← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وبمعنى: إثبات الإيمان في قلوب المؤمنين، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وبمعنى: الأرواح، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧]. وأما المراد بالكتاب هاهنا: فقد قال سعيد بن جبير: هو اللوحُ المحفوظ. وقال عكرمة: هو التوراةُ والإنجيل. وقال ابنُ عباسٍ ﵄ والضحَّاك وقتادة: هو القرآنُ (١). وعليه الجمهورُ، وهو الأشهرُ والأظهرُ. ثم إنما (٢) سمِّي القرآن كتابًا لمعنى الجمع الذي دلَّ عليه مأخذُ الاسم من وجوهٍ: أحدها: أنه جمَعَ الحروف حتى صارت كلمات، وجمع الكلماتِ حتى صارت آيات، وجمعَ الآياتِ حتى صارت سُورًا تامَّات، وجمعَ السورَ حتى صارت كتابًا مشتمِلًا على كرامات.

стр. 352

والثاني: أنه نظامٌ لصنوف الحِكَم، وقِوامٌ لأنواعِ الحُجج، قال النبيُّ ﷺ : "أُوتيتُ جوامعَ الكَلِم" (١). والثالث: أنه جمعَ معانيَ جميع كتب اللَّه المنزلةِ، قال النبيُّ ﷺ : "أوتيتُ السبعَ الطُّولَ (٢) مكان التوراة، والمئينَ مكان الزَّبور، والمثانيَ مكانَ الإنجيل، وفضِّلتُ بالمفصَّل" (٣). والرابع: أنه يُجمعُ لأهله خيرُ الدارين، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والخامس: أنه يُجمع بين أهله وبين النبيين والصِّديقين والشهداء والصالحين

стр. 353

في الجنة، على ما رُوي عن (١) عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أُنزل القرآنُ على عشَرةٍ (٢): بشيرًا ونذيرًا، وناسخًا ومنسوخًا، ومحْكَمًا ومتشابهًا، وموعظةً ومثلًا، وحلالًا وحرامًا، فمَن أَبْشرَ ببشيره وانْتَذرَ (٣) بنذيره، وعمِل بناسخه وآمَن بمنسوخه، واقتصَر على محكَمه وردَّ علمَ متشابهِه إلى عالِمه، واتَّعظ بعِظَتِه واعتَبَر بمثَله، وأَحلَّ حلالَه وحرَّم حرامَه، فأولئك من المؤمنين حقًّا لهم الدرجاتُ العُلَى مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقًا، وهو وارِثي ووارثُ الأنبياءِ من (٤) قَبْلي، ولا يزالُ في ضمَان اللَّه تعالى وكَنَفه، وحيثُما تُلي القرآن غشِيَتْه الرحمةُ ونزلت عليه السَّكينةُ، ويُحشر في زُمرتي وتحت لوائي" (٥). والسادس: أنه يَجمع بين الحبيبِ والحبيبِ، فإنه كتابُ الحبيبِ إلى الحبيب، وخطابُ الحبيبِ مع الحبيب، وتذكرةُ (٦) الحبيبِ للحبيب، وقال النبيُّ ﷺ : "مَن قرأ القرآنَ فقد كلَّمَ اللَّهَ تعالى" (٧). وقالوا: لمَّا أَنزل اللَّه تعالى على موسى التوراةَ وهي ألفُ سورةٍ كلُّ سورةٍ ألفُ آيةٍ، قال موسى ﵇: يا ربِّ، ومَن يطيقُ قراءةَ هذا الكتابِ وحِفْظَه؟ فقال تعالى: إني أُنزل كتابًا أعظمَ مِن هذا، قال: على مَن يا رب؟ قال: على خاتم النبيِّين.

стр. 354

قال: وكيف تقرؤه (١) أمتُه ولهم أعمارٌ قصيرةٌ؟ قال: إنِّي أيسِّره عليهم حتى تقرأ صبيانهم، قال: يا ربِّ وكيف تفعلُ؟ قال: إني أَنزلت من السماء إلى الأرض مئةَ كتابٍ (٢) وثلاثةَ كتبٍ، خمسين على شيت ﵇، وثلاثين على إدريسَ ﵇، وعشرين على إبراهيمَ، والتوراةَ عليك، والزبورَ على داودَ، والإنجيلَ على عيسى، وذكرتُ الكائناتِ في هذه الكتب فأذكرُ جميعَ معاني هذه الكتب في كتابِ محمدٍ ﷺ ، وأجمعُ ذلك كلَّه في مئةٍ وأربعَ عشرة سورةً، وأَجعلُ هذه السورَ في ثلاثين جزءًا، والأجزاءَ في سبعة أسباعٍ، ومعنى هذه الأسباعِ في سبعِ آياتِ الفاتحة، ثم معانيَها في سبعةِ أحرفٍ وهي: بسم اللَّه، ثم ذلك كلَّه في الألِفِ من ﴿الم﴾، ثم أفتتِح بها سورةَ البقرة فأقول: ﴿الم﴾ (٣). ولمَّا وَعد اللَّهُ تعالى ذلك في التوراةِ، وأنزله على محمدٍ ﵇، جَحدتِ اليهودُ -عليهم لعائنُ اللَّه- أن يكون هذا ذلك، فقال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؛ أي: هذا ذلك. ثم سمَّاه هاهنا كتابًا، وله في القرآن مئةُ اسمٍ، وقد عدَّدْناها في صدرِ هذا الكتاب. ومِن فضلِ اللَّه علينا أنْ أعزَّنا بدِينه، وأكرمَنا بكتابه، وشرَّفنا بنبيِّه، وخصَّنا بتفضيله بأنْ ذكرَ في القرآن أسماءً سمَّى بها نفسَه وكتابَه ورسولَه وسمَّانا أيضًا بها، وهي أكثرُ من عشرين اسمًا:

стр. 355

الحقُّ: قال اللَّه تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [الحج: ٦]، وقال تعالى لكتابه: ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] وقال تعالى لنا: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]. والنُّورُ: قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] وقال تعالى لنا: ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. والعزيزُ: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١) [الحج: ٧٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: ٤١]، وقال تعالى لرسوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، وقال تعالى لنا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]. والكريمُ: قال اللَّه تعالى: ﴿بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦]، وقال تعالى لكتابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٢) [الحاقة: ٤٠]، وقال لنا: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. والعظيمُ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقال تعالى لنا: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].

стр. 356

والشهيدُ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، وقال لكتابه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وقال تعالى لنا: ﴿وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. والمُبينُ: قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩]، وقال تعالى لنا: ﴿وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠]. وذو العُلى: قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقال تعالى لكتابه: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ [النجم: ٧]، وقال لنا: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. والهادي قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال تعالى لكتابه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقال لرسوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، وقال تعالى لنا: ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧]. والحاكمُ: قال اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال لكتابه: ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقال تعالى لنا: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]. والحكمةُ: قال اللَّه تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [القمر: ٥]، وقال تعالى لكتابه: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقال تعالى لنا: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. والرحمةُ: قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف: ٥٨]، وقال تعالى

стр. 357

لكتابه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً﴾، وقال تعالى لنا: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]. والأمرُ: قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧]، وقال تعالى لكتابه: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥]، وقال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]، وقال تعالى لنا: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) [آل عمران: ١١٠]. والمنذرُ: قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فصلت: ٤]، وقال لرسوله: ﴿مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢)، وقال تعالى لنا: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. والطاهرُ: قال تعالى: ﴿طه﴾ ﴿طس﴾، وقال تعالى لكتابه: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ [عبس: ١٣]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقال تعالى لنا: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. والطيِّبُ: قال تعالى: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ [إبراهيم: ٢٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الحج: ٢٤]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور: ٢٦]، وقال لنا: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٢]. والدَّاعي: قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]، وقال لكتابه: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]، وقال لرسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المؤمنون: ٧٣]، وقال تعالى لنا: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤].

стр. 358

والقائمُ: قال تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقال تعالى لكتابه: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾، وقال لرسوله ﷺ : ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وقال لنا: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. والصادقُ: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (١) [النساء: ٨٧]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقال تعالى لنا: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٧]. والخيرُ: قال اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٢) [المؤمنون: ٧٢]، وقال لكتابه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، وقال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١]، وقال تعالى لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]. والأحسنُ: قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقال تعالى لكتابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقال لرسوله ﷺ : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقال تعالى لنا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ [النساء: ١٢٥]. والمبارَكُ: قال ﵎: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨]، وقال تعالى لكتابه: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: ٥٠]، وقال لرسوله ﷺ : ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، وقال لنا: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: أي: لا شكَّ فيه، والرَّيب: شكٌّ فيه خوفٌ، وهو أخصُّ من الشكِّ، فكلُّ ريبٍ شكٌّ وليس كلُّ شكٍّ ريبًا. والرِّيبة: التُّهمةُ من ذلك، والمُرِيب: المتَّهم.

стр. 359

وقال الزجَّاج: رابني فلانٌ: إذا علصتَ منه الرِّيبةَ، وأمرٌ رابني (١)؛ أي: أَوهمَني الرِّيبةَ، وأنشد: أخوكَ الذي إنْ رِبْتَه قال إنَّما... أَرَبْتَ وإنْ عاتَبْتَه لانَ جانِبُهْ (٢) جعَل الأولَ للحقيقة والثاني للوهم. و (لا) كلمةُ تبرئةٍ، وهي إذا دخلت اسمًا واحدًا بُني على الفتحة ولم ينوَّنْ؛ لأنهما يصيران كاسمٍ واحد بمنزلةِ خمسةَ عَشَرَ، فإنَّ قولك: لا رجلَ في الدار، هو جوابُ قولِ السائل (٣): هل من رجلٍ في الدار؟ و (مِن) مع (رجلٍ) صارا (٤) شيئًا واحدًا في السؤال، فصار هذان أيضًا شيئًا واحدًا في الجواب. و (مِن) لتعميم سؤالِ (٥) النفي؛ فإنه سؤالٌ عن الواحد وما زاد عليه، و (لا رجلَ) نفيُ الواحد وما فوقه (٦)، ولو قال: هل رجلٌ في الدار؟ فهذا سؤالٌ عن الواحد لا غير (٧)، وقولُك: ما في الدار رجلٌ، نفيٌ للواحد لا غير، ويجوز أن يكون فيه اثنانِ وأكثرَ، وهذا كشفُ ما ذكَره الزجاج وأجمله (٨).

стр. 360

فإن ذكرتَ بعدَه اسمين ففيه أربعةُ أوجهٍ: رفعُهما وتنوينُهما، وفتحُهما بغيرِ تنوينٍ، ورفعُ أوَّلهما وتنوينُه مع فتحِ الآخِر بغيرِ تنوينٍ، وفتحُ أولهما بغيرِ تنوينٍ مع رفعِ الآخِر وتنوينه. ويُستوضَحُ (١) ذلك في قولهم: لا حول ولا قوة إلا باللَّه. ثم معنى قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أي: لا شكَّ في كونه ذلك الكتابَ الموعودَ. وقيل: أي: لا شكَّ في كونه هدًى. وقيل: أي: لا شكَّ في المذكورات فيه، فهي مبيَّنةٌ وغيرُ مبهَمةٍ (٢). فإن قالوا: إن الكفارَ شكُّوا فيه فلم يُقِرُّوا بكتاب اللَّه تعالى، والمبتدِعون من أهل القِبلة شكُّوا في معاني متشابهاتهِ (٣) فأَجْرَوها على ظوَاهرها وضلُّوا بها، والعلماءُ شكُّوا في وجوههِ، فلم يَقطعوا القولَ على وجهٍ منها، والعوامُّ شكُّوا فيه فلم يفهموا معانيَه، فما معنى نفيِ الريب عنه؟ فله ثلاثةُ أجوبةٍ: أحدها: أن هذا نفيُ الرَّيب عن الكتاب لا عن الناس، والكتابُ موصوفٌ بأنه لا يَتمكَّنُ فيه ريحب فهو حقٌّ صدق مفهومٌ معلوم شكَّ الناسُ فيه أو لم يشكُّوا؛ كالصدقِ صدقٌ في نفسه وإن وصفَه الناس بالكذب، والكذبُ كذبٌ وإنْ وصفه الناس بالصدق، فكذا الكتابُ ليس مما يلحقُه ريبٌ أو يَتمكنُ فيه عيبٌ. والثاني: أن هذا نفيُ الريب عن المقتبِسين منه (٤) بعد إمعانِ النظرِ وإجالةِ الفِكَرِ،

стр. 361

فمَن تعلَّمه وتبحَّر فيه ونظر فيه منصِفًا غيرَ معاندٍ لم يجد فيه تناقضًا ولا تعارُضًا، بل وجده يصدِّقُ بعضُه بعضًا. والثالث: أن هذا نهيٌ في المعنى وإن كان نفيًا في الصفة (١)، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] فإن هذه الكلمات لو حُملت على ظاهر النَّفي توجَّهَ عليه هذا الإشكال؛ فإنَّا نجد مَن يَرفثُ فيه ويَفسقُ ويجادل، لكنها (٢) نهيٌ عن فعلِ ذلك في الحجِّ، فهذا مِثْلُه. ونظيرُه قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وقد أنكره الملحدون وشكَّ فيه المشركون، لكن وجوهه ثلاثةٌ: أحدها: أنه لا شكَّ في وجوده وتحقُّقه في نفسه. والثاني: أنه لا تجري أمورُه على الشكِّ والتلبيس. والثالث: أنه نهيٌ عن الارتياب فيه؛ فإنه واقعٌ لا محالة. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾ قرئ بكسر الهاء وضمِّها وسكونها (٣)، وكلُّ وجهٍ على وجهين: أمَّا الكسرُ فلِلْياء التي قبلَها، وأمَّا (٤) الضم فهي على الأصل؛ لأن أصل الكناية: هو، وأما التسكين فهو على (٥) الوقف.

стр. 362

ثم الكسرةُ على وجهين: كسرةٌ غيرُ مشبعةٍ بالياء (١)؛ أي: لا ياءَ بعدها لفظًا؛ لأنه لا ياء بعدها (٢) كتابةً، وكسرةٌ مشبعةٌ بالياء (٣)؛ لأن هاء الكناية أصلُها: هو، بالواو، وجُعلت هذه الواوُ ياءً هاهنا للكسرة المتقدِّمة. والضمةُ على وجهين أيضًا: مشبَعةٌ بالواو، وهي قراءةُ الزهري (٤) على أصلِ كلمة (هو)، وضمةٌ لا واو بعدها تخفيفًا (٥) وبناءً على الكناية. والتسكينُ على وجهين: على الوقف لتمام الكلام، ثم الابتداءِ على معنى: هو هدًى، وإدغامٍ في رواية أبي حاتم عن أبي عمرو (٦). وقوله تعالى: ﴿هُدًى﴾: قد مر الكلامُ في تفسيره ونظائره (٧) في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ثم هو يَصلُحُ مصدرًا هاهنا كالتُّقى والسُّرى والدُّجى، ويَصلُح فاعلًا؛ فإن اسم المصدر يُطلق على الفاعلِ والمفعول لغةً، يقال: رجلٌ عدلٌ؛ أي: عادل، ورضيٌّ؛ أي: مَرْضيٌّ، وقد ورد في القرآن الهدى بمعنى: الهادي، قال تعالى خبرًا عن موسى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠]؛ أي: هاديًا.

стр. 363

فإنْ جُعل مصدرًا فعلى قوله: ﴿فِيهِ هُدًى﴾، وإن جُعل فاعلًا فعلى أن يُجعل تقديره: هو (١) هُدًى للمُتَّقِين؛ أي: هادٍ. وأَمَّا إعرابُه: ففي (٢) الظاهرِ لا حركةَ للياء التي هي حرفُ الإعراب؛ فإنه اسمٌ مقصور وقد سقطت الياء بالتنوين. وهذه الصيغةُ وردت في القرآن في محلِّ النصب والرفع والخفض، قال اللَّه تعالى: ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] هذا منصوبٌ، وقال: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] وهذا مرفوعٌ، وقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ [البقرة: ٥] وهذا مخفوضٌ. وهاهنا قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: يَصلحُ أن يكون منصوبًا ومرفوعًا، ولا يحتملُ الخفض لعدم الخافض، فأما النصب فعلى القطع، وللقطع وجوهٌ: أحدها: من قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فـ ﴿الْكِتَابُ﴾ معرفةٌ و ﴿هُدًى﴾ نكرةٌ. والثاني: من قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ (٣)، وهو معرفةٌ أيضًا. والثالث: من قوله: ﴿فِيهِ﴾ فهو معرفة أيضًا، ووصْفُ المعرفةِ بالنكرة لا يستقيم، فنُصب قطعًا كما في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقولهِ تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]، وقولهِ تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢]. وقيل: هو نصبٌ على الحال؛ أي: لا رَيْبَ في كونه هُدًى. وأما الرفع فلوجوهٍ:

стр. 364

أحدها: أنه خبرُ قوله: ﴿ذَلِكَ﴾. والثاني: أنه خبرُ قوله: ﴿الْكِتَابُ﴾. والثالث: أنه خبرُ قوله: ﴿فِيهِ﴾. والرابع: أنه خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هو هُدًى. ثم هاهنا أسئلةٌ ثلاثةٌ (١): أحدها: أنه لمَ أضافَ الهدى إلى القرآن وهو من اللَّه تعالى؟ والثاني: أنه لمَ خصَّ هاهنا فقال: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وعمَّم (٢) في موضعٍ آخر فقال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٥]؟ والثالث: أنه لمَ خصَّ المتَّقين بالهدى وفيه هدَى الكل؟ وهل عُذِرَ غيرُ المتَّقين بهذا؟ أما جوابُ الأول: فإضافة الهدى إلى القرآن على وجه التسبيب (٣) كما في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ [الشورى: ٥٢] مع قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ [القصص: ٥٦]، وكما في إضافة الإضلال إلى فرعون بقوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩]، وإلى الأصنام بقوله: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، واللَّهُ تعالى هو الذي يضلُّ مَن يشاء ويَهدي مَن يشاء، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣]. وأما جواب الثاني: فهو هدًى للناسِ كلِّهم بيانًا، وهدًى للمتقين على الخصوص إرشادًا، وهو كقوله تعالى في حقِّ رسوله ﷺ على الخصوص:

стр. 365

﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: ١١]، مع ما قال فيه على العموم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]، لكنْ أنذر الكلَّ تبليغًا، ونفع ذلك أهل الخشية تنبيهًا، فهذا مثلُه. وأمَّا جواب (١) الثالث: فهو هدًى للمتقين؛ لأنهم هم المنتفِعون به، فكأنهم خُصوا بذلك، وكذلك (٢) يقالُ في كلِّ مَن انتفع بشيءٍ على الخصوص دون غيره: إنه لك على الخصوص؛ أي: أنت المنتفِع به وحدك، وليس في أنَّ الناس لم يهتدوا به ما يُخرجه عن أن يكون هدًى، فالشمسُ شمسٌ وإنْ لم يرها الضرير، والعسلُ عسلٌ وإنه لم يجد طعمَه الممرور، والمسكُ مسكٌ وإن لم يدرِك طيبَ ريحه (٣) المأنوف. فالخيبةُ كلُّ الخيبة لمن عطشَ والبحرُ زاخر، وبقي في الظُّلمة والبدرُ زاهر، وخبُثَ والطِّيبُ حاضر، وذوَى والروضُ ناضر. والحسرةُ كلُّ الحسرة لمن عصى وفسَق والقرآنُ ناهٍ له وآمر، وفارَقَ الرهبةَ والرغبةَ والوعدُ متواترٌ والوعيدُ متظاهر، ولذلك قال ﷻ : ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠]. قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: أصلُ هذه (٤) الكلمة من الوقاية، وهي الحفظ، والتَّوقِّي: التحفُّظ، والاتِّقاء: الاحتفاظ؛ أي: الاحترازُ عن الآفَة، وعلى ذلك وقايةُ الرأس والثوب والكتاب، والاسم منه: التقوى.

стр. 366

وأصله: الوَقْوَى، الواوُ الأولى أصلية، والثانيةُ زائدةٌ، والياءُ لامُ الفعل، ووزنه: فَعْوَل. ويقال: هي (١) على وزن فَعْلَى، فالواو الثانيةُ (٢) على هذا لامُ الفعل، والياء الأخيرةُ زائدة. والأوجَه هو الأولُ؛ لأن الكلمة يائية فلا تُجعل لامُها واوًا، بخلافِ الشَّكوى والدعوى؛ فإنهما واويَّتان. وإنما صارت الواو الأولى ياءً بناءً على صيرورتها ياءً في قولك: اتَّقى يتَّقي؛ لأن أصله: اوْتَقَى، فصارت الواوُ ياءً لكسرةِ ما قبلَها كما في الميعاد والميزان (٣) والميراث، ثم جُعلت الياء تاءً وأُدغمتِ الأولى في الثانية طلبًا للتلاؤم (٤) وتوقِّيًا عن التنافُر، ثم بُني الاسم على هذا الفعل فقيل: التَّقوى، كما في التُّخَمة من اتَّخَم، وأصلُها: وُخَمة، وكذلك التُّهَمة والتُّكَأة (٥) والتُّكْلان والتُّراث والتُّجاه توهُّمًا أنها أصليةٌ. ثم التَّقوى قسمان: أصل وفرع، فالأصل: الإيمان، وهو اتِّقاءٌ عن الكفر، والفرعُ: هو اتقاءٌ (٦) عن الذنوب، فبالأول: النجاة من العذاب المؤبَّد، وبالثاني: النجاة من العذاب المؤقَّت. أما التقوى التي هي إيمانٌ: ففي مثلِ قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا

стр. 367

لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]. وأما التقوى التي هي تركُ الذنوب بعد تمامِ الإيمان (١): ففي مثلِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وللناسِ في التقوى والمتَّقي أقاويلُ تبلغ مئةَ قول (٢) عدَّدْناها في كتابنا الموسوم بـ "بحر علوم التفسير على نحو رسوم التذكير"، وفي كتاب اللَّه تعالى في تفسيره ما يغني عن كثيرٍ من ذلك؛ فإنه قال: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وعدَّ (٣) أشياءَ ثم قال في آخره: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، فهذا هو المتَّقي المطلقُ الثابت بحجةٍ لا ريب فيها، والذي يليه في الوضوح قولُ النبي ﷺ : "جماعُ التقوى في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] " (٤). والذي (٥) يَقربُ منه في الثقة بصحَّته: أن المتَّقيَ المطلقَ مَن ائتَمَر بأمرِ التقوى الواردِ في القرآن، وهو (٦) على ثلاثةِ أوجُهٍ: للعامِّ وللخاصِّ ولخاصِّ الخاصِّ: أما أمرُ العامِّ: فباتقاء النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. وأما أمرُ الخاص: فباتقاءِ يومِ القيامة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].

стр. 368

وأما أمرُ خاصِّ الخاصِّ: فبتقوَى اللَّه : ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧]. فالعامةٌ عصاةٌ فخوَّفهم (١) بالنار كي يتركوا المعصية. والخاصُّ مطيعون فدعاهم إلى الإخلاص كي لا يتحيَّروا في جوابِ سؤالِ الصدق يومَ القيامة. وخاصُّ الخاصِّ للَّه وباللَّه ومع اللَّه، فأمرهم باتِّقائه، وهو أن يكونوا له ويتَّقوا ملاحظةَ غيره كيلا (٢) يقعوا في الحَجْبة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] واللبُّ: الخالصُ؛ أي: يا خُلَصائي كونوا لي لا لغيري. وسُئل رسول اللَّه ﷺ عن قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فقال: "هو أنْ يُطاعَ فلا يُعْصَى، وأنْ يُذكَرَ فلا يُنْسَى، وأنْ يُشكَرَ فلا (٣) يُكْفَر" (٤).

стр. 369

قال ﵁ (١): فارسيتُه: (مطيع باش عاصي بي ذاكر باش ناسي بي شاكر) (٢). وقيل: التقوى: زمُّ الجوارح وضمُّ الجوانح. فزمُّ الجوارح: منعُ الأذن عن سماع اللغو، ومنعُ العين عن نظر اللَّهو، ومنعُ اللسان عن فضول الكلام، ومنعُ الحَلْق عن فضول الطعام، ومنع القدم عن التخطِّي إلى الأغيار، ومنعُ النَّفس عن مُلابَسة (٣) الأقذار. وأما ضمُّ الجوانحِ: فهو جمعُ الهمة عن التَّفاريق، والتفرُّدُ عن وجوهِ التَّعاويق (٤)، والتنزُّهُ عن ألواثِ التَّعاليق، فمَن اتَّقى ظاهرُه ظهَر خلاصُه، ومَن اتَّقى باطنُه بطَن استخلاصُه، وحَظِي أذنُه بسماع كلام الحق، وعينُه برؤية الحق، ولسانُه

стр. 370

بمكالمةِ الحق، ويدُه بقبضِ عطايا الحق، ورجلُه بالوصولِ إلى مقعدِ الصدق بتقريب الحق، وقلبُه بمشاهدة الحق، وروحُه بقُرب (١) الحق، وسرُّه بلطف الحق، فصار كلٌّ للحقِّ بالحقِّ (٢). وقيل: تفسيرُ المتَّقين فيما ذُكر بعده: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وهو كما قالوا: إن تفسيرَ ﴿الصَّمَدُ﴾: ما ذُكر بعده: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وتفسيرَ الهَلُوع ما ذُكر بعده: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١]. * * * (٣) - ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾: فإن ﴿الَّذِينَ﴾ اسمٌ بدلالةِ دخولِ الألف واللام فيه، وهو موصولٌ؛ لأنه يَتمُّ بصلته وهو (٣): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾. وأصله: (اللَّذِينَ) بلامينِ؛ إحداهما: لام التعريف، والثانية: لام (لذ)، وإنما اكتُفي في الكتابة بواحدةٍ تخفيفًا لكثرة الاستعمال، ولهذا تُكتب في التَّثنية: (اللذانِ) بلامين؛ لأنه لم يَكثر استعمالُه. وهو غيرُ مُعْرَبٍ لفظًا، ولهذا يستوي (٤) نصبُه ورفعُه وخفضُه، فيقال: جاءني الذين علمتَ، ورأيتُ الذين علمتَ، ومررتُ بالذين علمتَ.

стр. 371

وإنما لم يُعرب لأنه موصولٌ لا يَتم إلا بصلته (١)، فصار لفظُه كأنه بعضُ الكلمة، ولا إعرابَ إلا لتمام الكلمة في آخرها، فأما (اللَّذانِ) في التثنية فإنما أُعرب -فكان رفعُه بالألف، ونصبُه وخفضُه بالياء- لأن منعَ الإعراب كان لإلحاقه بالحروف، ولا تثنيةَ للحروف فلم تُلحق بها، بل تحقَّق فيه معنى (٢) الاسمِ فأُعرب لذلك. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾: تقديره: المؤمنين، ومحلُّ: ﴿الَّذِينَ﴾ من الإعراب على هذا التقدير: الخفضُ؛ لأنه نعتٌ للمتقين (٣) فيتبعُه في إعرابه، ويجوز أن يكون نصبًا على المدح، ويجوز أن يكون رفعًا بإضمارِ كلمة: هم. وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فالإيمانُ في اللغة هو التصديق، وقد آمَنَ به ولَه؛ أي: صدَّقه، وآمَنَهُ؛ أي: أَثبتَ له الإيمان (٤). وقيل: إن الإيمان الذي هو التصديقُ مأخوذٌ من هذا؛ فإن المصدِّق غيرَه فيما أَخبره (٥) به يُثبت لنفسه الأمنَ من إخبارِ المخبِر إياه بالكذب أو الخطأ. ثم اختلَف أهلُ الأصول في ماهيةِ الإيمان المفترَض على العبد: قال جَهْمٌ (٦): هو المعرفة. وقالت الكرَّاميَّة: هو مجردُ الإقرار.

стр. 372

وقال الرَّقَاشيُّ (١): هو الإقرار بشرطِ وجودِ المعرفةِ في القلب (٢)، والمعرفةُ ضروريةٌ توجد لا محالة، لكنْ إذا وُجدت هي مع الإقرار فالإيمانُ هو الإقرارُ باللسان وحده؛ لأنه اسمٌ لفعلٍ اكتسابيٍّ لا اضطراريٍّ. وقال أهلُ الحق: هو التصديقُ بالقلب والإقرارُ باللسان. وقال الإمامُ أبو منصورٍ -وهو مرويٌّ عن أبي حنيفة ﵀، وهو قولُ جماعةٍ-: هو التصديق (٣). وقال مالكٌ والشافعيُّ والأوزاعيُّ وأهلُ الحديث وأصحابُ الظواهر: الإيمان هو التصديقُ بالقلب، والإقرارُ باللسان، والعملُ بالأركان. وقال الأشعريُّ: كلُّ ذلك والبقاءُ عليه إلى الموت. وبيانُ شُبَهِ الخصومِ وحُجَجِ أهل الحقِّ يُذكر في كتب الكلام، ونُشير نحن في بقيَّة هذه الآية وفي تفسير الآيات التي في المنافقين من هذه السورة إلى ما يقع به الاستغناءُ والاكتفاءُ إن شاء اللَّه تعالى. ثم قولُه : ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: في قراءةِ أبي عمرو بن العلاء بغير همز، وللقرَّاء في الهمز وتركِه مذاهبُ وتفاصيل، فأبو عمرو يتركُ كلَّ همزةٍ ساكنة إلا أن يَعترِضَ أحدُ أربعةِ أشياء:

стр. 373

أحدها: أن يكون سكونُها علامةً على (١) الجزم، نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] و ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ (٢) [النساء: ١٣٣]. أو يتغيرَ المعنى، نحو قوله تعالى: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]. أو يخرجَ إلى لغةٍ أخرى، نحو قوله تعالى: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠]. أو يكون التخفيف أثقل، نحو قوله: ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١]. وفي الحاصل: هو يَهمز في ثلاثةٍ وثلاثين موضعًا من القرآن أولها: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾، وآخرها: ﴿عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾. والكسائيُّ يترك الهمز في قوله: ﴿الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] ويَهمز ما عداها (٣). وعاصم في رواية أبي بكرٍ يترك الهمز (٤) في: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾، ويهمز في (٥) ما سواه. وحمزةُ يترك همزَ ما يقف عليه ويَهمز ما خَلَاه. وابنُ كثيرٍ يهمزُ الكلَّ إلا كلمة: ﴿الْقُرْآنُ﴾. وابنُ عامرٍ يهمزُ الكلَّ (٦).

стр. 374

وما رُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "المؤمنُ مَن أَمِنَ جارُه بَوَائِقَهُ" (١)، فمعناه -واللَّهُ تعالى أعلمُ-: المؤمنُ المستكمِلُ أوصافَ أهلِ الإيمان هذا (٢). وكذا قولُه ﷺ : "المؤمنُ هيْنٌ ليْنٌ جوادٌ سَمْحٌ كالجملِ الأَنِف (٣)، إذا قِيدَ انقادَ، وإذا أُنِيخَ على حَجَرٍ استناخ" (٤). وقولُه ﷺ : "المؤمنُ أَلِفٌ مألوفٌ حَيِيٌّ، ولا خيرَ فيمَن لا يَأْلَفُ ولا يُؤلف" (٥). وقولُه ﵇: "المؤمنُ فَطِنٌ حَذِرٌ وقَّافٌ متثبِّتٌ عالمٌ وَرعٌ" (٦).

стр. 375

وقولُه ﵇: "المؤمنُ واهٍ راقعٌ، فسَعيدٌ مَن هلَك على رَقْعِه" (١). وعلى هذا ما قاله (٢) أهلُ الحقيقة في تفسير الإيمان، فهو تفسيرُ كمالِ حال المؤمن في مقامات خصال الإيمان. قال رُوَيمٌ: الإيمان: استصغارُ الكونين عند رؤيةِ المكوِّن، فلا يَستَطْرِقْكَ وارِدٌ، ولا يسترِقَّكَ شاهدٌ. وقال فارسٌ (٣): الإيمان: تعظيمُ الحقيقة في صَوْن الشريعة. وقال الواسطيُّ: أولُ قَدَمٍ في الإيمانِ: أن لا يجريَ عليك التلوين (٤) فيما يَرِدُ عليك من نعمةٍ أو بليَّة؛ إذ لا فرق بينهما في الحقيقة. وقال داودُ الطائيُّ (٥): الإيمان: ما يُوْرِثُك النورَ بعد الظُّلمة، ثم اللِّينَ بعد القَسوة، ثم السُّنَّةَ بعد البِدْعة، ثم التلذُّذَ بالعبادة بعد المجاهدة. وقال سهلُ بن عبد اللَّه التُّسْتَريُّ ﵀: الإيمانُ أربعةُ أركان: التوكُّلُ

стр. 376

على اللَّه، والاستسلامُ لأمر اللَّه، والرِّضا بقضاءِ اللَّه، والشكرُ لنعماء اللَّه عزَّ وعلا، والتقوى بابُ الإيمان، واليقينُ قلبُ الإيمان، والصبرُ عمادُ الإيمان (١)، والإخلاصُ كمال الإيمان. وروى أبو هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الإيمان بضعٌ وستُّون -أو بضعٌ وسبعون- بابًا، أفضلُها: لا إله إلا اللَّه، وأدناها: إماطةُ الأذى عن الطريق، والحياءُ شعبةٌ من الإيمان" (٢). فأهلُ الحديث جعلوا هذا كلَّه من الإيمان. ونحن قُلنا: هي من خصالِ أهل الإيمان، ولم يَرِدْ تعديدُها بأعيانها في حديثٍ واحدٍ، وأهلُ العلم عَدُّوا ذلك على وجوه، وأقصى ما يتناولُه لفظُ هذا الحديث: تسعةٌ وسبعون، وأنا أَعُدُّها على ترتيبٍ أختارُه، وعلى الاجتهادِ مدارُه، فأقول: بدأ فيه بالتهليل، والذي يليه: التكبيرُ والتسبيح، والتحميد والتمجيد، والتجريد والتفريد، والتوبة والإنابة، والنظافة والطهارة، والصلاة والزكاة والصيام والحج والعمرة، والقيام والاعتكاف، والقُربان والصدقة، والغزو والعِتق، وقراءة القرآن، ومُلازَمة الإحسان، ومجانَبة العصيان، وترك الطغيان، وهجرُ العدوان، وتقوى الجَنان، وحفظُ اللسان، والثناءُ والدعاء، والخوف والرجاء، والحبُّ والحياء، والصدقُ والصفاء، والنصحُ (٣) والوفاء، والندمُ والبكاء، والإخلاصُ والذكاء، والحلمُ والسخاء، والشكرُ في العطيَّة، والصبرُ في البليَّة، والرضا بالقضيَّة، والاستعدادُ للمنيَّة، واتِّباعُ السنَّة، وموافقةُ الصَّحابة، وتعظيمُ أهل الشَّيبة، والعطفُ على صغار البَرِيَّة، والاقتداءُ

стр. 377

بعلماء الأمَّة، والشفقةُ على العامَّة، واحترامُ الخاصَّة، وتعظيمُ أهل السنَّة، وأداءُ الأمانة، وإظهار الصِّيانة، والإطعام والإنعام، وبِرُّ الأيتام، وصِلَةُ الأرحام، وإفشاءُ السلام، وصدقُ الاستسلام، وتحقُّق (١) الاستعصام، والزُّهد في الدنيا، والرغبةُ في العُقبى، والموافقةُ للمولى، ومخالفةُ الهوى، والحذر من لظى، وطلبُ جنة المأوَى، وبثُّ الكرم، وحفظ الحرم، والإحسانُ إلى الخدم، وطلب التوفيق، وحفظُ التحقيق، ومراعاةُ الجارِ والرفيق، وحُسن المَلَكة في الرقيق. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق، فمَن استكمَل الوفاءَ بشُعب الإيمان نال بوعدِ اللَّه كمالَ الأمَان، وهو الذي (٢) قال اللَّه تعالى فيه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾: هو في اللغة: نقيضُ الشهادة، وقد غاب فلانٌ عنا غَيبةً، وغابت الشمس -أي: غرَبتْ- غيبوبةً، وغيابتُ الجبِّ: كالطاقِ في البئر، والغِيبةُ: ذكرُ عيوب الإنسان (٣) في الغَيبة. واختُلف في تفسيره هاهنا: فقال سعيد بن جبير ﵁: أي: يؤمنون باللَّه. وقال ابن عباس ﵄: أي: يصدِّقون الرسل. وقال ابنُ جريج: أي: يؤمنون بالوحي من قوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] معناه: وما هو (٤) على الوحي.

стр. 378

وقال الحسن: أي يصدِّقون بالآخرة (١). وقال بعضهم: أي: يؤمنون باللَّه ويطيعونه وإن غابوا عن المؤمنين -لا كالمنافقين- كما قال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الأنبياء: ٤٩]. وقال بعضهم: أي: يؤمنون بقلوبهم الغائبةِ مع ألسنتهم الظاهرة، لا كالمنافقين الذين يؤمنون بألسنتهم الظاهرة دون قلوبهم الغائبة. وبالجملة (٢): أن الغيب كلُّ ما لا يصلُ إليه العبد إلا بدليلٍ، وهو ما غاب عن الحسِّ مما يجبُ الإيمان به، وهو ما أَخبر به النبيُّ ﷺ من الكائنات بعده في الدنيا وما بعد الموت من أحوال القيامة والجنة والنار. وقال الإمام أبو منصورٍ ﵀: قيل فيه بوجهين: يؤمنون بغيبِ اللَّه ولا يطلبون منه (٣) طلبَ الأمم السالفةِ من أنبيائهم ﵈، كقول بني إسرائيلَ لموسى صلوات اللَّه عليه: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يُخْبرهم القرآن من الوعد والوَعيد، والأمر والنهي، والبعث والجنة والنار، والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ إنما (٤) يكون عن غيبٍ لا عن مشاهدةٍ (٥).

стр. 379

وقال أهلُ الحقيقة: معناه: أنهم بغيبِ القرآن عايَنوا غيبَ الآخرة، ثم بغيبِ الغيب شاهَدوا الحقَّ مطَّلعًا عليهم في جميع الأوقات، فغابوا باطِّلاعه عليهم عن مشاهدةِ كلِّ شيءٍ سواه، فهم قائمون معه مع المشاهَدة. ثم الغيبُ في القرآن جاء لمعانٍ: للسِّر: قال تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]؛ أي: سِرَّ أهلهما. وللزَّوج: قال تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء: ٣٤]. وللرِّزق: قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وللَّوْح: قال تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾. وللْوَحي: قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤]. ولِمَا غاب عن العباد: قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ (١) [الأنعام: ٧٣]. وللْكَيل (٢): قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ [يوسف: ٨١]. وللْعَذاب: قال تعالى: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]؛ أي: متى ينزل العذاب. وللْمَوت: قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]؛ أي: متى أموتُ. وللشَّك: قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢]؛ أي: قولًا بالشك. ولنزول العلَامة: قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٢٠]؛ أي: علم نزولها.

стр. 380

وبمعنى الغَيبة: قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢]. والتلفيقُ (١): أن اللَّه تعالى أخبر أنه عالمُ الغيب، ولا يعلم غيرُه الغيبَ؛ فإنه قال: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]. وذكَر أن عنده مفاتحَ الغيب، وقال لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وذكَر أن الجنَّ علِموا أنهم لا يعلمون الغيبَ بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ [سبأ: ١٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وأَخبر أنه هو الذي أَخبر رسولَه بالغيب بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤]. ووبَّخ الكفار بقوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]، وبقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ [الطور: ٤١]. وأَمر بالثناء عليه به بقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ﴾ [الزمر: ٤٦]. ومدَح المؤمنين بالإيمان بالغيب، وبالخوف بالغيب، وبالخشية بالغيب، وبالنُّصرة بالغيب، بقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤]، ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [ق: ٣٣]، ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥].

стр. 381

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [الجمعة: ٨]. ووعدهم الجنة بالغيب فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [مريم: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: دلَّت بقيةُ الآية على أن الأعمال ليست من الإيمان؛ فإنه ذَكر الإيمان وعطَف عليه الأعمالَ، والمعطوفُ غيرُ المعطوفِ عليه. وقوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: قال الإمام أبو منصورٍ ﵀: هذا يَحتمِل وجهين: يَحتمِلُ الصلاة المعروفة؛ أي: يقيمونها (١) بإتمام ركوعها وسجودها والخشوعِ والخضوع له فيها، وإخلاصِ القلب والنية له (٢)، على ما جاء في الخبر: "انظُرْ مَن تُناجي" (٣). ويَحتمِلُ الحمدَ للَّه والثناءَ عليه، فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمِلُ النسخَ ولا الرفعَ في الدنيا والآخرة (٤).

стр. 382

ولأهل التفسير في هذا (١) ستةُ أقاويلَ: قال بعضهم: إقامةُ الصلاة: أداؤها؛ فإنَّ قول المؤذِّن: قد قامت الصلاة، معناه: أَخذوا في أدائها، وقيامُ الشيء: وجودُه، وإقامتُه من العبد: تحصيله. وقال ابن عباس ﵄: إقامتُها: إتمامُ ركوعها وسجودها وما يجب فيها، وهو في معنى التقويم؛ أي: التسويةِ، فلا يُدخل نقصًا في شيءٍ من أفعالها وأركانها، ولا خلَلًا في فرائضها وواجباتها وسُنَنها وآدابها. وقيل: إقامتُها: إدامتُها وإظهارُها، قال الشاعر: أقامت غزالةُ سوقَ الضِّراب... لأهل العراقينِ حولًا قميطًا (٢) أي: أدامت امرأةُ شبيبٍ الخارجيِّ أمرَ الحرب وضرب السيوف حولًا تامًّا، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]؛ أي: مُواظِبًا على التَّقاضي. والرابع: قول ابن كيسانَ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾؛ أي: يقيمون بالصلاة برهانَهم على صدق دعواهم في الإيمان بالغيب. والخامس: قول بعضهم: إقامتُها: مراعاةُ حقوقها (٣) وشرائطِها؛ أي: شرائطِ الجواز والقبول (٤)، وشرائطُ الجواز: ستةٌ قبل الشروع وستةٌ بعده، وهي معروفة، وشرائطُ القبول: ستةٌ بالظاهر وستةٌ (٥) بالباطن:

стр. 383

فالظاهر: الخشوعُ؛ لقوله تعالى: ﴿فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وتركُ أكلِ (١) الحرام، وقولِ اللغو، والكسلِ والإبطاء. وأما الباطنُ: فالإخلاصُ، والتفكُّرُ، والخوفُ، والرجاءُ، ورؤيةُ التقصير، والمشاهَدةُ. والسادس: قولُ القشيري: إقامتُها: القيام بأركانها وسُننِها، ثم الغَيبةُ عن شهودها برؤيةِ مَن يصلِّي له (٢)، يقول اللَّهُ تعالى: "أنا أغنَى الشركاءِ عن الشِّرك، فمَن عَمِلَ لي عَمَلًا وأَشْرَكَ فيه غيري فهو له وأنا منه بريءٌ" (٣). وعن أبي بكرٍ الشِّبْليِّ ﵀ أنه قال: لو نظر قلبي في الصلاة إلى العُقبى توضَّأْت، ولو نظر (٤) إلى الدنيا اغتَسلْت. وقال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] والخشوع: سكون الظاهر والباطن، فلا يَصرف شيئًا من أعضائه إلى غير السنَّة، ولا شيئًا من باطنه إلى غير القُربة. وقال النبيُّ ﷺ حين رأى رجلًا يعبثُ بلحيته في الصلاة: "أمَا لو خَشَعَ قلبُ هذا لخشَعَتْ جَوارِحُه" (٥).

стр. 384

وقيل: إقامةُ الصلاة: بالتطهُّر أولًا ظاهرًا وباطنًا، وبالتجمُّلِ بلباسِ أهل (١) الدنيا ولباسِ أهل التقوى، ومراعاةِ الوقت مع اتِّقاءِ المَقْت، وإخلاصِ النيَّة مع إصلاح الطَّوِيَّة، واستقبالِ القِبلة بالوجه والقلب، والافتِتاح بالتكبير (٢) عن توقير، والإتيانِ بالقيام على تمام، والقراءةِ عن تفكُّرٍ وتدبُّر، والاستماعِ عن إنصاتٍ وإخبات (٣)، والانحناءِ بركوعٍ عن خشوع، والخُرورِ لسجودٍ عن شهود، والتكلُّم بتسبيحٍ عن تصحيح، والختمِ بقِعْدةٍ عن عُدَّة، وتشهُّدٍ عن تعهُّد (٤)، وصلواتٍ ودعوات عن تحقيقٍ وإثبات، وتسليمٍ عن تتميم، ثم الدُّعاءِ على إخلاص، والرجوعِ عن إفلاس. وقوله تعالى: ﴿الصَّلَاةَ﴾: فالصلاة في اللغة: اسمٌ للدعاء والثناء والقراءة والرحمة: قال اللَّه تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ أي: ادْعُ لهم. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، قيل: هي الثناء.

стр. 385

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ أي: بقراءتك. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٥٧]؛ أي: رحمة. والصلاةُ المشروعة: المخصوصةُ بأفعالٍ وأذكار، سُميت بها لِمَا في قيامها من القراءة، وفي قعودها من الثناء والدعاء، ولفاعلها من الرحمة. وقيل: سُميت الصلاةُ بها من قولهم: صَلَيْت العود بالنار؛ أي: ليَّنْتُه، والمصلِّي بالصلاة يَلِينُ ويخشعُ لربِّ العالمين. وقيل: هي من الصَّلا (١)، وهي مَغْرِزُ الذَّنَبِ من الفرس، والمصلِّي ينحني للركوع والسجود فيرفعُ الصَّلَوَينِ في هذين (٢) الحالين. وقيل: هي من قولهم: فرسٌ مُصَلِّي؛ أي: تالٍ للسابق في حَلْبةِ الرِّهان، سمِّيت بها لأنها في الذِّكر ثانيةُ الإيمان؛ فإنها ذُكرت في هذه الآية بعد الإيمان بالغيب، وقد قال النبيُّ ﷺ : "الصلاةُ ثانيةُ الإيمان" (٣). ثم الصلاةُ في هذه الآية: اسمُ جنسٍ، وأريد بها الجمعُ (٤)، واسمُ الجنس يَصلح لذلك، قال تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤]، وهذا (٥) كقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ أي: الكتب.

стр. 386

وهي خمسُ صلواتٍ مكتوبةٍ في كلِّ يومٍ وليلة، وكانت خمسين على مَن كان (١) قبلَنا، وكذا فُرضت علينا ليلةَ المعراج، ثم حُطَّت إلى خمسٍ تخفيفًا وثبتَ جزاء الخمسين تضعيفًا. وتُكتب (الصلوة) بالواو اتِّباعًا لمصحف الإمام، فقد كتبت فيه: ﴿الصَّلَاةَ﴾ و ﴿وَالزَّكَاةَ﴾ و ﴿الْحَيَاةِ﴾ بالواو، وإنما كتبوا ﴿الصَّلَاةَ﴾ بالواو إشعارًا لأن (٢) أصلها الواو؛ فقد قلنا: إنها من الصلا (٣)، وهو واويٌّ، ولذلك يقال في تثنيَتِه: الصَّلَوان. ثم إن اللَّه تعالى سمَّاها صلاةً في آياتٍ، وسمَّاها تسبيحًا في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]. وسماها إيمانًا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتَكم إلى بيت المقدس. وقرآنًا في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وحسناتٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقنوتًا في قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]. وركوعًا في قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وسجودًا في قوله تعالى: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾. وأمانةً في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وذِكرًا في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].

стр. 387

واستغفارًا في قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. ثم المذكورُ في الآية: إقامةُ الصلاة، واللَّهُ تعالى أَمر في الصلاة بأشياء: بإقامتِها بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبالمحافظة عليها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وإدامتِها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، وبأدائها في أوقاتها بقوله عزَّ وعلا: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وبأدائها في جماعةٍ بقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبالخشوعِ فيها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]. وبعد هذه الأوامرِ صار الناس على طبقاتٍ خمسٍ: طبقةٍ: لم يَقبلوها، ورأسُهم أبو جهل لعائنُ اللَّه عليه تترًى، فقال اللَّه (١) تعالى في حقِّه: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، وذكرَ مصيرَهم فقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦]. وطبقةٍ: قَبِلوها ولم يؤدُّوها، وهم أهلُ الكتاب، فذكرهم اللَّه تعالى فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال الكلبيُّ: هم أهلُ الكتاب، وقال تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، وذكَر مصيرَهم فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وهو دركةٌ في جهنم هي أهيَبُ موضعٍ فيها تستغيثُ النارُ منها كلَّ يومٍ كذا وكذا مرةً، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: من اليهودية والنصرانية ﴿وَآمَنَ﴾: أي: آمَن (٢) بمحمدٍ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾؛ أي: حافَظ على الصلوات (٣).

стр. 388

وطبقةٍ: أدَّوا بعضَها ولم يؤدُّوا بعضَها متكاسِلينَ وهم المنافقون، فذكرهم اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وذكر مصيرهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. وطبقةٍ: يؤدُّونها لكنْ بعد خروجِ وقتها، فذكَرهم اللَّه تعالى في كتابه فقال (١): ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، وذكر أن مصيرهم: ويلٌ، وهو وادٍ في جهنم لو جُعلت فيه جبال الدنيا لماعَتْ؛ أي: لسالت، وقال (٢) النبيُّ ﷺ : "مَن تركَ صلاةً حتى غاب وقتُها ثم قضاها، عذِّب في النارِ حُقْبًا، والحُقْب: ثمانون سنة، كلُّ سنةٍ ثلاثُ مئةٍ وستُّون يومًا، كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون" (٣). وطبقةٍ: قبِلوها، وهم يراعونها في مواقيتِها بشرائطها، ورئيسُهم (٤) المصطفى ﷺ ، فذكره اللَّه بقوله تعالى (٥): ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، وأصحابُه كذلك، فذكَر هم اللَّه تعالى بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وذكر مصيرَهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]، وهو أرفعُ موضعٍ في الجنة وأبهاه، ينال المؤمنُ فيه مُناه، وينظرُ إلى مولاه.

стр. 389

وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: فالرزقُ: هو الإعطاءُ وإن اختلفت وجوهه (١): فإن الرِّزق يكون تمليكًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ أي: ملَّكناهم. ويكون غذاءً: قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]؛ أي: غذؤاها. ويكون طعامًا: قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩]. ويكون مالًا: قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦]؛ أي: المال. ويكون مطرًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥]. ويكون هبةً: قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]: هو هبةُ الشيء (٢) لغير الورثة تبرُّعًا وتصدُّقًا. ويكون أجزاءَ وظيفةٍ كرَزْق القضاة والجنود. وكلُّ ذلك راجعٌ إلى الإعطاء. ثم الرِّزقُ يكون هو التغذيةَ عندنا، وهو عند المعتزلة: التمليك، فالحرام عندهم ليس برزق؛ لأنه ليس بمِلك، وهذا في غايةِ الفُحش منهم، وهو نهايةُ الضَّلال؛ فإنه ردُّ كتاب اللَّه تعالى، قال عزَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]. والحيواناتُ عندهم ليست تأكل من (٣) رزق اللَّه تعالى؛ لأنها لا تملك (٤)، وآكِلُ

стр. 390

الحرام عندهم وكاسبُه في جميع عمره لم يأكل من رزق اللَّه شيئًا (١)، ولم يرزقه اللَّه شيئًا. ثم إنما ذكَر اللَّه تعالى هذا الفعل بصيغة الجمع من نفسه، وهو واحدٌ لا شريك له؛ لأنه خطابُ الملوك، واللَّه تعالى مالكُ المُلْك ومَلِك الملوك، فله استحقاقُه ومنه إطلاقُه. والمعهود من كلام الملوك أربعةُ أوجهٍ: الإخبارُ على لفظةِ الواحد (٢): إنِّي فعلتُ كذا، وعلى لفظة الجمع: فعَلْنا كذا، وعلى ما لم يسمَّ فاعلُه: رُسِمَ لكم كذا، وإضافةُ الفعل إلى اسمه على وجهِ المغايبة: أَمَركم سلطانُكم بكذا. والقرآن نزل بلغة العرب، فجمع اللَّه تعالى فيه هذه (٣) الوجوهَ كلَّها فيما أَخبر به عن نَفْسه: فقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ الآية [المدثر: ١١]، وهذا على صيغة الواحد. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١]، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا﴾ [الإنسان: ٢]، وهذا على صيغةِ الجمع. وقال تعالى فيما لم يُسمَّ فاعله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ
следующие страницы →