← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

صدقٌ وعقابَه (١) شديد، وإنما أنا وأنتم باللَّهِ الحيِّ القيوم، إليه ألجأْنا ظهورَنا، وبه اعتصَمْنا، وعليه توكَّلنا، وإليه المصير، يغفر اللَّه لي وللمسلمين". ورأى رسول اللَّه ﷺ قريشًا تصوِّب (٢) في الوادي، وكان أولُ مَن طلَع زَمْعةَ بنَ الأسود على فرسٍ له يتبعُه ابنُه، فاستجال بفرسه يريد أن يتبوَّأ للقوم منزلًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهمَّ إنك أنزلتَ عليَّ الكتاب، وأمرتَني بالقتال، ووعدتَني إحدى الطائفتين، وأنت لا تُخلِف الميعاد، اللهمَّ وهذه قريش قد أقبلت بخُيَلائها وفخرها تجادِلُ وتكذِّب رسولَك، اللهم نصرَك الذي وعدْتَني، اللهم أَحِنْهم الغداة". ولمَّا نزل القوم أرسل رسول اللَّه ﷺ عمر بن الخطاب إلى قريش فقال ارجعوا فإنه أن (٣) يليَ هذا مني غيرُكم أحبُّ إليَّ مِن أن تَلُوه أنتم، وأَلِيَه من غيرِكم أحبُّ إليَّ من أن أليَه منكم، فقال حكيم بن حزام: قد عَرَض نَصَفًا فاقبلوه، واللَّه لا تُنْصَرونَ عليه بعدما عرَض من النَّصَف، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: واللَّه لا نرجع بعد أنْ أَمْكَنَ اللَّه منهم، ولا (٤) نطلبُ أثرأً بعد عينٍ، ولا يتعرَّض لعِيرنا بعد هذا أبدًا. فلمَّا تزاحَفَ الناس قال الأسوَدُ بن عبد الأسد المخزوميُّ (٥): أعاهد اللَّه لأشربنَّ من حوضهم أو لأهدمنَّه أو لأموتنَّ دونه، فشد حتى دنا من الحوض، فاستقبله حمزة ابن عبد المطَّلب فضربه فقطع قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض وهدمه برجله الصحيحة وشرب منه، واتَّبعه حمزة فضربه في الحوض حتى قتله.

стр. 3362

والمشركون ينظرون على صفوفهم وهم يرون أنهم ظاهرون، فدنا الناس بعضهم من بعض. وقال عكرمة: قال النبيُّ ﷺ : "إن تُطِعْ قريش صاحب الجمل الأحمر رشَدوا" يعني: عتبة، لأنه قال: يا معشر قريش، لا تقاتلوا هؤلاء، فإنكم إنْ فعلتُم لم يزلِ الرجلُ منكم ينظر في وجه قاتل أخيه وابنه وابن عمه، فإن (١) يكن محمد ملكًا أكلتُم في مُلك أخيكم، وإن يكن (٢) نبيًا كنتُم أسعد الناس به، وإن يكن كذَّابًا كفَتْكُموه العرب. فأبوا أن يطيعوه، فقال: أَنشُدُكم اللَّه في هذه الوجوه التي كأنها المصابيحُ أن تجعلوها كأنها وجوهُ الأفاعي، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: لقد انتفخَ سَحْرُك (٣)، فقال عتبة: يا مصفِّرَ اسْتِهِ (٤)، ستعلمُ أيَّنا الجبانُ اللئيم المفسِد لقومه، ثم قال لأخيه شيبةَ وابنهِ الوليدِ: انزلا، فخرج عتبةُ وشيبةُ والوليد حتى فصَلوا من الصفوف، ثم دعوا للمبارزة، فخرج إليهم فتيانٌ ثلاثة من الأنصار وهم بنو عفراء: معاذٌ ومعوِّذٌ وعوفٌ، فاستحيا رسول اللَّه ﷺ من ذلك وكرِه أن يكون أولُ قتال (٥) لقي فيه المسلمون المشركين في الأنصار، وأحبَّ أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافِّهم، وقال لهم خيرًا، ثم نادى منادي المشركين: يا محمد، أخرج لنا الأكفاءَ

стр. 3363

من قومنا، فقال رسول اللَّه ﷺ "قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقِّكم الذي بعث اللَّه به نبيَّكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور اللَّه" فقام حمزة بن عبد المطلب وعليُّ بن أبي طالب وعبيدةُ بن الحارثِ بنِ عبد المطلب بن عبد منافٍ، فمشَوا إليهم، فقال عتبة: تكلَّموا نَعْرفْكم، وكان عليهم البيضُ فأنكَروهم (١)، فقال حمزةُ: أنا حمزةُ بن عبد المطَّلب أسدُ اللَّه وأسدُ رسوله، فقال عتبة: كفؤٌ كريم، وأنا أسدُ الحلفاء، مَن هذان معك؛ فقال: عليُّ بن أبي طالب وعُبيدةُ بن الحارث، فقال: كفؤان كريمان، ثم قال عتبة لابنه الوليد: قُم يا وليد، فقام الوليد وقام إليه علي بن أبي طالب ﵁ وكان أصغرَ النفر، فاختلَفا ضربتين فقتله عليٌّ، ثم قام عتبةُ فقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين فقتله حمزة، ثم قام شيبة فقام إليه عبيدةُ بن الحارث وهو يومئذ أسنُّ أصحاب رسول اللَّه ﷺ ، فضرب شيبةُ رِجل عبيدة بذباب السيف فأصاب عضلةَ ساقه فقطعها، وكرَّ حمزة وعليّ على شيبةَ فقتلاه، واحتمَلا عبيدةَ فجاءا به إلى الصفِّ ومخُّ ساقه يسيل، فقال عبيدة: يا رسول اللَّه، ألستُ شهيدًا؟ قال: "بلى"، ونزلت فيهم هذه الآية: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الآية. وإن إبليس لعنه اللَّه تصوَّر بصورة سُراقة بن جُعْشُمٍ يخبرُ المشركين أنه لا غالبَ لكم (٢) اليوم من الناس، فلما أبصر عدوُّ اللَّه الملائكةَ نكَص على عقبيه وقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فتشبَّث به الحارث بن هشام وهو يَرى أنه سراقةُ لِمَا سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث فسقط، وانطلق إبليس لا يُرى حتى وقع في البحر، ورفع يديه وهو يقول: يا رب موعدَك الذي وعدْتَني. فأقبل أبو جهل لعنه اللَّه على أصحابه فحضَّهم على القتال، وقال: لا يغرنَّكم

стр. 3364

خذلانُ سراقةَ إياكم، فإنما كان على ميعادٍ من محمد وأصحابه، سيعلم إذا رجعنا إلى قومه (١) ما نصنع بقومه، ولا يهولنَّكم مقتلُ عتبةَ وشيبةَ والوليدِ فإنهم عَجِلوا وبَطِروا حين قاتلوا، وايمُ اللَّه لا نرجعُ اليوم حتى نفرِّق محمدًا وأصحابه في الجبال، فلا أُلْفيَنَّ (٢) أحدًا منكم قتلَ محمدًا (٣)، ولكنْ خذوهم أخذًا حتى نعرِّفهم (٤) بالذي صنعوا بمفارقتهم دينكم ورغبتِهم عما كان يَعبد (٥) آباؤهم. وكان فتيةٌ من قريشٍ سبعةٌ قد أسلَموا فاحتبَسهم آباؤهم، فخرجوا معهم إلى بدرٍ وهم على الارتياب، فلمَّا رأوا قلَّة أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ الآيات [الأنفال: ٤٩]. والتحم القتال ورسولُ اللَّه ﷺ رافعٌ يديه يسألُ اللَّه النصرَ وما وعَده، ويقول: "اللهم إنْ ظهر عليَّ هذه العصابةُ ظهر الشرك ولا يقومُ لك دِينٌ" وأبو بكر ﵁ يقول: واللَّه لينصرنَّك اللَّه يا رسول اللَّه، وليُبيِّضنَّ اللَّه وجهَك، فأنزل اللَّه تعالى ألفًا من الملائكة مردِفين. وكان سِيْما الملائكةِ عمائمَ قد أرخَوها بين أكتافهم خضرًا وحمرًا وصفرًا من نُورٍ، والصوفُ في نواصي خيلهم، وفي مغافرهم (٦) وقلانسهم، وكان الملَك يتصوَّر في صورةِ مَن يعرفون من الناس يثبِّتونهم ويقول: إني قد دنوتُ منهم فسمعتُهم

стр. 3365

يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] فأخذ رسول اللَّه ﷺ كفًّا من الحصباء (١) فرماهم بها وقال: "شاهتِ الوجوه، اللهمَّ أرعِبْ قلوبهم وزلزِلْ أقدامهم". فانهزم أعداء اللَّه لا يَلْوون على شيء، والمسلمون يقتلون ويأسرون، فأقبل عاصم بن عوف كأنه ذئبٌ فقال: يا معشر قريش، عليكم بالقاطِع مفرِّق الجماعات الآتي بما لا نعرف، محمد لا نجوتُ إن نجا، واعترضه أبو دجانة فاختلفا ضربات، وضربه أبو دجانة فقتله، فوقف على سلَبه يسلبه، فمرَّ به عمر وهو على تلك الحال فقال: دع سَلَبه حتى يُجهَض العدوُّ وأنا أشهدُ به لك. ولما رأت بنو مخزوم مقتَلَ مَن قُتل أجمعوا على أن يُلبسوا لأمة أبي جهل رجلًا منهم، فألبَسوها عبد اللَّه بن المنذر، فقصده عليٌّ فقتله وهو يراه أبا جهلٍ، فضربه فقتله وهو يقول له: خذها وأنا ابن عبد المطلب، ثم ألبَسوها أبا (٢) قيس بن الفاكه، فقصده حمزة وهو يراه أبا جهل فضربه فقتله حمزة وهو يقول له (٣): خذها وأنا ابن عبد المطلب، ثم ألبسوها آخرَ (٤) فقصده عليٌّ فقتله، وأبو جهل في أصحابه، ثم أرادوا أن يُلبسوها آخر (٥)، فأبى أن يلبسها يومئذ. فقال معاذ بن عمرو بن الجموح: نظرت إلى أبي جهل يومئذ في مثل الحَرَجة (٦)

стр. 3366

وهم يقولون: يا أبا الحكم لا يُخلَص إليك، فعرفتُ أنه هو، فقلتُ: واللَّه لأموتن دونه اليوم أو لأخلصنَّ إليه، فقصدتُه حتى إذا أَمْكنَتْني منه غرةٌ حملتُ عليه فضربتُه ضربةً طرحت رجلَه من الساق، فشبَّهتها بالنواة تنزو من تحت المراضخ (١)، ثم أقبل ابنه عكرمةُ عليَّ فضربني على عاتقي فطرح يدي من العاتق إلا أنه بقيت جلدتُها، فأنا أسحب يدي بجلدة من خلفي، فلما آذَتْني وضعتُ عليها رجلي فتمطَّيت عليها حتى قطعتُها. ورُوي أن النبي ﷺ نفَّل معاذَ بن عمرو سيفَ أبي جهل وهو عند آله اليومَ، بعد أن أرسل النبيُّ ﷺ إلى عكرمة فسأله: "مَن قتل أباك؟ " قال: الذي قطعتُ يده. ولما وضعتِ الحرب أوزارَها أمر النبيُّ ﷺ أن يُلتمس أبو جهلٍ لعنه اللَّه، قال ابن مسعود: فوجدتُه في آخرِ رَمَقٍ، فوضعت رجلي على عنقه فقلتُ: الحمد للَّه الذي أخزاك، فقال: إنما أَخزى اللَّه عبدَ بنَ أمِّ عبدٍ، لقد ارتقيتَ مُرتَقًا صعبًا يا رويعيَّ الغنم، لمن الدَّبرة (٢)؟ قلت: للَّه ولرسوله، فاقتلعت بيضته عن قفاه فقلتُ: إني قاتلك يا أبا جهل، قال: لستَ بأول عبد قتل سيده، أمَا إن أشدَّ شيء لقيتُه اليومَ في نفسي لقتلُك إياي، فضربه عبد اللَّه ضربة فوقع رأسه بين يديه، ثم سلبه، فنظر إلى خصره كأنها السياط، وأقبل بسلاحه ودرعه وبيضته فوضعها بين يدي رسول اللَّه ﷺ فقال: أبشر يا نبيَّ اللَّه بقتل عدوِّ اللَّه أبي جهل، فقال النبيُّ ﷺ : "أحقًا يا عبد اللَّه فوالذي نفسي بيده لهو أحبُّ إليَّ من حُمر النَّعم"، وذكرتُ ما به من الآثار فقال: "ذلك ضربُ الملائكة"، وقال: "إنه أصابه جحشٌ (٣) من دفعةٍ دفعتُه في مأدبةِ ابن جدعان

стр. 3367

فجُحِشت (١) ركبتُه"، فالتمَسوه فوجدوا ذلك الأثرَ، فقال النبيُّ ﷺ : "اللهمَّ قد أنجزْتَ ما وعدْتَني فتمِّم عليَّ نعمتَك"، وقال: "اللهم اكفِني نوفلَ بن خُويلد". وأقبل نوفلٌ يومئذٍ وهو مرعوبٌ قد رأى أصحابه قتلى، وكان (٢) أولَ ما التقوا يصيح بصوت له زجل: يا معشر قريش، اليومَ يومُ العلا والرِّفعة، فلما رأى قريشًا قد انكشفت جعل يصيح بالأنصار: ما حاجتُكم إلى دمائنا؟ ألَا (٣) ترون مَن تقتلون؟ أمَا لكم في اللِّين من حاجة؟ فأسره جبَّار بن صخرٍ، وكان (٤) يسوقه أمامه، وأقبل عليٌّ ﵁ فقتله، فأُخبر النبيُّ ﷺ بذلك، فكبَّر وقال: "الحمدُ للَّه الذي أجاب دعوتي فيه". وأقبل العاص بن سعيد يحثُّ للقتال، فالتقى هو وعليٌّ فقتله عليٌّ. وقال عكاشةُ بن مِحْصَنٍ: انقطع سيفي فأعطاني النبيُّ ﷺ عودًا، فإذا هو سيف أبيضُ، فقاتلتُ به حتى هزَم اللَّه تعالى المشركين، فلم يزل عنده حتى مات. وبينما حارثةُ بن سُراقةَ ﵁ كارعًا في الحوض إذ أتاه سهمٌ غَرْبٌ (٥) فوقع في نحره، فلقد شرب آخر النهار من دمه، فبلغ أمَّه وأخته وهما بالمدينة مقتلُه، فقالت أمه: واللَّه لا أبكي عليه حتى يَقدَم رسول اللَّه ﷺ فأسألَه، فإن كان (٦) ابني في

стр. 3368

الجنة لم أبكِ عليه، وإن كان في النار بكيتُ عليه (١)، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ جاءت وسألت فقالت: يا رسول اللَّه، قد عرفتَ موقع (٢) حارثة من قلبي (٣)، فأردتُ أن أبكيَ عليه ثم قلتُ: لا أفعل حتى أسأل رسول اللَّه ﷺ ، فإن كان في الجنة لم أَبْكِ عليه، وإن كان في النار بكيتُه، فقال ﷺ : "أوَجنَّةٌ واحدة، إنها جنانٌ كثيرة، والذي نفسي بيده إنه لفي الفردوس الأعلى" (٤)، فقالت: لا أبكي عليه أبدًا، ودعا رسول اللَّه ﷺ بإناءٍ من (٥) ماء، فغمس يده فيه ومصمض فاه، ثم ناول أمَّ حارثة (٦) وأختَه فشربتا منه (٧)، ثم أمرهما أن ينضحا في جيوبهما ففعلتا، فرجعتا وما بالمدينة امرأتان أقرَّ عينًا ولا أسرَّ منهما. ولما جُمعت الغنائم اختلفوا فيها على ما مرَّ في أول السورة، ونزل ما قلنا، وأخذ عليٌّ ﵁ درعَ الوليد ومغْفرَه، وأخذ حمزة ﵁ سلاح عتبةَ، وأخذ عبيدةُ بن الحارث ﵁ درعَ شيبة بنِ ربيعة حتى دُفعت إلى ورثته. وكانت في الغنائم إبلٌ وأنطاعٌ وثياب فقسَّمها بينهم، فجعل يصيب (٨) الرجل البعيرَ ورحلَه معه، وآخرَ بعيران، وآخر أنطاعٌ، وكانت السُّهمان ثلاثَ مئة وسبعةَ

стр. 3369

عشر سهمًا، والرجالُ ثلاثَ مئة وثلاثةَ عشر رجلًا، والخيلُ فرَسان، للراجل سهم وللفارس سهمان. وكانت إبل الغنيمة (١) مئةً وخمسين بعيرًا، وأدَمٌ كثيرٌ حملوه للتجارة فغنِموها، وكان فيما أصابوا قطيفةً حمراءَ، ففقدوها فقالوا: لعل رسول اللَّه ﷺ أخذها، فنزل: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية. وكان غَنِم رسول اللَّه ﷺ جملَ أبي جهل، فلم يزَلْ عنده يَضرب في إبله ويغزو عليه حتى ساقه في هدي الحديبية، فسأله يومئذ المشركون الجملَ بمئة بعير، فقال: "لولا أنا (٢) سمَّيناه في الهدي لفعلْنا". وأخذ أيضًا ذا الفَقَار صَفيًّا لنفسه، وكان لمُنبِّه بن الحجَّاج. ولما أُسر سهيل بن عمرو قال عمر: يا رسول اللَّه، انزِعْ ثنيتيه (٣) فلا يقومَ عليك خطيبًا أبدًا، فقال: "لا أمثِّله (٤)، ولعله يقوم مقامًا لا تكرهه" فقام سهيلُ حين جاءه وفاةُ رسول اللَّه ﷺ (٥) بخطبةِ أبي بكر ﵁ بمكة كأنه كان سمعها، فقال عمر حين بلغه كلام سهيل: أشهد أنك رسول اللَّه، يريد حيث قال: "لعله يقوم مقامًا لا تكرهه". وأمر بالقُلُب أن تغوَّر (٦)، ثم أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلُّهم إلا أميةَ بنَ خلف فإنه كان سمينًا انتفخ من يومه وتزايلَ لحمه حين جرُّوه، فقال: "اتركوه"، ونظر إلى

стр. 3370

عتبةَ يُجرُّ، وكان جسيمًا (١) جميلًا في وجهه أثر الجدري، ورأى وجه ابنه أبي حذيفة تغيَر، فقال: "يا أبا حذيفةَ، كأنك ساءكَ ما أصاب أباك" فقال: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ولكني رأيتُ لأبي عقلًا وشرفًا كنتُ أرجو أن يهديَه اللَّه تعالى للإسلام. وقال ﷺ : "الحمد الذي جعل حدَّ (٢) أبي جهلٍ الأسفلَ، فصرعه وشفانا منه". ولما توافَوا في القليب وقف عليهم وناداهم: "يا عتبةَ بنَ ربيعةَ ويا شيبةَ بنَ ربيعةَ ويا أميةَ بنَ خلفٍ ويا أبا جهل بنَ هشام، هل وجدتُم ما وعدكم (٣) ربُّكم حقًّا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا، بئس القومُ كنتُم لنبيِّكم، كذَّبتموني وصدَّقني الناس، وأخرجتُموني وآواني الناس، وقاتلتُموني ونصرني الناس" قالوا: يا رسول اللَّه تنادي قومًا قد ماتوا؟! فقال رسول اللَّه ﷺ : "قد وجدوا ما وعدهم ربهم حقًّا" (٤). ولما صلَّى العصر بعد انهزام المشركين وصلَّى ركعة تبسَّم، فلما سلَّم سئل عنه فقال: "مر بي ميكائيلُ وعلى جناحه النَّقْع وتبسَّم إليَّ وقال: إني كنت في طلب القوم". وأتاه جبريل على فرسٍ أنثى قد عصَم ثنيَّتَه الغبارُ وقال: إن ربِّي بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى، هل رضيتَ؟ فقال ﵊: "نعم". وأمر النبي ﷺ عاصم بن ثابت أن يضربَ عنقَ عقبة بن أبي مُعيط، فجعل

стр. 3371

يصيح على ماذا (١) أقتل؟ فقال ﵊: "لعداوتك للَّه ولرسوله" فقال: مَن للصِّبْية؟! قال: "النار، قدِّمْه يا عاصمُ فاضْرِبْ عنقَه" فقدَّمه فضرب عنقه، فقال ﷺ : "بئس الرجلُ كنتَ، واللَّه ما علمتُ كافرًا باللَّه ورسوله وكتابه مؤذِيًا لنبيِّه أسوأَ منك، فأحمدُ اللَّه الذي قتَلك وأقرَّ عيني منك". وقدِم رسول اللَّه ﷺ المدينةَ، فقدِم بالأسرى وأمُّ سلمة قيل لها: أُتي بالأسرى، فقالت: يا رسول اللَّه، إن بني عمِّي طلبوا منِّي (٢) أن يُدْخَلَ بهم عليَّ فأُضيِّفَهم وأدهنَ رؤوسَهم وأَلُمَّ من شعَثهم، ولم أحبَّ أن أفعلَ ذلك حتى استأمرَك، فقال ﷺ : "لستُ أكرهُ شيئًا من ذلك، فافعلي من ذلك ما بدا لك". وبلغ النجاشيَّ مقتلُ قريشٍ ببدرٍ وما أظفر اللَّهُ به نبيَّه، فخرج في ثوبين أبيضين (٣)، ثم جلس على الأرض، ثم دعا جعفر بن أبي طالب وأصحابه فقال: أيُّكم يعرف بدرًا؟ فأخبروه، فقال النجاشي: أنا بها عارفٌ، قد رعيتُ الغنمَ في جوانبها، ولكن أردتُ أن أتثبَّت منكم، قد نصر اللَّه تعالى رسوله ببدرٍ فاحمَدوا اللَّه على ذلك، فقالت بطارقتُه: أصلح اللَّه الملكَ! إن هذا شيءٌ لم تكن تصنعُه، تلبس ثوبين وتجلس على الأرض؛ فقال: إني من قوم إذا أحدثَ اللَّه لهم نعمةٌ ازدادوا لها (٤) تواضُعًا، و [يقال: إنه] قال: إن عيسى ﵇ كان إذا حدَثت له نعمةٌ ازداد لها تواضعًا. ومشت نساءُ قريش إلى هندٍ بنت عُتبة فقلنَ: ألا تبكِينَ على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك؟ فقالت: أأبكي فيَشمت بنا محمدٌ وأصحابه ونساءُ بني الخزرج،

стр. 3372

لا واللَّه حتى أثأر (١) محمدًا وأصحابه، فلم تمسَّ دهنًا ولم تقرَب فراش أبي سفيان حتى كانت وقعة أحد (٢). * * * (٧) - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾: أصل (إحدى): وِحْدَى، قُلب واوُه همزةً لوقوعها طرفًا، والأصل في أحدٍ: وَحَدٌ على هذا، والطائفتان: الجماعتان، وهما عيرُ قريش تَغنمونها أو الجيشُ تقتلونهم. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: أي: تحبُّون بالطباع الطائفةَ غيرَ ذاتِ الشوكة، وهي السلاحُ، ورجلٌ شاكِي السلاح؛ أي: تامُّه، وأصله (٣) الحدَّةُ، مأخوذة من الشوكة المعروفة، وهي التي تَنبُت في المفازة، وأراد بهذه الطائفة العيرَ، وإنما كان كذلك لخروجهم من غير عِدَّةٍ فخافوا الطائفةَ ذاتَ الشوكة. وقوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: يُظهِر الدِّينَ الحقَّ بمواعيده في نصرته ونصرةِ أهله. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: يستأصلَهم، ودابرُ القوم: آخرُهم والآتي بعدهم، وقد دَبَرهم يَدْبُرهم -من حدِّ دخَل-؛ أي: أتى بعدهم، وإذا قطعَ آخرَهم لم يبقَ منهم أحدٌ. وقيل: هو قطعُ المدد عنهم.

стр. 3373

(٨) - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾: أي: يأمرُهم (١) بالقتال ليُحقَّ الحقَّ؛ أي: هذا مضمَر. ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾: عطف عليه، ومعناه: ليُظهر حقِّيَّة (٢) الحقِّ وبطلانَ الباطل. وقيل: أي: ليُثبت الحقَّ ويزيلَ الباطل. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾: قال الكلبي: أي: كفار مكة. وقال الحسن: نزلت هذه الآية قبل قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ الآية وهي في القراءة بعدها (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: أبى اللَّه تعالى أن يصلَ أحدٌ إلى جلائلِ النِّعم إلا بتجرُّع كاسات الشدائد، والانسلاخِ عن مألوفِ الحظوظ والفوائد، وإذا أراد اللَّه تخصيص عبدٍ بولايته قضى لطوارق نفسه بالأفول، وحكم لغصن شهواته بالذُّبول، وأبى لطوالع الحقائق إلا إشراقَها، ولجوامع (٤) الموانع إلا امتحاقها (٥). * * * (٩) - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾: أي: واذكروا إذ كنتم تَستصرِخون ربَّكم وتسألونه تفريجَ ما بكم من الخوف عند التيقُّن بوقوع القتال ولا عُدَّةَ لكم، وتدعونه أن ينصركم عليهم.

стр. 3374

ثم معنى الاستغاثة -مع سبقِ الوعد بإحدى الطائفتين، وكذا الكراهة الطبيعيَّة الشديدة حتى شبِّهت بالسَّوق إلى الموت- ما ذكره الإمام أبو منصورٍ ﵀: أن الآية تحتمل وجوهًا: أحدها: أن اللَّه وعد نبيَّه ﵊، وهو لم يبيِّن لهم بعدُ. والثاني: أنه يبيِّن لهم لكن لم يعرفوا وقته، فلم يأمَنوهم للحال (١). والثالث: أنهم علموا ذلك بالوعد، لكن هذا كراهةُ طبعٍ لا تخلو النفسُ عنه مع تيقُّن القلب بالوعد. والرابع: أن يكون النصر موعودًا لهم بالتضرع والاستغاثة، فكان خوفهم من التقصير في ذلك الشرط. والخامس: أنه محنةٌ امتحنهم اللَّه تعالى بها ليثابوا عليها؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٥] (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾: قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر بفتح الدال، وقرأ (٣) الباقون بكسرها (٤). وقد ردِفه؛ أي: جاء بعده، وأَردفه (٥) غيرُه، وقد يجيءُ أردف بمعنى رَدِف لازمًا، قال الشاعر: إذا الجوزاءُ أَرْدَفتِ الثُّريَّا... ظننتُ بآلِ فاطمةَ الظُّنونا (٦)

стр. 3375

ثم تفسيره هاهنا: قال ابن عباس ﵄: ﴿مُرْدِفِينَ﴾؛ أي: مردِفٌ كلُّ ملَكٍ ملكًا (١)، فعلى هذا هم ألفان. وقال قتادة والسُّدِّي: متتابِعين (٢). وقال مجاهد: أي: مُمِدِّين للمؤمنين (٣). وقيل: لاحِقِين المشركين في انهزامهم، وقد مر وجه الجمع بين ذكر الأَلْف في هذه الآيةِ، وثلاثةِ آلافٍ في قوله تعالى: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤]، وخمسةِ آلاف في قوله: ﴿بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، في آل عمران في هذه الآية. * * * (١٠) - ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾: ولم يجعل اللَّه إمدادَكم بالملائكة إلا بشارةً لكم وطمأنينةً لقلوبكم. ثم قوله: ﴿بُشْرَى﴾ اسمٌ، وقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ فعلٌ، والتقدير: إلا بشرى لكم وطمأنينةً لقلوبكم، أو: إلا ليبشِّركم ولتطمئنَّ به قلوبكم، فيُجعلان فعلين أو مصدرين ليتَّفِقا.

стр. 3376

وقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي: ليس ذلك بالملائكة بأنفسهم. وقولُ مَن قال: إن الملائكة لم يقاتلوا يومئذ وإنما نزلوا تسكينًا للقلوب، ليس يستقيم، فقد قال نصًّا (١): ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] وكذا ما ذَكر الصحابة في رؤيتهم ضاربينَ لم يعرفوهم، وقولُ المشركين: ما قهرتمونا وإنما قهرَنا قومٌ لا نراهم الآن. وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾: أي: منيعٌ لا يغالَب ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله وأقواله (٢)، ينصر أولياءه ويَقهر أعداءه. وقال القشيري ﵀: بشَّرهم بالإمداد بالملَك، ثم (٣) رقَّاهم عن هذه الحالة بإشهادهم العونَ (٤) من الملك، فلم يقرِّرهم إلى المساكنة إلى الإمداد، وقرَّر عندهم أن النصر من عنده والإنجاد، ثم قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ أي: النجاةُ من البلاء حاصلة، وفنون اللطائف متواصلة، والدعواتُ مسموعة والإجابةُ [غير] ممنوعة، ولكن اللَّه تعالى عزيزٌ، والطالب واجدٌ لكن لعطائه، والراغب واصلٌ لكن إلى مَبَارِّه، والسبيل سهلٌ لكن إلى وجدان لطفه، فأما الحقُّ فهو عزيز وراء كلِّ فصل ووصل وقرب وبعد، وما وصل أحدٌ إلا إلى نصيبه، ولا بقي أحدٌ إلا عن حظِّه، وأنشدوا: وقلنَ لنا نحن الأهلةُ إنما... نُضيء لمن يسري بليلٍ ولا نَقْرِي فلا بذلَ إلا ما تزوَّد ناظرٌ... ولا وصلَ إلا بالخيالِ الذي يسري (٥)

стр. 3377

(١١) - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ قرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بضم الياء وتشديد الشين ونصبِ سينِ ﴿النُّعَاسَ﴾ من التغشية وهي تعديةُ الغِشْيان. وقرأ نافع بضم الياء وتخفيف الشين من الإغشاء، وهو للتعدية أيضًا، ولذلك نصَب هو ﴿النُّعَاسَ﴾ أيضًا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿يغشاكم﴾ بفتح الياء والتخفيف وضمِّ سِين ﴿النعاسُ﴾ (١) من الغِشْيان وهو لازمٌ (٢)، و ﴿النعاسُ﴾ فاعل. والنعاس: ابتداءُ حال النوم قبل الاستثقال، يقول: فاطمأنَنْتُم إذا أتاكم النومُ وغطَّى عيونكم، فأَمِنْتُم تلك الليلةَ مع علمكم بقتال العدو. وقوله تعالى: ﴿أَمَنَةً مِنْهُ﴾: أي: أمانًا (٣) من اللَّه تعالى مما (٤) خفتُم. وقال ابن مسعود ﵁: النعاسُ في القتال أمنةٌ من اللَّه، وهو في الصلاة من الشيطان (٥).

стр. 3378

وقال الكلبي: ونزل النبيُّ ﷺ والمسلمون على غيرِ ماءٍ بجانب الوادي الأدنى، ونزل المشركون بجانبه الأقصى على الماء، والوادي بينهما ذو رملٍ تغيب فيه الأقدام، ثم باتوا ليلتهم تلك وناموا، ثم استيقظوا وقد أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان عند ذلك فوسوس إليهم وقال: تزعمون أنكم على دِين اللَّه وإنكم تصلُّون محدِثين مجنِبين والمشركون على الماء، فأمطر اللَّه تعالى السماء على الوادي حتى سال الماء فيه واشتد الرمل، فاغتسل المسلمون وتوضؤوا وشربوا وسَقوا دوابَّهم، وبنوا على عُدوته حياضًا، فنزل: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾؛ أي: من الحدث والجنابة ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾؛ أي: وسوستَه، وحقيقة اللفظ: إيذاءه وتعذيبَه، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، إلى قوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ إلى قوله: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، هو الإيذاء والتعذيب. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾: أي: يشدِّدَها ويقوِّيَها بالسكون، وحسنِ الظنِّ، وزوالِ الاضطراب والارتياب. وقوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾: أي: في مواقف الالتقاء للقتال. وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وجماعة من المفسرين؛ أي: لبد الأرض بالماء فصارت الأقدام تثبت فيها (٢). * * *

стр. 3379

(١٢) - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾: أي: كان غشيانُ النعاس وما بعده حين يُوحي اللَّه تعالى إلى الملائكة أني حافظُكم وناصرُكم ومُعِينكم. وقوله تعالى: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي: احملوهم على الثبات بحسنِ الكلام، وكانوا يفعلون كذلك على ما كَتبنا في القصة: سمعتهم يقولون: لو حملوا علينا لانصرفنا. وقال مقاتل: كان الملَك يمشي أمام الصف (١) في صورة الرجل ويقول: أبشروا فإنكم كثيرٌ وعدوُّكم قليل، واللَّهُ ناصرُكم، ويَرى الناسُ أنه منهم. وقوله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: أي: ثبِّتوا أنتم بالكلام قلوبَ المؤمنين، وأنا أخوِّف قلوبَ المشركين. والرعب: الخوف الذي يقطع القلب، من ترعيب السَّنام: وهو تقطيعُه، والذي يملأ القلب أيضًا، من قولهم: رَعَب السيلُ الواديَ: إذا ملأه. وقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾: جمع بَنَانةٍ، قال السدِّي والضَّحاك وابن جُريجٍ: هي أطراف اليدين والرجلين (٢)، ومعناه: أنه أمَر الملائكة بأن يقتلوهم أو (٣) يخرجوهم على وجهٍ لا يمتنعون على مَن قَصَد أسرهم. وقال الزجاج: أباح اللَّه تعالى قتلَهم بكلِّ نوعٍ يكون في الحرب (٤).

стр. 3380

وقال المبرِّد: فوق العنق (١) هو العنق وهو كقولك رأيت نفس زيد هو زيد. وقال قطربٌ: هو ما فوق العنق، وهو الرأس. وقال ابن عباس ﵄: أي: اضربوا الأعناقَ فما فوقَها (٢)، كما (٣) قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: اثنتين فما فوقهما. وقال يمان بن رئابٍ: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾؛ أي (٤): الصناديدَ، كما قال تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾؛ أي: السِّفْلة (٥). * * * (١٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: ذلك الذي تقدَّم ذكرُه من الضرب فوق الأعناق وضربِ كلّ بنانٍ بأنهم (٦) خالَفوا وعادَوا اللَّهَ ورسوله. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي: هذا حُكمي على العموم في حقِّ مَن خالفني وعاداني، وأنا شديد العقاب. * * *

стр. 3381

(١٤) - ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾: أي: قاسُوا ذلك، مفعولٌ مقدَّمٌ في الذكر. وقيل: أي: ذلكم حكمُ اللَّه، أو: ذلكم عذابُ اللَّه فذوقوه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾: أي: هذا الذي أعددْتُ لكم في الدنيا من القتل والجرح والأسر على أيدي أوليائي، ثم لكم في الآخرة مع سائر الكفار عذابُ النار الذي لا ينقطع. ثم عطَفَ بالواو الخبرَ على الأمر -ولا يتفقان- لأن هذا الأمرَ في معنى الخبر؛ أي: تذوقونه. وقال الإمام القشيري ﵀: ذلكم العذابُ فذوقوه معجَّلًا، واعلموا أن للكافرين عذابَ النار مؤجَّلًا، فللعصيان عقوبتان: معجَّلٌ بنَقد، ومؤجَّلٌ بوَعد (١). * * * (١٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. وقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾: أي: إذا وقع الالتقاءُ مع الكفار في حين المزاحَفة، وهي إذا سوِّيت (٢) الصفوفُ، وزحف بعضهم إلى بعض؛ أي: سار سيرًا ثقيلًا يدنو به قليلًا قليلًا على زحمةٍ من الجانبين. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾: أي: فلا تجعلوا أدباركم تلي أعداءكم (٣) وذاك يكون بتحويل الوجوه عنهم، وهو كنايةٌ عن الانهزام.

стр. 3382

وقوله: ﴿زَحْفًا﴾ مصدرٌ بمعنى النعت، وهو للجمع، ونصبه على الحال، وتقديره: متزاحفِينَ. * * * (١٦) - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾: أي: ومَن ارتكَبَ هذا النهيَ حينئذٍ، واليوم: اسم لبياض النهار إذا أُطلق، فإذا قُرن به فعلٌ لا يمتدُّ يراد به مُطلَق الوقت، فصار قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بمنزلة قوله: حينئذٍ. والتولية تتعدَّى إلى مفعولين. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾: أي: مائلًا، يقال: تحرَّف وانحرف؛ أي: مال إلى جانبٍ، والحرف: الجانب؛ أي: ينتقلُ من مكانٍ إلى مكانٍ آخر (١) للقتال أيضًا. وقال السدِّي: هو الاستطراد يريد العودةَ (٢)؛ أي: يطردُ فرسَه يطلبُ موضعَ إصابة للعدو. وقوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾: أي: منضمًّا إلى جماعة، يعني: إذا كثُر العدوُّ ولم يكن له بهم طاقةٌ، فانصرف إلى إمامه أو إلى جماعةٍ منهم يمتنعُ بهم ثم يقاتل هو وهم العدوَّ، لم يكن من أهل الوعيد. والتحيُّز: تَفَيْعُلٌ (٣)، ولو كان تَفَعُّلًا لكان: تحوُّزًا بالواو؛ لأن أصله الواو، ويقال:

стр. 3383

حاز الشيءَ؛ أي: ضمَّه وجمَعه، والحيِّز: مجتمَعُ القوم، فَيْعِلٌ من الحَوْز، ولذلك صارت ياؤه مشدَّدةً، كما في: الجيِّد والسيِّد. والتحيُّز: الانضمام إليهم والدخولُ في جملتهم، وهو تفعيل من الحيز (١). والفئة: الجماعة المنقطعة عن غيرها، من الفَأْو: وهو قطع الرأس بالسيف. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: اي: استوجبه ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: المسكنُ والملجأُ؛ أي: لا ملجأ له إلا النار وبئسَ الملجأُ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان هذا الوعيدُ مع كثرة الكفار وقلَّة المؤمنين في الابتداء، حيث كان يجب للعشرين أن يصبروا للمئتين، وللمئة أن يصبروا للألْف، ثم خفَّف اللَّه تعالى ذلك، فكان الجهادُ يومئذ لبذل الأنفس (٢) للهلاك، فيجوز أن يكون ذلك مشروعًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، فجاز الأمر به امتحانًا، وليس في وسع الواحد القيامُ لعشرة إذا أحاطوا به، ثم خفِّف ذلك وصار لا يجوز للواحد أن يولِّي عن اثنين، فأما في هذه الآية فهو على العموم، وكان في الابتداء كان الأمر (٣) بالقتال لبذل النفس للهلاك على ما قلنا. ويحتمِل أن اللَّه تعالى أمر بذلك ليكون آيةً، ويعرفَ كلُّ واحدٍ (٤) أنه إنما قام باللَّه تعالى لا بقوَّة نفسه (٥). * * *

стр. 3384

(١٧) - ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾: ووجه الفاء والوصلِ بها: فلا تولُّوهم الأدبار شكرًا لِمَا أنعم اللَّه عليكم من إظفاركم عليهم، فإنكم لم تقتلوهم ولكن اللَّه قتلهم. قال مجاهد: كان يقول كلُّ إنسان: أنا قَتلتُ فلانًا، أنا قتلتُ فلانًا (١)، فنزلت الآية صيانةً لهم عن الإعجاب، وتنبيهًا لهم أن اللَّه هو الذي هيَّأ (٢) لهم هذه الأسبابَ، وكذا قولُه في خطاب نبيِّه ﷺ : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾: قال عكرمة: رمى رسول اللَّه ﷺ كفًّا من ترابٍ إليهم، فما وقع منها شيءٌ إلا في عين رجل (٣). وقال محمد بن كعب القُرَظيُّ: انهزموا بتلك الرمية. وقال قتادة: أخذ ثلاثةَ أحجار، فرمى بها وجوهَ الكفار فانهزموا (٤) عند الثالثة. وقال عبد الرحمن بن زيد: أخذ ثلاثَ حصيات، فرمى بحصاةٍ في مَيمَنة القوم، وحصاةٍ في ميسَرتهم، وحصاةٍ بين أظهُرهم، ثم قال: "شاهتِ الوجوهُ" فانهزموا (٥).

стр. 3385

ثم ليس في الآية نفيُ وجود الفعل من العبد كما توهَّمتِ (١) الجبرية، بل أثبت اللَّه تعالى الرميَ فعلًا لنبيِّه ﷺ في الآية إذ قال: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، وأثبت القتلَ من المجاهدين في آيات، منها قوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]، لكن معناه: إنكم ما أمتُّم وما أَفتُّم الحياة، وما أزهقتُم الأرواحَ، بل اللَّهُ تعالى فعَل ذلك، وإنما جَرَحتُم وقطعتُم وطعنتُم، وهي مباشرةُ أفعالٍ من العباد يسمَّون بها قاتلين؛ لزهوقِ الروح عقيبَها بإزهاق اللَّهِ تعالى. وكذا قوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾؛ أي: ما بَلَّغْتَ ذلك (٢) إلى حيث بَلَغ، بل اللَّه تعالى بلَّغه ذلك. وفائدته: قطعُ دعواها، والإعجابِ بها، والنظرِ إليها، والاعتمادِ عليها، والتفاخُرِ بها، وإثباتُ النظر إلى إنعامِ اللَّه تعالى بها. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمل ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾: لم تكن جراحاتكم بحيث يغلبُ (٣) عقيبها خروجُ الروح، ولكن اللَّه تعالى جعلها قاتلةً مع أنها لم تكن مصيبةً للمَقتل. ويحتمِل: فلَمْ تطمَعوا بخروجكم إليهم قدرتَكم على قتلهم، لكنَّ اللَّه تعالى بلَّغ ذلك، وكذا الرميُ، لا يطمع إنسان يرمي كفًّا من ترابٍ النكبةَ بكلِّ أعدائه. ويحتمل: ما قتلتُم بانفرادكم بل بمعونتي، كما تقول: ما أنت فعلتَ ذلك ولكنْ فعَله فلان؛ أي: بمعونته فعلتَ أنت ذلك.

стр. 3386

ويحتمِل أنه جعَل قَتْلَهم قَتْلًا من نفسه، ورميَ النبيِّ ﷺ رميًا من عند (١) نفسه؛ تشريفًا لأفعالهم بإضافتها إلى نفسه؛ لوقوعها له على الخلوص منهم في ابتغاء وجهه (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾: أي: وفعل ذلك ليُنْعِمَ على المؤمنين إنعامًا حسنًا بذلك، هذا مضمر. وقيل: الإضمار في آخره: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أمرهم بالقتال. والبلاء يقع على النعمة وعلى (٣) المحنة؛ لأن أصله الاختبارُ، وذلك يقع بالمحنة لإظهار الصبر، وبالنعمة لإظهار الشكر. والاختبارُ من اللَّه تعالى: إظهارُ ما عَلِم كما عَلِم، لا تحصيلُ علمِ ما لا (٤) يَعلم. وقيل: البلاء الحسنُ: توفيق الشكر في النعمة، وتحقيقُ الصبر في المحنة. وقال الإمام القشيري ﵀: يَحْسُن البلاء لأنه من اللَّه تعالى، ويَطيب لأنه في اللَّه. قال: وحسنُ البلاء هو أن تَشهد المُبْليَ في عين البلاء. قال: وقيل: البلاء الحسَن: ما لا دعوى فيه لصاحبه إن كان محبوبًا، ولا شكوى إن كان مكروهًا. قال: ويقال: البلاءُ الحسن: ما لا ضجَر فيه إن كان عُسرًا، ولا بطَر فيه إن كان يُسرًا.

стр. 3387

قال: وقيل: بلاءُ كلِّ أحدٍ على حسَب حاله، فأصفاهم ولاءً أوفاهم بلاءً، قال ﷺ : "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثلُ فالأمثل" (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: لدعواتكم ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: بحاجاتكم (٢)، ينصرف إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾. وقال الإمام القشيري ﵀: هذا ترويحٌ لقومٍ وتبريحٌ لقومٍ، ترويحٌ للضعيف اللهيف؛ أي: أسمعُ أنينَك وأعلمُ حنينَك (٣)، وتبريحٌ للعارف العاكف؛ أي: أسمع قالتَك (٤) وأعلم حالتَك، فاسكت واثبُت (٥). * * * (١٨) - ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾: قيل: أي: اعلموا ذلكم، وقيل: أي: اشكروا ذلكم. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ معطوفٌ على ﴿ذَلِكُمْ﴾ بما ذكرنا من الفعلين. و ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ قرأ ابن عامرٍ وحمزةُ والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر مخفَّفًا ومنوَّنًا (٦) ونصبوا ﴿كيدَ﴾.

стр. 3388

وقرأ ابنُ كثير ونافع وأبو عمرٍو مشدَّدًا منوَّنًا. وروى حفصٌ عن عاصم مخفَّفًا مضافًا (١)، والمخفَّف من الإيهان، والمشدَّد من التَّوهين، وكلاهما تعديةُ الوَهْن وهو الضعفُ، والإضافة للحال، والتنوينُ للإخبار عن الاستقبال. وإيهانُ كيدهم بأمور؛ منها: الإطْلاعُ على عوراتهم، ومنها: إبطالُ حيَلهم، ومنها: إلقاءُ الرعب في قلوبهم، ومنها: تفريقُ كلمتهم، ومنها: نقضُ ما أَبرموا من عزائمهم. * * * (١٩) - ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾: أي: إن تستنصِروا فقد جاءكم النصر. وقيل: إن تستكشِفوا فقد جاءكم الكشف. وقيل: إن تستقضُوا فقد جاءكم القضاءُ. ونزولُه في أبي جهل لعنَه اللَّه، فإنه قال: اللهم اقضِ بيننا وبين محمد، وانصُرْ أحبَّ الدِّيْنَينِ إليك، وأهلِكْ أقطَعَنا للرَّحِم وآتانا بما لا نَعرف (٢)، قال ذلك يوم بدر.

стр. 3389

وفي رواية: قال: اللهمَّ أَهِنْ أفجرَنا وأقطعَنا للرَّحِم (١). وقال السدِّي: لمَّا أرادوا الخروج إلى بدرٍ أخذوا بأستارِ الكعبة وقالوا (٢): اللهمَّ انصرْ أعزَّ (٣) الحزبين عليك، فنزلت الآية: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (٤)؛ أي: إن تستنصِروا أحبَّ الدِّينين فقد جاء نصر الإسلام، وإن تستكشفوا فقد تمَّ الكشف والإعلام، وإن تستَقْضُوا فقد ظهر الحكمُ بحقيَّة (٥) محمد ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: عن الكفر، فهو خيرٌ لكم في الدارين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾: قيل: وإن تعودوا إلى الكفر والتكذيب نَعُدْ إلى الانتقام والتعذيب. وقال ابن عباس ﵄: وإن تعودوا لقتالِ محمدٍ نَعُدْ عليكم بالقتل والأخذِ والأسرِ كما في يوم بدر (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا﴾: أي: لن تنفعَكم جماعتُكم وكثرتُكم شيئًا ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ في العدد.

стр. 3390

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: في النصر لهم. وقال عبد الرحمن بن زيد: استفتحوا بالعذاب فعذِّبوا يوم بدر، وكان استفتاحهم بمكة: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فجاءهم العذاب يوم بدر (١). * * * (٢٠) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: دعا في الآية الأولى الكفارَ إلى الإيمان، ودعا في هذه الآية المؤمنين عامةً إلى ما يُبقيهم على الإيمان، وهو طاعةُ اللَّه وطاعةُ رسوله. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾: أصله: ولا تتولَّوا عنه، فحُذفت إحدى التاءين (٢) تخفيفًا؛ أي: ولا تُعْرِضوا عنه، ولم يقل: عنهما؛ لأنَّه صرفه إلى الرسول خاصةً، لأن التولِّيَ عنه تولٍّ عن اللَّه (٣)، وهو كقوله في هذه السورة: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾: أي: أمره ونهيه. وقيل: تلاوتَه كتابَ اللَّه عليكم. وقيل: أي: تَقْبلون وتتأمَّلون ما يُورده عليكم؛ أي: هذه صفتكم فلا تعملوا بخلافِ ما تقتضيه حالتُكم. * * *

стр. 3391

(٢١) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾: أي: كالذين قالوا سمعنا القرآنَ وأمرَ اللَّه والرسول، ثم هم لا يَعلمون به كأنهم لم يكن لهم إسماع، أو لم يقعْ لهم سماعٌ. وقيل: أي: لم ينتفعوا بما سمعوا فكأنهم لم يسمعوا. وقيل: أي: وهم لا يقبَلون، وقد سمع فلانٌ كلامَ فلان؛ أي: قَبِله. وقيل: هذا (١) تحذيرٌ للمؤمنين أن يكونوا كاليهود والمشركين والمنافقين، فإن اليهود قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]، والمشركون قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٦]، وقالوا: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧]، وقال في حق المنافقين: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا﴾ [محمد: ٢١]؛ أي: لم يَصْدُقوا. * * * (٢٢) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾: هي جمعُ دابَّة، وهي كلُّ حيوانٍ دبَّ على وجه الأرض؛ أي: شرُّ الخَلقِ عند اللَّه منزلةً هم الذين لا ينتفِعون بما يسمعون ولا يعملون به، كأنهم صمٌّ بُكمٌ لا عقولَ لهم يتأمَّلون بها ما يسمعون.

стр. 3392

واختُلف في المرادِين به، والصحيح قولُ ابن عباس ﵄: أنهم مشركو قريش، فإن السورة في ذكرهم (١). وقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون (٢). وقيل: هم بنو عبد الدار قُتلوا بأحُدٍ، وهم: النَّضْر بن الحارث وابناه، والحارث بن علقمة، وطلحة بن عثمان، ومسافعٌ وأبو الجُلَاس وأبو سعدٍ والحارثُ، والقاسط بن شُريحٍ، وأرطأةُ بن شُرَحْبيل. وقال الإمام القشيري ﵀: دواعي الحقِّ بحُسن البيان ناطقة، وألسنةُ البرهان فيما ورد به التكليفُ صادقة، وخواطرُ الغيب بكشف ظُلَم الريب مُفْصِحة، وزواجرُ التحقيق عن متابعةِ التَّمويه للقلوب مُلازِمة، فمَن صُمَّ عن إدراكِ ما خُوطِب به سرُّه، وعَمِيَ عن شهودِ ما (٣) كُوشف به قلبُه، وخَرِس عن إجابةِ ما أُرشد [إليه] من مناجَحةٍ (٤) عقلُه وفهمُه، فدون رتبةِ البهائم قَدْرُه، وفوق كلِّ خسيسٍ من خَلْق اللَّه صُغْره (٥). * * * (٢٣) - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾: أي: لو كان في علمِ اللَّه منهم اختيارُ فهمٍ لكلام اللَّه تعالى لأسمعهم إسماعَ تفهيم.

стр. 3393

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾: أي: إسماعَ تفهيمٍ دون توفيقٍ (١) ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عنه فلم يعملوا به؛ إذ لم يوفِّقهم اللَّه لِمَا علِم من اختيارهم تركَ العمل به. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أي: للحال، فلا تكرار في الكلمتين؛ إذ قوله: ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ هو عند الإسماع، ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ للحال. وقال الزجَّاج: ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ جوابَ كلِّ ما يسألونه، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ ذلك لم يعملوا به ولأَعرضوا عنه (٢). * * * (٢٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: ﴿دَعَاكُمْ﴾ فعلُ رسول اللَّه ﷺ ، وهو موحَّدٌ ولم يُثَنَّ مع سَبْقِ ذكرِ اللَّه ورسوله؛ لأن دعاء الرسول بأمرِ اللَّه، فهو دعاءُ اللَّه تعالى، ودل الموحَّد لذلك على المثنَّى. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: إلى ما (٣) يفيدُكم الحياةَ الأبدية، وهو دعاءٌ إلى الجهاد فإنه (٤) سببُ الشهادة، والشهداءُ أحياءٌ غيرُ أموات، واتصالها من هذا الوجه بما قبلها: لا تخرجوا إلى الجهاد (٥) كارهين، وأَجيبوا اللَّهَ ورسوله في الدعوة إلى قتال المشركين، فإنه حياةٌ لكم أبدَ الآبِدِين.

стр. 3394

وعن أبيِّ بن كعب ﵁: أنه كان يصلي، فدعاه رسول اللَّه ﷺ فأتم الصلاة ثم جاء، فقال ﷺ : "هلا جئتني (١) إذ دعوتُك؟ " فقال: كنتُ في الصلاة، فقال: "أمَا سمعتَ قول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " (٢)، وهذا يدلُّ على العموم أي (٣): عموم الآية. وقيل: قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ إعلامٌ منه ﷻ أن دعاءه إلى كلِّ شيء فيه حياةُ الدِّين وهو العلم، فإن الجهل موتٌ والعلمَ حياة. وفي الخبر: إن اللَّه تعالى ليُحيي القلب الميتَ بالعلم كما يُحيي الأرض الميتة بوابل المطر (٤). وفي غير هذه الآية ذُكرت الحياةُ للإيمان والموتُ للكفر؛ قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: كافرًا فهديناه، فيجوز أن يكون قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: يبقيكم على الإيمان الذي هو الحياة العظمى. وقيل: أي: لِمَا يفيدكم الحياةَ الطيبة في الدارين؛ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وحياةُ الكافر غيرُ طيِّبةٍ بحالٍ، فإنه بها في الدنيا يستفيدُ زوائدَ عقوبات العُقبى، وإذا صار في النار فهو لا يموت فيها ولا يحيى، فإذًا ليست الحياةُ الطيبة إلا لمن آمَن واتقى.

стр. 3395

وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: إلى عمل الآخرة التي هي دارُ الحياة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وقيل: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؛ أي: إلى الأعمال التي يُحْيي بها شرفَكم، ويُبقي حمدَكم وذكرَكم، ويطيِّب بها أيضًا في الجنة حياتكم (١). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾: أي: القلوبُ بيدِ اللَّه، فيمنعُ المرء عن تقليبِ قلبه فيما يشاء (٢)، وهذا على اتصاله بأول هذه الآية؛ لأنَّه (٣) تعجيلٌ للعبد إلى الاستجابة قبل أن يُحدث اللَّه له أسبابًا لا يتمكَّن العبد معها من تصريف القلب فيما يشاؤه من إصلاح أمره، فيموت غيرَ مستجيبٍ للَّه ورسوله لم يدرك ما يحييه، ولذلك ذكر الحشر إليه بعده، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾: أي: تُبعثون وتُجْمعون إليه للجزاء. وقال قتادة: أي: هو أقربُ إلى قلبه منه، وهو كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] (٤)؛ لأن ما حال بينك وبين الشيء فهو أقربُ إلى الشيء منك، واتصالُه بما قبله وما بعده: استجيبوا للَّه فإن اللَّه (٥) لا يخفَى عليه ما في قلوبكم وإليه حشرُكم. وقال الضحاك: يحول بين المؤمن والمعصية، وبين الكافر والطاعة (٦)؛

стр. 3396

أي: لا يُخلي المؤمنَ التامَّ في الأفعال وقصدِ (١) المعصية بل يعصمه، والكافر على (٢) عكسه. وقال مجاهد: يَحولُ بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل به (٣). وقال القشيري ﵀: أي: يصونُ القلوبَ عن تقليب أربابها بما شاء من أسبابها، فيصون قلوبَ العبَّاد عن الجُنوح إلى الكسل فيجدُّون في معاملتهم، ويَصون قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فيَصْدُقون في منازلاتهم (٤)، ويصون قلوب العارفين على حدِّ الاستقامة عن الميل (٥) فيتحقَّقون بدوام مواصلتهم. قال: ويقال: حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى اللَّه، فإذا سنَح لهم أمر فليس لهم إلى الأغيار سبيل، ولا على قلوبهم تعويل، وكم فرق بين مَن يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين مَن لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه، وقيل في معناه (٦): لا يهتدي قلبي إلى غيركُمْ... لأنه سُدَّ عليه الطريق قال: ويقال: العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، والعارفون هم الذين فَقدوا قلوبهم؛ قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧).

стр. 3397

(٢٥) - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾: النون لتأكيد الجزاء. وقيل: لتحقيق القسَم، ومعناه: واحذروا عذابًا يَنزل بكم بظُلمكم -وهو تركُكم الإجابةَ إلى الجهاد (١) وغيرُ ذلك- لا يصيب الظَّلَمة خاصةً، بل يعمُّ الكلَّ ثم يكون للظَّلَمة عقوبةً ولغير الظَّلمة كفَّارةً. وقال ابن عباس ﵄: هذا في ترك الأمر بالمعروف عند غلَبة المنكَر، فيصيب الفسقةَ بفسقهم وغيرَ الفسقة بتركهم الأمرَ بالمعروف (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي: إذا نزل عقابُه فهو شديدٌ لا يطاق، ويجوز أن يراد بها فتنةُ الدنيا، كما قال: ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ويجوز أن يراد بها فتنةُ الآخرة، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]. وقال الحسن: الآية في حق الصحابة -رضي اللَّه عليهم أجمعين- عليٍّ وطلحة والزبيرِ وعمَّار (٣).

стр. 3398

وقال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية وما ندري زمانًا (١) أنَّا من أهلها، ونحن عُنينا بها (٢). وقال السدِّي: نزلت في أهل بدرٍ خاصةً، وأصابتهم يوم الجمل (٣). وقال الكلبي ﵀: نزلت في رجلين من قريش أَخبر اللَّه تعالى نبيَّه ﷺ أنها ستكون بعده في أصحابه، وقد كانت تلك الواقعةُ بعد وفاته (٤) ومضت (٥). وقرأ ابن الزبير: (لتُصيبنَّ الذين ظلموا) (٦). وقيل: ﴿لا﴾ زائدة كما في قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، ومعناه: اتَّقوا عقوبةً في الآخرة تكون للظَّلَمة خاصةً. * * *

стр. 3399

(٢٦) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾: أي: وتذكَّروا وأَخطِروا ببالكم أولَ حالكم يا معشر (١) المهاجرين إذ أنتم (٢) قليلٌ في العدد. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: إذ كنتم قليلًا، ودلَّ هذا على صحة قول أبي حنيفة ﵀ فيمَن قال: هذا الشيء لفلان اشتريتُه منه، أنه يصدَّق ويصير كأنه قال: هذا كان لفلان (٣). وقوله تعالى: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: مقهورون في أرض مكة. قال عبد العزيز بن يحيى: أي: في أول الإسلام قبل أن يَكْملوا أربعين (٤). وقال الآخرون: قبل الهجرة. وقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: التخطُّف: الأخذُ والانتزاع بسرعة؛ أي: يأخذونكم ليتحكَّموا (٥) فيكم بما شاؤوا من القتل والأسر. وقوله: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ قال الكلبي: أي: أهلُ مكة (٦). وقيل: أي: مَن حولكم من العرب خارجَ مكة. وقال وهبٌ: أي: فارسُ والروم.

стр. 3400

وقوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾: أي: في المدينة (١) بالهجرة ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾؛ أي: بأيدي الأنصار ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: بما وسَّع بها (٢) من المطاعم. وقيل: أي: بما أحلَّ من الغنائم. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لتشكروا نعمة اللَّه عليكم، فتبذلوا أنفسكم في إحياء دينه والجهاد مع رسوله، والخروج إلى القتال من غير كراهةٍ ولا استثقال. وقال الكلبيُّ وقتادة: نزلت الآية في يوم (٣) بدر حثًّا لهم على الجهاد (٤). وقال الإمام القشيري ﵀: ذكَّرهم ما كانوا فيه من القلَّة والذِّلَّة وصنوفِ الخَلة (٥)، وما نقلهم إليه من الإمكان والبَسطة، ووجوهِ الإحسان والحيطة (٦)، وندبهم إلى الشكر على هذه النعم، وحقيقة الشكر: الغَيبة عن النِّعم بالاستغراق في شهود المنعِم (٧). * * * (٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
следующие страницы →