← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

بالعمل، بل هو محضُ فضل اللَّه تعالى وَعَدهم على (١) الطاعات؛ كالميراث من الميت لا يكون عوضًا مستحَقًّا عن شيء بل هو عطيةٌ خالصة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعض الناس: إن المعتزلة خالفوا اللَّه تعالى فيما أَخبر، وخالفوا الرسلَ فيما أَخبروا عن اللَّه تعالى، وخالفوا أهل الجنة والنار، وخالفوا إبليس: اما مخالفةُ اللَّه: فإنه قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]. وأما مخالفة الرسل: فقد قال نوح ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]. وأما مخالفة أهل الجنة: فقولهم: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وأما مخالفة أهل النار: فقوله تعالى: ﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢١]. وأما مخالفة إبليس: فقول إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] فهو أعلم باللَّه من المعتزلة (٢). وقال مقاتل ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾: وذلك أن أهل الجنة لمَّا انتهوا إلى باب الجنة إذا هم بشجرةٍ تنبع من ساقها عينان، فيميلون إلى إحداهما فيشربون منها، فيُخرج اللَّه تعالى ما كان في أجوافهم من غلٍّ وقَذَر فيُطهِّر أجوافهم بذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ثم يميلون إلى العين الأخرى فيغتسلون منها، فيطيِّب (٣) اللَّه تعالى أجسادهم من كلِّ

стр. 3047

دَرَنٍ، وجَرت عليهم النُّضرة فلا تَشعَّثُ رؤوسُهم ولا تَغْبرُّ (١) وجوههم ولا تَشْحبُ أجسادهم، ثم تبشرهم خزنةُ الجنة قبل أن يدخلوها فينادونهم: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فلما استقروا في منازلهم قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾؛ أي: لدِينه ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾: بأنَّ هذا اليوم حقٌّ، فصدَّقناهم (٢). وقيل: لمَّا لم ينظروا إلى أعمالهم بل ذكروا منَّة (٣) اللَّه تعالى بالهداية، ذكر اللَّه أنهم وَرِثوها بأعمالهم فحصل (٤) لها قيمة. * * * (٤٤) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾: قرأ الكسائي: ﴿نَعِم﴾ بكسر العين (٥)؛ لِمَا رُوي عن أبي عثمان النهديِّ: أن عمر ﵁ سألهم عن شيء، فقالوا: نَعَم، فقال: إنما النَّعَم الإبل، فقولوا: نَعِم (٦).

стр. 3048

وقرأ الباقون: بفتحها، وهي لغةُ أهل الحجاز وعامةِ العرب. ومعنى الآية: أن أهل الجنة ينادُون يومئذ أهلَ النار -لأنهم مشرِفون عليهم، فإن الجنة عالية وجهنمَ متسفِّلة- فيقولون لهم: إنَّا وجدنا ما وَعدنا اللَّه من الثواب حقًّا، فهل وجدتُم ما وَعد ربكم (١) من العقاب حقًا؟ قالوا: نعم. وإنما يكون هذا تشفِّيًا لقلوب المؤمنين وزيادةَ تعذيب للكافرين، فإنهم كانوا يؤذونهم ويعيِّرونهم كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾: أي: نادى منادٍ، وهو ملك أو مَن شاء اللَّه: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ والكسائي وابن كثير بتشديد النون، والباقون بالتخفيف (٢). قال أبو حاتم: التخفيفُ أولى؛ ليكون موافقًا لقوله: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ﴾ ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا﴾ ﴿أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وقال الأخفش: التشديد أولى؛ لأنها يليها الاسم. ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: حصَلت على الكافرين دون المؤمنين، وهو إخبارٌ. وقيل: هو ابتداءُ لعنٍ منهم لهم (٣).

стр. 3049

(٤٥) - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يمنعون عن دِين اللَّه بالنهي وإدخال الشُّبَه. وقوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: أي: يطلبون لها (١) تغييرًا وإمالةً إلى الباطل. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾: أي: كانوا بها جاحدِين. كلُّه نعتُ الظالمين الذين عليهم اللَّعنةُ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قالوا: ذكَر نداءَ أهلِ الجنة أهلَ النار، ونداءَ أهلِ النار أهلَ الجنة، ونداءُ بعضهم بعضًا لا يكون إلا بحيث يكون بعضهم قريبًا من بعض، وقد جاء في وصف الجنة أن أقلَّ ما يكون لواحدٍ من أهل الجنة مثلُ عَرْض الدنيا، وجاء أن الحور العين لو نظرت واحدةٌ منهنَّ إلى (٢) الدنيا نظرةً لامتلأت الدنيا من ضوئها وعِطرها، وجاء في وصف النار أن شرارةً لو وقعت في الدنيا لأحرقتْها، فإذا كان (٣) بعضُهم مِن بعضٍ بحيث يَسمع من بعض (٤)، ألَا يتأذَّى أهل الجنة بأهل النار (٥)، ولا يتنعمُ أهلُ النار بنعيم أهل الجنة؟ قلنا: إن اللَّه قادر على أن يُوقع نداء هؤلاء بمسامعِ هؤلاء مع بُعْدِ ما بينَهما، ويُسمعَ كلَّ فريق نداءَ الفريق الآخر، أو يكونُ اللَّه جعَلَ بِنْية هذا الخَلْق غيرَ هذه البِنية

стр. 3050

مع ارتفاع الآفَات (١) والحجُب، فيَسمعُ بعضهم نداءَ بعضٍ مِن بُعدٍ، ويُبصِرُ بعضُهم بعضًا؛ لأن في الدنيا المانعُ هي الآفَات والحجبُ وقد ارتفع ذلك، أو تُقرَّب الجنة من النار [والنارُ من الجنة] بحيث يُسمعُ بعضُهم بعضًا ما ذُكر من النداء (٢). * * * (٤٦) - ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾: قال بعض أهل التفسير: هو السورُ المذكور في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ الآية [الحديد: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾: هي جمع عُرف، وهو المكان المرتفع، ومنه: عُرف الديك، وذلك لأنه بظهوره أَعْرفُ مما انخفض منه. وقيل: سمي بذلك لأن أصحاب الأعراف يعرفون أهل الجنة من أهل النار. وقيل في معنى الآية: أي: وعلى أعالي الحجاب -وهو السورُ- رجال. قيل: هم ملائكةٌ موكَّلون بأعالي هذا السور يميِّزون المؤمنين من الكافرين (٣) قبلَ إدخالهم الجنةَ والنار، واسم الرجال وإن كان في الأظهر لذكورِ بني آدم، فغيرُ منكَرٍ أن يقع على الملائكة كما وقع على الجن في قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ وسُمُّوا رجالًا لأنهم في صورة الرجال.

стр. 3051

وقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾: أي: الكفارَ بسوادِ الوجوه وزُرقة العيون، والمؤمنين بنَضرة النعيم ونورِ الوجوه. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: يبشِّرونهم بالسلامة من كلِّ مَخوف، وبسلامِ التحية في الجنة. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾: أي: أهلُ الجنة بَعْدُ (١) ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾؛ أي: يرجُون، وهو طمع اليقين كما في قول الخليل: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وهذا هو قولُ الحسنِ وأبي مجلزٍ (٢). * * * (٤٧) - ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾: أي: أبصار هؤلاء الملائكةِ ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾؛ أي: حِذاءَهم، وهي جهة اللقاء. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: قال هؤلاء الملائكةُ هذا بطريق الدعاء حين أَشرفوا على حال (٣) أهل النار، وهم متعبَّدون مكلَّفون كبني آدم، فلا يُنْكر أن يدعوا اللَّهَ لأنفسهم بالأمن. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: هم أهلُ كرامة اللَّه، أكرمهم بذلك فرفَعهم على السور لينظروا إلى حُكم اللَّه في الخلق وعدلِه فيهم، وينظروا إلى إحسان اللَّه تعالى فيمَن يُحسن إليه (٤) [وعدلهِ فيمَن يعاقبهم].

стр. 3052

قال: وقيل: هم الأنبياء، والأشبهُ أن يكونوا (١) الأنبياءَ، يكونون على الأعراف يَشهدون على الأمم، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] (٢). وروى عبد الرحمن المزنيُّ قال: سُئل النَّبي ﷺ عن أصحاب الأعراف قال: "ناسٌ قُتلوا في سبيل اللَّه، منَعَهم الجنةَ معصيتُهم آباءَهم، ومنَعَهم النارَ قتلُهم في سبيل اللَّه " (٣). وقال مجاهد: هم أقوام رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم، وأمهاتُهم دون آبائهم، فلم يدخلهم اللَّه الجنة لأن آباءهم أو أمهاتِهم غيرُ راضين عنهم، ولم يدخلهم النار لرضا آباءهم أو أمهاتهم عنهم، فيُحبَسون على الأعراف إلى أن يقضيَ اللَّه تعالى بين الخلق ثم يدخلهم اللَّه الجنة (٤). وقال الكلبي: استوت حسناتُهم وسيئاتهم فوُقفوا عليه. وقال حذيفةُ: هم قوم كانت لهم حسناتٌ وسيئاتٌ، فخالفت بهم حسناتهم عن

стр. 3053

النار، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن الجنة، فكانوا كذلك حتى قضى اللَّه فيهم ما قضى (١). وعلى هذه الأقاويل المتأخِّرة: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ أصحابُ الأعراف، وكذلك: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ الآية. وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني (٢): أصحاب الأعراف هم الذين ماتوا في الفترة ولم يبدِّلوا دينهم. وقيل: هم أولاد المشركين. * * * (٤٨) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾: أي: رجالًا من الكفار يعرفونهم بسوادِ الوجوه ونحوِه: ما نَفَعكم جماعاتكم؟ وقيل: جَمْعُكم الأموالَ، وتكبُّركم عن الإيمان، أو تعَظُّمكم على الناس بالرياسة ونحوها. وهذا توبيخ للكفار. * * * (٤٩) - ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.

стр. 3054

قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾: وهم ضعفاءُ المسلمين كان الكفار يستخفُّون بهم، فيقول أصحاب الأعراف: أهؤلاء الذين حلَفتم ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾؛ أي: لا يصيبهم اللَّه بكرامة؟ فانظروا إلى حالهم. وقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾: أي: يقول أصحاب الأعراف للضعفاء من المؤمنين ردًا على الكافرين ما أقسموا به: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾. وقيل: يقال لأصحاب الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. وقال الكلبيُّ: إنهم ينادُون وهم على السور: يا أبا جهل، يا وليدَ بنَ المغيرة، ويا فلان، يعرفونهم بسيماهم، ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ في الدنيا المالَ والولد، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان باللَّه؟ ثم ينظرون إلى أهل الجنة فيَرون فيها الضعفاء والمساكين ممن كانوا يستهزؤون بهم مثلَ سلمانَ وصهيبٍ وخبَّابٍ وأشباههم، فنادَوهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ يعني: الضعفاء والمساكين ممن (١) حلفتم وأنتم في الدنيا ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ يعني: بالجنة، يقول اللَّه تعالى لأصحاب الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ حين يخاف أهل النار ﴿وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ حين يحزن أهل النار (٢). وقال أبو العالية: يقول لهم أصحاب الأعراف: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ فأَقْسَم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة، فيقول اللَّه تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ يا أصحاب الأعراف. وقال ابن مسعود ﵁: يحاسَبُ الناس يومَ القيامة، فمَن كانت حسناتُه

стр. 3055

أكثرَ من سيئاته بواحدةٍ دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآيةَ، وإن الميزان يخفُّ بمثقالِ حبةٍ أو يَرجَح، ومَن استوت حسناتُه وسيئاتُه كان من أصحاب الأعراف، فوُقفوا على الصراط ثم عَرفوا أهل الجنة والنار، فإذا نظروا إلى يمينهم فرأوا (١) أهل الجنة قالوا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وإذا نظروا إلى يسارهم فرأوا (٢) أصحابَ النار قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فأما أصحابُ الحسنات فيعطَون نورًا فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويُعطَى كلُّ عبد يومئذ نورًا وكلُّ أَمَةٍ نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلَب اللَّه نورَ كلِّ منافقٍ ومنافقةٍ، فلما رأى أهلُ الجنة ما لقي المنافقون قالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]، وأمَّا أصحاب الأعراف فإن النور كان في أيديهم، فلم يُنزع النور من أيديهم، ومنعتْهم سيِّئاتهم أن يَمضوا بها، فبقي في قلوبهم الطمع إذ لم يُنزع النور من أيديهم، فذلك قوله: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ ثم أُدخلوا بعد ذلك، وكانوا آخِرَ أهل الجنة دخولًا. وقال ابن مسعود ﵁ وهو على المنبر: إنَّ العبد إذا عمِل حسنةً كتبت له بها عشرٌ، وإذا عمل سيئةً لم يُكتب عليه إلا واحدةٌ، ثم يقول: وقد هلَك مَن غلَب آحاده عشَراته (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: أصحاب الأعراف أصحابُ الأشراف، خُصُّوا بأنوار (٤) البصائر اليومَ فأشرفوا على مقادير الخلق بأسرارهم، وأشرفوا غدًا على

стр. 3056

مقامات الكلِّ بأبصارهم وعرفوهم بسيماهم التي وجدوهم عليها في دنياهم، فأقوامٌ موسومون بأنوار القُرب، وآخرون موسومون بآثار الحَجْب، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سَلِموا اليوم عن النكرة والجحود، وأُكرموا بالعرفان والتوحيد، وسلموا غدًا عن فنون الوعيد، وسُعدوا بلطائف المزيد (١). * * * (٥٠) - ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾: فلا صبر لنا على العطش ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الطعام فلا قرار لنا على الجوع. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أي: الطعامُ والشرابُ هاهنا كثير، ولكن اللَّه تعالى حرَّمهما في هذه الدار على الكافرين، وهو تحريم منعٍ لا تحريمُ تكليفٍ، كما في قوله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] قال تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. وفي "تفسير المشافَهات" (٢): أن أهل النار ينادُون أهل الجنة بأسمائهم، فينادي

стр. 3057

الرجلُ أباه وأمَّه وأخته وأخاه، فيقولون: إن النار قد أَعْمت أبصارنا، إن النار قد أَصمَّت أسماعنا، إن النار قد أَنضجت جلودَنا، إن النار قد اطَّلعت على قلوبنا، وإنا خرجنا من الدنيا عطاشًا، وسكنَّا القبور عطاشًا، وخرجنا من القبور عطاشًا، وقد قطع العطش اليومَ حلوقَنا، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم اللَّه، فيقول أهل الجنة: إن اللَّه حرَّمهما على الكافرين. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: انظر كيف لا يسقيهم قطرةً، مع استغنائه عن تعذيبهم، وقدرته على أن يعطيَهم ما يريدون، ولكنْ قهرُ (١) الربوبية، والعزَّةُ الأحدية، وأنه فعَّال لِمَا يريد؛ فكما لم يرزقهم اليوم من عرفانه ذرة، لا يسقيهم غدًا في تلك الأحوال قطرة، وفي معناه أنشدوا: وأَقْسَمْنَ لا يَسقيننا الدَّهرَ قطرةً... ولو زخَرت (٢) من أرضهنَّ بحورُ قال: ويقال: إنما الْتَمسوا الماء ليبكُوا به؛ لأنَّه نفدت دموعهم، وفي هذا المعنى أنشدوا: يا نازحًا نَزَحَتْ (٣) دَمْعي قَطِيعتُه... هَبْ لي من الدَّمع ما أبكي عليك به وفي معناه أنشدوا أيضًا: نَزَف البكاءُ دموعَ عينك فاسْتَعِرْ... عينًا لغيرك دمعُها مِدْرارُ مَن ذا يُعيرك عينَه تبكي بها... أرأيتَ عينًا للبكاء تُعار (٤)

стр. 3058

(٥١) - ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾: وهو نعتُ الكافرين. وقيل: هو قولُ أهل الجنة في وصفهم. وقيل: هو قولُ اللَّه تعالى في حقِّهم (١) بعد ذكر أهلِ الجنة ذلك في خطابهم. ومعنى ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾؛ أي: على متابعةِ أهوائهم يحرِّمون ما شاؤوا ويُحلُّون ما شاؤوا، غير دائنين للَّه ولا متَّبعِين أمره. وقيل: كان دينُهم دينَ إسماعيل فغيَّروه. وقال أبو رَوقٍ: أي: عيدَهم لهوًا ولعبًا (٢)؛ أي: باطلًا وفرحًا، وكذا أهلُ كلِّ دِينٍ، والمسلمون اتَّخذوا عيدَهم صلاةً وطاعةً. وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾: أي: خدعهم ما كانوا فيه من عزِّ الدنيا وسَعتها، وظنُّوا أن ذلك من كرامتهم على اللَّه تعالى، وأن لهم مثلَ ذلك في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾: يقول اللَّه تعالى: فهذا اليومُ الذي يستغيثون بأهل الجنة نتركهم في النار كالمنسيِّين؛ ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾؛ أي: كما تركوا التفكُّر في الآخرة والجزاءِ على الأعمال كالمتناسِين لها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾: عطفٌ على ﴿كَمَا نَسُوا﴾؛ أي: وما كانوا يجحدون بآياتنا فلا يصدِّقون أنها مِن عندنا.

стр. 3059

وقال الحسن ومجاهد وابن عبَّاس والسدِّي: نتركُهم كما تركوا لقاء يومهم هذا (١). وقال القشيريُّ ﵀: كما تركوا الطاعة تركتُهم في العقوبة، فتأتي عليهم الأحقابُ فلا كشفَ عذابٍ، ولا بردَ شراب، ولا حُسن جواب، ولا إكرامَ خطاب، ذلك جزاء مَن لم يعرف قَدْر الوُصلة في أوقات المهلة (٢). * * * (٥٢) - ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: نسُوا أمرنا وجحدوا بآياتنا، ولقد كنَّا آتيناهم كتابًا فصَّلناه؛ أي: جعلناه فصولًا: أمرًا ونهيًا، وتحريمًا وتحليلًا، ووعظًا وضربَ أمثالٍ، بلسانٍ عربيٍّ مُبين، على علمٍ منا بإيضاحه وتقريبه إلى الأفهام، وعلى علمٍ منا بما أَوْدعْناه، وعلى علمٍ منا بمَن يتَّبعه وبمن لا يتَّبعه، وجعلناه هدى ورحمة لمن صدَّقه وعمل به. وقال القشيري ﵀: ولقد أنزلنا إليهم من الكتاب، وأوحينا إليهم من فصل الخطاب، ما لو قابَلوه بحُسن الإصغاء، وتلقَّوه على قَدَم الاستواء، لتخلَّصوا به من محنةِ البِعاد، ولسُعدوا برتبةِ الوداد، ولوصلوا به في الدنيا والآخرة إلى المراد (٣). * * *

стр. 3060

(٥٣) - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾: استفهام بمعنى النفي؛ أي: ما ينتظرون إلا عاقبتَه وما يؤول إليه الأمر. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾: يرجع إلى الكتاب؛ أي: عاقبةُ تصديقه وتكذيبِه، وهو يومُ القيامة. وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: تركوا العملَ بالكتاب في الدنيا ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالصدق في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾: حُذف النونُ للنصب بالفاء جوابًا للتمنِّي ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ بالرفع؛ لأن معناه: وهل نردُّ إلى الدنيا ﴿فَنَعْمَلَ﴾ نصبٌ بالفاء جوابًا للتمني أيضًا ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فنصدِّقَ ونتَّبع. فآيسهم اللَّه تعالى من هذا التمنِّي فقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: قد غُبنوا وصاروا إلى النار ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: ما كانوا (١) يكذِبون، وهو قولهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]. وقيل: أي: بطَل عنهم ما كانوا يعبدونه من الأصنام ثم (٢) يرجون الانتفاع بها بالشفاعة والتقريب إلى اللَّه زلفى. وقال السدِّيُّ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وقعةُ بدر (٣).

стр. 3061

وقال الإمام القشيري ﵀: إذا كُشف لهم عن أستار الغيب، وتشقَّقت (١) عن قلوبهم أغطيةُ الرَّيب، فهناك لا دعاء لهم يُسمع، ولا بكاء لهم يَنفع، ولا شكوَى لهم تُدفع، ولا بَلْوَى عنهم تُقْطع (٢). * * * (٥٤) - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: أي: ليس ربُّكم ومالكُكم وخالقُكم ومدبِّرُكم وحافظُكم الأصنامَ ولا الملائكةَ ولا الجنَّ ولا الذين (٣) تزعمون، بل كلُّ ذلك مربوب مخلوق، بل ربُّكم وخالقُكم ومالكُكم ومدبِّرُكم وحافظُكم اللَّهُ الَّذي خلَق السماوات والأرض وما بينهما ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وإنْ لم يذكر في هذه الآية (وما بينهما)، ولكنَّ ذكر السماوات والأرض يدل على ذلك، وقد نصَّ عليه في الآية التي في أول سورة يونس (٤)، وفي آخر سورة الفرقان (٥)، وفي سورة ق (٦).

стр. 3062

قوله تعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾: قيل: من يوم الأحد إلى يوم الجمعة. وقيل: هي كأيام الدنيا. وقيل: هي كأيام الآخرة كلُّ يوم ألفُ سنة. وكان قادرًا أن يخلقها كلَّها في أقلَّ من لحظة فـ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، لِمَا قال (١) سعيد بن جبير ﵁: إنما فعَل ذلك تعليمًا لخلقه التأنِّيَ والتثبُّت في الأمور (٢). وقيل: ذكرُ المدةِ عبارةٌ عن إحكام خَلْقهما وإتقانِ صُنْعهما، على ما تعارفه الناس فيما بينهم في الإخبار عن إحكام الشيء بإضافته إلى وقتٍ ممتدٍّ. وقيل: هو دلالةٌ على تركه معاجَلة العصاة بالعقاب، لا لعجزٍ (٣) عن ذلك، لكن إظهارًا لحكمه (٤)، وتنبيهًا للعباد على الرجوع إلى بابه، وإمهالًا للعبد ليتمكَّن من إصلاح أمره. وقيل: فعَل ذلك لاعتبارِ الملائكة بخَلْق شيءٍ بعد شيء. وقيل: تدبيرُ الحوادث على إنشاء شيءٍ بعد شيءٍ على ترتيب هو (٥) أدلُّ على عالِمٍ مدبِّر مريدٍ يصرِّفه على اختياره، ويجريه على مشيئته. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: أي: الملك، يقال: ثُلَّ عرش فلان؛ أي:

стр. 3063

زال ملكه، والاستواء: ظهور التمام، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ١٤] ومعناه -واللَّه أعلم- فيما أشار إليه الإمام أبو منصور ﵀: أن خلق السماوات والأرض كان في ستة أيام، ثم في اليوم السابع خلق الممتحَنين؛ أي: الذين يتوجَّه عليهم خطابُ التكليف، ولهم فضيلةُ العقل والتمييز، وظهر لهم تمام ملك اللَّه وعظمته وجلاله، وقبلَ ذلك لم يكن مَن له معرفةُ ذلك، وهم المقصودون بالتخليق، وغيرُهم خُلق لهم وجُعل لهم بالتسخير، فكان بهم ظهَر تمامُ الملك، ومعرفةُ النعم، والوقوفُ على الحجج. قال: ووجهٌ آخر ما قال بعض أهل التفسير: إن ستة أيام هي ستة أيام الآخرة كلُّ يومٍ ألفُ سنة، فجائز أن يكون تدبير هذا العالم إلى ستة أيام بمعنى ستةِ آلافِ سنة، ثم يكون يومُ السابع يومَ القيامة، وفيه ظهورُ تمام الملك، فيمِرُّ كلُّ ممتحَن فيه بأن الملك للَّه تعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] وقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦] وقال: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] وقال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] وقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] وقال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] فيجوز أن تكون الآية إشارةً إلى ذلك (١). وهذا ألطفُ ما قيل (٢) فيه، وقد بيَّنا له وجوهًا أُخَرَ في سورة البقرة في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، فأما حملُ الاستواء على التمكُّن والاستقرار، وتفسيرُ العرش بالسرير، وتجويزُ الانتقال على اللَّه على ما يقوله المشبِّهة، فهو باطلٌ؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وظاهره متشابهٌ، وحملُ المتشابه على

стр. 3064

المحكم واجبٌ، وإجراؤه على ظاهره بدعةٌ، وتأويلُه على وفق الأصول لازمٌ (١)، وباللَّه المعونة. وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ قرأ أبو عمرٍو وأهلُ المدينة بالتخفيف من الإغشاء كما في قوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [يونس: ٢٧] وقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾

стр. 3065

[يس: ٩] وقرأ أهلُ الكوفة غيرَ حفصٍ عن عاصم بالتشديد (١) كما في قوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ [النجم: ٥٤]. ثم لمَّا ذكر الاستواء على العرش وهو إخبارٌ عن نفاذِ أمره وكمالِ ملكه واطِّراد تدبيره، بيَّن ذلك في عيانٍ فقال: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: يُلبِس الليل النهارَ بظُلمته فيُذهب نورَه. وقيل: هذا مختصرٌ، وتمامه تقديرًا: ويغشي النهارَ الليل؛ أي: يُلبس النهارَ الليلَ بنوره فيُذهب ظلمته، وهو كقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] وقوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، وهذا ا لاختصار كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: الحر والبرد. وقوله تعالى: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: أي: يَتْبعه سريعًا على ذلك، جعَل اللَّه تعالى تعاقُب الليل والنهار إلى آخِر مدة الدنيا، ولو انقطعتِ الحركاتُ المتعاقِبة المتواصلةُ لانتقَض العالم، وهو قوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: يُظهِر النورَ في ابتداء النهار في طرفٍ من أطراف السماء والظلمةَ في أول الليل، ثم يَنشُر ذلك في جميع أطراف السماء والأرض وما بينهما في قَدْر لحظةٍ، ما (٢) لو أُريد تقديرُ ذلك بجميع ما في الخَلق من المقادير ما قدروا عليه، ليُعلم أن اللَّه على ما يشاء قدير (٣). وقوله: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ ليس على حقيقةِ الطلب، لكنْ لمَّا كان من كلِّ واحد

стр. 3066

منهما للآخَر ما لو كان ممن يكون له الطلب كان طلبًا سمَّاه طلبًا (١)؛ كما قال: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠] ولا غرور لها، لكن معناه: لو كان هذا ممن يكون منه الغرور كان غرورًا، فهذا كذلك. وقال الإمام القشيري ﵀: تعرَّفَ اللَّه إلى العوامِّ بآياته الظاهرة الدالَّةِ على قدرته وهي أفعالُه، وتعرَّف إلى الخواصِّ منهم بآياته الدالةِ على نصرته التي هي أفضالُه وإقبالُه، وظهر لأسرار خواصِّ الخاصِّ بنعوته الذاتية التي هي جمالُه وجلاله، فشتَّان بين قومٍ وقومٍ. ثم كما يَدخل في الظاهر الليلُ على النهار والنهارُ على الليل، فكذلك يَدخلُ (٢) القبضُ على البسط والبسطُ على القبض، ومنه الإشارةُ إلى ليل القلوب ونهارها، فمِن عبدٍ أحوالُه أجمعُ قبضٌ، ومن عبدٍ أحوالُه أجمعُ بسطٌ، ومن عبدٍ يكون مرةً بعينِ القبض ومرةً بعين البسط، كما أن في (٣) العالم في بعضِ الأقطار نهارًا بلا ليلٍ، وفي بعضها ليلٌ بلا نهار، وفي بعضها ليلٌ يدخل على نهارٍ، ونهار يدخل على ليلٍ، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وبيده الخير والشرّ، والنفعُ والضرّ ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾: قرأ ابن عامر الكلَّ بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب عطفًا على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ (٥)؛ أي: ذلَّل هذه الأشياءَ لِمَا خُلِقْن له.

стр. 3067

وقوله تعالى: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ قيل: أي: بتسخيره. وقيل: أي: بأمر اللَّه يجرِيْنَ ويَنفعن الخَلْق. وقيل: هو أمر التكوين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: له الخلائق ملكًا، وله أن يأمرهم بما شاء قطعًا. ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾؛ أي: تعالى اللَّه. وقيل: تعظَّمَ اللَّه. وقيل: كثُر خيره ودام بِرُّه، أثنى على نفسه بما فعَل في خلقه، ودلَّ بذلك على أنه يَلزمُ العبادَ الثناءُ عليه بذلك، ثم صرح ذلك بما بعدَه وهو قولُه تعالى: * * * (٥٥) - ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾: أي: اعبدوه علانيةً وسرًا، وارفعوا إليه حوائجكم ﴿تَضَرُّعًا﴾؛ أي: تذلُّلًا وتخشُّعًا، والضَّراعة: الذِّلة، من حدِّ عَلِم ﴿وَخُفْيَةً﴾؛ أي: إخلاصًا؛ لأن الخفيَّ لا يدخله رياءٌ؛ قال تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: أي: المشركين؛ إذا جُعل الدعاء بمعنى العبادة، فأما على الدعوة والسؤال فمعناه: أي: المجاوزِين الحدَّ في الدعاء وفي غيره، وهو نهيٌ عن الجهر في غير موضعه. وروى أبو موسى الأشعريُّ: أنهم كانوا مع النَّبي ﷺ في غزاةٍ، فأشرفوا على وادٍ فجعلوا يكبِّرون ويهلِّلون رافعي أصواتهم، فقال: "أيها الناس! اربَعوا على أنفسكم، لستُم تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنكم لتَدْعون سميعًا قريبًا إنه لمعَكم" (١).

стр. 3068

وقال الكلبيُّ: ﴿تَضَرُّعًا﴾: علانيةً ﴿وَخُفْيَةً﴾: سرًّا في حوائجكم. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾؛ أي: أطيعوه سرًّا وعلانيةً (١). وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: الذين دعاؤهم دعاءُ الأبرار وعملُهم عمل الفجَّار. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل أن يكون الاعتداءُ في الدعاء (٢) هو أن يسألَه ما لا يستحقُّه من كرامة الأنبياء والأولياء (٣). وقال القشيري ﵀: الاعتداء في الدعاء: ترك الدعاء، ومن غايةِ ما يتقرَّر للعبد مِن وَصْفِ كرمه: أن جَعل إمساكه عن الدعاء -وهو حاجتُه الذي لا بد له منه- اعتداءً منه، وإن اللَّه علَّمهم الأدب في الدعاء، ومن آدابه أن يدعوَ بوصف الافتقار ونعتِ الانكسار ونشرِ الاضطرار (٤). * * * (٥٦) - ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: قال الحسن: الإفساد في الأرض قتل المؤمنين والاعتداءُ على الخلق (٥).

стр. 3069

وقيل: هو العملُ فيها بالمعاصي، والإصلاحُ فيها: العمل بالطاعات. وقيل: هو الكفر، والإصلاح: الإيمان. وقيل: أي: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بتكذيب الأنبياء ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾؛ أي: بعد أن أصلحها اللَّه بانبعاثهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ قيل: بعد ما خلقها اللَّه تعالى طاهرةً عن الإفساد وسفكِ الدماء وغيرِ ذلك (١). وقال عطيةُ العَوْفيُّ: أي: لا تَعْصوا في الأرض فيمسكُ اللَّه المطر ويهلكُ الحرثَ بمعاصيكم (٢)، فذلك فسادُها بعد إصلاحها. وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: ادعوه خوفًا منه وطمعًا فيه، إن إجابة اللَّه سريعٌ إلى المطيعين (٣). وقال الكلبي: خوفًا من عذابه وطمعًا في ثوابه (٤). ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المؤمنين (٥). وقوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ على التذكير؛ قيل: لأن الرحمة مصدر بمعنى: الرحم (٦).

стр. 3070

وقيل: لأن تأنيثه غيرُ حقيقي. وقال أبو عبيد ﵀: القريب والبعيد إذا كانا اسمين استوَى فيهما المذكَّر والمؤنث (١)، وإن بَنَيْتَهما على قَربَتْ وبَعدَتْ قلت: قريبة وبعيدة (٢). وقيل: معناه: بمكانٍ قريبٍ من المحسنين. وقال القشيري ﵀: من الإفساد بعدَ الإصلاح: إهمالُ النفس عن المجاهدات بخلع عِذارها حتى تنهمِك في هواها بعد كبح لجامها عن الركض في ميدان الخلاف، ومن ذلك: تفريقُ القلب في أودية المنى بعد جمعه على (٣) أوصاف الإرادة، ومن ذلك: الرجوعُ إلى الحظوظ بعد القيام بالحقوق، ومن ذلك: الاستشعارُ بحبِّ المخلوق بعد تأكيدِ العقد مع المحبوب بأن لا يحبَّ سواه، ولا يُؤثرَ رضا غيره على رضاه، ومن ذلك: الجموحُ إلى تتبُّع الرُّخَص بعد حمل النفس على ملازمةِ الأشق، ومن ذلك: الرجوعُ عن حُكم الإرادة إلى ما عليه أهلُ العادة. وقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: المحسنين عملًا والمحسنين أملًا، أما الأول ففي الموفِين والثاني في المقصِّرين (٤). * * *

стр. 3071

(٥٧) - ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ (١): متَّصل بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿نشرًا﴾ (٢): قرأ عاصم: ﴿بُشْرًا﴾ بضم الباء وتسكينِ الشين منوَّنًا جمع بشيرة؛ أي: مبشِّراتٍ، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿نَشْرًا﴾ بفتح النون وله معنيان: قال الفراء: هي الريحُ الطيِّبة الليِّنة التي تُنشئ السحابَ (٣)، ومنه قولهم: جاريةٌ طيِّبةُ النَّشْر. والثاني: أن يكون مصدرًا من نَشَر الذي هو خلافُ طَوَى؛ أي: يَنْشُرها اللَّه نَشْرًا. وقرأ ابن كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو: ﴿نُشُرًا﴾ بضم النون والشين (٤)، وقرأ ابن عامر: ﴿نُشْرًا﴾ بضم النون وتسكين الشين (٥)، جمع نَشور وهو المنتشِر في النواحي. وقوله تعالى: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: أي: قدَّام مطَره. وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا يُفهم من قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾

стр. 3072

ما يُفهم من قولك: بين يدي فلانٍ (١)، وكذا في قوله: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وكذا في قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] وقولهِ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] (٢). وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا﴾: أي: حملت سحابًا، جمع سحابة ﴿ثِقَالًا﴾: جمع ثقيلة؛ أي: بالماء. وقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ﴾: أي: ما حملته (٣) السحاب من الماء، كنايةٌ عن المعنى دون اللفظ. وقيل: أي: سُقنا السحاب، ولفظُه لفظُ (٤) واحدٍ فوحَّد الكناية، ومعناه جمعٌ فوصفه بالثقال، وهو كقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] بالهاء، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] بدون الهاء. وقوله تعالى: ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾: أي: إلى أرضٍ هَمدتْ فلا تتحرَّك بنبات. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ﴾: أي: بالسحاب، وقيل: أي: بالبلد. وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾: أي: بالماء ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾؛ أي: الحبوبِ والفواكه، فإنها مما تُثمره الأرض ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾: أي: نُحييهم فنبعثُهم، كما أحيينا الأرض فأخرجنا الثمرات. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: أي: تتذكرون البعثَ بما تشاهدونه من إحياءِ الأرض.

стр. 3073

قال الكلبي ﵀: وذلك إذا مات الناس (١) كلُّهم مَطَرت السماء أربعين يومًا كمَنيِّ الرجال، فيَنْبُتون في قبورهم بذلك المطر كما يَنبتون في بطونِ أمَّهاتهم، ثم يَخرجون في النفخة الثانية (٢)، وبينهما أربعون سنة. وقال الإمام القشيري ﵀: في الآية إشارةٌ إلى أنه رُبَّ مهجورٍ تمادَى به الصدّ، وبَرَّحَ به الوَجْد، حتى أَنْحلَ جسمَه بل أَبطَلَ كلَّه البُعد، وحتى ظَنَّ أنه لا يستقبلُه حيث ما تَوجَّه إلا الطرد، فبينما هو كذلك إذ أتاه بَشيرُ القُرْب، وهبَّت له (٣) رياح الوَصل، فيعود عُودُ إقباله طريًّا، ويصير دارسُ حاله بعد الرثاثة قويًّا، كما قال قائلهم: كنتُ كمَن أُلبسَ أكفانَه... وقُرِّبَ النَّعشُ من المَلْحَدِ فجال ماءُ الروح في جسمه... فردَّه الوصل (٤) إلى المَولدِ تبارَكَ اللَّهُ وسبحانَهُ... ما كلُّ همٍّ هوَ بالسَّرْمدِ (٥) * * * (٥٨) - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾: أي: الأرض الحُرَّةُ الطين؛ أي: الخالصةُ الطين (٦).

стр. 3074

وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾: أي: بحُكم ربِّه، وقيل: بعِلْم ربِّه، وقيل: بتيسير ربِّه. وقال قتادةُ: هو مَثَلُ المؤمنِ سمع كتاب اللَّه فعقَله ووعاه وانتَفَع به كمَثَل هذه الأرضِ أصابها الغيثُ فأنبتت وانتُفع بها. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ قال: هو مَثَلُ الكافر يسمعُ القرآن، فلم يَعْقِله ولم يَفهمه ولم يَنتفِعْ به، وقوله: ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾؛ أي: عسِرًا على قول قتادة (١). وقال السُّدِّي: أي: قليلًا لا يُنتفَع به (٢). وقال أهل اللغة: النَّكِد: الرجل الممتنِعُ من إعطاء الخير بخلًا ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ هو السَّبخةُ ونحوُها. وقال الحسين بن الفضل ﵀: شبَّه اللَّهُ المؤمنَ والكافر بالأرض، وشبَّه نزول القرآن بالمطر، فعلى قَدْرِ طِيْبة التربة وخُبْثِها ورداءتها زكاءُ النَّبْت وزيادتُه (٣). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾: أي: كما بيَّنَّا المثَل في المؤمن والكافر نبيِّن سائرَ ما بالناس حاجةٌ إليه، وقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾؛ أي: يَنتفع به الشاكرون للَّه بالإيمان والطاعات على ما رزقهم من العقول وسائر النعم. * * *

стр. 3075

(٥٩) - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾: أي: كما أرسلناك إلى قومك، وهو النَّظمُ. قوله تعالى: ﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: أي: وحِّدوه وأفرِدوه بالعبادة لتفرُّده بالإلهية (١). وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: قرأ الكسائي: بالخفض نعتًا لقوله: ﴿إِلَهٍ﴾ وقرأ الباقون بالرفع (٢)؛ لوجهين: أحدهما: ما لكم غيرُه من إلهٍ. والثاني: أن (مِن) للتأكيد، وتقديره: ما لكم إلهٌ غيرُه، فرُفع على المعنى. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: أي: أخاف عليكم (٣) من الإصرار على الشرك عذابًا من اللَّه يأتيكم في يومٍ من أيام دنياكم عظيمِ الشأن يُذكر خبرُه في الآخِرين، وهو يوم تُستأصَلون فيه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هو عذابُ يوم القيامة (٤). * * * (٦٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

стр. 3076

وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾: أي: الأشراف، وهم الذين يملؤون المحافل، وقيل: يملؤون الصدور مهابة. وقيل: هم المِلاءُ بتنفيذ الأمور؛ جمعُ مَليءٍ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: من رؤية القلب وهي العلم، وقيل: من رؤية البصر، وقيل: من الرأي، وهو غالبُ الظنِّ. والضلال: الخطأ والميل عن الصواب. أي: تدعُونا إلى عبادة إلهٍ واحدٍ وهو خطأٌ بيِّن؛ لأنَّا وَجدنا آباءنا يعبدون آلهةً فقد ضلَلْت أنت عن هذا الطريق. * * * (٦١) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾: أي: عدولٌ عن طريق (١) الحق، ولم يقل: ليست؛ لتقدُّم الفعل، ولأن الضلالة في معنى الضلال، ولأنه ليس بمؤنثٍ حقيقيٍّ. وهذه اللفظة في (٢) جوابهم تلطُّفٌ وترفُّقٌ، وهكذا كان خطاب الأنبياء أممَهم، وهو أنجعُ في القلوب وأدعَى إلى القبول. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: خالقِ الخلائق أجمعين، أسلُك طريقَه الذي هداني له. * * *

стр. 3077

(٦٢) - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾: قرأ أبو عمرو: ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ مخفَّفًا (١)، من قوله: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ [الأعراف: ٧٩]، وقولهِ: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]. وقرأ الباقون: مشدَّدًا، من قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. والرسالة: جملةٌ من البيان يحملُها القائم ليؤدِّيها إلى غيره. وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يبيِّن فيما إذا (٢) كانت الرسالة في كتابٍ أَنزله إليه، أو وحيٍ في غيرِ كتابٍ أُوحي إليه (٣) وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجةٌ سوى تصديقِه فيما بلَّغ إليهم (٤). ومعنى جمعِ الرسالات: هو تفصيل ذلك في الزمان المديد. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: النصيحة هي الدعاء إلى ما فيه الصلاح، والنهيُ عما فيه الفساد، ومنه قولُ النَّبي ﷺ : "ألَا إنَّ الدِّينَ النَّصيحةُ" (٥)، والنصحُ كذلك، وخلافُه الغِشُّ. قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: قيل: من نزول العذاب بكم إذا دُمتم على ما أنتم عليه.

стр. 3078

وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن اللَّه آتَى الرسل العلمَ بأشياءَ لم يؤتِ ذلك غيرَهم، وهو كقول إبراهيم ﵇ لأبيه آزر: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ [مريم: ٤٣] (١). وقال الإمام القشيري ﵀: أي: أعلمُ أني وإنْ بالغتُ في تبليغ الرسالة، فمَن لم تسبق له القسمةُ بالسعادة لا ينفعُه نصحي ولا يؤثِّر فيه قولي، فإنَّ مَن أَسقطَتْه القسمةُ لم تنعشه النصيحة. وقال: في قوله: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾: إن نوحًا ﵇ نُسب إلى الضلالة فتولَّى إجابتهم بنفسه فقال: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾، ونبيُّنا ﵊ نُسب إلى ما نُسب إليه فتولَّى اللَّه الردَّ عنه فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] فشتَّان بين مَن دَفع عن نفسه وبين مَن دَفع عنه ربُّه (٢). * * * (٦٣) - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: الألِف للاستفهام بمعنى التوبيخ، والواو للعطف، والعَجَب: تغيُّر النَّفْس بما خَفِي سببُه، وخرج عن العادة مِثْلُه، ولمَّا كان الشيطان زيَّن لهم عبادةَ الأصنام عَجِبوا من نهي نوحٍ ﵇ إياهم عنها، فقال: أتعجَّبْتم (٣) أنْ جاءكم وعظٌ من ربِّكم وتذكير. وقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: من جملتكم.

стр. 3079

وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: أي: ليخوِّفكم العذابَ، ولتَحذروا أنتم فتتَّقوا الشرك والمعصية، ولتُرحموا إذا اتَّقيتم، وليس هذا مما يُتعجَّب منه. وقال الإمام أبو منصور ﵀: كانوا ينكرون أن تكون رسلُ اللَّه من البشر، فقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ [المؤمنون: ٢٤] وما ينبغي لهم أن ينكروا؛ لأنَّهم كانوا رأوا تفضيل بعضِ البشر على بعضٍ، ووضعُ الرسالةِ في الرسل تفضيلٌ لهم، وللَّه تفضيلُ بعضِ خلقه على بعضٍ؛ إذ له الخلقُ والأمر، على أن ما قالوا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ لو كان ذلك في غير جوهرهم (١) كان فيه لَبسٌ واشتباه. وقيل: في اختلاف الجنس التنافُرُ والتَّباعُد، وفي التجانُس السكونُ والتآلُف (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: عجِبوا من كون رجلٍ منهم رسولًا للَّه تعالى، ولم يتعجبوا مِن جعلِ الصنم شريكًا للَّه، هذا فَرْطُ الجهالةِ وغايةُ الغباوة (٣). * * * (٦٤) - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾: أي: السفينةِ، واشتقاقُ ذلك من قولهم: فَلَّك ثديُ المرأة: إذا استدار، وفَلْكةُ المِغزل وفَلَكُ السماء من

стр. 3080

ذلك أيضًا، سُميت السفينة فُلكًا لأنها تدور على الماء كيف أدارها (١) صاحبها. يقول: فدامُوا على تكذيب نوحٍ ﵇، فخلَّصنا نوحًا والذين آمنوا معه إذ حملناهم في السفينة. وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: بالطوفان ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾؛ أي: جاهلين. وقد (٢) عَمِي بعينه يَعْمَى عَمًى فهو أَعْمَى، وعَمِي بقلبه فهو عَمٍ (٣): وهو الذي لا يُبصر بقلبه وعقله. وقيل: هو الَّذي خَفِيتْ عليه طرقُ الهدى، من قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ [القصص: ٦٦] وجهلوا معالم الحق لإلفِهم الباطلَ وتقليدِهم الآباءَ، ووقع (٤) اليأس من إيمانهم. وقال وَهْب بن منبِّهٍ ﵁: هو نوح بنُ لَمْكِ بنِ مَتُّوشَلَخ بن أَخْنوخ -وهو إدريسُ النَّبيُّ ﵇ بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم (٥). وقيل: كان كلُّهم مسلمين، وكان نوحٌ أطولَ الأنبياء عمرًا، قال تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، واختُلف في تمامِ عمره، والأصحُّ أنه ألفٌ وأربعُ مئةٍ وخمسون سنةً، مئتان وخمسون سنةً قبل الوحي، ومئتان وخمسون بعد هلاك قومه بالطوفان، وتسعُ مئة وخمسون سنة بين قومه، وكان أهل عصره

стр. 3081

كلُّهم كفارًا، وكانت الدنيا في عصره عامرةً، فكانت الأراضي لا تفي بالمزارع، فكانوا ينقلون التراب إلى رؤوس الجبال فيبسطونها ويزرعون فيها، وكان نوحٌ ﵇ يسكنُ الكوفة، وكان مَن خرج منها إلى مكة مضى في ظلِّ الأشجار وكان يدعو الناس إلى الإيمان طولَ هذه المدة، وكانوا يضربونه حتى كان يُغشَى عليه. وقال ابن عبَّاس ﵄: كان يُضرب فيُلَفُّ في لبدٍ ويُلْقَى في بيته يُرون أنه قد مات، ثم يُفيق فيخرج فيدعوهم، وجاءه رجل يومًا ومعه ابنه وهو يتوكَّأ على عصًا فقال: يا بنيَّ، انظر (١) هذا الشيخ لا يغرَّنك، فقال: يا أبتِ، مكِّنِّي من العصا، قال: فأخذ منه العصا، قال: ضعني بالأرض، فوضعه، فمشى إليه فضربه بالعصا فشجَّه شجةً مُوضحة في رأسه، وسالت الدماء، فقال نوح: يا رب، قد تَرى ما يَفعل بي عبادُك، فإن يكن لك في عبادك حاجةٌ فاهدِهم، وإنْ يكُ غيرَ ذلك فصبِّرني إلى أن تحكُم وأنت خيرُ الحاكمين، فأوحى اللَّه تعالى إليه وآيَسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبقَ في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمنٌ، وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ الآية [هود: ٣٦]، وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]، قال: يا رب! وما الفُلك؟ قال: بيتٌ من خشبٍ يجري على وجه الماء، وأُغْرق أهلَ معصيتي، وأطهر أرضي منهم، قال: يا رب! فأين الماء؟ قال: يا نوح، إنِّي على ما أشاء قدير، قال: يا رب! وأين الخشب؟ قال: اغْرِسِ الشجر، قال: فغرس الساجَ عشرين سنة، وكَفَّ عن الدعاء فلم يَدْعُهم، وكفُّوا عنه إلا الاستهزاء، وكانوا يسخرون به، فلما أدرك الشجرُ أمره ربُّه فقطعها وجفَّفها ولفَقها (٢)، فقال: يا رب! كيف أتَّخذ هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاثِ صورٍ، رأسُه كرأس الدِّيك،

стр. 3082

وجُؤْجُؤُه كجؤجؤ الطير، وذنَبه كذنَب الدِّيك، واجعلها مُطبَّقةً، واجعل لها أبوابًا في جنبيها، وشُدَّها بدُسُرٍ -يعني مساميرَ الحديد- وبعث اللَّه تعالى جبريلَ يعلِّمه صنعةَ السفينة (١)، قال: فكانوا يمرُّون به ويسخرون منه ويقولون: ألا تَرون هذا المجنون يتَّخذ بيتًا يسير به على الماء، وأين الماء؟! ويضحكون منه، فذلك قوله: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨]، فأوحى اللَّه تعالى إليه: أن عجِّلْ صنعة السفينة فقد اشتدَّ غضبي على مَن عصاني، فانطلق نوحٌ فاستأجر أجيرين نجَّارين يعملان معه، وسامٌ ويافثُ وحامٌ معه ينحتون السفينة، فجعَل السفينة ستَّ مئة ذراع طولها وستين ذراعًا في الأرض، وعرضَها ثلاثَ مئة ذراعٍ وثلاثةً وثلاثين ذراعًا، وطولَها في السماء ثلاثةً وثلاثين ذراعًا، وأمره بطليه بالقار من داخله وخارجه، ولم يكن في الأرض قارٌ، ففجر اللَّه تعالى عينَ القارِ حيث يَنحت السفينة تغلي غليانًا حتى طلاها، فلمَّا فرغ منها جعل لها ثلاثة أبوابٍ، وأطبقها، وجعل في طَبَق منها السباع والدوابَّ، وألقى اللَّه على الأسد الحمَّى وشغله بنفسه عن الدوابِّ أن لا يتحرك (٢)، وجعل الوحوش والطير في الباب الثاني ثم أطبق عليها، وجعل الذَّرَّة (٣) معه في الباب الأعلى لضعفها أن لا يطأها الدوابُّ، وقال: يا رب! ما علامة ما بيني وبين الماء؟ فقال: إذا فار التنور (٤).

стр. 3083

قال مجاهد: فار التنُّور بأرض الجزيرة (١). وقيل: فار بالكوفة في مسجد الكوفة مما يلي أبواب كندة (٢). وقال جعفر بن محمد: فار التنور في دارِ نوح من تنُّورٍ تخبزُ (٣) [فيه] ابنته، وكان نوح ﵇ يتوقَّع ذلك، إذ جاءته ابنته فقالت: يا أبتِ، قد فار الماء من التنُّور، فأعطَى النجارين أجورهم إلا نجارًا، قال له: أعطني أجري، فقال: أعطيك أجرك على أن تركب معنا، قال: أيها المجنون أعطني أجري فإن ودًّا وسواعًا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا سيُنجونني مما يريد إلهك، فأخذ نوحٌ صلوات اللَّه عليه فضةً من أصحاب السفينة ودفعها إليه، وقال له: ستعلم أيُّنا المجنون إذا حلَّ العذاب غدًا، وأوحى اللَّه تعالى إليه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، فكان ممن سبق عليه القولُ امرأتُه والقةُ وابنه كنعانُ، فقال: يا رب، هؤلاء قد حملتُهم فكيف لي بالوحوش والبهائم والسباع والطير؟ قال: أنا أحشرهم عليك، فبعث اللَّه جبريل فحشرهم، فجعل يضرب يديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخله السفينة، حتى أدخل (٤) فيها عِدَّةَ ما أَمر اللَّه تعالى به.

стр. 3084

قال: فلمَّا جمعهم في السفينة (١) رأت البهائم والوحوش والسباع العذاب، فجعلت تلحَس قدم نوح وتقول: احملنا معك، فقال: إنما أُمرت أن أَحملَ (٢) من كلّ زوجين اثنين (٣). قال قتادة ﵀: فانفَجرتِ الأرض أربعين يومًا وليلةً، والسماءُ تنهمِرُ مثلَ ذلك، فكان ما خرج من الأرض وما نزل من السماء مقدارًا واحدًا، وجرت السفينة مئة وخمسين يومًا بعد الأربعين التي مطرت وكان في السفينة مع نوح ﵇ بنوه سام وحام ويافث ونساؤهم الثلاث وكانت السفينة مطبَّقةً. وقال ابن عبَّاس ﵄: وكان آخِرُ ما حمل نوحٌ ﵇ الحمارَ، وتعلَّق إبليس بذنَب الحمار، وقد دخلت يداه السفينة ورجلاه خارجتان ولا يستطيع أن يدخل، فجعل الحمار يضطرب، فصاح نوح: ادخل، ويلك ادخل (٤) ولو كان معك الشيطان، فدخل الحمار ودخل معه إبليس، فقال نوح: يا عدو اللَّه! ما أدخلك؟ قال: ألستَ قلتَ للحمار: ادخُل ولو كان الشيطان معك (٥)؟

стр. 3085

وجاءه عُوجٌ وقال لنوح (١): أدخلني معك، قال: اخرج يا عدو اللَّه فإني لم أؤمر بك، قال: وطبَّق الماءُ على وجهِ الأرض وما بلغ ركبتي عوج (٢). قال ابن عبَّاس ﵄: وعاش عُوجٌ ثلاثة آلاف سنة، وكان عسكرُ موسى ﵇ فرسخًا في فرسخٍ، فجاء عوجٌ حتى نظر إلى عسكره، ثم أتى الجبلَ فقوَّر منه صخرةً قَدْرَ العسكر، ثم حملها ليُطْبِقها على عسكر موسى، فبعث اللَّه تعالى الهدهد ومعه هذا الماسُ حتى قوَّر الصخرة، فانتَقَبتْ ووقعت في عُنق عوجٍ فطوَّقته وصرعته، فقتله موسى ﵇ (٣).
следующие страницы →