كلُّهم كفارًا، وكانت الدنيا في عصره عامرةً، فكانت الأراضي لا تفي بالمزارع، فكانوا ينقلون التراب إلى رؤوس الجبال فيبسطونها ويزرعون فيها، وكان نوحٌ ﵇ يسكنُ الكوفة، وكان مَن خرج منها إلى مكة مضى في ظلِّ الأشجار وكان يدعو الناس إلى الإيمان طولَ هذه المدة، وكانوا يضربونه حتى كان يُغشَى عليه.
وقال ابن عبَّاس ﵄: كان يُضرب فيُلَفُّ في لبدٍ ويُلْقَى في بيته يُرون أنه قد مات، ثم يُفيق فيخرج فيدعوهم، وجاءه رجل يومًا ومعه ابنه وهو يتوكَّأ على عصًا فقال: يا بنيَّ، انظر (١) هذا الشيخ لا يغرَّنك، فقال: يا أبتِ، مكِّنِّي من العصا، قال: فأخذ منه العصا، قال: ضعني بالأرض، فوضعه، فمشى إليه فضربه بالعصا فشجَّه شجةً مُوضحة في رأسه، وسالت الدماء، فقال نوح: يا رب، قد تَرى ما يَفعل بي عبادُك، فإن يكن لك في عبادك حاجةٌ فاهدِهم، وإنْ يكُ غيرَ ذلك فصبِّرني إلى أن تحكُم وأنت خيرُ الحاكمين، فأوحى اللَّه تعالى إليه وآيَسه من إيمان قومه، وأخبره أنه لم يبقَ في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمنٌ، وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ الآية [هود: ٣٦]، وقال: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧]، قال: يا رب! وما الفُلك؟ قال: بيتٌ من خشبٍ يجري على وجه الماء، وأُغْرق أهلَ معصيتي، وأطهر أرضي منهم، قال: يا رب! فأين الماء؟ قال: يا نوح، إنِّي على ما أشاء قدير، قال: يا رب! وأين الخشب؟ قال: اغْرِسِ الشجر، قال: فغرس الساجَ عشرين سنة، وكَفَّ عن الدعاء فلم يَدْعُهم، وكفُّوا عنه إلا الاستهزاء، وكانوا يسخرون به، فلما أدرك الشجرُ أمره ربُّه فقطعها وجفَّفها ولفَقها (٢)، فقال: يا رب! كيف أتَّخذ هذا البيت؟ قال: اجعله على ثلاثِ صورٍ، رأسُه كرأس الدِّيك،
стр. 3082
وجُؤْجُؤُه كجؤجؤ الطير، وذنَبه كذنَب الدِّيك، واجعلها مُطبَّقةً، واجعل لها أبوابًا في جنبيها، وشُدَّها بدُسُرٍ -يعني مساميرَ الحديد- وبعث اللَّه تعالى جبريلَ يعلِّمه صنعةَ السفينة (١)، قال: فكانوا يمرُّون به ويسخرون منه ويقولون: ألا تَرون هذا المجنون يتَّخذ بيتًا يسير به على الماء، وأين الماء؟! ويضحكون منه، فذلك قوله: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨]، فأوحى اللَّه تعالى إليه: أن عجِّلْ صنعة السفينة فقد اشتدَّ غضبي على مَن عصاني، فانطلق نوحٌ فاستأجر أجيرين نجَّارين يعملان معه، وسامٌ ويافثُ وحامٌ معه ينحتون السفينة، فجعَل السفينة ستَّ مئة ذراع طولها وستين ذراعًا في الأرض، وعرضَها ثلاثَ مئة ذراعٍ وثلاثةً وثلاثين ذراعًا، وطولَها في السماء ثلاثةً وثلاثين ذراعًا، وأمره بطليه بالقار من داخله وخارجه، ولم يكن في الأرض قارٌ، ففجر اللَّه تعالى عينَ القارِ حيث يَنحت السفينة تغلي غليانًا حتى طلاها، فلمَّا فرغ منها جعل لها ثلاثة أبوابٍ، وأطبقها، وجعل في طَبَق منها السباع والدوابَّ، وألقى اللَّه على الأسد الحمَّى وشغله بنفسه عن الدوابِّ أن لا يتحرك (٢)، وجعل الوحوش والطير في الباب الثاني ثم أطبق عليها، وجعل الذَّرَّة (٣) معه في الباب الأعلى لضعفها أن لا يطأها الدوابُّ، وقال: يا رب! ما علامة ما بيني وبين الماء؟ فقال: إذا فار التنور (٤).
стр. 3083
قال مجاهد: فار التنُّور بأرض الجزيرة (١).
وقيل: فار بالكوفة في مسجد الكوفة مما يلي أبواب كندة (٢).
وقال جعفر بن محمد: فار التنور في دارِ نوح من تنُّورٍ تخبزُ (٣) [فيه] ابنته، وكان نوح ﵇ يتوقَّع ذلك، إذ جاءته ابنته فقالت: يا أبتِ، قد فار الماء من التنُّور، فأعطَى النجارين أجورهم إلا نجارًا، قال له: أعطني أجري، فقال: أعطيك أجرك على أن تركب معنا، قال: أيها المجنون أعطني أجري فإن ودًّا وسواعًا ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا سيُنجونني مما يريد إلهك، فأخذ نوحٌ صلوات اللَّه عليه فضةً من أصحاب السفينة ودفعها إليه، وقال له: ستعلم أيُّنا المجنون إذا حلَّ العذاب غدًا، وأوحى اللَّه تعالى إليه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]، فكان ممن سبق عليه القولُ امرأتُه والقةُ وابنه كنعانُ، فقال: يا رب، هؤلاء قد حملتُهم فكيف لي بالوحوش والبهائم والسباع والطير؟ قال: أنا أحشرهم عليك، فبعث اللَّه جبريل فحشرهم، فجعل يضرب يديه على الزوجين فتقع يده اليمنى على الذكر واليسرى على الأنثى فيدخله السفينة، حتى أدخل (٤) فيها عِدَّةَ ما أَمر اللَّه تعالى به.
стр. 3084
قال: فلمَّا جمعهم في السفينة (١) رأت البهائم والوحوش والسباع العذاب، فجعلت تلحَس قدم نوح وتقول: احملنا معك، فقال: إنما أُمرت أن أَحملَ (٢) من كلّ زوجين اثنين (٣).
قال قتادة ﵀: فانفَجرتِ الأرض أربعين يومًا وليلةً، والسماءُ تنهمِرُ مثلَ ذلك، فكان ما خرج من الأرض وما نزل من السماء مقدارًا واحدًا، وجرت السفينة مئة وخمسين يومًا بعد الأربعين التي مطرت وكان في السفينة مع نوح ﵇ بنوه سام وحام ويافث ونساؤهم الثلاث وكانت السفينة مطبَّقةً.
وقال ابن عبَّاس ﵄: وكان آخِرُ ما حمل نوحٌ ﵇ الحمارَ، وتعلَّق إبليس بذنَب الحمار، وقد دخلت يداه السفينة ورجلاه خارجتان ولا يستطيع أن يدخل، فجعل الحمار يضطرب، فصاح نوح: ادخل، ويلك ادخل (٤) ولو كان معك الشيطان، فدخل الحمار ودخل معه إبليس، فقال نوح: يا عدو اللَّه! ما أدخلك؟ قال: ألستَ قلتَ للحمار: ادخُل ولو كان الشيطان معك (٥)؟
стр. 3085
وجاءه عُوجٌ وقال لنوح (١): أدخلني معك، قال: اخرج يا عدو اللَّه فإني لم أؤمر بك، قال: وطبَّق الماءُ على وجهِ الأرض وما بلغ ركبتي عوج (٢).
قال ابن عبَّاس ﵄: وعاش عُوجٌ ثلاثة آلاف سنة، وكان عسكرُ موسى ﵇ فرسخًا في فرسخٍ، فجاء عوجٌ حتى نظر إلى عسكره، ثم أتى الجبلَ فقوَّر منه صخرةً قَدْرَ العسكر، ثم حملها ليُطْبِقها على عسكر موسى، فبعث اللَّه تعالى الهدهد ومعه هذا الماسُ حتى قوَّر الصخرة، فانتَقَبتْ ووقعت في عُنق عوجٍ فطوَّقته وصرعته، فقتله موسى ﵇ (٣).
стр. 3086
وقيل: إن عوجًا إنما لم يهلك بالطوفان لأنه كان أعان نوحًا على حمل خشب السفينة، فأُمهل مجازاةً له على ذلك.
وقيل: بقَّاه مدةً ليُخبر الآخَرين عما شاهد ليعتبِروا به.
وقيل: إن الذين معه في السفينة كانوا ثمانين، وقيل: أربعين، وقيل: سبعة نفرٍ.
* * *
(٦٥) - ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾: عطفٌ على قوله: ﴿نُوحًا﴾؛ أي: وأرسلنا إلى عاد -وهم قومٌ سُمُّوا باسم أبيهم، وهو: عادُ بنُ عَوْصِ بنِ إرم بن سامِ بن نوحٍ النَّبيِّ ﷺ أخاهم؛ أي: نسيبَهم هودًا ترجمة له وهو هود بن عبد اللَّه بن رباح بن الخلود (١) بن عاد بن عَوْص بن إِرَم بن سام بن نوحٍ.
стр. 3087
قال السدِّي: كان عادٌ قومًا من أهل اليمن بالأحقاف، وهي الرمال.
وقال محمد بن إسحاق ومقاتلٌ وجويبرٌ وسعيد بن جبير: إن عادًا كانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون اللَّه، وذلك أن العرب عبَدت أصنام قومِ نوح بعد نوحٍ، فتفرَّقوا في عبادتهم الأوثان (١)، وفرَّقوا أصنام قوم نوحٍ بينهم، وكانت هُذيل بن مُدْرِكة بن خِنْدِفَ (٢) اتَّخذوا سُواعًا إلهًا يعبدونه بدُومة الجَندل، وكانت أنعمُ من طيِّئٍ وأهلُ جُرَش من مَذْحِجٍ من أهل اليمن اتَّخذوا يغوثَ إلهًا يعبدونه بجُرَش، وكانت خَيْوان (٣) بطنٌ من هَمْدان اتَّخذوا يعوقَ إلهًا يعبدونه من دون اللَّه بأرض همدان من اليمن، وكانت ذو الكَلَاع اتخذوا بأرض حِمْيَرَ نَسرًا إلهًا يعبدونه من دون اللَّه، وكان قوم هودٍ وهم عادٌ أصحابَ أوثانٍ يعبدونها من دون اللَّه تعالى، فاتخذوا أصنامًا على مثال وَدٍّ وسُواعٍ ويغوثَ ويعوقَ ونسرًا، واتَّخذوا صنمًا يقال له: صمود، وصنمًا يقال له: الهبار، فبعث اللَّه إليهم هودًا، وكان هودٌ من قبيلة يقال لها: الخُلُود، فبعثه اللَّه تعالى إليهم وكان من أوسطهم نسبًا (٤)، وأفضلهم موضعًا، وأشرفهم نَفْسًا (٥)، وأصبَحهم وجهًا، وكان أبيضَ جَعْدًا باديَ العَنْفَقة (٦)، طويلَ اللحية، فدعاهم إلى اللَّه تعالى، وأمرهم أن يوحِّدوا اللَّه وأنْ لا يجعلوا مع اللَّه إلهًا آخَرَ، وأن يكفُّوا عن ظلم
стр. 3088
الناس، قالوا: ولم يأمرهم بغير ذلك من صلاةٍ أو شريعةٍ، فأبوا ذلك (١) فكذبوه، فذلك قوله تعالى:
﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: مرَّ تفسيرُه كما مرَّ في قصة نوحٍ صلوات اللَّه عليه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾: استفهام بمعنى الأمر؛ أي: اتَّقوا اللَّه.
* * *
(٦٦) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾: قال الكلبيُّ: أي: في جَهالةٍ.
وقال مقاتل ﵀: أي: في حُمق (٢)، وفي اللغة: هي خفَّة العقل.
وقوله تعالى: ﴿لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾: قال الحسن ﵀: كان تكذيبهم على الظن لا على اليقين (٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل أنهم قالوا: ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ﴾ في ابتداء ما دعاهم؛ لأنَّه كان صدوقًا أمينًا عندهم قبل ذلك، فلما أقام الدلالات وأثبت
стр. 3089
عيبَ آلهتهم عاندوا (١) فقالوا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٨] (٢).
وقيل: في تفسير الظن: إنه قوةُ المعنى في النفس من غيرِ بلوغ حالة الثقة (٣) التامة، وليس كالشك الَّذي هو وقوفٌ بين النقيضين من غير تقويةٍ لأحدهما على الآخر.
وقيل: معناه: وإنَّا لنَعْلَمُك، قال الشاعر:
فقلتُ لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدجَّجٍ... سراتُهم في الفارسيِّ المسرَّد (٤)
أي: اعلموا.
قوله: ﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ قال الكلبي ﵀: أي: في ادِّعائك النبوة (٥).
وقال مقاتل ﵀: أي: فيما تقول من نزول العذاب بنا (٦).
* * *
стр. 3090
(٦٧) - ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: هو كجواب نوح وقد فسَّرناه.
* * *
(٦٨) - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾: أي: ناصحٌ لكم أمينٌ على وحي اللَّه تعالى، وقد فسَّرنا سائره في قصة نوح ﵇، ومعنى الأمين على الوحي: أن لا يغيِّره ولا يَكذِب فيه؛ كما قال موسى ﵇: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥].
* * *
(٦٩) - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ قد فسرناه.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾: أي: سكانَ الأرض بعدَهم.
و ﴿خُلَفَاءَ﴾: جمعُ خَليف، فأما الخلائف فهي جمعُ خليفة.
وقوله تعالى: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾: قيل: هي بسطةُ (١) اليدين بالتصرُّف، وقيل: بالمال، وقيل: هي بسطةُ الجسم في الخِلقة.
стр. 3091
وقال مقاتلٌ: ﴿بَسْطَةً﴾؛ أي: في الطول، وكان طول كلِّ واحد منهم اثني عشر ذراعًا [ونصفًا] (١).
وقال الكلبي: ﴿بَسْطَةً﴾؛ أي: فضيلةً في الطول، وكان أطولُهم مئةَ ذراع وأقصرُهم ستين ذراعًا (٢).
وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿بَسْطَةً﴾؛ أي: شدة (٣)، يعني: قوةً على قوةِ الخلق.
وقال الشَّرْقيُّ بن القُطَامي (٤): كانوا يتكلَّمون بالعربية، وكان اللَّه أعطاهم بسطةً في الخَلق لم يُعطِ غيرهم، وكان طولُ الرجل منهم ستين ذراعًا، وهذا أطولُهم، وكان أقصرُهم ستَّ عشرةَ ذراعًا، وقال اللَّه تعالى خبرًا عنهم: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]، وكان لهم أموالٌ جمَّةٌ، وقد قال اللَّه تعالى في قصة قارون: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨]؛ أي: بالمال، وهم عاد.
وقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾: أي: نِعَمَ اللَّه، جمعُ إلًى على وزن مِعًى، قال الشاعر:
أبيضُ لا يرهَبُ الهزالَ ولا... يقطعُ رَحِمًا ولا يخونُ إلًى
وقيل: ألًى، بفتح الألف على وزن رحًى.
стр. 3092
وقيل: إِلْيٌ على وزن حِسْيٍ.
يقول: اذكروا بألسنتكم وقلوبكم آلاء اللَّه؛ أي: (١) إنعام اللَّه باستخلافكم في الأرض بعد إهلاك قوم نوح، وبإعطائكم عظَم الأجسام وكثرةَ الأموال، فاذكروا نِعَم اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: لتفوزوا بكلِّ مأمولٍ، وتُوَقَوا كلَّ محذور.
* * *
(٧٠) - ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾: أي: على توحُّده.
وقوله تعالى: ﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾: أي: نتركَ ما عبده آباؤنا (٢) من الأصنام.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قرَّر اللَّه سفَههم بهذا تعريضًا، فإنه أخبر عنهم بأنهم عجِبوا بمجيء رسولٍ من البشر، وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣] فلم يرضَوا برسالة البشر (٣) ورضُوا بإلهية الخشب والحجر، ثم قلَّدوا آباءهم في عبادة الأصنام التي لا تَعقل ولا تضُر ولا تنفع، ولم يقلِّدوا المؤمنين من قوم نوح الذين آمنوا به فنجَوا معه، واتَّبعوا الكفار الذين أُهلكوا بالطوفان، فكان في حق هؤلاء أيضًا ما كان (٤).
стр. 3093
وقال القشيريُّ: إنهم طاحوا في أودية التفرقة، واستطابوا صحبةَ الأغيار، فشَقَّ عليهم حين طولبوا بهجران العادة والقرار في ساحات التوحيد حتى قالوا ما قالوا (١).
وقوله تعالى: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: بما تُوْعِدنا به من العذاب إن كنت صادقًا في هذه الأخبار.
* * *
(٧١) - ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾: أي: قال هود (٢): قد وجَب عليكم من ربكم عذاب وجوبًا لا خُلف فيه، فكأنه قد وقع، وهو كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١].
والرِّجس أصله: النَّجَس، وهو المستقذَر، فالرجس عذابٌ يتجنَّبه أولو الألباب.
وقيل: الرِّجس هو زيادة الكفر بالرَّين على القلوب؛ كما في قوله: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥].
والغضب: السخط، وقيل: هو إرادة الانتقام، وقيل: هو إحلال العقوبة بمن يستحقُّها.
وقوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾: أي: أصنامٍ هي جماداتٌ سمَّيتُموها بأسماءٍ لم يَجعل اللَّه لها شيئًا من
стр. 3094
معاني تلك الأسماء، ولم يُنزل حجةً من استحقاقها تلك الأسماء لا عقلًا ولا شرعًا.
وقيل: السلطان: العذر.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾: ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ (١) قال الحسن: أي: مواعيدَ الشيطان ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾؛ أي: مواعيدَ اللَّه (٢).
وقيل: قالوا: نَنتظر موته، فقال لهم: انتظروا ذلك أنتم فإنَّا ننتظِر هلاككم بوعد اللَّه.
* * *
(٧٢) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل: برحمةٍ منا هديناهم، ويحتمل: أنه كان لهم ذنوب لكنْ برحمتنا أنجيناهم، ولأن النجاة لا تكون إلا برحمة اللَّه، قال النَّبي ﷺ : "لا ينجو أحدٌ إلا برحمةِ اللَّه" قيل: ولا أنت؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمَّدني اللَّه برحمته" (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: استأصلناهم، يقال: دَبَر فلانٌ القومَ يَدْبُرهم فهو دابِرُهم؛ أي: الجائي بعدهم، وقطعُ ذلك يكون باستئصالِ الكل.
стр. 3095
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ لم يبيِّن آياته التي أعطاها هودًا.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فليس بنا إلى معرفة ذلك من حاجةٍ سوى ما أَخبر أنَّ ما حل بهم من العذاب كان بتكذيبهم الرسلَ والآيات (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: تأكيد قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
وقيل: أي: لم يكونوا ليؤمنوا وإنْ تأخَّر عنهم العذاب.
وقال محمد بن إسحاق: فلمَّا عتى عادٌ وتجبَّروا وأَفسدوا في الأرض كلِّها، وقهروا أهلها، أمسك اللَّه تعالى عنهم المطر ثلاث سنين، فبعثوا وفدًا إلى مكة ليَستسقوا لهم.
وكان أهل مكة يومئذ العماليقَ أولادَ عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وسيدُهم إذ ذاك معاويةُ بن بكر، وكان أبوه حيًّا ولكنه كبر.
فلما قُحطوا بعثوا قَيلَ بنَ عترٍ (٢)، ولقيم بن هزَّال بن هزيل بن عُتيل (٣)، ومَرثد بن سعد بن عفير وكان مسلمًا يكتم إيمانه، وجُلْهُمة بن الخيبريِّ خالُ معاوية بن بكر، ثم بعثوا لقمانَ بن عادٍ الأكبر، فانطلق كلُّ رجل من هؤلاء القوم برَهْطٍ من قومه حتى بلغ عددُهم سبعين رجلًا، فلمَّا قدموا مكة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكة خارجَ الحرم، فأكرمهم وأنزلهم وكانوا أخوالَه وأصهاره، فلمَّا نزلوا عليه أقاموا عنده شهرًا يشربون الخمر وتغنِّيهم الجرادتان قَيْنَتان كانتا لمعاوية.
стр. 3096
فلما رأى معاويةُ طولَ مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوَّثون من البلاء الذي أصابهم، شقَّ عليه ذلك، وقال: هلك أخوالي وأصهاري وهم ضيفي نازلون (١) عليَّ، واللَّهِ ما أدري كيف أصنعُ؟ وإني لأستحيي أن آمُرَهم بالخروج إلى ما بُعثوا له، وشكا إلى قَيْنتيه فقالتا له: قل شعرًا نغنِّيهِم به ولا يدرون مَن قاله، لعل ذلك أن يحرِّكهم، فقال معاوية بن بكر في ذلك أبياتًا غنَّتهم (٢) بها الجرادتان، فلما سمع القوم ما غنَّتا به قال بعضهم لبعض: إنما بعثكم قومكم يتغوَّثون بكم من هذا البلاء، وقد أبطأتم عليهم، فقال قَيلٌ سيدهم: الخمر عليه حرام حتى يذهب فيستَسقيَ لقومه (٣).
فقال مرثد بن سعد بن عُفير (٤): إنكم واللَّه لا تُسقون بدعائكم، ولكنكم إنْ أطعتُم نبيَّكم وأَنَبتم إليه سُقيتم، وأظهر إسلامه عند ذلك، فقال له جلهمةُ: إنك من قَبيلِ عادٍ، وأمُّك (٥) من ثمودَ، فكيف تأمرنا أن نترك دينًا هو دين آبائنا ودين آبائك؟! ثم قالوا لمعاوية بن بكر: احْبِسْ عنا مرثدَ بن سعد لا يَقْدَمن مكة معنا، فإنه قد اتَّبع دين هود، فخرجوا دونه.
стр. 3097
ثم إنه خرج خلفهم، فأتوا مكة وصعدوا الصفا، فقال قَيل بن عترٍ: يا إله هود، إن كان هودٌ صادقًا فاسقنا فإنَّا قد هلكنا، وإنَّا لم نأتكَ (١) لمريض تشفيهِ، ولا لأسيرٍ نُفاديه، فأنشأ اللَّه ثلاث سحابات بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ، ثم نادى منادٍ: يا قَيل، اختر لنفسك ولقومك من هذه السحابات، قال قَيل: أما البيضاء فلا ماء فيها، وأما الحمراء فعارِض، وأما السوداء فهي مُظلمةٌ وهي أكثرها ماءً، فقال: اخترت السوداء، فناداه منادٍ فقال: قد اخترتَ رمادًا رمددًا (٢) لا يُبقي من آل عادٍ أحدًا.
وساق اللَّه تعالى السحابة السوداء بما فيها من النقمة إلى عاد، فخرجت إليهم من وادي، فلما رأوا السحابةَ السوداء مقبلةً استبشروا بها وقالوا: قد جاءنا وفدُنا بالمطر، وقالوا لهود: أين ما كنتَ تُوْعِدنا؟ ما قولك إلا غرورٌ، هذا عارضٌ ممطرُنا، قال اللَّه تعالى لهود: قل لهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] (٣).
وأوحى اللَّه تعالى إلى الريح العقيم وهي في الأرض الرابعة، فخرجت بغيرِ كيلٍ على قَدْر مَنْخِر الثور، حتى رجفت الأرض ما بين المشرق والمغرب، فقال الخُزَّان: يا رب، لن نُطيقها، ولو خرجت على حالها لأهلكت الأرض، فأوحى اللَّه تعالى إليها أن ارجعي، فرجعت وخرجت على قَدْر خَرْتِ (٤) الخاتم، وأوحى اللَّه تعالى إلى هودٍ أن يعتزل بمن معه من المؤمنين في حظيرةٍ، فاعتزلوا وخطَّ عليهم خطًّا، وأقبلت الريح فكانت لا تدخل حظيرةَ هود ولا تُجاوز الخطَّ، وإنما يدخل عليهم منها ما تَلَذُّ
стр. 3098
به أنفسهم، فأوحى اللَّه تعالى إلى الحيَّات والعقارب بأن يأخذوا عليهم الطرق، فلم تَدَعْ عاديًا يجاوزها، وكانت الريح تحمل الماشية برُعاتها فتقذفُها في البحر، وكانت تدمغهم بالحجارة (١).
فلما عاينوا ما تصنع بهم الريحُ حازوا أهاليَهم وأموالهم وأولادهم ومواشيَهم، ثم قام فيهم رجال لهم شرفٌ فتآمروا على حبس الريح أنْ تصل إلى داخل الشعب (٢)، وتحالفوا على أن لا يفترقوا حتى يموتوا، وأن لا يفارقوا دين قومهم، واستيقنوا بالعذاب.
وكان أول ذلك يومَ الأربعاء، فهبَّت عليهم إلى اليوم الثامن، ولم يبق من رؤساء القوم إلا خلجان وهو رئيسهم، وأتاه هود ﵇ وقال له: يا خلجان، إنه لم يبق من أصحابك غيرُك، وقد رأيتَ ما صنع اللَّه بمن أطاعك (٣) وعصاه، والتوبةُ مقبولةٌ منك فيدفع اللَّه بها عن بقية قومك، فقال: كيف بمن مضى منهم وهلكوا؟ قال: يُعْقبك اللَّه مكان كلِّ رجل هلك مئةَ رجل، فقال خلجان: لا وأبيك يا هود، لا يجدني ربك أضعفَ أصحابي، وما كنت لأجمع بين اثنين: الغدرِ بالأغيار (٤)، وتركِ المواساة للأصحاب.
ثم قال: يا هود أخبرنا عن هذه الإبل التي تأتينا في الريح، قال: تلك الملائكة
стр. 3099
يوكِّلها اللَّه بمن شاء، فقال الخلجان: تلك التي تفعل بنا الأفاعيل، ثم قال: هل ربُّك مُقِيْدُنا منهم إن تابعناك؟ قال هود: وكيف يُقِيُدُ اللَّه من أهل الطاعة لأهل المعصية؟! لا، ولكنه يُعْقِب مَن بقي منكم بكلِّ رجل هَلَك منكم مئة رجل، فقال الخلجان: إذا لم يُقِدْنا منهم لم أفعلْ.
فلما سمع هودٌ قوله انصرف عنه، وأقبلت الريح والخلجان قائم وحده على فم الشِّعب آخذٌ بجانبيه، وهو يقول:
لا خيرَ في فرعٍ أُصيب أسُّه... لو لم يجئني جئته أَحُسُّه
يا لك من يوم دهاني أَمْسُه
فانتهت الريح إليه فقلبته على وجهه في الأرض ثم حملته وطرحته ميتًا كأنْ لم يكن شيئًا، ودخلت الشِّعب فجعلت تَقْصِفهم (١) وتُزلزلهم وتقتلهم (٢)، فأمسَوا وقد هلكوا جميعًا (٣).
وقال الضَّحَّاك ﵀: صَفُّوا صفوفًا، وحفَروا تحت أرجلهم إلى الرُّكب، وأوثقوها بالثَّرى كي لا تزيلَهم الريحُ، وقالوا: مَن أشدُّ منَّا قوةً، فأمهلهم اللَّه تعالى ثمانيةَ أيام ليعتبرَ عبادُه، فكانت الريح تقصفهم (٤) وتضرب بعضَهم على بعضٍ ولا (٥) تلقيهم، فلما كان في اليوم الثامن دخلت من تحت أرجلهم فاحتملتهم فضربت بهم الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقوله:
стр. 3100
﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] أي: باردة، فكانت تقع على الجلد فتُحرقه (١) بردًا حتى ينكشطَ عن اللحم، ثم يصير اللحمُ كقطع النار.
وقال وهب: ما أتت الريح على شيءٍ من النبات والشجر إلا جعلته كالرميم، ونجَّى اللَّه تعالى هودًا، وعاد أصحاب هود على أحسنِ ما كانوا عليه من الخصب، وأتاهم مرثدُ بن سعد فأخبرهم بخبر الوفد بكلِّ شيء كان من أمرهم في مسيرهم، وما كان من أمر السحاب، وزاد المؤمنين إيمانًا ويقينًا واغتباطًا، وحمدوا اللَّه تعالى على ما أكرمهم (٢).
* * *
(٧٣) - ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ عطفٌ على قوله: ﴿نُوحًا﴾ و ﴿هُودًا﴾؛ أي: أرسلنا صالحًا إلى قومه ثمودَ، وهو صالح بن عبيد بن جابر بن ثمود بن جابر بن سام بن نوحٍ النَّبيِّ ﵇، وكان رجلًا أحمرَ (٣) إلى البياض، سَبط الشعر، وكان أعزَّ قومه نفرًا، فحماه اللَّه تعالى به وشدَّ ظهره، وكذلك الأنبياءُ يبعثهم اللَّه تعالى في أشرف (٤) قوم وأعزِّهم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: فسَّرناه في القصتين
стр. 3101
قبلها، وكانوا يعبدون الأصنام، وكان يدعوهم إلى التوحيد ويبالغُ في ذلك، فكان يدخل عليهم في بيوتهم ويقوم عليهم في مجالسهم وأفنِيَتهم، ويقعد لهم على قوارع الطرق، ويقصد جماعاتهم وَيهجم عليهم في يوم عيدهم، فلا يزدادون إلا طغيانًا وبُعدًا، فقالوا له: أرِنا آية؟ قال: إن أُريتم (١) آيةً فلم تؤمنوا بها نزل عليكم العذاب.
وكان لهم عيد يجتمعون فيه بأصنامهم، فقالوا له: تخرج معنا إلى العيد فتدعو وندعو، قال: أفتدَعون عبادة الأصنام إن استُجيب لي ولم يُستجب لكم؟ قالوا: نعم، فخرج القوم إلى عيدهم وخرجوا بأصنامهم، وخرج معهم صالح، فاجتمعوا على أن يتمنَّوا عليه أمنيةً وهم يُرون أنه سيعجز عنها، وأن ربَّه لا يُسعفه (٢) فيها، فقالوا له: إن آيةَ ما بيننا وبينَك أن تدعوَ ربَّك فيخرجَ لنا من هذه الصخرة ناقةً من الإبل غرَّاء سوداءَ ذاتَ عُرفٍ وناصيةٍ وشعرٍ ووبرٍ، عُشَراء نَتوجًا، فإنْ فعلتَه (٣) آمنَّا بك وصدَّقناك واتَّبعناك، وإن عجزتَ عن ذلك فاكْفُف عنا فإنَّا نكره أذاك وشتمك، وقد كنتَ فينا مرجوًّا قبل هذا، وأنت في شرفنا (٤) وعزِّنا وحسَبنا.
فلما سمع قولهم ضاق به ذرعًا، وخاف أن لا يكون، وأَعظمَ اللَّهَ وأجلَّه أن يسأله ذلك، ويتمنَّى عليه مثلَ أماني القوم الذين لا يؤمنون بقدرته، فلم يبرحوا من مجلسهم الَّذي سألوا فيه ذلك حتى تزلزلت (٥) الصخرة، فنظروا إليها تتمخَّض وتَزْحَر (٦) كما
стр. 3102
تفعل الأنثى للولادة، فما لبثوا أن تفرَّجت عن أمنيتهم التي سألوا بعينها لم تغادر قليلًا ولا كثيرًا (١)، فجاءت بناقة غرَّاءَ سوداء ذات شعرٍ ووبر وعُرف وناصية عُشَراء، وسعةُ ما بين جنبيها مئة واثنان وعشرون ذراعًا، ثم أقبلت تمشي حتى توسَّطتهم، ثم بركت للنَّتاج فلم تقُم حتى وضعت سقبًا قريبًا منها في العِظم وليس مثلَها في العظم (٢)، ثم انبعثت تطلب الكلأ.
فشاركتهم في الماء والشجر، ورعت السهل والجبل، ورعت المَشْتَى (٣) والمَصيف، وكانت تَرِدُ الماء غِبًّا (٤) فتَستوعبُ الماء في يوم وِردها، وتسلُك الفجَّ واردةً فيسعُها، ثم ترجع فيه صادرةً قد تملَّأت من الماء فيضيق عنها الفجُّ حتى يَسْحَج (٥) جنبَها، ثم تَرِد فتَصْدُر وأخلافُها (٦) تَشْخُب لبنًا، فتُلقى بالمحالب والآنية والأسقية فتفرِّغ لهم من اللبن مثلَ ما شربت من الماء.
وكان لهم ركيٌّ عميق في الأرض، فإذا جَمَّ (٧) ارتفع الماء حتى يبلغ رأسه، فتَشرع فيه وهو ممتلئٌ يفيض، فلا تزال تشربه وتُدْلي فيه رأسها وعنقَها حتى يغيبَ وحتى تستوعبَه، وطولُ الجبِّ عشرون قامةً.
وكان الشِّرب (٨) مقسومًا بينهم وبين الناقة لهم يومٌ ولها يومٌ، وكانوا يشربون
стр. 3103
يومَ الناقة من رؤوس الجبال والمغارات، فشقَّ ذلك عليهم، ولو صبروا لفجَّر اللَّه لهم الأنهار والعيون، ولكنهم استعجلوا وعصَوا ربهم، وقد كانوا يكتفون من الماء ما يُصيبون منه في يومهم الذي كان لهم فيه الشِّرب، وإنما حمَلهم على ما صنعوا الحسدُ والبغي والبغض لناقة اللَّه ولرسوله.
فلبثت بين أظهُرهم زمانًا، فكسَر حدَّهم ما يرون فيها من العُجب وقَطَع ألسنتَهم، وهي شَعْراءُ وَبْراءُ يتحاتُّ عنها الوَبر إذا صافت فتُوْسِعُهم لُحفًا، ويتحاتُّ عنها الشعر إذا شتَت فتُوْسِعهم بيوتًا، فلبثت فيهم (١) ما شاء اللَّه.
وكانت الناقة تَصِيف في الجبل فتهرب منها المواشي أغنامُهم وإبلهم وبقرهم، فتهبط إلى بطن الوادي في حرِّه وجُدوبته، وكانت تهرب من الناقة لعظَمها، وكانت تَشْتو في (٢) السهل فتهرب المواشي منها إلى الجبل، فأَضَرَّ ذلك بمواشيهم للبلاء الذي كتبه اللَّه عليهم.
وكان في ثمود يومئذ امرأتان موسومتان بالجمال الفائق (٣)، غنيَّتان لهما مالٌ كثير من الشاءِ والبقر والنَّعَم، إحداهما تسمَّى: صَدُوف (٤)، والأخرى: عُنَيزة، وكان لهما خِطْبان من قومهما يألفانهما ويتحدَّثان إليهما، أحدهما يقال له: قُدَارُ بن سالفٍ، والآخر يقال له: مِصْدَع بنُ مَهْرَج.
стр. 3104
وكان قدارٌ رجلًا أحمرَ أمعرَ أشقرَ أزرق سُناطًا (١) قصيرًا، وهو خِطْب صَدوف، وكان مصدعٌ عزيزًا منيعًا في قومه، وكان رجلًا نحيفًا طويلًا أهوجَ مضطربًا وهو خِطْب عنيزة (٢)، وكانت هاتان المرأتان أشدَّ قومهما عداوةً لصالح وأعظمَهم كفرًا بما جاء به صالح من اللَّه، وكانتا تحرِّضان قومهما على عقر الناقة لِمَا قد ضرَّت لهما من المواشي.
ثم إن خِطْبَيهما زاراهما يومًا من الأيام، فقالت صدوف: لو كان لنا مزاجٌ لأسقيناكما (٣) خمرًا، ولكن هذا يوم ورد الناقة فلا سبيل إلى الماء، وقالت عنيزة: بلى واللَّه، إن إلى الماء سبيلًا واسعًا لو كانت رجالنا رجالًا، وهل هذه الناقة إلا واحدة من الإبل تُطرد ولضرب وجهها كما تُضرب الغريبة من الإبل، ولكن لا رجال في الوادي.
قال قُدار: فماذا لي عليك يا صَدوف إنْ أنا فعلتُ ما قالت عُنيزة، فكفيتُكِ الناقة اليومَ وخلا لك الشِّرب، فأوردتِ ماشيتكِ وتروَّيتِ وأصبتِ من الماء حاجتَك؟ قالت: لك إذًا نفسي، وسفَرت عن وجهها فإذا هي أحسنُ النساء.
стр. 3105
ولما سمع مصدعٌ قولها طمع في صاحبته (١) فقال: ما لي عليك يا عُنيزة إن أنا شاركت قُدارًا فيما قال، فشاركتِ في الماء صاحبتَك؟ قالت: لك إذًا نفسي، وسفَرت عن وجهها ووجوهِ بناتها فقالت: اختر فينا، فإذا هو حسنٌ لا يعلمه إلا اللَّه.
قالا: فإن كنتُما تريدان ذلك فأَميلا علينا الخمر، فأمالتا عليهما الخمر صِرفًا بغير مِزاجٍ، حتى إذا سَكِرا خرجا إلى أخدانٍ لهما من سفهاء ثمودَ فاستغوياهم (٢)، فأجابهما منهم سبعةٌ فكانوا تسعةً، منهم: قُدَار بن سالف ومِصْدَع بن مهرج، ورباب بن مهرج، والهذيل (٣) بن عثروك، وعيم بن عيم، وعفير (٤) بن كَرْدمٍ، وعاصم بن مَخْرَمةَ، وسَلِيط بن صدقة (٥)، ونشيط بن نفيق (٦).
ثم انطلقوا ومعهم النَّبْلُ (٧) والسيوف حتى قعدوا للناقة على باب الفجِّ، فلما وردت حملوا عليها ليضربوا بسيوفهم فشدَّت عليهم فانهزموا، وكَمَن قُدارٌ من خلفها فتعاطى عرقوبَها الأيمنَ بالسيف فعقرها، وفوَّق (٨) مصدعٌ سهمًا للعرقوب
стр. 3106
الأيسر فخرَّت عَقيرةً، ووجَأ قُدار لَبَّتها (١) بالسيف فنحرها، فلما رأى الفصيل ما فُعل بأمه ولَّى هاربًا منهم حتى (٢) صعد جبلًا، ثم رغا رغاءً تقطَّعت منه قلوبُ القوم.
فلما سمع الناس بذلك تبادروا عليها فانتسَلوا (٣) لحمها، وصالحٌ نازحٌ عنها في دار قومه ولا عِلمَ له بها، حتى بلغه الخبر وقيل له: هل علمتَ أن ناقة ربِّك قد عُقرت وتقسَّمت وغلتْ بلحمها المراجلُ؟! فخرج نحوها سريعًا في عُصبة من قومه، فوجدها كذلك، فأَوْعدهم العذاب فشتموه.
وتفاقَم الشرُّ بينهم، ونَشبت العداوة، وقال لهم صالح: التمِسوا الفَصيل، فإنْ أنتم وجدتُموه وإلا فاعلموا أن العذاب نازلٌ بكم، فانطلَقوا يطلبون الفصيل في الجبل، فكلما أرادوا أن يصعدوا على الجبل ازداد الجبل طولًا في السماء فلم يقدروا عليه، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالعذاب، وقال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، وذلك عند مساء يوم الأربعاء، قال: وآيةُ ذلك أن تصبحوا غدًا ووجوهُكم مصفرَّةٌ، وبعد غدٍ محمرَّةٌ، واليومَ الثالث مسودَّةٌ، ثم ينزل بكم العذاب.
فلما قال لهم ذلك تآمروا في قتله، فانتَدب له أصحابُ الناقة التي عقروها وهم تسعةٌ، وتعاهدوا على بياته ليقتلوه وأهلَه، ثم انطلقوا يسيرون إليه في بعض الليل، فلما انتهَوا إلى داره لقيَتْهم الملائكة فدمغوهم فأصبحوا قتلى مصروعين، فلمَّا بلغ قومَهم قتلُهم ظنُّوا أن صالحًا هو الذي قتلهم، فخرجوا في جمعٍ عظيم يريدون صالحًا، فلما انتهَوا إليه لقيَهم قوم صالح فقالوا لهم: ماذا تريدون؟ قالوا:
стр. 3107
نريد نقتل صالحًا وثمانيةً من قومه بمَن قتل منَّا، قال لهم قوم صالح: لا تستعجلوا حتى تستدبِروا الموعد الذي وعدكم ربُّكم (١)، فإن كان حقًّا فلا تزيدوا ربَّكم عليكم غضبًا، وإن كان ما وعدكم باطلًا فأنتم مِن وراء أمركم. فانصرفوا وتركوهم.
فأصبحوا يومَ الخميس ووجوهُهم مصفرةٌ، ثم أصبحت محمرةً يومَ الجمعة، ثم أصبحت مسودَّةً يوم السبت، فلما نظروا إلى وجوههم مسودَّةً خدُّوا لهم أخدودًا وتزمَّلوا بالأنطاع والقباء (٢)، وسدُّوا أبوابهم، ولزموا قُعور البيوت، فلما صيحَ بهم همَدوا، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ [الشمس: ١٤]: أرسل عليهم عذابًا فأهلكهم بذنوبهم ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤] الصغيرَ والكبيرَ أجمع، لم يَبق منهم أحدًا أخذتهم الصيحة بياتًا من ليلة الأحد ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].
ويقال: إن قُدارًا لم يكن لرِشْدةٍ (٣).
ولم يُفلت منهم غيرُ جارية مقعدةٍ، وكانت شديدةَ العداوة لصالحٍ ولمن آمَن به (٤)، شديدةَ الكفر باللَّه تعالى، فلما أهلكهم اللَّه أطلقَ لها رجلها ليَعتبر الناس بها (٥)، ولتحدثَهم بالذي رأت من العذاب، فخرجت تسعى حتى إذا انتهت إلى وادي القرى أخبرتهم الخبر، واستسقت من الماء فسقَوها، فلما شربت ماتت.
стр. 3108
وقال النَّبيُّ ﷺ : "يحشرُ صالحٌ على ناقته يوم القيامة" (١).
وقال صالح لقومه: يا قوم، إن هذه دارٌ قد سخط اللَّه عليها وعلى أهلها، فاظْعَنوا عنها فإنها ليست لكم بدار، فقالوا: رأيُنا لرأيك تبعٌ فأْمُرنا نفعل (٢)، قال: تلحقون بحرم اللَّه وأمنه، لا أرى لكم قرارًا دونه، فأهَلُّوا من ساعتهم بالحج، وأحرموا في العَباء، وارتحلوا قِلاصًا حمرًا مخطمةً بحبالٍ من ليفٍ، ثم انطلقوا يلبُّون آمِّين حرم اللَّه حتى وردوا مكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، فتلك قبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة والحِجر (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي: علامةٌ تفصِل بين الحقِّ والباطل.
قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾: هي الأنثى من الإبل، وإضافتُها إلى اللَّه تشريفٌ لها؛ لأنَّها لم تخرج من ناقةٍ بل من صخرةٍ بإخراج اللَّه تعالى معجزةً لصالح.
قوله تعالى: ﴿لَكُمْ آيَةً﴾: أي: علامةً ظاهرةَ على رسالتي، ونصبُها على القطع لأنها نكرة وُصفت بها معرفةٌ.
وقوله تعالى: ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾: أي: ذروها (٤) ترع في أرض اللَّه لا مؤنة عليكم في رعيها وسقيها.
стр. 3109
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾: أي: لا تصيبوها بمكروهٍ من عَقر ونحوه.
قوله تعالى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: وجيعٌ، وهو في الدنيا، وقد قال في سورة أخرى: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤] (١).
* * *
(٧٤) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾: أي: سكانَ الأرض بدلًا عن عاد ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: مكَّنكم من منازلَ تأوون إليها.
وقوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾: السهلة: الأرض الليِّنة، والأرض هي الحِجْر، وهو ما بين الحجاز والشام.
وقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾: أي: تجعلون في الجبال بيوتًا بخرقها ونقبها، وكانوا يتخذون القصورَ للصيف وبيوتَ الجبال للشتاء.
قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾: فسَّرناه ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾؛ أي: لا تُبالِغوا في الإفساد فيها بالكفر، وقيل: بالمعاصي.
* * *
(٧٥) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ
стр. 3110
آمَنَ مِنْهُمْ﴾: هو بدلٌ عن الأول، وهو بدلُ البعض عن الكلّ؛ لأن من المستضعَفين مَن لم يؤمن باللَّه.
وقوله تعالى: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾: سألوهم عن العلم فأجابوهم عن الإيمان، وهو خلافُ جوابهم في الظاهر.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وله وجهان:
أحدهما: أن معنى قوله: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: أتؤمنون؟ لأنه استفهام بمعنى الاستنكار، وإنما يُستنكر على الإنسان صنعُه، والعلم قد يقع له بغيرِ صُنعه، لكن معناه: أتعلمون ذلك بقلوبكم (١) وتعتقدونه وتُقِرُّون به، فأجابوا بالإيمان لأن السؤال كان عنه معنًى.
والثاني: أن في الجواب إضمارًا، وتقديره: إنَّا عالمون بذلك ومؤمنون به (٢).
* * *
(٧٦) - ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾: أَخبروا أنهم مخالفون لهم.
وقال القشيري ﵀: أجرى اللَّه تعالى سنَّته أنه لا يختصُّ بإفضاله، وجميلِ صُنعه وإقباله، في الغالب من عباده، إلا مَن لا يَسْموا إليه طَرْفٌ بالإجلال، ولا يُوضع له قَدْرٌ بين الأضراب (٣) والأشكال، فأنصارُ كلِّ نبيٍّ إنما هم ضعفاءُ وقته، ثم
стр. 3111
إن مَن لاحظهم من أهل الغفلة بعين الاحتقار، فليس كما يذهب إليه الأوهام (١)، ولا كما يَعتقد فيهم الأنام، بل الجواهر مستورةٌ في معادنها، وقيمة المحالِّ بساكنها (٢)، قال قائلهم:
وما ضَرَّ نَصْلَ السيفِ إخلاقُ غِمْدِه... إذا كان عَضْبًا حيث وجَّهْتَه بَرَى
وقال ﷺ : "رُبَّ أشعثَ أَغْبرَ ذي طِمْرين لا يؤبَهُ له، لو أقسم على اللَّه لأبرَّه" (٣).
* * *
(٧٧) - ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: عقرُ الناقة (٤): هو قطعُ العرقوب، والمراد به القتل.
قال الإمام أبو منصور ﵀: ذكر ها هنا ﴿فَعَقَرُوا﴾ على الجمع، وقال في آيةٍ: ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩] على الواحد، وقال: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] على الواحد، والتوفيق: أنه عَقَرها واحدٌ بعونِ الجمع فكأنهم عقروا، ولذلك أوجَبْنا القصاص على الجماعة إذا عاونوا واحدًا، وكذلك حدُّ قطَّاع الطريق إذا قَتلوا واحدًا أن يُقتلوا لذلك (٥).
стр. 3112
وقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾: قال مجاهد: العتوُّ: الغلوُّ في الباطل (١).
وقيل: هي مجاوزةُ الحدِّ في الفساد.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: هو النهاية في التمرُّد، ومعناه ها هنا: خالَفوا أمر اللَّه تعالى متهاوِنينَ به مستكبرينَ عن قبوله (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: أي: بالعذاب الَّذي تهدِّدُنا به، والوعد يذكر في الخير والشر ويُعرف بالقرينة، وإذا أُطلق فهو في الخير.
* * *
(٧٨) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: قال مجاهد والسدِّي: أي: الصيحة (٣)، وكذا ذكر في سورة هود: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [الحجر: ٧٣] وقال أيضًا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً﴾ [القمر: ٣١].
وقيل: الرجفة هي الزلزلة المحرِّكة، والأخذُ ضدُّ الترك.
وقال مقاتل: أي: العذابُ من صيحة جبريل (٤)، فيحتمِلُ أنهم أُرجفوا بالصيحة،
стр. 3113
ويحتمِل أنه أصابهم صيحةُ جبريل وزلزلةُ الأرض أيضًا، فذَكر أحدهما في موضعٍ والآخرَ في موضع (١)، وذكر الصاعقة في موضعين: في ﴿حم﴾ السجدة وفي الذاريات.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا﴾: أي: بكرةَ يوم السبت ﴿فِي دَارِهِمْ﴾؛ أي: في بلدهم، ولذلك وحِّد.
وقيل: معنى ﴿فِي دَارِهِمْ﴾؛ أي: منازلهم، ووحِّد لأنه جنس؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢].
وقوله تعالى: ﴿جَاثِمِينَ﴾: قيل (٢): باركِين على ركبهم موتى، من جثوم الطير.
وقال المبرِّد: ﴿جَاثِمِينَ﴾: ساكنينَ، وأنشد لجرير:
عَرَفْتُ المُنتأَى وعرفتُ فيها... مطايا القِدْرِ كالحِدَأ الجُثُومِ (٣)
وقال الكلبيُّ ﵀: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: الزلزلة، واحترقوا بالصاعقة، فأصبحوا ميِّتين قد همَدوا رمادًا لا يتحرَّكون (٤).
وقيل: أتتهم نارٌ من الهواء.
وقيل: خرجت من تحت أرجلهم.
وقيل: ﴿جَاثِمِينَ﴾: لازقِين بالأرض.
* * *
стр. 3114
(٧٩) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: أي: أَعرَضَ عنهم وفارقهم لمَّا أُوحي إليه أنه يَنزل بهم العذابُ بعد ثلاثٍ.
﴿وَقَالَ﴾ عند فراقهم ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ ويَثقل النُّصح على مَن اتَّبع الهَوى واجتنَب الهُدى، قال قائلهم:
وكم سُقْتُ في آثارهم من نصيحةٍ... وقد يَستفيدُ البُغضةَ المتنصِحُ (١)
وقال الكلبيُّ ﵀: فتولَى عنهم صالح؛ أي: خرج هو ومَن آمن معه من بينهم قبل نزول العذاب -وهم مئةٌ وعشرةٌ- وهو يبكي، فالتفت فأبصر الدخانَ ساطعًا، فعرف أن القوم قد هلكوا، وكانوا ألفًا وخمسَ مئة دارٍ، فلما هلكوا رجع صالح ومَن آمن معه فسكنوا الديار حتى توالَدوا وتناسلوا وماتوا فيها.
وقال مقاتل: كان مؤمنو قوم صالحٍ سبعين رجلًا، ومؤمنو قوم هودٍ كذلك، فتفرقوا بعد موت صالحٍ وهودٍ، فوقع مؤمنو قوم صالح بجابلقا ومؤمنو قوم هود بجابلسا فهم فيهما، إحداهما بالمشرق والأخرى بالمغرب، وأهل هاتين المدينتين أكثرُ من يأجوجَ ومأجوجَ، وإن يأجوج ومأجوج تسعةُ أضعافٍ، وأهلَ الدنيا تسعةُ أضعافِ يأجوج ومأجوج، ووراءهما تارس ومنسك، وهما من ولد يافث، وهما تسعة أضعاف جابلقا وجابلسا، وكلُّهم أهل النار إلا ما كان من بقية قوم صالحٍ وهودٍ في هاتين المدينتين، وعلى كلِّ جانب من هاتين المدينتين ألفُ بابٍ، من بابٍ إلى بابٍ فرسخٌ، يَحرس كلَّ ليلة على كلِّ باب سبعون ألفًا لا تصل النَّوبة إليهم، ولولا
стр. 3115
بقيةُ مؤمني قوم صالحٍ وقوم هودٍ ما أنظرهم اللَّه تعالى طَرْفةَ عين (١).
* * *
(٨٠) - ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾: هو عطفٌ على قوله: ﴿نُوحًا﴾ و ﴿هُودًا﴾ و ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: وأرسلنا لوطًا، وهو ابن أخي إبراهيم الخليلِ صلواتُ اللَّه عليهما.
وقال القتبي: هو لوط بن هاران (٢) بن تارَخ -وهو آزر- بن ناحور بن أشرع بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ (٣) بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ (٤).
وقوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: ذُكر في غيره من الأنبياء دعاؤهم إلى التوحيد أولًا، ولم يُذكر في حقِّ لوط في هذه السورة، لكن ذُكر في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٠] إلى أن قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠]، فيَحتمِل أن يكون منهم ما كان في سائر الأمم من تقليد آبائهم (٥) في عبادة الأصنام: إنَّا وجدنا آباءنا على ذلك، فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: تعملون أعمالًا لم يعملها آباؤكم، فلا تقلِّدونهم في ترك ذلك (٦).
стр. 3116
وقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ استفهامٌ بمعنى التوبيخ، والفاحشةُ: الفعلة القبيحة، وأراد بها اللِّواطة ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾؛ أي: لم يفعلها أحد قبلكم، قوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ (مِن) لتأكيد النفي ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: من الخلائق.
وقال الكلبيُّ ﵀: أولُ مَن فعَل (١) ذلك قومُ لوط؛ لأن بلادهم أَخصبت فانتَجَعها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس لعنه اللَّه في صورة شابٍّ ثم دعا إلى دبره فنُكح في دبره، ثم عملوا بذلك العمل، فلمَّا كثُر ذلك فيهم عجَّت الأرض إلى ربِّها، فسمعت السماء فعجَّت إلى ربها، فسمع العرش فعجَّ إلى ربه، فأمره اللَّه تعالى أن يَحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم.
وقال محمد بن إسحاق: كانت الشام منازلهم، وكانت لهم قرًى وثمارٌ لم يكن في الأرض مثلُها، فقصدهم الناس فآذَوهم، فعرَض لهم إبليس في صورة شيخ فقال: إن فعلتُم بهم كذا نجوتم منهم، فأبوا، فلما ألحَّ الناس (٢) عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانًا صباحًا، فأَخْبَثوا واستَحكم ذلك فيهم.
وقال الحسن: كانوا لا يَنكحون إلا الغرباء (٣).
* * *
(٨١) - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ (٤): أَتبع التوبيخ الأولَ بمثله مبالغةً وتفسيرًا للأول.
стр. 3117
وقال الكلبي ﵀: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾؛ أي: أدبارَ الرجال ﴿شَهْوَةً﴾؛ أي: اشتهاءً؛ أي: أدبارُ الرجال أشهَى عندكم من فروجِ النساء.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: (بل) للإضراب، والأولُ والثاني عيبٌ، فما وجهُ الإضراب عن الأول؟
قلنا: الأول ذكرُ عيبٍ واحد، والثاني بيانُ أنهم مَعيبون بكلِّ عيب، فإن الإسراف مجاوزة الحد في كلِّ شيء.
وقال الكلبي: ﴿مُسْرِفُونَ﴾؛ أي: مشركون يتعدَّون الحلالَ إلى الحرام.
* * *
(٨٢) - ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿جَوَابَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ مصدرٌ وتقديره: إلا قولُهم، بالرفع على أنه اسم ﴿كَانَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾؛ أي: لوطًا ومَن يَدِينُ بدينه، كنَى عن معلومِين غيرِ مذكورِين.
﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾؛ أي: بلدتِكم، وهي من القَرْي وهو الجمعُ، وسميت بها لأنها مجتمَع الناس في الإقامة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: أي: يتنزَّهون عن مثلِ عملنا.
قال ابن عبَّاس ومجاهدٌ وقتادةُ: عابُوهم بما يُمدح به (١).
стр. 3118
ومعنى الآية: أنهم اعترفوا بكونها فاحشةً مبتدَعة، وقال بعضُهم لبعضٍ -أو (١) الأشراف للأتباع-: أخرِحوا هؤلاء من هذه البلدة فإنهم يرون هذا نجاسةً ويستعملون في اجتنابه طهارةً.
* * *
(٨٣) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾: أي: خلَّصناه وأهلَ بيته وأهلَ دينه، ومنهم ابنتاه: زعورا وريثا (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾: أي: زوجتَه، واسمها: واهلةُ، وقيل: واعلة (٣).
وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ قال الحسن وقتادة: أي: من الباقين في عذاب اللَّه تعالى (٤). وقد غَبَر غُبورًا من حدِّ دخل؛ أي: بقي.
وقال الزَّجَّاج: أي: من الغائبين عن النجاة (٥). يقال: غَبَر فلان عنَّا زمانًا؛ أي: غاب.
ولم يقل (٦): من الغابرات؛ لأنَّها كانت من الرجال والنساء الباقين في الهلاك، فغلِّب التذكيرُ عند الاجتماع.
стр. 3119
(٨٤) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾: أي: حجارةً، وقد فسِّر ذلك في آية أخرى ﴿فَانْظُرْ﴾؛ أي: بعين قلبك يا محمد.
وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾: ولم يقل: كانت؛ لتقدُّم الفعل، ولأن تأنيثها غيرُ حقيقي. و (كيف) كلمة تعجيبٍ (١)، والمجرمون: المشركون.
وقال السدِّي: إن لوطًا كانَ ابنَ عمِّ إبراهيم الخليل ﵇، أتى مدينة سَدُوم فنزلها وتزوَّج فيهم، فبعثه اللَّه تعالى إليهم نبيًّا، وكانوا ينكحون الرجال، فدعاهم إلى الإسلام وإلى ترك ما يعملون، فأبَوا، وكان لوطٌ يُضيف مَن مرَّ به من الناس، فقالوا له: لا تُضف أحدًا، فذلك قوله: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠]، وأتى الرسل إبراهيم حين بعثوا إلى قوم لوط، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩] سألهم إبراهيم: أين تريدون؟ وعرَف أنهم الرسل قالوا: أُمرنا أن نُهلك قوم لوط، قال إبراهيم: أرأيتم إن كان بها مئةٌ من المؤمنين أفتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فخمسون؟ قالوا: لا، قال فعشرون؟ قالوا: لا، قال: فعشرة؟ قالوا: يا إبراهيم ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، ليس فيها إلا لوط وأهلُه ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢]، فلما خرجوا من عنده متوجهين إلى قوم لوط انتهوا إليها نصفَ النهار، فإذا هم بجوارٍ يستقين الماء، فقالوا لهن: هل ها هنا أحد يُضيف؟ قلن: لا، فقالت بنتُ لوط وهي معهن تستقي: نعم، أبي يضيف، فانطلِقوا معي حتى آتيَ بكم منزلَه، فانطلقت بهم إلى منزل أبيها، فرأى قوم لوط قومًا لم يروا مثلهم جمالًا وهيئة (٢)، فانجفلوا
стр. 3120
معهم حتى أتوا (١) إلى الدار، فخرج إليهم لوط فناشدهم أن يرجعوا، فأبوا وقالوا: أخرجهم إلينا، فقال: يا قوم! ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؛ أي: أحلُّ لكم بالنكاح، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾؛ أي: حاجةٍ ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٧٩] فلما رأوا أن لوطًا لا يخرجهم أَمروا امرأة لوط وكانت على دينهم، فأسخنت الماء وجعلت تصبُّه عليهم (٢) ليخرجوا فلم يخرجوا، ولم يُصِب أحدًا منهم من ذلك الماء إلا بَرَص (٣) مكانه، فقال جبريل: افتح الباب فإنهم لا يَصلون إلينا، ففتح الباب فدخلوا فعمُوا، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]، فقال جبريل ﵇: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية.
فلمَّا علم لوط ﵇ أنهم رسلُ اللَّه وقالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، قال: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] فلمَّا كان في بعض الليل خرج لوط وأهله، فلما كان السَّحَرُ ضَرب جبريل بجناحه ثم حملها ومَن فيها بجناحه (٤) حتى صعد بها إلى السماء، فسمع أهل السماء أصوات الديكة والكلاب، ثم قلَبها فجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها فهوت، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، ورُموا بالحجارة وتتبَّعت الحجارة الشذَّاذ (٥) حتى إنْ كان الرجل في بلدٍ بعيدٍ أتاه