(١٣٦) - ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾: أي: من الناكثين ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾؛ أي: أهلكناهم بالماء في البحر ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بسببِ تكذيبهم بهذه الآيات بعد تتابُعها.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: معرضين عنها كالغافلين، أو متغافلين غيرَ متأمِّلين، أو غافلين عن النعمة، أو غافلين عن وقت نزول العذاب، وقد بينَّا قصةَ الغرق في سورة البقرة، ونذكر أيضًا زيادةً على ذلك في سورة يونس وفي سورة الشعراء.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: جنَّس عليهم العقوبات لمَّا (١) جنَّسوا ونوَّعوا فنونَ المخالفات، فلا في التفكير رَغِبوا، ولا إلى التطهير قصَدوا، وكانت عقوبتهم بصرفِ قلوبهم عن شهود الحقائق أبلغَ مما اتَّصل بظواهرهم من فنون البوائق، ونعوذ باللَّه من السقوط عن عين اللَّه تعالى (٢).
* * *
(١٣٧) - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾: أي: لمَّا أهلكنا فرعون وقومه أسكنَّا قوم موسى الذين
стр. 3187
كانوا يُستضعفون -أي: يُقهرون بقتل الأبناء واستحياء النساء وتكليفِ الأعمال الشاقة- أرضَ مصر.
وقيل: أرض الشام مشارقها ومغاربها؛ أي: نواحيها الشرقية والغربية، وهي الأرض التي باركَ اللَّه (١) فيها بكثرة الماء والشجر وفنون النِّعم.
وقيل: بأنها مساكنُ الأنبياء والأولياء.
وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾: أي: نَجز وعدُ اللَّه، وهي الكلمة الحسنى -تأنيث الأحسن- على بني (٢) إسرائيل بإهلاك عدوِّهم واستخلافهم في الأرض، كما (٣) قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية (٤) [القصص: ٥]، وسميت حسنى لأنها وعدٌ بما يحبون.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾؛ أي: بصبرهم على أذى فرعونَ وقومه، وعلى أمر اللَّه، وثباتهم على الإيمان والطاعة والعملِ بقول موسى: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾: أي: أهلكنا ما كانوا يصنعونه من الأبنية والمزارع والكروم.
قال الحسن ﵀: يَعْرِشون الكروم؛ أي: يرفعون عرائشها (٥).
وقال ابن عباس ﵄ ومجاهد: يَبْنون من الدُّور والقصور (٦).
стр. 3188
وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿يَعْرِشُونَ﴾ بضم الراء والباقون بكسرها (١)، وهما لغتان فصيحتان، وقد عَرَش يَعْرشُ عَرْشًا؛ أي: بنى بناءً من خشب، كذا قال في "ديوان الأدب" (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ قيل: كان في بني إسرائيل مَن بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو ذو القرنين وداودُ وسليمان.
وقيل: فضِّلوا على أهل مشارق الأرض ومغاربها؛ كما قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ١٦]؛ أي: على عالَمِي زمانهم.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾: قيل: هي الجنة (٣).
وقيل: هي نِعَم الدنيا، وهو قول ابن عباس ﵄: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾؛ أي: نعمة ربك.
وقال وهب: ولمَّا عبروا البحر أرسل موسى ﵇ جندين عظيمين في كلِّ جندٍ اثنا عشر ألفًا، ونَقَب (٤) عليهم يوشعَ بنَ نون وكالبَ بن يوقنا، وهما اللذان أنعم اللَّه عليهما، إلى مدائن فرعون وخزائنه وهي يومئذ خلوٌ عن أهلها قد هلكوا فلم يبق إلا النسوان والصبيان والزَّمْنى والهَرْمى، فغنموا أموالهم من الذهب والفضة والجواهر والأمتعة ما لا يعلمه إلا اللَّه تعالى، وأورثهم اللَّه ديارهم وأموالهم، فذلك قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٥).
стр. 3189
(١٣٨) - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾: أي: الذي غرق فيه فرعونُ وقومه، فصاروا إلى البر ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾؛ أي: يقيمون على عبادتها.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾: أي: قالوا لفرط غباوتهم وفسادِ طبائعهم بطول العبودية لفرعون: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾؛ أي: انْصِبْ لنا شيئًا نعبده كما نصب هؤلاء لأنفسهم أصنامًا يعبدونها.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾: أي: الإلهية والعبادة، ولا تعلمون ما تقولون.
* * *
(١٣٩) - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾: أي: هؤلاء الذين يعبدون الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾؛ أي: مهلَكٌ مدمَّرٌ، والتَّبَار: الهلاك والدمار.
وقال أبو عوسجة: مُفْسَد (١).
وهو خبر مبتدأ، و ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾ مبتدأ (٢)؛ أي: هم في هلاكٍ لا ينتفعون منها بشيء.
وقوله تعالى: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: تبطُل عبادتُهم هذه الأصنامَ فيذهب تعبُهم هدرًا.
وقال الكلبي ﵀: أي: ضلالٌ ما كانوا يعبدون.
стр. 3190
(١٤٠) - ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾: استفهام بمعنى الإنكار، وتقديره: أَأَطلب لكم غيرَ اللَّه معبودًا!؟
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أي: على عالَمي زمانكم، قاله الحسن وجماعة (١).
وقيل: أي: جعَل فيكم النبوَّة والكتابَ والحكمةَ والملكَ، والآياتِ التي لم يكن مثلُها لغيركم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وفيه تعليم أنه كيف يؤمَر بالمعروف وكيف يُنهَى عن المنكر، وكيف يُعامَل مرتكب المنهيِّ، يعامَل باللِّين والشَّفقة واللُّطف، دون الغِلظة والجَفوة والعنف، كما فعل موسى بهم مع ما استقبَلوه من الأمر المنكَر، يقول: أمَا تستَحْيُون من هذا القول مع ما مَنَّ اللَّه (٢) عليكم من النعمة (٣) والطَّول، ومن ذلك ما ذُكر بعده، وهو قوله تعالى:
* * *
(١٤١) - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٤): أي: يُذيقونكم. وقيل (٥): يكلِّفونكم سوء العذاب؛ أي: أشدَّه وأشقَّه.
стр. 3191
وقوله تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: أي: يَسْتَبْقون إناثَكم ويتركونهنَّ حيَّاتٍ.
وقيل: يسترِقُّونهنَّ؛ أي: يفتِّشون في حيائهنَّ (١) -أي: فروجِهنَّ- هل بهنَّ حبَلٌ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: قيل: وفي هذا الإنجاءِ نعمةٌ عظيمةٌ، كما قال: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال: ١٧].
وقيل: أي: في التَّقتيل والاستحياء محنة عظيمة، واسم البلاء يقع على كلِّ واحدٍ منهما، لأنه من الابتلاء وهو الاختبار، وهو يقع بكلِّ (٣) واحد منهما، وقد ذكرنا قصةَ ذبح الأبناء واستحياءِ البنات في سورة البقرة، وهذا حديثٌ آخرُ طويل فيه.
قال وهبٌ: رأى فرعونُ في المنام أنَّ اللَّه تعالى واهبٌ لعبدٍ من عبيدك غلامًا يسلبُك مُلكَك، ويُخرجك من أرضك، ويبدِّل عليك نعمتك، ثم (٤) يغرقُك اللَّه وجنودَك حتى تكون للخلائق حديثًا، فلما استيقظ عظُمت عليه رؤياه، فأخبر عظماء الذين حوله، فبكَوا بكاء شديدًا وقالوا: سيدَنا! حُلُمٌ باطلٌ، عشتَ دهرًا طويلًا ولا ينالُكَ عدوٌّ ولا ينالك همٌّ، فأرسِلْ إلى كهَنتك ومنجِّميك فاخْلُ بهم وعِدْهم الخيرَ من نفسكَ، ثم قُصَّ رؤياك هذه لهم فيخبروك بتأويلها.
وكان لفرعون ألفُ كاهنٍ وألفُ منجِّمٍ وألفُ ساحر، لا يموت منهم أحد (٥) إلا استَبدل مكانه غيرَه، فأرسل إليهم وخلا بهم ووعدهم الخير ثم قصَّ عليهم رؤياه،
стр. 3192
وأخبرَهم أنه امتَنع من الطعام والشراب والنوم لذلك، فسجدوا له وقالوا: علينا تأويل ما رأيت فلا يهولنَّك شي، ولكنْ أجِّلْنا أجَلًا ننظُرْ في نَجْم هذا المولود، فأجَّلهم أربعين يومًا.
فخرجوا وصعدوا الجبل ونزعوا ثيابهم ولبسوا الشَّعر، وأكلوا خبزَ الشعير، ينامون على الرماد، يقومون بالليل ويصومون بالنهار، ويتضرعون إلى شياطينهم أن يخبروهم برؤيا الملك، فأوحى اللَّه تعالى إلى حمَلة العرش: أني خالقٌ مولودًا في بني إسرائيل، يولد في الإسكندرية، تحمل به أمُّه في ليلة الجمعة في شهر كذا، في ثلاث ساعات يذهبن من أول الليل، فانطلق به حملة العرش إلى السَّفَرة الكِرَام البَرَرة الذين يؤدُّون الكتبَ إلى الموكَّلين ببني آدم، فانطلق به الموكَّلون وهم الحفظةُ إلى سكان السماوات: أن اللَّه ﷻ خالقٌ بشرًا في بني إسرائيل. . إلى آخر ما ذكرنا.
وكانت عفاريتُ الجنِّ والإنس يوحي بعضُهم إلى بعض زخرفَ القول غرورًا، فكان الجن يصعدون إلى السماء ويَسمعون كلام الملائكة، ويَسترِقُون السمع ويُلْقونه إلى أهل (١) الأرض على ألسنة الكهَنة، فلما سمع الجن ذلك من الملائكة هبطوا به إلى الكهنة فأخبروهم بأمر موسى كلِّه، ففشا ذلك ووصل إلى الكهنة والسحرة والمنجِّمين لتمام أربعين يومًا، فجاؤوا فرعون وقالوا: يا سيدنا قد أتينا (٢) بتأويل رؤياكَ، هو عبا من عبيدك يولَد ويعطَى (٣) ملكك، ويبدِّل دينَك، ويَقهرك ويعلوك، ويخرجك من أرضك، وإنه يولد بالإسكندرية في شهر كذا في ليلة الجمعة لثلاثِ ساعات يذهبن من أولها، قال: فما الحيلة حتى نعرف أمَّه فنقتلَها
стр. 3193
فلا تحملَ به ولا تلدَه؟ قالوا: بيننا وبين الوقت الذي تحملُه هذا الشهرُ.
فلم يأت على فرعون شهر أشدُّ عليه منه، ذاب جسمه فيه، وغلَب كَرْبُه، فلما عِيْلَ صبرُه أدخل منجِّميه وكهَنتَه، وقال: أمَا عندكم حيلةٌ ألَّا تحملَ به أمُّه؟ قالوا: نعم، تعزل النساءَ عن الرجال، فلا يَقربُ رجل امرأته، فقال: وكيف الحيلة في ذلك؟ قالوا: مُرْ أن يُخرج منبرُك، ومُرْ مناديك فلينادِ في (١) عبيدك أن يجتمعوا إليك، فإن عبيدك لم يروك ولم ينظروا في وجهك.
قال كعب: وكان الخبيث لا يَظهر لأحدٍ منهم، وكان إذا أراد الركوب نادى مناديَه حتى يدخلوا بيوتهم، ومَن تلقَّاه في مسيره أمره أن يضع وجهَه بالأرض له.
قال وهب: فلمَّا قالت الكهنة له ذلك، قال الملك: ما (٢) جئتُموني بأمرٍ أشدَّ عليَّ منه! قالوا: إذا أخرجتَ منبرك وأبرزتَ لهم وجهك فأَحْسِنْ إليهم القولَ، وبشرهم بالخير، وافتح لهم خزائنك، وأخرج لهم من أصناف الأموال وابذُلها (٣) لهم، فإنك إذا فعلت ذلك بهم طمِعوا فيما عندك واجتمعوا إليك، حتى لا يتخلفُ منهم أحد، فقُم على المنبر وقُل لهم: إني قد رضيتُ عنكم وعرفتُ نصحكم ورفعتُ عنكم الجزية، ولذلك أبرزتُ لكم وجهي، وفتحتُ لكم بابي، وبذلتُ لكم خزائني، ورأيتكم له أهلًا مني، فاعرِفوا بذلك رضائي عنكم فأبشروا، وأخِّر ذلك إلى غروب الشمس، ثم قل: إني أحب أن تبيتوا هذه الليلةَ عندي فإذا أصبحتُم انصرفتم، فإنك إذا فعلتَ ذلك بهم أجابوك، فإذا باتوا مكانهم كنتَ حبَستهم عن إتيان النساء، فظفرتَ بحاجتك.
стр. 3194
فأرسل فرعون مناديَه في بني إسرائيل: أن أجيبوا فرعون الملك، فإنه نصَب لكم منبره، وأظهر لكم وجهه، وهو يريد بكم الكرامة، وقد أمر (١) بإخراج خزائنه ليعطيَكم منها ما لم تكونوا تأملونه، فأسرعت بنو إسرائيل الإجابةَ، وخرجوا جميعًا، وخرج فرعون وخطبهم وليَّن لهم القولَ، ووعدهم الجميل، وأعطاهم الأموال من الجواهر والنقود والكسوة على مراتب الناس، وفرحوا به فرحًا شديدًا، فلمَّا أمسوا قال فرعون: أُحبُّ أن أصنع لكم أفضلَ من هذا، فبِيتوا مكانكم حتى تصبحوا فتنصرفوا، فقالوا: لو كلَّفْتنا ألَّا نبرحَ شهرًا لفعلنا فباتوا.
ثم دعا فرعون بدابَّته فركبها ليدخلَ المدينة، وركب معه هامانُ وعظماؤه، حتى إذا دنى من باب الإسكندرية أَمر هامانَ والملأَ أن يرجعوا إلى عسكر بني إسرائيل ويَبيتوا معهم ويحرسوهم لئلا ينصرفَ أحد، وكانت مفاتيحُ أبواب المدينة (٢) حينئذٍ مع عمرانَ والدِ موسى، فدعاه ليأخذ المفاتيح منه ويُخرجَه من المدينة ويغلقَ أبوابَ المدينة دونه، وكان منزل عمران في الإسكندرية، قال عمران: يا سيدي، لا تدخل المدينة وحدك فلعلك يَمكُر بك بعضُ مَن يطمع في ملكك، قال: نعَم، ما هذا بأول نُصحك، فادخل معي فأنت أحقُّ بذلك وأوثقُ عندي من غيرك، فادخل وأغلق الأبواب.
وكان ذلك لطفًا من اللَّه تعالى لِمَا أراد من أمر موسى، فدخل مع فرعون وغلَق الأبواب، وبات جميعُ بني إسرائيل في الصحراء ومعهم جندُ فرعون، فقال فرعون لعمران: لا تَبرح من عتبةِ بابي ولا تنزعْ عنك ثيابك، قال: نعم يا سيدي، فدخل فرعون منزلَه وأغلق عمرانُ الباب دونه، ووضع عمران رأسه على عتبة الباب وعليه ثيابه، وجعل سيفه بين فخذيه فنام، حتى إذا ذهب ثلاثُ ساعات من الليل وذلك ليلةَ الجمعة.
стр. 3195
وكان بلَغ امرأةَ عمران أن فرعون قد دخل المدينة ومعه عمران، فلمَّا احتَبس عنها عمرانُ خرجت نحو باب فرعون في طلبه، فلما دنت من الباب أبصرت عمران نائمًا، فوقعت عليه تقبِّله، فوثب عمران فإذا هو بها، فقال: ما جاء بك؟ قالت: سمعتُ أنك دخلتَ المدينة، فلما احتبَسْتَ عني خفتُ عليك سطوةَ هذا الجبَّار فأتيتُك، فضمَّها عمران إلى نفسه فلم يتمالك أن واقعها، فحملت مكانها (١) بموسى، فقال لها عمران: إنِّي لأظنُّ هذا (٢) الأمرَ الذي يطلبه فرعونُ وهذا المولودَ الذي يخافه ليس إلا من اجتماعنا الليلة، فاكتمي هذا حتى ننظرَ ماذا (٣) يظهر.
فلما حملت بموسى طلَع نجمه في السماء، ولا يولد نبيٌّ إلا طلع له في السماء نجمٌ، ونظرت الكهَنة والسحرة من الليل فإذا هم بنجم موسى قد طلع، وكانت ليلةَ الجمعة، فقاموا فخمَشوا وجوهَهم وخدَشوا لحومهم ومزَّقوا ثيابهم ونتَفوا شعورهم، وولولوا جميعًا بصوتٍ شديدٍ حتى رجَّت المدينة من أصواتهم، فسمع فرعون ذلك فذُعر ثم أسرع إلى الباب وقال لعمران: ما هذا؟ قال: يا سيدي، هذه أصوات بني إسرائيل فرحوا بما أعطيتَهم وأكرمتَهم بلقائك وكلامك، فقال: لعله كما تقول، فلم يزل يختلف ليلته مقبلًا ومدبرًا كالتي أخذها المخاض.
فلما أصبح قال: يا عمران، اخرج فانظر ما بالُ صياحهم الليلةَ، فخرج فسألهم فقالوا: مكرُ عدوِّنا غلَب مكرَنا ومكرَ سيدنا، وحُمل بذلك المولودِ البارحةَ، ونظر (٤) إلى ما فعَل السحرةُ بأنفسهم فهاله ذلك، فقال عمران: ويلكم غرَرْتم سيدي حتى
стр. 3196
أظهرَ (١) للناس وجهه وفرَّق فيهم خزائنه، ثم حشرهم عمران إلى فرعون وهو يُسِرُّ في نفسه ما عَلم مما كان منه مع امرأته.
فلما دخلوا على فرعون ورآهم على تلك الصفة (٢)، وقد جعلوا الرماد والتراب على رؤوسهم، قال: ويلكم ما لكم؟ فخرُّوا له سجَّدًا وقالوا: يا سيدنا، عشتَ دهرَ الداهرِين، قد غلَب مكرُ عدوِّنا مكرَنا، وحُمل بذلك المولود البارحةَ، وطلَع نجمه في السماء، فقال: قد استوجبتُم عقوبتي، ولأصلِّبنكم أجمعين، ولأحرقنَّكم بالنار، غرَرْتُموني -وقال كما قال عمران-، فقالوا: لا تقتلنا، فإن غلبَنا حملُه لا يغلبنا مولدُه، نعرفه بعلامته فنقتلُه، فإنْ فعلْنا ذلك وإلا فاصْلِبنا وأحرقنا. فأَنْظَرَهم إلى مولد موسى، فلم تأت عليه شهور (٣) أطولُ ولا أكثرُ حزنًا منها.
فلمَّا وُلد وأَبصر المنجِّمون إلى (٤) كوكبه يزهر قالوا له: قد وُلد، فلما سمع ذلك طارت روحه وتغيَّر لونُه وطاش عقله، وقال: ما الحيلة؟ قالوا: مُرْ مِنبرَك حتى يُخرج إلى ذلك الموضع، ثم مُرْ مناديك ألا تبقى امرأة من بني إسرائيل ولدت ولدًا منذ شهرٍ إلا جاءت به إلى الملك، فإنه يريد أن يُكرمهنَّ كما أكرم أزواجهنَّ، ويعطيَهنَّ الحليَّ والحلَلَ والذهبَ والفضَّةَ والجواهر، فإنهنَّ يطمعن ويخرجن، فإذا جئنَك بأولادهنَّ فأعطهنَّ شيئًا (٥) وليِّن لهنَّ القول، ثم اجعَلْهنَّ في بعض مدائنك، ثم مُرْهنَّ فلتَخرجِ امرأةً امرأةً، فانتزعْ منها ما أعطيتَها ومُر أن يؤخَذ ولدُها، فإن كان ذكرًا ذُبح، فإذا فعلتَ ذلك ظَفِرْتَ بعدوِّك ورجع إليك مالُك.
стр. 3197
ففَعل ذلك، وخرجنَ، وأعطاهنَّ، ثم جعلهنَّ في بعض مدائنه، ثم أَمر بخروجهنَّ، فمَن كان (١) ولدها ذكرًا ذبحه والأم تنظر إليه لا تملك له شيئًا إلا البكاء، فذبح يومئذ تسعين (٢) ألف ولد، فذلك قولُه تعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٤١].
* * *
(١٤٢) - ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾: أي: لإتيان الطور وإنزالِ الكتاب ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾؛ أي: زدناها عليها ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ أي: الميقاتُ الذي وقَّته له ربُّه، أُضيف إلى اللَّه لتوقيته إياه؛ كما في قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]؛ لأنه ثبت بتأجيله أربعين ليلةً، وهذا التكريرُ مع استفادةِ علمه بالأول لإزالةِ الاشتباه: أن الإتمام بالعشر لم يكن من الثلاثين، فإنه قد يُتوهم ذلك.
وقال في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، وذلك يدلُّ على أن المواعَدة كانت بالأربعين جملةً، وهذا يشير إلى أنه كان بالثلاثين ثم زِيد بالعشر.
والتوفيقُ بينهما على قول ابن عباس وسعيد بن المسيِّب وأبي رَوق: أن المواعَدة (٣) كانت بالثلاثين ثم زيدت العشرةُ (٤)؛ لِمَا قالوا: إنه أمره بصوم (٥) ثلاثين يومًا ثم يأتي الطُّورَ، فلما تم ثلاثون تسوَّك ليزيلَ الخلوف، فأوحى اللَّه تعالى إليه: يا
стр. 3198
موسى، أمَا علمت أن خُلوفَ فم الصائم أطيبُ من ريحِ المسك، فلذلك زِيد عشرٌ ليصوم فيها فيأتيَ فيه (١) الخلوف (٢).
وما ذكر في سورة البقرة من مواعدة الأربعين فهو بيانُ الحاصل وجمعٌ بين العددين.
وقال الكلبيُّ وجماعةٌ: كانت المواعَدة بالأربعين جملةً، وإنما ذكر عددين لأنه ذو القعدة وعشرُ ذي الحِجة، فالثلاثون عددُ الشهر والزيادةُ عددُ ما اتَّصل به، قال ذلك مجاهد وابن جريج ومسروق (٣).
وقال أبو العالية: إن موسى ﵇ وعد بني إسرائيل وهم بمصر أنه إذا أهلك اللَّه تعالى عدوَّهم واستنقذهم من أيديهم أتاهم بكتابٍ يبيِّن لهم فيه ما يأتون وما يذَرون، فلما فَعل اللَّه تعالى ذلك بهم سأل موسى ربَّه الكتاب، فأمره اللَّه تعالى أن يصوم ثلاثين يومًا -وهو ذو القعدة- ليكلِّمه، فلما انسلخ ذو القعدة (٤) أكلَ من لحاء الشجر، فأمره اللَّه بصيام عشرة أيام من ذي الحجة ليكلِّمه بخُلوف فمه، ففَعل ذلك (٥).
ولمَّا أراد الانطلاق إلى الجبل أمره اللَّه تعالى أن يختار سبعين رجلًا من قومه من ذوي الحِجَى ليشهدوا له على ما يشاهدونه من كرامة اللَّه تعالى إياه، ففعل ذلك (٦) واستخلف هارون أخاه على قومه، وذلك (٧) قوله تعالى:
стр. 3199
﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾: أي: كُنْ خليفتي عليهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾: أي: سِرْ فيهم بالسيرة الصالحة التي لا فساد فيها، وثبِّتهم على ما أخلِّفهم عليه من الإيمان به وإخلاصِ العبادة له.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾: أي: ولا تسلك طريقةَ مَن يُفسد في الأرض بإظهار المعاصي من نفسه، أو الرضا من غيره بإظهارها، وتقريرِهم على ذلك.
وقال ابن عباس ﵄ (١) والكلبي: مُرْهم بالصلاح ولا تتَّبع طريق العاصين (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فإن قيل: ما معنى قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ وهارونُ كان مبعوثًا معه رسولًا وشريكًا له في الرسالة؛ قال تعالى خبرًا عن موسى أنه قال: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢]، وقال خبرًا عنهما: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، وإذا كان هو رسولًا كيف يحتاج (٣) إلى الاستخلاف.
قلنا: المأموران بشيء لا ينفرد أحدهما بفعله إلا بأمرِ صاحبه، فلذلك قال: ﴿اخْلُفْنِي﴾ أي: في الحكم بينهم ﴿وَأَصْلِحْ﴾ ذاتَ بينهم ولا تتَّبع مَن دعاك إلى سبيل المفسدين، ولأن موسى كان أصلًا فيها وهارون مُعينًا له، قال تعالى: ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القصص: ٣٤] ولهذا كان هو المناجَى على الخصوص، والمعطَى له
стр. 3200
الألواح (١)، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [لأعراف: ١٤٥] وهو الذي قال: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٠] وهو الذي نودي، فلذلك استخلفه (٢).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إن اللَّه تعالى أَسمع موسى كلامه أولَ ما خاطبه بالرسالة من غير وعدٍ ولا انتظارٍ، ثم وعده أن يُسمعه كلامه مرةً أخرى، وعلَّله بالوعد معلَّقًا بثلاثين ليلةً بعدما أخذ السماعُ الأولُ بمجامع قلب موسى صلواتُ اللَّه عليه، فعلَّق قلبَه بميقاتٍ معلوم فاطمأنَّ قلبه بالميعاد، فلمَّا مضت المدَّة زاده عشرًا في العِدَّة، وتأخيرُ وفاءِ الوعد غيرُ محبوبٍ إلا في طريقةِ الأحباب، فإن المَطْل عندهم أشهى من الإنجاز، وفي معناه أنشدوا:
أَمْطِليني وسَوِّفي... وعِدِيني ولا تَفِي
وأنشد الآخر في معناه (٣):
سعادُ لعَمْركُم لا تَهْجُرينا... ومَنِّينا المُنَى ثم امْطُلينا
عِدِينا في غدٍ ما شئتِ إنَّا... نحبُّ وإنْ مَطَلْتِ الواعِدِينا
فإمَّا تُنجِزي عِدَتي وإمَّا... أعيشُ بما أؤمِّل منكِ حينا
قال: ولمَّا أُمر بالذهاب إلى فرعون سأل اللَّه تعالى أن يُشرِكَ معه هارون، ولمَّا ذهب إلى الطور للمناجاة خلَّفه في قومه واستَخلفه، وهو موضع الاعتراض في الظاهر، ولكنْ لا اعتراضَ على الأكابر (٤).
стр. 3201
ومن الإشارة المعروفة في الآية: أن موسى صلواتُ اللَّه عليه استَخلف هارون واعتمد عليه في حفظ قومه فعبدوا العجل، ورسولُنا ﷺ قال: اللَّهُ خَليفتي على أمَّتي، فثبَّتهم اللَّه على الحق.
* * *
(١٤٣) - ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾: قال الكلبي: أي: لميعادنا الأربعين، واللام لبيان الوقت، كما قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
قال وهب: جاء طورَ سِينا ومعه جبريلُ ﵇، فتطهَّر وطهَّر ثوبه (١).
﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾: بلا واسطةٍ بغيرِ كيفيةٍ، فلما سمع كلامه طمع في رؤيته لغلَبة شوقه، فسأل ذلك، وهو قوله تعالى:
﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾: وهو حجةُ أهل السنَّة والجماعة على جواز رؤية اللَّه تعالى، فإن موسى صلوات اللَّه عليه اعتقد جوازها حتى سألها، واعتقادُ جوازِ ما لا يجوز على اللَّه كفرٌ، ومَن جوَّز ذلك على موسى أو على أحدٍ من الأنبياء فهو كافر.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾: ولم يقل: لن أُرى، ليكون نفيًا لجواز الرؤية، بل قال: لن تراني؛ أي: لن تُطيق أنت في الدنيا أن ترانيَ، وهو كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]؛ أي: لن تُطيقوا أن تفعلوا، وقال اللَّه تعالى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: ٦١]؛ أي: لن نطيق أن نصبر.
стр. 3202
والدليل على أنه ليس لنفي جوازِ الرؤية بل هو نفيُ طاقة موسى ما ذُكر بعده، وهو قوله تعالى:
﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾: علَّق الرؤيةَ باستقرار الجبل، وهو أمرٌ متصوَّرٌ، فدل على تصوُّر ما عُلِّق به.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾: أي: ظهَر، يقال: جَلَوْتُ الشيء جلاءً وجلَّيْتُه تجليةً؛ أي: أظهرتُه، فانجلَى وتجلَّى؛ أي: ظهر، والمراد به -واللَّهُ تعالى أعلمُ-: أعطَى الجبل رؤيتَه وجعَل له حياةً وعلمًا علِم به أنه رآه، وهو دليل آخر على أن اللَّه جائزُ الرؤية.
وقوله تعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قرأ أهل المدينة وأبو عمرٍو: ﴿دَكًّا﴾ منوَّنًا غيرَ ممدودٍ هاهنا وكذا في سورة الكهف، ومعناه: مدكوكًا؛ أي: مدقوقًا، مصدر بمعنى المفعول.
وقرأ عاصم كذلك هاهنا، وقرأ الذي في سورة الكهف ممدودًا بلا تنوين.
والباقون قرؤوهما ممدودًا بلا تنوينٍ (١)، وهو تأنيثُ الأدكِّ، يقال: ناقةٌ دكَّاءُ: إذا ذهب سنامُها؛ أي: جعَلها مستويةً بالأرض لا أكَمةَ فيها.
وقال الحسن وسفيان وأبو بكر الهذلي: ساخ في الأرض (٢).
стр. 3203
وقال ابن عباس ﵄: صار ترابًا (١).
وتأنيث الدَّكَّاء -مع أنه صفةُ الجبل وهو مذكَّرُ اللفظ- على معنى التشبيه بالناقة الدكَّاء؛ أي: مثلَ الدَّكَّاء.
وقيل: أي: جعله أرضًا دكَّاء.
وقيل: الدكَّاءُ لغةً هي الرابيةُ التي لا (٢) تبلغ أن تكون جبلًا، وجمعُها: دكَّاوات.
وقال الحسن: صار الجبل ثلاثَ فرقٍ: ساخت فرقةٌ منها في الأرض، وطارت فرقة فوقعت (٣) في البحر، وطارت فرقة فوقعت بعرفات، فهو شاحبٌ مقشعِرٌّ من مخافة اللَّه تعالى.
وقال أبو بكر الورَّاق: فعَذبَ إذ ذاك كلُّ ماء، وأفاق كلُّ مجنون، وبرئ كلُّ مريض، وزالت الشوك عن الأشجار، واخضرت الأرض وأزهرت، وخمدت نيرانُ المجوس، وخرَّت الأصنام لوجوههن (٤).
وقال الحسن: أوحى اللَّه تعالى إلى الجبل: هل تطيق رؤيتي؟ فغار الجبل وساخ في الأرض وموسى ينظر، حتى ذهب أجمعَ (٥).
وقال وهبٌ: خمَد كلُّ شيء حينئذ، وانقطعت أصوات الملائكة، وجعَل
стр. 3204
الجبلُ يتهدَّم وينهار ويضطرب من تحت موسى حتى اندقَّ كلُّه.
وقيل: صار الجبل ذرَّاتٍ في الهواء، وهو الذي يُرى في الشمس إذا دخل شعاعُها في الكُوَى بتلك الكثرة.
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: أي: سقط مغشيًّا عليه؛ أي: لِهَيبةِ تلاشي الجبلِ بظهور آثار القدرة عليه.
قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾: أي: من غشيته ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.
قال الإمام أبو منصور ﵀: خرج هذا الكلام منه مخرج العادة عند رؤية الأفزاع (١) حسَبَ ما يجري على ألسنة الناس عند الأخطار، لا عن ذنبٍ يتذكَّرونه فيتوبون عنه.
ونظيرُ هذا التسبيحِ قولُ عيسى ﵇: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقولُ الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤١]، وقول الملائكة الذين تكلَّموا في أمر آدم ﵇: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
وذكرُ التوبة من غيرِ ذنبٍ كقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، وقولِ النبيِّ ﷺ في كلِّ يوم مئةَ مرةٍ: "أستغفرُ اللَّه وأتوب إليه" (٢).
وقيل: أي: تبتُ إليك من سؤال الرؤية في الدنيا، فإنك إنما وَعدْتَها في الآخرة.
стр. 3205
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: المصدِّقين بأن رؤيتك في الآخرة بالوعد، ولا وعد في الدنيا، ومعنى الأوَّل؛ أي: أولُ أهلِ هذا الزمان؛ لإظهارك (١) ذلك لنا الآن، وإنما أَخْفَى عليه إلى الآن أنه لا يعطي الخلقَ رؤيته في الدنيا مع جوازها؛ ليوجَد منه سؤالُ الرؤية بناءً على معرفته جوازَها؛ ليتحقَّق جواز الرؤية بسؤاله ذلك، فيصيرَ حجةً قاطعةً لأهل الحق على المنكِرين ذلك من أهل البدعة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: وتَعلَّق نُفاةُ الرؤية بظاهرِ قوله (٢): ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أنه نفَى ذلك بـ (لن) وهو للتأبيد، وحملوا سؤال الرؤية على وجوهٍ باطلة:
منها: أنهم قالوا: معنى قوله: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾؛ أي: أرني آيةً قاطعةً أراها.
ومنها: أنهم قالوا: لم يسأل رؤيةَ اللَّه تعالى لنفسه، بل لقومه حيث قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣].
ومنها: أنهم قالوا: خفيَ عليه أنه يُرى أو لا يُرى، فسأل ذلك ليَعلم.
والجواب: أن نقول: أمَّا (لن) فهو نفيُ قدرته على رؤية اللَّه تعالى مدةَ الدنيا؛ لأنه جواب سؤاله، وسؤالُه كان في حقِّ رؤية الدنيا، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] ثم هذا التأبيدُ في الدنيا؛ فإنهم يتمنَّونه في العقبى؛ قال تعالى خبرًا عنهم: ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]؛ أي: الموتَ، وقال: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
وقولهم: إنه سأل الآية.
قلنا: قد كان أَراه الآيات الكثيرةَ قبلها، وأَراه أيضًا في ذلك المكان دكَّ الجبلِ،
стр. 3206
وقد نُفي بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وذلك لا (١) يحتمِل إراءةَ الآيات، ولأنه قال: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ وأجيب بـ ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، وذلك لا يحتمِل إراءةَ الآيات ونفيَ رؤيتها.
وقولهم: إنه سأل ذلك لقومه. لا يستقيم؛ لأنه قالَ: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ولم يقل: أَرِهم ينظروا إليك (٢)، وقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: لن يروني، ولأنه لو كان لسؤال القوم فمِن حقِّه أن يزجرهم عنه ويجهِّلهم فيه كما فعَل ذلك في حقِّ الذين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ حيث جهَّلَهلم وسفَّهَهم بقوله (٣): ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ الآيات [الأعراف: ١٣٨].
وأمَّا قولهم: خفي عليه ذلك.
قلنا: يكون هذا جهلًا باللَّه، وهو كفرٌ، ومَن ظن هذا بالأنبياء فهو كافرٌ وباللَّه (٤) العصمةُ.
وقد رُوي في هذا أحاديثُ فيها ذكرُ نزول الملائكة والتعنيفِ على موسى ﵇ بما سأل، ولكنْ ليس ورودُها على وجهٍ يصحُّ، ولا يجوز قبولُها لأنها لا تليق بحال الأنبياء.
وأقاويل الناس في الآية أيضًا على وجوهٍ تختلف، والصحيح الموافقُ للأصول ما قلنا، وباللَّه المعونةُ.
وقال الإمام القشيري ﵀: ولمَّا جاء موسى ﵇ مجيءَ المشتاقين،
стр. 3207
مجيءَ المغلوبين (١)، جاء موسى بلا موسى، جاء موسى ولم يَبق من موسى شيءٌ لموسى، وآلافُ آلافِ رجال (٢) قطعوا مسافاتٍ وتحمَّلوا مخافاتٍ فلم يذكرهم أحد، وهذا موسى خَطَا خطواتٍ وإلى القيامة يقرأ الصبيان: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾.
ولما جاء موسى باسَطَهُ الحقُّ بالكلام، فلم يتمالك أن (٣) قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ فإن غلباتِ الوَجْد استنطقَتْه بطلَب كمال الوُصلة من الشهود، وقد قالوا:
وأَبرحُ ما يكونُ الشوقُ يومًا... إذا دَنَتِ الخيامُ من الخيامِ
وقالوا: لا يؤاخَذُ المغلوب بما يقول، وقالوا: إنه لا يَشكر مَن يُنكر (٤).
قال (٥): و [يقال]: أشدُّ الخلق شوقًا إلى الحبيب أقربهم من الحبيب، هذا موسى وقف في محلِّ المناجاة، وحَفَّت به الكرامات، وكلَّمه بلا واسطةٍ ولا جهات، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ كأنه غائبٌ وهو شاهد، ولكنْ ما أزداد القومُ شربًا إلا ازدادوا عطشًا، ولا ازدادوا قربًا إلا ازدادوا شوقًا.
وقال: سأل موسى الرؤيةَ بالكلام فأُجيب: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ بالكلام، وأَسرَّ المصطفى في قلبه ما كان يرجُوه من تحويل القبلة من ربِّه فقيل له: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤].
стр. 3208
وقال: إنه سأل اللَّهَ الرؤية، فقال له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، وقال للخضر: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦] قال له: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧] فصار جوابه (لن) من الحقِّ ومن الخَلق؛ ليبقى موسى بلا موسى، ويصفوَ موسى عن كلِّ نصيبٍ لموسى من موسى (١)، وأنشدوا:
أبَنِي أَبِينا نحنُ أهلُ منازلٍ... أبدًا غرابُ البَيْنِ فينا يَنْعِقُ
قال (٢): والبلاء الذي ورد عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أشدُّ من قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾؛ لأنه صريحٌ في الردِّ، وفي اليأس راحةٌ، وقوله: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ هذا إطماعٌ فيما مُنعه، فلما اشتدَّ توقُّعه جُعل الجبل دكًّا، وكان قادرًا على إمساك الجبل، لكنه قهرُ الأحباب، وبه سبَق الكتاب.
وفي قوله: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ بلاءٌ شديد لموسى؛ لأنَّه مُنع عن رؤية مقصوده وأُمر برؤية غيره، ولو أُمر في أن يُغمض عينيه ولا ينظرَ إلى شيءٍ بعده لكان الأمرُ أسهلَ عليه، ولكنه قيل له: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.
ثم أشدُّ من ذلك أن الجبل أُعطي التجلِّيَ ثم أُمر موسى ﵇ بالنظر إلى الجبل الذي قدِّم عليه في هذا السؤال، وهذا صعبٌ شديد، ولكن موسى ﵇ رضي به وانقاد لحكمه، وفي معناه أنشدوا:
أريدُ وصاله ويريدُ هَجْري... فأتركُ ما أُريدُ لِمَا يُريد
стр. 3209
وقيل: بل هو لطفٌ به، حيث لم يصرِّح بردِّه، بل علَّله عونًا (١) له على صبره، وقد قيل (٢):
فذريني أصبر (٣) قليلًا قليلًا
ولمَّا مُنع النظرَ رجع إلى رأسِ الأمر فقال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ (٤) يعني: إن لم تكن الرؤية التي هي غايةُ الرتبة فلا أقلَّ من رأس الأمر وهو التوبة.
ثم هذا منه إناخةٌ بعَقْوَة (٥) العبودية، وشرطُها: ألا تَبرح عن محلِّ الخدمة إنْ حيلَ بينك وبين وجودِ القُربة، لأن القُربة حظُّ نفسك والخدمةَ حقُّ ربك، ولَأَنْ تكونَ بحقِّ ربِّك أتمُّ من أن تكون بحظِّ نفسك (٦).
* * *
(١٤٤) - ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾: لمَّا قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال اللَّه تعالى له (٧): يا موسى، إني استخلصتُك على أهل عصرك.
وقوله تعالى: ﴿بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾: يعني: بأنْ أرسلتُك بما أوحيتُ إليك من
стр. 3210
الأوامر والنواهي، والوعدِ والوعيد، والأحكام والمواعظ، وبأنْ كلَّمتُك بلا واسطةٍ، وهذا يردُّ قولَ مَن يقول: إن السبعين الذين اختارهم موسى سمعوا كلام اللَّه تعالى؛ لأن في الآية بيانَ الاصطفاء، وهو تنصيص على التخصيص.
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾: أي: التَزِمْ ما أَلْزمْتُك، وقيل: أي: أَقبِلْ على ما أنزلتُه عليك، وقيل: أي: اعمَلْ به.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: إنعامي بهذه الأشياء وغيرِها، بالاجتهاد في الطاعة، وتبليغِ الرسالة، والنصيحةِ للأمة، والصبرِ على أعباء هذه الأمانة.
وقيل: أي: دُمْ على شكرك فقد كان الأنبياءُ كلُّهم شاكرين صابرين.
وقال الإمام القشيري ﵀: فيه تسكينُ قلب موسى بعد منع الرؤية، كأنه قال: إنْ منعتُك شيئًا واحدًا أعطيتُك أشياء؛ اصطفيتُك بالرسالة، وأكرمتُك بشرفِ الحالة، وكلَّمتُك بلا واسطة، فاعرِفْ هذه النِّعمَ واشكر لي (١) عليها.
وقيل: فيه إشارةٌ لطيفة، كأنه قال: إنْ منعتُك عن مطلوبك، فلا تشكُني إلى قومك بعد رجوعك، وأنشدوا:
إنْ أَعْرضوا فهمُ الذين تَعَطَّفوا... كم قد وفَوا فاصْبِرْ لهم إن أَخْلَفوا (٢)
* * *
(١٤٥) - ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾: هي جمعُ لوحٍ، وهو
стр. 3211
الصحيفةُ المهيَّأة للكتابة فيها؛ أي: أنزلنا عليه مع ذلك ألواحًا كُتب له فيها كلُّ شيء، ولأمَّته ما (١) الحاجةُ إليه في مصالح الدِّين والدنيا، ويراد بـ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ هذا، ويراد به أيضًا تعظيمُ قَدْرِه وتفخيمُ شأنه، كما يقول الرجل: دخلتُ السوقَ فاشتريتُ كلَّ شيء، و: عند فلانٍ كلُّ شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]: إنما هو صفةٌ لسَعة ملكها ووُفور أسباب سلطانها.
وعرّف الألواح بالألف واللام لأنها مشهورة عندهم.
وقيل: هو بمعنى الإضافة، وتقديره: في ألواحه، كما قال: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١]؛ أي: مأواه.
وقوله تعالى: ﴿مَوْعِظَةً﴾: هي مفعولٌ له؛ أي: ليكون تحذيرًا عمَّا لا ينبغي أن يُفعل.
وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: تبيينًا.
وقوله تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾: أي: وقُلنا له: ﴿خذها بقوة﴾ أي: نشاطٍ وجِدٍّ.
وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾:
قال ابن كَيْسان: أي: بالفرائض.
وقال قطربٌ: أي: بحسَنها، وكلُّها حَسَن، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: كبيرٌ.
وقال الحسينُ بن الفضل ﵀: وهو أن يكون للكلمة معنيان أو ثلاثة فتُصرفَ إلى أشبهه بالحق، وهو قولُه تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢).
стр. 3212
وقيل: فيها فرائضُ وفضائلُ، فالأحسنُ الجمع بينهما.
وقيل: أي: بالعزائم دون الرُّخص، وبالأفضلِ الأعلى دون الأنقَصِ الأدنى.
وقيل: أي: فيها بيانُ قصص الأولين وبيانُ أفعالهم، وفيها ذكر المحاسن من الأولياء والمساوئِ من الأعداء، فأُمروا بأن يعملوا بتلك المحاسنِ دونَ المساوئ.
وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: قيل (١): سأُورِدكم يوم القيامة مأوَى الخارجين من الطاعة وهو جهنم، فتحمَدوا اللَّه على ما أنزلكم من الجنة.
وقيل: أي: سأريكم أرضَ الشام التي كانت للجبابرة الفاسقين وأُوْرِثكموها.
وقيل: سأريكم مصر -وهي دار فرعون وقومِه- خاليةً عنهم وأورثُكموها، قاله يمانُ بن رِئابٍ (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: الموعظة: هي التي تحمِل القلوبَ على القبول والجوارحَ على العمل.
وقيل: هي التي تنهَى عمَّا لا يَحِلُّ.
وقال ابن كيسان: هي التي تليِّن القلوب القاسية، وتُدْمع العيون الجامدة، وتصلح الأعمال الفاسدة.
قال: وعندنا: هي التي تذكِّر العواقبَ، وتحمله على العمل بها.
стр. 3213
قال (١): وقوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ دليلٌ على أن الاستطاعة مع الفعل؛ لأنَّها (٢) لا تبقى زمانين، فلو لم تكن مع العمل لم يكن الأخذُ بقوة.
وقال في قوله : ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: جهنم، ويحتمل أن يكون الخطاب للفسَقة: سأريكم يا أهل الفسقِ داركم (٣).
وقيل: ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾: ما مرُّوا (٤) عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والماضين.
وقال السدِّي: أي: مصارعَ الفاسقين (٥).
وقال الحسن: لمَّا أراد اللَّه أن يكتب الألواح لموسى بَعث جبريل إلى جنة عدنٍ، فقطع منها شجرةً فاتخذ منها تسعةَ ألواح، وكانت من زمرُّدٍ أخضرَ طولُ كلِّ لوحٍ عشرةُ أذرعٍ بذراعِ موسى، وكذلك عرضُه، فكَتب التوراةَ وموسى يسمع صريرَ القلم.
وقال مجاهد: كانت من زمرُّدةٍ خضراءَ (٦).
وقال سعيد بن جبيرٍ: من ياقوت (٧).
стр. 3214
وقال أبو العالية: من بَردي (١).
وقال وهبٌ: قطَعها من صخرةٍ صمَّاء من الجبل الذي كان عليه موسى، وليَّنها اللَّه تعالى وسوَّاها، وكانت الألواح عشرًا وكانت على طول موسى (٢).
وقال الحسن: فوُضعت الألواح على السماء فشكَت إلى اللَّه تعالى ولم تُطِقْ حملَها، وقالت: يا ربّ! كيف أُطيق أن أحملها، وهلَّا خلقتَ خلقًا يُطيق حملَ ذلك، فبعث اللَّه تعالى جبريل أن يحمل الألواح فيبلِّغها إلى موسى، فلم يُطِقْ حملَها، فقال: يا ربّ، ومَن يُطيقُ حمل هذه الألواح بما فيها من النُّور والبيان والعهود، وهل خلقتَ خلقًا يُطيق حملَ ذلك (٣)؟! فأمدَّه اللَّه تعالى بملائكةٍ يحملونها؛ بعددِ كلِّ حرفٍ في التوراه ملَكٌ، فحملوها حتى بلَّغوها موسى، فوضعوا الألواح على الجبل فانصَدع الجبل وخشع، وقال: يا رب! مَن يطيق أن يحمل هذه الألواح بما فيها، وقد ضرب اللَّه تعالى لهذا القرآن مثلًا فقال: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] كما أنزل التوراة على الجبل فلم يُطق حملها.
وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وِقْرَ بعيرٍ، فلم يقرأها كلَّها (٤) إلا أربعةٌ: موسى ويوشع وعُزيرٌ وعيسى ﵈ (٥).
وقال قتادةُ: لمَّا أخذ موسى الألواحَ قال: يا رب، إنِّي أجدُ في التوراة -أي:
стр. 3215
الألواح (١) - أمَّةً هي خيرُ الأمم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمةُ محمدٍ ﷺ فقال: يا ربّ، إنِّي أجد في التوراة أمةً سمَّيتَهم المتقين وسمَّيتهم عابدين وصالحين؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إنِّي أجد في التوراة أمةً هم الآخِرون السابقون يومَ القيامة؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ، إنِّي أجدُ في التوراة أمةً يأخذون صدقاتها فيأكلونها في بطونهم فيؤجَرون عليها؟ قال: هم أمة محمد، قال يا ربّ، إني أجد في التوراة أمةً هم المستجيبون والمستجابُ لهم؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا رب (٢)، إني أجد في التوراة أمةً يقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتِلوا الدجَّال؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا ربّ (٣)، إني أجد (٤) في التوراة أمةً أناجيلُهم في صدورهم؟ فقال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً الجنةُ محرَّمةٌ على الأنبياء حتى يدخلَها نبيُّهم، وعلى الأمم حتى تدخلها أمَّتُه؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً غَفرْتَ لهم قبل أن يَستغفروك، وأعطيتَهم قبل أن يسألوك؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة أمةً رضُوا عنك باليسير من الرزق ورضيتَ عنهم باليسير من العمل؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجدُ في التوراة أمةً هم الشافعون والمشفوعُ لهم؟ قال: هم أمة محمد، قال: فاجعلهم أمتي، قال: إنك لن تدركهم، فقال موسى: الوفدُ وفدي والحياءُ لأمة محمد، فاجعلني من أمة محمد، فقال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الآية، فرضي، وزِيدَ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] (٥).
стр. 3216
وفي رواية وهب عن كعب فيه زوائدُ؛ قال: أجد أمةً مرحومة؟ قال: هم أمة محمد أُدخلهم الجنةَ بشهادةِ أنْ لا إله إلا اللَّه، قال: إني لأجد أمةً يُحشرون يوم القيامة غرًّا محجَّلين وجوهُهم على صورةِ القمر ليلة البدر؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني لأجدُ أمةً إذا همَّ أحدُهم بحسنةٍ ولم يعملها كُتبت له حسنةً، وإنْ عمِلها كتبت له عشرًا إلى (١) ضعفِ سبعِ مئة، وإذا همَّ أحدهم بسيئةٍ ولم يعملها لم تُكتب عليه، وإنْ تركها كُتبت له حسنةً؟ قال: هم أمة محمد، قال: إنِّي لأجد (٢) أمةً يصلُّون في اليوم خمسَ مراتٍ في خمس ساعاتٍ، تُفتح لهم أبوابُ السماء وتنزل عليهم الرحمةُ؟ قال: هم أمة محمد، قال: إني أجد في التوراة (٣) أمةً يصومون لك (٤) شهر
стр. 3217
رمضان تَغفر لهم ما كان قبل ذلك، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد (١)، قال: فاجعل لي هذا الشهر، قال: هو لأمة محمد ﷺ قال موسى: يا رب! وما شهرُ رمضان؟ قال: شهر اخترتُه لنفسي وأعطيتُ فيه من الفضل لأحمدَ وأمته ما لم أعطِ أحدًا (٢)، فلو أَذِنْتُ للسماء لشفعت لهم، ولو أَذِنتُ للأرض لشَفعت لهم في ذلك الشهر، ولو أَذنتُ لملائكتي لشفعوا لهم في ذلك الشهر، قال: يا رب، إني لأجد أمةً يحجُّون البيتَ الحرام لا يَقضون منه (٣) وطرًا، يَعجُّون لك بالبكاء عجيجًا (٤)، ويَرجُّون بالتلبية رجيجًا (٥)، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، قال: يا رب، فما تعطيهم على ذلك؟ قال: أَرُدُّهُم بالمغفرة، وأُشفِّعهم (٦) فيمَن وراءهم، قال: يا رب، فإنَّ فيهم مَن ليست نفقتُه بزاكيةٍ ولا عملُه بصالح؟ قال: وما علمُك يا موسى، قال: لولا أنك علَّمْتني لم أعلم، قال: يا موسى، أشفِّع بِرَّهم في فاجرهم، قال: يا رب، إني أجد (٧) أمةً يُحشرون يوم القيامة على ثلاثٍ: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلثٌ يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث يمحَّصون، فتقول الملائكة: يا رب، هؤلاء أصحاب الدماء والأموال والفروج، غيرَ أنهم أهلُ لا إلهَ إلا اللَّه، فتدخلُهم الجنة، فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، قال: يا رب، إني أجد (٨) أمةً
стр. 3218
سفهاءَ قليلة أحلامهم (١) يلعنون البهائم ويستغفرون من الذنوب، يرفع أحدهم اللُّقمة إلى فيه فلا تستقرُّ في جوفه حتى تَغفرَ له، يفتتحُها باسمك ويختمُها بحمدك فاجعلهم أمتي، قال: هم أمة محمد، قال: يا رب، بسطتَ هذا الخير لمحمدٍ وأمَّته، اجعلني من أمة محمد، قال: فقال اللَّه تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ الآية [الأعراف: ١٤٤]، فرضيَ موسى وفي نفسه شيءٌ، فقال اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] (٢).
* * *
(١٤٦) - ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: ويحتمل أنها متصلةٌ بقصة بني إسرائيل، ومعناه: خذوا بأحسنها بجِدٍّ ونشاط فإنِّى أصرفُ عنها المتكبِّرين، فلا تتكبَّروا لئلا تُصرفوا عنها فتضيِّعوها.
ويحتمِل أن يكون هذا كلامًا معترِضًا خلال هذه القصة إخبارًا للنبيِّ ﷺ في حقِّ آيات القرآن.
وقال سفيان بن عيينة: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾؛ أي: أَحْرِمُهم فَهْمَ القرآن (٣).
وقال ذو النُّون: أبى اللَّه أن يُكرم قلوبَ البطَّالين بمكنونِ حكمةِ القرآن (٤).
стр. 3219
وقيل: أي: سأمنعهم عن الاعتراض عليها والطعنِ فيها، ويصحُّ ذلك في حق آيات موسى وآيات محمد ﵉، وهي القرآن.
وقيل: أي: سأَصرفهم عن أن يفعلوا ما يَمنع عن إبلاغها، ويصحُّ ذلك في حقِّ موسى ومحمد ﵉، قال تعالى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]؛ أي: لا تُظهر من نفسك ضعفًا.
وقال في حق نبينا محمد ﷺ : ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].
وقيل: هي آياتُ الوحدانية، قال عبد الرحمن بن زيد: سأَصرف قلوبَهم حتى لا يتفكَّروا في خلق السماوات والأرض (١).
وقال ابن جريج: الآيات خلق السماوات والأرض؛ أي: أصرِفهم عن الاعتبار فيها (٢).
وقال الحسين بن الفضل: سأصرفهم عن آيات الآفاق حتى لا يتفكَّروا في خلقها ولا يَعتبروا بها، وعن الآيات في أنفسهم حتى لا يَروا فناءها ويُعجبوا بها.
وقال مقاتل: سأصرفهم عن التفكُّر في خلقِ السماوات والأرض وما فيهما من الشمس والقمر والنجوم والبحر والبَرِّ والنبات فيكون لهم عبرةً (٣).
وفي الآية إثباتُ خلق اللَّه الأفعالَ، وإثباتُ أفعال العباد.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يتعظَّمون عن الانقياد للأنبياء طلبًا للعلوِّ والرياسة.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾؛ أي: بغير الاستحقاق، وقيل: أي: بغير عملٍ بالحق (٤).
стр. 3220
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تكبَّروا على الرسل لأنهم لم يروهم أشكالًا لأنفسهم، وكذا كلُّ مَن تكبَّر على آخَر فإنما يتكبَّر لمَّا لم يره مِثلًا لنفسه، أو لما يَرى نفسه سليمةً عن العيوب ورأى في غيره عيوبًا، أو رأى لنفسه حقوقًا عليه، وإذا كان الخلق كلُّهم أكفاء بعضُهم لبعض وفيهم العيوبُ والحاجات فلا يسعُ أحدًا التكبرُ على أحدٍ، وهو للَّهِ تعالى فإنه لا مِثلَ له وهو منزَّه عن العيوب والحاجات، فلذلك كان له الكبرياء والعظمة بالحق (١).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾: أي: عنادًا، وكذا (٢) قالوا: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيل﴾: أي: لأنفسهم فيسلكوه ويَدينوا (٣) به، وهو من صفة المعاندين (٤).
والرُّشْد والرَّشَد لغتان؛ كالبُخْل والبَخَل، والسُّقْم والسَّقَم، والحُزْن والحَزَن.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾: أي: لأنفسهم يسلكونه ويَدينون به، وهو صفة المعاندين والمتكبِّرين المذكورِين في أولها.
وقوله تعالى: ﴿ذلكَ بأنهُم كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: أي: ذلك الصرفُ عن قبول الحق والانقيادِ له بتكذيبهم بآياتنا.
وقوله تعالى: ﴿وكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: أي: غفلةَ إعراض وعنادٍ، لا غفلةَ جهلٍ وسهو (٥).
стр. 3221
(١٤٧) - ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: أصل اللقاء: رؤيةُ العين، وهؤلاء كذَّبوا برؤية الآخرة؛ أي: الدارِ الآخرة استبعادًا لها وإحالةً لوجودها، و ﴿حَبِطَتْ﴾؛ أي: بطَلت وتلاشَتْ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا وجهين:
يحتمل أنهم كانوا مؤمنين ثم كفروا فحبِطت الطاعات التي عملوها في الإيمان.
ويحتمل أنه أراد به المعروفَ والصنائع؛ من صلةِ الرَّحِم والصَّدَقات والخيراتِ التي عملوا بها في الكفر، حبط ثوابُ ذلك حين لم يؤمنوا (١).
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا يُجزون إلا بما عملوا من الكفر والمعاصي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ التكبُّرُ: توهُّمُ استحقاقكَ الحقَّ.
ويقال: مَن رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبِّر.
ويقال: مَن ظنَّ أن به شيئًا أو منه أو له أو إليه من النفي والإثبات -إلا على وجه الاكتساب- فهو متكبِّرٌ (٢).
* * *
(١٤٨) - ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
стр. 3222
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: من بعد انطلاقه إلى الطُّور عجلًا؛ أي: أعَدُّوه ليعبدوه، والعجل: ولدُ البقرة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾: جمع حَلْيٍ بفتح الحاء وتسكين اللام، وهي الحِلْيةُ، وهي ما (١) يُتَّخذ من الذهب والفضة للتنزيين به، والحُليُّ -بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء- جمعُه، وتقديره: الفُعول، والواو صيِّرت ياءً لأنها لا تسلَم معها، وكُسرت اللام لأن الياء أختُ الكسرة، وقد يقال: حِلِيٌّ بكسر الحاء إتْباعًا لكسرة اللام.
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ إضافة إلى قوم موسى، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]، فأضافها إلى قوم فرعون في آية بحُكم المِلْك، وأضافها إلى قوم موسى في آيةٍ بحُكم العاريَّة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فدل أن العارية يجوز أن تُنسَب إلى المستعير، وفيه دلالةٌ على (٢) أن مَن حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارًا له عاريةً حَنِث (٣).
وقوله تعالى: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾: هو بدلٌ عنه وترجمة له ومعناه جسمًا.
وقال الكلبي: جسدًا مجسَّدًا ليس فيه روحٌ وله لحمٌ ودمٌ وشعر.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: أي: صوتٌ، وهو صوت البقر على الخصوص.
قيل: إن السامريَّ احتال بأن جوَّفه وقابَلَ به الريحَ حتى جاء من ذلك ما يُشبه الخوار، وأَوهمهم أنه صار كذلك.
وقيل: بل صار عجلًا له خوارٌ حقيقةً، قال ابن عباس ﵄: كانت فتنتُهم في العشر التي زادها اللَّه تعالى، فلمَّا مضت ثلاثون ليلةً، وكان السامريُّ أخذ
стр. 3223
قبضةً من أثرِ فرسِ جبريلَ ﵇ في البحر، فقال حين مضى ثلاثون ليلةً: يا بني إسرائيل، إنَّ معكم من حليِّ آل فرعون وهو حرامٌ عليكم، فهاتوا ما عندكم فنُحرقَها، فأَتَوه بها، فأوقد نارًا ثم أَلقى الحليَّ في النار، فلما ذاب ألقى تلك القبضةَ من التراب فيها فصار عجلًا جسدًا له خوارٌ، فخار خورةً واحدة، فقال السامري: إن موسى ذهب يطلب ربَّكم، فهذا إلهُ موسى وإلهُكم فنسي؛ أي: أخطأ موسى الطريقَ وهاهنا إلهُه.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَنَسِيَ﴾؛ أي: ترك السامريُّ ما كان عليه من الإسلام.
قال: ولم يكن هو من بني إسرائيل في النسبة إنما كان وقع بمصر فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي نفسه حبُّ عبادة البقر، واسمه موسى بن ظفر (١).
وقال السدِّيُّ: جعل العجلُ يمشي كما يمشي العجلُ (٢)، قال: واسم السامري: ميحا (٣).
وقال وهب: لم يكن له حركةٌ ولا خطوةٌ، إلا أن الخوار كان يُسمع منه.
وقال أبو هريرة ﵁: لمَّا قال اللَّه تعالى لموسى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ قال: يا رب! هذا العجلُ اتَّخذه السامريُّ فممَّن كان صوته؟ قال: مني، قال: يا رب! أنت فتنتَ قومي؟ فقال: إنما فعلت ذلك لأنك سلَّمتهم إلى هارون فقلتَ: اخلُفْني في قومي (٤). وقد بينَّا بعض هذه القصة في سورة البقرة، ونذكُر تمامها في سورة طه إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 3224
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾: وهذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى عبادَه من سفَههم، يقول: مَن لا يكون له كلام يخاطِب به، ولا منه هدايةٌ يرشِد بها، كيف يكون إلهًا؟ ثم ليس فيه أنه لو كلَّمهم أو هداهم يجوز أن يعبد، قال ذلك الإمام أبو منصور ﵀.
قال: وقال في سورة طه: ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] ليس فيه أنه لو ضرَّهم أو نفَعهم جاز أن يُعبد؛ ليُعلم أن ذكر (١) حكم الحظر في حالٍ لا يُوجب إباحةَ ذلك في حالة أخرى (٢).
وهو معنى قول مشايخنا ﵏: تخصيص الشيء بالذكر لا يدلُّ على نفي ما عدَاه.
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾: أي: اتَّخذوه معبودًا، وكانوا ظالمين أنفسَهم وضارِّين لها بذلك، وواضعين العبادةَ غيرَ موضعها، والظلم يفسَّر بذلك كله.
* * *
(١٤٩) - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾: أي: ندموا، وأصله: أن مَن ندِم وَضع ذقنَه في يده، فالذقن ساقطٌ واليد مسقوطٌ فيها، وليس ذلك لتعدِّي الفعل، لكنَّ طريقَه طريقُ قولك: جلس زيد على البساط، فالبساط محلُّه، ويجوز أن يقال: جُلس على البساط، فيجوز أن يقال: وسُقِط في اليد.
стр. 3225
وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾: أي: علِموا، وهو من رؤية القلب.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾: قرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب فيهما ونصبِ الباءِ من ﴿رَبُّنَا﴾ على النداء؛ أي: تابوا ودَعوا ربهم فقالوا: يا ربنا إن لم ترحمنا وتغفر لنا.
وقرأ الباقون بياء المغايبة فيهما ورفعِ الباء من ﴿رَبُّنَا﴾ (١) على أنه فاعلٌ بفعله وهو ﴿يَرْحَمْنَا﴾ وعُطف عليه: ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: الهالكين المغبونين (٢) في الدنيا والآخرة.
وقال القشيري ﵀: قوله: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ فيه إشارةٌ إلى مخاطبته عبيدَه، وأن ملوك الخلق إذا جلَّت رتبتُهم أَنفوا من (٣) مخاطبةِ خدمهم بلسانهم، قال قائلهم:
وما عَجَبٌ تَنَاسى ذكر عبدٍ... على المولَى إذا كثُرَ العبيدُ
واللَّه تعالى بخلافِ هذا أجرى سنَّته مع عباده الأولياءِ والأعداء؛ فأما الأعداءُ فإنه يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وأما الأولياء فقد قال ﷺ : "ما من أحدٍ إلا ويكلِّمه ربُّه ليس بينه وبينه تَرْجمانٌ" (٤) وأنشدوا:
وما يَزْدَهينا الكبرياءُ عليهم... إذا كلَّمونا أنْ نُكَلِّمَهُم نزرا (٥)