← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ومن المعز كذلك (١)، وأتاه جبريل بالجلمَينِ (٢) وأمره أن يجزَّ الشاة ففعل، فغزَلته حواءُ وحاكه آدمُ، فاتَّخذ عباءتين إحداهما لآدم والأخرى لحواء. ووجهُ ذكر هذه الآية بعد الآية الأولى ما ذكر: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراةً بتزيين الشيطان لهم ذلك، فبيَّن اللَّه تعالى بهذه الآية أنَّ إبليس سعى في إعراء آدم وحواء عن اللباس، ثم إن اللَّه تعالى ألبسهما ترغيمًا للشيطان، ثم سعى في إعرائكم عند الطواف، وقد أنزل اللَّه لكم اللباس فلا تنزعوه ولا تُطيعوا الشيطان (٣). قوله تعالى: ﴿وَرِيشًا﴾ قال ابن زيد الريش: ما فيه الجَمال (٤)، ومنه ريشُ الطائر. وقيل: اللباس: ما وارَى العورة، والريش: ما وراء (٥) ذلك مما يجمِّل الهيئة. وقيل: اللباس من القطن، والريش: التوزيُّ (٦) والقصب والملابس النفيسة، قال النَّبي ﷺ : "الإيمان عُرْيان، لباسُه التقوى، وريشه الحياء، وماله العفَّة" (٧).

стр. 3012

وقال القُتَبي: الريش والرِّياش: ما ظهر من اللِّباس؛ مثل: اللِّبس واللِّباس، والحِرْم والحِرام، والدِّبغ والدِّباغ (١). وقيل: الرِّيش: الأثاث من متاع البيت؛ من فِراشٍ ودثارٍ ونحوِ ذلك. وقال ابن الأعرابيِّ: الرياش: المال المستفاد. وقيل: الرياش: الخِصْب والمعاش. وقيل: هو المأكول والمشروب. وقيل: هو اجتماع كلِّ ما يحتاج إليه الإنسان من أسباب حياته. ورُوي: أن النَّبي ﷺ أعطى النابغة الجعديَّ مئة ناقةٍ بريشها (٢)؛ أي: بجميع ما يُصلحها من آلاتها.

стр. 3013

وقد تريَّش فلانٌ؛ أي: صار له ما يعيش به، وقال الشاعر: وريشي منكمُ وهَوَايَ معكمْ... وإنْ كانت زيارتُكم لِمَامَا (١) ولما كان سترُ العورة أهمَّ ذكَرَه أولًا، ثم ذكَر ما يَستر كلَّ البدن، أو ذكَر اللباسَ ثم سائرَ أسباب المعاش. وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾: قرأ نافع وابن عامر: ﴿ولباسَ التَّقوى﴾ نصبًا عطفًا على لباسًا ﴿وَرِيشًا﴾، والباقون بالرفع على الابتداء (٢). وقال زيد بن عليٍّ: اللباس: هذا الذي تلبسونه (٣) يواري سوآتكم، وريشًا: الجَمال الذي تتجمَّلون به من الثياب، ولباس التقوى: الدرع والمِغْفَر والساعدان والساقان يُتوقَّى بها في الحروب (٤). وقال قتادة والسُّدِّي وابن جريج: هو الإيمان (٥). وقال الكلبيُّ: هو التوحيد والعفاف (٦). وقال ابن عبَّاس وسعيد بن جبير ﵃: هو العمل الصالح (٧).

стр. 3014

وقال الحسن: هو الحياء (١). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾: أي: هذا أنفعُ لكم من التعرِّي. وقيل: لباس التقوى هو الاكتفاء بالصوف والخشِن من الثياب، وهو خيرٌ من التجمُّل بالملابس الفاخرة. وقال الإمام القشيري ﵀: لباسُ الظاهر يَقِي آفَات الدنيا، ولباسُ التَّقوى (٢) يقي الآفَات التي توجِب سَخَط المولى، ولباسُ التقوى يجمعُ ظاهر العبد وباطنه، فلباسُ التقوى للنفس: لزومُ الزهد بحقيقة الورع، ولباسُ التقوى للقلب: صدقُ القصد بنفي الطمع، ولباسُ التقوى للروح: تركُ العلائق وحذفُ العوائق، ولباس التقوى للسرِّ: الإنقاء من المساكَنات، والتصوُّن عن الملاحظات. ويقال: للعوامِّ التقوى، وللخواصِّ التَّقوى عن شهود التقوى (٣). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾: أي: تحصيلُ اللباس من الذي يَنبت بالماء من آيات وحدانية اللَّه تعالى ودلالات على كمال قدرته، واتِّصالُ منافع السماء بالأرض مع بُعْدِ ما بينَهما دليل على أن مُنشئهما ومدبِّرهما واحد، ومعرفةُ الناس كيفيةَ اتخاذ الملابس من ذلك لا يكون إلا ببيان الرسل، فدلَّ ذلك على إثبات الرسالات، أشار إلى ذلك كلِّه الإمامُ أبو منصور ﵀ (٤). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: أي: يتَّعظون بالتفكُّر في هذه الآيات. * * *

стр. 3015

(٢٧) - ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: لا يُضلَّنكم (١)، وقيل: أي: لا يُزِلَّنكم؛ أي: تحرَّزوا عن الوقوع في فتنته. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾: أي: سبَّب ذلك بالاستزلال، فيُسبِّب أيضًا لكم الوقوعَ في المخاوف بالاستزلال إنْ لم تتحرَّزوا عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾: أي: نَزَع بطريق التسبُّب (٢)، كما في قوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: وإذ قلتَ، مستقبلٌ بمعنى الماضي. وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾: أي: قصَد ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾: أُظهر قوله: ﴿هُوَ﴾ ليصح عطفُ الاسم الذي هو بعده عليه، ويكونَ عَطْفَ اسمٍ على اسمٍ. وقبيله عند الحسن: نَسْلُه، وكذا قال ابن زيد (٣)، كما قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال أبو عبيدةَ: أمَّته (٤). وقال قطربٌ: جموعه. وقال المبرِّد: أشياعه (٥).

стр. 3016

وقال الزَّجَّاج: أعوانه (١). وقال القُتبي: أصحابه (٢). وقال الكسائي: جندُه. وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: صَدْرُ الإنسان له مسكنٌ، ويجري منه مجرى الدم. وقال مالك بن دينار: وإنَّ عدوًّا يراك ولا تراه لشديدُ المؤنة، إلا مَن عصمه اللَّه تعالى. وقال يحيى بن مُعاذِ: الشيطان قديمٌ وأنت حديثٌ، والشيطانُ كيِّس وأنت سليمٌ، والشيطان يراك وأنت لا تراه، والشيطانُ لا ينساك وأنت تنساه، ومن نَفْسك له عونٌ وليس لك منه عونٌ، وأنت لا تقاومه إلا بعون اللَّه تعالى. وفيه يقول: ولا أَراه حيث ما يَراني... وعندما أَنساهُ لا يَنساني فسيِّدي إنْ لم تُغِثْ سَبَاني... كما سَبَى آدمَ من جِنَانِ (٣) وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قالوا: كيف كلِّفنا محاربتَهم ونحن لا نراهم وليس في وسعنا ذلك؟ قلنا: لم (٤) نكلَّفْ محاربةَ أعيانهم بل دفعَ وسوستهم، ويمكن الوقوف على ذلك بما وُضع للفرق بين الإلهام والوسوسة فيما يقع في القلب، وقد علَّمَنا كيفيةَ

стр. 3017

دفع ذلك بقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] وقولهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] (١). وقال ذو النون المصريُّ: وإن كان هو يراك من حيث لا تراه فإن اللَّه يراه من حيث لا يرى اللَّهَ، فاستعن باللَّه عليه ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: خذَلْنا الكفار فاتَّخذوا الشياطين أولياء يطيعونهم ويتَّبعونهم ويجعلونهم بمنزلةِ مَن يتولَّى مصالحهم، وفيه إثبات خَلْق أفعال العباد. * * * (٢٨) - ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: قال الزَّجَّاج: الفاحشة: ما عظُم قُبْحُه (٣). وقال الحسن: هم عبدة الأوثان، والفاحشة: الشرك (٤). وقوله تعالى: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾: وقال الحسن: قالوا: لو كَره اللَّه ما نحن فيه لنَقَلنا عنه، فهو أمرٌ منه لنا به (٥).

стр. 3018

وقيل: توهَّموا أن آباءهم كانوا عليه بأمرِ اللَّه تعالى. وقال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والسُّدِّي: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ هي إبداء السوءات في الطواف (١). قال الشاعر منهم -وقيل: هو من قول امرأةٍ منهم-: اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه... وما بدا منه فلا أُحِلُّه (٢) وقال الكلبيُّ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾: هي (٣) تحريمُ البَحيرة والسائبة والوَصيلة والحامي، قالوا: هو دين آبائنا وأجدادنا نتَّبعها واللَّهُ أمرنا بها. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾: هي الفاحشة (٤)، وهي الفعلة التي ثبت قبحُها من كلِّ وجهٍ عقلًا وسمعًا، ودلَّ على ثبوت قبح الأشياء قبل ورود السمع، ولو كان القبح لا يثبت قبل ورودِ السمع لكان ما يُؤمر به لا يكون قبحًا، فلا معنى لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ ولو أَمر به لم يكن فاحشةً. وقوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: أي: أتدَّعون أن اللَّه أمَر بها، وأمرُ اللَّه تعالى يُعرف ببيان رسله أو الذِّكرِ في كتابه، وأنتم لا تُقرُّون برسولٍ ولا كتاب، فكان هذا دعوَى بجهلٍ، وهذا استفهامٌ بمعنى التوبيخ. وقال القشيريُّ ﵀: استَرْوَحوا في التعلُّل إلى سلوكِهم نهجَ أسلافهم،

стр. 3019

فاستمسكوا بحبلٍ واهٍ، فزلَّت بهم أقدامُ الغرور، فوقعوا في هذه المحنة (١). * * * (٢٩) - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: أي: بالعدل، وهو التوحيدُ، لا بما قلتُم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، ولمَّا كان الشركُ ظلمًا بالنصِّ كان التوحيد عدلًا. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: أي: وجِّهوها إلى اللَّه تعالى دون الأصنام، ومنه قول المصلِّي: إني وجَّهتُ وجهي للذي فطَر السماوات والأرضَ حنيفًا. قوله: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي: موضعِ سجودٍ. وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾: أي: واعبدوه؛ كما قال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]، وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [النساء: ١١٧]. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾: بلا إلهَ إلا اللَّهُ ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى الكعبة حيث صلَّيْتُم. وقال الضَّحَّاك: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالتوحيد (٢). ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أي: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجدٍ فصلُّوا فيه، ولا يقولَنَّ أحدكم: أصلِّي في مسجدي، وإذا لم يكن عند مسجد فليأتِ أيَّ مسجدٍ شاء ولْيصلِّ فيه ﴿وَادْعُوهُ﴾؛ أي: واعبدوه مخلِصين له العبادة.

стр. 3020

وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: أي: خلقكم. ابْتَدَأ وبَدَأ وأَبْدَأ بمعنًى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣]، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]. واتصالى هذا بما قبله: أنه يقول: أخلِصوا الطاعةَ له فإنكم مبعوثون مَجْزِيُّون على أعمالكم، ثم ذكر الحجة على الإعادة وهو قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. * * * (٣٠) - ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾: قيل: نصب ﴿فَرِيقًا. . . وَفَرِيقًا﴾ على الحال للعَود، ولذلك قال ابن عبَّاس ﵄: كما بدأكم تعودون سعيدًا وشقيًّا (١). وفي رواية قال: مؤمنًا وكافرًا كما بدأكم، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] (٢). وقال السُّدِّي: تعودون ضُلَّالًا ومهتدين (٣). وقيل غيرُ ذلك. وقال قتادة: بدأهم من التراب ويعودون إلى التراب، ثم يبعثون من التراب (٤).

стр. 3021

وقال الربيع بن أنس: كما بدأكم عُريًا تعودون إليه عُريًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] (١). وقال الحسن: كما بدأكم أحياءً تعودون أحياءً بالبعث (٢). وقيل: ﴿فَرِيقًا. . . وَفَرِيقًا﴾ نُصبا بقوله: ﴿بَدَأَكُمْ﴾. وقيل: تم الكلام بقوله: ﴿تَعُودُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ فنصَبه بـ ﴿هَدَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ نُصب بتقديرِ فعلٍ متأخِّر عنه وهو: أَضَلَّ، فإنَّ قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ معناه: أضلَّهم، وهو كقوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] ﴿مَنْ﴾ نُصب بـ ﴿يُدْخِلُ﴾، ثم قال: ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] نصَبه لتقدير أحد الفعلين؛ إما: يدخل الظالمين في عذابه، أو: يعذِّبُ الظالمين عذابًا أليمًا، وإنما حُمل على الفعل المقدَّر دون الظاهر تصحيحًا للمقابَلة، وهي من أقسام البلاغة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: يطيعونهم ويتولَّونهم. وقوله تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: هم عند أنفسهم مهتدون، وليسوا كذلك وذُمُّوا بذلك، فدلَّ أن الحجة والدليلَ يلزم وإنْ لم يُعْرف بعدُ أن يكون العبد بسبيلٍ من الوصول إلى ذلك (٣)، وهذا يردُّ قولَ مَن يقول: إن فرائض اللَّه تعالى لا تلزمُ العبدَ إلا بعد العلم بها (٤).

стр. 3022

وقال في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أي: اجعلوا عبادتكم للَّه ولا تشركوا به شيئًا. وقيل: أي: أقيموا دِينكم للَّه، ومنه قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢]؛ أي: يخلِصْ دِينه. ويجوز أن يكون الوجه عبارةً عن النفس، ومعناه: أقيموا أنفسَكم للَّه، وقيل على هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾؛ أي: ومَن يجعلْ نفسَه سالمًا للَّه (١). والآية حجة على المعتزلة في مسألة الهداية والإضلال. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ إشارةٌ منه إلى استدامة شهوده في كلِّ حالة، وأنْ لا ينساه لحظةً في كلِّ ما يأتيه ويَذَرُه ويقدِّمه ويؤخِّره. وقال في قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: مَن كانت قِسمتُه منه له بالسعادةَ (٢) كانت فطرتُه على السعادة، ومن كانت فطرتُه على السعادة كانت حالتُه بنعت السعادة، ومن كانت حالته بنعت السعادة كانت عاقبته إلى السعادة. ومَن كانت قسمتُه بالضدِّ فالحالةُ (٣) بالضد. وقال: جملةُ العلم بالقضاء والقَدر: أن (٤) يتحقَّق أنه عَلِم ما يكون أنه كيف يكون، وكما عَلِم الحادثات أن تكون أراد به (٥) أن تكون كما عَلِم بأنْ تكون (٦)، وما

стр. 3023

عَلِم أنه لا يكون مما جاز أن يكون أراد أن لا يكون، وكما أراد أن يكون أو لا يكون أخبر أنه يكون أو لا يكون، وعلى الوجه الَّذي أخبر قضى على العبد وقدَّر (١). * * * (٣١) - ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: أي: لباسَكم، في المساجد كلِّها مع المسجد الحرام، وكانوا يتعرَّون عنده في الطواف، فنُهوا عن ذلك وأُمروا بأخذ اللباس للصلاة في المواضع كلِّها. وقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾: أي: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ما أَحلَّ اللَّه ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: ولا (٢) تجاوزوا حدَّ الشرع بتحريمِ ما أَحلَّ اللَّه من البَحيرة والسائبة ونحوِ ذلك. وقال طاوسٌ: لم يأمرهم بالحرير والديباج، ولكن كان أهل الجاهلية يطوف أحدهم بالبيت عُريانًا ويَدَع ثيابه وراء المسجد، فإن طاف وهي عليه (٣) ضُرب وانتُزعت منه، فنزلت الآية (٤). وقال الكلبيُّ: إن بني عامر من أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراةً؛ الرجالُ بالنهار والنساءُ بالليل (٥)، وكانوا إذا قدِموا مسجدَ منى طرح أحدهم ثيابه في رَحْله،

стр. 3024

وهم قريشٌ وكنانةُ وخُزاعةُ (١)، وكانوا لا يصلُّون في ثيابهم، ويقولون: لا نصلِّي في ثيابٍ (٢) أذنبنا فيها، ولا يأكلون من الطعام إلا قوتًا، ولا يأكلون دسِمًا في أيام حجِّهم يعظِّمون بذلك حجَّهم، فقال المسلمون: يا رسول اللَّه، نحن أحقُّ بذلك أن نفعل (٣)، فنزلت الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وكلوا اللحم والدسم ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أحلَّ اللَّه الأكلَ (٤) والشرب ما لم يكن في سرفٍ ولا مَخِيلةٍ (٥).

стр. 3025

وقيل: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾: هو التجمُّل بأجودِ ما يكون، وهو أجودُ (١) ما يجد إذا قصَد المسجد؛ تعظيمًا له، ولذا سُنَّ التجمُّل (٢) في الجُمع والأعياد. وعن عطية العوفي وأبي رَوق: أن الزينة هي المشط (٣)، وهو ضربٌ من الزينة. وقيل في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: إنه نهى عن الأكل والشرب في وقت الحظرِ، ومِن مال الغير بدون الإذن، وتناولِ ما وراء الحاجة. وقال ابن عبَّاس ﵄: كُلْ ما شئتَ، والْبَسْ ما شئتَ، ما أخطأتكَ خصلتان: سَرَفٌ ومَخِيلةٌ (٤). وقيل: الإسراف: الإنفاقُ في المعصية. وقال مجاهد: لو أنفقتُ مثلَ أحدٍ في طاعة اللَّه تعالى لم يكن سرفًا، ولو أنفقتُ درهمًا أو مدًّا في معصية اللَّه لكان إسرافًا (٥). وقيل لبعض السلف: لا شَرَف في السَّرَف، فقال: لا سَرَف في الشَّرَف. وقيل: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾؛ أي: لا تُشركوا باللَّه غيرَ اللَّه وأنتم تأكلون وتشربون من رزق اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾: لأنه لا يحب الإسراف، فإنْ حُمل هذا على إسراف المسلم فإن اللَّه لا يحبُّه لإسرافه ويحبُّه لإسلامه، وإنْ حُمل على الشرك فإنه لا يحبُّ المشرك مطلَقًا بل يبغضه مطلقًا.

стр. 3026

وحُكي أن الرَّشيد كان له طبيبٌ حاذقٌ نصرانيٌّ، فقال لعليِّ بن الحسين بن واقدٍ: ليس في كتابكم من علم الطبِّ شيءٌ، والعِلم عِلمان: علمُ الأديان وعلمُ الأبدان، فقال له علي بن الحسين: قد جمع اللَّه الطبَّ في كلمةٍ واحدةٍ من كتابه، قال: وما هي؟! قال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ فقال النصراني: ولا يُؤْثَر عن رسولِكم في الطبِّ شيء؟ فقال: قد (١) جمع رسول اللَّه ﷺ الطبَّ (٢) في خبرٍ واحد، قال: وما هو؟! قال: "المعدةُ بيتُ الدَّاء (٣)، والحميةُ رأسُ كلِّ دواء، وأعطِ كلَّ بدنٍ ما عوَّدْتَه"، فقال النصرانيُّ: ما ترك كتابُكم ولا نبيُّكم لجالينوس طبًّا (٤). وقال النَّبي ﷺ : "أَقِلُّوا التَّعَرِّيَ، فإنَّ معكم مَن لا يفارقكم إلا عندَ الغائطِ، وحين يُفضي الرجلُ منكم إلى أهله، فاستَحْيُوهم وأكرِموهم" (٥). وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ

стр. 3027

مَسْجِدٍ﴾؛ أي: صلُّوا في كلِّ مسجدٍ ولا تخصُّوا بالصلاة مسجدَ حيِّكم، والزينةُ نفسُ الصلاة، فإن العبادة زينةُ كلِّ عابدٍ (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: زينة العبدِ بحضور الحضرة، ولزومِ السُّدَّة، واستدامةِ شهود الحقيقة. قال: ويقال: زينةُ نفوس العابدين آثارُ السجود، وزينة قلوب العارفين أنوارُ الوجود، فالعابد على الباب بنعتِ العبودية، والعارف على البساط بحُكم الحُرمة (٢). * * * (٣٢) - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: استفهام بمعنى الجحدِ، ثم أمَر رسولَ اللَّه ﷺ أن يوبِّخهم على الإسراف الذي نهَى عنه في الآية الأولى، وهو تحريم ما أحَلَّ اللَّه من الطعام واللباس، والزينةُ بمعنى: المزيَّن، كالشهوة تذكر ويراد بها المشتهى. و ﴿زِينَةَ اللَّهِ﴾: ما جعله زينةً لعباده وإباحهُ في شرعه. و ﴿أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾؛ أي: أَوجَد، وقيل: أَظهر. وقيل: هو على حقيقته؛ لأنَّه كان في السماء أو في الأرض فأخرجه منهما لهم. وجواب هذا السؤال متروكٌ؛ لأنَّه لا جواب لهم يصحُّ؛ لأنَّهم إن أضافوا التحريم إلى آبائهم، فليس إليهم ذلك، وإن أضافوه إلى اللَّه فلا دليلَ لهم عليه؛ إذ لا تحريم من اللَّه في كتابٍ ولا على لسانِ رسولٍ.

стр. 3028

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: ﴿هِيَ﴾ ترجع إلى الزينة والطيبات جميعًا لأنها للجمع؛ أي: هي للمؤمنين على الأصالة، وللكفار بطريق التبَعيَّة، كما قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، ثم هي في الجنة على الخلوص للمؤمنين لا يَشْركهم فيها غيرُهم وذلك قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قرأ نافع: ﴿خالصةٌ﴾ بالرفع بـ ﴿هِيَ﴾، وقرأ الباقون بالنصب على الحال (١). وقيل: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ صلةُ قوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: المؤمنون في الدنيا لهم الطيباتُ على الخلوص في العُقبى، يقول للمشركين: استَبيحوا ما أخرجتُ لكم من ذلك في الدنيا واشكروا لي على النعم ولا تحرِّموها، فإنْ خالفتم أمري استباحها المؤمنون في الدنيا ثم يَخْلص ذلك لهم في العُقبى ولا شركة لكم معهم فيها. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أي: كما نبيِّن لكم هذه الأحكامَ في الحلال والحرام (٢)، نبين لكم جميعَ ما بكم حاجةٌ إليه من شرائع الإسلام. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال ابن كيسانَ (٣): ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ هي اللباس، كما مر في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وقال الحسن: هي المراكب، كما في قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾: ألبانُها ولحومُها، وكانوا يحرِّمون ركوبها وأكلَها والشربَ من لبنها (٤).

стр. 3029

قال: وقال بعض أهل التأويل: الزينة هي النبات (١) وما يخرج من الأرض رزقًا للبشر والدوابِّ، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤] (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: زينةُ القاصدينَ تركُ العادة، وزينةُ العابدين حسنُ العبادة، وزينةُ اللسان الذِّكرُ، وزينة القلب الفِكرُ، وزينة الظاهر السجود، وزينة الباطن الشهود، وزينة النفس حُسن المعاملة، وزينة الروح دوامُ المواصلة (٣). * * * (٣٣) - ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾: أي: لم يحرِّم الزينةَ والطيبات، وإنما حرَّم القبائح كلَّها ظاهرَها وباطنها. قال ابن عبَّاس ﵄: كانوا لا يَرَونَ بالزنا سرًّا بأسًا، وكانوا يستقبحونه علانيةً، فنُهوا عنهما جميعًا (٤). وقال قتادةُ ومجاهدٌ: الظاهر نكاحُ الدوابِّ، والجمعُ بين الأختين والأمِّ وابنتِها ظاهرًا، والباطن الزنا (٥).

стр. 3030

وقال الكلبي: الظاهر الزنا، والباطن المُخالَّة. وقال مجاهد الظاهر التعرِّي في الطواف، والباطن الزنا (١). وقوله تعالى: ﴿وَالْإِثْمَ﴾: أي: الذنبَ بينك وبين اللَّه تعالى فيما دون الزنا مما لا يُوجب الحدَّ. وقوله تعالى: ﴿وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: أي: الاستطالةَ على الناس بغيرِ انتصافٍ يكون من الظالم (٢). وقال الحسن: الإثم: الخمر، من قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، والبغي: الاعتداء (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾: أي: حجةً؛ أي: الشركُ يكون بهذه الصفةِ بكلِّ حالٍ -إلا أنْ يكون من الشرك ما به سلطانٌ؛ أي: حجةٌ، وهو كما يقال: اجتنِب الخمر المذهِبةَ للعقل- ليس هو للتمييز بل هو للتحقيق أنه أبدًا كذلك. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: من تحريم هذه الأشياء التي تحرِّمونها من الحرث والأنعام. وقال عطاء: هو قولهم: الملائكةُ بنات اللَّه (٤). وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: ﴿الْفَوَاحِشَ﴾: الكبائر؛ لظهور قبحها عقلًا

стр. 3031

وشرعًا ﴿وَالْإِثْمَ﴾: الصغائر ﴿وَالْبَغْيَ﴾: هو أخذُ ما عُصم من مالٍ أو نفسٍ، وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هو كقولهِ ﷺ : "فإذا قالوها عصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلا بحقها" (١)، وقولُه: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ أي: عذرًا وهو الإكراه ونحوُه، فإنه قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: ما ظهر منها: الزلةُ، وما بطن منها: الغفلةُ. ويقال: ما ظهر منها: ارتكاب المنهيِّ، وما بطن منها: خُطورُها بالبال. ويقال: ما ظهر منها: هو ما كان ببيان الشريعة، وما بطن منها: هو ما كان بإشارة الحقيقة. ويقال: فاحشةُ الخواصِّ: تتبُّعُ ما لأنفسهم فيه نصيبٌ. ويقال: فاحشةُ المحبِّ: الصبرُ عن المحبوب. ويقال: فاحشةُ قومٍ أن يلاحظوا الغيرَ بعينِ الاستحسان، وقال قائلهم: يا قرةَ العين سَلْ عيني هل اكْتَحلَتْ... بمنظرٍ حَسَنٍ مُذْ غِبْتَ عن عيني (٣) ويقال: فاحشةُ قوم أن تَبقَى لهم قطرةٌ من الدمع لم يسكبوها للفُرقة، أو يبقَى لهم نفَسٌ ولم يتنفَّسوا [به] في حسرة، وفي معناه أنشدوا: لئن بقِيَتْ (٤) في العينِ مني دمعةٌ... فإني إذًا في العاشقِينَ دخيلُ (٥)

стр. 3032

(٣٤) - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾: أي: ولكلِّ أمةٍ مكذِّبةٍ للرسل مشرِكةٍ باللَّه مدةٌ معلومة عند اللَّه (١) يوقِع بها العقوبة عندها. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾: أي: لا يتأخرون ولا يتقدمون، فكذلك أهلُ عصرك يا محمدُ. ودلَّت الآية أنَّ الأجَل واحدٌ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: وقيل: أجلُهم أن يبعث إليهم رسول فيكذبوه معاندِين، فيَهْلكون عند ذلك ويعذَّبون، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: لكل أمةٍ (٣) مدةٌ، فإذا تناهَت تلك المدةُ زالت تلك الحالة راحةً كانت أو شدةً، وإذا سقط قرصُ الشمس زال سلطانُ النهار، فلا يزداد بعده إلا تراكمُ الظُّلمة، وإذا ارتحل عسكرُ الظلام لطلوع الشمس، فبعد ذلك لم يبق لتعالي النهار تهمة (٤). * * * (٣٥) - ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

стр. 3033

وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾: (إمَّا) كلمتان: (إنْ ما) (١)، (إنْ) للشرط و (ما) للتأكيد، والنون في آخره تأكيدُ الشرط على وجه القسم. قيل: هذا معنى قوله لآدم ومَن معه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]؛ لأن خطابه يومئذٍ كان خطابًا لآدم وذريتِه، ولذلك جمعهم في الذكر. وقيل: هذا كان خطابًا لهم حين أَخْذ الميثاق. وقال مقاتل: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ هذا خطاب لمشركي العرب ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ يعني محمدًا وحده، وسماه باسم الرسل تشريفًا له، وقوله: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾؛ أي: يتلون عليكم القرآن (٢). وعلى القولين الأوَّلين قوله: ﴿إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ معناه: وإن يأتكم ومتى يأتكم أنبياءُ من جنسكم ومن عشيرتكم -وهو أدعى إلى الألفة (٣)، وأبلغ في الثقة- وهم يحدِّثونكم بآياتي التي أوحيتُ إليهم. وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾: أي: اتَّقى الشركَ والمعاصيَ وأصلحَ العمل في الإسلام. وقيل: أصلح ما كان أفسده قبلَ ذلك؛ أي: جاء بها على ما يَصلح في الدين دون ما لا يَصلح؛ أي استَبدل النِّكاحَ بالسِّفاح، وأكلَ الحلال بأكلِ الحرام، والعقود الصحيحة بالفاسدة، والصلاةَ بأركانها وآدابها دون الصلاةِ بالمكَاء والتَّصْديَة ونحوِ ذلك.

стр. 3034

وقوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: من الوقوع في العقوبات (١) ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ بفواتِ الثواب، وهذا لا يبطل مخافات القيامة (٢) لأن المراد به العاقبة وهو كقول الطبيب يقول (٣) للمريض: لا بأس عليك ولا خوفَ، وإن كان في وجعٍ وضعف. * * * (٣٦) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: خلافَ مَن اتَّقى وأصلح ﴿وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾: أي: تعاظَموا عن قبولها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وهذا وعيدُ المخالفين، والأول وعدُ الموافقين، و (لا خوفٌ عليهم) ذُكر على الجمع -مع أن الشرط في الواحد- لأن معناه الجمع. * * * (٣٧) - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾: ثم أخبر عن هؤلاء الذين يخلَّدون (٤) في النار أنهم هم الذين أَوردوا أنفسهم النار بظُلمهم. وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أظلمُ ممن افترى -أي: اختَلق- على اللَّه كذبًا.

стр. 3035

قال الكلبي: أي: جعل له صاحبة وولدًا. وقيل: أضاف إليه تحريمَ ما لم يحرِّمه أو إحلال ما لم يحله. وقيل: قال: إن اللَّه أمرنا بها، ونحو ذلك. وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ قال الكلبي: بمحمدٍ والقرآن. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أي: هؤلاء مع نهايةِ ظلمهم -وهو وضعُ الشيء غير موضعه، ووصفُ اللَّه تعالى بما لا يليق به، والإضافةُ إليه ما ليس منه- لا يَحرِمُهم في الدنيا ما كتب لهم في الكتاب (١)، بل يَصلُ إليهم حظُّهم بما كتب لهم من الرزق، فيمتَّعون في الدنيا بما كُتب لهم في الكتاب السابق، حتى إذا انقضت آجالهم وحضَرهم ملائكة قبض الأرواح وذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، وهو بسطُ قول الربيع بن أنس: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما كتب لهم من الرزق (٢). وفيه أقاويلُ أُخَرُ للمفسرين: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما كتب (٣) من الأعمال والأعمار والأرزاق (٤). وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: أنهم يعملون من خيرٍ أو شرٍّ ويُجزون بكلِّ ذلك (٥).

стр. 3036

وقال مجاهد: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما وُعدوا في الكتاب من خيرٍ أو شرٍّ (١). وعن مجاهد في رواية: الأعمال التي لم يعملوها بعد لا بد لهم من أن يعملوها (٢). وقال عطيةُ العوفي: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: من السعادة والشقاوة، قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] (٣). وقال الكلبي: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: من العذاب (٤). وقال السدِّي: زرقةُ العيون وسوادُ الوجوه، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] (٥). وقال الزجَّاج: ﴿نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾: ما أخبر اللَّه تعالى من جزائهم: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] (٦). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾: ملك الموت وأعوانُه من الملائكة ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾؛ أي: يقبضون أرواحهم ﴿قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: تعبدون من الأصنام ترجون شفاعتهم ومعونتَهم.

стр. 3037

وقوله تعالى: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾: أي: افتقدناهم فما نرى لهم أعيانًا، ولا نرجو منهم مودة (١) ولا أعوانًا. وقيل: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: الأكابرُ الذين كنتم تستعينون بهم ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾؛ أي: شُغلوا عنا بأنفسهم. وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾: أي: اعترفوا بكفرهم بلفظة الشهادة التي هي لتحقيق الخبر. * * * (٣٨) - ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾: أي: يقول اللَّه تعالى لهم على ألسنة ملائكته يوم القيامة مُعْلِمين لهم بما يقعون فيه: ادخلوا (٢) في جملةِ مَن كان قبلَكم من كفَّار الجن والإنس الذين هم (٣) في النار. وقال مقاتل: ﴿فِي أُمَمٍ﴾؛ أي: مع أمم؛ كما في قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ (٤). والإمام أبو منصور ﵀ يقول في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾: يحتمِلُ أنه أراد به خزنة جهنم، ومعنى ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾؛ أي: يعذِّبونهم

стр. 3038

بما فيه شدائدُ الموت (١) وإن كانوا لا يموتون؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] (٢). فعلى هذا تكون الآيتان جميعًا في ذكر حالهم يومَ القيامة، وعلى التأويل الأول تكون الأولى في الدنيا والأخرى في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ﴾: أي: دخلت النار ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾؛ أي: الأمَّةَ التي هي مثلُها في الدين ممن سبق إليها، وهي مجاز كما في قوله: ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ [الزخرف: ٤٨]. وقال مقاتل: يلعن المشركون المشركين، واليهودُ اليهودَ، والنصارى النصارى، ويَلعن الأتباعُ القادة (٣). وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾؛ أي: دَعَت على الأمة التي دخلت قبلها النارَ (٤). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾: أصله: تدَاركوا، وتفسيره: تلاحَقوا، ومعناه: اجتمعوا. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾: أي: المتأخِّرون للمتقدمين: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾؛ أي: هم كذَّبوا الأنبياء فاتَّبعناهم في ذلك، فلو صدَّقوهم لصدَّقناهم. ويقولون أيضًا: إنهم دَعَونا إلى ذلك وأمرونا به، قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣].

стр. 3039

وقوله تعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾: أي: يا ربنا أضعِفْ لهم العذاب؛ أي: عذِّبهم عذابًا مكرَّرًا زائدًا على عذابنا بضلالهم وإضلالهم. وقوله تعالى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾: أي: لكلٍّ منكم ومنهم عذابٌ مضاعَفٌ مكرَّر لا ينقطع؛ لاشتراككم في الكفر. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر بياء المغايبة (١)، ومعناه ما قال مجاهد: لكلٍّ ضعف من القادة والرؤساء على عذابِ السَّفِلة والأتباع، ولكن لا يعلمُ الأتباع، ولو علموا لكان لهم فيه تسلٍّ وخفَّةٌ ونوعُ سرور (٢)، وليس لهم شيءٌ من ذلك. وقال الكلبي: إن أهونهم عذابًا يَرى أنه ليس في النار أشدُّ عذابًا منه. وقرأ الباقون بتاء المخاطبة لهؤلاء المعذَّبين، ومعناه: لا علم لكم به في الحال. وقال عطاء: لا علمَ لكم به في الدنيا حتى يَحلَّ بكم ذلك في الآخرة. وقيل: ﴿وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنه لا عذرَ لكم ولا حجةَ ولا خفَّة بسبب تقدُّمهم وتأخُّركم؛ إذ الحجةُ قائمة عليكم كلِّكم. وقيل: أي: لا تعلمون أنتم ما عليهم لشدَّة ما عليكم. * * * (٣٩) - ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.

стр. 3040

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾: أي: في عقلٍ وتدبُّرٍ، فإنكم سمعتُم ما نزل (١) من المثُلات فلم تعتبِروا. وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾: من الكفر كما نحن نذوقُه بكَسْبنا. وقال الإمام أبو منصور ﵀: الأُولى والأخرى يحتمِلُ أن يكون المراد به: في الزمان؛ أي: في الأمم المتقدِّمة والمتأخرة، ويحتمِل أن يكون المراد بالأولى: القادةَ الذين دخلوا النار أولًا، والأخرى: الأتباعَ الذين دخلوا آخِرًا، وقوله: ﴿لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ دليلٌ على أن الكفار إخوةٌ بعضُهم لبعض كما أن المؤمنين إخوة بعضهم لبعض (٢). * * * (٤٠) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾: فسَّرناه في هذه السورة. وقوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿تُفْتَحُ﴾ بتاء التأنيث مخفَّفًا؛ لأن أصل الفعل الفتحُ والأبوابَ جمع. وقرأ حمزة والكسائي بياء التذكير مخفَّفًا لتقدُّم الفعل. وقرأ نافعٌ وعاصمٌ وابن عامر (٣) [وابن كثير] بتاء التأنيث والتشديد (٤)، من

стр. 3041

التفتيح وهو التكريرُ والتكثير، ومعناه: لا تفتَّح لهم أبواب السماء المعروفةِ لأرواحهم إذا ماتوا. وروَى البراءُ بن عازب وأبو هريرةَ ﵄ عن رسول اللَّه ﷺ في حديثٍ طويلٍ: أن روح الكافر يُستفتحُ لها في السماء فلا يُفتح وتردُّ إلى سجِّينٍ (١). وقيل: أي: لا تُفتح لهم أبواب السماء لرفع الأعمال كما تُفتح للأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] بل يُردُّ عملُه (٢) إلى سجِّين، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]، وقال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥]، وهو قول ابن عبَّاس والكلبي ﵃ (٣). وجمع بينهما أبو العالية فقال: لا تُفتح (٤) أبواب السماء لأعمالهم ولا لأرواحهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضهم: أراد بها أبواب الجنان، فإن الجنة في السماء قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]؛ أي: في الجنة. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ لا ينفي هذا التأويلَ، ولا يكون للتكرير فإن معناه: لا تفتح لهم أبوابها ولا يدخلونها.

стр. 3042

وقيل: تمثيل لرِفعةِ القَدْر (١)؛ قال النابغة الجَعْدي: بلَغْنا السماء مجدُنا وفعالُنا (٢) ... وإنَّا لنرجو فوقَ ذلك مَظْهرا (٣) وقال أبو تمَّامٍ الطائيُّ: فتحٌ تفتَّحُ أبوابُ السماء له... وتَبْرُزُ الأرضُ في أثوابها القُشُبِ (٤) قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ قال ابن عباس: أي: حتى يدخل البعير في ثقب الإبرة (٥). والسَّمُّ بفتح السين وضمِّها: ثقب (٦). وقرأ ابن سيرين بالضم (٧)، والعامة بالفتح. والخِيَاط: المِخْيَط؛ قاله الفرَّاء (٨). وهو تخييبٌ لهم عن دخول الجنة؛ أي: هذا لا يكون أبدًا كما لا يدخل الجملُ في سَمِّ الإبرة أبدًا، والجمل بحاله والسَّمُّ بحاله.

стр. 3043

وقرأ ابن عبَّاس ﵄: (الجُمَّلُ) بضم الجيم وتشديد الميم (١)، وهو حبلُ السفينة، وهو كبيرٌ غليظ. وقيل: هو الحبلُ الذي يُصعَد به النخلُ. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: أي: وهكذا نُعاقِبُ المشركين. * * * (٤١) - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ قال الحسن: ﴿مِهَادٌ﴾: فِراشٌ، و ﴿غَوَاشٍ﴾: ظُلَلٌ (٢)، جمعُ غاشيَةٍ وهي المغطِّيَةُ، وهو كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦] وقولهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]. وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: أي: الظالمين أنفسَهم بالشرك باللَّه ووضعِهم الشيءَ غيرَ موضعه. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: كما أحاطت بهم الذنوب في الدنيا فتدَنَّس بالزَّلة ظاهرُهم وبالغفلة باطنُهم، كذلك أحاطت العقوبات غدًا بجوانبهم، فمِن فوقهم عذابٌ ومن تحتِهم عذابٌ، وفي قلوبهم استيلاءُ الوحشة وغلبةُ الدهشة (٣).

стр. 3044

(٤٢) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: ذكر ثواب المصدِّقين بعد عقابِ المكذِّبين. و ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قيل (١): هو اعتراضُ الكلام قبل التمام، و ﴿أُولَئِكَ﴾ جواب: ﴿وَالَّذِينَ﴾. وقيل: بل هو جوابٌ بعد جوابٍ، وتقديره: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسًا منهم إلا طاقتها من الأعمال الصالحات في الدنيا وأولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون في العقبى. * * * (٤٣) - ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾: أي: حقد؛ أي: لا حقد لهم ولا حسد ولا تنافُس. وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾: أي: هم في مواضعَ في غاية النزاهة والطِّيب، وقد زال عنهم الحسدُ فلا يتنافسون بتفاوت المنازل، ولم يبقَ ما كان بينهم في الدنيا من خشونةٍ وأذًى.

стр. 3045

قال قتادة: قال عليٌّ ﵁: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبير من أهل هذه الآية (١). وقال ابن عبَّاس ﵄: هم المؤمنون من الصحابة وغيرِهم؛ يكونُ بينهم العداوةُ في الدنيا فيموتون على ذلك فيغفرُها (٢) اللَّه لهم، فإذا أَدخلهم الجنة نزع ما كان في قلوبهم من غلٍّ فصاروا إخوانًا على سُررٍ متقابلين (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ قال سفيان الثوري: أي: لعملٍ هذا ثوابُه (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: قيل (٥): أي: بالصِّدق. وقيل: أي: بما هو حقٌّ في العقول وصوابٌ. وقيل: أي: بالدِّين الحقِّ الذي يستحقُّه على عباده، وهذا بيانٌ منهم لاعتقادهم، وشكرٌ (٦) للَّه تعالى على إرشادهم. وقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: تناديهم الملائكة: أنْ تلك الجنة التي أُخبرتم عنها في الدنيا هي هذه أَوْرثَكُموها اللَّه؛ أي: أعطاكم بأعمالكم، وهي إيمانُهم وطاعاتهم، وسمَّاها ميراثًا لأنه ليس مما يُستحق

стр. 3046

بالعمل، بل هو محضُ فضل اللَّه تعالى وَعَدهم على (١) الطاعات؛ كالميراث من الميت لا يكون عوضًا مستحَقًّا عن شيء بل هو عطيةٌ خالصة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعض الناس: إن المعتزلة خالفوا اللَّه تعالى فيما أَخبر، وخالفوا الرسلَ فيما أَخبروا عن اللَّه تعالى، وخالفوا أهل الجنة والنار، وخالفوا إبليس: اما مخالفةُ اللَّه: فإنه قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. وأما مخالفة الرسل: فقد قال نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]. وأما مخالفة أهل الجنة: فقولهم: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وأما مخالفة أهل النار: فقوله تعالى: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١]. وأما مخالفة إبليس: فقول إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] فهو أعلم باللَّه من المعتزلة (٢). وقال مقاتل ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾: وذلك أن أهل الجنة لمَّا انتهوا إلى باب الجنة إذا هم بشجرةٍ تنبع من ساقها عينان، فيميلون إلى إحداهما فيشربون منها، فيُخرج اللَّه تعالى ما كان في أجوافهم من غلٍّ وقَذَر فيُطهِّر أجوافهم بذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ثم يميلون إلى العين الأخرى فيغتسلون منها، فيطيِّب (٣) اللَّه تعالى أجسادهم من كلِّ

стр. 3047

دَرَنٍ، وجَرت عليهم النُّضرة فلا تَشعَّثُ رؤوسُهم ولا تَغْبرُّ (١) وجوههم ولا تَشْحبُ أجسادهم، ثم تبشرهم خزنةُ الجنة قبل أن يدخلوها فينادونهم: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فلما استقروا في منازلهم قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾؛ أي: لدِينه ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: بأنَّ هذا اليوم حقٌّ، فصدَّقناهم (٢). وقيل: لمَّا لم ينظروا إلى أعمالهم بل ذكروا منَّة (٣) اللَّه تعالى بالهداية، ذكر اللَّه أنهم وَرِثوها بأعمالهم فحصل (٤) لها قيمة. * * * (٤٤) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾: قرأ الكسائي: ﴿نَعِم﴾ بكسر العين (٥)؛ لِمَا رُوي عن أبي عثمان النهديِّ: أن عمر ﵁ سألهم عن شيء، فقالوا: نَعَم، فقال: إنما النَّعَم الإبل، فقولوا: نَعِم (٦).

стр. 3048

وقرأ الباقون: بفتحها، وهي لغةُ أهل الحجاز وعامةِ العرب. ومعنى الآية: أن أهل الجنة ينادُون يومئذ أهلَ النار -لأنهم مشرِفون عليهم، فإن الجنة عالية وجهنمَ متسفِّلة- فيقولون لهم: إنَّا وجدنا ما وَعدنا اللَّه من الثواب حقًّا، فهل وجدتُم ما وَعد ربكم (١) من العقاب حقًا؟ قالوا: نعم. وإنما يكون هذا تشفِّيًا لقلوب المؤمنين وزيادةَ تعذيب للكافرين، فإنهم كانوا يؤذونهم ويعيِّرونهم كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾: أي: نادى منادٍ، وهو ملك أو مَن شاء اللَّه: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ والكسائي وابن كثير بتشديد النون، والباقون بالتخفيف (٢). قال أبو حاتم: التخفيفُ أولى؛ ليكون موافقًا لقوله: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وقال الأخفش: التشديد أولى؛ لأنها يليها الاسم. ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: حصَلت على الكافرين دون المؤمنين، وهو إخبارٌ. وقيل: هو ابتداءُ لعنٍ منهم لهم (٣).

стр. 3049

(٤٥) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون عن دِين اللَّه بالنهي وإدخال الشُّبَه. وقوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: يطلبون لها (١) تغييرًا وإمالةً إلى الباطل. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾: أي: كانوا بها جاحدِين. كلُّه نعتُ الظالمين الذين عليهم اللَّعنةُ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قالوا: ذكَر نداءَ أهلِ الجنة أهلَ النار، ونداءَ أهلِ النار أهلَ الجنة، ونداءُ بعضهم بعضًا لا يكون إلا بحيث يكون بعضهم قريبًا من بعض، وقد جاء في وصف الجنة أن أقلَّ ما يكون لواحدٍ من أهل الجنة مثلُ عَرْض الدنيا، وجاء أن الحور العين لو نظرت واحدةٌ منهنَّ إلى (٢) الدنيا نظرةً لامتلأت الدنيا من ضوئها وعِطرها، وجاء في وصف النار أن شرارةً لو وقعت في الدنيا لأحرقتْها، فإذا كان (٣) بعضُهم مِن بعضٍ بحيث يَسمع من بعض (٤)، ألَا يتأذَّى أهل الجنة بأهل النار (٥)، ولا يتنعمُ أهلُ النار بنعيم أهل الجنة؟ قلنا: إن اللَّه قادر على أن يُوقع نداء هؤلاء بمسامعِ هؤلاء مع بُعْدِ ما بينَهما، ويُسمعَ كلَّ فريق نداءَ الفريق الآخر، أو يكونُ اللَّه جعَلَ بِنْية هذا الخَلْق غيرَ هذه البِنية

стр. 3050

مع ارتفاع الآفَات (١) والحجُب، فيَسمعُ بعضهم نداءَ بعضٍ مِن بُعدٍ، ويُبصِرُ بعضُهم بعضًا؛ لأن في الدنيا المانعُ هي الآفَات والحجبُ وقد ارتفع ذلك، أو تُقرَّب الجنة من النار [والنارُ من الجنة] بحيث يُسمعُ بعضُهم بعضًا ما ذُكر من النداء (٢). * * * (٤٦) - ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: قال بعض أهل التفسير: هو السورُ المذكور في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ الآية [الحديد: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾: هي جمع عُرف، وهو المكان المرتفع، ومنه: عُرف الديك، وذلك لأنه بظهوره أَعْرفُ مما انخفض منه. وقيل: سمي بذلك لأن أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة من أهل النار. وقيل في معنى الآية: أي: وعلى أعالي الحجاب -وهو السورُ- رجال. قيل: هم ملائكةٌ موكَّلون بأعالي هذا السور يميِّزون المؤمنين من الكافرين (٣) قبلَ إدخالهم الجنةَ والنار، واسم الرجال وإن كان في الأظهر لذكورِ بني آدم، فغيرُ منكَرٍ أن يقع على الملائكة كما وقع على الجن في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ وسُمُّوا رجالًا لأنهم في صورة الرجال.
следующие страницы →