← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وقال ابن عباس ﵄: العلم (١). وقال الحسن: الدِّين الحقُّ. وما يذكر في بعض الروايات أنها الوحي والكتاب وكان نبيًّا، فما ينبغي أن يقال ذلك أو يُقبل؛ لأن أنبياء اللَّه تعالى (٢) مختارون على العلم، قال اللَّه تعالى ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقال تعالى ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ فمن المحال أن يكون منهم الانسلاخ عن الدين. وقيل: الآيات: صحف إبراهيم وكان يحفظُها. وقيل: هي الكرامات، وكان إذا نظر إلى السماء رأى إلى العرش، وإذا نظر إلى الأرض رأى إلى ما تحت الثرى، وكان وليًّا له كرامات. قوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾؛ أي: ترك الآيات وفارقها، فكان كالمنسلِخ الخارج من الشيء. قال وهب: الآيات: أولهن: أنه دعا اللَّه تعالى في المرة الأولى فعزم له على رُشده أن لا يفعل. والثانية: كلام الأتان. والثالثة: مقام (٣) الملَك. والرابعة: الإخبارُ بأن موسى ﵇ خيرةُ اللَّه تعالى من خلقه (٤) وما ينبغي أن يُدْعى عليه وعلى قومه.

стр. 3292

فانسلخ منها كلِّها. وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾: أي: لَحِقه فغَرَّه. قال الأخفش: (أَتْبَعه) بقطع الألف: صار معه وتَبِعه، و (اتَّبعه) بالتشديد: أخذ (١) في أثره أَدركه أو لم يُدركه؛ قال تعالى في الأول بمعنى الإدراك: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠]؛ أي: أدركوهم. وقوله تعالى: ﴿فَكَانَ﴾؛ أي: فصار، كما في قوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣]، وقولهِ تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] أو: كان في علم اللَّه تعالى أنه ينسلخ من آياته فيكونُ من الكافرين حين ينسلخ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: أي: لأَعْلَينا درجتَه في الناس بتلك الآيات. وقال مجاهد: لرفعنا الكفر عنه (٣). وقال عطاء: لعصمناه من المعاصي (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال سعيد بن جبير والسدِّي: أي: ركَن (٥).

стр. 3293

وقال مقاتل: أي: رضي بالدنيا (١). وقيل: أي: أحبَّ الجاه في الدنيا، وقد خَلَد؛ أي: دام، وأَخْلَد؛ أي: سكَن واطمأن. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: أي: ترك هداهُ واختار (٢) ما دعَتْه إليه نفسُه وهواه من حبِّ دنياه. وقال أبو رَوقٍ: أي: اختار الدنيا على الآخرة. وقال الكلبيُّ: أي: اتَّبع مَسافلَ الأمور وترَك معاليَها. وقال يمان بن رِئاب: أي؛ اتَّبع امرأته؛ لأنها حملتْه على الخيانة (٣). وقال عطاء: أي: أطاع شيطانه (٤). وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾: اللَّهْث من حدِّ عَلِمَ (٥)، وهو التنفُّس الشديد الذي قد يَلحق الإنسان من شدة الإعياء، وهو في الكلاب طبعٌ، وقد يكون من العطش؛ أي: إن حمَلْتَ عليه لتطرده لَهثَ وإن تركتَه لَهث، فسواءٌ عنده الطردُ وتركُه، فكذا هذا الخبيثُ سواءٌ وَرَدَتْ عليه زواجرُ (٦) آيات اللَّه أو لم تَرِدْ فهو بحاله.

стр. 3294

وقال ابن عباس ﵄: الكلب منقطِعُ الفؤاد فهو يلهث إن حُمل عليه أو (١) لم يُحمل عليه، كذلك مَثَلُ الذي يترك الهدى لا فؤاد له (٢). وقال عطاء: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ ينبح، وإن لم تحمل عليه فكذلك (٣). وقال القتبي: كلُّ شيء يَلهث فإنما يَلهث من إعياءٍ أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في الكَلال والراحة، والمرض والصحة، والعطش والرِّي، ضرب اللَّه مثلًا للَّذي كفر (٤) بآياته أنه ضالٌّ وُعظ أو لم يُوعظ، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣] (٥). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾: أي: ليتَّعظوا. وقوله: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ دليلٌ على أن شقاوته كانت من جهته، وهو أنه انسلخ من الآيات، وكانت مراعاتُه إياها (٦) حافظةً له، فلمَّا ترَكها أَتْبعه الشيطانُ، وهو كاللصِّ لا يصل إلى العِير (٧) ومعهم الرعاةُ، فإذا فارَقوهم وصل إليهم اللصُّ، ولمَّا جَهِل قَدْرها واستخفَّ بها حُرمها وتغيَّرت عليه أحواله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].

стр. 3295

وكان انسلاخُه عنها بسبب طاعته امرأتَه في الميل إلى الدنيا، وأخذِ الحطام من أهل الزمان، ولا شيء أضرُّ بالعالم من الطمع؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩] وقال الأنبياء: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩]. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ لم يسوِّه بالكلب، بل جعَل مَثَلَه كمَثَلِ الكلب في المعنى الذي ذُكر، ولا مساواة بينهما، بل كلبٌ واحدٌ خيرٌ من ألفٍ أو (١) أكثرَ من بلعم، فإن الكلب عارفٌ باللَّه موحِّدٌ للَّهِ لا يعاقَب بالنار، وبلعم كافرٌ باللَّه خالدٌ في عقوبة اللَّه تعالى. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: إنما ضَرب المثَلَ بالكلب لأن من عادة الكلب أنه (٢) يَذلُّ ويَخضع لكلِّ أحد؛ لِمَا يطمع أن ينال منه أدنَى شيءٍ، ولا يبالي ما يصيبه من الذلِّ والهوان، وكذا المكذِّب بالآيات لا يبالي بما يَلحقه من الذلِّ بعد أن يصيب من الدنيا شيئًا. ويُشْبِهُ أن يكون وجهُ ضربِ هذا المثل: أن مِن عادة الكلب أنه إذا ظَفر بالجيَف ينكبُّ لها (٣)، حتى إذا دُعي إلى غيرها لم يلتفت، فكذا الكافر (٤). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إن الحق قد يُظهر الأعداء في لباس الخلَّة ثم يردُّهم إلى سابق القِسمة، ويُبرز الأولياءَ بنعت الخلاف والذِّلَّة ثم تغلب عليهم مقسومات الوُصلة.

стр. 3296

(١٧٦) - ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقال في قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾: لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تَلحقه الشقاوةُ الأبدية، ولكن مَن قصَمَتْه السوابق لم تُنعشه اللواحق. وقال في قوله: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾: إذا كانت مساكنةُ آدم الجنةَ وطمعُه في الخلود فيها أوجب خروجَه عنها، فالرُّكون إلى الدنيا متى يُوجب البقاء فيها (١)؟ هذا كلُّه تمشية مَن قال: إنها في بلعم. وقال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيِّب وزيدُ بن أسلم وأبو روقٍ: إنها نزلت في أمية بن أبي الصَّلْت (٢). وكان ابتداء أمره أنه كان قد قرأ الكتب، وعلِم أن اللَّه يُرسل رسولًا في ذلك الوقت، وظن أنه يكون ذلك الرسولَ، فلما أُرسل إلى محمد ﷺ حسَده، وكان قصَد بعضَ الملوك، فلما رجع مرَّ على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيًّا ما قتل أقرباءه، فلما مات أميةُ فأتت أختُه فارعةُ رسولَ اللَّه ﷺ ، فسألها عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو راقد أتاه آتيان (٣) فقعد أحدهما عند رجليه والآخر

стр. 3297

عند رأسه، فقال الذي عند رجله للَّذي عند رأسه: أَوَعَى؟ قال: وَعَى، قال: أَزكَى؟ قال: أبَى (١). وفي رواية الكلبيِّ: كَشَطَ سقفَ البيت آتيان (٢)، فنزل أحدهما وشقَّ بطنه، وناداه الذي على ظهر البيت: أَوَعَى؟ قال: وعى، قال: أزَكَى؟ قال: أبى، ومعه ابنتاه فذكَرتا له فقال: خير أُريد بأبيكما فلم يقبله (٣). وفي رواية: نزل طيرانِ فشقَّ أحدُهما بطنه وأخرج قلبه وشمَّه، ثم سأله الآخر ذلك فقال ذلك (٤). وذكرت فارعةُ من شعره لرسول اللَّه ﵇ قصيدةً ثم قصيدةً، ثم (٥) أنشدت هذه: عند ذي العرشِ يُعرَضون عليه... يَعلمُ الجهرَ والسِّرارَ الخفيَّا يومَ نأتي الرحمنَ وهو رحيمٌ... إنه كان وعدُه مَأْتيّا

стр. 3298

يومَ نأتيه مثلَ ما قال فردًا... ثم لا بدَّ راشدًا أو غَوِيّا أسعيدًا سعادةً أنا أرجو... أو مُهانًا بما اكتسبتُ (١) شَقِيّا إن يؤاخِذْ بما اجترمْتُ فإني... سوف ألقَى من العذاب فَرِيّا ربِّ إن تَعْفُ فالمعافاةُ ظنِّي... أو تعاقِبْ فلمْ تُعاقِبْ بَرِيّا فقال النبيُّ ﷺ : "آمن شعره وكفر قلبه" (٢). وفي روايةٍ ذكرت أنه أتاها خبر موته قالت: فانطلقت إليه (٣) فوجدتُه منعوشًا قد سجِّي عليه، فدنوت منه فشهَق شهقة وشَقَّ بصرُه ونظر نحو السقف ورفع صوته فقال: لبَّيكما لبَّيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيغنيَني، ولا ذو أصل (٤) فيحميَني، ثم أُغمي عليه فشهَق شهقةً فشقَّ بصرُه ورفع صوته فقال: لبَّيكما لبَّيكما ها أنا ذا لديكما لا ذو براءةٍ فأعتذرَ ولا ذو عشيرةٍ فأنتصرَ، ثم أُغمي عليه وشهق (٥) شهقةً ونظر نحو السقف فقال: لبَّيكما لبَّيكما ها أنا ذا لديكما: ربِّ إن (٦) تغفرْ تغفرْ جمّا... وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا ثم أغمي عليه، ثم شهق شهقة فقال: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما، ثم قال:

стр. 3299

كلُّ عيشٍ وإنْ تطاوَلَ يومًا... صائرٌ مرَّةً إلى أنْ يَزولا ليتني كنتُ قبلَ ما قد بدا لي... في قلالِ الجبالِ أرعى الوُعولا إنَّ يوم الحساب يومٌ عظيمٌ... شابَ فيه الصغيرُ يومًا ثقيلا ثم مات، قال النبي ﷺ : "كان مَثَلُ أخيكِ كمَثَلِ الذي آتاهُ اللَّه آياته فانْسَلخ منها" الآية (١). وفيه قولٌ آخرُ: روى أبو الجوزاء عن ابن عباسٍ ﵄: أن الآية نزلت في البَسوس (٢)، وكان من قصته: أن رجلًا أُعطي له ثلاثُ دعوات مستجابات، وكانت له امرأة يقال لها: البَسوس، وكان له منها ولد فقالت له: اجعل لي منها دعوةً واحدة، فقال: لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادعُ اللَّه لي أن يجعلني أجملَ امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجُعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أنه ليس فيهم مثلُها رغبت عنه، فغضب الرجل ودعا عليها فصارت كلبةً نبَّاحةً فذهبت فيها دعوتان، فجاء أولاده (٣) فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمُّنا كلبةً نبَّاحةً والناسُ يعيِّروننا بها (٤)،. . . . . . .

стр. 3300

ادع اللَّه أن يردَّها إلى (١) الحال التي كانت عليها، فدعا اللَّه تعالى فعادت كما كانت، فذهبت الدعواتُ وبقيت البسوس (٢). وقال عكرمة: نزلت في اليهود والنصارى ممن آتاه اللَّه كتابه وآياته فانسلخ منها (٣). وقيل: نزلت في أبي عامر بن النعمان (٤) الراهب، الذي سماه النبيُّ ﷺ : الفاسق، وكان ترهَّب في الجاهلية ولبس المسوح، فقدم المدينةَ فقال للنبيِّ ﷺ : ما هذا الذي جئت به؟ قال: "جئتُ بالحنيفيةِ (٥) دينِ إبراهيم" قال: فأنا عليها، فقال له النبيُّ ﷺ : "لستَ عليها، ولكنك أدخلتَ فيها ما ليس منها" فقال أبو عامر: أمات اللَّه الكاذبَ طريدًا وحيدًا، فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين: استعدُّوا بالقوة والسلاح وابنوا لي مسجدًا فإني ذاهب إلى قيصر وآتي بجندٍ وأُخرِجُ محمدًا وأصحابه من المدينة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: ١٠٧] يعني: انتظارًا لمجيئه، فمات بالشام طريدًا وحيدًا، فاستجاب اللَّه دعاءه على نفسه (٦).

стр. 3301

وقال عبادة بن الصامت: هي في قريش، آتاهم اللَّه آياته، فانسلخوا منها فلم يقبلوها فأهلكهم اللَّه، فحذَّر هؤلاء أن يكونوا أمثالهم (١). وقال قتادة: هذا مثلٌ ضربه اللَّه تعالى لمن عُرض عليه الهدى فأبى أن يقبَله (٢). وقال الحسن: هو المنافق لا يُنيب إلى الحق دُعي أو لم يُدْعَ، وُعظ أو لم يُوعَظْ، كالكلب يلهثُ طُرد أو تُرك (٣). وقال ابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم (٤). * * * (١٧٧) - ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾: ﴿سَاءَ﴾ بمعنى: بئس، و ﴿مَثَلًا﴾ نصبٌ على التفسير فإنها تَنصب النكرات، تقول: بئس رجلًا زيدٌ، و ﴿الْقَوْمُ﴾ اسمه المعرفةُ، ومعناه: وما أسوأ هذا المثَلَ الذي ضربناه للَّذين كذَّبوا بآياتنا، وإنما استوجبوا هذا المثل لتقبيحِ (٥) الحال بتكذيبهم بآياتنا، وظلمِهم أنفسَهم إذ جَنَوا عليها بما يوجبُ الذمَّ في الدنيا والعقوبةَ في العُقبى. وقيل: لا سوء في المثل، إنما السوء في الممثَّل، ومعناه: ساء القومُ الذين مثَلُهم

стр. 3302

كمثَل الكلب، وهو كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ الآية [الجمعة: ٥]. وقال الإمام القشيري ﵀: أيُّ صفةٍ أدنى من صفةِ مَن بُلي بالإعراض الأزليِّ، وأيُّ نعتٍ أعلى من نعتِ مَن أُكرم بالقَبول الأبدي، وأيُّ حيلة تنفع مع مَن يخلق الحيلة، وكيف تصحُّ الوسيلة إلا بمن منه الوسيلة (١). * * * (١٧٨) - ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾: أي: مَن يهدِه اللَّهُ ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾؛ أي: ومَن يضلِلْهم ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ كهؤلاء الذين كذبوا بآياتنا وانسلخوا عنها، وحَّد ﴿الْمُهْتَدِي﴾ وجمع (الخاسرين) لأنَّ مَن لفظُه لفظُ الواحد (٢) ومعناه جمعٌ فيجوز التوحيد للَفظه والجمعُ لمعناه. والآية نصٌّ على إثبات الهداية والإضلال من اللَّه تعالى، وهو فيمَن عَلِم أنه يختار ذلك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: فهو المهتدي في الآخرة، والخاسر في الآخرة (٣). * * * (١٧٩) - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.

стр. 3303

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾: أي: خلَقْنا (١) ﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ وهم الكفار المعرِضون عن تدبُّر آيات اللَّه، واللَّهُ تعالى عَلِم منهم اختيارَ ذلك فشاء منهم ذلك، وخلق منهم ذلك (٢)، وجعل مصيرَهم إلى جهنم لذلك. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾: أي: لا يفهمون بها الحقَّ ولا يتفكَّرون فيه. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾: أي: الحقَّ، ولا ينظرون إلى الآيات في الآفاق والأنفُسِ نظرَ اعتبارٍ واستدلال (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: أي: لا يُصغون إلى ما يُتلى عليهم من آيات اللَّه والمواعظِ، فهم لتركهم استعمالَ هذه الآلات (٤) فيما خُلقت لها كأنهم عُدِموها. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾: أي: كالبهائم في أنها لا تعقِلُ ولا تميِّز. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾: عن الطريق المستقيم منها؛ لأنَّها مع عدم العقول تجتنِب مَضارَّها، والكفارُ لا يجتنِبون مضارَّهم بل يقفون على الكفر مع علمهم بأنه يُوردهم النار. وقال الكلبي ومقاتل (٥): ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن الأنعام تَعرف ربَّها وتذكره وتطيعه والكافر لا يعرفه ولا يذكره ولا يطيعه (٦).

стр. 3304

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾: أي: المتغافلون عمَّا أَعَدَّ اللَّه لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنهم لا يهتدون وإنْ هُدوا، والأنعام تهتدي إذا هُديت، أو هم أضلُّ لأنهم يَضلون ويُضلون غيرَهم والأنعامُ لا تُضل غيرَها، أو لأنهم لا يُنتفَع بهم والأنعامُ يُنتفَع بها ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾؛ أي: عن فهم ما ألقي إليهم وأُمروا به، وغافلون عما أُوعدوا (١). وقال الإمام القشيري ﵀: مَن خَلَقه اللَّه لجهنَّم متى يَستوجِبُ الجِنَانَ؟ ومَن أهَّله لسخطه أنَّى يستحق الرضوان؟ هم اليوم في جحيمِ الجحود والكفران، مقرَّنين في أصفاد الخذلان، مُلْبَسين ثيابَ (٢) الحرمان، طعامهم ضريعُ الوحشة، وشرابُهم حميمُ الفُرقة، كما فصَّل (٣) في الكتاب شرح تلك الحالة. وقال في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾؛ أي: ليس لهم تمييز بين خواطر الحق وهواجس النفس ووساوس (٤) الشيطان، لا ينظرون إلا من حيث الغفلة، ولا يسمعون (٥) إلا دواعي الفتنة، ولا ينخرطون إلا في سلك ركوب الشهوة ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن الأنعام رُفع عنها التكليف فإن لم يكن لها وفاقُ الشرع فليس منها خلافُ الأمر (٦). * * *

стр. 3305

(١٨٠) - ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾: قال مقاتل: إن رجلًا من الصحابة دعا اللَّه في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه (١) أنهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بال هذا يدعو ربَّين اثنين؟! فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، فدعا النبيُّ ﷺ [الرجلَ] وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] رغمًا لأنوف المشركين، فإنك ما دعوتَ من هذه (٢) الأسماء ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣). وقيل: ﴿الْحُسْنَى﴾ هي الدلالاتُ على معانيها حقيقةً، دون أسماءِ الأصنام التي هي ألقابٌ لا معانيَ لها ولا حقيقةَ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل أنهم ظنوا أن في إثبات عدد الأسماء إثباتَ عدد من الذات، فأَخبر أنه ليس كذلك، فإنه تُسمَّى الحركة: حركةً، عَرَضًا، شيئًا، خَلْقًا، ولا يوجب ذلك إثباتَ عددٍ فيها. ويحتمِل أنهم وصَفوا اللَّه تعالى بما لا يَحسُن أن يوصف به (٤)، وأضافوا إليه أشياء لا يصلُح أن تُضاف إليه، نحو قولهم: يا خالقَ الخنازير، و: يا خالق الخبائث، و: يا إلهَ القِرَدة، ونحوه، فأمرهم أن يَدْعُوه بأسمائه الحسنى التي فيها تعظيمُه، كما يقال: يا رحمن، يا رحيم، يا كريم، يا جواد، يا لطيف، يا هادي، يا مرشد، ونحو ذلك.

стр. 3306

ويحتمِل أنه أراد بها أنَّ الأسماء الحسنى للَّه لا للأصنام، فادعوا اللَّه (١) بها لا الأصنام (٢). وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾: قرأ حمزة: ﴿يَلْحَدون﴾ بفتح الياء والحاء، من قولهم: لَحَد؛ أي: مال، والباقون: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضم الياء وكسرِ الحاء من أَلْحد (٣)؛ أي: أمال (٤)، والإلحاد في أسماء اللَّه تعالى: تسميةُ الأصنام بأسمائه، كما سمَّوا اللاتَ من اللَّه، والعزى من العزيز، ومناةَ من المنَّان. ومن الإلحاد: تحريفُ معاني أسمائه، وتغييرُها، وتفسيرُها (٥) على خلاف حقيقتها. ومن الإلحاد فيها: تسميةُ اللَّه تعالى بما لم يَرِدْ به الشرع؛ كالجوهر والجسم والعقل والعلة وما يقوله المبطلون. ومعنى ذرهم؛ أي: دَعْهم فلا تكافئهم بصنيعهم، ولا تُجازِهم بإيذائهم إياك، فإن اللَّه تعالى هو يجزيهم، وذلك قوله تعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال الإمام القشيري ﵀: الإلحاد هو الميلُ عن القصد، وذلك على وجهين: بالزيادة والنقصان: فأهلُ التشبيه زادوا فأَلحدوا، وأهلُ التعطيل نقَصوا فأَلحدوا، فالمشبِّهةُ وصفوه بما لم يَأذن فيه، والمعطِّلة سلَبوه ما اتَّصف به (٦).

стр. 3307

وسئل أبو الحسن البوشنجي (١) عن التوحيد، فقال: إثباتُ ذاتٍ غيرِ مشبَّهةٍ بالذَّوات، ولا معطَّلة عن الصِّفات. * * * (١٨١) - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾: أي: وممن خلقْنا للجنة، في مقابَلة الآية الأولى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ قال النبي ﷺ فيما روى ابن جريج: "هذه أمَّتي بالحقِّ يأخذون ويعطون" (٢). وقد روَينا قبل هذا أنه لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ﴾ تمنَّى أصحاب رسول اللَّه ﷺ مدحًا في حقِّ هذه الأمة، فنزلت هذه الآية. وقال الإمام القشيري ﵀: هدايتُهم بالحق: أنهم يَدْعون إلى الحق، ويَدلُّون على الحق، ويتحرَّكون بالحق، ويسكنون للحق بالحق، فهم قائمون بالحق، يَصرِفهم الحقُّ للحقِّ بالحقِّ، أولئك هم غياث الخلق (٣). * * * (١٨٢) - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 3308

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾: وقال الخليل بن أحمد: أي: سنطوي عمرهم في اغترار منهم (١). وقال الضحاك: كلما جدَّدوا لنا معصيةً جدَّدْنا لهم نعمة (٢). وقال النبيُّ ﷺ "إذا رأيتَ اللَّه تعالى أنعَم على عبده وهو مقيمٌ على معصيته فاعْلم أنه مستدرج" ثم تلا هذه الآية (٣). والاستدراج استفعالٌ من الدَّرْج؛ أي: يُدْنيه إلى الهلاك درجةً فدرجةً في كتمانٍ وخُفيَةٍ، وقد دَرَج الكتابَ؛ أي: طواه شيئًا بعد شيء، ودَرَج القوم: إذا (٤) مات بعضهم في (٥) إثر بعضٍ، ودَرَج الصبيُّ: إذا قارَبَ بين خُطاه في المشي. وقال عطاء: نزلت الآية في المستهزِئين (٦). وقال الإمام القشيري ﵀: الاستدراج أن يُلقى في أوهامهم أنهم من أهل الوُصلة، وفي الحقيقة سبقت لهم في القسمة الفُرقة (٧). وقيل: الاستدراج: انتشارُ الصِّيت بالخير في الخَلْق، والانطواءُ على الشرِّ في السرِّ مع الحق.

стр. 3309

وقيل: الاستدراج: الرجوع من توهُّم صفاءِ الأحوال إلى ركوب قبيحِ الأعمال. وقيل: الاستدراج: دعاوى عريضة صدرت عن أحوالٍ مريضة. وقيل: هو اتِّساع (١) البِرِّ مع إنساء (٢) الشكر (٣). * * * (١٨٣) - ﴿أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾: قال الكلبي (٤): أي: أُمْهِلهم، والملاوة بفتح الميم وضمها وكسرها: القطعة من الدهر؛ أي: أؤخِّر عنهم العذابَ مدةً وهم يتوهَّمون أنه توسعةٌ عليهم وإكرامٌ لهم. وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قال الكلبي: أي: إن أخذي شديد، وقد قتلهم اللَّه كلَّ رجلٍ منهم بغيرِ قتلِ صاحبه، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥]، ونفسِّر ذلك في تلك الآية إن شاء اللَّه تعالى. قال عطاء: قتَلهم في ليلة واحدة (٥). والكيدُ: الأخذ على خفاءٍ أو مجازاة كيدهم مع رسول اللَّه ﷺ وأصحابه ﵃. والمتين: القويُّ، والمتانة: القوة. * * *

стр. 3310

(١٨٤) - ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾: وهذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى عبادَه من مقام الكفار على التكذيب بالنبيِّ ﷺ ، وتسميتِهم إياه مجنونًا مع علمهم ما الجنون ووجودِهم إياه منزَّهًا عنه، وسماه صاحبَهم لأنه نبيُّهم يصحبهم ويخالطهم. قال قتادة: كان رسول اللَّه ﷺ كثيرًا ما يحذِّرهم عقوبةَ اللَّه تعالى، فقام على الصفا ليلًا وجعل يدعو قريشًا فخذًا فخذًا: (يا بني فلان، يا بني فلان) إلى الصباح، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوِّت إلى الصباح! فنزلت الآية (١). وقوله: ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾؛ أي: جنونٍ، من مسِّ الجنِّ. وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: أي: ما هو إلا مخوِّفٌ ظاهر. * * * (١٨٥) - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: هو (٢) نظرُ القلب بالتفكُّر. والملكوتُ: الملكُ الأعظم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ عطفٌ على ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معناه: في جميع مخلوقات اللَّه تعالى من الأشياء.

стр. 3311

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾: أي: وفي أن يكون أجلُهم لعله اقترب. وهذا تعجيبٌ من اللَّه تعالى على عباده (١) من مقام الكفار على التكذيب بالساعة والجزاء والحساب، يقول: أو لم ينظروا نظرَ استدلالٍ في السماوات والأرض وغيرهما، الدالَّةِ على قدرة اللَّه تعالى وملكه، فيعلموا أنه لم يخلقْها عبثًا، ولا يترك عبادَه سُدًى، وأنه جعلها قِوامًا لهم مدةَ كونهم في الدنيا ليعملوا بطاعة اللَّه، ثم ينقلهم إلى دار الجزاء فيَمِيز بين المطيع والعاصي، وأن مَن مات فقد قامت قيامتُه، وأن آجالهم لعلها قد قربت، وإذا كان كذلك فقد أشرفوا على الهلاك، وإذا هلكوا فلا رجعةَ، ولا تمكِنُ التوبة فيتوبوا. وقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: بأي كلامٍ بعد أجَلهم يؤمنون؛ أي: ليس بعد الموت مستعتَبٌ، ولا إيمانٌ نافعٌ دافعٌ للعذاب. وقال عطاء: ﴿قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: يومَ بدر وأحد (٢). وقال ابن عباس ﵄: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ بعد القرآن يصدِّقون (٣)، يعني: أنه كلام اللَّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفِه، ولو اجتمعت الخلائقُ لم يأتوا بمثله، فإذا لم يقبلوا هذا فماذا يقبلون؟ ويحتمل أن يكون المراد: أنهم يقبلون الحديث، فإذا لم يقبلوا حديثَ رسول اللَّه ﷺ فبأيِّ حديثٍ يقبلون.

стр. 3312

وقال الإمام أبو منصور ﵀: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ دليل على أن الحقَّ يلزمُ وإن كان لا يُعلم إلا بالتدبُّر والتفكُّر؛ لِمَا أنه أُلحق به (١) التهديد والوعيد الشديد (٢). وقال القشيري ﵀: ألاح اللَّه لقلوب الناظرين حقائقَ التحصيل، فمَن لم يعرِّج في أوطان التَّقصير أنزلته مراكبُ السير بساحات التحقيق. وقال في قوله: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾: الناس في مغاليط آمالهم ناسون لوشيك (٣) آجالهم، فكم ناسجٍ لأكفانه، وكم بانٍ لأعدائه، وكم زارعٍ لا يحصدُ زرعَه (٤). * * * (١٨٦) - ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وحفصٌ عن عاصم بياء المغايبة، وجزمِ الراء عطفًا على موضع الفاء في جوابِ الشرط، وتقديره: لا يَهده أحد ويذره اللَّه فِي طُغيانِه، وقرأ أبو عمرو بالياء ورفعِ الراء على الابتداء، وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو بكر عن عاصم بالنون والرفع (٥). قوله تعالى ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: أي: في إفراط ترفُّعهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾: أي: يتردَّدون متحيِّرين.

стр. 3313

والبداية بالوحدان والختمُ بالجمع؛ لِمَا مرَّ: أن (مَن) لفظه واحدٌ وأريد به الجنسُ، فصلح لذا وذا، يقول: مَن علِم اللَّه منه اختيارَ الضلالة أضلَّه، ومَن أضلَّه لم يهتدِ بالنظر والتفكُّر. * * * (١٨٧) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾: أي: متى ثبوتُها وقيامُها؟ وقد رسا يرسو رَسْوًا؛ أي: ثَبَت. وقيل: هو استقرارُ الشيء الثقيل، ومنه: الجبال الراسيات، وأرساه غيرُه إرساءً ومُرْسًى؛ كقوله: إدخالًا ومُدْخلًا، وحقيقتُه: متى إثباتُها وتقديرُها؟ وكان النبيُّ ﷺ يدعوهم إلى الإيمان والطاعة، وينهاهم عن الكفر والمعصية، ويحذِّرُهم قيامَ الساعة، فقالوا: متى هي؟ قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾: أي: لا يكشفها ولا يُظهرها إلا هو، فهو الذي يُقيمها وعنده عِلمُها. وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أي: خَفِيَ علمُها على كلِّ أهل السماوات والأرض، وكلُّ ما خفيَ علمه ثقُل على الفؤاد، رُوي معناه عن السدِّي وغيره (١). وقيل: ثقُل مجيئُها على السماوات والأرض؛ لِمَا يَرِدُ على السماء بقيامها من الانشقاق وانتشارِ النجومِ وسقوطِ الشمس والقمر، وعلى الأرض من ذهاب بحارها

стр. 3314

وزوالِ جبالها؛ أي: يَستعظِم قيامَها أهلُ السماوات والأرض لهذه الأمور الهائلة وأنتم تسألون عنها مستعجلين لها غافلين عما يكون عليكم فيها؟ كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: ١٨]. وقيل: أي: عظُم وصفُها على أهل السماوات والأرض. وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾: أي: فجأة. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: أي: كأنك ألحَحْتَ في طلب علمِها واستقصيتَ السؤال عنها فعَلِمْتَها، وقد أَحْفَى فلانٌ؛ أي: ألحَّ في المسألة، قال تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧]. وقال الفرَّاء: كأنك فَرِحٌ به، يقال: حَفِيتُ به حفاوةً وتحفَّيتُ تحفِّيًا؛ أي: فرحتُ به وبَشَشْتُ (١): وتقديره: يسألونك عنها كأنك حفيٌّ به (٢). وقيل: الحفيُّ: البَرُّ اللطيف، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، وتقديرها: يسألونك عنها كأنك حفىٌّ بهم؛ أي: برٌّ لطيف، وروي أنهم قالوا: إن بيننا وبينك قرابةً فأخبِرْنا عن وقتها إكرامًا منك لنا وعطفًا علينا لقرابتنا، وإنْ كنت تكتمُها عن غيرنا (٣).

стр. 3315

وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾: يتوهَّمون أنه موجودٌ علمُها عند غيرِ اللَّه، قطَع اللَّه أطماعَهم عن معرفتها بخبرٍ من النبيِّ ﷺ وإنما أعاد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ بعدما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن ختم الآية بأن الناس لا يعلمونه فقدَّم عليه إثباتَ علمه، ولأن الأول علمُ وقتِها والثاني علمُ كُنْهها. وقالت عائشة ﵂: كانوا يعاودون رسول اللَّه ﷺ في هذا السؤال إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ فكفُّوا (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: إنْ كان هذا السؤال عن المكذِّبين لها فهو سؤالُ استهزاءٍ، وإن كان عن المصدِّقين فهو سؤالُ استعلامٍ وإشفاقٍ ليتأهَّبوا لها، فإنهم لمَّا سمعوه يقرأ: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] ويقول: "بعثتُ أنا والساعةُ كهاتين" (٢) و: "كادت الساعة تَسبقُني" (٣) حملهم الخوف على هذا السؤال ليعلموا فيستعدوا. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: أنها كائنة، أو: لا يعلمون أنك لا تعلم متى تكون، أو: لا يعلمون ما لهم وما عليهم فيها (٤).

стр. 3316

وقال الإمام القشيري ﵀: السائل عنها رجلان: منكِرٌ يتعجَّب لفَرْطِ جهله، وعارفٌ مشتاقٌ يستعجلُ لفَرْط شوقه، والمتحقِّق بوجوده ساكنٌ في حاله (١). * * * (١٨٨) - ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: أي: إنما يعلمُ الغيب من قيامِ الساعة وغيرِها مَن يملك النفع والضرَّ على الإطلاق، وهو اللَّه تعالى، وأنا لا أملك الأمرين إلا ما ملَّكني (٢) اللَّه تعالى منهما. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾: قال الزجاج: أي: ولو كنت أعلمُ الغيب لاستكثرتُ من معرفته حتى لا يخفَى عليَّ شيء ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: أي: التكذيب (٣). وقال الكلبي: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: متى أموتُ ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾؛ أي: العمل الصالح. وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذا ليس بقويٍّ؛ لأنه وإن كان لا يعلم

стр. 3317

متى يموت كان يَستكثر من (١) الخير ولا يقصِّر (٢). وعن ابن عباس ﵄ أن أهل مكة قالوا: يا محمدُ! ألا يخبرُكَ ربُّك بالسعر الرخيص قبل أن يغلوَ فتشتريَه فتربحَ به، أو يخبرُك بالأرض التي يريد أن تُجدِب فترتحلَ منها إلى ما أخصبَتْ، فأنزل اللَّه هذه الآية (٣). وروى حيان عن الكلبي: ولو كنتُ أعلم جدوبةَ الأرض وقحطَ المطر لهيَّأت لسنةِ القحط ما يكفيها ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أي: الضرُّ والفقر (٤). وقال الإمام أبو منصور ﵀: وهذا أيضًا ليس بقويٍّ (٥)؛ لأنَّه -وإن كان يعلم ذلك- لا يستكثِر المال، ولكن التأويل الصحيح واللَّه أعلم: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ﴾ قيام الساعة متى يكون وأخبرتُكم به فصدَّقْتُموني وآمنتُم بي لاستكثرتُ الثواب بإيمانكم عند اللَّه تعالى ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾؛ أي: تكذيبُكم.

стр. 3318

أو: ولو كنت أملك لكم نفعًا وضرًّا؛ نفعَ ما غاب ودفع ما غاب (١) اتبعتُموني، فكثر بذلك ثوابي. أو: ولا أعلم الغيب إلا قَدْرَ ما أُوحي إليَّ، ولو كنت أعلم أكثرَ مما أُوحي إليَّ لاستكثرت من الخير. أو: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: مَن يصدِّقني ومَن يكذِّبني، اشتغلتُ بدعوةِ مَن يجيبُ دون مَن لا يجيب، فاستكثرتُ الأتباع والمطيعين. قال: وقيل في قوله: ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾: أي: الجنون، جوابًا لقولهم: إنه مجنون (٢)، وقد مر ذكره في قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: هم المنتفِعون بإنذاري وتبشيري، واتصال هذا بما قبله: أني لستُ بعالمِ الغيب بل أنا رسولُ عالمِ الغيب أرسلني نذيرًا وبشيرًا. * * * (١٨٩) - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: بيَّن الإنذار وهو للمشركين، وذكر في آخر هذه الآية شركَ الكافرين. وقوله: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾؛ أي: من آدم.

стр. 3319

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: أي: حواء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾؛ أي: ليستأنس بها. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾: أي: وَطِئها، وأصله: التغطية، والرجلُ لباسٌ للمرأة والمرأةُ لباسٌ للرجل (١)، فكان اجتماعهما تغشِّيًا. وقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾: أي: حين كان نطفةً ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾؛ أي: مضت بالماء على الخفة، أو بالحمل تقوم وتقعد وتمشي على سهولةٍ. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾: أي: صارت ذات ثقلٍ بكبر الولد في البطن ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾؛ أي: سألا اللَّه وقالا: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾؛ أي: ولدًا سوي الأعضاء. وقيل: صالحًا في الدين. وقيل: أي: له صلاحيةُ كلِّ شيء مما يرجوه الآباءُ والأمهات من الأولاد. وقوله تعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾: لك على نعمائك (٢). وقرأ يحيى بن يَعْمَرَ: (فمَرَتْ به) بتخفيف الراء (٣)، من مَرَى يَمْري؛ أي: شكَّت أنها حملت أم لا. وقيل: أي: شكَّت أن في بطنها بشرًا مثلَهما أو بهيمةً. * * * (١٩٠) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

стр. 3320

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾: أي: ولدًا سويًّا ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكرٍ بكسر الشين (١)، ومعناه: نصيبًا؛ كما في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾؛ أي: نصيب. وقرأ الباقون: ﴿شُرَكَاءَ﴾ بضم الشين ومدِّ الآخِر، وهو جمع شريك. وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تَنَزَّه اللَّه تعالى عن الشريك. قال الكلبي: إن إبليس -لعنه اللَّه- أتى حواءَ حين أَثْقَلت (٢) في صورة رجل فقال: ما هذا الذي في بطنك؟ فقالت: ما أدري، قال: إني أخاف أن يكون بهيمةً، وذلك أولَ ما حملت، فقالت ذلك لآدم، فلم يزالا في همٍّ من ذلك، ثم عاد إليها فقال: إني من اللَّه بمنزلةٍ، فإن دعوتِ اللَّه تعالى فولدْتِ إنسانًا أُتُسَمِّينَه بي؟ قالت: نعم، قال: فإني أدعو اللَّه تعالى، قال: فأتاها وقد ولدت غلامًا، فقال: سمِّيه باسمي، قالت: وما اسمك؟ قال: الحارث، فسمَّتْه: عبدَ الحارث (٣).

стр. 3321

وقد ذُكر في هذه القصة زوائدُ وكلُّها باطلة. وقد ردَّ الإمام أبو منصور ﵀ وغيرُه من أئمة الحق هذا القولَ، وأبوا أن يكون آخرُ الآية المذكورة في الشرك في حقِّهما، ولئن ثبتَ أنهما سمَّياه عبد الحارث فهو ليس بشرك فإن المملوك يسمى عبد مالكه وهو ليس بشرك (١). والتأويل الصحيح للآيتين ما قاله الحسن البصري ﵀: أن أول الآية في حق آدم وحواء ﵉، وهو كالكلام المعترِض، والآيةُ الثانية المتَّصلة بها في حقِّ المشركين (٢)، وسياقهما على قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي آدمُ ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ حواءَ ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ فلما تَغشَّى آدمُ حواءَ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ دعا آدم وحواءُ ربَّهما لئن أعطيتَنا ولدًا سويًّا صالحًا في الدِّين؛ لأن آدم رأى حين أَخْذِ الميثاق على ذريته (٣) جميعَ أولاده:

стр. 3322

منهم السَّويُّ ومنهم غيرُ السَّويِّ، ومنهم التقيُّ ومنهم غيرُ التقيِّ، فسألا أن يكون هذا الولدُ سويًّا تقيًّا، وقالا: لئن آتيتَنا ذلك لنشكرنَّ لك، فأعطاهما اللَّه تعالى ذلك فشكَرا؛ لأن آدم وحواء لم يكونا ليَعِدَا من أنفسهما ذلك ولا يفعلا، وهذا مفهومٌ وإن لم يذكر، وتمَّ الكلام. ثم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾؛ أي: فلمَّا أعطى مَن بعدَهما مِن أولادهما كلَّ والدٍ ووالدةٍ من أهل الشرك ولدًا صالحًا سويَّ الأعضاء جعَل هذان الأبوان للَّه شركاءَ فيما أعطاهما، وذلك على وجوه: منها: أنهم كانوا يسمُّون الأولاد: عبدَ العُزَّى، وعبدَ اللَّات، وعبد مناةَ، وعبد يغوثَ، ونحو ذلك. ومنها: أنهم كانوا يأتون بالأولاد حالما وُلدوا فيمسحونها بالأصنام، ويسجدون لها شكرًا على هذه النعمة. ومنها: أنهم كانوا يعلِّمون أولادهم الشركَ ويحمِلونهم عليه. وإنما صحَّ صرفُ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ على هذين الأبوين لأن أول الآية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو خطابُ الجمع، فتناولَ كلَّ الناس، فكان هذان الأبوان فيهم، ويدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله ﷻ : ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهو جمع، فدل على أنه على المشركين دون آدم وحواء. وفيه أقاويلُ كثيرةٌ ووجوهٌ مختلفةٌ، وما ذكرناه أصحُّها وأسلمُها. * * * (١٩١) - ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾: أي: الأصنامَ، وإنما أدخل

стр. 3323

فيها الواوَ والنون وذلك فيما يَعقل والأصنامُ جمادٌ؛ لأنَّهم كانوا يعظِّمونها وينزلونها منزلةَ الفاعلين (١) المختارين، فألحقوها بهم كما في قوله: ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. * * * (١٩٢) - ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: قال مقاتل: أي: ولا تقدر الأصنام منعَ السوء إذا نزل بعبَدتها، ولا تمتنِعُ الأصنام ممن أراد بها سوءًا مِن كسرٍ ونحوِه، فكيف يعبدون مَن هذا حالُه ويتركون عبادةَ اللَّه (٢). وهو عطفٌ على قوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ وهو استفهامٌ بمعنى التوبيخ. * * * (١٩٣) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾: قرأ نافع بالتخفيف على الثلاثي، وقرأ الباقون بالتشديد على الافتعال منه (٣). ومعناه: وإن تدعوا (٤) أنتم هؤلاء المشركين إلى الهدى لم يتابعوكم عليه. وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾: أي: ساكتون، وهو كقوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]، وهو في قوم معاندين علِم اللَّه منهم ذلك.

стр. 3324

وقيل: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أي: الأصنامَ التي تدعونها آلهة (١) -فقد مر ذكر ذلك في الآيات التي قبلها- لم يكن منها جواب، لأنها لا تعقل، فدعاؤها والصمتُ عنها واحد (٢). * * * (١٩٤) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾: أي: الأصنام التي تَدْعونها آلهةً عبادٌ للَّه أمثالكم، وإنما جعلها عبادًا له وهي جمادٌ؛ لأنَّها مخلوقة للَّه تعالى، وكلُّ مخلوقٍ للَّه فهو ذليلٌ للَّه تعالى كالعبد. وقيل: في قوله: ﴿عِبَادٌ﴾ ألفُ الاستفهام مضمَرةً، وتقديره: أعبادٌ أمثالكم، وإضمارُها جائز كما في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]؛ أي: أيخادعون اللَّه، وقولهِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ أي: أهذا ربي، وهذا استفهام بمعنى النفي؛ أي: ليسوا بعبادٍ أمثالكم بل هي دونَكم، ودليلُه ما ذكر في الآية التي بعدها: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ الآيةَ؛ أي: ألَا تأنَفون من عبادةِ ما هو دونكم في أنها ليست لها جوارحُ عاملةٌ ولكم ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُمْ﴾: هذا الدعاء غيرُ الدعاء المذكور في أول الآية؛ أي: هذا دعاء السؤال؛ أي: سَلُوا حوائجَكم هذه الأصنام. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: أي: فليُجيبوكم إن كنتم صادقين (٣) أنها آلهة، وهو على وجه التوبيخ والإنكار.

стр. 3325

(١٩٥) - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾: استفهامٌ بمعنى النفي؛ أي: ليست لهم صفاتُ هذه الآلات، ولهم صورُ (١) هذه الجوارح بلا صفاتٍ، ولكم الجوارح والصفات، فهي دونكم، فمحالٌ منكم عبادتُكم إياهم، وهذا تسفيا لهم، وهو كقول إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]. وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾: أي: أصنامَكم، فإنهم جعلوها شركاءَ للَّه، وأضافها إليهم لادِّعائهم ذلك. وقيل: أي: الذين شاركوكم (٢) في الكفر. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾: أي: قد ذَمَمتُ أصنامكم، وسفَّهْتُ عقولكم وأحلامكم، فاقْصِدوني بما شئتُم من الكيد ولا تمهلونِ، فإني لا أخافكم في اللَّه، وهذا مِن صِدْق توكُّله على اللَّه، وهكذا كان سائرُ رسل اللَّه؛ قال تعالى خبرًا عن نوح ﵇: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]، وقال تعالى خبرًا عن هود ﵇: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦]، بعد قوله تعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]، وقال تعالى خبرًا عن إبراهيم ﵇: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ [الممتحنة: ٤].

стр. 3326

وقال الإمام القشيري ﵀: صدقُ التوكُّل على اللَّه يوجبُ تركَ المبالاةِ بغير اللَّه، وكيف لا يكون كذلك والمتفرِّدُ (١) بالقدرة على النفع والضرِّ والخير والشرِّ هو اللَّه تعالى (٢). * * * (١٩٦) - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾: يقول: كيدوني فلا تنظرون، فإنَّ ناصريْ وحافظيْ اللَّهُ الذي أكرمني بإنزال القرآن عليَّ. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾: أي: يكفي مُهمَّات جميعِ الصالحين أيضًا. وقال الإمام القشيري ﵀: مَن قام بحقِّ اللَّه تولَّى اللَّه أموره على وجه الكفاية فلم يُحْوِجْه إلى أمثاله، وأجرى أمورَه على ما يريده بأفضاله، فإنْ لم يَفعل ما يهواه جعَله راضيًا بما قضاه، فيكون روح الرضاء أتمَّ له من نفع العطاء (٣). * * * (١٩٧) - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: كرر هذا لأن الأول للتقريع والثاني للتقرير؛ أي: وليي اللَّه الذي ينصرني ومعبودُكم لا ينصركم. * * *

стр. 3327

(١٩٨) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾: قيل: أي: الأصنام، وقيل: أي: عبدة الأصنام (١)، كما في قوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾، وكذا قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: يحتمل الوجهين، فإنْ حُمل على الأصنام فمعنى النظر: المقابلة، كما يقال: دُور بني فلانٍ تتناظر؛ أي: تتقابل. وقيل: معناه: كأنهم ينظرون إليك وليست لهم أعينٌ باصرة. وإن حمل على المشركين فمعناه: ينظرون (٢) إلى صورتك وهم لا يبصرونك على صفاتك بحقيقتك، ولو رأوك كما أنت لآمنوا بك واتَّبعوك. * * * (١٩٩ - ٢٠٠) - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: أَمرَ محمدًا ﷺ بعد تعريف المشركين أن كيدهم لا يضرُّه - بمكارم الأخلاق الداعيةِ إلى الألفة والاتفاق فقال: خذ من الناس -أي: اقبَلْ منهم- ما عفا لك من أخلاقهم؛ أي: تيسَّر وسهُل، ولا تكلِّفهم الجهد، من قولك: أخذت حقي عفوًا؛ أي: بسهولة. وروي أنه سأل جبريل (٣) ﵉: "ما الأخذُ بالعفو؟ فقال: أعطِ مَن

стр. 3328

حرَمك، وصِلْ مَن قطَعكَ، واعفُ عمَّن ظلَمك، وأحسِنْ (١) إلى مَن أساء إليك" (٢). وعن ابن عباس ﵄: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾؛ أي: خذ فضلَ أموال الناس، من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وذلك قبل فرض الزكاة (٣). وقال الضحاك: أي: خُذ ما عفا لك من أموال الناس ولا تسألهم ما وراء ذلك، وهو قبل فرضِ الزكاة (٤)، وبعد ذلك أُمر أن يأخذ منهم طوعًا وكرهًا. وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أي: بالمعروف (٥)، وهو ما عرفه العقل والشرع، وهو كالنُّكْر بمعنى المنكَر، وقالوا: من العُرف تقوى اللَّهِ، وصلةُ الأرحام، وصونُ اللسان عن الكذب ونحوِه، وغضُّ البصر عن المحارم، وكفُّ الجوارح عن المآثم. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: هو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وهو تحمُّل الأذى، والعفوُ عمَّن جنَى، والحِلمُ عمَّن جفا.

стр. 3329

وقال عطاء: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (١): بلا إلهَ إلا اللَّه (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]؛ أي: الأنبياء أرسلوا بلا إلهَ إلا اللَّه. وقال مقاتل: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني: أبا جهل وأصحابَه، ونسخه آيةُ السيف (٣). وقال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف يا رب والغضب" فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٤). (إما) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط، و (ما) التي هي صلةٌ زائدة. والنون في ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ للتأكيد، والنَّزْغ: الإزعاج بالحركة إلى الشر. وقال مقاتل: يعني: وإما يفتننَّك من الشيطان فتنةٌ (٥). وقال عطاء: وإما يَعْرِضنَّك من الشيطان عارضٌ (٦). ومعناه: إن اعترض لك الشيطان بإفسادِ شيء من هذه الأخلاق التي أمرتك بها ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: فاستعصِم (٧) به من الشيطان الرجيم يَعصِمْك ويثبِّتْك، هذا الجواب مضمرٌ في آخره. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: سميعٌ لكلامك عليمٌ بمرادك.

стр. 3330

(٢٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزةُ: ﴿طَائِفٌ﴾ بالألف، والباقون: ﴿طَيْفٌ﴾ بغيرِ ألفٍ (١). وقرأ سعيد بن جبير: (طَيِّفٌ) بتشديد (٢) الياء (٣)، وهما واحد عند بعضهم كالميْت والمائت والميِّت. وقيل: الطيْف مصدرٌ، والطائف نعتٌ. وقال الزجَّاج: طاف الخيال يَطيف بالياء، وطاف عليهم يطوف -أي: دار- بالواو (٤). ومَن جعل هذا من الطَّوف الواوي قال: (طَيْفٌ) أصله: (طيِّفٌ) بالتشديد ثم خفِّف، وهو كالهَيْن والهَيِّن. والطَّيْف والطائف: ما ألمَّ بالإنسان من عوارضِ (٥) الشيطان. يقول: إن المؤمنين المتقين اللَّهَ إذا نالهم طيفٌ من الشيطان؛ أي: وسوسةٌ بإغراء وتنفيذِ غضبٍ ﴿تَذَكَّرُوا﴾؛ أي: مواعظَ اللَّه ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾: قيل: أبصروا قبحَ ذلك، وقيل: أي: أبصروا الرُّشدَ فسلكوا طريقَه فسلِموا من نَزْغه، وإن ارتكبوا مأثمًا ثم تذكَّروا وتابوا فغفر لهم؛ أي: يا محمد فكذلك فكنْ. وقال الإمام القشيري ﵀: وفيه دليلٌ أنَّ المتقين قد ينالهم ذلك، وهو في
следующие страницы →