← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

سورة الأعراف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ الَّذي أنزلَ الكتابَ على رسولِه لينذرَ به وذكرى للمؤمنين. ﴿الرَّحْمَنِ﴾ الَّذي قصَّ فيه أنباء الأوَّلين تنبيهًا للآخِرين. ﴿الرَّحِيمِ﴾ الَّذي وعد فيه الرَّحمة للمستمِعين له والمنصِتين. وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "منْ قرأَ سورةَ الأعرافِ جعلَ اللَّهُ بينَه يومَ القيامةِ وبينَ إبليسَ سترًا، وكانَ له آدمُ ﵇ شفيعًا" (١). وهذه السُّورةُ مكيَّةٌ كلُّها عندَ بعضِهم. وقال عليُّ بنُ الحسينِ بن واقدٍ: هي مكيَّة إلَّا من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي﴾ [الأعراف: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ [الأعراف: ١٧١]، فإنها نزلت بالمدينة (٢). وهي مئتان وخمس آيات، وقيل: ستُّ آيات.

стр. 2977

والاختلاف في خمس آيات: ﴿المص﴾، ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، ﴿ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]. وكلماتُها ثلاثةُ آلاف وثلاثُ مئة وتسعَ عشرةَ، وحروفُها أربعةَ عَشَر ألفًا ومئةٌ وأربعة وثلاثون. * * * (١) - ﴿المص﴾. قوله تعالى: ﴿المص﴾ قال قتادة: هي من أسماء القرآن (١). وقال الحسنُ: هي اسمُ هذه السُّورة (٢). وقال ابنُ عبَّاس ﵄: هي اختصارٌ من كلامٍ فهمَه النَّبيُّ ﷺ (٣). وقال عليُّ بنُ أبي طلحة: هي قسَم أقسم اللَّه تعالى به (٤). وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: هي ثناءٌ أثنى اللَّه تعالى بها على نفسه (٥). وقال مجاهدٌ: الحروفُ المقطَّعة فواتح السُّور (٦).

стр. 2978

وقال السُّدِّي: هي هجاءُ: المصوِّر (١). وقال أبو الضُّحى عن ابن عبَّاس ﵄: أنا اللَّه أفصِل (٢). وقال سعيد بن جبير: أنا اللَّه أَصْدَقُ (٣). وقال أبو رَوْق: أنا اللَّه الصَّادقُ (٤). وقال أبو صالح عن ابن عبَّاس ﵄: هو (٥) من أسماء اللَّه تعالى مقطَّع (٦). وقال محمَّد بن كعب: الألف افتتاح اسمه: أحدٌ أوَّلُ وآخِرُ، واللَّام افتتاح اسمه: لطيفٌ، والميم افتتاح اسمه: مجيدٌ مَلِكٌ، والصَّادُ افتتاح اسمه: صمدٌ صادقُ الوعد صانعُ المصنوعات (٧). وقيل: ﴿المَصَ﴾ معناه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. وقال الزَّجَّاجُ: أراد بها جميع حروف الهجاء (٨).

стр. 2979

(٢) - ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أي: هذا كتابٌ، كقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١]؛ أي: هذه سورةٌ. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: قال الحسنُ: أي: ضِيق (١)؛ أي: لا يضيق صدرك لتشعُّب الفكر (٢) بك خوفًا؛ أي: ألَّا تقومَ بحقِّه. وقال الفرَّاء أي: لا يضيقُ صدرُك بأنْ يكذِّبوك (٣). وقال ابن عبَّاس ومجاهدٌ وقتادةُ والسُّدِّي: أي: فلا يكن في صدرك شكٌّ (٤)؛ أي: لا تشكَّ فيما نلزمك به، فإنما أنزل إليك لتنذرَ به. وقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن. وقوله تعالى: ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أُنزل لإنذار الكافرين، ولتذكير المؤمنين. وإعرابه نصبٌ، وهو كقولك: جئْتُكَ للزِّيارة وشوقًا إليك. وقال الزَّجَّاجُ: هو رفعٌ؛ أي: هو ذكرى (٥).

стр. 2980

وقيل: تقديره: إنذارًا وتذكيرًا، ومعناه: أُنزل إليك لتنذرَ الأعداء أنَّه سريع العقاب، وتذكيرًا للأولياء (١) أنَّه غفور رحيم وهَّاب. وهو وجهُ انتظامِ أوَّل السُّورة بآخر تلك السُّورة، وأمَّا انتظام السُّورتين: فتلك في محاجَّة المشركين، وهذه فيها مع زيادة التَّبيين. وقال الإمامُ أبو منصور ﵀: ﴿المص﴾ يحتمِل أن تكون هذه الحروف المقطَّعة خطابًا خاطبَ اللَّهُ تعالى بها رسلَه يفهمونها ولا يفهمها غيرُهم، على ما يكون للملوك بينهم وبين خواصِّهم إشاراتٌ يفهمونها ولا يفهمها غيرهم، ويكون ذلك بتفهيم اللَّه إيَّاهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، فهي من المتشابه على غيرهم، وليست بمتشابهةٍ عليهم (٢). وقال في قوله: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: يحتمِل أنه على ألَّا يحمِّل نفسَه ما فيه هلاكه، كما قال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقال في آخر هذه السُّورة: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥] (٣). وفيه إثباتُ الأمان له من خوفِه من مكرهم وكيدهم. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾: كتابُ الحبيبِ تحفةُ الوقتِ، وشفاءٌ عمَّا يلاقيه من ألم البُعد، وهو لداء الضَّنى

стр. 2981

مُزيل، ولوشْكِ الشفاء مُنيل (١)، وعلى حفظ العهد دليل، وهو (٢) للعليل تبديل. * * * (٣) - ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: قيل: هو ابتداءُ خطابٍ للمشركين. وقيل: فيه إضمار: قل يا محمَّد للمشركين: اتَّبعوا ما أنزل إليكم؛ أي: إلى نبيِّكم لنَفْعكم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾: أي: أربابًا وهم الأصنام. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في التَّحريم والتَّحليل، ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾؛ أي: عظماءَكم، كالأرباب تتَّبعونهم فيما يحلِّلون ويحرِّمون، وهو كقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١]؛ أي: يطيعونهم فيما يأمرون وينهون (٣). وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: قرأ (٤) حمزة والكسائيُّ وعاصمٌ في رواية حفصٍ: ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ خفيفة الذَّال، بحذف التَّاء الثَّانية، وأصله: تتذكَّرون، وقرأ الباقون (٥) بتشديد الذَّال (٦)، على إدغام التَّاء في الذَّال.

стр. 2982

ومعناه: قليلًا ما يتَّعظون بتذكير هذا الكتاب؛ أي: قليلٌ مَن يؤمنُ منكم. وقيل: أي: يتَّعظون بقليلٍ من القرآن، وهو بأخذ بعض ما ذكر فيه من مكارم الأخلاق دون التَّوحيد والشَّرائع. وقيل: أي: لا يتذكَّرون به أصلًا، وهو إلطافٌ في الكلام بنفي الشَّيء كلِّه بذكر قليل منه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: استسلِموا لمطالبات التَّقدير، فقِفوا حيث ما (١) وقفتم، وتحقَّقوا بما عرفتم، وطالعوا ما به كُوشفتم، ولا تلاحظوا غيرًا، ولا تركَنوا إلى علَّةٍ، ولا تظنُّوا أنَّ لكم من دونه وسيلةً (٢). * * * (٤) - ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾. وقوله تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ وهذا من الإنذار والتَّذْكار بما نزل بالماضين من الكفَّار، ومعناه: وكم من أهل قرية، أُضمر الأهلُ فيه، كما في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ويدلُّ عليه آخرُ هذه الآية: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾، وهذه (٣) صفة الأهل. وقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾: أي: عذابنا المهلِكُ. وطعن بعضُ الملحدين على هذا، وقالوا: الفاء للتَّعقيب، وكيف يجيء العذاب بعد تمام الإهلاك؟

стр. 2983

وعنه جوابات: منها: أهلكناها بخذلاننا إيَّاها في المعاصي، فجاءها (١) بأسُنا عقوبةً على المعصية، والمعصيةُ هَلَكةٌ، وقال الأعرابيُّ: هلكْتُ وأهلكْتُ. وقيل: أي: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ تقديرًا، ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ تحقيقًا. وقيل: أهلكنا بتوجيه العذاب إليها، فجاءها بأسنا. وقيل: الأوَّل تقريبٌ، والثَّاني تنفيذٌ. وقوله: ﴿بَيَاتًا﴾؛ أي: في حال بيتوتتهم باللَّيل. وقوله تعالى: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾: أي: حال قيلولتهم بالنَّهار. وهما حالتا غفلةٍ. وقال الأزهريُّ: البيتوتةُ: الاستراحةُ باللَّيل، والقيلولةُ: الاستراحةُ بالنَّهار نصفَ النَّهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والجنَّةُ لا نومَ فيها (٢). وإنَّما قال: ﴿أَوْ هُمْ﴾، ولم يقل: (وهم)؛ لأنَّ بعضهم أُهلكَ في وقتٍ، وبعضهم في وقتٍ، ولا يصحُّ الاجتماع في حقِّ قومٍ، وهو كقولنا (٣): قاتلناهم فما نرى إلَّا قتيلًا أو جريحًا. أخبر أنَّ عذاب الأوَّلين أصابهم غافلين (٤)، وهو تنبيهٌ للآخِرين. * * *

стр. 2984

(٥) - ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾: قال الكلبيُّ: أي: دعاؤهم؛ يعني: لَمَّا جاءهم أوائل العذاب اعترفوا على أنفسهم بالشِّرك والظُّلم، ولم ينفعهم ذلك، كما قال فرعون لمَّا أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فقد قيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]. وقيل: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾: دعاؤهم (١) على أنفسهم بالويل، كما قال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١]، إلى أن قال: ﴿يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤ - ١٥]. وقيل: هو الدُّعاء بالخلاص، لكن ضاق الوقت فالتجؤوا (٢) إلى الاعتراف، فقام مقام الدُّعاء. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ ركنوا إلى الغفلة، واغترُّوا بطول المهلة، فباتوا في خفض الدَّعَة، وأصبحوا في ظلِّ (٣) السَّعة، فصادفَتْهم البلايا بَغتة، وأدركتهم القضايا فجأة، فلا البلاء كُشف عنهم، ولا الدُّعاء سُمع منهم، ولا فِرارٌ نفعَهم، ولا صريخٌ منعَهم، حتى بادوا فلا عين ولا (٤) أثر، ولا ذكر ولا خبر؛ تلك ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، وإذا أنزلَ بأسه بالآخِرين، فلا يملكون كشفَ الضُّرِّ عنهم ولا تحويلًا (٥).

стр. 2985

(٦) - ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾: قال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: فلنسألنَّ الأممَ سؤالَ تعنيفٍ وتعذيب، ولنسألنَّ الأنبياءَ سؤالَ تشريفٍ وتقريب، فلنسألنَّ هؤلاء عن القَبول فيتقنَّعون (١) بذلِّ الخجلِ، ولنسألنَّ هؤلاء عن البلاغ فيتكلَّمون بلسان الهيبة والوجل (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: نسألُ الناس جميعًا عما أجابوا المرسَلين، ونسأل المرسَلين عمَّا بلَّغوا (٣). وقال الضَّحَّاك: يعني: الأممَ الذين أتاهم (٤) الرُّسل: هل بلَّغكم الرسل ما أُرسلوا به إليكم؟ ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني: الأنبياءَ: هل بلَّغتُم قومكم ما أُرسلتُم به؟ وماذا أجابكم قومُكم (٥). وقال فرقدٌ السَّبَخيُّ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾: هم الأنبياء ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾: هم (٦) الملائكة (٧). * * *

стр. 2986

(٧) - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: أخبر أن مسألتَه إياهم ليست بمسألةِ استخبارٍ ولا (١) استعلام، إنما هي مسألةُ تقريعٍ وتقريرِ إجرام، بأنْ يقولَ لهم: ألم أفعل بكم كذا؛ كما قال:، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ [يس: ٦٠]. وفي الخبر: يقول اللَّه لهم: "ألم أجعلْ لك سمعًا وبصرًا، ألم أجعلْ لك مالًا وولدًا" (٢)، وهذا اقتصاصُ ما كان منه ﷻ إليهم، يقول: فلنُخبرنَّهم بما كان منهم بعلمٍ منَّا بجميعهم (٣)، إذلم نكن عنها غائبين فتخفى علينا، بل كنَّا شاهدِين ذلك كلَّه. وقوله: ﴿بِعِلْمٍ﴾ فيه إثبات العلم للَّه تعالى، وهو حجتُنا على المعتزلة النُّفاةِ للصفات. وما ذكر في بعض الآيات من نفي السؤال؛ من قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وقولِه: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وأثبتَها في هذه الآية، وفي قوله جل وعلا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]، فلا تناقُضَ بينهما، بل في القيامة مقاماتٌ؛ في بعضها لا يُسألون وفي بعضها يُسألون، ولأنهم لا يُسألون سؤالَ استعلام ويُسألون سؤالَ توبيخٍ، ولأنهم لا يُسألون: ما فعلتُم؟ ويسألون: لمَ فعلتُم؟ وبأي نيةٍ فعلتُم؟ ولأنهم يُسألون في موضع الحساب، ثم ينقطعُ بعد ذلك فلا يُسألون بعد وقوعهم في العقاب (٤).

стр. 2987

وقال الإمام أبو منصور ﵀ بعد ما ذَكر بعض هذه المقالات: لا يسألُ عمَّا أُظهر وأُبديَ لأن الملائكة قد كتبوا ذلك وثَبت عليهم، ولكنْ يسألُ عمَّا أُسرَّ وأُخفيَ ليَثبت عليهم بإقرارهم. وقال في قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ يحتمِل أنه سؤالٌ عما أجابوا ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عما أُجيبوا؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، ويحتمل أن يكون سؤالُ الرسل سؤالَ الشهادة عليهم (١). * * * (٨) - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾: ذكر بعد السؤال وزنَ الأعمال، و ﴿الوزنُ﴾ مبتدأ، و ﴿الْحَقُّ﴾ خبره؛ أي: هو الحقُّ الكائن المتحقِّق. وقيل: ﴿الْحَقُّ﴾ نعتُ الوزنِ، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ظَرْفه وفيه خبرُه؛ أي: الوزن العدلُ يكون يومئذ. وقال الحسن: ميزان الآخرةِ لها كفَّتانِ، وإن الحسناتِ والسيئاتِ توضعان في كفَّة الميزان (٢). وكذا قال ابن عبَّاس ﵄، قال: فأما المؤمن فيؤتى بعمله في أحسن صورة فيوضع في كفة الميزان وهو الحق، فتثقل حسناته على سيئاته فينجو به، وأمَّا

стр. 2988

الكافر فيؤتى بعمله في أقبح صورةٍ، فيوضع في كفَّة الميزان، فيخِفُّ وزنه فيقعُ به (١) في النار (٢). وقال عبد اللَّه بن عمرو ﵄: توضع صحائف الأعمال في الميزان فتوزَن (٣). وقال عُبيد بن عُمير: يوزن الأشخاص، فيؤتَى بالرجل الطويل العظيم الأكول الشروب يوم القيامة فلا يَزِن جناح بعوضة، ثم قرأ ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ (٤). وقال مجاهد: الوزن في الآخرة (٥) العدل (٦). وفى صفه الميزان أحاديث (٧)،. . . . . . . .

стр. 2989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2990

والإقرارُ بالوزن يومَ القيامة من شرائط السنَّة والجماعةِ، واللَّه تعالى أعلمُ بكيفيته. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾: إنما جُمع لأن الأعمال كثيرةٌ، فيَحتمل أنه يوزن (١) كلُّ جنسٍ ويكون ذلك موزونًا بميزانٍ، ثم يوزن جنسٌ آخر، فتحصل موزوناتٌ كثيرة، فلذلك جمعها. وقيل: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ معناه (٢): فالذين ثقلت موازينُهم، و (مَن) للجنس

стр. 2991

فصلَح (١) للجمع، ودليلُه أنه قال في خبره: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فالمضاف إلى الجمع كان جمعًا. وقيل: معنى الجمع: إرادةُ الواحد من الجمع، كما يقال: فلانٌ خرج إلى مكة على الجِمال، وإن كان هو على جملٍ واحد، وخرج إلى البصرة في السفن، وإن كان في سفينة واحدة. قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: الفائزون بما أَمَّلوا، والآمنون مما خافوا. وقيل: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾؛ أي: الجزاء بالأعمال فيه بالاستحقاق؛ أي: على العدل، وعلى وِفاق الوعد والوعيد على الأعمال، وقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾؛ أي: رجحت طاعاته ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ﴾ الناجُون المُنْجِحون. * * * (٩) - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾: هم الكفار لا إيمان لهم يُعتبَر معه عملُ خيرٍ (٢)، فلا يكون في ميزانهم خيرٌ فتَخِفَّ موازينُهم، و (مَن) في هذا للجمع أيضًا بدليل خبره. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: غَبَنوا، يعني (٣): أهلكوها وباعوها بعَرَضٍ من الدنيا يسيرٍ، ووقعوا بذلك في عذابٍ مقيم.

стр. 2992

وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾: أي: بالكتاب والرسولِ يكفرون، والظلم اسم للكفر؛ قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولذلك عدَّاه بالباء بقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ -وإن كان لا يقال: ظلَمَ به- لأنه قام مقام لفظة الكفر. وقيل: الآيات: الحجج، والظلم بها: وضعُها غيرَ موضعها؛ أي: جحودُها (١) وتركُ الانقياد لها. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ توزن أعمالهم بميزان الإخلاص، وأحوالُهم بميزان الصدق، فمَن كانت أعماله بالرياء مصحوبةً لم تُقبل أعماله، ومن كانت أحواله بالإعجاب مَشُوبةً لم تُرفع أحواله (٢). * * * (١٠) - ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: جعلنا لكم في الأرض أمكنةً (٣) تستقرُّون عليها وفيها (٤)، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤]. وقيل: أي: مكَّنَّاكم يا أمةَ محمد، وهو بيانُ الإنعام عليهم. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾: أي: هيَّأنا لكم أسبابَ العيش، جمعُ معيشةٍ من المكاسب.

стр. 2993

وقوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾: أي: قد لزمكم الشكرُ بذلك ولا تشكرون. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يُقِرُّون بأنَّ اللَّه ﷻ خالقُهم ورازقُهم ويعبدون غيره. وقيل: يَشكر المؤمنون دون الكفار، وهم قليلٌ في جنب الكفار. وقيل: ليس في وُسعهم القيام بشكر جميع نِعمه لكثرتها، فما وُجد منهم من الشكر وإنْ كثر فهو قليل (١). و ﴿مَعَايِشَ﴾ لا يهمز لأن الياء فيه أصليَّة لم تَعْرِضْ فيها علةٌ كما عَرَضت في: مدائنَ؛ لأن الياء فيها (٢) زائدة. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ لاستعمالكم في الخلاف أبدانَكم، ولإنفاقكم في الإسراف أموالَكم، ولاستغراقكم (٣) في الحظوظ أوقاتَكم، فلا نعمة الفراغ شكرتُم، ولا مِن مسِّ العقوبة شكَوْتم، خسرتُم وما شعرتم (٤). * * * (١١) - ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: قال الحسن: ولقد خلقنا أباكم آدم؛ أي: أوجدناه ثم صوَّرناه (٥).

стр. 2994

والصورة: البِنْيةُ المخصوصة على هيئةٍ ظاهرة، وهي أحسنُ الصور، فإن الإنسان خُلق في أحسن تقويم. ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ والخطاب للأولاد بإنعامٍ كان على أبيهم، وهو كمخاطبات بني (١) إسرائيل بما كان من أسلافهم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ [البقرة: ٦٣]. وقال الزَّجَّاج ﵀: أي: ابتدأنا خَلْقَكم بآدم (٢). وقال ابن عبَّاس ومجاهد والربيعُ وقتادةُ والضحاكُ والسُّدِّيُّ ﵏: ولقد خلقنا أباكم آدم ثم صوَّرناكم في ظهره (٣)، ثم نخبرُكم أنَّا قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. وقيل: معناه: ولقد قدَّرنا وجودَكم فأَوْجَدْناكم نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم عظامًا، ثم كسونا العظام لحمًا، إلى أنْ أكملنا هذه الصورة التي هي في نهايةِ الحُسن، ثم نخبركم أن إكرامنا سبقَ في حقِّ أبيكم آدمَ بإسجاد الملائكة له، و ﴿ثُمَّ﴾ على هذا تكون لترتيب الإخبار لا لترتيب الوجود، كما في قول الشاعر: إن مَن ساد ثم ساد أبوه... ثم قد سادَ بعد ذلك جدُّه (٤) وقال ابن عبَّاس ﵄ في حديث خَلْق آدم ﵇: ونَفَخ فيه الروحَ

стр. 2995

من يافوخه، فلما أتى على عينيه أَبصر ولا يَعقِل، فلما أتى على قلبه عقَل ولمَّا يأت (١) على أسفله، فتحرك فرأى الجنة فعرف إنْ هو قام دخلها، فتحرك فوقع لأن بعضَه لحمٌ وبعضَه دمٌ وبعضَه طينٌ، فقال اللَّه تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾: فسرناه في سورة البقرة. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾؛ أي: ثم إنَّا نعرِّفُكم سابق أيادينا إلى أبيكم، ثم لاحقَ خلافه بما بقي عرقٌ (٣) منه فيكم، ثم ما عامَلْنا به مَن كان يحسدكم ويعاديكم (٤). * * * (١٢) - ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾: أي: ما منعك مِن أنْ تسجدَ، و ﴿لَا﴾ صلة مؤكِّدة. وقال الفرَّاء: لمَّا تقدَّم الجحد في أولى الكلام أكّد بـ ﴿لَا﴾ (٥)، كما قال أبو النَّجم:

стр. 2996

فما أَلومُ البِيضَ أنْ لا تَسْخَرا... إذا رأَيْنَ الشَّمط القَفَنْدرا (١) وقيل: إن في المنع طرفًا من القول فكأنه قال: مَن قال لك: لا تسجد؟ وعلى هذا معنى هذا البيت؛ لأن اللوم قولٌ. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: أي: النار لها علوٌّ والطينُ له هبوطٌ، فلي عليه العلوُّ. تَوهَّم عدوُّ اللَّه أن الجواهر تتفاضلُ بأعيانها، ولم يعلم أن اللَّه تعالى هو الذي يفضِّل ما يشاء بما يشاء، فهو المالك والملك، وله الخلقُ والأمر، ولذلك قال ابن عبَّاس ﵄: أوَّلُ مَن قاس إبليس (٢)، وكفَر بقياسه، وذلك أنه أخطأ حيث فضَّل النارَ على الطين، والطينُ أفضل منها بوجوه: منها: أن الطين جامعٌ للأشياء والنارَ مفرِّقةٌ لها. ومنها: أن التراب يكون في الجنة، فقد روي أن ترابها مسكٌ أَذْفَرُ (٣)، وليس في الجنة نار. ومنها: أن النار يعذَّب بها أعداء اللَّه تعالى ولا تعذيبَ بالتراب. ومنها: أن النار لا بد لها من مكانٍ، ومكانُها التراب، والتراب لا حاجةَ له إلى النار.

стр. 2997

ومنها: أن النار تتعالى وهو تكبُّرٌ والتراب يتسفَّل، وهو تواضعٌ. ومنها: أن من صفة النار الطيشَ والخفَّةَ، ومن صفة التراب السُّكونَ والرزانةَ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن جُعلت النار لصلاح الأغذية فالطينُ (١) جعل لوجود الأغذية، والصلاح قد يقع بغير النار من الشمس وغيرها، والطينُ يقوم للنار ويطفئها ويتلفها، والنار لا تقوم للطين ولا تُتْلفه (٢). وقال غيره: الطين مؤتَمَن حافظ، والنار محرِقة غيرُ حافظةٍ، والطين يزيدُ والنار تَنقُص، والطين يُربِّي والنار تُفني. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾: قال مقاتل: أي: من الجنة (٣). وقيل: أي: من السماء؛ لأنَّه كان فيها. وقوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾: والسماءُ مكانُ المتواضِعين. وقيل: ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض إلى جزائر البحور، والأرض مقرُّ بني آدم، والجزائر ليست بموضعِ قرارٍ، قوله: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾؛ أي: في الأرض على بني آدم، بل تكون في الجزائر على خوفٍ وذلٍّ، ولا تدخل في مساكن الإنسِ إلا كالمتلصِّص. وقوله تعالى: ﴿فَاخْرُجْ﴾: قال أبو رَوق: أي: مِن صورتك التي أنت فيها (٤). وقال عطاء: أي: من صورة الملائكة إلى صورة الأبالسة، وكان في صورةٍ

стр. 2998

حسنةٍ فتحوَّل من صورته، فصار ذقنُه مما يلي جبينَه، وجبينُه مما يلي ذقنَه، ومنخراه مما يلي عينيه، وجفونُ عينيه شقُّهما مما يلي رأسَه، وتحولت أصابعُه مما يلي زنديه، وأصابع رجليه مما يلي عقبيه، وصار شعره نابتًا في رأسه منكوسًا كأنه أجمة له (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾: أي: من الأذلَّاء، وهذه المخاطبات لم تكن من اللَّه له بغيرِ واسطة، فإنه لا يستحق ذلك، بل كان على لسان ملَك أو ما شاء اللَّه . * * * (١٤) - ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾: أي: أَمْهِلْني إلى يوم القيامة، أراد الخبيث أن لا يذوقَ الموت، فلم يُعطه اللَّه ذلك لكنْ أمهَله إلى آخر الدنيا، وذلك قوله تعالى: * * * (١٥) - ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾. ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾: وقال في آية أخرى: ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] ولم يعيِّنْه له وأبهَمَه. وقال السُّدِّي: أُنْظِر إلى النفخة الأولى (٢). وقيل: معناه: أخِّر عقوبتي إلى يوم القيامة، لمَّا خاف تعجيلَ العقوبة، فأُنظر بها،

стр. 2999

أشار بذلك إلى أنه سأل الإنظار فأُجيب إليه، فلو سألى التوبة والمغفرة (١) بالتوبة لم يُردَّ. وقال الإمام القشيري ﵀: أجاب دعاءَه في الحال، ولكن كان ذلك شرًّا له، لأنه مكَّنه من مخالفة أمره إلى يوم القيامة، فلم يَزْدَدْ بذلك التمكينِ إلا شقاوةً على شقاوةٍ؛ ليَعلم الكافةُ أنه ليس كلُّ الإجابة للدعوة نعمةً ولطفًا، بل قد تكون بلاءً ومكرًا (٢). * * * (١٦) - ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾: أي (٣): بسبب ما أغوَيْتَني. وقيل: الباء بمعنى اللام؛ أي: لإغوائك إياي. وقيل: الباء للقسَم؛ أي: أُقسم بإغوائك إياي، كما أَقسم بقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]. و ﴿أَغْوَيْتَنِي﴾: أضلَلْتني. وقيل: أفسَدْتَني، كما قال: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؛ أي: فسد عيشُه. وقيل: أي: خيَّبتني، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]؛ أي: فما خاب، وقال الشاعر: فمَن يَلْقَ خيرًا يَحمَدِ الناسُ أمرَه... ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغيِّ لائما (٤)

стр. 3000

أي: ومَن يَخِبْ، لمَّا رأى غوايةَ نفسه جهد في إغواء غيره؛ كما قال: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]. وقوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: أي: في صراطك، أو: على صراطك، وهو جارٍ مجرى الظروف فجاز حذفُ الصلة فيه، وهو مجازٌ عن التعرُّض لهم للمنع، فإنَّ مَن قعد على الطريق منَعَ المارَّة عن المرورِ فيه. وقال عكرمةُ: معناه: لأصدَّنَّهم عن دِينك دينِ (١) الإسلام (٢)، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [الزخرف: ٣٧]؛ أي: عن الإسلام. وقال ابن مسعود ﵁: هو كتاب اللَّه تعالى (٣). * * * (١٧) - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: ذكَر (مِن) في جهتين، و (عن) في جهتين؛ لأن في قدَّام وخَلْف معنى طلبِ النهاية، وفي اليمين والشمال الانحرافَ عن الجهة. وقال مجاهدٌ: لآتينَّهم من حيث يُبصِرون ومن حيث لا يُبصِرون (٤). وقيل: أي: من كلِّ جهةٍ يمكنُ الاحتيالُ عليهم بها، ولم يقل: من فوقهم؛

стр. 3001

لأن رحمة اللَّه تنزل عليهم من فوقهم، قاله ابن عبَّاس ﵄ (١). وكذا قال قتادة: لا يستطيعُ أن يحولَ بينك وبين رحمةِ ربِّك (٢). ولم يقل: من تحتهم؛ لأنَّه موضع سجودهم، وفيه وعدُ القُربة من اللَّه تعالى. وقال ابن عبَّاس ﵄ وقتادةُ والحسن وإبراهيم والسُّدِّي والحكَم وابن جريج: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ فأخبرُهم أنه لا بعثَ ولا جنةَ ولا نار، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من أمرِ الدنيا فأزيِّنها لهم وأدعوهم إليها وأخوِّفهم الفقر على أنفسهم وعلى مَن يَخْلُفهم مِن بعدهم، فلا يَصِلون رَحِمًا ولا يؤدُّون زكاةً ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قِبَل حسناتهم فأثبِّطهم عنها ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: فأزِّينُ لهم السيئات وآمرُهم بها (٣). وروى حيان عن الكلبيِّ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا أُطغيهم فيها ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: الآخرة أشكِّكهم فيها فيكذِّبوا بها ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قِبَل حسناتهم حتى يُعجَبوا بها ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾؛ أي: شهواتهم. وفي روايةٍ عنه: ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾: من قِبَل الدِّين ألبِّس عليهم. وقال شقيق بن إبراهيم (٤): ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربعةِ مراصدَ:

стр. 3002

من بين يديَّ، ومن خَلفي، وعن يميني، وعن شمالي، أمَّا مِن بين يدي فيقول لي: لا تَخَفْ إن اللَّه غفور رحيم، فأقول: ذلك لمن تاب وأقرأُ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، وأمَّا مِن خلفي فيخوِّفني بالضَّيعة على مخلفيَّ، فأقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وأما مِن قِبَل يميني فيأتيني من قِبَل الثناء فأقول: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وأمَّا مِن قِبَل شمالي فيأتيني من قِبَل الشهوات واللذَّات فأقول: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤] (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ قال ذلك ظنًّا ثم تحقَّق ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٢٠]. وقال الحسن: قال: لمَّا استَزْلَلتُ آدم -وذريتُه أضعفُ منه- فأنا على استزلالهم أقدَرُ (٢). * * * (١٨) - ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا﴾: أي: من الجنة، وقيل: من السماء، وقيل: من الصورة الملكيَّة (٣). وقوله تعالى: ﴿مَذْءُومًا﴾ وما قال ابن عبَّاس ﵄: أي: مَقيتًا (٤). وقال أبو روق: أي: ممقوتًا (٥)، وهو كالأول.

стр. 3003

وقال أبو العالية: أي: مَعيبًا بأشدِّ العيب (١). وقال ابن زيد: مذمومًا أشدَّ الذمِّ (٢)، وقد ذأَمه يَذْأمُه ذَأْمًا؛ أي: ذمَّه. وقال ابن عرفة: ذأمه؛ أي: حَقَره وأَبعده (٣). وقال مجاهد: أي: مَنْفيًّا (٤). وقال الكلبيُّ: أي: مُبعَدًا (٥). وقال الكسائي: أي: مقبوحًا، وقال النَّضْرُ بن شُميلٍ: محسورًا (٦). وقوله تعالى: ﴿مَدْحُورًا﴾ قال مجاهد: أي: مطرودًا (٧)، والدَّحر في اللغة: الدَّفعُ على وجه الهوان. وقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: اللام للقسَم. وقال القشيريُّ ﵀: وأخرجه اللَّه تعالى من درجته ومن حالته، ونقله إلى ما استوجبه من طرده ولعنته، ثم يخلِّده في عقوبته، ولا يُذيقه ذرةً من بَرْد رحمته،

стр. 3004

أصبح وهو المقدَّم على الجملة فأمسى وهو أبعدُ الزُّمرة، وهذه آثارُ قهر العزة، وأيُّ كبد تسمع هذه القصة ثم لا تتفتَّت بهذه السياسة (١)؟! * * * (١٩) - ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: وقلنا: يا آدم، وقد فسرنا الآية في سورة البقرة. * * * (٢٠) - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾: أي: أورد عليهما الخواطر المزيِّنة لهما أكلَ الشجرة، وأصل الوسوسة: الصوت الخفيُّ، فهي دعاءٌ على خفاءٍ؛ قال رؤبةُ: وَسْوَسَ يدعو مخلصًا ربَّ الفلق (٢) وقوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾: الإبداء: الإظهار، والمواراة: الستر، والسوءة: العورة مجازًا؛ لأنَّه يسوءُ صاحبَها ظهورُها؛ أي: قصد بذلك إظهارَ عوراتهما. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾: قرأ يحيى بن

стр. 3005

أبي كثير بكسر اللام (١)، أخذها من قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. وقرأ العامةُ بفتح اللام، وليس فيه تفضيلُ الملائكة على البشر، وما رغَّبهما في ذلك لنيلِ هذا الفضل، فإن آدم لمَّا رأى أن الملائكة أُمروا بالسجود له علِم أن المسجود له أفضلُ من الساجد، أو كان إبليس يعتقد بذلك، ولذلك قال: أنا خيرٌ منه، فوافق اعتقادُه اعتقادَ المعتزلة، فما كان يخفى على آدم ذلك، ولكن قيل: إن الملائكة لا يموتون إلى يوم القيامة، فرغَّبهما في طول العمر. وقيل: أراد به انقطاعَ الشهوة وسهولةَ الطاعة بحيث لا تلحقُهما الفترةُ، وعدمَ الحاجة إلى شيء من المؤنة، وقد أحبَّا (٢) ذلك كلَّه. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾: فلا تموتان أبدًا. وقال الإمام القشيري ﵀: ما رَغِبا في الخلود لنصيبِ أنفُسهما بل للبقاء مع اللَّه، وهذا أَولى ما يُظنُّ بهما، تنزيهًا لمحلِّ النبوة، وقد قيل: ساعات الوصل قصيرة، وساعات الفراق طويلة، ما لبثا في دار الوُصلة إلا بعضًا من النهار، دخلا ضحوةَ النهار وخرجا نصفَ النهار. ويقال: إن الفراق عينٌ تصيب أهلَ الوصلة، وفيه قيل: إنْ تكنْ عينٌ أصابَتْك فلا... زالتِ العينُ تصيبُ الحسنا (٣)

стр. 3006

(٢١) - ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾: أي: حلف لهما إنِّي، بكسر الألف لأن جوابه باللام. وقال قتادة: خدَعهما باللَّه فانخدعا، وكذلك المؤمن (١). * * * (٢٢) - ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾: أي: أوقعهما في المكروه بغروره بهذا القسَم، وأصله من التدلية في البئر؛ أي: الإرسال، وقد دَلَوْتُ الدَّلْوَ أَدْلُوْها: أرسلتُها في البئر لأملأها، وأَدْلَيْتُها: وأخرجتها، ودلَّيتُ فلانًا في البئر بحبلِ غُرورٍ تدليَةً (٢)، والغُرور: إظهارُ النُّصح مع إبطانِ الغش. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾: أي: أكَلا منها، وهو ينبئ عن القليل منه. وقوله تعالى: ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾: أي: ظهرت لهما لا لغيرهما، وكانا لا يَريَان

стр. 3007

من أنفُسهما ذلك، وكان عليهما لباس من الظُّفر فزال ذلك إلا ما بقي على رؤوس الأصابع (١). وقوله تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: أي: ابتدأا يَلزقان على أنفسهما ورق التين (٢) فلا يلتزق، وقيل: الخصف: الترقيع، وقيل: الضم. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾: أي: عن قُربانها استفهام بمعنى الإثبات. وقوله تعالى: ﴿وَأَقُلْ لَكُمَا﴾: أي: ألم أقل لكما: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَنَادَاهُمَا﴾ يحتمِل أنه أوحَى (٣) بملَك إليهما، ويحتمل أنه إلهامٌ أَلْهمهما (٤). وقيل: خجلُهما بهذا زاد على كلِّ محنة. وقيل: كان حالُهما في أولِ اليوم وآخرِه كما قيل: للَّه درُّهمُ من فتيةٍ بَكَروا... مِثْلَ الملوك وراحوا (٥) كالمساكين (٦)

стр. 3008

(٢٣) - ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾: لمَّا قال اللَّه تعالى لآدم وحواء: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ الآيةَ اعتَرفا بالخطيئة وتسارَعا إلى التوبة، وقالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾: نَقَصْناها ثوابَ الطاعة وعرَّضناها للعقوبة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾: أي: وإن لم تَستُر علينا ذنبنا ولم ترحمنا بقبول توبتنا. وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: الهالكين الذين باعوا حظَّهم من الآخرة بقضاءِ شهوةِ ساعة. قال الحسن هي الكلماتُ التي تلقَّاها من ربِّه (١). وقد بينَّا اختلافَ الأحاديث فيه (٢)، وبيَّن في تلك السورة قبولَ توبتهما. وفي الحديث: أن آدم ﵇ مشى حتى قام على الصَّفا، وحواء ﵂ جاءت من الجُدَّة وقامت على المروة، وجَعَلا يدعوان ويبكيان مئةَ سنة -وفي رواية: مئتي سنة، وفي رواية: ثلاث مئة سنة- حتى قُبلت توبتُهما يوم الجمعة، وقال آدم: يا رب، مَن جاءك من ولدي يرجو رحمتك ويخاف عذابك فأَجِرْه من عذابك، قال: لك ذلك (٣). وفي الآية نقضُ قول المعتزلة: إنَّ الصغائر تقع مغفورةً ولا يجوز العقاب عليها، وآدمُ ﵇ يقول: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

стр. 3009

(٢٤) - ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا﴾: قال أبو صالح: الخطاب لآدم وحواء صلوات اللَّه عليهما والحية (١). وقال السُّدِّي: لآدم وحواء وإبليس (٢)، لكن إبليس أُهبط قبلهما، فهذا إخبار عن هبوطهم جميعًا، وكان وقوع ذلك متفرقًا، ومعنى قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾: انزلوا إلى الأرض. وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: فسرناه في سورة البقرة، وفيه تحذيرُ آدم وحواءَ ﵉ عند كيدِ إبليسَ -لعنه اللَّه- في الأرض كما كادهما في الجنة. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: مر تفسيره أيضًا، وأراد به أنهم لا (٣) يخلدون في الأرض. وقال الإمام القشيري ﵀: أُهبطوا؛ لكنَّ إبليس أُهبط عن (٤) رتبته فوقع في اللعنة، وآدمَ أُهبط عن بقعته فتداركتْه الرحمة. وقيل: لم يخرج آدم عن رتبة الفضيلة وإنْ أخرج عن دار الكرامة، فلذلك قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢٢]، وأما إبليس فإنه أُخرج عن الحالة والرتبة فلم ينتعِش قط عن تلك السقطة (٥). * * *

стр. 3010

(٢٥) - ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾: قرأ ابن كثير ونافع وعاصمٌ وأبو عمرو: ﴿تُخْرَجُونَ﴾ بضم التاء وفتحِ الراء على ما لم يسم فاعلُه من الإخراج، وقرأ حمزة والكسائي بفتحِ التاء وضمِّ الراء على الفعل الظاهر من الخروج (١). يقول: في الأرض تبقَون أحياءً، وفيها تموتون فتبقون في القبور إلى أن تُبعثوا منها، يُعْلمهم أنهم لا يعودون إلى الجنة إلى أنْ يحشروا من قبورهم، ثم يصيرَ السعداء إلى الجنة والأشقياء (٢) إلى النار. وقيل: لمَّا قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ حزن آدم وظنَّ أنْ لا يعودَ إلى الجنة، فقال: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ فتصيرون إلى الجنة، ففرح بذلك. * * * (٢٦) - ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾: أي: أنزلنا المطر الَّذي يُنبت القطنَ ويقيم البهائمَ التي منها الأصوافُ والأوبار والأشعار، قاله الحسن (٣). وقيل: أي: أنزلنا مع آدم وحواءَ ما به صار اللباسُ، فقد رُوي أنه أُهبط معه ثمانيةُ أزواج من الجنة: من الإبل ذكرٌ وأنثى، ومن البقر كذلك، ومن الغنم كذلك،

стр. 3011

ومن المعز كذلك (١)، وأتاه جبريل بالجلمَينِ (٢) وأمره أن يجزَّ الشاة ففعل، فغزَلته حواءُ وحاكه آدمُ، فاتَّخذ عباءتين إحداهما لآدم والأخرى لحواء. ووجهُ ذكر هذه الآية بعد الآية الأولى ما ذكر: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراةً بتزيين الشيطان لهم ذلك، فبيَّن اللَّه تعالى بهذه الآية أنَّ إبليس سعى في إعراء آدم وحواء عن اللباس، ثم إن اللَّه تعالى ألبسهما ترغيمًا للشيطان، ثم سعى في إعرائكم عند الطواف، وقد أنزل اللَّه لكم اللباس فلا تنزعوه ولا تُطيعوا الشيطان (٣). قوله تعالى: ﴿وَرِيشًا﴾ قال ابن زيد الريش: ما فيه الجَمال (٤)، ومنه ريشُ الطائر. وقيل: اللباس: ما وارَى العورة، والريش: ما وراء (٥) ذلك مما يجمِّل الهيئة. وقيل: اللباس من القطن، والريش: التوزيُّ (٦) والقصب والملابس النفيسة، قال النَّبي ﷺ : "الإيمان عُرْيان، لباسُه التقوى، وريشه الحياء، وماله العفَّة" (٧).

стр. 3012

وقال القُتَبي: الريش والرِّياش: ما ظهر من اللِّباس؛ مثل: اللِّبس واللِّباس، والحِرْم والحِرام، والدِّبغ والدِّباغ (١). وقيل: الرِّيش: الأثاث من متاع البيت؛ من فِراشٍ ودثارٍ ونحوِ ذلك. وقال ابن الأعرابيِّ: الرياش: المال المستفاد. وقيل: الرياش: الخِصْب والمعاش. وقيل: هو المأكول والمشروب. وقيل: هو اجتماع كلِّ ما يحتاج إليه الإنسان من أسباب حياته. ورُوي: أن النَّبي ﷺ أعطى النابغة الجعديَّ مئة ناقةٍ بريشها (٢)؛ أي: بجميع ما يُصلحها من آلاتها.

стр. 3013

وقد تريَّش فلانٌ؛ أي: صار له ما يعيش به، وقال الشاعر: وريشي منكمُ وهَوَايَ معكمْ... وإنْ كانت زيارتُكم لِمَامَا (١) ولما كان سترُ العورة أهمَّ ذكَرَه أولًا، ثم ذكَر ما يَستر كلَّ البدن، أو ذكَر اللباسَ ثم سائرَ أسباب المعاش. وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: قرأ نافع وابن عامر: ﴿ولباسَ التَّقوى﴾ نصبًا عطفًا على لباسًا ﴿وَرِيشًا﴾، والباقون بالرفع على الابتداء (٢). وقال زيد بن عليٍّ: اللباس: هذا الذي تلبسونه (٣) يواري سوآتكم، وريشًا: الجَمال الذي تتجمَّلون به من الثياب، ولباس التقوى: الدرع والمِغْفَر والساعدان والساقان يُتوقَّى بها في الحروب (٤). وقال قتادة والسُّدِّي وابن جريج: هو الإيمان (٥). وقال الكلبيُّ: هو التوحيد والعفاف (٦). وقال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير ﵃: هو العمل الصالح (٧).

стр. 3014

وقال الحسن: هو الحياء (١). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: أي: هذا أنفعُ لكم من التعرِّي. وقيل: لباس التقوى هو الاكتفاء بالصوف والخشِن من الثياب، وهو خيرٌ من التجمُّل بالملابس الفاخرة. وقال الإمام القشيري ﵀: لباسُ الظاهر يَقِي آفَات الدنيا، ولباسُ التَّقوى (٢) يقي الآفَات التي توجِب سَخَط المولى، ولباسُ التقوى يجمعُ ظاهر العبد وباطنه، فلباسُ التقوى للنفس: لزومُ الزهد بحقيقة الورع، ولباسُ التقوى للقلب: صدقُ القصد بنفي الطمع، ولباسُ التقوى للروح: تركُ العلائق وحذفُ العوائق، ولباس التقوى للسرِّ: الإنقاء من المساكَنات، والتصوُّن عن الملاحظات. ويقال: للعوامِّ التقوى، وللخواصِّ التَّقوى عن شهود التقوى (٣). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: تحصيلُ اللباس من الذي يَنبت بالماء من آيات وحدانية اللَّه تعالى ودلالات على كمال قدرته، واتِّصالُ منافع السماء بالأرض مع بُعْدِ ما بينَهما دليل على أن مُنشئهما ومدبِّرهما واحد، ومعرفةُ الناس كيفيةَ اتخاذ الملابس من ذلك لا يكون إلا ببيان الرسل، فدلَّ ذلك على إثبات الرسالات، أشار إلى ذلك كلِّه الإمامُ أبو منصور ﵀ (٤). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: أي: يتَّعظون بالتفكُّر في هذه الآيات. * * *

стр. 3015

(٢٧) - ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: لا يُضلَّنكم (١)، وقيل: أي: لا يُزِلَّنكم؛ أي: تحرَّزوا عن الوقوع في فتنته. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾: أي: سبَّب ذلك بالاستزلال، فيُسبِّب أيضًا لكم الوقوعَ في المخاوف بالاستزلال إنْ لم تتحرَّزوا عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾: أي: نَزَع بطريق التسبُّب (٢)، كما في قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: وإذ قلتَ، مستقبلٌ بمعنى الماضي. وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾: أي: قصَد ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾: أُظهر قوله: ﴿هُوَ﴾ ليصح عطفُ الاسم الذي هو بعده عليه، ويكونَ عَطْفَ اسمٍ على اسمٍ. وقبيله عند الحسن: نَسْلُه، وكذا قال ابن زيد (٣)، كما قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال أبو عبيدةَ: أمَّته (٤). وقال قطربٌ: جموعه. وقال المبرِّد: أشياعه (٥).
следующие страницы →