بشَّر بك موسى فمَن هذا معك؟ قال: "أو تَرونه؟ " (١)، قالوا: نعم، قال: "هو جبريل"، قال: "فرأيتُ (٢) قبورَهم على أبواب دُورهم، فقلتُ لهم: ولم ذلك؟ " قالوا: ذاك أجدرُ أن نَذكر الموت صباحًا ومساء، فقال: "إني أرى بنيانكم مستويةً" قالوا: لئلا يُشرفَ بعضُنا على بعضٍ، ولئلا يَسُدَّ أحدٌ على أحدٍ الريحَ والهواء، قال: "فما لي (٣) لا أرى لكم قاضيًا ولا سلطانًا؟ " قالوا: أنصفَ بعضُنا بعضًا وأعطَينا الحقَّ من أنفُسنا، فلم نحتَجْ إلى قاضٍ يُنصِفُ بيننا، قال: "فما لي أرى أسواقكم خاليةً؟ " قالوا: نزرعُ جميعًا ونحصدُ جميعًا، فيأخذ (٤) كلُّ رجلٍ منا ما يكفيه ويدع الباقيَ لأخيه، قال: "فما لي أرى هؤلاء القومَ (٥) يضحكون؟ " قالوا: مات لهم ميت يضحكون سرورًا بما قُبض عليه من التوحيد، قال: "فما لهؤلاء القوم يبكون؟ " قالوا: قد وُلد لهم مولودٌ فهم لا يدرون على أيِّ دِينٍ يُقبض، قال: "فإذا وُلد لكم ذكر فماذا تصنعون؟ " قالوا: نصوم للَّه شكرًا شهرًا، قال: "فالأنثى؟ " قالوا: نصوم للَّه شكرًا شهرين، قال: "ولم؟ " قالوا: لأن موسى ﵇ أخبرنا أن الصبر على الأنثى أعظمُ أجرًا من الصبر على الذَّكر، قال: "أفَتَزْنون؟ "، قالوا: وهل يفعل ذلك أحدٌ، لو فعل ذلك أحدٌ لحصَبَتْه (٦) السماء من فوقه، و (٧) لخُسفت به الأرض من تحته، قال: "أفتُرْبون؟ "، قالوا: إنما يُرْبي مَن لا يؤمن برزق اللَّه تعالى، قال: "أفتمرضون؟ " قالوا: لا نمرضُ
стр. 3257
ولا نُذنب، إنما يُذنب أمتُكَ فيمرضون ليكون ذلك كفارةً لذنوبهم، قال: "أولكم سباعٌ وهَوَامُّ؟ " قالوا: نعم، تمرُّ بنا ونمرُّ بها ولا تؤذينا ولا نؤذيها، فعرَض عليهم النبيُّ ﷺ شريعته والحجَّ، قالوا: وكيف لنا بالحج وبيننا وبينه مسافةٌ بعيدة؟ فدعا النبيُّ ﷺ وأمَّن جبريل ﵇.
قال ابن عباس ﵄: فتُطوَى لهم الأرضُ طيًّا حتى يحجَّ مَن يحجُّ منهم مع الناس، فإذا انقضى (١) الحج طُويت لهم الأرض فرجعوا إلى بلادهم.
فلمَّا أصبح النبي ﷺ أخبر مَن بحضرته من قومه وفيهم أبو بكر ﵁، فقال أبو بكر: فإن قوم موسى بالخير، فعلم اللَّه ما في قلوبهم فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾؛ أي: من هذه الأمة أمة ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] فصام أبو بكر شكرًا للَّه تعالى وأعتق عبدًا، إذ لم يفضِّل اللَّه أمةَ موسى على أمةِ محمد ﷺ (٢).
وذكر الكلبيُّ والضحاك ووهبٌ وكعبٌ ومقاتلٌ وغيرُهم: مرور النبيِّ ﷺ بهم ليلة المعراج وتعليمَه إياهم الصلواتِ الخمسَ والفاتحةَ وسورًا من القرآن.
وفي حديثنا للضحاك (٣): أنهم كانوا يَسْبِتون، فأمرهم أن يتركوا ويجمِّعوا.
* * *
(١٦٠) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ
стр. 3258
أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ تنصرف الكنايةُ إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾؛ أي: فرَّقناهم اثنتي عشرة أسباطًا، والتاء للتأنيث، والهاء في ﴿عَشْرَةَ﴾ كذلك، وفيه لغتان: تسكين الشين، وكسرُها في التأنيث من إحدى عشرةَ إلى تسعَ عشرةَ.
و ﴿أَسْبَاطًا﴾ ليس بتفسير العدد، فإنه يُوحَّد ولا يجمع، لكن تقديره: وقطعناهم أسباطًا أممًا اثنتي عشرة قطعةً، و (قطعةً) مضمَرةٌ، وتأنيث العدد لذلك، ويدلُّ عليه: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾، ومعناه: وفرَّقناهم اثنتي عشرةَ فرقةً.
والأسباطُ: جمع سبطٍ، وهم أولاد يعقوبَ، وقد شرحناه في سورة البقرة.
و ﴿أُمَمًا﴾: جمعُ أمَّة؛ أي: جماعاتٍ، وهو بدلٌ عن قوله: ﴿أَسْبَاطًا﴾ وترجمةٌ له.
والآيةُ في بيان إنعامه على بني إسرائيل، يقول: لمَّا أخرجناهم من أرض مصر وأدخلناهم البرَّ جعلناهم اثنتي عشرةَ فرقةً قبائلَ شتَّى؛ ليكون أمرُ كلِّ سبطٍ متصرِّفًا (١) من جهةِ رئيسهم فيخفَّ الأمر على موسى فيما يَحتاج إليه من تعريف أحوالهم، ويَسهل عليه جمعُهم إذا أراد جمعَهم، ويَعلم كلُّ فريق مرجعَهم في أمورهم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: وكان ذلك في التِّيه، والانبجاس: خروج الماء الجاري بقلةٍ، والانفجار: خروجه بكثرة، وكان البدءُ بقلةٍ ثم يَكثر بالاتساع.
стр. 3259
وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾: فسَّرنا هذه الكلمات، وبيَّنا هذه القصةَ في قوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا﴾: أي: وقلنا لهم: كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ مرَّ كلُّ ذلك في سورة البقرة.
* * *
(١٦١ - ١٦٢) - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: أي: قال لهم موسى بأمرنا ﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ مر ذلك في سورة البقرة (١).
стр. 3260
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ مرَّ أيضًا.
* * *
(١٦٣) - ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾: أي: سَلِ اليهودَ يا محمدُ عن القرية التي كانت قريبةً من البحر وعلى شاطئه، وهي أَيْلةُ، وقيل: مدينُ، وكلاهما عن ابن عباس ﵄ (١).
وقيل: طبرية.
وقال محمد بن إسحاق: هي مَقْنَا بين مدينَ وعَيْنُونا (٢).
стр. 3261
ومعنى سلهم؛ أي: قل لهم: ألم يكن كذا (١)؟ فإنهم يصدقونك.
وقيل: ليس هذا بأمرٍ بالسؤال، لكنه تمثيل، كأنه قال: لو سألتهم لقالوا لك كذا، وهو كقوله تعالى: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] أي: لو سألتهم أكان كذا؟ لأجابوك أنه كان كذا.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾: أي: يتعدَّون حدَّ (٢) الشرع في دينهم مِن ترك الاصطياد في يوم السبت، وكانوا يكتمون هذه القصة لِمَا فيها من الشُّبه (٣) عليهم، فأَطْلع اللَّه نبيَّه ﷺ على ما كتَموه وقصَّ ذلك، وهو قوله تعالى:
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾: قال ابن عباس: أي: ظاهرةً على وجه الماء (٤). جمعُ شارع.
وقال السدِّيُّ: كان إذا كان يومُ السبت لم يبقَ حوتٌ في البحر إلا خرج، فيُخرِجنَ خراطيمهنَّ من الماء، فإذا كان يومُ الأحد غِبْن (٥).
وقال الحسن: ﴿شُرَّعًا﴾ على أبوابهم كأنها الكِبَاش البِيض (٦).
وفي روايةٍ قال: إذا كان يومُ السبت جاءت الحيتان فتبطَّحت (٧) بأفنِيَتهم كأنها المخاض، فإذا غابت الشمس ذهبت فلا تُرى إلى السبت الآخر (٨).
стр. 3262
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾: يقال: أَسْبَتَ: إذا دخل في يوم السبت، وسَبَت؛ أي: أقام السبتَ وعَمِل فيه ما يَعمل في السبت، وعلى المقابلة بقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ يكون قوله: ﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ مصدرًا ليكون مقابَلةُ الفعل بتركِ الفعل، وظاهرُه أنه اسم للوقت في الأول.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي: كانت لا تظهر لهم في غير يوم السبت، وكانوا يحتاجون إلى استخراجها عن مكامنها ومغائصها بالحيَل.
﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ مستقبلٌ بمعنى الماضي؛ أي: امتحنَّاهم به تغليظًا للمحنة عليهم بفسقهم ومجاهَرتهم بالمعاصي عقوبةً لهم.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ابتلاهم بهذا النهي ليُريَ الخَلْقَ المطيعَ منهم والعاصيَ.
قال: وقال قائلون: ابتلاهم بذلك لما كانوا يفسقون في السرِّ؛ ليكون فسقهم وتعدِّيهم ظاهرًا عند الخلق كما كان (١) عند اللَّه تعالى؛ لئلا يقولوا عند التعذيب: إنهم عذِّبوا بلا ظلم ولا تعدٍّ.
وقد بينَّا القصة في سورة البقرة: أنها كانت في زمنِ داودَ ﵇ في أرضٍ يقال لها: أيلة، مجاورةِ البحرِ بين المدينة والشام.
وعن ابن عباس ﵄ في رواية: كانت بين مدين والطور (٢).
فكانت الحيتان تظهر على وجه الماء يومَ السبت ولا تظهرُ في غيره، وقد نُهوا عن الاصطياد فيه ابتلاءً حيث اختاروا السبتَ وتركوا يومَ (٣) الجمعة، فمكثوا ما شاء اللَّه
стр. 3263
تعالى، ثم إن رجلًا منهم أخذ حوتًا فخرَمه بخيطٍ ثم شدَّه إلى وتدٍ بالساحل وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغداةُ أخذه فأكله سرًّا، ففعلوا مثلَ ذلك وهم ينظرون لا يتناهون إلا بقيةً منهم يَنهونهم، حتى ظهر ذلك في الأسواق وبِيع علانية.
* * *
(١٦٤) - ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: أخبر أن أمةً منهم -أي: جماعةً- وهم الصالحون وعَظوهم، فقال لهم جماعةٌ أخرى: لمَ تَعِظون هؤلاء مع إعراضهم عن القبول منكم واستخفافِهم بوعظكم، وقد أشرفوا على أن يُهلكَهم اللَّه تعالى فيَصطَلِمَهم، أو يعذِّبَهم عذابًا شديدًا غيرَ مصطَلِم، ويحتمِل: يهلكُهم في الدنيا و (١) يعذبُهم في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾: قرأ عاصمٌ في رواية حفص: ﴿مَعْذِرَةً﴾ نصبًا وهو مفعولٌ له؛ أي: إعذارًا إلى اللَّه، وقرأ الباقون بالرفع (٢)، ومعناه: موعظتُنا معذرةٌ إلى اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾: أي: قالوا: نكرِّر الوعظَ إعذارًا إلى اللَّه فيما يلزمُنا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأميلًا لرجوعهم واتِّقائهم وانتهائهم.
قال ابن عباس ﵄: كانوا أثلاثًا: ثلثًا نَهَوا، وثلثًا قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وثلثًا أصحابَ الخطيئة، فما نجا إلا الذين نَهَوا (٣).
стр. 3264
وقال السدِّي: فجعل الرجل يَحفر الحَفِيرة (١) ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يومُ السبت فَتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيَها في الحَفيرة فلا تطيق الخروج، فإذا كان يومُ الأحد جاؤوا وأخذوا فأكلوا وشوَوا وملَّحوا، وفشى ذلك فيهم، فقال لهم علماؤهم: أتصيدون يوم السبت (٢)؟! قالوا: إنما نصيدها يوم الأحد، فلم ينتهوا، فقال بعض الذين ينهَون لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ فأجابوا بما ذكرنا، فلما أبوا قال المسلمون: لا تُساكِنوهم في قريتهم، فقسَموا القرية بجدارٍ؛ للمسلمين بابٌ وللمعتدِين بابٌ، ولعنهم داود، فيخرج المسلمون من بابهم والمعتدُون من بابهم، فخرج المسلمون ذاتَ يوم ولم يخرج المعتدون، فلما أبطؤوا تسوَّر عليهم المسلمون الجدارَ فإذا هم قردةٌ يَثِبُ بعضُهم على بعضٍ، فذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٣).
* * *
(١٦٥) - ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾: أي: تركوا ما وُعظوا به تَرْكَ الناسي له، يعني: الذين أخذوا الصيد في السبت ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ خلَّصنا الذين كانوا ينهونهم عن هذا الفعل السوء.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرٍو وحمزةُ والكسائي (٤): ﴿بَئِيسٍ﴾ على وزن فعيل؛ أي: شديد، والبأس: الشدة وكذلك البؤس.
стр. 3265
وقرأ نافع: ﴿بِيسٍ﴾ على وزن بئر غير مهموز.
وقرأ ابن عامر كذلك مهموزًا.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿بَيْئَس﴾ على وزن فَيْعَل (١).
وعن مجاهدٍ: (بائس) على وزن فاعل (٢)، وفيه قراءاتٌ أُخَرُ شاذةٌ (٣).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾: أي: بخروجهم عن الطاعة (٤).
* * *
(١٦٦) - ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: أبوا أن يرجعوا عن المعصية (٥). وقيل: أي: تمرَّدوا.
وقوله: ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: أي: جعلناهم قردةً أذلَّاءَ مُبْعدينَ عن الناس، وقد شرحناه في سورة البقرة.
وقال عكرمةُ: أتيتُ ابنَ عباس ﵄ يومًا وهو يبكي والمصحفُ في حِجره، قلتُ: ما الذي يبكيك؟! قال: هذه الورقات، فإذا هو في سورة الأعراف، قال: أتعرفُ أيلةَ؟ قلتُ: نعم، قال: كان بها حيٌّ من يهودَ سيقتْ إليهم الحيتانُ يوم
стр. 3266
السبت ثم غاصت فلا يقدرون عليها حتى يغوصوا عليها بعدَ كدٍّ، فكانت تأتيهم يومَ السبت شُرَّعًا بيضًا سِمانًا، فكان كذلك برهةً من الدهر، ثم إن الشيطان وَسوس إليهم فقال: إنكم نُهيتم عن أكلها في يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره، وقالت طائفةٌ: بل نُهيتم عن أخذها وأكلها وتنفيرها في يوم السبت، وكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة الأخرى، فقال الأيمنون: اللَّهَ اللَّهَ ويلكم لا تتعرَّضوا لعقوبة اللَّه، واعتزلت ذاتَ اليمين وسكتت، وقال الأيسرون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ فقال الأيمنون: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١)، فإن انتَهَوا فهو (٢) أحبُّ إلينا أنْ (٣) لا يصابوا ولا يُهلكوا، وإن لم ينتهوا فقد أَعْذرنا (٤)، فمضَوا على الخطيئة، فقال الأيمنون: واللَّه ما نبايتكم (٥) الليلةَ في مدينتكم، وما نُرى أن تصبحوا حتى يصيبَكم اللَّه بخسفٍ أو قذفٍ أو ببعضِ ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضَربوا الباب عليهم ونادَوهم فلم يجيبوا (٦)، فوضعوا سلَّمًا وأعلَوا سورَها رجلًا، فالتفت إليهم فقال: يا عباد اللَّه! قرود واللَّه تَعَاوى لها أذناب، ففتح الباب ودخلوا، فعرفت القرود [أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنسُ أنسابها من القردة، فجعلت القرود تأتي] نسيبَها من الإنس فجعلت تبكي وتشمُّ ثيابه، فيقولون: ألم ننهكم عن كذا؟ فيقولون برأسها: نعم ثم قرأ ابن عباس ﵄: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ فأسمعُ ذكر الذين نَهَوا ولا أسمعُ ذكر الذين سكتوا،
стр. 3267
ونحن نرى أشياءَ ننكرُها فلا نقول فيها، فقال عكرمة: فقلتُ: جعلني اللَّه فداك! أوَلَا تراهم قد كرهوا ما هم عليه فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ﴾؟ -وفي رواية: قال لابن عباس ﵄: إن (١) لم يقل اللَّه: أنجيتُهم، لم يقل أيضًا: أهلكتهم- قال: فرضيَ وأمر بي فكُسيت بُردين (٢).
فصار عن ابن عباس ﵄ ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنه أهلكهم كما أهلك المعتدين.
والثاني: أنه أنجاهم كما أنجى الناجين (٣).
والثالث: أنه توقَّف فيهم.
وقال الحسن: نجت فرقتان وهلكت فرقة، وهم الذين أخذوا الحيتان (٤).
وقال الحسن: وأيُّ نهيٍ يكون أشدُّ من إثبات الوعيد، والتخويفِ بالإهلاك والعذاب الشديد، بقولهم: ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾؟
وقال الإمام أبو منصور ﵀: لسنا نَعلم أنهم كانوا مهلَكين أو ناجين، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، ولو كان لنا إليه حاجةٌ لبيَّنه (٥) لنا، سوى أنه بيَّن مَن نجا منهم بالنهي وعذَّب مَن أَخذ الحيتان بالظلم والفسق (٦).
стр. 3268
وقال الإمام القشيري ﵀: إذا انتهت مدةُ الإمهال فليس بعده غيرُ الاستئصال، وإذا سقط العبد عن عين اللَّه لم ينتعِش بعده أبدًا، ومَن أسقطه حكمُ الملوك فلا قبولَ بعد الرد، وفي معناه أنشدوا:
إذا انصَرفَتْ نفسي عن الشيءِ لم تَكَدْ... إليه بوجهٍ آخِرَ الدَّهر تُقبِلُ (١)
* * *
(١٦٧) - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ قال الحسن ﵀: أي: أعلمَ (٢)، وهو قول الزجَّاج (٣).
وقيل: أَسْمعَ وأَقْسمَ.
وقوله تعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: أي: ليسلِّطنَّ عليهم؛ أي: اذكر يا محمد إذ أَعْلَمَ اللَّه أسلافهم على ألسنة أنبيائهم أنهم إن غيَّروا وبدَّلوا ولم يؤمنوا بالنبيِّ الأميِّ سلَّط اللَّه عليهم العرب يقاتلونهم إلى أن يُسلموا أو يُعطوا الجزية صاغرين، وهو من سوء العذاب؛ أي: أشدِّه وأشقِّه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾: لا يحتاج إلى إحضارِ أسبابه وإعداد آلاته.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: مع هذا لمن تاب وأناب، وقد حقَّق اللَّه
стр. 3269
ذلك بما كان من رسول اللَّه ﷺ من إجلائهم عن أوطانهم، وقتلِهم وسبي نسائهم وولدانهم، ثم إنهم إلى الآن مقموعون، وكذا يكونون إلى يوم القيامة.
وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾؛ أي: قال ربك (١).
وقال عطاء: وإذ ختَم ربك.
* * *
(١٦٨) - ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾: أي: فرَّقناهم في البلاد فِرقًا.
وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾: أي: دون الصالح.
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾: أي: اختبَرْناهم، ومعناه: عامَلْناهم معاملةَ المختبِر، وإن كان لا يَخفى على اللَّه شيء لكن ليُظهر للناس ما كان عَلِمَه منهم.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾: أي: الأحوالِ الحسنة من السَّعةِ والخِصب، والأحوال السيئة من الضِّيق والجَدْب؛ أي: صرَّفناهم على أحوال شتى.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: ليرجعوا عن الباطل إلى الحق؛ أي: فلم يرجعوا.
وقال الكلبي: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾: هم الذين وقعوا وراء الصين، وهم الذين ذكرناهم في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أي: مَن هاهنا من اليهود (٢).
стр. 3270
وقال عطاء ومجاهد: ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ الذين آمنوا بمحمد وعيسى ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ مَن لم يؤمِن (١).
وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ﴾ يحتمِل تفريقَهم في وقتٍ واحد في أماكن، ويحتملُ تفريقَهم في الأهواء، ويحتمِل: وقطعناهم في الأرض أممًا أمةً بعد أمةٍ وعصرًا بعد عصرٍ، ولذلك قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: هذا يخرَّج على وجوه:
اختبرناهم بالنعم ليرجعوا إلينا بالشكر والثناء، وبالمحن ليعرفوا قدرتنا فيرجعوا إلينا بالتضرُّع والدعاء.
ويحتمل: وبلوناهم بهذا وبهذا (٢) ليتقرَّر عندهم أن غيرهم أملكُ بهم من أنفسهم، فيرجعوا إليه بتسليم النفوس لأمره وحكمه.
ويحتمل: وبلونا المؤمن والكافر بالحسنات والسيئات، [حتى إذا رأوا الاستواء] في الدنيا وفي الحكمة التفريقُ بينهم، فيضطروا إلى الإيمان بالبعث لذلك.
ويحتمل: أنه إنما جعَل النعيمَ في الدنيا ليعرفوا لذةَ الموعود (٣) في الآخرة، وكذلك الشدة ليعرفوا به (٤) ألم العذاب في الآخرة، فابتلاهم بالأمرين ليرغبوا في نِعَم الجنة ويَحذروا عقوبات النار (٥).
стр. 3271
(١٦٩) - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا﴾: أي: قومُ سوءٍ يَخْلُفون الأوَّلينَ، ويستعمل الساكن في الذَّم، والخَلَف بفتح اللام: قوم أخيارٌ يخلُفون الأوَّلينَ، ويستعمل هذا في المدح (١).
قال لبيد:
وبقيتُ في خَلْفٍ كجِلْدِ الأجربِ (٢)
وقد جاء بالتسكين في المدح في شعرِ حسان ﵁:
لنا القدمُ الأولى إليك وخَلْفُنا... لأوَّلنا في طاعةِ اللَّه تابعُ (٣)
وقوله تعالى: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾: أي: التوراةَ، وهم علماء اليهود ورِثوه من أسلافهم، يقول: جاء بعد هذه الطبقة الذين كان فيهم الصالحون ومنهم دون ذلك قومٌ أردياءُ مذمومون (٤).
стр. 3272
وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾: العَرَض: حطام الدنيا، وما يصيبُ الإنسانَ منها فهو شيءٌ يَعرِضُ فيزول ولا يبقى، و ﴿هَذَا الْأَدْنَى﴾ بمعنى: هذه الدنيا، وإنما ذُكر لأنه لم يذكر الدار أو الحياة، فكأنه جعله صفة للمكان أو للشيء، يعني: يأخذون الرُّشى لتغيير الأحكام وتعطيلِ الحدود من العِلْية والسِّفلة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: أي: إذا عوتبوا على ذلك اعتذروا بما (١) يرجونه من سعة رحمة اللَّه، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾: أي: يصرُّون على ذلك ولا يمتنعون، بل إذا وجدوا شيئًا (٢) مثلَه لم يتركوه.
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾: استفهامٌ بمعنى التقرير؛ أي: قد أُخذ عليهم الميثاقُ في كتابهم أن لا يقولوا على اللَّه إلا الحق؛ أي (٣): الصدق وقرُّوا (٤) ذلك، واللَّه تعالى ما وعدهم في التوراة المغفرةَ مع الإصرار.
وقال مالك بن دينار ﵀: يأتي على الناس زمانٌ إنْ قصَّروا عما أُمروا به قالوا: سيُغفر لنا لم نُشرك باللَّه شيئًا، كلُّ أمرهم إلى الطمع، خيرهم فيهم (٥) المداهنُ، فهم من هذه الأمة أشباهُ الذين ذكرهم اللَّه تعالى ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
стр. 3273
وقوله تعالى: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾: أي: خير من أخذِ العَرَض للَّذين يتَّقون الشركَ والمعاصيَ.
وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: بما في كتابهم أنه كذلك.
* * *
(١٧٠) - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾: قرأ عاصم في رواية أبي بكر بالتخفيف، والباقون بالتشديد (١).
والإمساكُ والتَّمسيك والتمسُّك والاستمساك كلُّه: الاعتصام والتعلُّقُ بالشيء.
ذكَر الممدوحين بعد المذمومين، فقال: والذين يعتصمون بالتوراة، قال مجاهد ومقاتل بن حيان والكلبي: هم مؤمنو أهل الكتاب: عبدُ اللَّه بن سلام وأصحابه، أحلُّوا حلالَه وحرَّموا حرامه، ولم يتخذوه مأكلةً ولم يحرِّفوه ولم يكتُموه (٢).
وقال عطاء: هم أمة محمد ﵇، والكتابُ: القرآن (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: أي: ويقيمون الصلاة التي تنهَى عن الفحشاء والمنكر.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾: في معنى جوابِ أول الآية؛ لأن معناه: نوفيهم أجورهم لأنَّا لا نُضيع أجرَ المحسنين، وهو تعليل فيُغني عن إظهار ذكر المعلول.
стр. 3274
وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: من أمارات الاستدراج ارتكابُ الزَّلة، والاغترارُ بزمان المهلة، وحملُ تأخير العقوبة على استحقاقِ الوُصلة.
وقال في قوله: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾: يعني: التعرُّضُ لنفَحات فضله سبحانه خيرٌ لمن أمَّل جودَه من مقاساةِ التعب لمن بذَل في تحصيل هواه مجهودَه.
وقال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: التمسُّك بالكتاب إيمان، وإقامةُ الصلاة إحسانٌ، فبالإيمان وجَدوا الأمان، وبالإحسان وجدوا الرِّضوان.
ويقال: التمسُّك بالكتاب نجاةٌ، وإقامةُ الصلاة مناجاةٌ، والمناجاة في الحال والنجاةُ في المآل.
وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾: مَن نقَل إلى بابه قدمَه لم يُعدم في الآجل نعمَه، ومَن رفع إلى ساحات جُوده هممَه نال في الحال كرمَه (١).
* * *
(١٧١) - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾: الآيةُ في تمرُّدهم أيضًا كالتي مضت، ومعناه: وإذ قلعْنا الجبلَ من الأصل وحرَّكناه ورفعناه فوق رؤوسهم، وقد نتَق ما في الجِراب: إذا اقتَلعه عن أصله ونثَره، ونَتَقتِ المرأةُ تَنْتُق نُتوقًا -من حدِّ دَخَل- وهي مِنْتاقٌ: إذا كثُر ولدها، وأصله: الزعزعةُ والنَّقْض، ونَتَقتِ الدابَّة صاحبَها حين تَعْدوا به؛ أي: حرَّكته ورفعَته.
стр. 3275
وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾: أي: علموا أنه واقع عليهم إن لم يقبَلوا ما في التوراة قاله الحسن (١). وقيل: غلَب ظنُّهم بذلك.
وقوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾: أي: قُلنا لهم: اقبلوا، وذلك حين جاء موسى بالتوراة وفيها أحكامٌ شاقَّة فامتنعوا عن قبولها، ووعَظهم موسى ﵇ فلم يقبلوا، فأمر اللَّه تعالى برفع الطور عليهم.
وقيل: هو الطورُ الذي سمع موسى وهو عليه كلامَ اللَّه تعالى وأُعطي الألواح.
وقيل: هو جبلٌ من جبال فلسطين فَرسخًا في فرسخٍ.
وقيل: هو الجبل الذي عند بيت المقدس.
وقيل لهم: إنْ قبلتُم وإلا وقع عليكم فرضَخكم، فقبلوا.
وقوله تعالى: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ يدلُّ على أن قوةَ الفعل مع الفعل، فقد ذكرها مع الأخذ.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: وقد بينَّا القصة وفوائدَها مستوفاةً في سورة البقرة عند قوله : ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
قال القشيري ﵀: قصارى مَن أتى جبرًا أن يَنكص على عقبيه طَوعًا، كذلك أهل الكتاب لمَّا قبلوا الكتاب بإجبارِ التكليف ما لبثوا حتى قابَلوه بالتحريف (٢).
* * *
(١٧٢) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.
стр. 3276
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ الآية: قال القشيري ﵀: أخبر بهذه الآية عن سابق عهده وصادق وعده، وتأكيدِ ودِّه بتعريف عبده، وفي معناه أنشدوا:
أَفديكَ والأيامُ أيضًا كلُّها... يَفْدِينَ أيامًا عرَفْتُكَ فيها (١)
وقال الإمام أبو منصور ﵀: تكلم الناس في تأويل هذه الآية، فمنهم مَن يقول: ذلك عندما خلَق آدم أَخرج مَن يكون من ذرِّيته مثلَ الذرِّ فعرَض عليهم قولَه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ لكنهم اختلفوا.
فمنهم مَن يقول: جُعلوا بالمبلغ الذي يجري على مثله القلم، وهو قول الحسن.
ومنهم مَن يقول: عرَض ذلك على الأرواح دون الأبدان.
ومنهم من يقول: [بلا عَرْضٍ] إنه خلَق صنفين فقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار (٢) ولا أبالي.
ومنهم مَن يقول: عرَض الكلَّ على ما عليه أحوالُهم وآجالُهم في الدنيا.
واللَّه أعلمُ كيف كانت القصة، أو (٣) كيف ترى أحوال الفقر والغنى في الذر، أو (٤) كيف قال: هؤلاء في كذا ولا أبالي، مع اجتماعهم على القول بـ ﴿بَلَى﴾؛ لقوله تعالى (٥): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾.
وقد رأينا في تلك الأخبار ما كان حفظُ الناس -وبخاصةٍ حفظُ العوام وأهلِ
стр. 3277
الضعف عن تبليغها- ألزمَ وأعظمَ في النفع وأبعدَ عن الشبهة من روايتها وتكلُّفِ الكشف عنها، فنسأل اللَّه العصمة عمَّا به الهلاكُ، والتوفيقَ للنُّصح بما به نجاةُ كلِّ سامع، ودفعُ كلِّ شبهةٍ وحيرةٍ، فإنه لا قوة إلا به.
ومنهم مَن ذهب في تأويل الآية إلى أن المعروف من أمرِ ذرية آدم هو الأخذُ عن الأصلاب والأرحام على ما يكون إلى يوم القيامة، وطوَّل وبيَّن على وجهٍ يتعذَّر ضبطُه على أكثر أهل العلم (١).
لكن ذكر الشيخ أبو بكر القفَّالُ الشاشيُّ ﵀ في (٢) معنى ذلك ما فهمه وحفظه، والوقوفُ على حاصله أسهلُ وأقرب، قال: ذكر اللَّه تعالى في هذه الآية والآياتِ التي قبلها أن اللَّه بالَغ في إلزام الحجةِ وإبلاءِ العذر بما جمع لهم من دلائل السمع ودلائلِ العقل، وذكَر بعد أخذِ الميثاق على بني إسرائيل أخذَ الميثاق على الكلِّ بالعقول التي ركَّبها فيهم وأشهدَهم بها على أنفسهم بقوله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أي: أخرجهم من أصلاب آبائهم ونقلهم إلى أرحام أمهاتهم، إلى أن بلغوا بتقليب الأحوال عليهم من نطفةٍ ثم علقةٍ ثم مضغةٍ مخلَّقةٍ وغيرِ مخلَّقةٍ إلى أن بلَّغهم إلى الحال التي يصدُحون فيها للتكليف بكمالِ عقولهم، وأَشْهَدهم بما شاهدوه (٣) من آثار الصنعة فيهم وفي غيرهم على أنفسهم (٤) أن لهم صانعًا قادرًا حكيمًا عالمًا فردًا قد ابتدأهم بالنعمة، وأن له بحكم ملكه أن يستأديَهم الشكرَ على نعمه بالطاعة فيما يأمرهم به، ثم أَتبع ذلك إرسال الرسل وإنزال الكتب
стр. 3278
بما فيها من أوامره ونواهيه، وقال لهم تقديرًا: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أنت ربُّنا، بما ظهر عليهم من آثار الصنعة، وهو كما يُتأول عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] وقولُه تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١] على معنى: أنه ما من شيء إلا وهو بما عليه من آثار الصنعة ينزِّه اللَّه تعالى عن الأضداد والأنداد، فأقيمت شهادة الآثار مقامَ شهادة النطق؛ كما قال تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وقال تعالى: فجعَل لِمَا لا لسان له نطقًا وكلامًا، وهكذا جعل ما يُوجد كلُّ إنسان عليه في نفسه مِن تعاقُب الأحوال كالشهادة منه على نفسه، وما أجراه اللَّه تعالى عليه من ذلك كالتقرير له به، وكأنه قال لهم بما أجراه عليهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وكأنهم قالوا بلسان أحوالهم: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ وتمَّ الكلام هاهنا، ثم قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ عن أنَّ لنا ربًا وصانعًا إذا حُوسبتم يوم القيامة على التوحيد.
وعامةُ المفسرين وجمهورُ الصحابة والتابعين على إخراج ذريةِ آدمَ من ظهره وأخذِه الميثاقَ عليهم في عصره.
وقد رُوي عن عمر ﵁ أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -وقد سئل (١) عن هذه الآية فقال-: "خلَق اللَّه تعالى آدمَ ثم مسحَ ظهرَه فاستخرج منه (٢) ذرِّيته فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته فقال: خلقتُ هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون"، فقال رجل: يا رسول اللَّه! ففيم العملُ؟ فقال: "إن اللَّه تعالى إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعملِ أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من أعمال أهل الجنة فيُدخلَه الجنة، وإذا خلق العبدَ للنار استعمله
стр. 3279
بعملِ أهلِ النار حتى يموتَ على عملٍ من أعمال أهل النار فيُدخلَه النار" (١).
وذكر هذه القصةَ على البسطِ والاختصار والإقلالِ والإكثار: ابن عباس وابن مسعود وأبيُّ بن كعبٍ والكلبيُّ والحسن وعطاءٌ وأبو العاليةِ وسعيد بن جبير وابن جريجٍ ومَعْمَرٌ وعبد العزيز بن يحيى والسدِّي وعوفٌ ومقاتلٌ ومجاهدٌ وأبو مسلمٍ الخَوْلانيُّ وعطاء بن يسارٍ (٢) وعكرمةُ وأبو قِلابةَ وداودُ بن أبي هندٍ ﵃.
قال أبو العالية: جمَعهم جميعًا يومئذٍ، فجعلهم أزواجًا (٣)، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم وأخذ عليهم الميثاق ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قال: فإني أُشهِد عليكم السماواتِ السبعَ والأرضينَ السبعَ، وأُشهد عليكم أباكم آدمَ أن تقولوا يوم القيامة ما لم تعلموا، اعلموا أنه لا إلهَ غيري فلا تشركوا بي شيئًا، وإني سأرسل إليكم رسلًا يذكِّرونكم عهدي، وأُنزل عليكم كتبي، قالوا: نشهد أنك إلهُنا لا إلهَ غيرُك، فأقروا يومئذ بالطاعة ورَفع إليهم أباهم آدم فنظر إليهم فرأى منهم الغنيَّ والفقير وحسَنَ الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب لو شئتَ لسوَّيت بين عبادك؟ فقال: إني أحب أن أُشكر، ورأى منهم الأنبياءَ مثل السُّرج، وخُصُّوا بميثاق
стр. 3280
آخر في الرسالة والنبوة، قال: وفي هذا الميثاق قولُه: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقولُه تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] وقوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢] (١).
وفي رواية ابن جريج: خرجتْ كلُّ نفس خُلقت للجنة نقيةً بيضاء، وكلُّ نفس خُلقت للنار مظلمةً سوداءَ، وهم أمثالُ الخردل في صوَرِ الذر، فقال: يا عباد اللَّه أجيبوا، يا عباد اللَّه (٢) أطيعوا، فقالوا: لبيك اللهم لبيك، فأخذ عليهم العهد بالإيمان به وبأمره (٣).
واختلفت الروايات في مكان ذلك:
قال ابن عباس ﵄: بدَحْناءِ الطَّائف (٤).
وقال سعيد بن جبير: بنَعْمانِ السَّحابِ عند عرفات (٥).
стр. 3281
وقال الكلبي: بين مكة والمدينة والطائف.
وعن ابن عباس ﵄ في رواية أخرى: بحراءَ خلفَ جبلِ عرفة (١).
وروي أنه كان بعدما رفع إلى السماوات على باب الجنة في صحراء عرضُها مسيرةُ ثلاثين ألف سنة.
وقال مقاتل: إن اللَّه تعالى مسح صفحةَ ظهرِ آدم اليمنى فأخرج منه ذريةً بيضاءَ كهيئة الذرِّ يتحرَّكون، ثم مسح صفحةَ ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداءَ كهيئة الذرِّ وهم ألفُ أمَّة، فقال: يا آدم هؤلاء ذريتُك آخُذ (٢) ميثاقَهم على أن يعبدوني ولا يشركوا بي شيئًا وعليَّ رزقُهم، فقال: نعم يا رب، فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ثم أفاضهم إفاضةَ القِدَاح فقال للبِيض: هؤلاء في الجنة برحمتي وهم أصحاب اليمين وأصحابُ الميمنة، وقال للسود: هؤلاء في النار ولا أبالي وهم أصحاب الشمال وأصحابُ المشئمة، ثم أعادهم جميعًا في صُلب آدم، فأهل القبور محبوسون حتى يخرج أهل الميثاق كلُّهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمَن مات منهم صغيرًا دخل الجنة بمعرفته [بربه]، ومَن بلغ العقل منهم أَخذ ميثاقه أيضًا للمعرفة بربِّه والطاعةِ له، ومَن لم يؤمن إذا بلغ العقل لم يُغنِ عنه الميثاقُ الأول شيئًا، وكان العهد الأول حجةً عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (٣).
* * *
стр. 3282
(١٧٢) - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ تقديرُها: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم، وما رَويناه أنه أخذ من ظهر آدم، فالتوفيق بينهما: أن الأخذ من ظهر آدم: أنَّ اللَّه أخرج ذرية آدم بعضَهم من بعضٍ إلى آخَر الدنيا على ما يتوالدون، فكان ذلك أخذًا من ظهره، وكان ذلك في أدنى مدةٍ كما يكون في موت الكلِّ بالنفخ في الصور وحياةِ الكل بالنفخة الثانية، وكما في تعليم أسماء الأشياءِ لآدم: وما ذكر في الحديث: "مسَح اللَّه ظهره (١) بيده" فهو مسحُ ملَكٍ بأمره.
وعلى هذا ما روي: "خلقَ اللَّهُ تعالى جنةَ عدن بيده" (٢) و"غرس شجرةَ طوبى بيده" (٣) وهو كما يقال: ضرب الأمير فلانًا؛ أي: ضربه ضاربٌ بأمره.
وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾: أي: ذريةَ بني آدم، وهم ذريةُ آدم.
قال ابن عباس ﵄ وأبي بن كعب: فجعلهم سامعينَ ناطقينَ عقلاءَ مختارين، فإنه أَشهدهم ولا يصحُّ الإشهاد إلا على الموصوفِين بهذه الصفات، ولأنه خاطبهم فدلَّ على سماعهم، وأجابوا فدل على كلامهم، وقالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾ فدل على علمهم وعقلهم، وقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فدلَّ على اختيارهم (٤)، وليس
стр. 3283
بمستبدَعٍ مستبعَدٍ وضعُ هذه الأشياءِ في الذرِّ الصغارِ من قدرة اللَّه اعتبارًا بنمل سليمان وهُدهده، وكلامِ عيسى في المهد، وشهادةِ الرضيع ليوسف ﵇.
وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾: أي: فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهامٌ بمعنى التقرير، كما في قول الشاعر:
ألستُم خيرَ مَن ركب المطايا... وأندَى العالمين بطونَ راحِ (١)
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى﴾: وهو في سؤال النفي إثباتٌ فكان إقرارًا، وكان من الكلِّ فكان إيمانًا منهم، لأنه إقرارٌ وتصديق، والإقرار قولهم: ﴿بَلَى﴾ والتصديق ثبت بمقتضَى قوله: قالوا: ﴿شَهِدْنَا﴾ لأن الإقرار بدون الاعتقادِ لا يكون شهادةً، ولهذا رد اللَّه تعالى على المنافقين قولهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ١] فقال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وقولُهم: هو رسول اللَّه، لم يكن كذبًا، لكن ذكروا أنهم يشهدون به ولم يكن لهم اعتقادٌ، فلم تكن لهم شهادةً، فكانوا كاذبين في دعوى الشهادة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾: أي: فعلنا هذا لئلا تقولوا يوم القيامة، قرأ أبو عمرو يقولوا بياء المغايبة، وكذا بعده: ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ (٢)؛ أي: لئلا يقولَ هؤلاء.
وقرأ الباقون بتاء المخاطبة خطابًا لهؤلاء؛ أي: لئلا تحتجُّوا فتقولوا: إنَّا كنا غافلين عن أن لنا ربًا وصانعًا.
* * *
стр. 3284
(١٧٣) - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾: أي: لئلا تقولوا يا معشر المشركين من العرب: إنما أشرك آباؤنا من قبلِ خَلْقِنا وكنَّا أولادًا صغارًا من بعدهم فاتَّبعناهم، ولم يكن لنا علمٌ بهم (١) بأنهم على الباطل وأن الحق في غيره.
وقوله تعالى: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾: أي: آباؤنا والعيبُ لهم لا لنا، يقول: سدَدْتُ عليهم (٢) هذا البابَ بأَخْذ هذا الميثاق، على قول عامة المفسرين، وبنصب الدلائل العقلية والسمعية على قولِ القائلين (٣).
* * *
(١٧٤) - ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: أي: كما بينَّا هذا نبيِّن جميعَ ما يحتاجون إليه قطعًا لعذرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: وليرجعوا عن الشرك إلى التوحيد، والواو زائدة عند بعضهم، ومقرِّرة عند آخرين بتقدير إضمارٍ قبلها أو بعدها.
فإنْ قالوا: ما وجهُ إلزامِ الحجة بقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ ونحن لا نذكر هذا الميثاق وإن تفكَّرنا.
стр. 3285
قلنا: اللَّه تعالى أنسانا ذلك ابتلاءً؛ لأن الدنيا دارُ غيب وعلينا الإيمانُ بالغيب، ولو تذكَّرنا ذلك زال الابتلاء، وليس ما يُنسى تزول به الحجة ويَثبت به العذر؛ قال اللَّه تعالى في أعمالنا: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] وأَخبر أنه سينبئنا به وقال: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ [ق: ٢٢]، ولأن اللَّه تعالى جدَّد هذا العهد وذكَّرنا هذا المنسيَّ بإرسال الرسل وإنزال الكتب بعده، فلم يَثبُت العذر.
وقال الإمام القشيري ﵀: وَسَم بالجهل قومًا فألزمهم بالإشهاد الحجةَ، وأَكرم بالتوحيد آخرين فأشهدهم واضحَ المحَجَّة.
وقال: أَسمَعهم وفي نفسِ ما أسمحهم أحضرهم لِمَا أسمعهم، ثم أخذهم عنهم فيما أحضرهم، وقام عنهم فأنطقهم بحُكم التصريف (١)، وحَفِظ عليهم بحُسن التولِّي أحكامَ التكليف، فكان لهم مكلِّفًا، وعلى ما أراد مصرِّفًا، وبما استخلصهم له معرِّفًا، وبما رقَّاهم إليه مشرِّفًا.
وقال في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾: إذا سدَّت عيونُ البصيرة فما ينفع وضوح الحجة (٢).
* * *
(١٧٥) - ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾: اتِّصالُها بما قبلها
стр. 3286
أنه ذكر إيمان الكلِّ يومَ الميثاق، ثم ذكَّر اليوم بكفر بعضهم، فبيَّن (١) أن ذلك الإيمان ليس بمبقٍ على الإيمان، فإن إيمان بلعم مع الآيات لم يكن مُبْقيًا له على الإيمان.
واختلف المفسرون فيمَن نزلت فيه (٢) هذه الآية على أقوال:
قال ابن عباس ﵄ وابن مسعود ومقاتلٌ والكلبي ومجاهدٌ ووهبٌ وعطاءٌ وعبد الكريم بن أبي المخارق والضحَّاك: هو بلعم (٣)، واختلفوا في نسَبه:
قال ابن عباس والكلبي: هو ابن باعوراء (٤).
وقال ابن مسعود ومجاهد: هو ابنُ أَبر (٥).
وقال عطاء: هو ابن باعر (٦).
وقال مقاتل: هو بلعم بن باعورا بن مان بن لوط (٧).
وقال ابن عباس ﵃: كان من مدينة الجبارين (٨) التي مرَّت قصتهم في سورة المائدة.
стр. 3287
وقال مقاتل: كان من مدينةِ بلقاءَ، وسميت بلقاءَ لأن رجلًا ملَكها يقال له: بالقٌ (١).
وكان من قصته: أن موسى ﵇ أراد أن يغزوَ ملكًا، فقال الملِك لبلعم: إن موسى رجلٌ حديدٌ، ومعه جندٌ كثير، فإن ظهر علينا أهلكَنا، فادْعُ اللَّه تعالى أن يردَّه عنا، فقال: إن فعلتُ ذلك ذهبتْ دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، قالوا: فوقع موسى وبنو إسرائيل في التِّيه بدعائه، فلما انقضت المحنة قال موسى: يا رب! بأيِّ ذنب وقعتْ لنا هذه المحنة؟ قال: بدعاء بلعم، قال: فكما سمعتَ دعاءه عليَّ فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى عليه فسلخه اللَّه مما كان عليه، ونزع منه معرفته فخرجت من صدره كحمامة بيضاء، وذلك قوله ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (٢).
وهذا كلامٌ مختلٌّ، واحتباسهم في التِّيه كان بقولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] لا بدعاء بلعم، وكيف يُستجاب دعاءُ بلعم وقد انسلخ من الآيات، ولأنه قد دعا على موسى وقومه بالباطل، وكيف دعا موسى على بلعم بزوال الإيمان وكان مبعوثًا إلى الناس ليدعوَهم إلى الإيمان (٣).
وقال مقاتل: قال له ملك بلقاءَ: ادع اللَّه على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه، فنَصب خشبةً ليَصلبه، فلما رأى ذلك خرج على أتانٍ له ليدعوَ عليه،
стр. 3288
فلما عاين عسكرَهم قامت به الأتان ووقفت فضربها، فقالت: لمَ تضربُني وهذه نار قد منعَتْني أن أمشي، فرجع فأَخبر الملك بذلك، فقال الملك: لتدعوَنَّ عليه وإلا (١) لأَصْلبنك، فدعا على موسى ﵇ بالاسم الأعظم أن لا يدخل المدينةَ، فاستُجيب له، وبلغ ذلك موسى صلوات اللَّه عليه فدعا اللَّه تعالى أن ينزع منه الاسمَ الأعظمَ فنزعه، فذلك قولُه تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ (٢).
وقال وهبٌ: لمَّا نزل موسى أرضَ كنعان من الشام بين أريحا وبين أردنَّ وجبلِ البلقاء، والتيهُ بين هذه المواضع، أرسل بالق إلى بلعم بن باعوراء (٣) وكان يسكن قريةً من قرى البلقاء (٤)، فقال: إنَّا رهبنا هؤلاء القومَ لأنه قد جاز البحرَ ليُخرجنا من بلادنا ويَنزلها ببني إسرائيل، ونحن قومُك وليس لك بقاءٌ بعدنا، ولا خير لك في الحياة بعدنا، وأنت مجابُ الدعوة، فاخرج وادْعُ عليهم، فقال بلعم: ويلكم، نبيُ اللَّه معه الملائكةُ والمؤمنون! كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من اللَّه ما أعلم؟ فلم يزالوا يترفَّقون به ويتضرَّعون إليه، وكانت له امرأةٌ أشبُّ منه وكان (٥) يحبُّها ويطيعها، فدسوا إليها هدايا فقبِلتها، ثم أتوها فقالوا لها: قد نزل بنا ما ترَين فكلِّمي بلعم في هذا، فقالت لبلعم: إن لهؤلاء القومِ حقًّا وجوارًا وحرمةً، وليس مثلُك أسلمَ جيرانَه عند الشدائد، وقد كانوا محسِنين إليك، وأنت جدير أن تكافئهم وتهتمَّ بأمرهم، فقال لها: لولا أني أعلم أن هذا الأمر من عند اللَّه لأجَبْتُهم، فقالت: انظر في أمرهم، فلم
стр. 3289
تزَل به حتى ضلَّ وغوى، وكان اللَّه تعالى عزَم له في أول أمره على الرشد ففتنَتْه، فركب حماره فوجَّهها إلى الجبل الذي يُطلعه (١) على بني إسرائيل، فلما (٢) سار غير بعيد ربَضت أتانُه، فنزل عنها فضربها فقامت، فلم تَسِرْ إلا قليلًا حتى ربَضت، ففعل بها مثلَ ذلك، فلم تَسِرْ إلا قليلًا حتى ربَضت، فضربها فأذن لها فكلَّمته (٣) فقالت: يا بلعم! إني مأمورة فلا تظلمني، انظرْ إلى ما بين يديك، ألا ترى أن الملائكة أمامي يردُّوني عن وجهي هذا، يقولون: أتذهبين إلى نبيِّ اللَّه والمؤمنين يدعو عليهم بلعم؟ فخلَّى سبيلها ثم انطلق حتى أشرف على رأس جبلٍ مشرفٍ على بني إسرائيل، فجعل يدعو عليهم، فلا يدعو بشيءٍ من السوء إلا صرف اللَّه به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف اللَّه لسانه به إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري ما تصنع؟ فقال هذا مما لا أملك، وهذا شيء قد غلبه اللَّه على لساني (٤).
وفي رواية: فجاءته لمعةٌ فذهبت ببصره فعمِيَ، فقال لهم: قد ذهبت الدنيا والآخرة (٥).
وفي رواية: فلما وقفت الأتان وكلَّمته قالت له: انظر أمامك، فإذا بملَكٍ قد قطع عليه الطريق، فخرَّ ساجدًا حتى انكشف عنه الملك، فانطلق لوجهه حتى قدم على القوم، فقرَّب قربانًا فتقبَّل اللَّه تعالى منه، وأوحى إليه: أن موسى خِيْرَتي فانصرِفْ، فرجع فما زالوا به حتى فتنوه فقال: لم يبق إلا المكر والحيلة، اعلموا أنهم أهل كتاب
стр. 3290
فإذا أذنب مذنبهم ولم يغيِّر عامَّتهم عمَّهم البلاء، فدُسُّوا في عسكرهم النساء فإني لا أعلم فتنةً أَوشَكَ صرعةً للرجل من المرأة، فانظُروا نساءً لهنَّ جمالٌ فأعطوهن السِّلع ثم أرسلوهن إلى العسكر يَبِعْنها فيه، ولا تَمنعِ امرأ نفسَها عن رجلٍ أرادها، فإنه إنْ زنى (١) منهم رجل كُفِيتُموهم، ففعلوا، فمرت كشي بنت صورا على زمريِّ بن شَلوم (٢) من سبط شمعون بن يعقوب، فأعجبته فأخذ بيدها فأدخلها قبَّته فوقع عليها، فأظهر اللَّه تعالى عليهما كاهن (٣) بن هارون، وكان أعطي بسطةً في الخَلْق وقوةً في البطش (٤)، فأخذ حَربته فدخل عليهما وهو فوقها فطعنهما بحربته حتى أنفذهما، ثم رفعهما كذلك في الهواء وأقبل الناسُ وأنكروا وغيَّروا، فوقاهم اللَّه العذاب، وأقبل موسى وقومُه وحاربوا أهل بلقاء وغلبوهم وقتلوا منهم وأسروا، وأتوا ببلعم أسيرًا فقتل، فجاؤوا بما قَبِل من الهدايا وهي عشرُ صحافٍ ذهبًا مملوءةٌ ورِقًا وغَنِموها، وذلك قوله تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ (٥).
قيل: هي اسم اللَّه (٦) الأعظم.
стр. 3291
وقال ابن عباس ﵄: العلم (١).
وقال الحسن: الدِّين الحقُّ.
وما يذكر في بعض الروايات أنها الوحي والكتاب وكان نبيًّا، فما ينبغي أن يقال ذلك أو يُقبل؛ لأن أنبياء اللَّه تعالى (٢) مختارون على العلم، قال اللَّه تعالى ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقال تعالى ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ فمن المحال أن يكون منهم الانسلاخ عن الدين.
وقيل: الآيات: صحف إبراهيم وكان يحفظُها.
وقيل: هي الكرامات، وكان إذا نظر إلى السماء رأى إلى العرش، وإذا نظر إلى الأرض رأى إلى ما تحت الثرى، وكان وليًّا له كرامات.
قوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾؛ أي: ترك الآيات وفارقها، فكان كالمنسلِخ الخارج من الشيء.
قال وهب: الآيات:
أولهن: أنه دعا اللَّه تعالى في المرة الأولى فعزم له على رُشده أن لا يفعل.
والثانية: كلام الأتان.
والثالثة: مقام (٣) الملَك.
والرابعة: الإخبارُ بأن موسى ﵇ خيرةُ اللَّه تعالى من خلقه (٤) وما ينبغي أن يُدْعى عليه وعلى قومه.
стр. 3292
فانسلخ منها كلِّها.
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: أي: لَحِقه فغَرَّه.
قال الأخفش: (أَتْبَعه) بقطع الألف: صار معه وتَبِعه، و (اتَّبعه) بالتشديد: أخذ (١) في أثره أَدركه أو لم يُدركه؛ قال تعالى في الأول بمعنى الإدراك: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]؛ أي: أدركوهم.
وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ﴾؛ أي: فصار، كما في قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وقولهِ تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] أو: كان في علم اللَّه تعالى أنه ينسلخ من آياته فيكونُ من الكافرين حين ينسلخ (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: أي: لأَعْلَينا درجتَه في الناس بتلك الآيات.
وقال مجاهد: لرفعنا الكفر عنه (٣).
وقال عطاء: لعصمناه من المعاصي (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال سعيد بن جبير والسدِّي: أي: ركَن (٥).
стр. 3293
وقال مقاتل: أي: رضي بالدنيا (١).
وقيل: أي: أحبَّ الجاه في الدنيا، وقد خَلَد؛ أي: دام، وأَخْلَد؛ أي: سكَن واطمأن.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أي: ترك هداهُ واختار (٢) ما دعَتْه إليه نفسُه وهواه من حبِّ دنياه.
وقال أبو رَوقٍ: أي: اختار الدنيا على الآخرة.
وقال الكلبيُّ: أي: اتَّبع مَسافلَ الأمور وترَك معاليَها.
وقال يمان بن رِئاب: أي؛ اتَّبع امرأته؛ لأنها حملتْه على الخيانة (٣).
وقال عطاء: أي: أطاع شيطانه (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾: اللَّهْث من حدِّ عَلِمَ (٥)، وهو التنفُّس الشديد الذي قد يَلحق الإنسان من شدة الإعياء، وهو في الكلاب طبعٌ، وقد يكون من العطش؛ أي: إن حمَلْتَ عليه لتطرده لَهثَ وإن تركتَه لَهث، فسواءٌ عنده الطردُ وتركُه، فكذا هذا الخبيثُ سواءٌ وَرَدَتْ عليه زواجرُ (٦) آيات اللَّه أو لم تَرِدْ فهو بحاله.
стр. 3294
وقال ابن عباس ﵄: الكلب منقطِعُ الفؤاد فهو يلهث إن حُمل عليه أو (١) لم يُحمل عليه، كذلك مَثَلُ الذي يترك الهدى لا فؤاد له (٢).
وقال عطاء: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ ينبح، وإن لم تحمل عليه فكذلك (٣).
وقال القتبي: كلُّ شيء يَلهث فإنما يَلهث من إعياءٍ أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في الكَلال والراحة، والمرض والصحة، والعطش والرِّي، ضرب اللَّه مثلًا للَّذي كفر (٤) بآياته أنه ضالٌّ وُعظ أو لم يُوعظ، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] (٥).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: ليتَّعظوا.
وقوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ دليلٌ على أن شقاوته كانت من جهته، وهو أنه انسلخ من الآيات، وكانت مراعاتُه إياها (٦) حافظةً له، فلمَّا ترَكها أَتْبعه الشيطانُ، وهو كاللصِّ لا يصل إلى العِير (٧) ومعهم الرعاةُ، فإذا فارَقوهم وصل إليهم اللصُّ، ولمَّا جَهِل قَدْرها واستخفَّ بها حُرمها وتغيَّرت عليه أحواله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
стр. 3295
وكان انسلاخُه عنها بسبب طاعته امرأتَه في الميل إلى الدنيا، وأخذِ الحطام من أهل الزمان، ولا شيء أضرُّ بالعالم من الطمع؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقال الأنبياء: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩].
وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ لم يسوِّه بالكلب، بل جعَل مَثَلَه كمَثَلِ الكلب في المعنى الذي ذُكر، ولا مساواة بينهما، بل كلبٌ واحدٌ خيرٌ من ألفٍ أو (١) أكثرَ من بلعم، فإن الكلب عارفٌ باللَّه موحِّدٌ للَّهِ لا يعاقَب بالنار، وبلعم كافرٌ باللَّه خالدٌ في عقوبة اللَّه تعالى.
وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنما ضَرب المثَلَ بالكلب لأن من عادة الكلب أنه (٢) يَذلُّ ويَخضع لكلِّ أحد؛ لِمَا يطمع أن ينال منه أدنَى شيءٍ، ولا يبالي ما يصيبه من الذلِّ والهوان، وكذا المكذِّب بالآيات لا يبالي بما يَلحقه من الذلِّ بعد أن يصيب من الدنيا شيئًا.
ويُشْبِهُ أن يكون وجهُ ضربِ هذا المثل: أن مِن عادة الكلب أنه إذا ظَفر بالجيَف ينكبُّ لها (٣)، حتى إذا دُعي إلى غيرها لم يلتفت، فكذا الكافر (٤).
وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إن الحق قد يُظهر الأعداء في لباس الخلَّة ثم يردُّهم إلى سابق القِسمة، ويُبرز الأولياءَ بنعت الخلاف والذِّلَّة ثم تغلب عليهم مقسومات الوُصلة.