(١٤٧) - ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: أصل اللقاء: رؤيةُ العين، وهؤلاء كذَّبوا برؤية الآخرة؛ أي: الدارِ الآخرة استبعادًا لها وإحالةً لوجودها، و ﴿حَبِطَتْ﴾؛ أي: بطَلت وتلاشَتْ.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمل هذا وجهين:
يحتمل أنهم كانوا مؤمنين ثم كفروا فحبِطت الطاعات التي عملوها في الإيمان.
ويحتمل أنه أراد به المعروفَ والصنائع؛ من صلةِ الرَّحِم والصَّدَقات والخيراتِ التي عملوا بها في الكفر، حبط ثوابُ ذلك حين لم يؤمنوا (١).
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: لا يُجزون إلا بما عملوا من الكفر والمعاصي.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ التكبُّرُ: توهُّمُ استحقاقكَ الحقَّ.
ويقال: مَن رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبِّر.
ويقال: مَن ظنَّ أن به شيئًا أو منه أو له أو إليه من النفي والإثبات -إلا على وجه الاكتساب- فهو متكبِّرٌ (٢).
* * *
(١٤٨) - ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾.
стр. 3222
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾: أي: من بعد انطلاقه إلى الطُّور عجلًا؛ أي: أعَدُّوه ليعبدوه، والعجل: ولدُ البقرة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾: جمع حَلْيٍ بفتح الحاء وتسكين اللام، وهي الحِلْيةُ، وهي ما (١) يُتَّخذ من الذهب والفضة للتنزيين به، والحُليُّ -بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء- جمعُه، وتقديره: الفُعول، والواو صيِّرت ياءً لأنها لا تسلَم معها، وكُسرت اللام لأن الياء أختُ الكسرة، وقد يقال: حِلِيٌّ بكسر الحاء إتْباعًا لكسرة اللام.
﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ إضافة إلى قوم موسى، وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]، فأضافها إلى قوم فرعون في آية بحُكم المِلْك، وأضافها إلى قوم موسى في آيةٍ بحُكم العاريَّة.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: فدل أن العارية يجوز أن تُنسَب إلى المستعير، وفيه دلالةٌ على (٢) أن مَن حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارًا له عاريةً حَنِث (٣).
وقوله تعالى: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾: هو بدلٌ عنه وترجمة له ومعناه جسمًا.
وقال الكلبي: جسدًا مجسَّدًا ليس فيه روحٌ وله لحمٌ ودمٌ وشعر.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾: أي: صوتٌ، وهو صوت البقر على الخصوص.
قيل: إن السامريَّ احتال بأن جوَّفه وقابَلَ به الريحَ حتى جاء من ذلك ما يُشبه الخوار، وأَوهمهم أنه صار كذلك.
وقيل: بل صار عجلًا له خوارٌ حقيقةً، قال ابن عباس ﵄: كانت فتنتُهم في العشر التي زادها اللَّه تعالى، فلمَّا مضت ثلاثون ليلةً، وكان السامريُّ أخذ
стр. 3223
قبضةً من أثرِ فرسِ جبريلَ ﵇ في البحر، فقال حين مضى ثلاثون ليلةً: يا بني إسرائيل، إنَّ معكم من حليِّ آل فرعون وهو حرامٌ عليكم، فهاتوا ما عندكم فنُحرقَها، فأَتَوه بها، فأوقد نارًا ثم أَلقى الحليَّ في النار، فلما ذاب ألقى تلك القبضةَ من التراب فيها فصار عجلًا جسدًا له خوارٌ، فخار خورةً واحدة، فقال السامري: إن موسى ذهب يطلب ربَّكم، فهذا إلهُ موسى وإلهُكم فنسي؛ أي: أخطأ موسى الطريقَ وهاهنا إلهُه.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَنَسِيَ﴾؛ أي: ترك السامريُّ ما كان عليه من الإسلام.
قال: ولم يكن هو من بني إسرائيل في النسبة إنما كان وقع بمصر فدخل في بني إسرائيل وأظهر الإسلام، وفي نفسه حبُّ عبادة البقر، واسمه موسى بن ظفر (١).
وقال السدِّيُّ: جعل العجلُ يمشي كما يمشي العجلُ (٢)، قال: واسم السامري: ميحا (٣).
وقال وهب: لم يكن له حركةٌ ولا خطوةٌ، إلا أن الخوار كان يُسمع منه.
وقال أبو هريرة ﵁: لمَّا قال اللَّه تعالى لموسى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ قال: يا رب! هذا العجلُ اتَّخذه السامريُّ فممَّن كان صوته؟ قال: مني، قال: يا رب! أنت فتنتَ قومي؟ فقال: إنما فعلت ذلك لأنك سلَّمتهم إلى هارون فقلتَ: اخلُفْني في قومي (٤). وقد بينَّا بعض هذه القصة في سورة البقرة، ونذكُر تمامها في سورة طه إن شاء اللَّه تعالى.
стр. 3224
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾: وهذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى عبادَه من سفَههم، يقول: مَن لا يكون له كلام يخاطِب به، ولا منه هدايةٌ يرشِد بها، كيف يكون إلهًا؟ ثم ليس فيه أنه لو كلَّمهم أو هداهم يجوز أن يعبد، قال ذلك الإمام أبو منصور ﵀.
قال: وقال في سورة طه: ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] ليس فيه أنه لو ضرَّهم أو نفَعهم جاز أن يُعبد؛ ليُعلم أن ذكر (١) حكم الحظر في حالٍ لا يُوجب إباحةَ ذلك في حالة أخرى (٢).
وهو معنى قول مشايخنا ﵏: تخصيص الشيء بالذكر لا يدلُّ على نفي ما عدَاه.
وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾: أي: اتَّخذوه معبودًا، وكانوا ظالمين أنفسَهم وضارِّين لها بذلك، وواضعين العبادةَ غيرَ موضعها، والظلم يفسَّر بذلك كله.
* * *
(١٤٩) - ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾: أي: ندموا، وأصله: أن مَن ندِم وَضع ذقنَه في يده، فالذقن ساقطٌ واليد مسقوطٌ فيها، وليس ذلك لتعدِّي الفعل، لكنَّ طريقَه طريقُ قولك: جلس زيد على البساط، فالبساط محلُّه، ويجوز أن يقال: جُلس على البساط، فيجوز أن يقال: وسُقِط في اليد.
стр. 3225
وقوله تعالى: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾: أي: علِموا، وهو من رؤية القلب.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾: قرأ حمزة والكسائي بتاء الخطاب فيهما ونصبِ الباءِ من ﴿رَبُّنَا﴾ على النداء؛ أي: تابوا ودَعوا ربهم فقالوا: يا ربنا إن لم ترحمنا وتغفر لنا.
وقرأ الباقون بياء المغايبة فيهما ورفعِ الباء من ﴿رَبُّنَا﴾ (١) على أنه فاعلٌ بفعله وهو ﴿يَرْحَمْنَا﴾ وعُطف عليه: ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: أي: الهالكين المغبونين (٢) في الدنيا والآخرة.
وقال القشيري ﵀: قوله: ﴿لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ فيه إشارةٌ إلى مخاطبته عبيدَه، وأن ملوك الخلق إذا جلَّت رتبتُهم أَنفوا من (٣) مخاطبةِ خدمهم بلسانهم، قال قائلهم:
وما عَجَبٌ تَنَاسى ذكر عبدٍ... على المولَى إذا كثُرَ العبيدُ
واللَّه تعالى بخلافِ هذا أجرى سنَّته مع عباده الأولياءِ والأعداء؛ فأما الأعداءُ فإنه يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وأما الأولياء فقد قال ﷺ : "ما من أحدٍ إلا ويكلِّمه ربُّه ليس بينه وبينه تَرْجمانٌ" (٤) وأنشدوا:
وما يَزْدَهينا الكبرياءُ عليهم... إذا كلَّمونا أنْ نُكَلِّمَهُم نزرا (٥)
стр. 3226
التيسير في التفسير
تأليف الإمام أبي حفص النسفي
نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي
(٤٦١ - ٥٣٧ هـ)
يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية
تحقيق وتعليق ماهر أديب حبوش
المجلد السابع
دار اللباب
стр. 3227
سورة الأعراف
(١٥٠) - ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾: أي: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى﴾ من الطور ﴿إِلَى﴾ بني إسرائيل الذين استخلَف عليهم هارونَ وقد أخبره اللَّه تعالى بما كان من ﴿قَوْمِهِ﴾ من عبادة (١) العجل بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] رجع ﴿غَضْبَانَ﴾ من ذلك ﴿أَسِفًا﴾ متأسِّفًا على ما كان منهم.
وقال ابن عباس ﵄: حزينًا. وقال أبو الدرداء: شديد الغضب (٢).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾: هي كلمة ذمٍّ؛ أي: ساء ما عملتُم خَلْفي بعد غيبتي، يقال: خَلَفه في أهله بخيرٍ وبسوء، وقد كان قال لهارون ﵇: ﴿اخْلُفْنِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وهاهنا قال: ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾ لأنه كان يجب على كلِّ واحدٍ منهم أن يَحوط (٣) صاحبه ويحميَه عن الضلال.
стр. 3228
وقال الإمام أبو منصور ﵀: رجع ﴿غَضْبَانَ﴾ للَّه على قومه بعبادتهم العجلَ ﴿أَسِفًا﴾؛ أي: حزينًا على قومه بما يَلحقُهم من العقوبة بذلك، وكذا ينبغي لكلِّ مؤمنٍ أن يغضبَ للَّهِ تعالى إذا رأى ارتكابَ منكرٍ ويتأسَّفَ على ما ينال العُصاة، وقد قال اللَّه تعالى في حقِّ نبيِّنا ﷺ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، وقال: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، فدل على حزنه وتأسُّفه على ذلك.
وقال في قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾: له وجهان:
الأول: بئسما اخترتُم من عبادتكم العجلَ على عبادة اللَّه تعالى.
والثاني: بئسما اخترتُم اتِّباعَ (١) السامريِّ إلى ما دعاكم إليه بعد اتِّباعكم إياي وأخي رسولَ اللَّه هارونَ، وأمرِنا إياكم بعبادة اللَّه تعالى (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ قيل: أي: أسبَقتم أمرَ ربِّكم؛ أي: عبدتُم العجل قبل أن يأتيَ به أمر من اللَّه تعالى؛ أي: لو كان هذا مما يجوز أن يُفعل تقرُّبًا إلى اللَّه لأمَر اللَّه به، فلِمَ فعَلْتُموه قبل أن يأتي به أمر (٣).
وقيل: أي: أعجِلتم وعدَ ربِّكم، فقد قال في سورة طه: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦].
قال الحسن: كان موسى صلوات اللَّه عليه واعَدَهم ثلاثين ليلةً، فلما مضت الثلاثون ولم يرجع قدَّروا أنه قد مات (٤).
стр. 3229
وقيل: كان واعَدَهم أربعين ليلةً، ولكن عدُّوا عشرين يومًا وعشرين ليلةً وقالوا ذلك.
وقيل: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: وعْدَ ربِّكم بالثواب على عبادته حتى عدَلتُم إلى عبادة غيره.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾: جاء عن قومٍ من المفسِّرين: فطرحها على الأرض غضبًا، فرُفع (١) منها كذا وبقي كذا.
وقال ابن عباس ﵄: كُسِر منها لوحان فتطايرا في السماء بما فيهما من النور والبيان (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لكن لا يجوز أن يُفهَم من قوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ طَرْحَها لا غير، ألَا ترى أنه قال: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [النحل: ١٥] ليس يفهم منه الطرحُ، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، إذ لا (٣) يُظن بموسى ﵇ ذلك؛ لأنَّه يُشبه الاستخفافَ، لكن يُفهم منه الوضعُ لأنه قصَد أَخْذَ (٤) رأسِ أخيه، فكان لا يمكنه أخذُه مع أن الألواح في يده، فوضعها ثم أخذ ذلك (٥).
стр. 3230
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾: قيل: فعَل ذلك ليناجيَه وليسأله عن السبب الذي وقعوا في ذلك لأجله، وعن الذي منعه عن زجرهم وقتالهم عليه، فتصوَّر عند هارون أنه لغضبه ومؤاخَذته عليه يأخذ لحيته ورأسه يعاقبُه به، فلذلك قال: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ فيتوهَّمَ القوم أنك عاقَبْتني من غير ذنبٍ كان لي فاسمع عذري (١).
وقيل: إنما فعل ذلك لا تغضُّبًا عليه متعنِّفًا، بل كما يفعله المتوجِّع للمصيبة بالحادث على قومه كما هو عادةُ أهل المصيبة، فإن كثيرًا من الناس يتعلَّق الواحد منهم عند المصيبة برقبةِ مَن يَحلُّ منه محلَّ المصاب، ويجعلُ الآخرُ يده في رقبته أيضًا (٢).
قال الإمام أبو منصور ﵀: ذكَر في هذه السورة: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾، وفي سورة طه دليلٌ على أنه أخذ برأسه ولحيته جميعًا؛ لشدة غضبه للَّه تعالى على صنيع (٣) قومه.
قال: وفيه دليل أنه أخذ شعرَ رأسه؛ لأنَّه قال: ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾، ولو أَخذ عينَ رأسه لم يَحتجْ إلى جرِّه، ودلَّ ذلك على أن مَن مسح رأسَه فوق الشعر ثم زال شعرُه لم
стр. 3231
يسقط عنه حكمُ المسح كما قال أصحابنا، وإذا مسح على لحيته ثم سقطت (١) زال حكمُه ووجب غسلُ ذقنه، لما سمَّى الشَّعرَ رأسًا وسمَّى اللحية لحيةً، فسقوطُها يُسقط حكمَ المسح وسقوطُ شعر الرأس لا يُسقط.
قال: ودلَّت الآية على أن الأنبياء كانوا يعملون بالاجتهاد كما كانوا يعملون بالوحي، فإن موسى أخذ برأس أخيه بالاجتهاد إنكارًا على هارون تَرْكَ النكير على قومه، ولو كان بالوحي لم يقل له هارون: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ (٢)، وهارونُ أيضًا عمِل ما عمِل مع قومه بعد عبادتهم العجلَ بالاجتهاد لا بالوحي، ولهذا اعتذر عنه وقال: ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ولو فعل شيئًا بالأمر لم يَعتذر منه إلى موسى (٣).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾: قرأ حمزةُ والكسائيُّ وابن عامر وعاصمٌ في رواية أبي بكر بكسر الميم، وأصله: يا ابن أمي، وحُذفت الياء تخفيفًا لكثرة الاستعمال في النداء، كما في قوله: (يا قوم) وقرأ الباقون: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ بالفتح (٤).
وقيل: كثُر استعمال هاتين الكلمتين فصارلَا كاسمين جُعلا اسمًا واحدًا، فبُنيا على الفتحة كما في حضرَموتَ وبعلَبكَّ وخمسةَ عشرَ.
وقيل: أصله: يا ابن أمَّاه، على النُّدبة، وسقطت الهاء والألفُ تخفيفًا.
وهذا (٥) قول هارون لموسى ﵉، ومعناه: يا أخي، وكان أخاه لأبيه وأمِّه وإنما خصَّ الأمَّ استعطافًا؛ لأن ذكر الأمِّ يوجب ذلك.
стр. 3232
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾: أي: لم يَهابوني ولم يَستحُوا مني (١) ﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾: لكثرتهم وغلبتهم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾: أي: لا (٢) تَسُرَّ المخالفين بما يَسوؤني؛ إذ لا شكَّ أنهم كفروا بعبادة العجل، والكافرُ يفرح بمَساءة المؤمنين، خصوصًا بوقوع التشاجُر بين أخوين رسولين؛ لِمَا في التبايُن من وقوع الوهن في الأمر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: أي: في عدادِ هؤلاء القومِ الذين ظلموا أنفسَهم بعبادةِ العجل ووَضْعِ العبادة في (٣) غيرِ موضعها، فأكونَ مثلهم في موجِدتك وغضبك علينا.
* * *
(١٥١) - ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾: ولمَّا سمع موسى عذرَ هارون ﵉ عرفَ أنه لم يكن منه تقصيرٌ، كفَّ غضبه ودعا لنفسه وله، فقال: ربِّ اغفر لي بما فعلتُه بأخي مما أَوهم ظاهرُه كثيرًا من الناس أنه كان موجدةً (٤) مني عليه وعقوبةً له، واغفر لأخي تقصيرَه إن (٥) كان منه شيءٌ من ذلك، وإن كان قد بذل جهده في الوعظ والإرشاد للقوم، وكذا ينبغي للكامل الموقَّر أن يستقصِر نفسَه فيما يجب للَّه عليه، فأولى الناس بهذه الحالة الأنبياء ﵈.
стр. 3233
وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾: أي: أدخلنا في جملةِ مَن ترحمهم وتُدخلهم الجنة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ترضَى بيَسير الشكر عن عظيم النِّعَم، وتقبلُ العذر الواحد في حق ذنوبٍ كثيرة.
قال الكلبيُّ ﵀: لمَّا رجع موسى إلى قومه رآهم حول العجل يرقصون ويعبدونه، فقال: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ﴾ بعبادةِ العجل قبل أن يأتيَكم أمرٌ من ربِّكم ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ وكان أخاه من أبيه وأمِّه، لكنه قال ذلك ليرفقه عليه ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ قهَروني وهمُّوا بقتلي ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ عبدةَ العجل ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا العجل ﴿قَالَ﴾ موسى: يا ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعتُ بأخي (١) ﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾؛ أي: نعمتك.
* * *
(١٥٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾: أي: معبودًا ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾؛ أي: سيصيبُهم ﴿غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: إرادةُ عقوبةٍ لا عفوَ معها.
قيل: قال اللَّه تعالى ذلك لموسى قبل أن يتوب القومُ بقتلهم أنفسَهم.
وقوله تعالى: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: قتلُهم أنفسَهم بأيديهم فإنه هوانٌ وقُبلت به توبتُهم.
стр. 3234
وقيل: هذا في حقِّ الذين لم يَقبلوا قتلَ (١) أنفسهم بأيديهم فلم يتوبوا، وأُشربَ في قلوبهم حبُّ العجل، فالغضبُ -وهو الانتقام- في الآخرة لهم، ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أَخْذُ الجزية، قاله الحسن (٢)، ويدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣].
وقال مكحولٌ: قال موسى ﵇: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ الآيةَ، فقال اللَّه تعالى: صدَق عبدي موسى.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾: أي: الكاذبينَ، وقال ابن عباس ﵄: هذه الآية في أهل عصر النبيِّ ﷺ الذين تولَّوا آباءهم الذين فعلوا هذا، لهم عذابُ النار في العُقبى وأخذُ الجزية في الدنيا (٣).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل قولُه: ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ذمَّهم بصنيعهم (٤)، وثناءَ الشرِّ عليهم (٥).
والمفترُون: الكاذبون، وقد كذَبوا في تسميتِهم العجلَ إلهًا ومعبودًا.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: قوله: ﴿سَيَنَالُهُمْ﴾ هذه السينُ للاستقبال، ومَن لا يضرُّه عصيانُ العاصين لا يبالي بتأخير العقوبة عن الحال، ولكن يكون للإمهال لا للأهمال، ولا ينبغي لمن ألمَّ بذنب ثم لم يؤاخَذ (٦) به أن يَغترَّ بالإمهال (٧).
стр. 3235
(١٥٣) - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ يتناول عبادةَ العجل وغيرَ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾: أي: بعد التوبة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ذكَر الإيمانَ بعد التوبة، والإيمانُ الذي هو بعدها يحتمِل أنهم آمنوا بأنه يَقبل التوبة، أو آمنوا بأن الحقَّ ﷻ لا يَضرُّه عصيان، أو آمنوا بأنهم لا ينجُون بتوبتهم من دون فضل اللَّه ، أو آمنوا؛ أي: عدُّوا ما سبَق منهم من نقض العهد شركًا فآمنوا من الرأس، أو استداموا الإيمان، أو آمنوا بأنهم لو عادوا إلى ترك العهد وتضييعِ الأمر لسقطوا عن عين اللَّه تعالى إذ ليس كلَّ مرةٍ تسلَمُ الجرَّةُ (١).
* * *
(١٥٤) - ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾: أي: سكَن، ولما كان الغضبُ بفَورته دالًّا على ما في النفس للمغضوب عليه، كان بمنزلة الناطق بذلك، فإذا سكنَت تلك الفَورة كان بمنزلة الساكت عما كان متكلِّمًا به.
وقال عكرمة: أي: سكت موسى عن الغضب، على القلب (٢).
стр. 3236
وقوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾: وقد كان وضَعها ليتفرَّغ لِمَا قصَد له لا رغبةً عنها، فلما فرغ عاد إليها فأخذها.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾: أي: وفيما نُسخ له فيها من اللوح المحفوظ، والنسخ: النقل، ومنه: نسخُ الحُكم، ونسخ الشمسِ الظلَّ، فيقتضي نقلَ مكتوبٍ من أصلٍ إلى آخر، وقد يُطلق على الكتابة وإن لم يكن من أصلٍ آخرَ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ [الجاثية: ٢٩] فعلى هذا يكون معناه: وفيما كُتب فيها هدى ورحمة.
وعن ابن عباس ﵄: أن ما انكسر منه أُعيد له في لوح آخر.
وعن عمرو بن دينار قال: صام موسى ﵇ أربعين يومًا فأُعطي الألواح، فلما ألقاها وتكسَّرت صام مثلَها فأُعيد له مثلُها (١)، وقد بينَّا ما في أصل هذا الكلامِ من الخلل.
وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾: أي: يخشَون اللَّه تعالى، فيأخذون بهداه ويَقبلون ما فيه لينالوا رحمته.
وإنما قال: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ولا يجوز: يرهبون لربهم؛ لأن المفعول إذا تقدَّم ضعُف عملُ الفعل فيه، فصار كالذي لا (٢) يتعدَّى في دخول اللام عليه، وهو كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
وقيل: هو في معنى: مِن أجْلِ، ويجوز فيه اللام تقدَّمَ أو تأخَّرَ، كما قال تعالى: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢].
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾؛ أي: وفيما انتَسخ بنو إسرائيل
стр. 3237
من الألواح ﴿هُدًى﴾ من كلِّ ضلالةٍ، وبيانٌ من كلِّ عمًى وشبهةٍ، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من كل غضبٍ ولعنة، ﴿لِلَّذِينَ﴾ يخشون ربهم فيعملون به (١).
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ يشير إلى حُسن إمهال اللَّه العبدِ إذا تغيَّر عن حاله وغلَب عليه ما لا يُطيق، وإذا كان الأنبياءُ صلوات اللَّه عليهم يَغلبهم ما يَصرفهم عن الاختيار فكيف الظنُّ بمَن دونهم (٢).
* * *
(١٥٥) - ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾: أي: من قومه، ونزعُ الخافض جائزٌ، وإذا نُزع نُصب الاسم، وقال الشاعر:
ومنَّا الذي اختيرَ الرِّجالَ سماحةً... وجُودًا إذا هبَّ الرياحُ الزعازعُ (٣)
أي: من الرجال، وقيل: ﴿قَوْمَهُ﴾ نصبٌ بوقوع ﴿وَاخْتَارَ﴾ عليه.
ثم قوله: ﴿سَبْعِينَ﴾ بدلٌ عنه، وهو بدلُ البعضِ من الكلِّ، كما في قولك: ضربتُ زيدًا رأسه.
وقال الكلبي ﵀: اختار موسى سبعين رجلًا لينطلقوا إلى الجبل معه،
стр. 3238
فلم يُصِبْ إلا ستين شيخًا، فأوحى اللَّه تعالى إليه أن يختار من الشبان (١) عشرةً، فاختار فأصبحوا شيوخًا، فاختار من كلِّ سبطٍ ستةَ رهطٍ فصاروا اثنين وسبعين، فقال لهم موسى: إنما أُمرتُ بسبعين رجلًا فليتخلَّف منكم رجلان، فتشاحُّوا على ذلك، فقال: إنَّ لمن قعد مثلَ أجرِ مَن خرج، فقعد رجلان أحدهما كالوب بن يوقنا والآخر يوشع بن نون، وخرج موسى بالسبعين معه إلى الجبل، وأمرهم أن ينتظروا في أسفل الجبل، وصعد موسى الجبلَ، وذكر ما كان إلى أن رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا مع السبعين، فلما رأى السبعون أن بني إسرائيل اتَّخذوا العجل أتوا موسى فقالوا: إن لنا عليك حقًا فأرِنا اللَّه جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن (٢) آخرهم، فظنَّ موسى أنهم احترقوا بخطيئةِ أصحاب العجل، فقال: يا رب ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾، فذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وقولُه (٣): ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] (٤).
وعن ابن عباس ﵄ بخلافه؛ قال: إن اللَّه تعالى أمَره أن يختار من قومه سبعين رجلًا، فاختارهم وبرز بهم ليدعُوا ربَّهم، فكان ممَّا (٥) دعَوا اللَّه تعالى أن قالوا: اللهمَّ أعطِنا ما لم تُعطِ أحدًا من (٦) قبلِنا، ولا تعطيه (٧) أحدًا بعدنا، فكرِه اللَّه
стр. 3239
تعالى ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة (١)، فقال موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (٢).
وقيل في قوله: ﴿لِمِيقَاتِنَا﴾ في هذه الآية: إن اللَّه تعالى وقَّت لموسى وقتًا يأتيه فيه بسبعين رجلًا من خيَار بني إسرائيل ليَعتذروا مما كان من القوم من عبادة العجل، وهذا في (٣) غير الميقات المذكور في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فلمَّا خرج موسى معهم وكانوا في أسفل الجبل كان ما ذُكر في هذه الآية، وهو قوله تعالى:
﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾: أي: زلزلةُ الجبل، وقيل: زلزلةُ أبدانهم فماتوا.
ثم ليس في هذه الآية بيانُ سببها، واختُلف فيه:
قيل: هو بقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] وهي نارٌ محرِقةٌ فيها صوت فرجَفوا بصوتها، فالصاعقةُ والرَّجفة واحدةٌ، وإنما أُحرقوا (٤) بها لكفرهم بقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ لا بسؤالِ الرؤية، أو بسؤال الرؤية جهرًا (٥)؛ أي: مقابَلة، وهي تشبيهٌ وهو كفر، فأما أصل الرؤية فهو ثابت وليس فيه مقابَلة.
وقيل: أخذتهم الرجفة بسؤالهم ما لم يؤذَنْ لهم فيه (٦)، وهو ما رَوينا في حديث ابن عباس ﵄: أعطنا ما لم تعطه أحدًا قبلنا، ولا تعطه أحدًا بعدنا.
стр. 3240
وقيل: بل ادَّعَوا عند اللَّه على موسى أنه قتل هارون.
وقيل: بل كانوا من عبَدة العجل، وموسى لم يعلم بذلك.
وقيل: لم يكونوا عبدوا العجل، ولكنهم لم يفارقوهم (١) ولم ينكروا عليهم.
وفي حديث وهب خلافُ هذا كلِّه، وأنَّ أَخْذ الرجفة لم يكن عقوبةً بل هيبةً، وهم خيارٌ ليسوا بجُناة.
قال وهب: إن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇: إن طائفة يزعمون أن اللَّه تعالى لا يكلِّمك، ولو كلَّمك ما قمتَ لكلامه، ألم ترَ أن طائفة منا سألوه النظر إليه فلمَّا سمعوا حسَّ جنوده ماتوا، أفلا تسأله أن يُحضركَ طائفةً منا حتى يكلِّمك فيسمعوا كلامه فيؤمنوا وتذهبَ التُّهمة، فأوحى اللَّه تعالى إلى موسى: أن اختَرْ من خيارهم سبعين، ثم ارْتَقِ بهم إلى الجبل أنت وهارونُ، واستخلِفْ على بني إسرائيل يوشعَ، فاستخلَف عليهم كما أمره اللَّه تعالى.
ثم انطلق بهم إلى رأس الجبل، فنزل الغمام (٢) فأَلبس الجبل كلَّه، فلمَّا رأوا ما فيه من الهيبة أخذتهم الرعدة (٣) وقَلِقوا ورجَفوا حتى كادت تَبينُ منهم مفاصلُهم وتُنقَضُ ظهورهم، فلما رأى ذلك موسى صلوات اللَّه عليه رَحِمَهم وهم يومئذٍ أحياءٌ، فدعا اللَّهَ لهم وقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ وخاف عليهم الموتَ، واشتدَّ عليه فَقْدُهم، وكانوا له وزراءَ على الخير سامعين مطيعين، فعند ذلك قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ فكشف اللَّه عنهم تلك الرجفةَ والرعدةَ، فسكَنوا واطمأنُّوا وسمعوا كلام اللَّه تعالى موسى، وكانوا عليه شهداء وانصرفوا (٤).
стр. 3241
وهؤلاء السبعون غيرُ السبعين الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] أولئك أحرقتهم الصاعقة ثم بُعثوا، وهؤلاء أخذتهم الرعدةُ ثم كشفت عنهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا ندري مَن أولئك السبعون (١).
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾: وقال مقاتل بن سليمان: وبقي موسى يبكي ويقول: يا رب! ما أقولُ لبني إسرائيل إذا رجعتُ إليهم وقد أهلكتَ خيارَهم؟ لو شئتَ أمتَّهم وإياي معهم من قبلِ أن يَصْحَبوني (٢).
وقيل -وهو قول ابن عباس ﵄: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ بما كان منهم وإياي بقتلِ القِبْطي (٣).
وقوله تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ قال ابن عباس ومقاتل ﵄: أي: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ عقوبةً ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾؛ أي: الجهَّال، وهم أصحاب العجل، ظنَّ موسى ﵇ أنهم إنما عذِّبوا باتخاذ بني إسرائيلَ العجلَ (٤).
وإنما قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ على معنى: أن إهلاك (٥) هؤلاء إهلاكٌ لي ولبني إسرائيل لأنهم خِيَارُنا.
وقيل: لا يجوز أن يَظنَّ موسى ﵇ أن هؤلاء أُهلكوا بفعلِ غيرهم؛ لأنه عَلم أن أحدًا لا يؤاخَذُ بذنبِ غيرِه، وقد بيَّن ذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٨]،
стр. 3242
لكن (١) معنى قوله: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾: أن هذا استفهامٌ بمعنى النفي كما في قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]؛ أي: إنك لا تهلكنا بما فعَل (٢) السفهاء، وقد ذكر قبله: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ ومع ذلك لم تفعل، وذلك فضلٌ منك، ثم قال: ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾؛ أي: لا تُهلكنا بفعلِ السفهاء، وهذا عدلٌ منك.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾: أي: ما هي إلا فتنتُك (٣)، قال ابن عباس ﵄: أي: بليَّتُك (٤). وقال الكلبيُّ: عذابُك (٥).
وقال الربيع بن أنس ومقاتل: بلاؤك (٦). وهو كقول ابن عباس ﵄.
وقيل: هو راجع إلى قول اللَّه تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ فقال موسى: هي (٧) تلك الفتنة التي أخبرتَني بها، وهي ابتلاءُ اللَّهِ تعالى عبادَه بما شاء، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقوله تعالى: ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾: أي: مَن قال: اختارهم ثم أهلكهم.
وقوله تعالى: ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي: مَن قال: إن اللَّه لا يعذِّب أحدًا من غيرِ ذنب.
стр. 3243
وقيل: ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾: بالفتنة ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾: مَن علمتَ منهم اختيارَ الضلال، وقوله: ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾: مَن علمتَ منهم اختيارَ الهدى.
وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾: أي: متولِّي مصالحِ دِيننا ودُنيانا.
وقوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾: تُمْهِلُ ولا تعاجِل، وتغفر الذنب الكثير (١) بالعُذر اليسير، ثم تجود بالعطاء الجزيل الكثير (٢).
قال الإمام القشيري ﵀: هم قومٌ اختارهم موسى ونحن قومٌ (٣) اختارنا اللَّه تعالى، قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]، وشتَّان بين قومٍ وقومٍ، أولئك قوم قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ ونحن قوم يقول اللَّه تعالى لنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] (٤).
* * *
(١٥٦) - ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾: أي: أَثْبت لنا نعمةً، وذكر الكتابة لأنها أدوم.
وقيل: أي: وفِّقْنا في الدنيا للحسنات التي تكتبُها لنا الحفظة.
стр. 3244
وقوله تعالى: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾: أي: فيها حسنةً أيضًا؛ كما قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ قال ابن عباس ﵄: أي: تُبنا إليك (١)، وأصله الرجوع.
وقيل: أي: مِلنا إليك، وليست اليهودية مشتقَّةً منه، فإنها (٢) اسمُ ذمٍّ والهَود صفةُ مدحٍ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ الآية [آل عمران: ٦٧]، فنفى الاسم عنه، لكنها مشتقَّةٌ من يهوذا، نُسبوا إليه وغيَّرت العرب الذال في النسبة دالًا.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ جوابُ قول موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ ومعناه: أصيبُ بالعذاب مَن أشاء أن أصيبَه به (٣)، وهو الذي أشاء منه الكفرَ والمعصية، وهو الذي أَعلمُ منه اختيارَ (٤) ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: ما من مسلمٍ ولا كافرٍ إلا وعليه من آثار رحمته في الدنيا، وبها يتعيَّشون، وبها يتوادُّون، وفيها يتقلَّبون، لكنها للمؤمنين خاصة في الآخرة، وذلك قوله تعالى:
﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: أي: سأجعلُها في الآخرة للَّذين يتقون الشرك والمعاصيَ، ويحتمِل أن يكون هذا جواب قولهم: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ سألوا الحسنة (٥)؛ أي: الرحمة، فقال: هي ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (٦).
стр. 3245
وقال الإمام القشيري ﵀: خصَّ بالعذاب مَن يشاء وعمَّ بالرحمة كلَّ شيء، وفيه مجالٌ لآمال العصاة؛ لأنَّهم إن لم يكونوا من المطيعين والعابدين والعارفين فهم شيء (١).
وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: يحتمِل الزكاة المعروفة، ويحتمِل تزكيةَ النفوس؛ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: طهرها بالتوحيد والطاعة والدِّين (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بما أنزلناه على الأنبياء قبلك وعليك وعلى الأنبياء بعدك.
وقال الإمام القشيري: الآيات ما يكاشفُهم بها في الأقطار مما يَقِفون عليها بوجوه الاستدلال، وما يلاطفُهم بها في الأسرار مما يجدونها في أنفسهم من فنون الأحوال (٣).
* * *
(١٥٧) - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾: وخُصَّ من بينهم رسولُنا محمدٌ ﷺ ، وهو بشارةٌ له بمجيئه.
стр. 3246
وقوله تعالى: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: بغير همزٍ من النَّبْوة وهي الرِّفعةُ، وبالهمز من النبأ وهو الخبر، ومعناه: المخبِر عن اللَّه تعالى. والأميُّ فيه أقاويلُ:
قيل: هو العربيُّ؛ لأن الأميين هم العرب.
وقيل: لأنه كان لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسُب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال النبيُّ ﷺ : "إنا أمَّةٌ أميةٌ لا نكتبُ ولا نحسُب" (١)، وكأنه نُسب إلى الأم؛ لأن النساء لا يَكتبن، أو لأن الولد يُولد من أمِّه غيرَ كاتب ولا قارئ ولا حاسبٍ إلى أن يتعلم.
وقيل: منسوبٌ إلى الأمَّة؛ أي: هو رأسُ الأمَّة، والهاء تسقط في النسبة كما في المكيِّ والمدنيِّ.
وقيل: لأنه كان من أمِّ القرى وهي مكة.
وقال الإمام القشيري ﵀: أظهر اللَّه تعالى أنه لم يكن شيءٌ من فضائله وكمالِ عِلمه (٢) من قِبَل نفسه وتعلُّمِه وتكلُّفِه واجتهاده وتصرُّفه، بل من اللَّه تعالى، فإنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب (٣).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾: قد روَينا في قوله: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ حديثَ ذكرِ رسولنا وأمته، وكذلك في الإنجيل.
وقال الكلبي: ولمَّا نزل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قال أهل الكتاب: نحن المتَّقون وأهلُ الكتاب الأول والعلمِ القديم، فلما نزل:
стр. 3247
﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قالوا: نحن نؤتي الزكاة، فلما نزل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ قالوا: نحن آمنا بموسى والتسعِ الآيات (١)، فأكذبهم اللَّه تعالى وأخرجهم منها بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ يعني: محمدًا، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ خاتم الأنبياء.
وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: بالتوحيد وشرائعِ الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: ما لا يُعرف في شريعته ولا سنَّته (٢).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان مكتوبًا عندهم أنه يَأمر بما أَمر اللَّهُ ويَنهَى عما نهَى اللَّه. ويحتمِل: يأمرهم بما هو معروف في العقل وشهادةِ الخلقة (٣) وهو التوحيد، وينهاهم عما هو منكرٌ في العقل وشهادة الخلقة وهو الكفر والمعاصي (٤).
وقال الإمام القشيري ﵀: المعروف هو القيام بحقِّ اللَّه تعالى، والمنكرُ هو البقاءُ بوصف الحظوظ (٥) وأحكامِ الهوى، والتعريجِ في أوطان (٦) المنَى، وما يُظهره العبد من تزويرات الدعوى (٧).
стр. 3248
وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾: قال يمانُ بن رِئابٍ: هو ما أَحلَّ اللَّه تعالى من اللحوم والشحوم وكلِّ ذي ظُفُرِ.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾: المَيْتةَ والدَّمَ ولحمَ الخنزير ونحوَ ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾: قرأ ابن عامر: ﴿آصارهم﴾ على الجمع والباقون: ﴿إِصْرَهُمْ﴾ على التوحيد (١)؛ لأنَّه جنس فيَصْلح للجمع (٢).
والإصر: الثِّقْل، وهو العهدُ أيضًا.
وقيل: هو ما وُضع عليهم من الأمور الشديدة.
وقيل: هو ما جعَلوه على أنفسهم؛ قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧].
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾: قال الحسن ﵀: قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أي: محبوسةٌ عن عقوبتنا، فقال اللَّه تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]؛ أي: غُلَّت أيديهم إلى أعناقهم في النار، فأَخبر أنَّ أمة محمدٍ لمَّا آمنوا به وصدَّقوه رفَع تلك الأغلال عنهم (٣).
وقيل: هي الشرائعُ الشاقَّة والأحكام الغليظة، كانت الأغلالُ في أعناقهم تمنعُهم عن تخطِّيها.
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾: ما غلَّظوا على أنفسهم من قطعِ أثر البول وتتبُّع العروقِ في اللحم (٤).
стр. 3249
وقالوا: من الإصر والأغلال: تحريمُ السبت، وتحريمُ الصلاة في غير المساجد، وتحتُّمُ القصاص في القتل العمد من غيرِ عفوٍ ولا دِيَةٍ، وقطعُ موضع النجاسة، وفَرْضيةُ صلاة الليل، والزكاةُ ربعُ النِّصاب، والصلواتُ خمسون في اليوم والليلة، ووجوبُ قطع اللسان في الكذب، ووجوبُ قطع الذَّكَر في الزنا، وفَقْءِ العين في النظر إلى الأجنبية، وظهورُ الذنوب في السرِّ على أبواب البيوت.
وقال عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلِّي للَّه لبسوا المُسوحَ، وغَلُّوا أيديَهم إلى (١) أعناقهم؛ تواضُعًا للَّه (٢)، وخوفًا من عذابه، وطمعًا في ثوابه، فرفعها اللَّه تعالى عن هذه الأمة.
وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾: قيل: عظَّموه، وقيل: أعانوه، وقيل: حمَوه، وقيل: مدَحوه وأثنَوا عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَنَصَرُوهُ﴾: أي: على عدوِّه، وقيل: نصروا دِينه.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾: أي: القرآنَ، فعملوا به ولم يخالِفوه.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: أي: الفائزون بكلِّ خير، والناجُون من كلِّ شرٍّ.
وقال ابن جريج (٣) ورَوح بن عُبادة: لمَّا نزل قولُه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ قال إبليس: أنا شيء، فنزل قوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآيةَ، فقالت
стр. 3250
اليهود والنصارى: نحن نتَّقي اللَّه ونؤتي الزكاة ونؤمِن بآيات اللَّه (١)، فنزل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي﴾ الآيةَ، فعزَلها عن إبليس واليهود والنصارى، وجعلها لأمة محمد ﷺ (٢).
وقال القشيريُّ ﵀: الذين يتَّقون أن يرَوا استحقاقَ الرحمة (٣) بأفعالهم.
وقال في قوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾؛ أي: ثِقلهم، ولا شيءَ أثقلُ من كدِّ التدبير، فمَن نُقل من كدِّ التدبير إلى رَوحِ شهودِ التقدير فقد وضع عنه كلَّ إصرٍ (٤) كبير.
وقال في قوله ﷻ : ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾؛ أي: اعتزُّوا هم (٥) بنصرة الرسول، وإلا فالنبيُّ ﵇ كان اللَّه حسيبَه، ومَن كان استقلالُه بالحقِّ لم يقف انتعاشُه على نصرة الخلق (٦).
وقال عَطيةُ العَوفي: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ولكنْ لا تجبُ إلا للَّذين يتَّقون، الذين هم موصوفون بما في هذه الآية، وذلك أن الكافر يُرزق ويُدفع عنه بالمؤمن لسَعةِ رحمة اللَّه للمؤمن، فيعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبتْ للمؤمن خاصةً، كالمستضيء بسراجِ غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه (٧).
стр. 3251
(١٥٨) - ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾: أي: قل يا محمد: يأيها الناس من العرب وأهلِ الكتابين وغيرِهم: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقد قال ذلك للناس كلِّهم، بعضِهم مشافهةً، وبعضِهم برسله، وبعضِهم بكتبه، وبعضِهم بنشر الدعوة حتى بلَّغ ذلك بعضُهم بعضًا، ودلَّ ذلك على أن الكتاب من الغائب كالخطاب من الحاضر، وأن لسان الرسول كلسان المرسَل، وأن ظهور الدعوة كبلوغ الدعوة، وكان كلُّ نبيٍّ مبعوثًا إلى قومه، ورسولنا ﷺ إلى الناس كافةً، بل إلى الإنس والجن.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: صفةُ قوله: ﴿اللَّهِ﴾ في قوله: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾: كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ذكر إيمانَه باللَّه، وأمره بأن يأمرَ الخلق (١) بالإيمان باللَّه وبه.
﴿وَكَلِمَاتِهِ﴾ (٢): قيل: القرآن.
وقيل: أي: الأمرُ والنهيُ والوعدُ (٣) والوعيد والأحكام؛ لأنَّها بالكلمات.
стр. 3252
وقيل: بالكتب المنزَلة على سائر الأنبياء قبلَه، وهو صفةُ النبيِّ ﷺ أنه يؤمن بذلك كلِّه، ومَن قرأ: (وكلمتِه) (١) فهو عيسى ﵇؛ أي: يصدِّق هو بعيسى ﵇ أيضًا.
وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ صرِّحْ بما رقَّيناك إليه من المقام، وأَفْصِحْ عمَّا لقَّيناك من الإكرام، وقل: إني إلى جماعتكم مرسَل، وعلى كافَّتكم مفضَّل، وديني لمن نظرَ ذلك واعتبَرَ مفصَّل، وإلهي الذي له ملكُ السموات والأرض لا شريكَ له ينازعُه، ولا شبيهَ له يضارعُه، فله حقُّ التصرُّف في ملكه بما يُريدُ من حكمه، ومِن جملةِ ما حَكَم وقضَى، ونفذَ به التقدير وأَمضى، إرسالي إليكم لتطيعوه فيما يأمركم، وتحذَروا ارتكابَ ما يزجرُكم، وإن مما أمركم به أنه قال لكم: آمنوا بالنبيِّ الأمي لتفلحوا في الدنيا والعُقبى، وتستوجِبوا الزُّلفى والحُسنى، وتتخلصوا من البلوى والسُّوأى (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: وصفَ متَّبعيه في الآية الأولى ووعدهم بالفلاح، وأمرهم (٣) باتِّباعه في هذه الآية ليهتدوا (٤)، ثم ذكر جماعةً مهتدين من أمة موسى، وهو قوله تعالى:
* * *
(١٥٩) - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.
﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾: أي: يدعون الناس إلى الحق ﴿وَبِهِ
стр. 3253
يَعْدِلُونَ﴾ وهم يعملون بالحق والعدل أيضًا؛ أي: وأمة منهم على خلافِ ذلك، وهو تسليةٌ للنبي ﷺ في إجابة البعض دون البعض؛ أي: قوم موسى كانوا كذلك.
واختُلف في هؤلاء مَن هم:
قيل: هم الذين كانوا متَّبِعين لموسى ﵇ في زمانه.
وقيل: هم قوم منهم كانوا على الحقِّ في عصر محمدٍ ﷺ .
وقيل: هم قومٌ باقون على الحقِّ إلى يوم القيامة.
وقال ابن عباس ﵄ والكلبيُّ والسدِّيُّ: هم خلفَ الصين (١).
стр. 3254
وروى وهبٌ عن كعبٍ: أن هؤلاء قوم كان عندهم اسمُ اللَّه الأكبرُ، فدعوا اللَّه به فاستجاب لهم، وساروا نحو المشرق واعتزلوا بني إسرائيل، فجعل اللَّه لهم سَرَبًا في الأرض، وجعل أمامهم المصابيح تضيء لهم بالنهار، فإذا أمسَوا نزلوا وأظلم عليهم السَّرَب، فإذا أصبحوا أضاءت لهم المصابيح، ومعهم نهرٌ من ماء يجري، وأجرى اللَّه عليهم تعالى أرزاقهم، فساروا سنة ونصفًا حتى خرجوا من وراء الصين إلى أرضٍ طاهرةٍ طيبةٍ فنزلوها، وهم مختلطون بالسباع والوحوش والهوامِّ (١)، لا يضرُّ بعضُهم بعضًا من أجْل أنه ليست لهم ذنوبٌ، ولا يخالطُ طيرُنا طيرَهم، ولا سَبُعُنا سَبُعَهم، وهم متمسِّكون بالإسلام لا يعصُون اللَّه طرفةَ عينٍ تصافحُهم الملائكة (٢).
وكذا قال الربيع بن أنس والضحاك، وقالا: لمَّا ظهر التحاسد والتباغي في بني إسرائيل، بعث اللَّه تعالى إليهم جبريلَ ﵇، فأدخلهم في نفقٍ (٣) من الأرض لا يوصل إليهم، وجعل لهم فيه قناديلَ معلَّقةً (٤)، وجعل معهم نهرًا، فساروا من
стр. 3255
بيت المقدس إلى مكانهم الذي هم فيه اليومَ سنةً ونصفَ سنةٍ ألفَ فرسخٍ، فهم في منقطَع من الأرض لا يوصَل إليهم كأنهم بنو أبٍ واحدٍ، وليس لأحد منهم مالٌ دون صاحبه، يُمطَرون بالليل ويَصْحون بالنهار ويَزرعون (١).
وقال الربيع: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤] هي تلك الأرضُ ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: وعدُ الثانية وهو عيسى بن مريم ﵇ ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾؛ أي: بقوم عيسى (٢) ومحمدٍ جمعًا (٣) يحشرون جميعًا في أمة محمدٍ.
وفي "تفسير مقاتل بن سليمان" وهو لي (٤) بإسناد نرويه (٥) عن الضحاك عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لجبريل ﵇ ليلة المعراج: "إني أحبُّ أن أرى القومَ الذين أثنى اللَّه عليهم فقال: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ "، فقال: إن بينك وبينهم مسيرةَ ستِّ سنين ذاهبًا وستِّ سنين راجعًا، وبينك وبينهم نهرٌ من رمل يجري كجري (٦) السهم لا يقف إلا يومَ السبت، ولكنْ سَلْ ربَّك، فدعا اللَّهَ النبيُّ ﷺ وأمَّن جبريل ﵇، فأوحى اللَّه تعالى إلى جبريل ﵇ أنْ أجبه إلى ما سأل، فركب البراقَ فخطا خطواتٍ فإذا هو بين أظهُر القوم، فسلَّم عليهم وسألوه: مَن أنت: قال: "أنا النبيُّ الأمي"، قالوا: أنت الذي
стр. 3256
بشَّر بك موسى فمَن هذا معك؟ قال: "أو تَرونه؟ " (١)، قالوا: نعم، قال: "هو جبريل"، قال: "فرأيتُ (٢) قبورَهم على أبواب دُورهم، فقلتُ لهم: ولم ذلك؟ " قالوا: ذاك أجدرُ أن نَذكر الموت صباحًا ومساء، فقال: "إني أرى بنيانكم مستويةً" قالوا: لئلا يُشرفَ بعضُنا على بعضٍ، ولئلا يَسُدَّ أحدٌ على أحدٍ الريحَ والهواء، قال: "فما لي (٣) لا أرى لكم قاضيًا ولا سلطانًا؟ " قالوا: أنصفَ بعضُنا بعضًا وأعطَينا الحقَّ من أنفُسنا، فلم نحتَجْ إلى قاضٍ يُنصِفُ بيننا، قال: "فما لي أرى أسواقكم خاليةً؟ " قالوا: نزرعُ جميعًا ونحصدُ جميعًا، فيأخذ (٤) كلُّ رجلٍ منا ما يكفيه ويدع الباقيَ لأخيه، قال: "فما لي أرى هؤلاء القومَ (٥) يضحكون؟ " قالوا: مات لهم ميت يضحكون سرورًا بما قُبض عليه من التوحيد، قال: "فما لهؤلاء القوم يبكون؟ " قالوا: قد وُلد لهم مولودٌ فهم لا يدرون على أيِّ دِينٍ يُقبض، قال: "فإذا وُلد لكم ذكر فماذا تصنعون؟ " قالوا: نصوم للَّه شكرًا شهرًا، قال: "فالأنثى؟ " قالوا: نصوم للَّه شكرًا شهرين، قال: "ولم؟ " قالوا: لأن موسى ﵇ أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظمُ أجرًا من الصبر على الذَّكر، قال: "أفَتَزْنون؟ "، قالوا: وهل يفعل ذلك أحدٌ، لو فعل ذلك أحدٌ لحصَبَتْه (٦) السماء من فوقه، و (٧) لخُسفت به الأرض من تحته، قال: "أفتُرْبون؟ "، قالوا: إنما يُرْبي مَن لا يؤمن برزق اللَّه تعالى، قال: "أفتمرضون؟ " قالوا: لا نمرضُ
стр. 3257
ولا نُذنب، إنما يُذنب أمتُكَ فيمرضون ليكون ذلك كفارةً لذنوبهم، قال: "أولكم سباعٌ وهَوَامُّ؟ " قالوا: نعم، تمرُّ بنا ونمرُّ بها ولا تؤذينا ولا نؤذيها، فعرَض عليهم النبيُّ ﷺ شريعته والحجَّ، قالوا: وكيف لنا بالحج وبيننا وبينه مسافةٌ بعيدة؟ فدعا النبيُّ ﷺ وأمَّن جبريل ﵇.
قال ابن عباس ﵄: فتُطوَى لهم الأرضُ طيًّا حتى يحجَّ مَن يحجُّ منهم مع الناس، فإذا انقضى (١) الحج طُويت لهم الأرض فرجعوا إلى بلادهم.
فلمَّا أصبح النبي ﷺ أخبر مَن بحضرته من قومه وفيهم أبو بكر ﵁، فقال أبو بكر: فإن قوم موسى بالخير، فعلم اللَّه ما في قلوبهم فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾؛ أي: من هذه الأمة أمة ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] فصام أبو بكر شكرًا للَّه تعالى وأعتق عبدًا، إذ لم يفضِّل اللَّه أمةَ موسى على أمةِ محمد ﷺ (٢).
وذكر الكلبيُّ والضحاك ووهبٌ وكعبٌ ومقاتلٌ وغيرُهم: مرور النبيِّ ﷺ بهم ليلة المعراج وتعليمَه إياهم الصلواتِ الخمسَ والفاتحةَ وسورًا من القرآن.
وفي حديثنا للضحاك (٣): أنهم كانوا يَسْبِتون، فأمرهم أن يتركوا ويجمِّعوا.
* * *
(١٦٠) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ
стр. 3258
أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ تنصرف الكنايةُ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾؛ أي: فرَّقناهم اثنتي عشرة أسباطًا، والتاء للتأنيث، والهاء في ﴿عَشْرَةَ﴾ كذلك، وفيه لغتان: تسكين الشين، وكسرُها في التأنيث من إحدى عشرةَ إلى تسعَ عشرةَ.
و ﴿أَسْبَاطًا﴾ ليس بتفسير العدد، فإنه يُوحَّد ولا يجمع، لكن تقديره: وقطعناهم أسباطًا أممًا اثنتي عشرة قطعةً، و (قطعةً) مضمَرةٌ، وتأنيث العدد لذلك، ويدلُّ عليه: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾، ومعناه: وفرَّقناهم اثنتي عشرةَ فرقةً.
والأسباطُ: جمع سبطٍ، وهم أولاد يعقوبَ، وقد شرحناه في سورة البقرة.
و ﴿أُمَمًا﴾: جمعُ أمَّة؛ أي: جماعاتٍ، وهو بدلٌ عن قوله: ﴿أَسْبَاطًا﴾ وترجمةٌ له.
والآيةُ في بيان إنعامه على بني إسرائيل، يقول: لمَّا أخرجناهم من أرض مصر وأدخلناهم البرَّ جعلناهم اثنتي عشرةَ فرقةً قبائلَ شتَّى؛ ليكون أمرُ كلِّ سبطٍ متصرِّفًا (١) من جهةِ رئيسهم فيخفَّ الأمر على موسى فيما يَحتاج إليه من تعريف أحوالهم، ويَسهل عليه جمعُهم إذا أراد جمعَهم، ويَعلم كلُّ فريق مرجعَهم في أمورهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: وكان ذلك في التِّيه، والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلةٍ، والانفجار: خروجه بكثرة، وكان البدءُ بقلةٍ ثم يَكثر بالاتساع.
стр. 3259
وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: فسَّرنا هذه الكلمات، وبيَّنا هذه القصةَ في قوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا﴾: أي: وقلنا لهم: كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ مرَّ كلُّ ذلك في سورة البقرة.
* * *
(١٦١ - ١٦٢) - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: أي: قال لهم موسى بأمرنا ﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ مر ذلك في سورة البقرة (١).
стр. 3260
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ مرَّ أيضًا.
* * *
(١٦٣) - ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: أي: سَلِ اليهودَ يا محمدُ عن القرية التي كانت قريبةً من البحر وعلى شاطئه، وهي أَيْلةُ، وقيل: مدينُ، وكلاهما عن ابن عباس ﵄ (١).
وقيل: طبرية.
وقال محمد بن إسحاق: هي مَقْنَا بين مدينَ وعَيْنُونا (٢).