وقال الحسن ﵀: ولمَّا عاين ذلك قال: يا موسى، ارجع يومَك هذا وكفَّ ثعبانك هذا، قاله سرًا دون أصحابه، وقال لأصحابه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩]، وقال له: يا موسى، ألَا رَفَقْتَ بالأمر قتلتَ خمسة وعشرين ألفًا بهذا أمرك ربُّك الذي بعثك؟ قال: يا فرعون، أنت فعلتَ هذا، يا فرعون أسألُك واحدة وأعطيك أربعًا، قال: وما الَّذي تسألني؟ قال: أسألك أن تعبد اللَّه وحده ولا تشرك به شيئًا، وأعطيك الشبابَ لا تهرم، والملكَ لا ينازعك فيه أحد، والصحةَ لا تَسقم، والجنة خالدًا، فخضع له فرعون وقال: حتى أستأمر آسيَةَ بنتَ مزاحمٍ، فدخل عليها فقال لها: يا آسية، ألَا تَرَيْن إلى موسى إلى ما يَدْعوني وما يعطيني؟ قالت: وما هو؟ قال: يدعوني إلى أن أعبد اللَّه ولا أشرك به شيئًا وأنَّ لي الشبابَ لا أهرمُ، والملكَ لا ينازعُني فيه أحد، والصحة لا أسقمُ، والجنةَ خالدًا، قالت: يا فرعون، وهل رأيتَ أحدًا يصيب هذا فيَدعَه؟ قال: فخرج فدعا هامان -قال الحسن ﵀: وكان لا يُعرف له نسب- فذكر له ذلك واستشاره، فقال له هامان: أتَعبد بعد إذ كنت تُعبد؟! فبدا له وذكر أمرَ الشيب، فقال: أنا أردُّك شابًّا، فخضَبه بالسواد، وهو أول مَن خضب بالسواد فدخل على آسية، وقال: يا آسية، ألَا تَرَيني صرت شابًا؟ قالت: مَن فعل هذا بك؟ قال: هامان، قالت: ذاك إن لم يَنْصَلُ (١).
стр. 3152
(١٠٨) - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ لمَّا أراه (١) آيةَ العصا قال: هل من آيةٍ غيرِها؟ فنزع يده؛ أي: أخرجها من جيبه فإذا هي منيرةٌ لها شعاعٌ كشعاع الشمس تَكلُّ منها الأبصار، يسطع نورها في السماء، قد أضاء ما حولها ودخل نُورها البيوتَ، وأضاءت منها المدينة، ورؤي من وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردَّها موسى ﵇ في كمِّه، ثم أخرجها فإذا هي على لونها الأول.
وقال في آية أخرى: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] قال أهل التفسير: من غير بَرَص.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: معناه عندنا: من غير أن تُستقبَح وتُستقذَر؛ لأن خروج الشيء عن خِلقته وجوهره مما يُستقبح ويُستقذر، فأخبر أنه لم يكن كذلك.
وقال: فإن قيل لنا: ما الحكمةُ في إلقاء العصا ونزعِ يده من جيبه وتغييرِهما بعد ذلك، ولم يغيِّرهما اللَّه تعالى وهما بحالهما؟
قيل واللَّه أعلم: أراهم ذلك بعد إخراجه من سلطانه وتدبيره، ليُعلَم أنهما صارتا كذلك بصُنع اللَّه لا بفِعله، فإنها صارت حيةً بعد ما أخرجها من يده، وصارت يدُه بيضاء بعد ما غيَّبها عن بصره؛ ليُعلم أنهما صارتا كذلك باللَّه لا به (٢).
* * *
(١٠٩ - ١١٠) - ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
стр. 3153
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: أي: قال الأشراف من قوم فرعون الذين كانوا حضورًا: إن موسى هذا لساحرٌ حاذقٌ في سحره، وإنما قصدُه إخراجُكم من أرضكم، وأنْ يَغلبكم على بلادكم بقومه من بني إسرائيل إذا نَفذت هذه الحيلة، فماذا تأمرون أيها الوزراء؟
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل أن يكون المراد به: ولو اتَّبعتم موسى وأَجَبْتُموه إلى ما يدعوكم إليه لأَخرجتُكم من أرضكم، فأضاف ذلك إلى موسى ﵇ بطريق التسبيب (١).
قالوا: إن الملأ المذكور في أول الآية جماعةٌ دون الوزراء، وقوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ خطابٌ منهم لأصحاب الآراء من المقرَّبين والوزراء، وذكر في سورة الشعراء: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥] فأخبر عن فرعون أنه قال ذلك للملأ، فقيل: إن من المحتمل أن يكون فرعون قال ذلك أولًا، ثم الملأُ قالوا له ذلك، فأخبر اللَّه تعالى عنهم جميعًا.
وقيل: قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ خطاب من الملأ لفرعون بصيغة الجمع تعظيمًا له، وكذا خطاب الملوك.
وقال الكلبي وأبو عبيدةَ والفراء: هذا الخطاب من فرعون للملأ، يقول: ماذا تشيرون عليَّ في أمره، وهذا على نظم سورة الشعراء ظاهر، وعلى نظم هذه السورة فيه إضمار: قال لهم فرعون (٢).
وقال أهل التحقيق: تحيَّر هذا الملعون عند غلبة سلطان المعجزة فنسي دعوى
стр. 3154
الإلهية ومرتبةَ كونه آمرًا وناهيًا لهم، فخاطبهم خطاب الأذلَّاء المقهورين المكلَّفين المأمورين: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾.
* * *
(١١١ - ١١٢) - ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (١) قرأ نافع -غيرَ قالون (٢) - وحمزة وعاصم في أكثر الروايات (٣)، والكسائي وعباس عن أبي عمرو (٤) بغير همز إلا أن حمزة يسكن الهاء وهم يكسرونها.
وقرأ الباقون: ﴿أرجئه﴾ بهمزٍ (٥)، وهما لغتان: أرجَيْتُ الأمر وأرجأته؛ أي: أخَّرته.
وقيل في تفسيره: احْبِسه، يعني: موسى ﴿وَأَخَاهُ﴾ يعني: هارون، وكان معه، فقد ذكرهما في موضعٍ آخر فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، و: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧].
стр. 3155
ودلت هذه الآيةُ على (١) أن قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ من فرعون للملأ، فقد ذكر في هذه الآية جوابهم له قالوا: احْبِسه وأخِّرْ أمرهما حتى ننظرَ في أمرهما، فلا تقتلهما ولا تؤمِن بهما.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿أرجئه﴾؛ أي: أخِّره، هذا يدلُّ على تقدُّم شيء، فكأنه همَّ بقتله فقالوا: أخِّر قتله واحبِسه ولا تقتله؛ ليتبيَّن سحره عند الخلق جميعًا، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦] (٢).
وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: ﴿أرجئه﴾: أخِّره (٣)، وهو الأصح؛ لأنَّه لا (٤) يَثبت أنه حبَسهما، ويدل عليه قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ﴾ [طه: ٥٨].
وقال القشيريُّ ﵀: توهَّم البائس أنهم بالتأخير، وتقديمِ التدبير، وبذلِ الجِدِّ والتشمير، يغيِّرون شيئًا من التقدير، ولم يعلموا أن القضاء غالب والحكمَ سابق، وعند حلول الحكم لا سلطان للعلم والفهم، كلا بل هو اللَّه الواحد القهَّار (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ وفي قراءة حمزة والكسائيِّ: ﴿بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾ (٦).
والمدائن: جمع مدينة، والحاشر: الجامع.
стр. 3156
قال ابن عبَّاس ﵄: يعني: وابعث الشُرَط ليجمعوا السحرةَ من المدائن (١)، وكان له مدائن فيها السحرةُ (٢) عُدَّةً للأشياء إذا حزبه أمر.
فقال فرعون لموسى: اجعل بيننا وبينك موعدًا لا نخلفُه، فتجتمعَ أنت وهارونُ وتجتمعَ السحرة، فقال موسى: موعدكم يوم الزينة، ووافق ذلك يوم السبت في أول يومٍ من السَّنة وهو يومُ النيروز، فخرج موسى وهارون من عنده، وأرسل فرعونُ حاشرين إلى كلِّ مدينة في سلطانه، فاجتمع السحرة لميقاتِ يومٍ معلوم، فاجتمع خمسة عشر ألفَ ساحر، وقيل: كانوا اثني عشر ألفًا.
وقال الحسن ﵀: كانوا خمسةً وعشرين ألفًا (٣)، وليس معهم ساحرٌ إلا وهو يُحسِن من السحر ما لا يُحسِن صاحبه، وكان كبراؤهم ألفَ ساحر، وهم الذين عملوا بالعصيِّ والحبال.
والساحر: الفاعل للسحر، والسحَّار: الدوَّام (٤) على ذلك.
وقيل: الساحر: العالم به، والسحَّار: العالم (٥) المعلِّم.
* * *
(١١٣) - ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾.
стр. 3157
وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ وها هنا مضمَرٌ: فأرسلَ الحاشرين فجمَعوهم وجاء السحرة فرعون.
قال الكلبيُّ ﵀: فأتَوه وكانوا سبعين (١) ساحرًا غيرَ رئيسهم، وكان يعلِّمهم رجلان مجوسيان من أهل نينوى (٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ (٣) قرأ ابن كثيرٍ ونافع وعاصم في رواية حفصٍ: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ من غير ألفِ استفهامٍ، وهو مرادٌ في المعنى، وقرأ الباقون: مع ألف الاستفهام (٤).
وقال الكلبي: معناه: إن (٥) لنا لَمالًا تعطينا إن غلبْنا موسى.
* * *
(١١٤) - ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾: أي: في المجالس عندي، أجابهم إلى ما الْتمسوا وزادهم في الميعاد، وقال: أنتم مقرَّبون عندي في المنزلة، فتكونون أولَ مَن يدخل وآخِرَ مَن يخرج.
وقال بعض المفسرين: وعدهم أن يأذَنَ لهم في كلِّ أربعين يومًا مرة واحدة أن يدخلوا عليه.
стр. 3158
وقيل: أي: حوائجُكم عندي مقضيَّةٌ، وشفاعاتُكم لغيركم مقبولة، ومراتبُكم في الدخول والخروج مرفوعة.
وقيل: هو رأس كلِّ كرامة، فإنَّ مَن قرِّب من الملِك وصل إلى كلِّ شيء.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان السحر هو الظاهرَ الغالب في ذلك الزمان، فجاء موسى من الآيات على رسالته بنوعِ ما كانوا يعملون به وجنسه؛ ليَعرفوا بخروجه عن وسعهم أن ذلك ليس بسحرٍ ولكنه آيةٌ سماوية، وكذلك ما جاء به عيسى ﵇ من الآيات كان ذلك في أيام الحكماء (١)، وكذلك نبيُّنا محمد ﵊ جاء بالقرآن الذي أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته، وكان زمانَ بلاغة وفصاحة (٢).
وقال وهبٌ: اجتمع السحرة وهم سبعون ألفًا، ثم ميَّزهم حتى اختار منهم سبعةَ آلاف، ثم ميَّزهم حتى اختار منهم سبعَ مئة، ثم ميَّزهم حتى اختار منهم سبعين ساحرًا من كبرائهم، فجاؤوا بالعصيِّ والحبال فعملوا بها بين يدي فرعون قبل أن يلتقُوا هم وموسى، فلما رآها فرعون تحوَّلت كأنها حياتٌ وأفاعٍ استبشر وطمع في أن يظفر بموسى (٣).
وقال الضحاك: وخرج موسى وهارون وبيد موسى عصًا وعليه عباءةٌ، حتى انتهوا
стр. 3159
إلى الصفوف وهم خمسةَ عشرَ صفًا، وخرج (١) فرعون في عظماء قومه، فجلس في مجلسٍ له على سريرٍ له عليه خيمةُ الديباج ميل في ميلٍ، ومعه هامان وزيرُه وقارون بين يديه، واجتمع الناس في صعيدٍ واحد يقول بعضُهم لبعض: ننظر مَن الغالب فنكون معه، وقال موسى ﵇ للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية [طه: ٦١] ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢]؛ أي: قال بعضهم لبعض سرًّا: ما هذا بقولِ ساحرٍ لكن (٢) هذا كلامُ الرب الأعلى، ثم نظروا إلى فرعون وسلطانه وبهائه ونظروا إلى موسى وعصاه (٣) وكسائه، فنُكسوا على رؤوسهم وقالوا: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ الآية [طه: ٦٣] (٤).
* * *
(١١٥) - ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾: (إمَّا) للتخيير، وتقديره: إمَّا أن تلقيَ أنت أولًا وإمَّا أن نُلقي نحن أولًا، دليلُه ما قال في سورة طه: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه: ٦٥].
قيل: أظهَروا الاقتدار وقالوا: إن بدأت أنت أو بدأنا فلا خوف علينا ولا حِذارَ.
وقيل: بل احترموا، وببركة ذلك أسلموا.
* * *
стр. 3160
(١١٦) - ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا﴾: أي: فسترون ما يحلُّ بكم من الخِزْي، ولم يكن هذا أمرًا بتنفيذ السحر ورضًا به، ولكنه تهديد.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾: أي: قلبوا أعين الناس عن صحة الإدراك.
وقيل: حيَّروا الأعين.
﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أي: حملوهم على الرهبة وهي الخوف، وسين الاستفعال للطلب والسؤال، وذلك لمَّا رأوها تسعى؛ قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦].
قال الحسن: ألقى كلُّ رجل منهم ما كان في يده من حبلٍ أو عصًا، وكانوا أخرجوا ثلاثَ مئة وستين وسقًا من الحبال والعصي، فلما ألقوا قالوا: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]؛ أي: القاهرون (١).
وروي أنها كانت عصيًّا جُوفًا فيها الزئبقُ، فلما أصابها حرُّ الشمس تحركت وخيِّل إلى موسى أنها تسعى إليه، وخاف مَن حضر أن بعضها يسعى إليهم فرَهِبوا فهَرَبوا (٢) إذ كان سحرًا عظيمًا؛ أي: هائلًا كثيرَ العدد والملقين.
وقال الحسن ﵀: ملؤوا الدنيا في أعينهم حياتٍ، وكان أولُ مَن خطفوا بسحرهم بصرَ موسى وهارون، ثم فرعون والناس، وامتلأ الوادي
стр. 3161
منها، فركب (١) بعضُها بعضًا، وهرب الناس عنهم وانكشفوا، ﴿فَأَوْجَسَ﴾ موسى ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ (٢).
قيل: هو خوفُ طبعٍ.
وقيل: ظنَّ أن عصيَّهم صارت حياتٍ حقيقةً كعصاه.
وقيل: وهو قول الإمام أبي منصور ﵀: خاف أن سحرهم يمنع أولئك عن رؤية حقيقة ما جاء به (٣).
فأوحى اللَّه تعالى إليه: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]، وجاء جبريل صلوات اللَّه عليه حتى وقف عن يمينه وقال له: ألق عصاك، وذلك قوله تعالى:
* * *
(١١٧) - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾: وأضمر ها هنا: فألقاها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾: قرأ عاصم في رواية حفص بالتخفيف، ومعناه: تبتلع، من حدِّ عَلِمَ.
وقرأ الباقون: ﴿تَلَقَّفُ﴾ بالتشديد (٤)، وأصله: تتلقَّف، وهي للتكلُّف والتكرُّر، وأُسقطت إحداهما تخفيفًا.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ تقديره: ما يأفكون به، أو: فيه. أي: يكذبون فيقولون: هي حياتٌ حقيقةً، أو: هي غالبةٌ معجزةَ موسى.
وقيل: ﴿يَأْفِكُونَ﴾؛ أي: يصرفونه عن حقيقته بالتخييل، من قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي: يُصرفون.
стр. 3162
وقال ابن عبَّاس ﵄: ألقَى عصاه فصارت ثعبانًا رأسُه في السماء وأحدُ شدقيه (١) بالأرض، ثم ابتلع ما كان من سحرهم حتى ما ترك في الوادي من سحرهم شيئًا، وانكشف الناس وولَّوا هاربين والثعبانُ على إثرهم، فمات بعضهم على بعضٍ بقَدْر سبعين ألفًا.
وقال عبد اللَّه بن زياد بن سَمْعانَ: حدَّثني رجال من أهل العلم: أن فرعون لعنه اللَّه كان في خيمته، إذ أقبل الثعبان في آثار الحيات حتى اقتحم على فرعون في خيمته، فقام فرعون عن سريره ونزل بالأرض، وكان أعرجَ لم يُعرف إلا يومَه ذلك، فمشى يومئذ سبعَ خطوات فعرفوا أنه أعرج.
وقال وهب: فلمَّا وقعت العصا بالأرض انكشف غطاءُ سحرهم عن أعين الناس، فنظروا إلى ما ألقت السحرة عيدانًا وحبالًا، وأكبَّ ثعبان (٢) موسى يمضغُ حبالهم ويَقضَمُ عيدانهم حتى الْتَقَفَ ما يأفكون سبعَ مئة عودٍ وسبعَ مئة حبلٍ، ولم يكونوا يُلقون حبالهم وعصيَّهم بمرةٍ واحدة، ولكنهم يلقون كلَّ مرةٍ عشرةَ أعوادٍ وعشرةَ أحبُلٍ، فكلما وقع على الأرض منه شيء التقمه حيةُ موسى والناس يزدادون عبرًا.
* * *
(١١٨) - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾: قال الحسن ومجاهد: أي: ظهر (٣)، وقيل: أي: ثبتت الحجة، وقيل: أي: جاء الحق.
стр. 3163
وقوله تعالى: ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: تلاشَى ما عملوه من العصيِّ والحبال، وقيل: أي: بطل عملُهم.
* * *
(١١٩) - ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ﴾: أي: غُلب السحرة في ذلك الموضع ﴿وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾؛ أي: رجعوا أذلَّاء مقهورين.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: فرعون وملؤه وأتباعه، لا السحرة فإنهم آمنوا وعزُّوا بالإيمان (١).
* * *
(١٢٠) - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾: أي: ألقاهم ما رأوا من الآية العظيمة ساجدين؛ أي: دعاهم إلى السجود للَّه تعالى والخضوعِ له.
وقيل: أي: لم يتمالكوا أنْ وقعوا ساجدين فكأن مُلْقيًا ألقاهم، وقريبٌ منه قول بعضهم: أسرعوا ساجدين فكأنهم أُلقوا.
وقيل: هو تنبيهٌ على أن اللَّه تعالى هو خالقُ أفعال العباد، وأن اللَّه تعالى هو الذي خلق فيهم ذلك، فقوله: ﴿سَاجِدِينَ﴾ إثباتُ فعلهم، وقوله: ﴿وَأُلْقِيَ﴾ إثباتُ خلق اللَّه تعالى فعلَهم ذلك.
وقال ابن عبَّاس ﵄: قالت السحرة بعضُهم لبعض: لو كان هذا سحرًا لثبتت حبالُنا وعصيُّنا، وهذا أمرٌ من اللَّه تعالى فخرُّوا ساجدين للَّه تعالى (٢).
стр. 3164
(١٢١ - ١٢٢) - ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تبرَّؤوا من كفرهم وآمَنوا بربّهم، ولمَّا سمعوا من موسى وهارون حين أتيا (١) فرعون ما قالا: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حفظوا هذا الاسم فنفعهم يوم إلقاء العصا فتكلَّموا به، وكذا ينبغي لمن سمع علمًا أن يحفظه وإن كان لا يعمل به للحال لأنه ينفعه في المآل.
ولمَّا قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال فرعون: أنا رب العالمين، فقالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ فبُهت فرعون لردهم عليه.
وقيل: معنى قوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾؛ أي: أَرسل موسى وهارون إلينا، وهو إيمانٌ منهم بهما وتصديقٌ لهما.
وقال (٢): مَن شرَع في شيء حقٍّ أو باطلٍ فليُتْقِنه فإنه يردُّه إلى الحق يومًا، ألا ترى أن السحرة تعلَّموا السحر وهو ضارٌ، ولمَّا أتقنوه وتناهَوا فيه وقفوا به على أن ما ظهر على يدي موسى ليس من جنسِ ما يَدخل في حيلةِ المخلوقين، وأنه مِن عندِ ربِّ العالمين، فاهتدوا إلى الإيمان ونجَوا من الخسران.
* * *
(١٢٣) - ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾: أي: بغيرِ أمري وإذني.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ قال مقاتل: إن
стр. 3165
موسى ﵇ قال للساحر الأكبر: تؤمن بي إنْ غلبتُك؟ فقال: لآتينَّ بسحرٍ لا يغلبه سحرٌ، ولئن غلبتَني لأومِنَنَّ بك، وفرعونُ ينظر [إليهما ولا يفهمُ ما يقولان] فلما آمنوا، قال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [طه: ٧١]، و ﴿هَذَا﴾ منكم ﴿لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾؛ أي: تواطأتُم عليه لتَدخلوا في دينه، وتجتمعوا على إخراج بني إسرائيل من المدينة ليكونوا عبيدًا لكم وخدمًا وتبعًا (١).
وقال القشيريُّ ﵀: خاطبهم معتقِدًا أنهم هم الذين كانوا (٢)، ولم يعلم أن تلك الأسرار قد حرِّرت عن رِق الأشكال، وأن قلوبهم قد طهُرت عن توهُّم التَّفرقة، وأن شمسَ العرفان قد طلَعت في سماء أسرارهم، فشاهدوا الحقَّ بنظرٍ صحيح [و] لم يبق لتخويفات (٣) النفس فيهم سلطان، ولا لشيءٍ من العلل فيهم جولان، واللَّه المستعان (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: هذا وعيد، وهو أبلغ تهديد.
قال مقاتل: كان رأسُ السحرة شمعون (٥)، وقال ابن جريج: بَرْحنَّة (٦).
* * *
(١٢٤) - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
стр. 3166
وقوله تعالى: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ التقطيع: تكثير القَطْع بكثرة المحالِّ، والخلاف: أن يكون في اليد اليمنى والرجل اليسرى.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾: هو تكثيرُ الصَّلْب، وهو للتشهير. وقال في سورة طه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: على جذوعها.
* * *
(١٢٥) - ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾: أي: إلى جزائه، استسلَموا لذلك، وطيَّبوا أنفسهم، وقالوا: إذا كان المصير إلى اللَّه طاب المسيرُ إلى اللَّه تعالى.
وقيل: أي: إذا كان المصير إلى اللَّه فهو أحقُّ أن يُتَّقَى عذابُه منك بما تهدِّدنا به.
* * *
(١٢٦) - ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾: أي: ما تَعيب منَّا ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ وهذا مما لا يُعاب، بل ثبت له الإيجاب، ولا يجوز لنا عنه الانقلاب، فلا سبيل إلى إرضائك فقد استسلمنا (١).
ثم دعَوا ربهم أن يصبِّرهم على ما ينالهم من فرعون، وذلك قوله تعالى:
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾: أي: صبَّه علينا؛ أي: وفِّره لنا.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾: أي: على دينِ موسى وهارون.
стр. 3167
وقال الإمام القشيري ﵀: لمَّا عملوا للَّه، وأُوذوا في اللَّه، صرَفوا القصدَ إلى اللَّه، وطلبوا المعونةَ من عند اللَّه، كذا السنَّة فيمَن كان كلُّه للَّه تعالى أن يكون كلُّه على اللَّه (١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ هو تمويهٌ وتلبيسٌ منه على قومه لئلا يؤمنوا، كما قال في الابتداء: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩].
وقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ هدَّدهم أولًا بأشدِّ العقوبات ثم قال هذا، وهو جهل منه لأنه أيسرُ من قطعهما من جانبٍ؛ لأن ذاك متلِفٌ وذا ليس بمتلفٍ، ولذا شُرع هذا في الحدود، وذاك يعجز عن الصعود، وهذا يقدر على الصعود (٢).
وقوله: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ إقرارٌ منهم بالبعث، وهو ثقةٌ بالوعد، وهو تخويفٌ لفرعون: إنَّا وأنت منقلبون إلى جزاء اللَّه، فيُثيبنا على إيماننا ويعاقبُك على صنيعك بنا.
وقوله (٣): ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ وكان الحقَّ علينا وعليكم أن نؤمن بها.
وقوله: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ قيل: أنزل علينا، إنما قالوا ذلك لخوفهم أنه لو فعل بهم ما أَوعدهم به فلعلهم لم يصبروا فيتركوا الإيمان، فسألوا الصبرَ عليه
стр. 3168
للثبات على الإيمان، وسألوا الوفاة على الإيمان، وكذا كان دعاءُ الأنبياء ﵈، وكذا يجب على كلِّ أهل الإسلام.
قال ابن عبَّاس ﵄: فصلبهم فرعون على جذوع النخل، وهو أولُ مَن قطع الأيديَ والأرجلَ من خلافٍ، وأولُ مَن صلب (١).
وقيل: كان ذلك على شاطئ نهر مصر.
وقال وهبٌ: صلبهم في جذوع النخل، كلُّ جذعٍ أربعون ذراعًا.
وقال عطاء: كان رئيس السحرة بأقصى مدائن الصعيد، وكانا أخوين، فلما جاءهما رسول فرعون قالا لأمهما: دلِّينا على قبر أبينا، فدلَّتهما عليه، فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما، فقالا: إن الملك قد وَجَّه إلينا لنَقْدَم (٢) عليه؛ لأنَّه أتاه رجلان ليس معهما رجال ولا سلاح، ولا لهما عزٌّ ولا منَعة، وقد ضاق الملك عن عزِّهما (٣)، ومعهما عصًا إذا ألقياها لا يقومُ لها شيءٌ حتى تبتلعَ الحديد والحجر والخشب، فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما، وإنْ قدرتما أنْ تسلَّا العصا سلًّا فإن الساحر لا يعمل سحره وهو نائم، وإن عملت العصا وهما نائمان فذاك أمرُ رب العالمين ولا طاقةَ لكما بهما ولا للملك ولا لجميع أهل الدنيا، فأَتَياهما في خُفْيةٍ وهما نائمان ليأخُذا العصا، فقصدتهما العصا (٤).
قال سعيد بن جبير: كانت العصا من العوسج (٥).
стр. 3169
وذكرنا قبل هذا -وهو (١) قول السُّدِّي- أنها كانت من آسِ الجنة.
وقال وهبٌ: وقال فرعون لموسى وقد انصرف والثعبان على أثره يَنظر إليه الناس حتى دخل المدينة: اعتزِلْ إلى عسكر قومك واكفُف عن الناس هذا الخوف الذي دخلهم، فقد فرَّقْتَهم وشرَّدْتهم، ولن يجتمعوا لك أبدًا، ولن يستجيبوا لك ولن يؤمنوا بك، وأنا ناظرٌ في أمرك وجامعٌ لك الجنودَ، وسوف تَعلم إذا التقى الجمعان، فلا يغرَّنَّك ما سحرتَ به أعين الناس، فقال موسى: أنا عبد مأمور أعمل بوحي اللَّه تعالى، ولا أزال مجاهدَك غيرَ مقصِّرِ حتى يحكم اللَّه بيني وبينك، وكان الرسول فيما بينهما هامان وقارون.
قال: فأوحى اللَّه تعالى إلى موسى: إنِّي أنا الحليم (٢) الكريم، وأنا الغنيُّ الحميد، فدَعْه إلى أن يَجمع لك الجنود (٣) وأنا مِن ورائه محيط، فأسعِفْه بحاجته واضْرِبْ بينك وبينه أجلًا، وارجع إلى عسكر (٤) قومك أنت وأخوك.
قال: ففعل ما أمره به ربُّه، فلما خرج موسى وهارونُ إلى عسكر قومهما والحيةُ خلفه تُبَصْبِص (٥) حوله،. . . . . .
стр. 3170
وقد ملأ اللَّه تعالى الناس منها (١) رعبًا، فلما وصل إلى عسكر قومه أخذ بشدق الحية فإذا هي عصًا يتوكَّأ عليها.
* * *
(١٢٧) - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: إن سحرة فرعون لمَّا غُلبوا آمن بموسى ﵇ من بني إسرائيل ستُّ مئة ألف (٢)، فقال الملأ من قوم فرعون: أتَدَعُ موسى وقومه من بني إسرائيل ليفسدوا في أرضك يإيقاع الفُرقة والصدِّ عن دينك والدعاء إلى مخالَفتك ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾؛ أي: يعتزلَك فلا يخدمَك ولا يعبدَك ولا يعبدَ (٣) آلهتك التي تعبدُها.
قال ابن عبَّاس ﵄: كان فرعون اللعين صنع لقومه أصنامًا صغارًا وأمرهم بعبادتها وقال: أنا ربُّكم وربُّ هذه الأصنام (٤).
قال سليمان التيميُّ: كان فرعون يعبدُ البقر (٥).
стр. 3171
وقال السُّدِّي: كان يَعبد ما يَستحسِن من البقر، وعلى ذلك أخرج السامري عجلًا جسدًا له خوارٌ فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨] (١).
وقرأ ابن مسعود ﵁: (وإلاهَتَك)؛ أي: عبادتَك، فلا يعبدُك كما نعبدُك نحن، وكذا قرأ ابن عبَّاس ﵄ وبكر بن عبد اللَّه والشعبي والضحاك وابن إسحاق (٢)، وقال مجاهد: هو الصحيح؛ لأنَّه كان يُعبَد ولا يَعبُد (٣).
وقيل في جوابه: يحتمِلُ أنه كان يَعبد ويُعبد، وقوله تعالى: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]:، و: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، هو على التخصيص؛ لأنه لم يقل: ما علمتُ من إلهٍ غيري، و: أنا الربُّ الأعلى.
وقيل: في تأويل قراءة هؤلاء: (وإلاهتَك): لم يُرَدْ به: وعبادتَك، بل الإلاهةُ اسمٌ للشمس، وهو كان يَعبد الشمس، قال الشاعر:
وأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا (٤)
وإنما اعترضوا عليه بهذا وعارَضوه وأنكروا عليه فعلَه مع أنهم يعتقدون أنه ربُّهم وهم عبيده؛ لأنه جرى على خلاف عادة الملوك في ترك السَّطوة عند ظهور المُعارِض الَّذي يخاف منه على المملكة.
стр. 3172
وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾: لمَّا أغرَوه على موسى وقومه، وخوَّفوه غلَبتهم وازديادهم، قال: لن يكون ما تخافون من قهرهم لنا بازدياد عددهم؛ لأني أعيدُ عليهم قتل الأبناء واسترقاقَ النساء والاستخدامَ، فيشغلهم ذلك عن المناكح (١) فلا يزدادون، والقائمون يهلكون، فهم المقهورون ونحن القاهرون.
وذكر أنه يقتلُ أبناءهم ولم يذكر أنه يقتلُ موسى لأنه لم يطمع فيه لِمَا رأى من قوة أمره وعلوِّ شأنه.
* * *
(١٢٨) - ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. قال ابن عبَّاس ﵄: ولمَّا قال الملأ لفرعون ذلك أَمر أن يكلِّفوا بني إسرائيل ما لا يطيقونه، فيجيءُ الرجل من القِبْط إلى الرجل من بني إسرائيل فيقول له: انطلِقْ فاكْنِسْ حُشِّي واعْلِفْ دوابِّي واستَقِ لي، وتجيءُ المرأة القِبطيَّة إلى الكريمة من بني إسرائيل فتكلِّفها ما لا تُطيق، ولا يطعمونهم في ذلك، فإذا انتصف النهار يقولون انطلقوا فاكتسبوا لأنفسكم ما تأكلون، فشكَوا (٢) ذلك إلى موسى ﵇، فقال لهم موسى: أستعينوا باللَّه على رفع هذا البلاء، واصبروا على الدِّين الحقِّ، إن
стр. 3173
أرض مصر وكلَّ الشام للَّه يُوْرثها (١) مَن يشاء من عباده والعاقبةُ للموحِّدين (٢).
وقيل: معناه: الأرض كلُّها للَّه يصرِّفها كيف يشاء، ويجعلها في يدِ مَن يشاء، وفيه تسليةٌ؛ أي: هي لا تبقَى لأحد (٣)، وتنتقِل من قوم إلى قوم، وفيه إطماعٌ أيضًا أن يُورثهم اللَّه أرض فرعون فيكونوا هم قاهرين لهم والوارثين بعدَهم بلادهم، وفيه نهيٌ عن النظر إلى الحال، وأمرٌ بالثقة بما يكون من النصر (٤) والقهرِ للمتقين في المآل.
* * *
(١٢٩) - ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾: قال وهب: كانوا أصنافًا في أعمال فرعون، فأما ذوو القوة منهم فيسلخون (٥) السَّواريَ من الجبال، قد قَرِحت أعناقهم وعواتقهم وأيديهم، ودَبِرت ظهورهم (٦) من قطعِ ذلك ونَقْلِه، وطائفةٌ أخرى قد قَرحوا من نقل الحجارة والطين يبنون له القصور، وطائفةٌ يُلبِّنون اللَّبِنَ ويطبخون الآجرَّ، وطائفةٌ نجَّارون وحدَّادون، والضَّعَفة منهم عليهم الخراجُ ضريبةً يؤدُّونها كلَّ يومٍ، فمَن غرَبت عليه الشمسُ قبل أن يؤدِّيَ
стр. 3174
ضريبته غُلَّتْ يمينُه إلى عنقه شهرًا، وأما النساءُ فيَغزلن الكتَّان وينسُجْنَه (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾: أي: هذا الإيذاءُ باقٍ بعد مجيئك يا موسى، بل زائدٌ.
وقال ابن عبَّاس ﵄: أي: كنا نُطعَم إذا استعملونا من قبلِ أن تجيئنا، فلما جئتنا استعملونا ولم يُطعمونا.
وقيل: كانوا يكلِّفونهم قبل ذلك ضرب اللَّبِن، وبعد ذلك كلَّفوهم (٢) ضرب اللَّبن بالتبن من عندهم.
وهذا يدلُّ على قلَّة أفهامهم، فإن موسى ﵇ أطمَعهم في أن اللَّه يُورثهم الأرضَ وتكونُ العاقبة للمتقين، فقالوا له: أمَا تشاهدُ قهرَ فرعون إيانا (٣)، وقتلَه أبناءنا، واستعبادَه نساءنا، وأخذَه الجزية منا كما كان قبل مجيئك منه في حقِّنا، فكيف يزول عنَّا قهره؟
وليس هذا بسؤالٍ صحيح على ما قال، فإنه قال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقد تَقْربُ مدةُ ذلك وقد تَبْعد، وقد أمرهم بالصبر إلى مجيئها.
ولمَّا تكلَّموا بهذا بان لهم وجهُ زوال قهر فرعون وكيفية العاقبة، وذلك قوله تعالى:
﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: و (عسى) إطماعٌ، وهو من الكريم إيجابٌ؛ أي: اطمعوا في أن اللَّه يهلكُهم ويجعلُكم سكانَ أرضهم (٤).
стр. 3175
ثم أخبر أن اللَّه إذا أعطاهم ذلك استأداهم شكره بطاعته، وذلك قوله تعالى:
﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي: كيف تشكرون نعمه.
وقيل: أي: يمتحنكُم بما يعطيكم، فالدار الدنيا (١) دارُ امتحان؛ ليظهر (٢) كيف ائتمارُكم بأوامره، وانتهاؤكم بنواهيه، وشكرُكم على عطيَّته، وصبرُكم على بليَّته.
* * *
(١٣٠) - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾: أي: ابتَلينا قومَ فرعون بالقحط، جمع سنةٍ، ويطلق على الجَدْب ولا يطلق على الخِصب؛ لأن الجدب نادرٌ غيرُ غالبٍ (٣)، والنادرُ أحقُّ بالإفراد بالذكر لانفراده بالمعنى الذي ندر به، يقال: أصابتهم سنة؛ أي: جَدْب، وأسنتوا؛ أي: أَجْدبوا.
وقوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: هذا في حق الأشجار والأولُ في الزروع.
وقال ابن عبَّاس ﵄: السِّنونَ لأهل البوادي، ونقصُ (٤) الثمرات لأهل القرى، وهما آيتان (٥).
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: أي: ليذَّكَّروا؛ أي: ليتَّعِظوا ويرجعوا إلى الحق (٦) فيخلصوا.
стр. 3176
وعن الحسن: أن موسى ﵇ لمَّا اعتزل في عسكر قومه أرسل إلى فرعون أنِ اضربْ بيني وبينك أجلًا، فأرسل إليه فرعون: ما هذا الأمرُ مما أفرغُ منه في يومٍ أو يومين، فأوحى اللَّه إليه: أنْ أَنْظِره واضربْ بينك وبينه أجلًا للحجة فإنه ليس يُعجزني، فضرب أجلًا أربعين يومًا، فجعل فرعون يجمع الجموعَ ليقاتله، فكلما أراد وجهًا في مكيدة خذله ربُّه وشتَّت أمره، فلما انقفصت الأربعون ولم يصنع فرعون شيئًا تابَع اللَّه الآيات فأخذهم بالسنينَ ونقصٍ من الثمرات، فاحتَبس عنهم القطر وأَجدَبت أرضُهم وهلكت مواشيهِم وأنعامُهم.
* * *
(١٣١) - ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾: أي: النعمةُ والخِصب والسَّعة والعافية ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾؛ أي: هذه التي نستحقُّها وقد تعوَّدْناها ولم تزل كانت لنا، ولم يروا ذلك من اللَّه ولم يشكروا له عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾: أي: جَدْبٌ وضِيقٌ وبَليَّةٌ ومرض ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ قال الحسن ومجاهد وابن زيد: أي: يتشاءموا بهم (١).
وكانت العرب تزجرُ الطيرَ فتتشاءم بالبارح وهو الذي يأتي من جهة الشمال، وتتبرَّك بالسانح وهو الذي يأتي من جهة اليمين، فسمِّي تطيُّرًا لأنه زجرٌ بالطير.
وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: اللَّه هو الذي يأتي بالخير والشرِّ والنَّفع والضُّرّ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ بمعنى: من عند اللَّه لا من جهةِ موسى ومَن معه.
стр. 3177
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: لا علمَ لهم أنها من اللَّه، وأنه (١) يمتحنُ عباده بالمحن ردعًا عن المعاصي وحثًّا على الطاعات.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإنْ قيل: ذكَر أنه أخَذ آلَ فرعون بالسنين (٢) وكان فيهم بنو إسرائيل، فما معنى التخصيص؟
قيل له: يحتمِلُ أن يكون ذلك لهم خاصةً دون بني إسرائيل، أو كان الجدب يضرُّ آلَ فرعون دون بني إسرائيل؛ لِمَا أنهم كانوا يأكلون للشهوة وبنو إسرائيل للحاجة، ومَن يأكل للحاجة كان أقلَّ حاجة ممن يأكلُ للشهوة، فإن لم يجدوا ما يأكلون للشهوة كان ذلك أضرَّ بهم، قال النبي ﷺ : "المؤمنُ يأكل في معاء واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" (٣).
وقال الإمام القشيري ﵀: الكَفور لا يَرى فضلَ المنعِم فيلاحظَ الإحسانَ بعين الاستحقاق، ثم إذا اتَّصل به شيء مما يكرهُه تجنَّى وحملَ الأمر على ما تمنَّى:
وكذا المَلُول إذا أراد قطيعةً... ملَّ الأنيسَ وقال كان وكانا
﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ المنفرِدِ بالإيجاد، هو الواحدُ ولكن بصائرهم مسدودة، وعقولهم عن شهود الحقيقة مصدودة، وأفهامهم عن إدراك المعاني مردودة (٤).
* * *
стр. 3178
(١٣٢) - ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ قال الخليل: يعني: أيَّ شيء، وأصله: (ما ما) الأولى اسمٌ والثانية (١) صلةٌ، وأُبدلت الألف بالهاء لئلا يوهِم التكرير، وهو مبالغةٌ في العموم.
وقيل: (مَهْ) بمعنى: اكفُفْ و (ما) شرطٌ، قاله سيبويه (٢).
ومعنى الآية: أن قوم فرعون قالوا لموسى: أيَّ شيءٍ أتيتَنا به من آيةٍ تدَّعي أنها من عند اللَّه فإنما هي سحرٌ تريد أن تخدعَنا به.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: فلا تشتغلْ (٣) بإيرادها فما نحن بمصدِّقينَ لك أنها من عند اللَّه، وهذا منهم (٤) غايةُ الجهل والضلالة؛ إذ كذَّبوه بما لم يأتِ به بعدُ، وأظهروا أنهم مُصرُّون على كذبهم وكفرهم أبدًا، غيرُ منقادين للحقِّ وإنْ ظهر وبدا.
قال الإمام أبو منصور ﵀: دلت الآية أنهم كانوا معانِدين قد علموا بكلِّ آية قد جاءتهم قبل ذلك أنها من عند اللَّه تعالى، وما كان امتناعُهم عن الإيمان لشبهة أو ريبة (٥).
وقال الإمام القشيري ﵀: جعلوا الإصرار على الاستكبار شعارَهم، وهتكوا بألسنتهم في العتوِّ أستارهم (٦).
стр. 3179
(١٣٣) - ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾: قيل: هو السيل الشديد، وقيل: هو المطر المتتابع المُضِرُّ.
وقيل: هو الموت الذريع سَلَّط اللَّه عليهم، وقالوا: سلِّط على البكر من كلِّ شيء من النساء والبهائم.
وقال أبو قِلابة: هو الجدري، وهو أولُ عذاب بني إسرائيل وبقي في الأرض (١).
قوله تعالى: ﴿وَالْجَرَادَ﴾: وهو معروف ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ قيل هو الدَّبَى، وهي صغارُ الجراد التي لا أجنحة لها في روايةٍ عن ابن عباس ﵄، وهو قول قتادة ومجاهد (٢).
وقيل -وهو رواية عن ابن عباس، وهو قول سعيد-: وهو السُّوسُ التي تقع في الحنطة (٣).
وقال ابن زيد (٤): هي البراغيث.
وقال أبو عبيدةَ: هي الحَمْنان، وهي كبار القِرْدان (٥).
وقال الحسن وسعيد بن جبير: هي دوابُّ سودٌ صغارٌ (٦)، واحدتها: قُمَّلة.
стр. 3180
وقوله تعالى: ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾: جمع ضِفْدِع بكسر الضاد والدال، وهو معروف.
﴿وَالدَّمَ﴾: معروفٌ أيضًا، قال عبد الرحمن بن زيد: سلَّط اللَّه تعالى عليهم الرُّعاف (١). وأكثرُهم على أن النيل صار دمًا.
قوله تعالى: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ نُصب ﴿آيَاتٍ﴾ من ثلاثة أوجه:
أحدها: بوقوع (أرسلْنا) عليها.
والثاني: على الحال.
والثالث: على التفسير.
و ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ قال مجاهد: أعلامًا مبيَّنات (٢)، يُفصَل بها الحقُّ من الباطل، أو تنفصِل عما يقدر عليه الآدميون.
وقيل: مميَّزاتٍ بعضها من بعضٍ، بين كلِّ آيتين فصلٌ ومدةٌ ليُتأمل في كلِّ واحدةٍ حقَّ التأمل.
وقيل: كان إذا أتتهم آية منها أقامت عليهم أسبوعًا ثم تُقلع عنهم شهرًا، ثم تأتيهم أخرى تأكيدًا للحجة عليهم.
يقول (٣): قد قالوا: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ لكنَّا تابعْنا لهم الآيات، ولم نقطع عنهم البراهين بما أظهروا من الجهالات.
وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾: أي: فتعاظَموا عن الانقياد
стр. 3181
للحق والإيمان بموسى، وكانوا قد اعتادوا الآثام والإجرام، واكتسابَ أنفسِهم العذابَ اللِّزام.
وقال ابن عباس ﵄: الطوفان أمرٌ من أمر (١) اللَّه تعالى طاف بهم، ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [القلم: ١٩] (٢).
وقال ابن عباس ﵄: أَرسل اللَّه عليهم المطرَ الشديدَ حتى كادوا يهلكون -وعن قتادة: حتى قاموا فيه قياما- وقالوا: ﴿يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فكشف اللَّه تعالى عنهم المطر، فأنبت اللَّه حروثهم وأحيا بذلك كلَّ شيء من بلادهم، فقالوا: واللَّهِ ما نحبُّ أنَّا لم نكن مُطِرنا هذا المطرَ وإن كان لَخَيرًا لنا، فلن نرسل معك بني إسرائيل ولن نؤمن لك، فبعث اللَّه ﷻ على حروثهم الجرادَ فأكل (٣) حروثهم وأسرع الجراد في فسادها، فقالوا: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك ليكشف عنا الجراد فإنَّا مؤمنون لك ومرسلون معك بني إسرائيل، فكشف اللَّه عنهم الجراد، وكان الجراد قد أبقى لهم من حروثهم بقيةً، فقالوا: قد بقي لنا من حروثنا ما يكفيتا (٤)، فما نحن بتاركي ديننا، ولن نؤمن لك، ولن نرسل معك بني إسرائيل، فأرسل اللَّه تعالى عليهم القمَّل، وهي الدَّبَى الذي ليس له جَناح فاتَّبع ما بقي من حروثهم وشجرهم ونباتهم (٥)، وكان القمل أشدَّ عليهم من الجراد، فجزعوا
стр. 3182
من ذلك وقالوا: يا موسى، كما قالوا في الأول والثاني، فكشف اللَّه عنهم القمل (١) فنكثوا وقالوا: لن نؤمن لك -إلى آخره- فأرسل اللَّه عليهم الضفادع فامتلأت منها البيوت، فليس لهم طعام ولا شراب إلا فيه الضفدعُ، فلقُوا منها شيئًا لم يكونوا لقُوا فيما مضى، فقالوا: يا موسى، مثلما مرَّ، فكشف اللَّه عنهم الضفادع فنكثوا وقالوا: لن نؤمن لك -إلى آخره- فأَرسل اللَّه تعالى عليهم الدم، فسالت الأوديةُ دمًا، وصارت أنهارهم دمًا، فكانوا لا يشربون إلا الدم، ولا يَطعمون طعامًا إلا صار (٢) دمًا، فلقُوا من ذلك أمرًا شديدًا ونسوا ما كانوا لقُوا قبل ذلك من البلاء، فسألوا موسى أن يدعوَ لهم ربَّه، فدعا لهم ربه (٣) فكُشِفَ عنهم الضُّرُّ، فنكثوا وقالوا: لن نؤمن لك -إلى آخره- وكانت آياتٍ مفصَّلات بعضُها على إثرِ بعضٍ؛ لتكون للَّه عليهم الحجةُ، فانتقم اللَّه منهم بعد ذلك فأغرقهم في اليَم (٤).
وقال الكلبي ﵀: كانت كلُّ آيةٍ من سبتٍ إلى سبتٍ، ثم الأخرى بعد ذلك بشهر (٥).
وقال أبو روق: بعدها بأربعين يومًا.
وقال قتادة: كان يجتمع سبطيٌّ وقِبطيٌّ على إناء واحد، فإذا الذي يلي السبطيَّ ماءٌ صافٍ، والذي يلي القبطيَّ دمٌ (٦).
стр. 3183
وفي حديث السدِّي: كان يخرج الدمُ من الرغيف إذا كُسر.
وفي حديث مقاتل: تراكَبَ الجراد قَدْرَ ذراعٍ فلم تُر الأرض، وكان كشفُها بأنَّ اللَّه بعث ريحًا فاحتملتْها فألقَتْها في البحر، وكشفُ الضفادع بموتها، وأرسل اللَّه تعالى مطرًا جَودًا فقذَفهن في البحر (١).
وذكر وهبٌ هذه الأشياءَ على بَسْط الكلام وتطويله، وذكَر أن الطُّوفان هو الطاعون، ووقع فيهم ومات من أبكارهم في ليلةٍ ثمانون ألفًا، ومن أبكار الدوابِّ كذلك، واحتال فرعون فجمع بين أبكارِ القِبط وأبكارِ بني إسرائيل بين كلِّ بكرين بسلسلةٍ، فمات في الليل أبكارُ القِبط دون أبكار بني إسرائيل.
وذكر في الجراد: أن اللَّه تعالى أمر موسى ﵇ فأشار بعصاه شرقًا وغربًا، فجاء الجراد حتى ظهرت في الهواء كالغمام الأسود، فسترت الشمس ثم غمرت الزروع (٢)، فكان لا يُرى منها شيء، فأكلتها وأكلت الخشبَ من الأبواب والجذوعِ، والحديدَ من السلاسل والمسامير، وكان كشفُها بإشارته بالعصا فذهبت كلُّها.
والقمَّل خرجت من الأرض حيث نكث فيها بالعصا، وأكلت كلَّ شيء حتى السقوفَ وكلَّ رَطْبٍ ويابس.
والضفادع خرجت من النيل بإشارته بالعصا بأمر اللَّه تعالى، فخرجت ودخلت المصر، فامتلأت منها السِّكك والدُّور والطرق، فلا يوجد موضعُ قدم ولا إناءُ طعام وشرابٍ إلا قد امتلأ ذلك منها، وضيَّقت عليهم، وأنتنت الأرض من وطء الناس إياها، وكان لا يمكِنهم أكلُ طعام ولا شربُ شراب إلا معها، وكشفُها بما ذكرنا.
стр. 3184
والدم: بأنْ ضرب النيل بعصاه بأمر (١) اللَّه ، فصار دمًا عبيطًا، فإذا وردَه قومُ فرعون اختضبت أيديهم وأَسقِيَتُهم بالدم، وإذا ورده قوم موسى ﵇ استَسْقَوا منه ماءً صافيًا، وكَشْفُه كان بضربِ العصا أيضًا بأمرِ اللَّه تعالى، وكان فرعون يعتذرُ إلى موسى بعد كلِّ أربعين يومًا: أنَّا لم نتفرَّغ لجمع الجيوش لهذه الحادثة، ويَستنظر مدةً أخرى، ويأمر اللَّه تعالى موسى بأن يُنظره مدةً أخرى إلزامًا للحجة (٢).
* * *
(١٣٤) - ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾: قال الحسن ومجاهد وقتادة وابن زيد؛ أي: العذاب (٣).
وقال سعيد بن جبير: أي: الطاعون (٤)، فمات من القِبط سبعون ألفَ إنسان.
وقيل: هو هذه الأشياءُ التي تقدَّم ذكرُها.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: قيل: هذا العهدُ أنه وعده الإجابة إذا دعاه.
وقيل: هو أن يكشف عنهم العذاب إذا آمنوا.
وقيل: هو بعثُه بالرسالة (٥)
стр. 3185
وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: لئن دعوتَ اللَّه فكشف عنا بدعائك لنصدِّقنَّك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أي: لنطلقنَّهم ولنُخلِّينَّ عنهم.
وقال وهبٌ: قالوا له: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف: ٤٩]؛ أي: بما أَرسل إليك على زعمك ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٩] ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ فقال: لا أدعو وقد سميتُموني ساحرًا، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك، فدعا ربه فكشف عنهم.
* * *
(١٣٥) - ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾: أي: إلى الوقت الذي جعَله أجلًا لهلاكهم.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾: أي: ينقضون العهد فلا يؤمنون.
وقال مجاهد: كانت الضفادع تسكن الجِحَرةَ، فلما أرسلها اللَّه تعالى عذابًا إلى فرعون وقومه كانت تجيء حتى تقذف نفسها في التنور المسجور، وفي القِدْر وهي تغلي؛ غضبًا للَّه تعالى، فشكَر اللَّه تعالى لها فأسكنها الماء، وجعل نقيقها التسبيحَ (١).
وذكر الحسن هذا في احتمالها المياه بأفواهها حين أُلقي إبراهيم ﵇ في النار، وأنها وجَدت هذا بسبب ذلك (٢).
стр. 3186
(١٣٦) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: أي: من الناكثين ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: أهلكناهم بالماء في البحر ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بسببِ تكذيبهم بهذه الآيات بعد تتابُعها.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: معرضين عنها كالغافلين، أو متغافلين غيرَ متأمِّلين، أو غافلين عن النعمة، أو غافلين عن وقت نزول العذاب، وقد بينَّا قصةَ الغرق في سورة البقرة، ونذكر أيضًا زيادةً على ذلك في سورة يونس وفي سورة الشعراء.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جنَّس عليهم العقوبات لمَّا (١) جنَّسوا ونوَّعوا فنونَ المخالفات، فلا في التفكير رَغِبوا، ولا إلى التطهير قصَدوا، وكانت عقوبتهم بصرفِ قلوبهم عن شهود الحقائق أبلغَ مما اتَّصل بظواهرهم من فنون البوائق، ونعوذ باللَّه من السقوط عن عين اللَّه تعالى (٢).
* * *
(١٣٧) - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: أي: لمَّا أهلكنا فرعون وقومه أسكنَّا قوم موسى الذين
стр. 3187
كانوا يُستضعفون -أي: يُقهرون بقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفِ الأعمال الشاقة- أرضَ مصر.
وقيل: أرض الشام مشارقها ومغاربها؛ أي: نواحيها الشرقية والغربية، وهي الأرض التي باركَ اللَّه (١) فيها بكثرة الماء والشجر وفنون النِّعم.
وقيل: بأنها مساكنُ الأنبياء والأولياء.
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي: نَجز وعدُ اللَّه، وهي الكلمة الحسنى -تأنيث الأحسن- على بني (٢) إسرائيل بإهلاك عدوِّهم واستخلافهم في الأرض، كما (٣) قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٤) [القصص: ٥]، وسميت حسنى لأنها وعدٌ بما يحبون.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾؛ أي: بصبرهم على أذى فرعونَ وقومه، وعلى أمر اللَّه، وثباتهم على الإيمان والطاعة والعملِ بقول موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾: أي: أهلكنا ما كانوا يصنعونه من الأبنية والمزارع والكروم.
قال الحسن ﵀: يَعْرِشون الكروم؛ أي: يرفعون عرائشها (٥).
وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد: يَبْنون من الدُّور والقصور (٦).
стр. 3188
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بضم الراء والباقون بكسرها (١)، وهما لغتان فصيحتان، وقد عَرَش يَعْرشُ عَرْشًا؛ أي: بنى بناءً من خشب، كذا قال في "ديوان الأدب" (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ قيل: كان في بني إسرائيل مَن بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو ذو القرنين وداودُ وسليمان.
وقيل: فضِّلوا على أهل مشارق الأرض ومغاربها؛ كما قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]؛ أي: على عالَمِي زمانهم.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾: قيل: هي الجنة (٣).
وقيل: هي نِعَم الدنيا، وهو قول ابن عباس ﵄: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: نعمة ربك.
وقال وهب: ولمَّا عبروا البحر أرسل موسى ﵇ جندين عظيمين في كلِّ جندٍ اثنا عشر ألفًا، ونَقَب (٤) عليهم يوشعَ بنَ نون وكالبَ بن يوقنا، وهما اللذان أنعم اللَّه عليهما، إلى مدائن فرعون وخزائنه وهي يومئذ خلوٌ عن أهلها قد هلكوا فلم يبق إلا النسوان والصبيان والزَّمْنى والهَرْمى، فغنموا أموالهم من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة ما لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، وأورثهم اللَّه ديارهم وأموالهم، فذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٥).
стр. 3189
(١٣٨) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾: أي: الذي غرق فيه فرعونُ وقومه، فصاروا إلى البر ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾؛ أي: يقيمون على عبادتها.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾: أي: قالوا لفرط غباوتهم وفسادِ طبائعهم بطول العبودية لفرعون: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾؛ أي: انْصِبْ لنا شيئًا نعبده كما نصب هؤلاء لأنفسهم أصنامًا يعبدونها.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: أي: الإلهية والعبادة، ولا تعلمون ما تقولون.
* * *
(١٣٩) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: أي: هؤلاء الذين يعبدون الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾؛ أي: مهلَكٌ مدمَّرٌ، والتَّبَار: الهلاك والدمار.
وقال أبو عوسجة: مُفْسَد (١).
وهو خبر مبتدأ، و ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾ مبتدأ (٢)؛ أي: هم في هلاكٍ لا ينتفعون منها بشيء.
وقوله تعالى: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: تبطُل عبادتُهم هذه الأصنامَ فيذهب تعبُهم هدرًا.
وقال الكلبي ﵀: أي: ضلالٌ ما كانوا يعبدون.
стр. 3190
(١٤٠) - ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾: استفهام بمعنى الإنكار، وتقديره: أَأَطلب لكم غيرَ اللَّه معبودًا!؟
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: على عالَمي زمانكم، قاله الحسن وجماعة (١).
وقيل: أي: جعَل فيكم النبوَّة والكتابَ والحكمةَ والملكَ، والآياتِ التي لم يكن مثلُها لغيركم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه تعليم أنه كيف يؤمَر بالمعروف وكيف يُنهَى عن المنكر، وكيف يُعامَل مرتكب المنهيِّ، يعامَل باللِّين والشَّفقة واللُّطف، دون الغِلظة والجَفوة والعنف، كما فعل موسى بهم مع ما استقبَلوه من الأمر المنكَر، يقول: أمَا تستَحْيُون من هذا القول مع ما مَنَّ اللَّه (٢) عليكم من النعمة (٣) والطَّول، ومن ذلك ما ذُكر بعده، وهو قوله تعالى:
* * *
(١٤١) - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٤): أي: يُذيقونكم. وقيل (٥): يكلِّفونكم سوء العذاب؛ أي: أشدَّه وأشقَّه.