← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ استفهامٌ بمعنى التوبيخ، والفاحشةُ: الفعلة القبيحة، وأراد بها اللِّواطة ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾؛ أي: لم يفعلها أحد قبلكم، قوله: ﴿مِنْ أَحَدٍ﴾ (مِن) لتأكيد النفي ﴿مِنَ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: من الخلائق. وقال الكلبيُّ ﵀: أولُ مَن فعَل (١) ذلك قومُ لوط؛ لأن بلادهم أَخصبت فانتَجَعها أهل البلدان، فتمثل لهم إبليس لعنه اللَّه في صورة شابٍّ ثم دعا إلى دبره فنُكح في دبره، ثم عملوا بذلك العمل، فلمَّا كثُر ذلك فيهم عجَّت الأرض إلى ربِّها، فسمعت السماء فعجَّت إلى ربها، فسمع العرش فعجَّ إلى ربه، فأمره اللَّه تعالى أن يَحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم. وقال محمد بن إسحاق: كانت الشام منازلهم، وكانت لهم قرًى وثمارٌ لم يكن في الأرض مثلُها، فقصدهم الناس فآذَوهم، فعرَض لهم إبليس في صورة شيخ فقال: إن فعلتُم بهم كذا نجوتم منهم، فأبوا، فلما ألحَّ الناس (٢) عليهم قصدوهم فأصابوا غلمانًا صباحًا، فأَخْبَثوا واستَحكم ذلك فيهم. وقال الحسن: كانوا لا يَنكحون إلا الغرباء (٣). * * * (٨١) - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ (٤): أَتبع التوبيخ الأولَ بمثله مبالغةً وتفسيرًا للأول.

стр. 3117

وقال الكلبي ﵀: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾؛ أي: أدبارَ الرجال ﴿شَهْوَةً﴾؛ أي: اشتهاءً؛ أي: أدبارُ الرجال أشهَى عندكم من فروجِ النساء. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾: (بل) للإضراب، والأولُ والثاني عيبٌ، فما وجهُ الإضراب عن الأول؟ قلنا: الأول ذكرُ عيبٍ واحد، والثاني بيانُ أنهم مَعيبون بكلِّ عيب، فإن الإسراف مجاوزة الحد في كلِّ شيء. وقال الكلبي: ﴿مُسْرِفُونَ﴾؛ أي: مشركون يتعدَّون الحلالَ إلى الحرام. * * * (٨٢) - ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿جَوَابَ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، و ﴿أَنْ قَالُوا﴾ مصدرٌ وتقديره: إلا قولُهم، بالرفع على أنه اسم ﴿كَانَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾؛ أي: لوطًا ومَن يَدِينُ بدينه، كنَى عن معلومِين غيرِ مذكورِين. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾؛ أي: بلدتِكم، وهي من القَرْي وهو الجمعُ، وسميت بها لأنها مجتمَع الناس في الإقامة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾: أي: يتنزَّهون عن مثلِ عملنا. قال ابن عبَّاس ومجاهدٌ وقتادةُ: عابُوهم بما يُمدح به (١).

стр. 3118

ومعنى الآية: أنهم اعترفوا بكونها فاحشةً مبتدَعة، وقال بعضُهم لبعضٍ -أو (١) الأشراف للأتباع-: أخرِحوا هؤلاء من هذه البلدة فإنهم يرون هذا نجاسةً ويستعملون في اجتنابه طهارةً. * * * (٨٣) - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾: أي: خلَّصناه وأهلَ بيته وأهلَ دينه، ومنهم ابنتاه: زعورا وريثا (٢). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾: أي: زوجتَه، واسمها: واهلةُ، وقيل: واعلة (٣). وقوله تعالى: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ قال الحسن وقتادة: أي: من الباقين في عذاب اللَّه تعالى (٤). وقد غَبَر غُبورًا من حدِّ دخل؛ أي: بقي. وقال الزَّجَّاج: أي: من الغائبين عن النجاة (٥). يقال: غَبَر فلان عنَّا زمانًا؛ أي: غاب. ولم يقل (٦): من الغابرات؛ لأنَّها كانت من الرجال والنساء الباقين في الهلاك، فغلِّب التذكيرُ عند الاجتماع.

стр. 3119

(٨٤) - ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾: أي: حجارةً، وقد فسِّر ذلك في آية أخرى ﴿فَانْظُرْ﴾؛ أي: بعين قلبك يا محمد. وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾: ولم يقل: كانت؛ لتقدُّم الفعل، ولأن تأنيثها غيرُ حقيقي. و (كيف) كلمة تعجيبٍ (١)، والمجرمون: المشركون. وقال السدِّي: إن لوطًا كانَ ابنَ عمِّ إبراهيم الخليل ﵇، أتى مدينة سَدُوم فنزلها وتزوَّج فيهم، فبعثه اللَّه تعالى إليهم نبيًّا، وكانوا ينكحون الرجال، فدعاهم إلى الإسلام وإلى ترك ما يعملون، فأبَوا، وكان لوطٌ يُضيف مَن مرَّ به من الناس، فقالوا له: لا تُضف أحدًا، فذلك قوله: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠]، وأتى الرسل إبراهيم حين بعثوا إلى قوم لوط، فذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ [هود: ٦٩] سألهم إبراهيم: أين تريدون؟ وعرَف أنهم الرسل قالوا: أُمرنا أن نُهلك قوم لوط، قال إبراهيم: أرأيتم إن كان بها مئةٌ من المؤمنين أفتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فخمسون؟ قالوا: لا، قال فعشرون؟ قالوا: لا، قال: فعشرة؟ قالوا: يا إبراهيم ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، ليس فيها إلا لوط وأهلُه ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢]، فلما خرجوا من عنده متوجهين إلى قوم لوط انتهوا إليها نصفَ النهار، فإذا هم بجوارٍ يستقين الماء، فقالوا لهن: هل ها هنا أحد يُضيف؟ قلن: لا، فقالت بنتُ لوط وهي معهن تستقي: نعم، أبي يضيف، فانطلِقوا معي حتى آتيَ بكم منزلَه، فانطلقت بهم إلى منزل أبيها، فرأى قوم لوط قومًا لم يروا مثلهم جمالًا وهيئة (٢)، فانجفلوا

стр. 3120

معهم حتى أتوا (١) إلى الدار، فخرج إليهم لوط فناشدهم أن يرجعوا، فأبوا وقالوا: أخرجهم إلينا، فقال: يا قوم! ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؛ أي: أحلُّ لكم بالنكاح، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾؛ أي: حاجةٍ ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٧٩] فلما رأوا أن لوطًا لا يخرجهم أَمروا امرأة لوط وكانت على دينهم، فأسخنت الماء وجعلت تصبُّه عليهم (٢) ليخرجوا فلم يخرجوا، ولم يُصِب أحدًا منهم من ذلك الماء إلا بَرَص (٣) مكانه، فقال جبريل: افتح الباب فإنهم لا يَصلون إلينا، ففتح الباب فدخلوا فعمُوا، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]، فقال جبريل ﵇: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية. فلمَّا علم لوط ﵇ أنهم رسلُ اللَّه وقالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١]، قال: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] فلمَّا كان في بعض الليل خرج لوط وأهله، فلما كان السَّحَرُ ضَرب جبريل بجناحه ثم حملها ومَن فيها بجناحه (٤) حتى صعد بها إلى السماء، فسمع أهل السماء أصوات الديكة والكلاب، ثم قلَبها فجعل أعلاها أسفلها وأسفلها أعلاها فهوت، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣]، ورُموا بالحجارة وتتبَّعت الحجارة الشذَّاذ (٥) حتى إنْ كان الرجل في بلدٍ بعيدٍ أتاه

стр. 3121

الحجر فقتله، ورُموا بالحجارة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾؛ أي: مختومة ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]؛ أي: من ظالمي العرب إن لم يؤمنوا بمحمد ﷺ . وقال محمد بن إسحاق: كانت المدائن خمسًا: سدوم وصبواييم ودادوما وغامورا وزُغَر (١)، فأهلكوا إلا زُغَر لم يصنعوا صنيعهم، وهي المؤتفكات. وقال وَهْبٌ: أَمطر اللَّه عليهم الكبريت والنار (٢). وقال: كان رسولًا إلى أهل المؤتفكات وهي خمسُ مدائن، أعظمُها سدوما، ثم غمورا، ثم أدوما (٣)، ثم صعورا، ثم صابورا، وكان أهلها أربعةَ آلافِ ألفِ إنسان، ونزل لوط سدوما فلبث فيها بضعًا وعشرين سنة (٤)، وهي غربيَّ بحيرة التي تلي أريحا في بطن الأردن. وذُكر أنه لم يكن مع لوط من المؤمنين إلا بناتُه وهنَّ اثنتا عشرةَ، وأوصى لوطٌ

стр. 3122

ببناته إلى إبراهيم، فزوَّجهن رَهْطًا ممن معه من المؤمنين آمنوا به يوم أُلقي في النار ثم صحبوه، فكلُّ نبي بعد إبراهيم وقبل (١) بني إسرائيل فمن نسل أولئك الرهط: أيوبُ وشعيبٌ وبلعمُ (٢)، وقد حجَّ لوط قبل أن يموت. وقال الإمام أبو منصور: قال ها هنا: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ﴾ وقال في سورة أخرى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩] فيحتمِل أن يكون الأولُ جوابَ بعضهم لبعضٍ، والثاني جوابَهم لِلُوط، أو كان ذلك الجوابُ في مشهدٍ والثاني في مشهد آخر، وكلاهما لكلام لوط (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: إن الحق سبحانه أباح في الشرع ما أزاح به العُذرَ، فمَن تخطَّى حدَّ الأمرِ، وجَرَى على مقتضَى هوى النَّفْسِ، استَوجَبَ إذلالَه، واستَجْلَب باختياره صغره ونكالَه (٤). * * * (٨٥) - ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

стр. 3123

قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ عطفًا على ﴿نُوحًا﴾؛ أي: وأرسلنا إلى أهل مدين شعيبًا، ومدينُ بينها وبين مصرَ ثماني ليالٍ، ومدينُ في الأصل اسمُ رجل وهؤلاء أولاده، وهو مدين بن مُديان بن إبراهيم، وشعيب هو ابن نُويب؛ قاله قتادة (١)، ويقال: ابن يثروب (٢). وقال محمد بن إسحاق: هو شعيب بن ميكيل، وأمُّ ميكيل بنتُ لوط النَّبي ﵇ (٣). وقال عطاء: شعيب بن توبةَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيم (٤). وقال محمد بن إسحاق: إنه من ولد مديان، واسمه بالسُّريانية: يثروب (٥). قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾: قد فسرناه ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: أي شرائعُ ظاهرةُ المصالح؛ من التوحيد والإخلاص وإيفاء حقوق الناس.

стр. 3124

وقيل: أي: بيانٌ. وقيل: أي: معجزةٌ، وإن لم يبلُغنا ماذا كانت. قوله تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾: قد بينَّاه في سورة الأنعام: أن الميزان يُحمل على الوزن (١)، والكيلَ يحمل على المكيال (٢)؛ ليستويا. أمرهم بإيفاء الحقوق التي عليهم من هذين الجنسين. قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾: أي: لا تَنْقُصوا الناس الحقوقَ التي تصير لهم عليكم بالعقود. وقال قتادة: أي: لا تظلموا (٣). قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: قال الكلبي (٤): أي: لا تَنْقُصوا الكيل والوزن فإنه فساد في الأرض. قال ابن عبَّاس ﵄: كانت الأرض قبل أن يُبعث إليها شعيبٌ رسولًا يُعمل فيها بالمعاصي، ويُستحل فيها المحارم، ويسفك فيها الدماء بغيرِ حقِّها، فذلك فسادُها، فلما بعث إليها شعيب ودعاهم إلى عبادة اللَّه تعالى صلحت الأرض، وكلُّ نبيٍّ بُعث إلى قومه فهو صلاحُهم (٥). وقال ابن عبَّاس ﵄: كان شعيبٌ رسولًا بعد يوسف ﵇،

стр. 3125

وكان من خيرِ قومه، وكان أهل مدين أهلَ شركٍ وبَخْسٍ في مكايلهم وموازينهم (١). وقال السُّدِّي وعكرمةُ: ما بَعث اللَّه نبيًّا مرتين إلا شعيبًا، بعثه إلى مدين مرةً فأخذهم اللَّه تعالى بالصيحة، ومرة أخرى إلى أصحاب الأيكة فأخذهم اللَّه تعالى بعذابِ يوم الظُّلَّة (٢). وقال إسحاقُ وجويبرٌ وجماعةٌ: هما واحدٌ (٣). ولما دعاهم إلى التوحيد وتركِ الظلم كذَّبوه وردُّوا نصيحته، وقالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ الآية، وكان أكثرَ الأنبياء صلاةً ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنام ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ من الإيفاء وترك البَخْس ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]؛ أي: الأحمقُ السفيه. قال الضَّحَّاك: كانوا إذا دخل عليهم الغريبُ يأخذون دراهمه ويقولون: دراهمك هذه زُيوفٌ، فيقطعونها ثم يشترونها منه بالبَخس؛ أي: النقصان (٤). قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: الإيفاءُ خيرٌ لكم من البَخْس ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: إن كنتم ممَّن همُّه وقصدُه الإيمانُ بالحق؛ إذ ورد البيان وقام البرهان. وقال وهبٌ: كان على أهل مدين ملكٌ جبَّار، وكانوا في سعة من العيش ورفاهيةٍ، فأرسل الملك إلى أهل مملكته يأمرهم باحتكار الطعام ونقصِ مكائلهم وموازينهم وقرض الدراهم، وهو أول مَن قرضها، وكانوا يبخسون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك شعيب.

стр. 3126

وكان لهم فسادٌ آخر نهاهم عن ذلك، وهو قوله تعالى: * * * (٨٦) - ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾: أي: لا تجلسوا في كلِّ طريقٍ، و ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ و (في كلِّ صراطٍ) و (على كلِّ صراط) تتقاربُ معانيها: الباء للإلصاق، و (في) للظرف، و (على) للاستعلاء. و ﴿تُوعِدُونَ﴾؛ أي: تهدِّدون، وهو على معنى الحال. قال ابن عبَّاس والحسن وقتادة ومجاهد: كانوا يقعدون على طريقِ مِن قصد شعيبًا للإيمان به فيخوِّفونه بالقتل (١). قوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: تَصْرِفون عن طريق الإسلام ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾؛ أي: مَن أراد أن يؤمن باللَّه ﴿وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾؛ أي: تطلبون للسبيل تعويجًا وتحريفًا؛ أي: يقولون: هي سبيلٌ باطلٌ لا حقٌّ. والعِوَج بكسر العين في الدِّين وفيما لا يُرى، وبالفتح في العُود والحائط وما يرى (٢). وقال ابن عبَّاس ﵄: كانوا يجلسون في الطرق فيُخبرون مَن أتى عليهم أن شعيبًا كذَّاب (٣).

стр. 3127

وقال أبو رَوق -ورواه عن النَّبيِّ ﷺ : كانوا عشَّارين يَبخسون الناسَ أموالَهم بأخذ (١) العشر، وهم أولُ مَن سنَّ ذلك (٢). وقال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يَقطعون الطرق (٣). قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾: قال الزَّجَّاج: يحتمِلُ هذا ثلاثةَ أوجهٍ: كثَّرَ عددَكم، و: كثَّركم بالغنى بعد الفقر، و: كثَّركم بالمقدرة بعد الضعف (٤)، فإن الفقراء والضعفاء بمنزلة القليل في كثرة الغنى؛ أي: اذكروا نعمة اللَّه تَشكروا. قوله تعالى: ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: العصاةِ الذين كانوا قبلكم. وقال الكلبي: هم قوم لوط. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أَمر (٥) بالنظر في الأسباب التي صار مَن تقدَّمهم بها أهلَ فسادٍ ونزل بهم الهلاك؛ ليَنزجِروا عن مثل صنيعهم، وإلا كانوا عند أنفسهم أهلَ صلاحٍ لا أهلَ فساد (٦). * * *

стр. 3128

(٨٧) - ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾: يقول لقومه: لا يمنعْكم عن الإيمانِ بي اختلافُ الناس عليَّ وكثرةُ مَن لم يؤمِن بي، فإن العاقبة المحمودةَ للحق وأهله وإنْ قلَّ عددهم. ﴿فَاصْبِرُوا﴾: ليس هذا أمرًا لهم بالمقام على الكفر، لكن معناه: فانتظروا العاقبةَ حتى يحكم اللَّه بيننا بنصرنا وإهلاككم. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾: خيرُ مَن حكَم بين العباد؛ لأنَّه يحكم بالحق والعدل. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يجوز أن يكون ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أمرًا للمؤمنين، فإنهم كانوا لم يُؤمروا بقتالهم، ويجوز أن يكون أمرًا للكفار، وكانوا يقولون: الحقُّ ما نحن عليه، فإنَّ اللَّه أمرنا بذلك، وهم شفعاؤنا ومقرِّبونا إلى اللَّه زُلفَى، فقال: ﴿فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ في القيامة ﴿بَيْنَنَا﴾ فيتبيَّنَ الحق من الباطل (١). * * * (٨٨) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾: قال وهبٌ: ولما نهاهم عن التطفيف والبَخس أَرسل إليه ملكُهم وقال له: ما تقول فيما أَمرتُ أنا الناسَ به من

стр. 3129

الاحتكار ونقصِ المكيال والميزان لمصلحة الناس؟ فقال شعيب ﵇: إن في كتاب اللَّه المنزل: أن الملِك إذا كان بمنزلتك وصنع مثلَ ما صنعتَ يقال له: ملك تاجر ملعون فاجر، فقال الملك: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾؛ أي: آمنوا باللَّه مع إيمانك ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾؛ أي: ديننا. وإنما ذكروا العَوْدَ مع أن شعيبًا لم يكن في دِينهم قطُّ لوجوهٍ: منها: أن هذا خطابٌ لقومه وهم كانوا كذلك، ولئن كان شعيب في الخطاب فالغلبة لهم. ومنها: أنهم توهَّموا أنه كان فيه. ومنها: أن العود في معنى الصيرورة، ويذكر في غير تحقيق الرجوع، قال تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]؛ أي: صار، وقال الشاعر: لئن كانتِ الأيامُ أحسنَّ مرةً... إليَّ فقد عادت لهنَّ ذُنوبُ (١) أي: صارت. قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ الألفُ للاستفهام، وهو بمعنى الاستنكارِ، والواو للعطف؛ أي: أتخرجوننا من قريتنا ونحن كارهون لمفارقة الأوطان من غيرِ ذنبٍ منَّا، وهو أمرٌ منكر، وهو كقوله تعالى: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]. وقيل: أي: أولو كنا كارهِين للدخول في ملَّتكم مع ذلك تَحمِلوننا على ذلك.

стр. 3130

(٨٩) - ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾: هذا جزاءٌ تقدَّم على الشرط، والعودُ هو الصيرورةُ دون الرجوع، على ما قدَّرنا، ودليله قولُ الشاعر: تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لبنٍ... شِيْبا بماءٍ فعادا بَعْدُ أبوالا (١) والمِلَّة: الديانة التي يتكرَّر العمل بشرائعها، من قولهم: طريق مَليل: يتكرَّر سلوك المارَّة فيها، والمللُ من تكرُّر الشيء على النفس حتى تسأمَ، وخبز المَلَّة: ما يُنضَجُ في الرماد الحارِّ لتكرُّر الحَمْي عليه. وتقدير الآية: فإنْ دخلنا في دِينكم بعدما خلَّصنا اللَّه تعالى منه إلى حِفظنا عنه بإقامة البراهين وإراءة الحق، فقد افترينا على اللَّه الكذب حيث قلنا من حيث الدلالةُ إِنَّه لم يبصِّرْنا الحق ولم يُقِم لنا الدليل، وكونُ الإنجاء بمعنى الحفظ نظيرُ قوله : ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]؛ أي: يَحفظهم من الظلمات ويُبقيهم في النور. وقال الإمام القشيري: كما أن أهل الخير لا يميلون إلا إلى أشكالهم، فأهلُ الشر لا يرضَون إلا بمن ساعدهم على أحوالهم، والأوحدُ في بابه مَن بايَنَ نهجَ أضرابه (٢).

стр. 3131

قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾: قد ذكر أهل التأويل له وجوهًا، والإمام أبو منصور ردَّها واعتمد على هذا القول: أن معناه: ولا يكون منَّا دخول في ملتكم إلا أن يكون اللَّه تعالى شاء ذلك منا، خاف شعيب أن يكون سبق منه زلةٌ أو تقصيرٌ يقع منه الاختيار لذلك فشاء اللَّه تعالى له (١) ذلك، وكذا الأنبياء كلُّهم خافوا ذلك، وكان خوفهم أكثر من خوف غيرهم (٢). قوله تعالى: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾: ونحن لا نعلم إلى (٣) ماذا يصير أمرنا. قوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾: أي: اعتمدنا في دفع شرِّكم وكفايةِ أمركم. ثم دعَوا ربهم، وذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا﴾: أي: اقضِ بيننا ﴿وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بحُكمك الذي هو الحقُّ، وهو وصفُ تحقيقٍ لا وصفُ تمييزٍ، كما مر في قوله: ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾: أي: القاضِين، فلا محاباةَ في حُكمك، ولا ميلَ ولا زللَ ولا رشوةَ ولا شفاعة، والقضاءُ بالحق يفتح الأمرَ المنغلِق، ولذلك سمي فتحًا. * * * (٩٠) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾: أي: في الأمر بإيفاء الكيل والوزن ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: حينئذ -هو اسم زمان- ﴿لَخَاسِرُونَ﴾ الأموالَ.

стр. 3132

وقيل: أي: اتَّبعتموه في دينه خسرتُم بتركِ الدِّين الحقِّ بالباطل، كذا كان زعمهم. * * * (٩١) - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: أي: الزلزلة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ فسرناه في قصة صالح. وقال في سورة الشعراء: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، قيل: هما قصتان وعقوبتان، وقيل: هما واحدة. وقال ابن عبَّاس ﵄: إن جبرائيل ﵇ نزل فوقف عليهم فصاح صيحةً رجفت منها الجبالُ والأرض، فقاموا قيامًا وفزعوا، فرجفت بهم الأرض فرمتهم، وخرجت منهم أرواحهم فوقعوا جاثمين (١). وقال وهب: سلَّط اللَّه عليهم الحرَّ والغُمَّةَ حتى أَنضجهم، فلبثوا فيه سبعةَ أيام ولياليها، ودخل الحرُّ عليهم (٢) في بيوتهم ومظالِّهم، وفي الأودية وظلالِ الأشجار، وصار ماؤهم حميمًا لا يستطيعون شربهُ، فانطلقوا يسوقون ذرارَيهم ونساءَهم ودوابَّهم حتى انتهَوا إلى غَيضةٍ وهي الأيكةُ كثيرةُ الشجر، وقد جاءهم سَمومٌ من جهنم، فسلَّط اللَّه عليهم الشمس من فوق رؤوسهم حتى تقلقلت (٣) جماجمُهم، والرمضاءَ من تحتهم حتى تساقطت لحوم أرجُلهم، ثم أُنشئت لهم ظُلَّةٌ من سحابةٍ سوداء، فابتدروها يستغيثون ببردها، فلما صاروا تحتها أَطبقت عليهم فهلكوا فيها، وقيل: أحرقتْهم (٤).

стр. 3133

(٩٢) - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: أي: لم يقيموا، وقد غَنِيَ بالمكان؛ أي: أقام، من حدِّ عَلِم، والمغاني: المنازل. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ كرَّر لتغليظ الأمر في تكذيبهم شعيبًا. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾: لا المؤمنون بشعيب الذين قالوا لهم: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ فإنهم خسروا أنفسَهم وأموالَهم ودينَهم ودنياهم وآخرتَهم. وقال الإمام القشيري ﵀: كانت لهم غلبة في وقتهم، ولكنْ لمَّا اندَرست آثارهم سقط صِيتُهم، وخمل ذكرُهم، وتقشَّع سحاب مَن توهَّم أن فيهم شيئًا. قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ الحقُّ غالب في كلِّ أمرٍ، والباطل زاهقٌ بكلِّ وصفٍ، وإذا كانت العزةُ نعتَ مَن هو أزليُّ الوجود، والجلالُ حقَّ مَن هو الملِك المعبود، فأيُّ أثر للفطرة مع القدرة، وأيُّ خطرٍ للعلل مع الأزل (١)؟ * * * (٩٣) - ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾: أي: أَعرَضَ إعراض يأس (٢) عن إيمانهم، ﴿وَقَالَ﴾ عند الإعراض: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾؛ أي: فلم تقبلوا، ثم قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾؛ أي: أحزنُ ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ إذ كيف أُظهِر الحزنَ على هلاك قومٍ انقطعت بيني وبينهم الولاية لكفرهم باللَّه.

стр. 3134

(٩٤) - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾: يعني: لم نرسل في قريةٍ من هذه القرى التي قصَصْنا أخبارها وذكَرْنا إهلاكها نبيًّا ينذرهم إلا ضمَمنا إلى إنذارهم بالعذاب المستأصِل ما دون ذلك من الامتحان بالبأساء وهي الجوع والضراءِ وهي المرض. وقيل: البأساء: الشدةُ في الأنفس، والضَّراء: الشدة في المال. وقال ابن عبَّاس ﵄: البأساء: الفقر، والضرَّاء: السَّقَم (١). ليتضرعوا إلى اللَّه وينقادوا لشرعه، قال ابن عبَّاس ﵄: ليستكينوا فيتوبوا (٢). * * * (٩٥) - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾: أي: مكان الجَدْبِ الخِصْبَ، ومكان المحنهَ النعمةَ ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ أي: كثروا، كذا قال ابن عبَّاس ﵄ ومجاهد والسُّدِّي وابن زيد (٣)، وكذا هو في اللغة. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾: أي: أصاب أسلافَنا الأحوالُ الضارَّة والأحوال السارة؛ أي: هذا من الاتفاقات التي تقع للناس من تلوُّن الأحوال، ولم يحملوه على التنبيه فلم ينتبهوا ولم ينتهوا.

стр. 3135

قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾: أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: بوقته، وقيل: بنزوله، وقد كان أنذرهم به رسلُهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]. قال ابن عبَّاس ﵄: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ أي: كثروا وكثرت أموالهم (١). وقال مجاهد: حتى كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم (٢). وقال المبرِّد: ومنه الحديث: "أَحْفوا الشوارب وأعْفُوا اللِّحى" (٣). وقال مقاتل بن حيان: حتى أَشِروا وبَطِروا (٤). * * * (٩٦) - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: خيراتٍ ناميةً من الأمطار والنبات. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾: أي: الأنبياءَ. قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: يعني: ولو أن القرى وحَّدوا اللَّه واتَّقوا الشرك والمعاصي لأنزلنا عليهم بركات من السماء بالرزق والمطر والنبات والثمار والخصب، ولكن كذَّبوا الرسل فعاقبناهم بالقحط وغلاء السعر بأعمالهم (٥).

стр. 3136

وقال الإمام القشيري ﵀: ليست العبرةُ بكثرة النعمة إنما العبرةُ بالبركة في النعمة، ألا ترى أن اللَّه تعالى لم يقل في هذا الآية: لضاعَفْنا عليهم النِّعَم، لكن يقول: لباركنا عليهم فيما أعطيناهم (١). * * * (٩٧) - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾: استفهام بمعنى الاستنكار. قال ابن عبَّاس ﵄: أي: عذابنا ليلًا وقتَ مبيتهم (٢). ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ الواو للحال، وأكثر ما يكون نزولُ المحنة في حالة الغفلة، قال قائلهم: يا راقدَ الليل مسرورًا بأوَّله... إن الحوادث قد يَطْرُقْن أسحارًا (٣) * * * (٩٨) - ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أي: نهارًا وهم في شغلِ الدنيا فإنه لعبٌ. والضحى: وقتُ ابتداءِ الأعمال التي يُطلب بها الانتفاعُ ويُرجى بها الاستمتاع. * * *

стр. 3137

(٩٩) - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾: أي: أَخْذَهم بغتةً، والمكر أصلُه: إظهارُ المحبوب وإخفاءُ المكروه، وإذا بَسط اللَّه تعالى نعمةً على عبدٍ استدعاءً للشكر فلم يفعل، ثم أخذه بغتةً، فقد ظهرت له نعمة وكانت خفيتْ له محنة. وقيل: هو على الجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وهذا جزاءٌ من اللَّه على مكرهم بالأنبياء كما ذكر في الخداع والاستهزاء. وقال الإمام أبو منصور ﵀: المكرُ في الشاهد: أن يراقب من عدوِّه حالَ غفلةٍ فينتقمَ منه، فسمَّى ما ينزل من العذاب بهم في الغفلة مكرًا مجازًا، وعلى هذا: الامتحانُ بين الخلق هو استظهارُ ما خفي على بعضهم [من بعضٍ] فيأمرون بذلك وينهَون، فسمَّى اللَّه ذلك امتحانًا لمعنى الأمر والنهي، وإن كانت الخفياتُ عن الخلق ظاهرةً له باديةً عنده (١). قوله تعالى: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أي: لا يأمن أَخْذَ اللَّه بغتةً إلا الخاسرون. قال ابن عبَّاس: أي: إلا الكافرون الذين خسروا أنفسَهم حتى صاروا إلى النار. وقال علي ﵁: لا تُنزِلوا الموحِّدين العارفين المخبِتين الجنةَ حتى يكونَ اللَّه هو يحكُم فيهم؛ لأن اللَّه تعالى يقول: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ولا تُنزلوا الموحِّدين العارفين المذنبين النار حتى يكون اللَّه هو يحكم فيهم؛ لأن اللَّه يقول: ﴿لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] (٢).

стр. 3138

وقال الإمام أبو منصور ﵀ الآيتان في المعتزلة؛ لأنَّهم يأمنون مكرَ اللَّه في الصغائر فيقولون: ليس له أن يعذبهم عليها، وييأسون من روح اللَّه أي من رحمة (١) اللَّه في الكبائر فيقولون ليس له أن يعفو عنها (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: مَن عَرَف علوَّ قَدْره [سبحانه] خشيَ خفيَّ مكره، ومَن أمِن خَفيَّ مكره نسيَ عظيمَ قَدْره (٣). وقال الحسن: قوله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ هذه الآيات في الأمم السالفة، وفيه تحذير هذه الأمة عن مثل صنيعهم؛ لئلا ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك (٤). وقال آخرون: هي في أهل القرى من هذه الأمة. * * *

стр. 3139

(١٠٠) - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾: أي: أولم يُبيِّن (١)، استفهام بمعنى الإثبات، وفاعلُه المكرُ المذكور في الآية الأولى؛ أي: أولم يبيِّن ما نزل بالأولين من مكر اللَّه بهم. وقيل: الفاعل هو اللَّه ؛ أي أولم يبين اللَّه تعالى. قال مقاتل: أولم يبيِّن لكفار مكة الذين قد ورثوا الأرض من بعد هلاك أهلها الماضين (٢). قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: لعذبناهم بذنوبهم كما عذبنا الأولين. قوله تعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: هذا ابتداءٌ، كذا قاله الزَّجَّاج والفرَّاء (٣)؛ أي: ونختم على قلوب هؤلاء ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ الوعظ؛ لعِلمنا بأنهم يختارون الإصرار على الكفر والاستكبار. وقيل: أي: لا يجيبون، كما في قوله: سمع اللَّه لمن حمده؛ أي: أجاب اللَّه مَن حمده. * * *

стр. 3140

(١٠١) - ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾: أي: قصَصنا عليك أخبارَها فيما كان منا إليهم من الإعذار، وما كان منهم من الإصرار. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: أي: المعجزات التي اقترحوها. قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: فما كان من صفتهم الإيمانُ بها، وكانوا كذَّبوا بمثلها من قبل ذلك، وكانوا إنما التمسوها عنادًا لا استرشادًا. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾: لمَّا علم منهم أنهم يختارون الثبات على الكفر. وقال الإمام القشيري ﵀: تلك القرى سلكوا طريقًا واحدًا في التمرُّد، واجتمعوا في خطةٍ واحدة في الجَحْد والتبلُّد، فلا إلى الإيمان جَنحوا ولا من العدوان رجعوا، وكذلك صفةُ مَن سبق بالشقاء قسمتُه، وحقَّ بالعذاب عليهم كلمتُه (١). * * * (١٠٢) - ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: من وفاءٍ فيما أُمروا به، وهو العهد الأول الَّذي أخذ عليهم يوم الميثاق (٢).

стр. 3141

وقال مقاتل: إن اللَّه أخذ ميثاق ذرية آدم على المعرفة فأقروا بذلك، فلما عقلوا نقضوا العهد فكفروا (١). وقال ابن مسعود: ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾؛ أي: إيمان، كما قال: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧] (٢). وقال الضَّحَّاك: هو عهد العقل والفهم. وقيل: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾: الأممِ المعذَّبين ﴿مِنْ﴾ أمانةٍ ووفاءٍ بـ ﴿عَهْدٍ﴾. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾: أي: ما وجدنا أكثرهم إلا متهتِّكين مجاهِرين بالمعاصي مع كفرهم وشركهم، كما قال في أهل الكتاب: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] وقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. وقال ابن عبَّاس ﵄: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لتاركين ما أمروا به من الحلال والحرام (٣). وقال الضَّحَّاك: لناقضين العهد (٤). وقال ابن مسعود ﵁: ﴿لَفَاسِقِينَ﴾؛ أي: لكافرين، وهو تصديقُ ظنِّ إبليس فيهم: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧].

стр. 3142

وقال الإمام القشيري: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ نَجَم في الغدر طارقُهم، وأفَلَ من سماء الوفاء شارقُهم، وعُدِم أكثرهم رعايةَ العهد، وحَقَّ من الحقِّ فيهم قسمةُ الردّ. قال: ويقال: شكا عن أكثرهم إلى أقلهم، فالأكثرون من ردَّتهم القسمة، والأقلون من قبلتهم الرحمة (١). * * * (١٠٣) - ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾: أي: أرسلنا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: بعد الأنبياء الذين (٢) مرت قصصُهم ﴿مُوسَى﴾ هو موسى بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇ قوله تعالى: ﴿بِآيَاتِنَا﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أولها العصا وآخرُها الطَّمس (٣)، وهو تسعٌ: العصا واليدُ البيضاء والسِّنون والطُّوفان والجرادُ والقمَّل والضفادعُ والدمُ والطَّمس. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾: هو الوليد بن مصعب بن ريان، وكنيتُه أبو مُرَّة. وقال أهل الكتابين: اسمه قابوس بالسُّريانية، وكان من القِبْط، وعُمِّر أكثر من أربع مئةِ سنة. وقال ابن عبَّاس ﵄: إن فرعون موسى ملَك مصر واستعبد بني

стр. 3143

إسرائيل أربعَ مئة سنة، وذلك بعد يوسف بن يعقوب، وبدء دخول بني إسرائيل مصر حين مَلَك يوسف مصر وضمَّ إليه أبويه وإخوتَه وأهلَ بيته، فمكثوا بمصر، فلمَّا قَبض اللَّه يوسف ﵇ وهلَك ذلك الملك الذي كان يوسفُ معه وهو ريان بن الوليد، توارثت الفراعنة من العماليق ملكَ مصر، فرعون بعد فرعون، وبشَّر اللَّه تعالى بني إسرائيل بمصر. وقال محمد بن إسحاق: ملك فرعونُ مصر وهو شابٌّ أخضرُ الشارب، ومكث أربع مئة سنة لا يُصْدَع له رأس ولا يصيبه همٌّ ولا يناوئه (١) عدوٌّ، سلطانُه فيهم ماضٍ وأمرُه جائز. قوله تعالى: ﴿وَمَلَئِهِ﴾: أي: الأشرافِ من قومه، وكان مبعوثًا إلى غير فرعون وملئه من أهل زمانهم، لكنهم كانوا أتباعًا لهم. قوله تعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ قال ابن عبَّاس ﵄: فجحدوا بالآيات (٢). وقيل: ظلموا أنفسَهم بجحدها. وقيل: جعلوا بدل (٣) الإيمان بها الكفرَ، فإن الظلم وضعُ الشيء في غير موضعه. وقيل: كفروا وأشركوا بها. قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ﴾: أي: بعين قلبك يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾؛ أي: كيف كان آخرُ أمر الذين أَفسدوا في الأرض ببثِّ الكفر فيها. قال الضَّحَّاك: كانت عاقبتُهم الغرقَ.

стр. 3144

وقال الإمام أبو منصور: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: سمَّوا الآيات سحرًا، فوضعوها غيرَ موضعها. ويحتمِل: ظلموا النعم بكفرانها وعبدوا غير اللَّه، فصرفوا الشكر إلى غير المنعم. ويحتمِل: ظلَم الملأُ الأتباعَ بمنعهم عن اتِّباع الرسل والتأمُّل في الآيات. ويحتمِل: ظلموا أنفسَهم بجحودها (١). ثم إنَّ قصة موسى أطولُ قصص الأنبياء في القرآن، وهي مكرَّرة في سور منها، وقد قالت عائشة ﵂: يا رسول اللَّه، إن اللَّه تعالى أكثرَ ذكرَ موسى في القرآن، فقال: "يا عائشة، مَن أحبَّ شيئًا أكثرَ ذكرَه" (٢) أشار إلى قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾. وفي هذه السورة فصولٌ من قصته، والبداية ها هنا بذكر مجيئه فرعونَ وأدائه الرسالة، ولم يُذكر ها هنا قصةُ ولادتِه وتربيتِه وغربتِه وتزوُّجِه بنتَ شعيبٍ وعودِه إلى مصر، وقد ذُكر ذلك كلُّه في غير هذا الموضع، فأخَّرنا نحن بيان قصصها إلى مواضعها، ونذكر ها هنا ما روي في قصة مجيئه فرعونَ لعنه اللَّه، ودعوتِه إلى الإسلام، وإظهارِ المعجزة، وما كان من معارضة السحرة إياه، وغلبتِه إياهم وإسلامهم. وقال الإمام القشيري ﵀ في الآية: لمَّا انقرضت أيامهم، وتقاصَرت عن بساط الإجابة أقدامهم، بَعَث موسى نبيَّه وضم إليه هارون صفيَّه، فقوبلا بالتكذيب، فسَلك بهم مسلكَ إخوانهم في التعذيب (٣).

стр. 3145

ذكر وهبٌ: أن موسى وهارون صلوات اللَّه عليهما لمَّا دخلا دار فرعون لعنه اللَّه ووقفا بين يديه، لقَّن اللَّه تعالى موسى دعوةً دعا بها فقال: لا إلهَ إلا اللَّهُ الحليمُ الكريم، وسبحان اللَّهِ ربِّ السماوات السبعِ وربِّ العرش العظيم، والحمدُ للَّه ربِّ العالمين، اللهمَّ إني أدرأُ بك في نحره، وأعوذ بك من شرِّه، وأستعينُ بك عليه، فاكفِنيه بما شئتَ، فتحوَّل ما في قلب موسى من الخوف أمنًا، وتحوَّل ما في قلب فرعون من الأمن خوفًا، فمَن دعا بهذا الدعاء وهو خائفٌ أمَّنه اللَّه تعالى ونفَّس كربته، وخفَّف عنه كُرَب الموت، فتأمَّلَهما فرعون ساعةً حتى عرف موسى ﵇، فقال له: مَن أنت؟ قال: أنا رسول ربِّ العالمين، قال: أسألك عن اسمك ونسبك؟ قال موسى صلوات اللَّه عليه: عبدُ اللَّه وابنُ عباده وابنُ إمائه، أذلُّ عباده وأفقرُهم إلى ربٍّ خلقني من تراب، ثم يعيدني فيه، ثم يُنشرني منه يومَ الحساب، وهذا النسبُ المعروف الذي إليه تصير يا فرعون، ومنه خُلقتَ وفيه تعود ومنه تُنشَر، وإليه يصير الأولون والآخِرون، وقال فرعون لعنه اللَّه: لَغيرُ هذا النسبِ وهذا الاسمِ أولى بك وألزمُ لك، أَوَلا تقول: عبدُ فرعون وابنُ عبيده وابن إمائه، الكافرُ لنعمه، الناسي لإحسانه، الغادرُ بسيده، اللصُّ القاطع القاتل؟ قال موسى ﵇: تبارك اللَّهُ ربُّ العالمين، هو أعزُّ وأجلُّ وأعظم من أن يكون معه إلهٌ، أو لعباده ربٌّ غيرُه، بل أنت يا فرعون أحقُّ بما تقول، وهذا أشبه بك، قال فرعون: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] وصرتَ بغَدْرتك أجيرًا ذليلًا خائفًا فقيرًا طريدًا؟ وأجابه موسى بما أجاب على ما نبيِّن في سورة الشعراء إن شاء اللَّه تعالى (١).

стр. 3146

(١٠٤) - ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: أي: مُرسَلٌ إليك من ربِّ (١) الخلائق. ولا يقال: إن هذا خرج مخرج التمدُّح وهو منهيٌّ عنه. لأنَّا نقول: هو بيانُ المنَّة من اللَّه تعالى عليه بإرساله، والتمدُّحُ يكون من المرء بأفعاله، لا بما ناله بكرم اللَّه ﷻ وأفضاله، ولأنه عرَّفه ذلك لأنَّ من عادة الملوك أنهم لا ينالون رسلَ غيرهم إليهم بمكروهٍ، فبدأ به لئلا يناله بمكروه. * * * (١٠٥) - ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قرأ نافع: ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ﴾ بتشديد الياء (٢)، ومعناه: واجبٌ عليَّ، من قولك: حقَّ الشيءُ يَحِقُّ حقًّا فهو حاقٌّ وحَقيقٌ؛ أي: وجَب. وقرأ الباقون: بالتخفيف، ومعناه: جديرٌ بأنْ لا أقول على اللَّه إلا الصدقَ. نعتٌ للرسول، و ﴿عَلَى﴾ بمعنى الباء؛ قاله الفرَّاء، يقال: جئتُ على حالةٍ حسنةٍ وبحالةٍ حسنة، ورميتُ على قوسٍ وبقوسٍ (٣)؛ أي: أنا خليقٌ بأنْ لا أكذبَ على اللَّه تعالى؛ لمكاني من كرامته ورسالته، وعلمي بأنه ربِّي وربُّ العالمين.

стр. 3147

وقالوا: بين الآيتين مضمر؛ أي: أنه لمَّا قال: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كذَّبه فرعون، فقال: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: بما يبيِّن وحدانية اللَّه وألوهيتَه، ويحتمِلُ بيِّنة الرسالة؛ أي: ما يبيِّن أني رسولٌ من ربِّ العالمين غيرُ كاذبٍ عليه (١). وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: أطلِقْهم ودَعِ استعبادهم وخلِّهم معي لأخرجَ بهم إلى أرض الشام التي وعدَها اللَّه لهم، وقال مقاتل: إلى فلسطين (٢). * * * (١٠٦) - ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: قال فرعون: إن كنت صادقًا في قولك: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فهات بيِّنتَك. قال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآية على أن اللَّعين عرَف عبوديةَ نفسه وأنه ليس بإلهٍ، حيث طلب منه الآيةَ على صدق ما ادَّعى من الرسالة، ولو كان عنده أنه إلهٌ لقال: متى أرسلتُك؟ ولم يَطلب منه الآية (٣). * * * (١٠٧) - ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾: (إذا) كلمةُ مفاجأةٍ، وقيل: معناه: ظهَر.

стр. 3148

وقال أبو عَوْسجةَ: الثعبان: الحية (١). وقال ابن عبَّاس ﵄: الحيةُ الذَّكرُ (٢). وقال الفرَّاء: أعظمُ الحيات (٣). وقيل: الحية الضَّخم العظيم، مأخوذٌ من ثَعَب الماءَ: إذا فجَره، والمثعَبُ: موضعُ انفجارِ الماء، سُمي به لأنه يجري كعينِ الماء عند الانفجار. وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: يبين (٤) أنه حيةٌ لا لبسَ فيه. قال ابن عبَّاس ﵄: فأوقع موسى العصا وكان جبريل دفعها إليه حين توجَّه إلى مدين (٥). وقالوا: كانت من الجنة حملها آدم منها إلى الدنيا، وهي من الآس. فإذا (٦) العصا حيةٌ أصفرُ أشعرُ ذكرٌ أعظمُ الحيَّات، فملأت دار فرعون، فإذا فتحت فاها صار شدقُها ثمانين ذراعًا، ثم شدَّت على فرعون لتبتلعه، فوثب فرعون عن سريره فهرب منها، وهرب الناس فصاحوا، واستغاث فرعون بموسى ﵇، فأخذها موسى فإذا هي عصًا كما كانت. وقال وَهْبٌ: صار أعظمَ ثعبانٍ نظر إليه الناظرون، أسودَ مدلهمًّا يَدبُّ على

стр. 3149

قوائم غلاظٍ قصارٍ شدادٍ في (١) مثلِ بدن البُختيِّ العظيم، إلا أنه أطولُ منه بدنًا وعنقًا ومشفرًا، وإن له ذنَبًا طويلًا غليظًا يقوم عليه فيُشرف على حيطان المدينة برأسه وعنقه، ثم يقع (٢) على الأرض فلا يأتي على شيء إلا حطَمه، وخدَش بقوائمه الصخرَ والرخام والحيطان والبيوت، حتى يرمي بعضها على بعضٍ، يتنفَّس في البيوت والخزائن فيشتعلُ كلُّ شيء منها نارًا، وله عينان تتوقَّدان نارًا، ومنخران يخرج منهما الدخان، وقد صار له المحجَن عُرفًا على ظهره، وشعورًا سودًا غلاظًا مثل الرماح الطِّوال لا يصيب منها شيئًا (٣) إلا قطعه، وقد جعلت الشعبتان له فمًا مثل القَليب الواسع (٤) يخرج منه رياح السَّموم لا يصيب أحدًا منه نفخةٌ (٥) إلا صار أسودَ مثل الليل المظلم، في فيه أضراسٌ وأنياب، في أعلى شدقه اثنان وسبعون ضرسًا، وفي أسفله مثلُ ذلك، له صريرٌ يصمُّ مَن سمعه، ما يسمع (٦) الرجل كلام جليسه إذا ضرب أضراسَه بعضَها على بعضٍ، وإنه ليَهدر مثلَ البعير يتزبَّد شدقاه زبَدًا أبيض، يتطاير لعابه فلا يقع منه قطرةٌ على أحدٍ إلا اشتعل برصًا، فأدخل الثعبان أحدَ شدقيه تحت سرير فرعون والآخر فوقه وفرعونُ -لعنه اللَّه- على سريره، فسَلَح في

стр. 3150

ثيابه، فلما عاين الناس ذلك من أمر الثعبان وكان قد اجتمع أهل المدينة بأسرهم - انهزموا وولوا ذاهبين، وتزاحموا في الأبواب، وتضاغطوا ووطئ بعضهم بعضًا، فمات يومئذ خمسةٌ وعشرون ألفًا، فقام فرعون اللعين فوقع عن سريره (١)، وكان اللَّه تعالى قد أملى له حتى كان يمكثُ أربعين يومًا لا يخرج من بطنه شيءٌ، ولا يُحدِث إلا في كلِّ أربعين يومًا مرة، فلما كان يومئذٍ أحدَثَ في ثيابه حتى علِم به جلساؤه، وكان (٢) يأكل ويشرب جاهدًا، ولا يبصق ولا يتمخَّط لا يتنخع (٣) ولا تَذرِف عيناه، ولا يمرض ولا يصدع ولا يسقم ولا يهرم ولا يفتقر، شاب السن (٤)، فكان (٥) على هذا أربعَ مئة سنةٍ، فلما كان يومئذٍ أحدث وبصق وامتخَط وأخذه المرض والصُّداع واختلف بطنه أربعين مرةً، فلم يزل بعد ذلك يختلف حتى مات عليه (٦).

стр. 3151

وقال الحسن ﵀: ولمَّا عاين ذلك قال: يا موسى، ارجع يومَك هذا وكفَّ ثعبانك هذا، قاله سرًا دون أصحابه، وقال لأصحابه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩]، وقال له: يا موسى، ألَا رَفَقْتَ بالأمر قتلتَ خمسة وعشرين ألفًا بهذا أمرك ربُّك الذي بعثك؟ قال: يا فرعون، أنت فعلتَ هذا، يا فرعون أسألُك واحدة وأعطيك أربعًا، قال: وما الَّذي تسألني؟ قال: أسألك أن تعبد اللَّه وحده ولا تشرك به شيئًا، وأعطيك الشبابَ لا تهرم، والملكَ لا ينازعك فيه أحد، والصحةَ لا تَسقم، والجنة خالدًا، فخضع له فرعون وقال: حتى أستأمر آسيَةَ بنتَ مزاحمٍ، فدخل عليها فقال لها: يا آسية، ألَا تَرَيْن إلى موسى إلى ما يَدْعوني وما يعطيني؟ قالت: وما هو؟ قال: يدعوني إلى أن أعبد اللَّه ولا أشرك به شيئًا وأنَّ لي الشبابَ لا أهرمُ، والملكَ لا ينازعُني فيه أحد، والصحة لا أسقمُ، والجنةَ خالدًا، قالت: يا فرعون، وهل رأيتَ أحدًا يصيب هذا فيَدعَه؟ قال: فخرج فدعا هامان -قال الحسن ﵀: وكان لا يُعرف له نسب- فذكر له ذلك واستشاره، فقال له هامان: أتَعبد بعد إذ كنت تُعبد؟! فبدا له وذكر أمرَ الشيب، فقال: أنا أردُّك شابًّا، فخضَبه بالسواد، وهو أول مَن خضب بالسواد فدخل على آسية، وقال: يا آسية، ألَا تَرَيني صرت شابًا؟ قالت: مَن فعل هذا بك؟ قال: هامان، قالت: ذاك إن لم يَنْصَلُ (١).

стр. 3152

(١٠٨) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ لمَّا أراه (١) آيةَ العصا قال: هل من آيةٍ غيرِها؟ فنزع يده؛ أي: أخرجها من جيبه فإذا هي منيرةٌ لها شعاعٌ كشعاع الشمس تَكلُّ منها الأبصار، يسطع نورها في السماء، قد أضاء ما حولها ودخل نُورها البيوتَ، وأضاءت منها المدينة، ورؤي من وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردَّها موسى ﵇ في كمِّه، ثم أخرجها فإذا هي على لونها الأول. وقال في آية أخرى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] قال أهل التفسير: من غير بَرَص. وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه عندنا: من غير أن تُستقبَح وتُستقذَر؛ لأن خروج الشيء عن خِلقته وجوهره مما يُستقبح ويُستقذر، فأخبر أنه لم يكن كذلك. وقال: فإن قيل لنا: ما الحكمةُ في إلقاء العصا ونزعِ يده من جيبه وتغييرِهما بعد ذلك، ولم يغيِّرهما اللَّه تعالى وهما بحالهما؟ قيل واللَّه أعلم: أراهم ذلك بعد إخراجه من سلطانه وتدبيره، ليُعلَم أنهما صارتا كذلك بصُنع اللَّه لا بفِعله، فإنها صارت حيةً بعد ما أخرجها من يده، وصارت يدُه بيضاء بعد ما غيَّبها عن بصره؛ ليُعلم أنهما صارتا كذلك باللَّه لا به (٢). * * * (١٠٩ - ١١٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.

стр. 3153

وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: أي: قال الأشراف من قوم فرعون الذين كانوا حضورًا: إن موسى هذا لساحرٌ حاذقٌ في سحره، وإنما قصدُه إخراجُكم من أرضكم، وأنْ يَغلبكم على بلادكم بقومه من بني إسرائيل إذا نَفذت هذه الحيلة، فماذا تأمرون أيها الوزراء؟ وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل أن يكون المراد به: ولو اتَّبعتم موسى وأَجَبْتُموه إلى ما يدعوكم إليه لأَخرجتُكم من أرضكم، فأضاف ذلك إلى موسى ﵇ بطريق التسبيب (١). قالوا: إن الملأ المذكور في أول الآية جماعةٌ دون الوزراء، وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ خطابٌ منهم لأصحاب الآراء من المقرَّبين والوزراء، وذكر في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥] فأخبر عن فرعون أنه قال ذلك للملأ، فقيل: إن من المحتمل أن يكون فرعون قال ذلك أولًا، ثم الملأُ قالوا له ذلك، فأخبر اللَّه تعالى عنهم جميعًا. وقيل: قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ خطاب من الملأ لفرعون بصيغة الجمع تعظيمًا له، وكذا خطاب الملوك. وقال الكلبي وأبو عبيدةَ والفراء: هذا الخطاب من فرعون للملأ، يقول: ماذا تشيرون عليَّ في أمره، وهذا على نظم سورة الشعراء ظاهر، وعلى نظم هذه السورة فيه إضمار: قال لهم فرعون (٢). وقال أهل التحقيق: تحيَّر هذا الملعون عند غلبة سلطان المعجزة فنسي دعوى

стр. 3154

الإلهية ومرتبةَ كونه آمرًا وناهيًا لهم، فخاطبهم خطاب الأذلَّاء المقهورين المكلَّفين المأمورين: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. * * * (١١١ - ١١٢) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (١) قرأ نافع -غيرَ قالون (٢) - وحمزة وعاصم في أكثر الروايات (٣)، والكسائي وعباس عن أبي عمرو (٤) بغير همز إلا أن حمزة يسكن الهاء وهم يكسرونها. وقرأ الباقون: ﴿أرجئه﴾ بهمزٍ (٥)، وهما لغتان: أرجَيْتُ الأمر وأرجأته؛ أي: أخَّرته. وقيل في تفسيره: احْبِسه، يعني: موسى ﴿وَأَخَاهُ﴾ يعني: هارون، وكان معه، فقد ذكرهما في موضعٍ آخر فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، و: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧].

стр. 3155

ودلت هذه الآيةُ على (١) أن قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من فرعون للملأ، فقد ذكر في هذه الآية جوابهم له قالوا: احْبِسه وأخِّرْ أمرهما حتى ننظرَ في أمرهما، فلا تقتلهما ولا تؤمِن بهما. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿أرجئه﴾؛ أي: أخِّره، هذا يدلُّ على تقدُّم شيء، فكأنه همَّ بقتله فقالوا: أخِّر قتله واحبِسه ولا تقتله؛ ليتبيَّن سحره عند الخلق جميعًا، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦] (٢). وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: ﴿أرجئه﴾: أخِّره (٣)، وهو الأصح؛ لأنَّه لا (٤) يَثبت أنه حبَسهما، ويدل عليه قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ﴾ [طه: ٥٨]. وقال القشيريُّ ﵀: توهَّم البائس أنهم بالتأخير، وتقديمِ التدبير، وبذلِ الجِدِّ والتشمير، يغيِّرون شيئًا من التقدير، ولم يعلموا أن القضاء غالب والحكمَ سابق، وعند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم، كلا بل هو اللَّه الواحد القهَّار (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ وفي قراءة حمزة والكسائيِّ: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ (٦). والمدائن: جمع مدينة، والحاشر: الجامع.
следующие страницы →