرَ اللَّهُ عنهم: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ (٣).
وقال الإمام القشيريَّ ﵀: أخبرَ عن أشياءَ ابتدعوها على ما أرادوا، وأمورٍ شرعوها على الوجهِ الذي اعتادوا، ثمَّ أضافوا ذلك إلى الحقِّ بغير دليل، ولا
стр. 2933
من جهة إذنٍ ورسول (١)، والإشارةُ فيه أنَّ مَن نحا نحوَهم في زيادةِ شيءٍ في الدِّين، أو نقصانِ شيءٍ مِن شرعِ المسلمين فهو مُضَاهٍ لهم في البطلان، ومنخرطٌ في سلكِهم في الطُّغيان (٢).
* * *
(١٤٠) - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: هَلَكوا وخابوا، والسَّفهُ: خفَّةُ الحِلم بالعَجلة إلى ما لا ينبغي له أن يَعجلَ إليه، ومِن السَّفهِ قتلُ النُّفوسِ المحرَّمةِ، خصوصًا من هو ولدُك وبعضٌ منك، ومَن لم يُذنب إليك ولا إلى غيرِك، ولا جنى جنايةً، وفيه قسوةُ قلبٍ، وقِلَّةُ رحمةٍ، وقطيعةُ رحمٍ، وإساءةٌ إلى بريءٍ، وجُرأةٌ على اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قال الإمام القشيريُّ ﵀: انسدَّتْ عليهم طرقُ الثَّقةِ بخالقِ العباد، فحملَتهُم خشيةُ الفقرِ على قتلِ الأولاد، ومن حقائقِ اليقين: كثرةُ العِيال على قلَّة المال (٣).
* * *
(١٤١) - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
стр. 2934
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ بيَّن تحريمَ المشركين بعضَ الحروثِ والأنعام، وبيَّن في هذه الآية أنَّها خُلِقَت لنا، وهي حلالٌ ليست بحرام.
و ﴿أَنْشَأَ﴾؛ أي: خلقَ وابتدأ، ﴿جَنَّاتٍ﴾ بساتين.
وقوله: ﴿مَعْرُوشَاتٍ﴾ قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ والسُّدِّيُّ: هي ما عُرِشَ مِن الكُروم (١) ونحوها (٢)، وهو رفعُ بعضِ أغصانِها على بعض.
وقيل: هو ما رُفع (٣) له حِظارٌ كالحائط.
والعرش في اللُّغة: هو الرَّفعُ، وسُمِّيَ السَّريرُ عرشًا؛ لارتفاعه، وقوله تعالى: ﴿خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]؛ أي: أعاليها. وقيل: هي الكرومُ يُجعَل لها عرائشُ، وهي كالسُّقوف، والعَرْشُ: السَّقف.
وقيل: المعروش (٤): ما يَقومُ على السَّاق، وغير المعروش: ما يَنبسِطُ على الأرض.
وعن ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ: المعروشات: المَسْموكات، وغيرُ المعروشات: ما خرجَ من الجبالِ والبرِّيَّة من الثِّمار (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ﴾ عطف على: ﴿جَنَّاتٍ﴾، وهي مفعولةٌ بـ ﴿أَنْشَأَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ نُصِب على القطعِ؛ لأنَّه نكرةٌ هي صفةٌ لمعرفة،
стр. 2935
والأكُل: الثَّمرُ؛ لأنَّه يُؤكَل، والنَّخل ألوانٌ كثيرةٌ، وكذلك الزَّرع، والهاء في ﴿أُكُلُهُ﴾ راجعةٌ إلى ما ذُكِر.
وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ عطف على ﴿جَنَّاتٍ﴾.
قوله تعالى: ﴿مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ نصب على القطعِ، وتفسيرُه ما مرَّ في قوله: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ [الأنعام: ٩٩]، والاشتباهُ والتَّشابهُ واحدٌ، يُقال: اشتبهَتِ الأمورُ وتَشابهت.
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾؛ أي: ثمرِ ما ذُكر، ﴿إِذَا أَثْمَرَ﴾؛ أي: استبيحوا أكلَهُ، ولا تحرِّموه كتحريمِ المشركين.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وحمزةُ والكسائيُّ بكسر الحاء، والباقون بفتحها (١)، وهما لغتان، كما في الجدادِ والصّرام والقطاف. وحقُّه العشر.
ويومُ حصادِه: وقت بلوغِه وفصله.
وقال الرَّبيع: هو لُقاطُ السُّنبل (٢).
وقال مجاهدٌ: إذا حصدتَ وحضرَك المساكين فاطرَح لهم مِنه، وإذا دُستَهُ وذَرَيْتَهُ فاطرَحْ لهم مِنه، وإذا عرفت كيله، فاعزل زكاته (٣) أي: عشره.
وقال الشَّعبيُّ: تعطي منه ضغثًا (٤).
стр. 2936
وقال مجاهد: كانوا يُعلِّقون العِذقَ عند الصِّرام، فيأكلُ منه الضيف ومن مر به (١).
وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: كان رجالٌ يَتبرَّعون (٢) عند صرامِه، فيقولُ الرَّجل: لا أمنعُ سائلًا حتَّى أُمسي، فعَمَدَ ثابتُ بنُ قيس بنِ شمَّاس إلى خمس مئةِ نخلةٍ، فجذها، ثمَّ قسمها في يومٍ واحدٍ، ولم يَترك لأهلِه شيئًا، فنزلت الآية: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ يعني في العطية (٣)، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ أسرفَ حتَّى لم يَترك لأهلِه شيئًا.
ومَن حملَهُ على العُشر فمعنى قوله: ﴿وَآتُوا﴾؛ أي: التزموا أداءَه، كما قال: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥]؛ أي: التزموا؛ لأنَّه لا يُسلَّمَ حين يحصد (٤) حتَّى يتمَّ.
وقال سعيدُ بنُ جبير: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: لا تُعطوا كلَّه (٥).
وقال الزُّهريُّ: لا تسرفوا؛ أي: لا تُنفِقوا في المعصية (٦).
وقال عبدُ الرحمن بنُ زيد: هو أمرٌ للسَّلاطين؛ أي: لا تَأخذوا فوق حظِّكُّم (٧).
стр. 2937
وقال مقاتلٌ وعطيَّة العوفي: أي: لا تشركوا الأوثان في الحرثِ والأنعام (١).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ كلُّ ما أنفَقْتَهُ في حظِّ نفسِك فهو إسرافٌ، وإن كانت سِمسِمةً، وما أنفقتَهُ في سبيلهِ فليس بإسرافٍ، ولو أربى على الآلاف (٢).
* * *
(١٤٢) - ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾؛ أي: وأنشأ مِن الأنعامِ حَمُولةً، وهي كبارُ الإبلِ التي تُطيقُ الحملَ، ﴿وَفَرْشًا﴾؛ أي: صِغارُها، وهو عن ابنُ عبَّاسٍ ﵄ والحسنُ ومجاهد (٣).
وقيل: الحَمولة: ما حُمل [عليه] من الإبل والبقر، وأما الفرشُ فهي الغنم، (٤) عن الحسن في روايةٍ (٥)، وهو قولُ قتادةَ والرَّبيع والسُّدِّيِّ والضَّحاك وابنِ زيد (٦).
وعن ابن عباسٍ ﵄ في روايةٍ: إنَّ الحَمولة ما حُمِل [عليه] مِن الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، وأما الفَرْشُ فهي الغنم (٧).
стр. 2938
والحَمولةُ جمعٌ لا واحدَ لها مِن لفظِها، وسُمِّي صغارُ الإبلِ فرشًا؛ لاستواء أسنانِها في الصِّغر والانحطاط، كاستواءِ ما يُفترَش.
وقال أبو عمرو: الحَمولةُ: الإبلُ، والفَرْشُ: البقرُ والغنم (١)، يقول: أنشأ مِن الأنعامِ حَمولةً يُنتفَع بها بالحملِ، وصِغارًا يُنتفَع بها من وجوهٍ أُخَر.
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أي: استبيحوا كلَّ هذه الأنعام، وهي الإبلُ والبقرُ والغنم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أي: ولا تَسلكوا سبيلَ الشَّيطان، ولا تتَّبعوا آثارَهُ في تحريمِها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة. وقيل: أي: مظهِرها، وأبان لازمٌ ومتعدٍّ، فاتَّهموه على أنفسكم وأديانكم.
* * *
(١٤٣) - ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ ترجمةٌ عن قوله: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾.
وقيل: نصب لأنَّه مفعولٌ بقوله: ﴿كُلُوا﴾.
وقيل: هو على الإغراء؛ أي: عليكم بها، فانتفعوا بها؛ فإنَّ اللَّهَ أباحَها لكم.
و ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾؛ أي: ثمانيةَ أصنافٍ، أو ثمانيةَ أفرادٍ، كل ذكرٍ وأنثى زوجان.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ قال الزَّجَّاجُ: الضأنُ جمع ضائن، كالتَّجْر جمع تاجر (٢).
стр. 2939
وقيل: هو جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه، ويُجمَع على: ضَئين، كعبد يُجمَعُ على عبيد.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمر و وابن عامر بتحريك العين (١)، وهي جمع ماعِز، وهي التُّيوسُ والعنوز.
وفي مصحف أبيّ: "ومن المِعْزَى" (٢)، وهي جمعٌ أيضًا، وقال امرؤ القيس:
إذا ما لمْ تَكُن إبلٌ فمِعْزَى... كأن قرونَ جِلَّتِها العصيُّ (٣)
وقوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الألفُ ألف الاستفهام.
وقوله تعالى: ﴿أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: حَوَتهُ وجمعَتهُ وانضمَّت عليه، والأرحام جمعُ رَحِم، وهي المشيمةُ، وهي موضعُ الولد.
وجَمَعَ الأرحام، وإن أضيفَت إلى اثنين؛ لأنَّ ما كان في الحيِّ مِنه عضوٌ واحدٌ، فالإضافة إلى الاثنين بالجمع، قال تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، يقول: أنشأ لكم ثمانيةَ أزواجٍ مِن الغنمِ ذكرًا وأنثى، ومن المعزِ ذكرًا وأنثى، ومن الإبل كذلك، ومن البقر كذلك، كلُّ ذكرٍ زوجٌ للأنثى، وكلُّ أُنثى زوج للذَّكر، فهي ثمانية أزواجٍ، وهم كانوا يُحرِّمون مِن هذه الأصناف الأربعة، فأمرَ اللَّهُ تعالى نبيَّه ﷺ أنْ يُحاجَّهم، ويُبطِلَ وجهَ تحريمِهم، فقال: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي:
стр. 2940
الذَّكر من الضَّأنِ والذَّكرُ مِن المعز (١) حرَّم؟ أم الأنثى مِن هذه والأنثى (٢) من هذه؟ أم حرَّم الأجنَّةَ التي اشتملَت عليها الأرحام دون الأصول كالذُّكور والإناث؟ فإنْ كان حرَّم الذُّكور، فيجبُ أن يكونَ كلُّ ذكرٍ حرامًا، وإنْ كان حرَّم الأُنثى، فيجبُ أن تكونَ كلُّ أنثى حرامًا، وإنْ كان حرَّم الجنينَ، فيجبُ أن يكونَ كلُّ جنينٍ حرامًا، وهم لا يقولون ذلك، فتناقضَت مقالاتُهم، وظهرَتْ محالاتهم.
وقوله تعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ أي: أخبروني بحجَّةِ ما تَقولون مِن طريقِ العِلم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم.
* * *
(١٤٤) - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ﴾؛ أي: ذكرًا وأنثى أيضًا، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ كذلك.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أي: مِن الإبلِ والبقر كالأوَّل.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ وقال في الآية الأولى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾، وحاصِلُه أنَّ العلومَ ثلاثةٌ؛ استدلالٌ، وعِيانٌ، وخبر، فقد
стр. 2941
أبطلَ الاستدلالَ بأوَّل هذه الآية، ولا عِيان أيضًا؛ فإنَّهم لم يقولوا: شِهدنا اللَّهَ أمرَ به، ولا خبرَ لهم مِن صادقٍ؛ فإنَّهم لا يَقولون بالرُّسل، فثبتَ أنَّه لا علمَ لهم أصلًا في هذا، فلم يبقَ إلا الافتراء، وهو ظلم، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
وروي أنَّ مالك بن عوف النَّصريّ الجُشَميّ، وكنيتُه: أبو الأحوص (١) جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقال: يا محمَّدُ، بلغَنا أنَّك لا تُحرِّمُ ما كان آباؤنا يُحرِّمونَه، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنَّ اللَّه تعالى خلقَ ثمانيةَ أزواجٍ، وساق الكلامَ إلى آخر الآيتين، فتحيَّر مالكٌ، وعرفَ أنَّه محجوجٌ، فقال: كذلك فعل آباؤنا.
وفي روايةٍ قال: إنَّ معي جماعةً مِن قومي، فآتيهم فأخبرهم، فأتى قومَه، فقالوا له: كيف رأيته؟ فقال: رأيتُه رجلًا معلَّمًا.
* * *
(١٤٥) - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وفي روايةٍ قال: يا محمَّد، فما هذه التي حرَّمَها آباؤنا مِن البحيرة والسَّائبةِ والوصيلة والحامي، فنزل قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ
стр. 2942
يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾؛ أي: مصبوبًا، وعنى به السَّائلَ، فلا يَحرم الدَّمُ الذي في اللَّحم، ولا الكبد، ولا الطِّحال.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾؛ أي: نجسٌ، والهاءُ تَرجِعُ إلى الخنزير، فدلَّ على أنَّه نَجِسُ العين.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ أي: مفسوقًا به، وهو المذبوحُ للصَّنم (١).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دليلٌ على أنَّ المحرَّمَ من الميتةِ أكلُها، فلا يَحرُمُ شعرُها وعظمُها وقرنُها، والجلدُ قبل الدِّباغِ يَحرمُ؛ لأنَّه قد يُشوى فيؤكل، فإذا دُبغ خرج عن الأكل، وجاز الانتفاعُ به.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تعلق بِشْرٌ بظاهرِه، ولم يُحرِّم شيئًا سوى ما ذُكِر في هذه الآية، وقال في نهيِ النَّبيِّ ﷺ عن كلِّ ذي نابِ مِن السِّباع، وكلِّ ذي مخلبٍ مِن الطير (٢): إنَّه خبرُ الواحد، فلا يُترَكُ به النصُّ، ولكنَّا نقولُ: الآيةُ في إخبارِه أنَّه لا يَجِدُ فيما أُوحيَ إليه يومَ قال إلَّا ذلك، ثمَّ ثبتَ حرمةُ أشياءَ بالقرآن، وحرمةُ أشياء بقول النبيِّ ﷺ ، وهذا الخبرُ مشهورٌ، تلقَّتهُ العلماءُ بالقَبول، فجازَ به الزِّيادةُ على النَّصِّ (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: اضطرَّ إلى شيءٍ مِن هذه المحرَّمات ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ بمجاوزة قدرِ الحاجة، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ بالتَّزوُّد، وقد بيَّنَّا فيه أقاويل أُخرَ في سورة البقرة (٤).
стр. 2943
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغفِرُ له الأكلَ عند الضَّرورة، ﴿رَحِيمٌ﴾ بإثباتِ الرُّخصةِ.
* * *
(١٤٦) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أخبرَ أنَّه حرَّمَ على اليهودِ أشياءَ ببغيِهم على أنبيائِهم وتَحاسُدهم فيما بينهم، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]؛ منها أكلُ كلِّ ذي ظفر.
قال ابنُ عباس ﵄ وسعيدُ بنُ جبير ومجاهدٌ وقتادةُ والسُّدِّيُّ: هو كلُّ ما ليس بمفرَّجِ (١) الأصابع، كالإبلِ والنَّعامِ والوزِّ والبطّ (٢).
وقيل: يدخلُ فيه أنواعُ السِّباعِ والكلاب والسَّنانيرِ، وسائرِ ما يَصطادُ بظُفرِه مِن الطَّير.
وذكر القتيبيُّ أنَّ كلَّ ذي مخلبٍ مِن الطَّير، وكلَّ ذي حافرٍ مِن الدَّوابِّ داخلٌ فيه، وحكاهُ عن بعض المفسِّرين (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ ومحرَّمٌ آخرُ عليهم شحومُ البقر والغنم، واستثنى من ذلك شحمَ الظُّهور والحوايا أنَّه لم يُحرَّم
стр. 2944
عليهم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ جمَعَ الظَّهر لأنه فردٌ مِن اثنين أضيف إليهما، كما في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
وقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ جمع حَوِيَّة وحاوياء، فالفعيلةُ تُجمَعُ على فعائل، كالسَّفينة والسَّفائِن، والفاعلاء على فواعل، كالقاصِعاء والقواصع، وفي المعتل يجمع بألفٍ في آخره، كالبليَّة والبلايا، والعَطِيَّة والعطايا، وفي عطفِه وجهان:
قيل: هو رفع عطفًا على قوله: ﴿ظُهُورُهُمَا﴾، وتقديره: أو حملَتهُ الحوايا مِن الشُّحوم.
وقيل: هو عطفٌ على: ﴿إِلَّا مَا﴾؛ أي: وإلَّا شحومَ الحوايا.
وقال ابنُ عباس وسعيدُ بنُ جُبير وقتادةُ ومجاهدٌ والسُّدِّيُّ: ﴿الْحَوَايَا﴾: المباعر (١).
وقال أهلُ اللُّغة: هي ما تَحَوَّى في البطن، فاجتمعَ واستدار.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو كلُّ وَدَكٍ اتَّصلَ بعظمٍ كالألْيَة، وما في القوائم والجُنوب والرؤوس والعيون والآذان والمخ، فإنَّه مستثنًى أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخْبَرْنا به، لا أنتم فيما قلتُم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (٢) هو سمينُ اللَّحم، وقيل: هو غيرُ ذلك، وكذا اختلفَ في ذي الظُّفر وفي قوله: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، وليس بنا إلى معرفةِ ذلك حاجةٌ؛ لأنَّ تلك شريعةٌ قد نُسِخَت، ولكن
стр. 2945
بنا أن نَعرفَ أنَّ ذلك التَّحريمَ كان بِبغيِهم، وبطل بذلك دعواهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فإنَّ الأبَ والحبيبَ لا يُحَرِّمُ الحلالَ على الابن والحبيبِ بأدنى ظلمٍ.
ودلَّت الآيةُ على صدقِ رسالة النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّه أخبرَ عمَّا كانوا يُخفونَهُ، ولم يكن ذلك ظاهرًا عند أحدٍ مِن غيرِهم، فدلَّ أنَّه باللَّه علمَ ذلك بوحيٍ منه إليه (١).
* * *
(١٤٧) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ أي: فيما أوحيتُ إليك مِن هذا، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (٢) وبها يُمهِل المكذِّبين، ولا يعاجلهم بالعقوبة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: إنَّ عذابَهُ وإن تأخَّر، فإذا جاء لم يُرَدَّ عن المجرمين؛ أي: لا يمكنُ ردُّه.
وقيل: ذكر قولَهُ: ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ بعد التَّكذيبِ؛ دعاءً لهم إلى ترك التَّكذيب، وبيان أنَّهم إذا تركوه رحمَهم وأكرمَهم، قاله الحسن (٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾؛ أي: بالمصدِّقين، ولا يُرَدُّ بأسُه عن المكذِّبين، وفيه بيانُ تَخصيص الأولياءِ بالكرامةِ