← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

أبطلَ الاستدلالَ بأوَّل هذه الآية، ولا عِيان أيضًا؛ فإنَّهم لم يقولوا: شِهدنا اللَّهَ أمرَ به، ولا خبرَ لهم مِن صادقٍ؛ فإنَّهم لا يَقولون بالرُّسل، فثبتَ أنَّه لا علمَ لهم أصلًا في هذا، فلم يبقَ إلا الافتراء، وهو ظلم، وذلك قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وروي أنَّ مالك بن عوف النَّصريّ الجُشَميّ، وكنيتُه: أبو الأحوص (١) جاء إلى رسول اللَّه ﷺ ، وقال: يا محمَّدُ، بلغَنا أنَّك لا تُحرِّمُ ما كان آباؤنا يُحرِّمونَه، فقال رسول اللَّه ﷺ : إنَّ اللَّه تعالى خلقَ ثمانيةَ أزواجٍ، وساق الكلامَ إلى آخر الآيتين، فتحيَّر مالكٌ، وعرفَ أنَّه محجوجٌ، فقال: كذلك فعل آباؤنا. وفي روايةٍ قال: إنَّ معي جماعةً مِن قومي، فآتيهم فأخبرهم، فأتى قومَه، فقالوا له: كيف رأيته؟ فقال: رأيتُه رجلًا معلَّمًا. * * * (١٤٥) - ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وفي روايةٍ قال: يا محمَّد، فما هذه التي حرَّمَها آباؤنا مِن البحيرة والسَّائبةِ والوصيلة والحامي، فنزل قولُه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ

стр. 2942

يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾؛ أي: مصبوبًا، وعنى به السَّائلَ، فلا يَحرم الدَّمُ الذي في اللَّحم، ولا الكبد، ولا الطِّحال. وقوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾؛ أي: نجسٌ، والهاءُ تَرجِعُ إلى الخنزير، فدلَّ على أنَّه نَجِسُ العين. وقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ أي: مفسوقًا به، وهو المذبوحُ للصَّنم (١). وقوله تعالى: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ دليلٌ على أنَّ المحرَّمَ من الميتةِ أكلُها، فلا يَحرُمُ شعرُها وعظمُها وقرنُها، والجلدُ قبل الدِّباغِ يَحرمُ؛ لأنَّه قد يُشوى فيؤكل، فإذا دُبغ خرج عن الأكل، وجاز الانتفاعُ به. وقال الإمام أبو منصور ﵀: تعلق بِشْرٌ بظاهرِه، ولم يُحرِّم شيئًا سوى ما ذُكِر في هذه الآية، وقال في نهيِ النَّبيِّ ﷺ عن كلِّ ذي نابِ مِن السِّباع، وكلِّ ذي مخلبٍ مِن الطير (٢): إنَّه خبرُ الواحد، فلا يُترَكُ به النصُّ، ولكنَّا نقولُ: الآيةُ في إخبارِه أنَّه لا يَجِدُ فيما أُوحيَ إليه يومَ قال إلَّا ذلك، ثمَّ ثبتَ حرمةُ أشياءَ بالقرآن، وحرمةُ أشياء بقول النبيِّ ﷺ ، وهذا الخبرُ مشهورٌ، تلقَّتهُ العلماءُ بالقَبول، فجازَ به الزِّيادةُ على النَّصِّ (٣). وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ أي: اضطرَّ إلى شيءٍ مِن هذه المحرَّمات ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ بمجاوزة قدرِ الحاجة، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ بالتَّزوُّد، وقد بيَّنَّا فيه أقاويل أُخرَ في سورة البقرة (٤).

стр. 2943

وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَغفِرُ له الأكلَ عند الضَّرورة، ﴿رَحِيمٌ﴾ بإثباتِ الرُّخصةِ. * * * (١٤٦) - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أخبرَ أنَّه حرَّمَ على اليهودِ أشياءَ ببغيِهم على أنبيائِهم وتَحاسُدهم فيما بينهم، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]؛ منها أكلُ كلِّ ذي ظفر. قال ابنُ عباس ﵄ وسعيدُ بنُ جبير ومجاهدٌ وقتادةُ والسُّدِّيُّ: هو كلُّ ما ليس بمفرَّجِ (١) الأصابع، كالإبلِ والنَّعامِ والوزِّ والبطّ (٢). وقيل: يدخلُ فيه أنواعُ السِّباعِ والكلاب والسَّنانيرِ، وسائرِ ما يَصطادُ بظُفرِه مِن الطَّير. وذكر القتيبيُّ أنَّ كلَّ ذي مخلبٍ مِن الطَّير، وكلَّ ذي حافرٍ مِن الدَّوابِّ داخلٌ فيه، وحكاهُ عن بعض المفسِّرين (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ ومحرَّمٌ آخرُ عليهم شحومُ البقر والغنم، واستثنى من ذلك شحمَ الظُّهور والحوايا أنَّه لم يُحرَّم

стр. 2944

عليهم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ جمَعَ الظَّهر لأنه فردٌ مِن اثنين أضيف إليهما، كما في قوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]. وقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ جمع حَوِيَّة وحاوياء، فالفعيلةُ تُجمَعُ على فعائل، كالسَّفينة والسَّفائِن، والفاعلاء على فواعل، كالقاصِعاء والقواصع، وفي المعتل يجمع بألفٍ في آخره، كالبليَّة والبلايا، والعَطِيَّة والعطايا، وفي عطفِه وجهان: قيل: هو رفع عطفًا على قوله: ﴿ظُهُورُهُمَا﴾، وتقديره: أو حملَتهُ الحوايا مِن الشُّحوم. وقيل: هو عطفٌ على: ﴿إِلَّا مَا﴾؛ أي: وإلَّا شحومَ الحوايا. وقال ابنُ عباس وسعيدُ بنُ جُبير وقتادةُ ومجاهدٌ والسُّدِّيُّ: ﴿الْحَوَايَا﴾: المباعر (١). وقال أهلُ اللُّغة: هي ما تَحَوَّى في البطن، فاجتمعَ واستدار. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ هو كلُّ وَدَكٍ اتَّصلَ بعظمٍ كالألْيَة، وما في القوائم والجُنوب والرؤوس والعيون والآذان والمخ، فإنَّه مستثنًى أيضًا. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخْبَرْنا به، لا أنتم فيما قلتُم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (٢) هو سمينُ اللَّحم، وقيل: هو غيرُ ذلك، وكذا اختلفَ في ذي الظُّفر وفي قوله: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، وليس بنا إلى معرفةِ ذلك حاجةٌ؛ لأنَّ تلك شريعةٌ قد نُسِخَت، ولكن

стр. 2945

بنا أن نَعرفَ أنَّ ذلك التَّحريمَ كان بِبغيِهم، وبطل بذلك دعواهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فإنَّ الأبَ والحبيبَ لا يُحَرِّمُ الحلالَ على الابن والحبيبِ بأدنى ظلمٍ. ودلَّت الآيةُ على صدقِ رسالة النَّبيِّ ﷺ ؛ فإنَّه أخبرَ عمَّا كانوا يُخفونَهُ، ولم يكن ذلك ظاهرًا عند أحدٍ مِن غيرِهم، فدلَّ أنَّه باللَّه علمَ ذلك بوحيٍ منه إليه (١). * * * (١٤٧) - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ أي: فيما أوحيتُ إليك مِن هذا، ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (٢) وبها يُمهِل المكذِّبين، ولا يعاجلهم بالعقوبة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: إنَّ عذابَهُ وإن تأخَّر، فإذا جاء لم يُرَدَّ عن المجرمين؛ أي: لا يمكنُ ردُّه. وقيل: ذكر قولَهُ: ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ بعد التَّكذيبِ؛ دعاءً لهم إلى ترك التَّكذيب، وبيان أنَّهم إذا تركوه رحمَهم وأكرمَهم، قاله الحسن (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾؛ أي: بالمصدِّقين، ولا يُرَدُّ بأسُه عن المكذِّبين، وفيه بيانُ تَخصيص الأولياءِ بالكرامةِ

стр. 2946

والرَّحمة (١)، وتخصيصِ الأعداءِ بالطَّرد واللَّعنة، فالصُّورةُ الإنسانيَّةُ جامعةٌ (٢) لهم، والقسمةُ الأزليَّةُ فاصلةٌ بينهم (٣). * * * (١٤٨) - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: يَتعلَّقون بمثلِ هذا الكلام في تكذيبِك، وثبوتِهم على شركِهم، وتحريمِهم ما لم يُحرِّمهُ اللَّه. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كتكذيبهم إيَّاك كان تكذيبُ المتقدِّمينَ رسلَهم، وتعلُّقُهم بمثلِ هذا، فلم يَنفعهم ذلك، إذ لم (٤) يَقولوا ذلك عن اعتقادٍ (٥)، بل قالوه استهزاءً. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾؛ أي: لاقوا عذابَنا، فالكلامُ حقٌّ، لكن قالوه استهزاءً فذُمُّوا به لذلك، وهو كقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]، وكقوله: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١]، فالقولان حقَّان، لكن لم يقولوا ذلك عن اعتقادٍ، فرُدَّ عليهم ذلك،

стр. 2947

وذُمُّوا به، وهذا يكشفُ بطلان وَهْمِ (١) المعتزلة أن اللَّه عابَهم بالإضافة إلى المشيئةِ، فدلَّ أنَّه باطلٌ؛ لأَنا بيَّنَّا وجهَهُ، ولأنَّه لم يقل: كذلك كَذَبَ الذين؛ بالتَّخفيف، ليكون وصفًا لهم بالكذبِ في هذا القولِ، بل قال بالتَّشديد، فكان المردودُ عليهم تكذيبَهم؛ لأنَّهم (٢) جعلوا مشيئتَهُ حجَّة لهم على أنَّهم معذورون به، وهذا مردودٌ، لا الإقرارُ بالمشيئة. ثمَّ المعتزلةُ مِن هذا الوجه شرٌّ مِن المشركين؛ لأنَّ المشركين أقرُّوا بمشيئة اللَّه تعالى، والمعتزلةُ نفَوها، مع أنَّ اللَّه تعالى أثبتَها في آياتٍ، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢]، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وكلُّها في هذه السُّورة، وكذا قال تعالى بعد هذا: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وقال الحسن: أرادوا بالمشيئة هاهنا الرضا، وقالوا: لولا أنَّ اللَّهَ رضيَ به لعاجَلَنا بالعقوبة، فردَّ اللَّهُ عليهم (٣). وقيل: كانوا يَدعون مِن هذا الوجهِ أمرَ اللَّهِ به، كما قالوا: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨]، فرَدَّ عليهم. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾؛ أي: مِن حُجَّةٍ في هذا تُعدُّ عِلمًا في أنَّ مشيئتَه شرككَم تُبيحُ لكمُ المقامَ عليه، وفي أنَّه رضيَ بهِ، وفي أنَّه أمرَ به؛ أي: فلا حجَّة لكم مِن جهةِ العلم بوجهٍ يَصِحُّ التَّعلُّقُ به.

стр. 2948

وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾؛ أي: ما يتبعون إلَّا الظَّنَّ (١)، ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾؛ أي: وما أنتم إلَّا تَكذِبون، وظنُّهم: وهمُهم أنَّ مشيئةَ اللَّه تعالى عذرٌ لهم. * * * (١٤٩) - ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ نهايتَها عليهم، بأوامرِه ونواهيه، ولا حجَّة لهم على اللَّه بمشيئتِه وإرادته. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وهي دامغةُ المعتزلين (٢) المبطِلين. * * * (١٥٠) - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ "هلمَّ" يوحِّدُه أهلُ العالية في كلِّ حال، وأهلُ نجدٍ يقولون: هلمَّ، هلمَّا، هلمُّوا، هلمِّي (٣)، هلمُمْن (٤). وقال سيبويه: هو هاء التنبيه ضُمَّ إليها: لم (٥).

стр. 2949

وقال الأخفش: هو "هل" (١) ضمَّ إليها "أم" (٢). وهو يكون لازمًا، كما في قوله: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]، ويكون متعدِّيًا، كما في هذه الآية: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾؛ أي: قرِّبوا واحضِروا الذين يَشهدون لكم. قيل: أرادَ به الأصنام فإنهم كانوا يسمُّونها شهداء، قال اللَّه تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ولا يُتصوَّرُ منها الشهادة، ولكنَّ هذا مبالغةٌ في النَّفي، كما قال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾، ثمَّ قال: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]. وقيل: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ ولا يَجِدون مَن يَشهَدُ لهم بذلك الَّا أنفسُهم، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ لأنفسهم بأنفسهم، أو بعضُهم لبعض، فلا تُحقِّقُ شهادتَهم، ولا تُصغِ إليها، ولا تَقبلها. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: دعاويهم المبنيَّة على الأهواء. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؛ أي: الأصنامَ، كما افتتح به السُّورة. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أشار إلى أنَّ ما تجرَّدَ عن برهانٍ يُصحِّحُه، وبيانٍ يُوَضِّحُه، فغيرُ مقبولٍ من قائلِه، ولا عذرِ لقائلِه (٣).

стр. 2950

(١٥١) - ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ هذه الآيةُ وآيتان بعدَها آياتٌ محكماتٌ، كانت أحكامُها ثابتةً في كلِّ الأُمم، لم تُنسَخ، ولا تُنسَخ، وهنَّ جوامعُ أصولِ الدِّين ومعالي الأخلاق، وفيها مصالحُ الدَّارين، يقول: قل للمشركينَ: احْضُروا أقرأ عليكم ما حرَّم ربُّكم عليكم، فهي المحرَّمة دون ما تُحرِّمون ممَّا عددنا، يعني البحيرةَ ونحوها (١). وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ قال الزَّجَّاج: أي: وصَّى ألَّا تشركوا به شيئًا فقد قال تعالى: ﴿وَصَّاكُمْ﴾ في آخر هذه الآية (٢). وقيل: تقديره: وهو أن قال: لا تشركوا به شيئًا. وقيل: يقع عليه: ﴿حَرَّمَ﴾، ويحذف: "لا"، وتقديرُه: حرَّم عليكم أنْ تشركوا به شيئًا، كما في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾؛ أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، وإنَّما ذكرَه في المحرَّمات لأنَّ إيجابَ الإحسان تحريمٌ لتركِ الإحسان، فهو معطوفٌ على المحرَّم معنًى لا لفظًا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾؛ أي: مِن خوفِ فقرٍ.

стр. 2951

وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾؛ أي: رزقُكم ورزقُهم منَّا لا منكم، فما يَحمِلُكم على قتلِهم؟ ذكرَ حقوقَ الأولادِ بعد حقوقِ الوالدين. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾؛ أي: اجتنبوا القبائحَ كلَّها، ظاهرَها وباطنَها؛ فإنَّ اللَّهَ مطَّلِعٌ على جميعِها. وعن ابن عباسٍ ﵄ قال: كان من الكفَّار مَن لا يرى بأسًا بالزِّنى سرًّا، وكذا قال الضَّحَّاك والسُّدِّيُّ (١). وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الزِّنى، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ منها المخالَّةُ. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قيل: الظَّاهرُ ما بينَك وبين الخلق، والباطنُ ما بينَك وبين اللَّه تعالى. وقيل: الظَّاهرُ بالجوارح، والباطنُ بالقلب (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بما يحقُّ به قتلُها، ومن ذلك ما قال النبيُّ ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلَّا بأحدِ معانٍ ثلاثة؛ كفرٍ بعد إيمان، وزِنًى بعد إحصان، وقتلِ نفسٍ بغيرِ حقٍّ" (٣). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: هذه الأشياءُ أكَّدَ اللَّهُ الأمرَ بها؛ لتعقِلوا عظمَها عند اللَّه، فتمتثلوا أمرَهُ فيها.

стр. 2952

وقال الرَّبيعُ بنُ خثيم لأخٍ له: هل لك في صحيفةٍ عليها خاتَم محمَّد، ثمَّ قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إلى آخر الآيات (١). * * * (١٥٢) - ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قيل: هو جمعُ شَدّ، بفتح الشين، وهو القوَّة، قال عنترة في رواية المفضل الضبِّي: عهدي به شَدَّ النهارِ كأنَّما... خُضِبَ البنانُ ورأسُهُ بالعِظْلِمِ (٢) أي: قوَّةَ ضيائِه عند ارتفاعِه. وقيل: هو جمعُ شِدَّة، كالأَنْعُم، جمع نعمة، قاله (٣) ابن الأعرابي، وهو بلوغُ كمالِ قوَّتِه وعقلِه (٤). وقال مالك وربيعةُ وعبدُ الرَّحمن بنُ زيد ويحيى بنُ يعمر: هو أنْ يحتلم أو يبلغ أوانه (٥).

стр. 2953

وقال الشَّعبيُّ: هو حين يُكتَبُ عليه عملُه (١). وقيل: أوانُه هو بلوغُ خمس عشرةَ سنة. وقيل: ثماني عشرة سنة. وهذا خطابٌ للقضاةِ والأوصياء في حقِّ الصِّغار والصغائرِ الذين لا آباءَ لهم، ألَّا يتصرَّفوا في أموالِهم إلَّا بالعقود التي هي أحسن؛ أي: أنفعُ وأنظرُ لهم، إلى وقت البلوغ، ثمَّ تَنقطعُ ولايتهم عنهم. وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾؛ أي: أتِمُّوا الكيلَ في المكيلات، والوزنَ في الموزونات، إذا أدَّيتم ما عليكم مِنها، والميزانُ بمعنى الوزنِ كالميعادِ بمعنى الوَعد، والميقاتِ بمعنى الوقت (٢)، والميزانُ اسمٌ لما يُوزَنُ به، والكيلُ هاهنا اسمٌ لما يُكالُ به، ويكونُ بمعنى المكيال، وهو إطلاقُ اسم المصدر (٣) على اسم الآلة، وإنَّما حملناه على الأوَّل، وهو المصدر فيهما، أو على الثاني، وهو الآلةُ فيهما؛ ليتَّفِقا ولا يَختلفا. والقِسْطُ: العدلُ، وهو التَّسويةُ في الإيفاء والاستيفاء، دون الازديادِ في الاستيفاء، والنُّقصان في الإيفاء؛ فإنَّه جورٌ، وفيه وعيدٌ بقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ الآية [المطففين: ١]. قوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ أي: طاقتَها، فلا يُؤاخِذُها بتقصيرٍ يَقعُ في الكيلِ والوزنِ مِن غير قصدٍ، مع الاجتهادِ في مراعاة العدل.

стр. 2954

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ وهذا في الشَّهادة، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ولو كان المشهودُ له أو المشهودُ عليه ذا قرابةٍ، فما يَنبغي لكم أنْ تَميلوا وتَتركوا العدلَ. وقوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾؛ أي: بأوامرِه ونواهيهِ، وبأيمانِكم ونذوركِم. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١)؛ أي: أمرَكُم به، وأكَّد الأمرَ لتتَّعظوا، وأصلُه: تتذكرون، فأُدغِمت التَّاءُ الثَّانيةُ في الذَّال. * * * (١٥٣) - ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ قرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلف (٢): ﴿وإنَّ﴾ بالكسر على الابتداء، أو على تقدير: وأقول: إنَّ هذا صراطي مستقيمًا. وقرأ ابنُ عامر بفتح الألفِ وتسكين النُّون؛ عطفًا على قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ ﴿وأنْ هذا﴾. وقرأ الباقون بفتح الألفِ وتشديد النُّون (٣)، عطفًا على ذلك أيضًا، وإنَّما شدَّد لدُخولِها على الاسم هاهنا. وقيل: هو متَّصلٌ بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾، وبـ ﴿أَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾. وقوله: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ نُصبَ على القطع؛ لأنَّه نكرةٌ نُعِتَ به مضافٌ، وهو معرفةٌ،

стр. 2955

يقول: ما تقدَّم ذكرُه هو (١) طريقي، وهو مستقيمٌ يُفضِي بسالكه إلى الجنَّة. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾؛ أي: اسلكوهُ ولا تَزيغوا عنه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: ما سواه من الطُّرقِ الجائرة. وقال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ أرادَ به دينَ الإسلام، ﴿مُسْتَقِيمًا﴾؛ أي: قائمًا، وهو الطريقُ الأعظم، ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: اليهوديَّة والنَّصرانيَّة والمجوسيَّة وعبادةَ الأوثان (٢). وقال مجاهد: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾؛ أي: البدعَ والشُّبهات (٣). وقوله تعالى: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أي: تتفرَّق بكم عن هذا السَّبيل المستقيمِ بجعلكم مفارقيه. وقيل: ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾؛ أي: تُفرِّقُ بعضَكم عن بعضٍ بالاختلاف، ومعنى ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أي: بعد الاجتماع في سبيلِه، كما يقال: كسوتُكَ عن عُرِي، أي: بعد عُرِي. وروى ابنُ مسعود ﵁: عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه خطَّ بأصبعِه خطًّا مستقيمًا، وقال: "هذا صراطُ اللَّه مستقيمًا"، ثمَّ خطَّ خطوطًا يمينًا وشمالًا، ثم قال: "هذه السُّبل مشتركةٌ، وليس مِن هذه السُّبل سبيلٌ إلَّا وعليه شيطانٌ يَدعو إليه"، ثمَّ قرأ هذه الآية (٤).

стр. 2956

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: ذكَرَ أوَّلًا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ثم قال: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾، ثم قال: ﴿تَتَّقُونَ﴾؛ لأنَّهم إذا عقَلوا تَفكَّروا فتذكَّروا؛ أي: اتَّعظوا، فاتَّقوا المحارمَ والمهالك (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ الآيات؛ هذه أشياءُ عشرةٌ تَضمَّنتها هذه الآيات: أوَّلُها: الشِّركُ، فإنَّه رأسُ المحرَّمات، والذي لا يُقبَلُ معه شيءٌ مِن الطَّاعات، ويَنقسم ذلك إلى جليٍّ وخفيّ؛ فالجليُّ عبادةُ الأصنام، والخفيُّ ملاحظةُ الأنامِ بعين الإعظام. والثاني من هذه الخصال: توقيرُ الوالدين، وتركُ العقوقِ بحفظِ ما يَجبُ لهم مِن أكيداتِ الحقوق. وبعد ذلك: قتلُ الأولادِ خشيةَ الإملاقِ وإراقةُ دمائِهم بغيرِ استحقاق. ثمَّ ركوبُ الفواحش ما بطنَ منها وما ظهر، وما بدا مِنها وما استَتر، ويدخل في ذلك جميعُ الآثام. ثمَّ قتلُ النَّفسِ بغيرِ حقٍّ، وذلك إنَّما يكون لفقدِ شفقةِ الخلق. ثمَّ مجانبةُ مالِ اليتيم، والنَّظرُ إليه بعين التَّكريم. ثمَّ بذلُ الإنصافِ في المعاملات، والتَّوقِّي عن جميعِ التَّبِعات. ثمَّ الصِّدق في القول، والعدلُ في الفعل. ثمَّ متابعةُ السَّبيل بما يُشيرُ إليه لوائحُ الدَّليل.

стр. 2957

فمن قابلَ هذه الأوامرَ بجميل الاعتناق، سَعِدَ في داريه، وحَظيَ بعظائم منزلتيه (١). * * * (١٥٤) - ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾؛ أي: ثمَّ اتلُ عليهم هذا. وقيل: ﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لترتيبِ الأخبارِ لا الوجود؛ أي: ثمَّ نخبِرُكم أنَّا آتينا موسى الكتابَ كما آتيناك، وهو ما تتلو عليهم، وقد مرَّت له نظائر. وقيل: هذا يتَّصلُ بقصَّة الأنبياء: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣]، وكذا (٢): ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ٨٣]. وقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قرأ يحيى بن يعمر: (أحسنُ) برفع النُّون (٣)، وقرأ العامَّةُ بفتحِها، وفي مصحف عبد اللَّه بن مسعود ﵁: (على الذين أحسنوا) (٤)، و ﴿الَّذِي أَحْسَنَ﴾ في معناه؛ لأنَّه جنسٌ فيَصلُحُ للجمع. وقيل: ﴿الَّذِي﴾ بمعنى "ما"، وتقديره: على ما أحسنَ، ويكون معناهُ المصدر؛ أي: على إحسانِه وإنعامِه، ثمَّ في معناه خمسةُ أقاويل:

стр. 2958

قال الرَّبيع والفرَّاء: تمامًا على إحسان موسى بطاعاته (١)، كأنَّه قال: ليُتِمَّ إحسانَهُ الذي يَستحِقُّ به كمالَ ثوابِه في الآخرة. وقال مجاهدٌ: تمامًا على المحسنين (٢)؛ أي: تمامًا للنِّعمة على المحسنين الذين هو أحدُهم. وقال ابنُ زيد: تمامًا على إحسان اللَّهِ إلى أنبيائه (٣). وقال الحسنُ وقتادة: أي: لتمام كرامته في الجنة على إحسانه في الدنيا (٤). وقال بعضُهم: تمامًا على إحسانِ اللَّه تعالى إلى موسى بالنُّبوَّة وغيرِها مِن الكرامة. ومن قرأ: (أحسنُ) بالرَّفع، فمعناه: على الذي هو أحسنُ (٥). وقيل في وجه النَّصب: إنَّه خفض، لكنَّه لا يَنصرفُ ففُتِح، وتقديرُه أنه بدلٌ عن ﴿الَّذِي﴾ وترجمةٌ عنه، كقولك: مررتُ بالذي خيرٍ منك، بالخفض، وكذا يفعلون بـ "من"، قال الشاعر: فكفى بنا فضْلًا على مَن غيرِنا... حبُّ النبيِّ محمَّدٍ إيَّانا (٦)

стр. 2959

بخفض غير. وقال الحسن: أي: مَن أحسنَ صحبتَهُ، تَمَّت عليه نعمةُ اللَّه وكرامتُه (١). وقيل: ﴿أَحْسَنَ﴾ بمعنى: عَلِمَ، يقال: فلانٌ يُحسِنُ علومًا كثيرة. وقال عليٌّ ﵁: قيمةُ كلِّ امرءٍ ما يُحسِنُه (٢). وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ عطفًا على ﴿تَمَامًا﴾، ومعناه: إتمامًا منَّا لكرامته، وبيانًا لهم في كلِّ ما يحتاجون إليه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ: تمامًا بالنِّعمةِ والكرامة، ويَحتملُ: تمامًا بالبيانِ والحجَّةِ، ويَحتملُ: تمامًا بالعلمِ والحكمة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعلَّ قومَه ﴿بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: بالقيامة يُصدَّقون. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: يُهوِّنُ عليهم مقاساةَ التَّكليف بما ذَكرَ مِن التَّعريف، فإنَّ الذين كانوا قبلَنا كانوا في الضَّعفِ والعجزِ مثلَنا، ثمَّ صبَروا فظفِروا، وأخلَصوا فتخلَّصوا (٤).

стр. 2960

(١٥٥) - ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾؛ أي: وهذا القرآنُ كتابٌ (١) مباركٌ، كثيرُ الخيرِ لمن اتَّبعَه، أنزلناهُ إليك كما أنزلنا التَّوراةَ إلى موسى، ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾؛ أي: اعملوا به، ﴿وَاتَّقُوا﴾؛ أي: مخالفتَه، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لِترحموا، و"لعلَّ" كلمةُ ترجٍّ؛ أي: اتَّقوا على رجاءِ الرَّحمة، والرَّحمةُ وإن كافت موعودةً للمتَّقين على القطع، فإنَّما ذكر كلمةَ "لعلَّ"؛ لأنَّ حصولَها بالختم على الإيمان، وفيه خطرٌ، فلذلك علَّقها بكلمة التَّرجِّي. * * * (١٥٦) - ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾؛ أي: لئلَّا تقولوا، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾؛ أي: اليهود والنَّصارى، ودلَّ هذا على أنَّ المجوسَ ليسوا من أهل الكتاب؛ إذ لو كانوا كذلك، لكانوا ثلاثَ طوائف. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾؛ أي: وما كنَّا عن قراءتِهم الكتابَ إلَّا غافلين، لا علمَ لنا بشيءٍ مِن ذلك (٢). * * *

стр. 2961

(١٥٧) - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾؛ أي: أرشدَ وأطوعَ مِن اليهودِ والنَّصارى، وإنما جمع ﴿مِنْهُمْ﴾ وهما طائفتان؛ لأنَّهما جمعان. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: بيانٌ وقيل هي القرآن، وقيل: محمَّدٌ ﷺ . وقوله: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ صفتان للقرآن أو للنَّبيِّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: لا أظلمَ لنفسِه، أو لا أحدَ أوضعُ للشَّيء غيرَ موضعه ممَّن كذَّب بالقرآن، وقيل: بحجج اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾؛ أي: أعرض، وقد صدفَ صدُوفًا مِن حدِّ: ضرب (١)؛ أي: أعرض، قال الهذليُّ: صدفَتْ أميَّةُ لاتَ حينَ صُدوفِ... صَدَفَتْ وآذنَ جيرتي بخفوفِ (٢) وقوله تعالى: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾؛ أي: العذابَ السَّيء، وهو الموصوف بنهايةِ النِّكاية. * * *

стр. 2962

(١٥٨) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾؛ أي: أقمنا حُجَجَ الوحدانيَّة وثبوتِ الرِّسالة، وأبطلنا ما يَعتقدون مِن الضَّلالات، ويَذكرون مِن المقالات، فما ينتظرون مِن ترك الإيمان إلَّا أحدَ هذه الأشياءِ الثَّلاثة، وهي: إتيانُ الملائكةِ لقبض الأرواح، وذلك عند الموت، أو: إتيانُ ربِّك؛ أي: أو إتيانُ أمرِ ربِّك كما صرَّحَ به في آيةٍ أخرى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾؛ أي: بإقامةِ القيامة، فإنَّها تقومُ بأمره، وقد قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]؛ أي: القيامة، أو: إتيانُ بعضِ آياتِ ربِّك مِن أشراطِ السَّاعة، وقيل: هي طلوعُ الشَّمسِ من مغربِها؛ أي: يَنتظرون ارتفاعَ الغيبِ بأحد (١) هذه الأشياء، ووقوع العيان، ولا قَبولَ للإيمان إلَّا بالغيب. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ فيه تقديمٌ وتأخير، وتقديرُه: لا يَنفعُ نفسًا لم تكنْ آمنت مِن قبلُ أو كسبت في إيمانها خيرًا إيمانُها. و ﴿خَيْرًا﴾ (٢)؛ أي: طاعةً. وقيل: أي: إخلاصًا (٣)؛ أي: كما لا يُقبل إيمانُ الكافر بعد طلوعِ الشَّمسِ مِن مغربها، لا يُقبلُ إخلاصُ المنافقِ أيضًا.

стр. 2963

وقد روى أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجماعةٌ ﵃ عن النَّبيِّ ﷺ : " ﴿يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ هو طلوعُ الشَّمس مِن مغربِها" (١)، وعليه عامَّة المفسرين. وروى صفوانُ بن عسَّال عن النَّبيِّ ﷺ : "إنَّ مِن قبلِ المغرب بابًا مفتوحًا للتَّوبة حتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مغربِها مِن ذلك الباب، فإذا طلعَت مِنه، ثمَّ رُدَّت إليه أُغلِقَ، فلا يَنفعُ نفسًا إيمانُها ولا توبتُها بعد ذلك" (٢) أو كلامًا هذا معناه. وقالت عائشة ﵂: إذا خرجَ أوَّلُ الآياتِ طُرِحَتِ الأقلامُ، وحُبِسَت الحفظةُ، وشهدتِ الأجسادُ على الأعمال (٣). وقال النَّبيُّ ﷺ : "لا تَقومُ الساعة حتى يكون قبلها عشرُ آيات؛ الدُّخانُ، ودابَّةُ الأرضِ، وخَسْفٌ بالمشرق، وخَسْفٌ بالمغرب، وخَسْفٌ بجزيرةِ العرب، والدَّجَّال، وطلوعُ الشَّمسِ مِن مغربِها، ويأجوج ومأجوج، ونزولُ عيسى بنِ مريم، ونارٌ تخرجُ من قعرِ (٤) عدن" (٥). وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: الآيةُ في قومٍ علمَ اللَّهُ منهم أنَّهم لا يُؤمنون، فأيسَ رسولُ اللَّه ﷺ عن إيمانِهم.

стр. 2964

وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أي: ما ينظرون (١) إلَّا أنْ تأتيَهم الملائكةُ لقبضِ أرواحِهم، مع اللَّعنِ والسخطِ، فحينئذٍ يؤمنون. قال: وقيل: أي: ﴿تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يوم القيامة، كما قال: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾؛ أي: عذابُ ربِّك. قال: والأصلُ فيه أنَّ ما أُضيفَ إلى اللَّه تعالى في موضعِ الوعيد، لا يُرادُ به الذَّات، لكن يُرادُ به نقمتُه وعذابُه، كما قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠]؛ أي: يَخافُ عذاب ربِّه، وقال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِير﴾ [آل عمران: ٢٨]، و ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾. ويحتمل البأسَ، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤]، ولا يَنفعُهم إيمانُهم حينئذٍ. وقيل: هو طلوعُ الشَّمسِ من مغربها. وقيل: خروجُ الدَّجال، وخروجُ دابَّة الأرض، وروي فيه أحاديثُ، فإن ثبتَ منها شيءٌ، فعليه الاعتماد (٢). والإيمانُ حينئذٍ ليس بإيمانِ اختيارٍ في الحقيقة، بل هو إيمانُ دفعِ العذابِ عن أنفُسِهم، ولذلك قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، وهذا كإيمانِ فرعون -لعنه اللَّه- عند الغرق، وما (٣) روي أنَّه لا تُقبلُ التَّوبة والإيمان بعد طلوعِ الشَّمس مِن مغربِها،

стр. 2965

وقد زال البأسُ، فمِن البعيدِ أنْ يُدعَو إلى الإيمانِ والطَّاعات، ثمَّ إذا أتَوا بها لا تقبل، لكنْ (١) معناه أنَّهم لا يُثابون عليها؛ لأنَّ الثَّوابَ بالوعد، ولا وعدَ في هذه الحالة (٢). وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾؛ أي: إحدى هذه الثَّلاث، وليس هذا أمرَ تكليفٍ، بل هو تعريفٌ أنَّ العذابَ نازلٌ بهم كالمنتظَر له. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾؛ أي: مستيقنون أنَّه نازلٌ بكم. * * * (١٥٩) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ قرأ حمزة والكسائي: ﴿فارقوا﴾ بالألف؛ أي: بايَنوهُ وزايلوه، وقرأ الباقون: ﴿فَرَّقُوا﴾ (٣)؛ أي: شتَّتوا. وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ جمع شيعة، وهي الفرقةُ المتابعةُ بعضُها بعضًا، وقد شايعَهُ؛ أي: تابعَه، وشيَّعهُ؛ أي: اتَّبعَه. وقال قتادة: هم اليهود (٤). وقال مقاتلٌ والسُّدِّيُّ: هم اليهودُ والنَّصارى، تَرَكوا دينَهم وكانوا فرقًا، قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، وقال ﴿وَمَا

стр. 2966

اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقوله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾؛ أي: لم تُؤمَر بقتالِهم، قال: ثمَّ أمِرَ بقتالهم في سورة براءة (١). وقال مجاهد: هم أهلُ الأهواءِ والبِدع مِن هذه الأمَّة (٢)، وكذا رويَ عن أبي هريرة ﵁ (٣) وعائشة (٤) وجماعة من الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين. وقال ﷺ : "افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقةً، كلُّهم في النَّار إلَّا واحدة، وافترقت النَّصارى على اثنتين وسبعين فرقةً، كلُّهم في النَّار إلَّا واحدة، وستَفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، كلُّهم في النَّار إلَّا واحدة"، قيل: ومن هم يا رسولَ اللَّه (٥)؟ قال: "الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي" (٦). ومعثى الآية في حقِّهم: ليس إليك شيءٌ مِن مجازاتهم أو العفو عنهم، إنَّما عليك إنذارُهم وتبليغُ الوحيِ إليهم.

стр. 2967

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ إن شاءَ عاجلَهم بالعقوبة، وإن شاءَ أخَّرها إلى الآخرة، وإن شاءَ وفَّقهم للرُّجوع عنها، فعفى عنهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ أي: في الآخرة، ويُجازيهم على ذلك. وقيل: هم المشركون، فارقوا دينَ إبراهيم ﵊، وكانوا أحزابًا مختلفين، كما عُرِفَ مِن اختلافهم في أمور الحج وكما اختلفوا في اتخاذ الأصنام واختيارها. وقال الإمام أبو منصور ﵀ بعد ما ذكر هذه المقالات: وقيل: هم الحَروريَّة. ولا ندري مَن هم على التَّعيين، ولا حاجةَ بنا إليه، بل الحاجةُ إلى معرفةِ وعيد الموصوفين بذلك. ومعنى قوله: فارقوا دينهم: الدِّينَ الذي أُمِروا به، ودُعوا إليه. وقيل: أي: الدِّينَ الذي كانوا عليه في الأصل، ثمَّ فارقوه، كما قال: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. ومعنى قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾؛ أي: مِن دينِهم؛ لأنَّ دينَهُم تقليدُ آبائهم، ودينُك دينٌ بالحجج والبراهين. وقيل: أي: لا تُسألُ عن دينِهم، ولا تُحاسَبُ عليه، كما قال: ﴿مَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٥٢] (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: لا يَجمعُك وإيَّاهم معنى؛ أنت على حقٍّ، وهم على باطلٍ، ولا اجتماعَ للضِّدَّين (٢).

стр. 2968

(١٦٠) - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ لم يقل: مَن عملَ؛ ليُعلَمَ أنَّ النَّظرَ إلى ما خُتِم به، وعلى ذلك قال النبيُّ ﷺ : "الأعمالُ بالخواتيم". قاله الإمام أبو منصورٍ ﵀ (١). والحسنةُ: الفعلةُ الجميلة، وهي الطَّاعة. قوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾؛ أي: عشرُ حسناتٍ أمثالها، وذلك معنى التَّأنيث وحَذْفِ الهاء في ﴿عَشْرُ﴾. وقرأ الحسن: (فله عشرٌ) بالتنوين (أمثالُها) بالرَّفع (٢)؛ إظهارًا لهذا المعنى. وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يُرِد به القصر على هذا العدد، بل أرادَ به التَّفضُّلَ بالتَّضعيف، قال النبيُّ ﷺ : يقول اللَّهُ تعالى: "كل عملِ (٣) ابن آدم الحسنةُ بعشْرِ أمثالها إلى سبعِ مئة ضعف، إلَّا الصَّومُ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به" (٤)، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أي: بالفعلةِ القبيحةِ، وهي المعصية، ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾؛ أي: واحدةً بواحدة، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾؛ أي: لا يُنقَصون مِن حسناتِهم، ولا يُزادون في سيِّئاتهم.

стр. 2969

وروى أبو ذرٍّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "يقول اللَّه تعالى: الحسنة عشر أو أزيدُها، والسَّيِّئةُ واحدةٌ أو أغفرُها" (١). وقال سفيانُ الثَّوريُّ ﵀: لمَّا نزلت هذه الآية قال النَّبيُّ ﷺ : "ربِّ زدني"، فنزل قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، فقال: "ربِّ زدني"، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥]، فقال: "ربِّ زدني"، فنزل قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: حسنةُ النَّفسِ: تَوفيرُ (٣) الخِدمة، وحسنةُ القلبِ: حفظُ الحُرمةِ وحسنةُ الرّوح: مراعاةُ أدابِ الحِشمة. وقيل (٤): حسنةُ الزَّاهدين: تركُ الدُّنيا، وحسنةُ المريدين: رفضُ الهوى، وحسنةُ العارفين: قطعُ المُنى، وحسنةُ الموحِّدين: التَّخلِّي عن الدُّنيا والعُقبى، والاكتفاءُ بوجود المولى. ويقال: حسنةُ المبتدِئين: الصِّدقُ في الطَّلب، وحسنةُ المُنتهين: حفظُ الأدب، فشرطُ الطَّلب ألَّا يَبقى ميسورٌ إلَّا بَذَلْتَهُ، وشرطُ الأدب ألَّا تَسموَ لك هِمَّةٌ إلى شيءٍ إلا قطعتَهُ.

стр. 2970

ويقال: للزُّهاد والعُبَّاد وأصحابِ الأورادِ وأربابِ الاجتهاد جزاءٌ محصورٌ معدود، ولأهل المواجيد لقاءٌ غيرُ مقطوعٍ ولا ممنوع (١). * * * (١٦١) - ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لمَّا بيَّنَ الذين فرَّقوا دينَهم وكانوا شِيعًا، أمرَه أن يقول: أرْشَدَني اللَّهُ إلى الدِّين (٢) المستقيم. وقوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو ونافع: ﴿قيِّمًا﴾ بالتَّشديد، وهو نعتٌ، كالجيَّد واللَّيِّن والهَيِّن، والباقون بكسر القاف: ﴿قِيَمًا﴾ وتخفيف الياء (٣)، وهو اسمٌ، كالعنب، يُرادُ به النَّعت. ونصب ﴿دِينًا﴾ على إرادة إعادة: ﴿هَدَانِي﴾، وذاك يُعدِّى بغير صلةٍ، وباللام وإلى، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وقال تعالى: ﴿هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقوله تعالى: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ هو بدلٌ عن ﴿دِينًا﴾، وبيانُ أنَّ الدِّينَ القيِّم هذا، وإنَّما ذكرَ ذلك حثًّا لهم على اتِّباعه؛ لأنَّه دينُ أبيهم. وقوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ نصب على القطع؛ لأنَّه نعتٌ بلفظِ النَّكرةِ للاسم المعرفة.

стр. 2971

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ باللَّه إشراكَكُم يا معشرَ قريش. * * * (١٦٢) - ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: صلاتي كلُّها باللَّيل والنَّهار. ﴿وَنُسُكِي﴾؛ أي: حجِّي وعمرتي، وقيل: أي: قراءتي، وقيل: أي عبادتي، وقيل: أي: ديني. ﴿وَمَحْيَايَ﴾؛ أي: ما أعملُه في حياتي. ﴿وَمَمَاتِي﴾؛ أي: ما أوصي به بعد موتي أنْ يُعمَلَ به. ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: هو خالصٌ له. * * * (١٦٣) - ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيءٍ مِن ذلك، ولا أشركُ به غيرَه. وقوله تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾؛ أي: به أمرَني اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾؛ أي: أوَّل المنقادِينَ لأمرِه مِن أهلِ هذا الزَّمان. وقيل: محياي ومماتي: كلمة تفويض؛ أي: جميعُ ما أتقلَّبُ فيه ملكٌ للَّه تعالى، جارٍ علي حكمه. وقيل: محياي: في العملِ الصَّالح، ومماتي: على الإيمان: كلُّه للَّه تعالى.

стр. 2972

أثبتَ الإخلاصَ لنفسِه في الدِّين، ونفى الإشراكَ، وخصَّ الحجَّ والعمرةِ بالذِّكر؛ لأنَّ المشركين كانوا يُدخِلون الشِّرك في التَّلبية، في قولهم: لبيكَ لا شريكَ لك، إلا شريك هو لك، تَملِكهُ وما ملك. ومَن حملَهُ على القربان، فإنَّما خصَّهُ به؛ لأنَّهم كانوا يَذبحون لآلهتِهم، وهو شركُ، فنَفى ذلك كلَّه عن نفسِه. وبدأَ بقولِه: ﴿قُلْ﴾، وختم بقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾؛ بيانًا أنَّه يقولُه ائتمارًا لا افتخارًا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: مَن عَلِمَ أنَّه للَّه، لم يبقَ فيه نصيبٌ لغيرِ اللَّه، فاستسلمَ لحكمِ اللَّه، ولم يَعترِض على تقديرِ اللَّه، ولم يُعارِض باختيارِه اختيارَ اللَّه، ولم يُعرِض عن اعتناقِ أمر اللَّه (١). * * * (١٦٤) - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ استفهامٌ بمعنى النَّفي؛ أي: لا يجوزُ في العقل السَّليم أنْ أطلبَ لي مُدَبِّرًا وحافظًا ومصرِّفًا غيرَ اللَّه، وهو مصرِّفُ كلِّ شيءٍ، وهو ربُّ أصنامِكم وربُّكم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾؛ أي: لا يكون جنايةُ (٢) نفسٍ إلَّا عليها. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويَحتملُ أن يكون معناه: ولا يَقعُ عملُ

стр. 2973

نفسٍ إلَّا على وجهٍ يكونُ عليها لا لها لو تُرِكَت واختيارِها، لكنَّ اللَّهَ تعالى يُوفِّقُها، ويَعصِمُها، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ أي: لا تُحَمَّلُ نفسٌ حاملةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى. قال عطاء: قال الوليد بنُ المغيرة: اتَّبعوا سبيلي، أحمل عنكم أوزارَكم، فنزلَ هذا (٢). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن الأديان (٣) التي فرَّقتموها، وإذا كان الأمرُ بدءًا وعَوْدًا راجعًا إلى اللَّه وحدَه، فلا عذرَ في ابتغاءِ ربٍّ سواه. * * * (١٦٥) - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ جمع خليفةٍ، والخلفاءُ جمع خَليف. قال الكلبيُّ: أي: وهو الذي جعلَكُم يا أمَّةَ محمَّدٍ خلائفَ الأممِ الماضية في الأرض.

стр. 2974

وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾؛ أي: في الرِّزقِ، والحالِ، والعُمر، والخِلقة، وكلِّ شيء. وقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؛ أي: ليختبرَكم فيما أعطاكُم مِن النِّعم بالشُّكر، وفيما ابتلاكم به من المِحَن بالصَّبر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ﴾؛ أي: لأعدائه، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: لأوليائِه. وقال القشيري ﵀: صيَّر التوبةَ إليكم، وقصرَ حكمَ عصرِكُم عليكم، وفاوتَ الحالات؛ ليَختبرَكُم بالمعاملات؛ أنَّ حسابَهُ بكم لاحقٌ، وحكمَه فيكم سابق (١). واللَّهُ أعلمُ بالصَّواب (٢). * * *

стр. 2975

سورة الأعراف

стр. 2976

سورة الأعراف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ الَّذي أنزلَ الكتابَ على رسولِه لينذرَ به وذكرى للمؤمنين. ﴿الرَّحْمَنِ﴾ الَّذي قصَّ فيه أنباء الأوَّلين تنبيهًا للآخِرين. ﴿الرَّحِيمِ﴾ الَّذي وعد فيه الرَّحمة للمستمِعين له والمنصِتين. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "منْ قرأَ سورةَ الأعرافِ جعلَ اللَّهُ بينَه يومَ القيامةِ وبينَ إبليسَ سترًا، وكانَ له آدمُ ﵇ شفيعًا" (١). وهذه السُّورةُ مكيَّةٌ كلُّها عندَ بعضِهم. وقال عليُّ بنُ الحسينِ بن واقدٍ: هي مكيَّة إلَّا من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١]، فإنها نزلت بالمدينة (٢). وهي مئتان وخمس آيات، وقيل: ستُّ آيات.

стр. 2977

والاختلاف في خمس آيات: ﴿المص﴾، ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. وكلماتُها ثلاثةُ آلاف وثلاثُ مئة وتسعَ عشرةَ، وحروفُها أربعةَ عَشَر ألفًا ومئةٌ وأربعة وثلاثون. * * * (١) - ﴿المص﴾. قوله تعالى: ﴿المص﴾ قال قتادة: هي من أسماء القرآن (١). وقال الحسنُ: هي اسمُ هذه السُّورة (٢). وقال ابنُ عبَّاس ﵄: هي اختصارٌ من كلامٍ فهمَه النَّبيُّ ﷺ (٣). وقال عليُّ بنُ أبي طلحة: هي قسَم أقسم اللَّه تعالى به (٤). وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: هي ثناءٌ أثنى اللَّه تعالى بها على نفسه (٥). وقال مجاهدٌ: الحروفُ المقطَّعة فواتح السُّور (٦).

стр. 2978

وقال السُّدِّي: هي هجاءُ: المصوِّر (١). وقال أبو الضُّحى عن ابن عبَّاس ﵄: أنا اللَّه أفصِل (٢). وقال سعيد بن جبير: أنا اللَّه أَصْدَقُ (٣). وقال أبو رَوْق: أنا اللَّه الصَّادقُ (٤). وقال أبو صالح عن ابن عبَّاس ﵄: هو (٥) من أسماء اللَّه تعالى مقطَّع (٦). وقال محمَّد بن كعب: الألف افتتاح اسمه: أحدٌ أوَّلُ وآخِرُ، واللَّام افتتاح اسمه: لطيفٌ، والميم افتتاح اسمه: مجيدٌ مَلِكٌ، والصَّادُ افتتاح اسمه: صمدٌ صادقُ الوعد صانعُ المصنوعات (٧). وقيل: ﴿المَصَ﴾ معناه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. وقال الزَّجَّاجُ: أراد بها جميع حروف الهجاء (٨).

стр. 2979

(٢) - ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أي: هذا كتابٌ، كقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]؛ أي: هذه سورةٌ. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: قال الحسنُ: أي: ضِيق (١)؛ أي: لا يضيق صدرك لتشعُّب الفكر (٢) بك خوفًا؛ أي: ألَّا تقومَ بحقِّه. وقال الفرَّاء أي: لا يضيقُ صدرُك بأنْ يكذِّبوك (٣). وقال ابن عبَّاس ومجاهدٌ وقتادةُ والسُّدِّي: أي: فلا يكن في صدرك شكٌّ (٤)؛ أي: لا تشكَّ فيما نلزمك به، فإنما أنزل إليك لتنذرَ به. وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن. وقوله تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أُنزل لإنذار الكافرين، ولتذكير المؤمنين. وإعرابه نصبٌ، وهو كقولك: جئْتُكَ للزِّيارة وشوقًا إليك. وقال الزَّجَّاجُ: هو رفعٌ؛ أي: هو ذكرى (٥).

стр. 2980

وقيل: تقديره: إنذارًا وتذكيرًا، ومعناه: أُنزل إليك لتنذرَ الأعداء أنَّه سريع العقاب، وتذكيرًا للأولياء (١) أنَّه غفور رحيم وهَّاب. وهو وجهُ انتظامِ أوَّل السُّورة بآخر تلك السُّورة، وأمَّا انتظام السُّورتين: فتلك في محاجَّة المشركين، وهذه فيها مع زيادة التَّبيين. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿المص﴾ يحتمِل أن تكون هذه الحروف المقطَّعة خطابًا خاطبَ اللَّهُ تعالى بها رسلَه يفهمونها ولا يفهمها غيرُهم، على ما يكون للملوك بينهم وبين خواصِّهم إشاراتٌ يفهمونها ولا يفهمها غيرهم، ويكون ذلك بتفهيم اللَّه إيَّاهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، فهي من المتشابه على غيرهم، وليست بمتشابهةٍ عليهم (٢). وقال في قوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: يحتمِل أنه على ألَّا يحمِّل نفسَه ما فيه هلاكه، كما قال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقال في آخر هذه السُّورة: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] (٣). وفيه إثباتُ الأمان له من خوفِه من مكرهم وكيدهم. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: كتابُ الحبيبِ تحفةُ الوقتِ، وشفاءٌ عمَّا يلاقيه من ألم البُعد، وهو لداء الضَّنى
следующие страницы →