← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وقال الإمام القشيري ﵀: صدقُ التوكُّل على اللَّه يوجبُ تركَ المبالاةِ بغير اللَّه، وكيف لا يكون كذلك والمتفرِّدُ (١) بالقدرة على النفع والضرِّ والخير والشرِّ هو اللَّه تعالى (٢). * * * (١٩٦) - ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾: يقول: كيدوني فلا تنظرون، فإنَّ ناصريْ وحافظيْ اللَّهُ الذي أكرمني بإنزال القرآن عليَّ. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾: أي: يكفي مُهمَّات جميعِ الصالحين أيضًا. وقال الإمام القشيري ﵀: مَن قام بحقِّ اللَّه تولَّى اللَّه أموره على وجه الكفاية فلم يُحْوِجْه إلى أمثاله، وأجرى أمورَه على ما يريده بأفضاله، فإنْ لم يَفعل ما يهواه جعَله راضيًا بما قضاه، فيكون روح الرضاء أتمَّ له من نفع العطاء (٣). * * * (١٩٧) - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾: كرر هذا لأن الأول للتقريع والثاني للتقرير؛ أي: وليي اللَّه الذي ينصرني ومعبودُكم لا ينصركم. * * *

стр. 3327

(١٩٨) - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾: قيل: أي: الأصنام، وقيل: أي: عبدة الأصنام (١)، كما في قوله: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾، وكذا قوله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: يحتمل الوجهين، فإنْ حُمل على الأصنام فمعنى النظر: المقابلة، كما يقال: دُور بني فلانٍ تتناظر؛ أي: تتقابل. وقيل: معناه: كأنهم ينظرون إليك وليست لهم أعينٌ باصرة. وإن حمل على المشركين فمعناه: ينظرون (٢) إلى صورتك وهم لا يبصرونك على صفاتك بحقيقتك، ولو رأوك كما أنت لآمنوا بك واتَّبعوك. * * * (١٩٩ - ٢٠٠) - ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾: أَمرَ محمدًا ﷺ بعد تعريف المشركين أن كيدهم لا يضرُّه - بمكارم الأخلاق الداعيةِ إلى الألفة والاتفاق فقال: خذ من الناس -أي: اقبَلْ منهم- ما عفا لك من أخلاقهم؛ أي: تيسَّر وسهُل، ولا تكلِّفهم الجهد، من قولك: أخذت حقي عفوًا؛ أي: بسهولة. وروي أنه سأل جبريل (٣) ﵉: "ما الأخذُ بالعفو؟ فقال: أعطِ مَن

стр. 3328

حرَمك، وصِلْ مَن قطَعكَ، واعفُ عمَّن ظلَمك، وأحسِنْ (١) إلى مَن أساء إليك" (٢). وعن ابن عباس ﵄: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾؛ أي: خذ فضلَ أموال الناس، من قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وذلك قبل فرض الزكاة (٣). وقال الضحاك: أي: خُذ ما عفا لك من أموال الناس ولا تسألهم ما وراء ذلك، وهو قبل فرضِ الزكاة (٤)، وبعد ذلك أُمر أن يأخذ منهم طوعًا وكرهًا. وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾: أي: بالمعروف (٥)، وهو ما عرفه العقل والشرع، وهو كالنُّكْر بمعنى المنكَر، وقالوا: من العُرف تقوى اللَّهِ، وصلةُ الأرحام، وصونُ اللسان عن الكذب ونحوِه، وغضُّ البصر عن المحارم، وكفُّ الجوارح عن المآثم. وقوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾: هو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢]، وهو تحمُّل الأذى، والعفوُ عمَّن جنَى، والحِلمُ عمَّن جفا.

стр. 3329

وقال عطاء: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (١): بلا إلهَ إلا اللَّه (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١]؛ أي: الأنبياء أرسلوا بلا إلهَ إلا اللَّه. وقال مقاتل: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني: أبا جهل وأصحابَه، ونسخه آيةُ السيف (٣). وقال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف يا رب والغضب" فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٤). (إما) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط، و (ما) التي هي صلةٌ زائدة. والنون في ﴿يَنْزَغَنَّكَ﴾ للتأكيد، والنَّزْغ: الإزعاج بالحركة إلى الشر. وقال مقاتل: يعني: وإما يفتننَّك من الشيطان فتنةٌ (٥). وقال عطاء: وإما يَعْرِضنَّك من الشيطان عارضٌ (٦). ومعناه: إن اعترض لك الشيطان بإفسادِ شيء من هذه الأخلاق التي أمرتك بها ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: فاستعصِم (٧) به من الشيطان الرجيم يَعصِمْك ويثبِّتْك، هذا الجواب مضمرٌ في آخره. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: سميعٌ لكلامك عليمٌ بمرادك.

стр. 3330

(٢٠١) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزةُ: ﴿طَائِفٌ﴾ بالألف، والباقون: ﴿طَيْفٌ﴾ بغيرِ ألفٍ (١). وقرأ سعيد بن جبير: (طَيِّفٌ) بتشديد (٢) الياء (٣)، وهما واحد عند بعضهم كالميْت والمائت والميِّت. وقيل: الطيْف مصدرٌ، والطائف نعتٌ. وقال الزجَّاج: طاف الخيال يَطيف بالياء، وطاف عليهم يطوف -أي: دار- بالواو (٤). ومَن جعل هذا من الطَّوف الواوي قال: (طَيْفٌ) أصله: (طيِّفٌ) بالتشديد ثم خفِّف، وهو كالهَيْن والهَيِّن. والطَّيْف والطائف: ما ألمَّ بالإنسان من عوارضِ (٥) الشيطان. يقول: إن المؤمنين المتقين اللَّهَ إذا نالهم طيفٌ من الشيطان؛ أي: وسوسةٌ بإغراء وتنفيذِ غضبٍ ﴿تَذَكَّرُوا﴾؛ أي: مواعظَ اللَّه ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾: قيل: أبصروا قبحَ ذلك، وقيل: أي: أبصروا الرُّشدَ فسلكوا طريقَه فسلِموا من نَزْغه، وإن ارتكبوا مأثمًا ثم تذكَّروا وتابوا فغفر لهم؛ أي: يا محمد فكذلك فكنْ. وقال الإمام القشيري ﵀: وفيه دليلٌ أنَّ المتقين قد ينالهم ذلك، وهو في

стр. 3331

حال غفلتهم عن ذكر اللَّه تعالى، والذاكر قد يغفلُ، فلكلِّ صارمٍ نَبْوةٌ، ولكلِّ عالمٍ هفوة، ولكلِّ جوادٍ كبوة، ولكلِّ عابد غفوة (١)، ولكلِّ قاصدٍ فترة، ولكلِّ سائرٍ وقفة، ولكلِّ عارفٍ حَجْبة، قال النبي ﷺ "وإنه ليغانُ على قلبي" (٢)، وقال النبيُّ ﷺ "إن الحِدَّة لتعترِي خيارَ أمَّتي" (٣)؛ أي: قد يعتريهم ذلك مع علوِّ رتبتهم فيُخرجهم عن دوام الحِلْم (٤). * * * (٢٠٢) - ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾: أي: وإخوانُ الشيطان، وهم الغُواة. وقوله تعالى: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾: أي: الشياطين يُديمونهم (٥) في الغي. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾: أي: لا يَكفُّون بعدما مدَّهم الشياطينُ في غيِّهم. أي: مَن عمِل بما يأمر (٦) به الشياطين، فإن الشياطين يزيدون في غيِّهم ويلحُّون

стр. 3332

عليهم بالإغراء (١)، ثم لا يمسكون عن ذلك حتى يُهلكوهم، فـ ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ صفةُ الشياطين على هذا. وقيل: صفةُ الغواةِ المشركين؛ أي: لا ينتهون عن الغي. وقال ابن عباس ﵄: في هذه الآيات تقديمٌ وتأخيرٌ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ -أي: هلَّا اختلقتها من تلقاء نفسك- الآيةَ، ثم بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ الآية (٢). * * * (٢٠٣) - ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾: أي: إن الشياطين ليَمدُّونهم في الغيِّ، ومن ذلك أنهم يحملونهم على أن يطالبوك بالآيات المقترَحة، فإذا سألوك إحياءَ ميت (٣) يكلمهم ونحوَ ذلك فلم تأت (٤) به، قالوا لك: هلا اخترتَ هذا الذي سألناك وأتيتَ به وأنت رسولُ اللَّه بزعمك، وللرسول معجزةٌ، فهلا تأتينا بالمعجزة التي نطلبها (٥) منك. وقال الكلبي ﵀: أي: وإذا لم تأتِ أهلَ مكة بآية سألوكها تعنُّتًا قالوا:

стр. 3333

هلا تلقَّيتها فأتيتَنا بها من قبلِ أن نسألَكها ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (١). وقيل: إذا لم تأتهم بآية اقترحوها قالوا: إنما أنت تتقوَّله فهلا اختَرْتَ شيئًا تقرأه علينا من عند نفسك، وما اعتذارُك بإبطاء الوحي عنك وليس ما تأتي به وحيًا؟! ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ ولا أَختلِقُه من عند نفسي. وقال مجاهد: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾؛ أي: هلا ابتدَعْتَها (٢). وقال الفرَّاء: تقول العرب: اجتَبيتُ الكلام واختلقْتُه وارتجلْتُه؛ أي: افتعلْتُه (٣). وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾: أي: لهذا القرآن حججٌ ظاهرةٌ يبصَرُ بها الحقُّ، وهادي إلى الطريق المستقيم، ويرحمُ اللَّه مَن عمل به فيدخلُهم الجنة، وهذا نفعٌ يختصُّ به المؤمنون. * * * (٢٠٤) - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾: ويتصل بقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ﴾ يعني: القرآن. وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصواتهم حين يسمعون ذكرَ الجنة والنار، فنزلت هذه الآية (٤).

стр. 3334

وقال قتادة: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسلِّم ويسألهم: كم صلَّيتم؟ وكم بقي؟ فنزلت هذه الآية (١). وقال ابن عباس ﵄: كان المسلمون يتكلمون في الصلاة، فحرم الكلام في الصلاة بهذه الآية (٢). وقال ابن مسعود وسعيد بن جبير وعطاء ومجاهد وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن مخيمرة: هذا في الخطبة (٣). وقال مجاهد: في الخطبة والصلاة (٤). وعن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ ﷺ قرأ في المكتوبة وقرأ أصحابه خلفه، فنزلت هذه الآية (٥). وكذلك رُوي عن أبي العالية وعلباءَ بن أحمرَ (٦)، وهو نصٌّ على أنه لا قراءةَ على المقتدي، وأن قراءة الإمام قراءةٌ له. * * *

стр. 3335

(٢٠٥) - ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾: قال ابن عباس ﵄: عنَى بالذكر القراءةَ في الصلاة، ﴿تَضَرُّعًا﴾: جهرًا باللسان ﴿وَخِيفَةً﴾ (١): سرًّا في القلب ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: لا جهرًا مفرطًا (٢). وقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾: أي: العشيات، وهي جمع أصيل، وهي ما بين العصر والمغرب؛ كاليمين والأيمان. وقيل: الأصيل واحدٌ، وجمعه: الأُصُل، وجمع الأُصُل: الآصال، فهي جمعُ جمعٍ. وقيل: الأُصُل اسم للواحد أيضًا. وقيل: التضرُّعُ: الاستكانة، والخيفة: الخوف، والذكر: هو ذكر اللسان، والغدوُّ والآصال في حق الصلاة تخصيصٌ لهذين الوقتين بالذكر، كما في قوله تعالى: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وسائرُها ثبتت (٣) بغيرها من الآيات. وقيل: الغدوُّ والآصال عبارةٌ عن الليل والنهار، وأراد به الذكرَ على الدوام. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ خاطبه وأراد به أمته؛ أي: لا تقتدوا بالغافلين، لكنْ بالملائكة الذين لا يغفلون، وذلك قوله تعالى:

стр. 3336

(٢٠٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾: هم الملائكة، و ﴿عَنْدَ﴾ بيان قربِ الكرامة دون المكان، فإن اللَّه تعالى يتعالى (١) عن ذلك. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾: أي: فكونوا أنتم كذلك. وقال الإمام القشيري ﵀: أثبت لهم عنديَّةَ الكرامة، وحفظ عليهم أحكامَ العبودية؛ لئلا ينفكَّ حالُ جمعهم عن نعتِ تفرقتهم، هذه سنَّةُ اللَّه تعالى مع خواصِّ عباده (٢)، يلقِّنهم خصائصَ (٣) عين الجمع ويحفظُ عليهم حقائق عين التفرقة؛ لئلا يُخلُّوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة (٤). والحمدُ للَّه ربِّ العالمين، حمدًا لا يشوبُه ريب ولا يخالطه عيب، حمدًا لا لكثرته يُؤنَف ولا لجمَّته يُستنكَف، حمدًا لا يحصَى عددُه ولا ينتهِي أمدُه، حمدًا لا يَضجر عنه الجَلَد ولا يَفتُرُ عنه كلُّ أحد، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآلهِ وصحبه أجمعين (٥). * * *

стр. 3337

سورة الأنفال

стр. 3338

سورة الأنفال بسم اللَّه الذي مِن عنده النصرُ وهو العزيز الحكيم، الرحمنُ الذي لم يعاجلْ بالعقوبة للقائلين: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، الرحيمُ الذي وعد الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللَّه والذين آووا ونصروا بالمغفرة والرزق الكريم. وسورة الأنفال مدنية، وقيل: إلا آيةً، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [الأنفال: ٣٠]. وقيل: غيرَ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] فإنها نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال. وهي خمسٌ وسبعون آية، وقيل: ستٌّ وسبعون آية، وقيل: سبع وسبعون آية، والاختلاف في ثلاثة مواضع: ﴿ثُمَّ يُغْلَبَوُنَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، ﴿بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]. وكلماتُها ألفٌ ومئتان وأربعٌ وثلاثون، وحروفُها خمسةُ آلاف ومئتان وأحدٌ وتسعون (١). وروَى أبي بن كعب ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "مَن قرأ سورة

стр. 3339

الأنفال وبراءةَ فأنا شفيعُه يوم القيامة، شاهدٌ أنه بريء من النفاق، وأعطي عشرَ حسنات بعددِ كلِّ منا فقٍ ومنافقةٍ، وكان العرش وحملةُ العرش يستغفرون له أيامَ حياته" (١). وذُكر في "تفسير عبد بن حميد" مسندًا عن أبي أمامةَ الباهليِّ ﵁ قال: سألتُ عبادة بنَ الصامت ﵁ عن سورة الأنفال، قال: فينا نزلت معشر أصحاب بدرٍ حين اختلفنا في الأنفال وساءت فيه أخلاقُنا، فانتزعها اللَّه من أيدينا فجعلها إلى رسول اللَّه ﷺ بما أَنزل من قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فقسَمها على السَّواء (٢). ثم انتظامُ أولِ هذه السورة بآخر تلك السورة: أن اللَّه تعالى ختم تلك السورةَ بذكر عظماءِ السماء، وهم الملائكةُ الذين وصفَهم اللَّه تعالى بأنهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وافتَتح هذه السورة بذكر عظماءِ الأرض، وهم المؤمنون ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. ووجهٌ آخر: أنه ذكر في ختمِ تلك السورة الخيفةَ وفي افتتاحِ هذه السورة الوجلةَ، وهما واحد (٣).

стр. 3340

ووجهٌ آخر: ذكر هناك الاستماعَ للقرآن والإنصاتَ، وذكر هنا ما زاد في يقين المؤمنين إذا تُليت عليهم تلك الآياتُ. ووجهٌ آخَرُ: أنه ذكر هناك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وذكر هاهنا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. وانتظام هذه السورة بتلك السورة: أن سورة الأعراف في بيان نصر المؤمنين ونجاتهم، وإهلاكِ الكافرين وعقوباتهم في أزمنةِ سائرِ المرسَلين، وهذه السورة في نصر (١) المؤمنين ونجاتهم (٢) وإهلاكِ الكافرين في زمنِ خاتم النبيين، وما وقع ببدرٍ بصناديد المشركين. * * *

стр. 3341

سورة الأنفال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) - ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾: قيل: هو سؤال الاستفتاء. وقيل: هو سؤال الاستعطاء. والأنفال: جمع نَفَلٍ، وهو الغنيمةُ، وأصله: الزيادة، ومنه: نوافل العبادات، ونوافل الولادات، والنَّفْل بالسكون: التطوُّع. وقيل: الأنفالُ هاهنا: ما كان ينفِّلُه رسولُ اللَّه ﷺ بعضَ الغُزاة على الخصوص من سَلَب المقتول ونحوِه. وقوله تعالى: ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: أي: يسألُك أصحابُك يا محمدُ عن الغنائم التي غنِمْتَها أنت وأصحابُك يوم بدرٍ: لمن هي؟ قل: للَّه ولرسوله، أي: جعَل اللَّه الأمرَ فيه إلى اللَّه ورسوله (١)، لا حقَّ لأحد منكم في شيءٍ منها إلا بإعطاء الرسول، وله البدل والحرمان والزيادة والنقصان، روى عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان يومُ بدر قال النبيُّ ﷺ : "مَن صنَع كذا فله كذا"

стр. 3342

فتسارع في ذلك الشبَّان وبقيتِ الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح اللَّه تعالى وكانت الغنائم ثَم (١) جاؤوا يطلبون ما جُعل لهم، فقالت الشيوخ: لا تَذهبوا بها دوننا، فقد كنَّا ردءًا لكم، فتنازعوا فنزلت الآية (٢). وقال أبو أمامة الباهلي: سألتُ عبادةَ بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا نزلت، حين اختلفنا في النفل وساءت فيه (٣) أخلاقنا، فنزعه اللَّه من أيدينا وجعله إلى رسوله، فقسمه رسول اللَّه ﷺ بين المؤمنين، فكان في ذلك تقوى اللَّه وطاعةُ رسوله وصلاحُ (٤) ذاتِ البين (٥). وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: نزلت فيَّ هذه الآيةُ، وذلك أنِّي أتيتُ رسولَ اللَّه ﷺ بسيفٍ فقلتُ: يا رسول اللَّه، هذا السيفُ قد شفَى اللَّه به من المشركين، وإني أصبتُه فأعجبني فهبه لي، فقال: "ليس هذا لي ولا لك" فقلتُ: عسى أن يعطيه مَن لم يَبْلُ بلائي، فإذا رسول اللَّه ﷺ خلفي فقلت: يا رسول اللَّه إني أخاف أن يكون نزل فيَّ شيء، فقال: "إنَّ السيف قد صار لي [فهو لك] "، ونزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية (٦). وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵃ قال: نزلت هذه الآية

стр. 3343

أولًا فصارت الأنفال لرسول اللَّه، ثم نزلت ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ فقسم اللَّه تعالى ذلك الخمس لرسوله ولمن سمِّي في الآية (١). وروى أبو صالح عن ابن عباس ﵄: أن النبيَّ ﵇ قال وهو يحرض الناس على القتال: "إن اللَّه تعالى وعدني أن يَفتح لي بدرًا وأن يُغْنمكم عسكرهم، فمَن قتل قتيلًا فله كذا من غنائمهم" فلما تواقَعوا أوقع اللَّه في قلوب المشركين الرعبَ وانهزموا، وتبعهم سَرَعان (٢) القوم، فأسروا سبعين وقتلوا سبعين، وغنموا العسكر وما فيه، وأقام وجوهُ الناس في مصافِّ رسول اللَّه ﵇ معه، فلم يشذَّ منهم أحدٌ، ثم قام أبو اليَسَر كعب بن عمرو الأنصاريُّ أخو بني سلمة فقال: يا رسول اللَّه! إنك قد وعدتَ مَن قتل قتيلًا فله كذا، ومَن أَسر أسيرًا فله كذا، وإنَّا قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين، فقام سعد بن معاذ فقال: واللَّه ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادةٌ في الآخرة ولا جبن عن العدوِّ، ولكن كرهنا أن نُعْريَ مصافَّك فيعطفَ عليك خيلٌ من خيلِ المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول اللَّه ﵇، ثم قال (٣) أبو اليَسَر بمثلِ مقالته وقام سعدٌ بمثل كلامه، وقال: يا رسول اللَّه! إن الناس كثيرٌ، وإن الغنيمة والقتلى دون ذلك، وإن تعطِ هؤلاء الذين ذكرتَ لا يبقى لأصحابك كثيرُ شيء، فنزلت الآية، فقالوا: سمعًا وطاعة يا رسول اللَّه، فرجع القوم وليس لهم من الغنيمة شيء، ثم نزل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية (٤).

стр. 3344

فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ظاهرُه سؤالُ الاستفتاء، وهو السؤال عن الحُكم، وظهر ذلك بجوابه وإن كان السؤال مطلَقًا كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وهذه الأحاديث تدلُّ على أنه سؤالُ الاستعطاء، وفي قراءة ابن مسعود ﵁: (يسألونك الأنفالَ) (١) وهذا ظاهر. وأما قراءة الجمهور: ﴿عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فلا يقتضي إلا سؤالَ الاستفتاء، إلا أن يُجعل ﴿عَنِ﴾ بمعنى: مِن، ويكونَ للتبعيضِ، وحروف الصِّلات تتناوب. أو يقال: كانوا يستَعْطون أولًا، ثم لمَّا تأخَّر الإعطاء استفتَوه حكمَها ومَصْرِفها، وقد روِّينا عن ابن عباس ﵄ -وهو مرويٌّ عن مجاهد وعكرمة-: أن الآية نسخت بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (٢)، فكان في هذه الآية جَعْلُ كلِّها له، وفي الثانية صارت لأهل السُّهمان والغُزاة. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتة لم تنسخ، وإنما معناها: قل الأنفال للَّه تعالى، ولا شكَّ أنها للَّه مع الدنيا وما فيها والآخرة، [و] هي لرسول اللَّه ﷺ يضعها في مواضعها التي أمر اللَّه تعالى بوضعها فيها (٣)، وبيَّن ذلك في الآية الثانية:

стр. 3345

أن للَّه تعالى خمسه ولأهل السهمان، وأربعة أخماسه للغزاة من الرجَّالة والفرسان. وقيل: قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ هذا للتيمُّن بذكر اللَّه تعالى وتعظيمِ حالِ رسول اللَّه، والحاصل أنها لرسول اللَّه ﷺ يحكم فيها بأمر اللَّه. قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: أي: ولا تنازعوا ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: تآلَفوا على الحق. و (ذات) تأنيث قولهم: ذو، ويكون نعتًا لاسمٍ مؤنَّثٍ مضمَر، كأنه قال: وأصلحوا أُلفة بينكم، وعلى هذا نظائره: كنتُ عند فلانٍ ذات ليلةٍ؛ أي: ساعة ليلة. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بما تُخفيه الصدورُ، ألقت المرأة ذات بطنها؛ أي: حمل بطنها، وافعل كذا في ذات اللَّه؛ أي: في مرضاة اللَّه. وقيل: (ذات) هي النَّفس، وسيمرُّ ذلك في هذه الوجوه كلِّها. وقيل: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: افعلوا فيما بينكم ما يعودُ بصلاح (١) أحوالكم. قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: أطيعوا الرسول فيما يأمر في الغنيمة وغيرها، فإن طاعته طاعةُ اللَّه فإنها بأمر اللَّه. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: أي: الإيمانُ يوجب ذلك، وهو كما يقال: افعل كذا إن كنت إنسانًا؛ أي: الإنسانية توجبُ ذلك فلا تخالِفْها. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تطيعوا دواعيَ مُناكم، ولا تحكموا بمقتضَى هَواكم، والتقوى: إيثار رضى الحق على مراد النفس ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ بالانسلاخ عن شحِّ النفس وإيثارِ حقِّ الغير على ما لَكَ من الحظ، وتنقيةِ القلوب من الحسد والحقد (٢).

стр. 3346

(٢) - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: ولما سمعوا الآية الأولى خافوا واتَّقوا اللَّه وأطاعوا وسلَّموا، وتركوا الأنفال، فمدحهم اللَّه بهذه الآية. أو يقال: لما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وصف المؤمنين الكاملين في الصفات بهذه الآيات، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: خافت خوفًا شديدًا تعظيمًا للَّه تعالى وهيبة منه (١). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾: أي: قُرئت عليهم بالأمر والنهي والحُكم، قبِلوا هذا الأمر والنهيَ والحكم، وصدَّقوا بالوعد والوعيد، وازدادوا إيمانًا إلى إيمانهم بما كان قبل ذلك، وإنْ حُملت على أنهم كانوا آمنوا بها قبل ذلك وهذا على زيادة اليقين أو على الثبات على إيمانهم الكاملِ السابق، وأضاف فعل الزيادة إلى الآيات على التسبيب (٢). قوله تعالى: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: أي: يعتمدون، وبه يثقون. وقال القشيري ﵀: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: تخرجهم شدةُ الخوف عن أوطان الغفلة، وتزعجهم عن مساكن الغَيبة، فإذا انفصلوا عن أودية التفرقة، وفاؤوا إلى مشاهد الذكر، نالوا السكون إلى اللَّه ، فيزيدُهم ما يتلى عليهم من آياته تصديقًا على تصديق، وتحقيقًا على تحقيق، فإذا طالَعوا جلال قدرته توكَّلوا عليه فأمدَّهم برعايته في نهايتهم كما استخلصهم بعنايته في بدايتهم.

стр. 3347

قال: وسنَّةُ اللَّه تعالى مع أهل العرفان ترديدُهم بين كشف جلاله وبين لطف جماله، فإذا كاشفَهم بجلاله وجِلت قلوبهم، وإذا لاطفهم بنعت جماله سكنت قلوبهم، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. قال: وقيل: وجلت قلوبهم لخوف فراقه، ثم تطمئنُّ أسرارهم بروح وصاله، فذكرُ الفراق يُفنيهم، وذكر الوصال يحييهم (١). وقال السدِّي: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عند ذكر الوعيد، وتطمئن قلوبهم بالوعد، وهو كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾؛ أي: بالوعيد، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣]؛ أي: بالوعد. * * * (٣) - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أي: يُجْرون الصلاة على الاستقامة اللازمة فيها ويديمونها في أوقاتها. ﴿وَمِمَّا﴾ (من) للتبعيض؛ لأن الرزق منه حلالٌ وحرام، والممدوح هو الإنفاق من الحلال؛ أي: ينفقون الحلال من رزقهم في أداء الزكوات ونوافل الصَّدَقات، وفي مصالح الجهاد وسائر الطاعات. ويحتمل: رزقناهم من سائر النعم من الأموال. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآيةَ، ليس ذكرُ هذه الصفات لشرط ثبوت الإيمان بإجماع الأمة أن مَن آمَن عن اعتقادٍ وإقرار على الصحة ثم مات من ساعته قبل أن يوجد منه شيءٌ من هذه الصفات فهو مؤمن، ولكن يحتمِل ثلاثة أوجهٍ صحيحة:

стр. 3348

إنما المؤمنون الذين حقَّقوا إيمانهم بهذه الأفعال. والثاني: إنما المؤمنون الذين ظهر صدقهم عندكم بهذه الأفعال. والثالث: إنما المؤمنون الذين قبلوا واعتقدوا هذه الأفعال، وهو كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] هو على القبول والاعتقاد (١). * * * (٤) - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: أي: إيمانًا حقًّا. وقيل: المصدِّقون إلهًا (٢) حقًّا. وقيل: أي: حقيقة، وقيل: هو قسم، وقيل: أي: حقَّقوا أقوالهم بأفعالهم. ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أي: درجاتٌ في الجنة. وقيل: أي: مراتبُ في الآخرة: من إعطاء الكتب بالأيمان، وتلقِّي الملائكة بالبشارة بالجِنان، وتبييضِ الوجوه بالفضل والإحسان (٣). قوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾: سترٌ للذنوب (٤) فلا يُفتضحون. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: أي: جليلُ القَدْر في الجنة، لا يَفنى ولا يَنتقِص، ولا يتكدَّر ولا يتنغَّص.

стр. 3349

وقال الحسين بن الفضل ﵀: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين فعلوا هذه الأفعال ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لا الذين يقولون بألسنتهم: آمنَّا، وقلوبهم منطويةٌ على خلافه، لا يقيمون صلاةً ولا يؤدُّون زكاة. وقال ابن أبي نجيح (١): سأل رجلٌ الحسنَ: أمؤمنٌ أنت؟ فقال: إنْ كنتَ تسألُني عن الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن، وإنْ كنتَ تسألُني عن قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فما أدري أنا منهم أم لا. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ على حسبِ ما أهَّلهم له من الرتب، فبسابق قسمتِه لهم استوجبوها، ثم بصادق خدمتهم -حيث وفَّقهم لها- بلغوها، ﴿و﴾ لهم ﴿مغفرةُ﴾: سترٌ لمسيئهم في المآل ولأكابرهم في الحال، فيَستر مثالب العاصين غدًا فلا يفضحهم لئلا يُحجبوا عن مأمول أفضالهم، ويستر مناقب العارفين عليهم في الحال لئلا يُعجبوا بأحوالهم، وشتانَ بين السترين. وأما الرزق الكريم: فما يعطيه اليومَ من حيث لا يُحتسب، وفي الجنة لا يقدرُ (٢) ما يكتسب. وقيل: ما لا ينقص بإجرامهم (٣). وقيل: ما لا يشغلهم به عن شهود الرازق (٤).

стр. 3350

(٥) - ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: لم يخرج لهذا الكلام جوابٌ في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق يفعل (١) بك كذا، ثم أهلُ التأويل اختلفوا في جوابه: قال بعضهم: هو صلةُ قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾؛ أي: يجادلونك في الأنفال كما جادلوك إذ أخرجك ربُّك من بيتك، فإنه قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾. قال: ومنهم من يقول: جوابه في أمره بالقتال، يقول: كما أخرجك ربك من بيتك وهم كارهون، كذلك يكلِّفك القتال وهم كارهون لذلك. قال: ومنهم مَن يقول: جوابه في قوله: ﴿إِذْ يُغَشِيكُمُ النُّعَاسَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُثَبِّ بِهِ الْأَقَدَامَ﴾ كما أجبتُم اللَّهَ تعالى في الخروج للقتال على غيرِ تدبيرٍ منكم في ذلك ولا نظَر، فعلى ذلك يُجيبكم في النعاس أمنةً منه، وانزالِ الماء من السماء والتطهيرِ به، وتثبيتِ (٢) الأقدام، على غير علم منكم ولا تدبير. قال: ومنهم مَن يقول: كما أخرجك ربك من بيتك غير متأهِّبين ولا مستعدِّين للقتال، كذلك يَعِدُكم النصرَ والظفر (٣).

стр. 3351

وقال غيره: أي: كما أخرجك ربك من بيتك بالمدينة إلى الروحاء، فاذهب (١) من الروحاء إلى بدر. وقيل: إنه نزع الأفعالَ من أيديهم بالحق كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحق. وقيل: أي: ما بينَّاه لك حق كما أن إخراجك من بيتك كان بالحق. وقوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ ولم يقل: كما خرجتَ، ولا: خرجوا؛ لأن الحامل لهم على الخروج إلى الروحاء طوعًا وطبعًا هو وعدُ اللَّه لهم إحدى الطائفتين أنها لهم، ولم يكن عندهم أنهم يحتاجون إلى القتال، فكان ذلك إخراجًا لهم. قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال الإمام أبو منصور: يحتمِل: بالحق الذي للَّهِ عليهم من الأمر بالخروج والقتال، ويحتمِل: بالوعد الذي وعَد من النصر والظفر. وقيل: ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالقرآن؛ أي: بالأمر في القرآن. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ قال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل: فريقًا من المؤمنين في الظاهر وهم المنافقون كرهوا ذلك اعتقادًا، كما قال في صفتهم: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]، ويحتمِل أن يكون من المؤمنين في الحقيقة، ويكون هذا كراهيةَ طبعٍ لأنهم أُمروا به وهم غيرُ متأهِّبين له، وهو كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] (٢). * * * (٦) - ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾: قيل: أي: في القتال، وقيل: أي: في الحق الذي وجب عليهم من ذلك.

стр. 3352

وقيل: يعني (١): في الوعد الذي وعدهم اللَّه تعالى من الظفر والغنيمة. وقال ابن عباس ومحمد بن إسحاق: إنما جادَلوه طلبًا للرخصة في الانصراف، لا ردًّا لأمر اللَّه تعالى (٢). قوله تعالى: ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾: أي: ظهر بقول النبي ﵇، وقولُه كان بأمر اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: وهذا كان من بعضهم، فأما أكثرهم فكانوا في أشدِّ رغبة فيه (٣). رُوي أن سعد بن خيثمة وأباه تنازَعَا في الخروج إلى القتال، وكلُّ واحدٍ منهما يقول: أنا أخرج (٤) وتتخلَّف أنت، فقال سعد: لو كان غيرَ الجنة لآثَرْتُك، إني لأرجو الشهادةَ في وجهي هذا، فقال خيثمة: آثِرْني به فأقِمْ، فأبى سعد، فقال خيثمة: إنه لا بد لأحدنا من أن يقيم، فاستَهَما فخرج سهم سعد، فنهض فاستُشهد (٥). وفي تأويل الآية وجهٌ آخرُ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ فكان خيرًا لهم، فكذلك فأصلِحوا ذات بينِكم ولا تنازَعوا في الأنفال،

стр. 3353

وإن كرهتُم ذلك فهو خير لكم، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قاله عكرمة (١). وقيل: هذا أمر من اللَّه تعالى لرسوله أن يمضي لأمره في الغنائم على كُرهٍ من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون. وقيل: الكاف بمعنى: على؛ أي: امضِ على ما أخرجك ربُّك من بيتك، كما تقول: كن كما أنت؛ أي: اثبت على حالك. قال الواقدي: كانت وقعة بدر يوم الجمعة السابعَ عشر من شهر رمضان على رأسِ تسعةَ عشر شهرًا من الهجرة (٢)، وكانت عيرُ قريش ترجع من الشام، وندب رسول اللَّه ﷺ المسلمين وقال: "هذه عير قريش فيها أموالُهم، لعل اللَّه يُغنِمُكموها فأسرعوا" (٣). قال مقاتل: كان فيهم أبو سفيان بن حرب، وعمرو بن العاص، وعمرو بن هشام، ومَخْرَمةُ بن نوفلٍ الزُّهريُّ، في أربعين راكبًا (٤). فأخبر جبريل ﵇ النبيَّ ﷺ بأمر العير، فندب النبيُّ ﷺ أصحابه فساروا، وبلغهم أن النبيَّ ﷺ يريدهم فبعثوا ضمضمَ بن عمرو الغِفاريَّ إلى مكة مستغيثًا، فخرجت قريش، وأَخبر جبريل النبيَّ ﷺ بذلك، فقال لأصحابه: "إن اللَّه يعدُكم إحدى

стр. 3354

الطائفتين: إمَّا العيرُ، وإما فتحُ بدر، فما ترون؟ " فأشاروا إليه بالعير (١)، وكرهوا القتال وقالوا: إنَّا لم نتَّخذ أُهبةً للقتال، إنما ندَبْتَنا إلى العير، فأعاد المشورة فأشاروا بالعير، فقال سعد بن عبادة (٢): يا رسول اللَّه، انظر في أمرك فامضِ له، فواللَّه لو سرت إلى عدنِ أبينَ (٣) ما تخلَّف عنك رجلٌ من الأنصار، ففرح رسول اللَّه ﷺ بذلك. وقال المقداد بن الأسود الكندي: يا رسول اللَّه، إنَّا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] بل نقول: امضِ لأمرِ ربِّك فإنا بين يديك مقاتلون ما دامت منا عين تَطرف (٤)، فضحك النبيُّ ﷺ وقال له خيرًا (٥). وفي رواية: قال المقداد: فوالذي نفسك بيده لو سرتَ إلى بَرْكِ الغِماد -وهي مدينة بالحبشة- لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فدعا له بالخير (٦).

стр. 3355

وفي رواية الواقدي: لما استشارهم قام أبو بكر ﵁ فأحسنَ، ثم قام عمر ﵁ فأحسنَ، ثم قال: يا رسول اللَّه إنها واللَّه قريش ما ذلَّت مُذ عزَّت، ولا آمنت مُذ كفرتْ، واللَّه لا تُسْلِمُ [عزَّها] أبدًا ولتقاتلَنَّك، فتأهَّبْ أُهْبتَه وأَعِدَّ لذلك عُدَّته. ثم قام المقداد وقال ما ذكرناه، ثم قال النبي ﷺ : "أشيروا علَيَّ أيها الناس" وإنما يريد الأنصارَ، وكان يظنُّ أن الأنصار لا تنصُره إلا في الدار، وذلك أنهم شرطوا له أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسَهم وأولادهم، فلما قال ذلك قام سعد بن معاذ فقال: أنا أجيب عن الأنصار، كأنك يا رسولَ اللَّه تريدنا (١)؟ فقال: "أجل"، قال: إنك عسى أن تكون خرجتَ على أمرٍ قد أوحى اللَّه تعالى إليك (٢)، فإنَّا قد آمنَّا بك وصدَّقناك، وشهدنا أن ما جئتنا به حقٌّ، وأعطيناك مواثيقَنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامضِ يا نبيَّ اللَّه لِمَا أردْتَ ونحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضْتَ هذا البحر فخُضْتَه لخُضناه معك ما بقي منا رجل، وصِلْ مَن شئتَ واقطَعْ مَن شئتَ، وخُذ من أموالنا ما شئتَ، وما أخذتَ من أموالنا أحبُّ إلينا مما تركتَ. فلما فرغ سعدٌ قال رسول اللَّه ﷺ : "سيروا على بركة اللَّه، فإنَّ اللَّه قد وعدني إحدى الطائفتين، واللَّه لكانّي انظر إلى مصارع القوم"، وأرانا رسول اللَّه ﷺ مصارعَهم يومئذ: هذا مصرعُ فلانٍ وهذا مصرع فلان، فما عدا كلُّ رجلٍ مصرعَه (٣). فعلم القوم أنهم ملاقون القتال، وأن العير قد تفلَّتت، ورَجَوُا النصرَ لقول

стр. 3356

رسول اللَّه ﷺ ، ونزل رسول اللَّه ﷺ أدنى بدرٍ عشاءَ ليلةِ الجمعة لسبعَ عَشْرةَ مَضَتْ من رمضان، فبعث عليًّا والزبيرَ وسعد بن أبي وقاص وبسبسَ بن عمرو يتجسسون (١) على الماء، وقال: "أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب"، فجاؤوا فوجدوا على القليب روايا قريش وفيها سُقَّاؤهم، فأَفْلَتَ عامَّتُهم، وكان فيهم عجيرٌ، وهو أولُ مَن جاء قريشًا بخبر رسول اللَّه ﷺ وأصحابه، فنادى في العسكر: يا آل غالبٍ! هذا ابنُ أبي كبشةَ وأصحابُه قد أخذوا سُقَّاءكم، فماج العسكر. فقال النبيُّ ﷺ للسُّقَّاء: "أين قريش؟ " فقالوا: خلف هذا الكثيب الذي تَرى، قال: "كم هم؟ " قالوا: بين الألف والتسع مئة (٢)، فقال: "مَن خرج من مكة؟ " قالوا: لم يبقَ أحد إلا خرج، فأقبل النبيُّ ﷺ على الناس فقال: "هذه مكةُ قد ألقَتْ أفلاذ كبدها" (٣). وكان المسلمون مع رسول اللَّه ﷺ ثلاثَ مئةٍ وثلاثةَ عَشَر، ولهم (٤) سبعون بعيرًا، وكان يتعاقب الإبلَ الاثنان والثلاثةُ والأربعة، فكان النبيُّ ﷺ وزيدُ بن حارثة وعليٌّ يتعاقبون بعيرًا واحدًا (٥). وكان النبيُّ ﷺ قال حين نزل بالمنزل الأول في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان فنظر إلى أصحابه فقال: "يا ربّ، إنهم حفاةٌ فاحملهم، وجياعٌ فأَشْبِعهم، وعُراةٌ فاكسُهم، وعالةٌ فأَغْنِهم من فضلك"، فما رجع أحد إلا ومعه بعيرٌ وبعيران،

стр. 3357

واكتسَى مَن كان عاريًا، وأصابوا طعامًا من أزوادهم، وأصابوا فداء الأسارى فأُغني به كلُّ عائل (١). وكانت عاتكة بنتُ عبد المطلب رأت قبل قدوم ضمضمِ بن عمرٍو رؤيا أفزعَتْها، فأرسلت إلى أخيها العباسِ بن عبد المطلب وقالت: يا أخي! رأيت راكبًا أقبل على بعيرٍ حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: يا آل غُدَرَ انفِروا إلى مصارعكم، صرخ بها ثلاثًا (٢)، فاتَّبعه الناس فدخل المسجد والناس يتبعونه، إذ مَثَلَ به بعيره على ظهر الكعبة، فصرخ مثلَها ثلاثًا، ثم مَثَل (٣) به بعيره على أبي قُبيس فصرخ مثلها ثلاثًا، ثم أخذ صخرةً من أبي قبيسٍ فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت (٤) فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته منها فلذةٌ. وكان عمرو بن العاص يقول: لقد رأيتُ أنا كلَّ هذا، ورأيت في دارنا فلذةً من الصخرة، ولقد كان فيه عبرةٌ ولكنَّ اللَّه تعالى لم يُرِدْ أن نُسلم يومئذٍ وأخَّر إسلامنا إلى ما أراد اللَّه. فاغتم (٥) العباس لذلك، وخرج فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعةَ وكان له صديقًا، فذكرها له واستكتمه، ففشا الحديث في الناس، قال: فغدوتُ أطوف بالبيت وأبو جهلٍ في رَهْطٍ من قريش يتحدَّثون برؤيا عاتكة، قال أبو جهل: يا بني عبد المطلب!

стр. 3358

أمَا رضيتُم أن يَتنبَّأ رجالكم حتى تتنبَّأ نساؤكم؟ زعمتْ عاتكةُ أنها رأت في المنام كذا، فسنتربَّص بكم ثلاثًا، فإن يكُ ما قالت حقًّا فسيكون، وإن مضت الثلاث ولم يكن نكتُب عليكم كتابًا أنكم أكذبُ أهلِ بيتٍ في العرب، فقال العباس (١): يا مصفِّر استِهِ، أنت أولى باللوم والكذب منَّا. فقال العباس: فغدوتُ في اليوم الثالث وأنا حديدٌ مغضَبٌ أرى أنْ قد فاتني منه أمرٌ أحبُّ أن أدركه، فواللَّه إني لأمشي نحوه وكان رجلًا حديدَ الوجه حديدَ اللسان حديدَ النظر، إذ خرج نحو باب بني سهم يشتدُّ، فقلتُ: ما له لعنه اللَّه؟ أكلُّ هذا فرقًا من أنْ أشاتمَه، فإذا هو قد سمع صوت ضمضمٍ وهو يقول: يا معشر (٢) قريش، العير قد عَرَض لها محمدٌ في أصحابه، الغوثَ الغوثَ، وتجهَّزت قريشٌ فأخرجت أسلحتَها، وأعان قويُّهم ضعيفَهم وخرجوا (٣). وأقبل أبو سفيان بالعِير، وخافوا خوفًا شديدًا حين دنَوا من المدينة، واستبطؤوا ضمضمًا والنفير، فلمَّا كانت الليلةُ التي يصبحون فيها على ماء بدرٍ غشيَتْهم تلك الليلةَ ظلمةٌ، وكان اللذان بعثهما رسول اللَّه ﷺ لتجسُّس الخبر نزلا بدرًا وسمعا جاريتين تقول إحداهما لصاحبتها: إنما العيرُ غدأً أو بعد غد، فرجعا وأصبح أبو سفيان ببدرٍ، فرأى أبعارًا ففتَّها فإذا فيها نوًى، فقال: واللَّه هذه علائفُ يثرب، هذه عيون محمد وأصحابِه ما أُراهم إلا قريبًا، فعدَل عيرَه وسار بهم إلى مكة من طريق الساحل، وترك بدرًا يسارًا وانطلق سريعًا (٤).

стр. 3359

وخرج أهل مكة، ونزلوا حيث قلنا في حديث سُؤال النبيِّ ﷺ السُّقَّاءَ، ثم قال لأصحابه: "أشيروا عليَّ في المنزل"، فقال الحُباب بن المنذر: يا رسول اللَّه، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلٌ أنزلكه اللَّه ليس لنا أن نتقدَّمه أو نتأخَّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؛ فقال ﷺ : "بل هو الرأيُ والمكيدة والحرب"، قال: فإن هذا ليس بمنزلٍ، انطلق بنا إلى أدنى ماءٍ إلى القوم فإني عالمُ بها وبقُلُبها، بها قَليبٌ قد عرفتُ عذوبةَ مائه، وماؤه كثيرٌ لا يُنزَح، ثم نبني عليه حوضًا ونقذفُ فيه الآنية، فنشرب ونقاتل ونغوِّر ما سواه من القُلُب، فنزل جبريل ﵇ على رسول اللَّه ﷺ وقال: الرأي ما أشار به الحباب، فقال ﷺ : "الرأيُ ما أشرتَ إليه" ونهض ﷺ وفعل ذلك. ولمَّا تحول إلى المنزل أرسل عمار بن ياسر وابن مسعود فأطافا بالقوم، ثم رجعَا إلى النبي ﷺ فقالا: القوم مذعورون فَزِعون، إن الفرس ليريدُ أن يَصْهَل فيُضربُ وجهه، مع أن السماء تَسُحُّ عليهم، فلما أصبحوا قال منبِّه بن الحجَّاج وكان رجلًا يبصر الأثر: هذا أثرُ ابن سمية وأثر ابن أمِّ عبدٍ أعرفهما، قد جاءنا محمد بسفهائنا وسفهاء أهل يثرب. وبُني لرسول اللَّه ﷺ عَريشٌ من جَريدٍ، فقام سعد بن معاذ على باب العريش متوشِّحًا بالسيف، فدخل النبيُّ ﷺ العريشَ هو وأبو بكرٍ، ونزل رسول اللَّه ﷺ بالعدوة الشامية ونزلوا بالعدوة اليمانيَة، ثم دعا رسولُ اللَّه ﷺ ربَّه، فنزل جبريل ﵇ [بهذه الآية]: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]. وعدَّل رسولُ اللَّه ﷺ الصفوف، فتقدم سوادُ بن غَزِيَّة أمام الصفِّ، فدفع النبيُّ ﷺ في بطن سوادٍ بقدحٍ وقال: "استوِ يا سواد"، فقال: قد (١) أوجعتني، والذي بعثك بالحق نبيًّا أَقِدْني، فكشف رسول اللَّه ﷺ بطنَه ثم قال: "استَقِدْ"، فاعتنَقه وقبَّله، فقال

стр. 3360

له: "ما حملك على ما صنعتَ؟ " فقال: حضر مِن أمر اللَّه ما ترى، فخشيتُ القتل، فأردتُ أن يكون آخرَ عهدي بك أن أعتنِقَكَ. وقال عليٌّ ﵁: وجاءت ريحٌ لم أَرَ مثلها قطُّ شدَّةً، ثم ذهبتْ فجاءت مثلُها أخرى، ثم ثالثةٌ، فكانت الأولى جبريلَ في ألفٍ من الملائكة فكانوا مع رسول اللَّه ﷺ ، والثانيةُ ميكائيلَ في ألفٍ فكانوا في ميمنة رسول اللَّه ﷺ وأبي بكر، والثالثةُ إسرافيلَ في ألفٍ ونزل على ميسرةِ رسول اللَّه ﷺ ، وأنا في الميسرة (١)، ولمَّا هزم اللَّه أعداءه جعلني رسول اللَّه ﷺ على فرسه، فخرَّت بي فلما خرَّت (٢) خررْتُ على عنقها، فدعوت ربي فأمسكني حتى استويتُ، وما لي وللخيل؟! إنما كنتُ صاحب غنم، فلما استويتُ طعنتُ بيدي هذه حتى اختضب مني إبطي. وخطب رسول اللَّه ﷺ فحمِدَ اللَّه وأثنى عليه وقال: "أمَّا بعدُ، فإنِّي أحثُّكم على ما حثَّكم اللَّه عليه، وأنهاكم عما نهاكم اللَّه عنه، فإن اللَّه عظيمٌ شأنُه، يأمر بالحق ويحب الصدق، ويعطي على الخير أهلَه على منازلهم عنده، به يُذْكرون وبه يَتفاضلون، هانكم قد أصبحتُم بمنزلٍ من منازل الحق، لا يَقبل اللَّه فيه من أحد إلا ما ابتَغَى به وجهَه، وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرِّج اللَّه به الهمَّ، ويُنجي به من الغمّ، به تدرِكون النجاة في الآخرة، فيكم نبيٌّ اللَّه يحذِّركم ويأمركم، فاستَحْيُوا اليومَ أن يطَّلع اللَّه على شيء من أمركم يمقتكم عليه، فإن اللَّه يقول: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر: ١٠]، انظروا إلى الذي أمركم به في كتابه، وأراكم في آياته، وأعزَّكم بعد ذلةٍ، فاستمسِكوا به يرضى به ربُّكم عنكم، وأَبْلوا ربَّكُم في هذه المواطن أمرًا تستوجِبون به الذي وعَدكم من رحمته ومغفرته، فإن وَعْدَهُ حقٌّ وقولَه

стр. 3361

صدقٌ وعقابَه (١) شديد، وإنما أنا وأنتم باللَّهِ الحيِّ القيوم، إليه ألجأْنا ظهورَنا، وبه اعتصَمْنا، وعليه توكَّلنا، وإليه المصير، يغفر اللَّه لي وللمسلمين". ورأى رسول اللَّه ﷺ قريشًا تصوِّب (٢) في الوادي، وكان أولُ مَن طلَع زَمْعةَ بنَ الأسود على فرسٍ له يتبعُه ابنُه، فاستجال بفرسه يريد أن يتبوَّأ للقوم منزلًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهمَّ إنك أنزلتَ عليَّ الكتاب، وأمرتَني بالقتال، ووعدتَني إحدى الطائفتين، وأنت لا تُخلِف الميعاد، اللهمَّ وهذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها تجادِلُ وتكذِّب رسولَك، اللهم نصرَك الذي وعدْتَني، اللهم أَحِنْهم الغداة". ولمَّا نزل القوم أرسل رسول اللَّه ﷺ عمر بن الخطاب إلى قريش فقال ارجعوا فإنه أن (٣) يليَ هذا مني غيرُكم أحبُّ إليَّ مِن أن تَلُوه أنتم، وأَلِيَه من غيرِكم أحبُّ إليَّ من أن أليَه منكم، فقال حكيم بن حزام: قد عَرَض نَصَفًا فاقبلوه، واللَّه لا تُنْصَرونَ عليه بعدما عرَض من النَّصَف، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: واللَّه لا نرجع بعد أنْ أَمْكَنَ اللَّه منهم، ولا (٤) نطلبُ أثرأً بعد عينٍ، ولا يتعرَّض لعِيرنا بعد هذا أبدًا. فلمَّا تزاحَفَ الناس قال الأسوَدُ بن عبد الأسد المخزوميُّ (٥): أعاهد اللَّه لأشربنَّ من حوضهم أو لأهدمنَّه أو لأموتنَّ دونه، فشد حتى دنا من الحوض، فاستقبله حمزة ابن عبد المطَّلب فضربه فقطع قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض وهدمه برجله الصحيحة وشرب منه، واتَّبعه حمزة فضربه في الحوض حتى قتله.

стр. 3362

والمشركون ينظرون على صفوفهم وهم يرون أنهم ظاهرون، فدنا الناس بعضهم من بعض. وقال عكرمة: قال النبيُّ ﷺ : "إن تُطِعْ قريش صاحب الجمل الأحمر رشَدوا" يعني: عتبة، لأنه قال: يا معشر قريش، لا تقاتلوا هؤلاء، فإنكم إنْ فعلتُم لم يزلِ الرجلُ منكم ينظر في وجه قاتل أخيه وابنه وابن عمه، فإن (١) يكن محمد ملكًا أكلتُم في مُلك أخيكم، وإن يكن (٢) نبيًا كنتُم أسعد الناس به، وإن يكن كذَّابًا كفَتْكُموه العرب. فأبوا أن يطيعوه، فقال: أَنشُدُكم اللَّه في هذه الوجوه التي كأنها المصابيحُ أن تجعلوها كأنها وجوهُ الأفاعي، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: لقد انتفخَ سَحْرُك (٣)، فقال عتبة: يا مصفِّرَ اسْتِهِ (٤)، ستعلمُ أيَّنا الجبانُ اللئيم المفسِد لقومه، ثم قال لأخيه شيبةَ وابنهِ الوليدِ: انزلا، فخرج عتبةُ وشيبةُ والوليد حتى فصَلوا من الصفوف، ثم دعوا للمبارزة، فخرج إليهم فتيانٌ ثلاثة من الأنصار وهم بنو عفراء: معاذٌ ومعوِّذٌ وعوفٌ، فاستحيا رسول اللَّه ﷺ من ذلك وكرِه أن يكون أولُ قتال (٥) لقي فيه المسلمون المشركين في الأنصار، وأحبَّ أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافِّهم، وقال لهم خيرًا، ثم نادى منادي المشركين: يا محمد، أخرج لنا الأكفاءَ

стр. 3363

من قومنا، فقال رسول اللَّه ﷺ "قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقِّكم الذي بعث اللَّه به نبيَّكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور اللَّه" فقام حمزة بن عبد المطلب وعليُّ بن أبي طالب وعبيدةُ بن الحارثِ بنِ عبد المطلب بن عبد منافٍ، فمشَوا إليهم، فقال عتبة: تكلَّموا نَعْرفْكم، وكان عليهم البيضُ فأنكَروهم (١)، فقال حمزةُ: أنا حمزةُ بن عبد المطَّلب أسدُ اللَّه وأسدُ رسوله، فقال عتبة: كفؤٌ كريم، وأنا أسدُ الحلفاء، مَن هذان معك؛ فقال: عليُّ بن أبي طالب وعُبيدةُ بن الحارث، فقال: كفؤان كريمان، ثم قال عتبة لابنه الوليد: قُم يا وليد، فقام الوليد وقام إليه علي بن أبي طالب ﵁ وكان أصغرَ النفر، فاختلَفا ضربتين فقتله عليٌّ، ثم قام عتبةُ فقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين فقتله حمزة، ثم قام شيبة فقام إليه عبيدةُ بن الحارث وهو يومئذ أسنُّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فضرب شيبةُ رِجل عبيدة بذباب السيف فأصاب عضلةَ ساقه فقطعها، وكرَّ حمزة وعليّ على شيبةَ فقتلاه، واحتمَلا عبيدةَ فجاءا به إلى الصفِّ ومخُّ ساقه يسيل، فقال عبيدة: يا رسول اللَّه، ألستُ شهيدًا؟ قال: "بلى"، ونزلت فيهم هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الآية. وإن إبليس لعنه اللَّه تصوَّر بصورة سُراقة بن جُعْشُمٍ يخبرُ المشركين أنه لا غالبَ لكم (٢) اليوم من الناس، فلما أبصر عدوُّ اللَّه الملائكةَ نكَص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فتشبَّث به الحارث بن هشام وهو يَرى أنه سراقةُ لِمَا سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث فسقط، وانطلق إبليس لا يُرى حتى وقع في البحر، ورفع يديه وهو يقول: يا رب موعدَك الذي وعدْتَني. فأقبل أبو جهل لعنه اللَّه على أصحابه فحضَّهم على القتال، وقال: لا يغرنَّكم

стр. 3364

خذلانُ سراقةَ إياكم، فإنما كان على ميعادٍ من محمد وأصحابه، سيعلم إذا رجعنا إلى قومه (١) ما نصنع بقومه، ولا يهولنَّكم مقتلُ عتبةَ وشيبةَ والوليدِ فإنهم عَجِلوا وبَطِروا حين قاتلوا، وايمُ اللَّه لا نرجعُ اليوم حتى نفرِّق محمدًا وأصحابه في الجبال، فلا أُلْفيَنَّ (٢) أحدًا منكم قتلَ محمدًا (٣)، ولكنْ خذوهم أخذًا حتى نعرِّفهم (٤) بالذي صنعوا بمفارقتهم دينكم ورغبتِهم عما كان يَعبد (٥) آباؤهم. وكان فتيةٌ من قريشٍ سبعةٌ قد أسلَموا فاحتبَسهم آباؤهم، فخرجوا معهم إلى بدرٍ وهم على الارتياب، فلمَّا رأوا قلَّة أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ الآيات [الأنفال: ٤٩]. والتحم القتال ورسولُ اللَّه ﷺ رافعٌ يديه يسألُ اللَّه النصرَ وما وعَده، ويقول: "اللهم إنْ ظهر عليَّ هذه العصابةُ ظهر الشرك ولا يقومُ لك دِينٌ" وأبو بكر ﵁ يقول: واللَّه لينصرنَّك اللَّه يا رسول اللَّه، وليُبيِّضنَّ اللَّه وجهَك، فأنزل اللَّه تعالى ألفًا من الملائكة مردِفين. وكان سِيْما الملائكةِ عمائمَ قد أرخَوها بين أكتافهم خضرًا وحمرًا وصفرًا من نُورٍ، والصوفُ في نواصي خيلهم، وفي مغافرهم (٦) وقلانسهم، وكان الملَك يتصوَّر في صورةِ مَن يعرفون من الناس يثبِّتونهم ويقول: إني قد دنوتُ منهم فسمعتُهم

стр. 3365

يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] فأخذ رسول اللَّه ﷺ كفًّا من الحصباء (١) فرماهم بها وقال: "شاهتِ الوجوه، اللهمَّ أرعِبْ قلوبهم وزلزِلْ أقدامهم". فانهزم أعداء اللَّه لا يَلْوون على شيء، والمسلمون يقتلون ويأسرون، فأقبل عاصم بن عوف كأنه ذئبٌ فقال: يا معشر قريش، عليكم بالقاطِع مفرِّق الجماعات الآتي بما لا نعرف، محمد لا نجوتُ إن نجا، واعترضه أبو دجانة فاختلفا ضربات، وضربه أبو دجانة فقتله، فوقف على سلَبه يسلبه، فمرَّ به عمر وهو على تلك الحال فقال: دع سَلَبه حتى يُجهَض العدوُّ وأنا أشهدُ به لك. ولما رأت بنو مخزوم مقتَلَ مَن قُتل أجمعوا على أن يُلبسوا لأمة أبي جهل رجلًا منهم، فألبَسوها عبد اللَّه بن المنذر، فقصده عليٌّ فقتله وهو يراه أبا جهلٍ، فضربه فقتله وهو يقول له: خذها وأنا ابن عبد المطلب، ثم ألبَسوها أبا (٢) قيس بن الفاكه، فقصده حمزة وهو يراه أبا جهل فضربه فقتله حمزة وهو يقول له (٣): خذها وأنا ابن عبد المطلب، ثم ألبسوها آخرَ (٤) فقصده عليٌّ فقتله، وأبو جهل في أصحابه، ثم أرادوا أن يُلبسوها آخر (٥)، فأبى أن يلبسها يومئذ. فقال معاذ بن عمرو بن الجموح: نظرت إلى أبي جهل يومئذ في مثل الحَرَجة (٦)
следующие страницы →