← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

أي: لا يُخلي المؤمنَ التامَّ في الأفعال وقصدِ (١) المعصية بل يعصمه، والكافر على (٢) عكسه. وقال مجاهد: يَحولُ بين المرء وعقله فلا يدري ما يعمل به (٣). وقال القشيري ﵀: أي: يصونُ القلوبَ عن تقليب أربابها بما شاء من أسبابها، فيصون قلوبَ العبَّاد عن الجُنوح إلى الكسل فيجدُّون في معاملتهم، ويَصون قلوب المريدين عن التعريج في أوطان الفشل فيَصْدُقون في منازلاتهم (٤)، ويصون قلوب العارفين على حدِّ الاستقامة عن الميل (٥) فيتحقَّقون بدوام مواصلتهم. قال: ويقال: حال بينهم وبين قلوبهم لئلا يكون لهم رجوعٌ إلا إلى اللَّه، فإذا سنَح لهم أمر فليس لهم إلى الأغيار سبيل، ولا على قلوبهم تعويل، وكم فرق بين مَن يرجع عند سوانحه إلى قلبه وبين مَن لا يهتدي إلى شيء إلا إلى ربِّه، وقيل في معناه (٦): لا يهتدي قلبي إلى غيركُمْ... لأنه سُدَّ عليه الطريق قال: ويقال: العلماء هم الذين وجدوا قلوبهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، والعارفون هم الذين فَقدوا قلوبهم؛ قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧).

стр. 3397

(٢٥) - ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾: النون لتأكيد الجزاء. وقيل: لتحقيق القسَم، ومعناه: واحذروا عذابًا يَنزل بكم بظُلمكم -وهو تركُكم الإجابةَ إلى الجهاد (١) وغيرُ ذلك- لا يصيب الظَّلَمة خاصةً، بل يعمُّ الكلَّ ثم يكون للظَّلَمة عقوبةً ولغير الظَّلمة كفَّارةً. وقال ابن عباس ﵄: هذا في ترك الأمر بالمعروف عند غلَبة المنكَر، فيصيب الفسقةَ بفسقهم وغيرَ الفسقة بتركهم الأمرَ بالمعروف (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي: إذا نزل عقابُه فهو شديدٌ لا يطاق، ويجوز أن يراد بها فتنةُ الدنيا، كما قال: ﴿يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ويجوز أن يراد بها فتنةُ الآخرة، كما قال: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣]. وقال الحسن: الآية في حق الصحابة -رضي اللَّه عليهم أجمعين- عليٍّ وطلحة والزبيرِ وعمَّار (٣).

стр. 3398

وقال الزبير بن العوام: نزلت هذه الآية وما ندري زمانًا (١) أنَّا من أهلها، ونحن عُنينا بها (٢). وقال السدِّي: نزلت في أهل بدرٍ خاصةً، وأصابتهم يوم الجمل (٣). وقال الكلبي ﵀: نزلت في رجلين من قريش أَخبر اللَّه تعالى نبيَّه ﷺ أنها ستكون بعده في أصحابه، وقد كانت تلك الواقعةُ بعد وفاته (٤) ومضت (٥). وقرأ ابن الزبير: (لتُصيبنَّ الذين ظلموا) (٦). وقيل: ﴿لا﴾ زائدة كما في قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩]، ومعناه: اتَّقوا عقوبةً في الآخرة تكون للظَّلَمة خاصةً. * * *

стр. 3399

(٢٦) - ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾: أي: وتذكَّروا وأَخطِروا ببالكم أولَ حالكم يا معشر (١) المهاجرين إذ أنتم (٢) قليلٌ في العدد. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: إذ كنتم قليلًا، ودلَّ هذا على صحة قول أبي حنيفة ﵀ فيمَن قال: هذا الشيء لفلان اشتريتُه منه، أنه يصدَّق ويصير كأنه قال: هذا كان لفلان (٣). وقوله تعالى: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: مقهورون في أرض مكة. قال عبد العزيز بن يحيى: أي: في أول الإسلام قبل أن يَكْملوا أربعين (٤). وقال الآخرون: قبل الهجرة. وقوله تعالى: ﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾: التخطُّف: الأخذُ والانتزاع بسرعة؛ أي: يأخذونكم ليتحكَّموا (٥) فيكم بما شاؤوا من القتل والأسر. وقوله: ﴿يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ قال الكلبي: أي: أهلُ مكة (٦). وقيل: أي: مَن حولكم من العرب خارجَ مكة. وقال وهبٌ: أي: فارسُ والروم.

стр. 3400

وقوله تعالى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾: أي: في المدينة (١) بالهجرة ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾؛ أي: بأيدي الأنصار ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: بما وسَّع بها (٢) من المطاعم. وقيل: أي: بما أحلَّ من الغنائم. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: أي: لتشكروا نعمة اللَّه عليكم، فتبذلوا أنفسكم في إحياء دينه والجهاد مع رسوله، والخروج إلى القتال من غير كراهةٍ ولا استثقال. وقال الكلبيُّ وقتادة: نزلت الآية في يوم (٣) بدر حثًّا لهم على الجهاد (٤). وقال الإمام القشيري ﵀: ذكَّرهم ما كانوا فيه من القلَّة والذِّلَّة وصنوفِ الخَلة (٥)، وما نقلهم إليه من الإمكان والبَسطة، ووجوهِ الإحسان والحيطة (٦)، وندبهم إلى الشكر على هذه النعم، وحقيقة الشكر: الغَيبة عن النِّعم بالاستغراق في شهود المنعِم (٧). * * * (٢٧) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.

стр. 3401

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾: متصلٌ بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وقولهِ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾. والخيانة: خلاف الأمانة. وقيل: أصلها الإخفاء، من قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. وقيل: هي منع حقٍّ ضُمِن أداؤه. وقال محمد ابن إسحاق: أي: لا تُظهروا للرسول ما يُرضيه منكم ثم تخالفونه في السر (١). ومن ذلك: إظهارُ الطاعة في كلِّ شيء ثم المجادلةُ في أمر الغنيمة، أو الخروجُ إلى القتال المأمورِ به مع الكراهةِ أو تسخُّطِ قَدْرِ ما يعطي عند القسمة. وقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: ولا تخونوا أماناتكم (٢)، وهو معطوف على الأول، وجزمُه بالنهي، وعلامة الجزم حذفُ النون. وقال السدِّي ﵀: أي: إذا خنتُم الرسول فقد خنتُم أماناتكم (٣). وهو على هذا واوُ الصَّرف، وهي ناصبةٌ، وعلامة نصبه حذفُ النون، ومعناه: أن حقوق الشرع

стр. 3402

أماناتٌ عنده قد قبِلها وضمِن أداءها، فإذا خان الرسول فقد خان هذه (١) الأمانات. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: أنها أمانةٌ، وما فعلتُم خيانةٌ؛ أي: وأنتم تعلمون إثم الخيانة وعقوبةَ الخيانة. * * * (٢٨) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾: أي: محنةٌ يَظهر بها مُؤْثِرُ حقِّ اللَّه من مُؤْثِر حقِّ نفسِه. والحامل على الخيانة في الغالب: حبُّ الأموال والأولاد، وتركُ الخروج إلى الجهاد طوعًا وطبعًا كذلك، فبيَّن اللَّه تعالى أنها فتنةٌ وداعيةٌ إلى الخيانة ومُخلَّة بالأمانة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾؛ أي: إن أموالكم وأنفسَكم للَّه، وهي عندكم أمانة استحفظَكم فيها، فلا تستعملوها في غير ما أذن لكم فيه لأنه خيانة، ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾؛ أي: ولا تخونوا أماناتكم التي فيما بينكم. ومعنًى آخرُ: أن اللَّه تعالى تعبَّدهم بما يرجع إلى منافعهم، فإذا خالفوا فقد خانوا أنفسَهم فضرُّوا أنفسَهم (٢)؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٣) [النحل: ٣٣]، وقال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] (٤).

стр. 3403

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: لمن تركها ولم يَخُن لأجلها، وراعَى الأمانة (١) بشرطها. وقيل: أي: يا أيها الذين آمَنوا صدِّقوا اللَّه ورسوله و (٢) لا تخونوا اللَّه ورسوله، والخيانة: إظهار الإيمان والنصحِ، وإبطانُ الكفر والغشِّ، ودلالةُ المشركين على عورات المسلمين، وإطلاعُهم على خفيَّات أمور المسلمين. وقال جابر: إن أبا سفيان خرج من مكة، فجاء جبريل النبيَّ ﷺ فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا، فأخبر النبيُّ ﷺ أصحابه بذلك فقال: "فاخرجوا إليه واكتُموا"، فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدًا يريدكم فخذوا حِذْرَكم فأنزل اللَّه هذه الآية (٣). وقال الزهريُّ والكلبيُّ: نزلت في أبي لبابة مروانَ بنِ عبد المنذر من الأنصار من بني عوف بن مالك (٤) حين حاصر النبيُّ ﷺ قرى يهودِ قريظةَ إحدى وعشرين ليلةً، فسألوا رسول اللَّه ﷺ الصلحَ على ما صالح عليه إخوانَهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى أن يعطيهم ذلك إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابةَ، وكان مناصحًا لهم لأن أهله وولده كانوا عندهم، فبعثه النبيُّ ﷺ إليهم فقالوا له: ما ترى؟ فأشار إلى حلقه أنه الذبح، قال: وما زالت قدماي في مكانهما حتى علمتُ أني خُنْتُ اللَّه ورسوله، فنزلت هذه الآية والتي بعدها: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.

стр. 3404

وقال الزهري: قال أبو لبابة: واللَّه لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموت أو يتاب عليَّ، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا حتى خرَّ مغشيًّا عليه، ثم قيل له: تاب اللَّه عليك، قال: لا واللَّه لا أحلُّ نفسي حتى يكون رسولُ اللَّه ﷺ يحلُّني، فجاءه فحله بيده، ثم قال أبو لبابة: تمام توبتي أن أهجرَ دار قومي التي أصبتُ فيها الذنبَ، وأن أنخلع من مالي، فقال النبيُّ ﷺ : يَجزِيك الثلثُ أن تتصدق به (١). وقال السدِّي: كانوا يسمعون من النبيِّ ﷺ فيُفْشونه حتى يبلغَ المشركين (٢). وقال الكلبيُّ: كلُّ أحدٍ مؤتمنٌ على ما افتَرض اللَّه عليه، إن شاء خانها (٣) وإن شاء أدَّاها، لا يطَّلع عليه أحدٌ إلا اللَّه تعالى (٤).

стр. 3405

وقال الإمام القشيري ﵀: خيانة كلِّ أحدٍ على حَسَبِ ما وُضع عنده من الأمانة، فمَن اؤتُمِن في مالٍ فتصرُّفُه فيه بغيرِ إذنِ صاحبه خيانةٌ، ومَن اؤتُمن على الحُرَم فملاحظتُه إياهن خيانةٌ، فعلى هذا الخيانةُ في الأعمال: الدعوى فيها بأنها من قِبَلك دون التحقيق بأن منشِئها اللَّه تعالى، والخيانة في الأحوال: ملاحظتُك لها دون غَيبتك عن شهودها باستغراقك في شهود الحق، فإذا أَخلَلْتَ بسنَّة من السُّنن، أو أدبٍ من آداب الشرع، فتلك خيانةُ الرسول، والخيانة في الأمانات بينك وبين الخلق بإيثارك نصيبَ نفسك على نصيب المسلمين بإرادة القلبِ فضلًا من المعاملة بالفعل (١). * * * (٢٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾: فخرجتُم إلى الجهاد كما أمركم ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾: نصرًا يفرِّق به بين الحق والباطل (٢)، والمحِقِّ والمبطِل، كما وعد: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الأنفال: ٨]. وقيل: أي: ﴿إِنْ تَتَقُواْ اَللَّهَ﴾ في الْتزامِ جميع ما ألزمناكم من أول السورة إلى هاهنا، وجملتُه: طاعة اللَّه وطاعة رسوله ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾. قال ابن زيد وابن إسحاق: أي: هدايةً في قلوبكم تفرِّقون بها بين الحقِّ والباطل (٣).

стр. 3406

وقال مجاهد: أي: مخرجًا في الدنيا والآخرة (١). وقيل: مخرجًا عن الشبهات (٢). وقال السدِّي: نجاةً (٣). وقال الفرَّاء: فتحًا ونصرًا، كما قال: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] (٤). وقيل: نصرًا وعزًا وثوابًا لكم، وخذلانًا وإذلالًا (٥) وعقابًا على أعدائكم، وكلُّ ذلك يفرق بينكم وبينهم في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾: وهذا في الآخرة، والأولُ في الدنيا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾: يجزي بالعمل المنقطِع ثوابًا غيرَ منقطِعٍ. * * * (٣٠) - ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: واذكرْ إذ كان ذلك، ذكر اللَّه

стр. 3407

في هذه الآية من معاملة المشركين وجرأتهم على اللَّه تعالى ما يدعو المؤمنين إلى جهادهم وردِّهم عن سَفَههم وعنادهم، إما بقتلهم أو إدخالهم في الإسلام، فقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: كفارُ قريش، ومكرُهم: تدبيرهم في إهلاكه أو إفساد (١) أمره على جهة (٢) الاستسرار، بحيث لا يُعلم إلا عند وقوعه. وجاء أن أوَّل ما وقع من التدبير هو الحبسُ إليه إلى أن يموت، ثم انتقلوا عنه إلى إخراجه من البلد ونَفيه، ثم استقرَّ تدبيرهم على قتله، فنزل جبريل ﵇ فأخبره (٣)، ففارق منزله وبطَل تدبيرُهم أصلًا. وقوله تعالى: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ فيه أقاويل: قال ابن عباس ﵄ والحسن ومجاهد وقتادة: أي: ليُوْثِقوك بوثاق (٤). وقال عطاء وعبد اللَّه بن كثير والسدِّي: أي: ليحبسوك (٥). وقيل: أي: ليَسْحَروك (٦)، فيجعلوك ثابتًا في مكان. وقيل: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾؛ أي: ليُخرجوك، كما يقال: أثبتَه في الحرب، إذا جرحه جراحةً متلِفةً.

стр. 3408

وقال أبو طالب: يا محمد! ما يأتمرُ بك قومك؟ قال: "يريدون أن يسحروني ويخرجوني ويقتلوني"، قال: مَن خبرك بهذا؟ قال: "ربي"، قال: نِعْمَ الربُّ ربُّك وذلك قوله ﷻ : ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ (١). ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾: أي: من مكة. وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾: أي: يجازيهم جزاءَ مكرهم، ويصنعُ بهم ما هو وَفْقُ قَصْدهم ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأنه بحقٍّ، ولأنه ماضٍ لا محالة. وقصتُه: ما قاله الكلبي ومقاتل: أن نفرًا من قريش منهم أبو جهل، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البختري بن هشام من بني أسد، وأبو سفيان، وطُعيمةُ بن عَدِيٍّ، والنضر بن الحارث، وزَمْعةُ بن أسودَ، وحكيم بن حزام، ونبية ومُنبِّهٌ (٢) ابنا الحجَّاج، وأمية بن خلف، اجتمعوا في دار الندوة يريدون المكر بالنبيِّ ﷺ فأتاهم إبليس في صورة شيخ فجلس معهم، فقالوا: ما أدخلك علينا بغير إذننا؟! فقال: أنا رجل من نجد لستُ من أهل مكة، رأيتكم حسنةً وجوهُكم طيبةً ريحُكم فأحببتُ أن أسمع حديثكم وأشيرَ عليكم، فإن كرهتُم مجلسي خرجتُ عنكم. وفي رواية: قال: أنا شيخ من الماضِينَ أحياني اللاتُ لأعينكم في تدبيركم. فقالوا: هذا رجل من نجد وليس من أهل تِهَامة فتكلَّموا فلا بأس عليكم منه، فقال أبو البختري لعنه اللَّه: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدًا فتجعلوه في بيت وتسدُّوا بابه غيرَ كوةٍ تُلقون إليه فيها طعامَه وشرابه، وتذرُوه فيه حتى يموت كما مات مَن قبله

стр. 3409

من الشعراء زهيرٍ والنابغةِ، إنما هو رجل (١) كأحدهم فتربَّصوا به رَيبَ المنون، فقال إبليس لعنه اللَّه: بئس الرأيُ رأيُك (٢)، تَعمدون إلى رجل له فيكم آصرةٌ (٣) قد سمع به مَن حولكم تحبسونه فيوشكُ قومُه أن يقاتلوكم عنه؟! قالوا: صدق الشيخ. وقال هشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي: أمَّا أنا فأرى أن تحملوه على بعيرٍ فتخرجوه حيث شاء ويليه غيرُكم، قال إبليس لعنه اللَّه: بئس الرأي رأيك، تعمدون إلى رجل قد أَفسد جماعتكم وتبعه منكم طائفةٌ فتخرجوه إلى غيركم ليفسدهم كما أفسدكم. وفي رواية: قال: ألم تروا حلاوةَ قوله وطلاقةَ لسانه، واللَّه ليَستجمِعَنَّ عليه خلقٌ (٤) ثم ليأتينكم. فقال أبو جهل بن هشام لعنه اللَّه: أمَّا أنا فأرى لكم أن تعمدوا إلى كلِّ بطنٍ من قريش فتأخذوا رجلًا منهم، ثم تعطوا كلَّ واحد منهم سيفًا، فيأتونه فيضربونه بأسيافهم فلا يَدري قومه مَن يأخذون به، وتؤدِّي قريش دِيَته، فقال إبليس لعنه اللَّه: صدق واللَّه الشابُّ أن الأمر لكما قال. فتفرقوا على قول أبي جهل لعنة اللَّه عليه، فنزل جبريل ﵇ فأخبر النبيَّ ﷺ بأمرهم، وأمره بالخروج، فخرج النبيُّ ﷺ من ليلته تلك إلى الغار، وأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٥).

стр. 3410

وقال ابن عباس ﵄: نزل عليه هذا بعد قدومه المدينة، ونزل أيضًا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ (١). وقال عكرمة: لمَّا خرج النبيُّ ﷺ وأبو بكر ﵁ إلى الغار أَمر عليَّ بن أبي طالب ﵁ فنام في مضجعه، فبات المشركون يحرسونه فإذا رأوه حَسِبوه النبيَّ ﷺ وتركوه، فلما أصبحوا ثاروا (٢) إليه فرأوا عليًا، فقالوا: أين صاحبُك؟ قال: لا أدري، فركبوا الصعبَ والذَّلولَ في طلبه فاقتصُّوا أثره، فمرُّوا بالغار فرأوا على بابه نسجَ العنكبوت، فقالوا: لو دخل لم يكن هذا فمكث فيه ثلاثة أيام (٣). وفي رواية الكلبي ﵀: ثم قال لعليٍّ ﵁: نم في مضجعي وتَسَجَّ (٤) ببُرْدي فإنه لن يَخلُص إليك منهم (٥) شيء تكرهه، ثم خرج النبي ﷺ فأخذ قبضةً من تراب فأخذ اللَّه أبصارهم عنه فلا يرونه، وجعل ينثر التراب على رؤوسهم وهو يقرأ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ [يس: ٨] إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩]، ثم انصرف حيث أراد، فأتاهم رجل حين أصبحوا فقال: ما تنتظرون هاهنا؟! قالوا:

стр. 3411

محمدًا، قال: خيَّبكم اللَّه، قد واللَّه خرج عليكم وما ترك رجلًا منكم إلا وضع على رأسه التراب وانطلق لحاجته (١). ومضى رسول اللَّه ﷺ إلى الغار فدخله وأبو بكر معه، وخلَّف عليًا بمكة حتى يؤدِّيَ عنه الودائع التي قبلها، وكانت الودائع توضع عنده لصدقه وأمانته. وقال الحسين بن الفضل ﵀: السورة مدنيةٌ، واللَّه تعالى ذكر مكر المشركين به بمكة، وهو معطوف على قوله : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ الآية. وقال القشيري ﵀: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ إن مكر اللَّه تعالى مع العوامِّ: شَغلُهم بالدنيا وصرفُ هممهم إليها حتى ينسَوا أمرَ الآخرة، [إذ] يوطِّنون أنفسهم عليها إلى أن يأتيهم من مأمنهم فيأخذَهم بغتةً، ومكره بالخواصِّ اغترارُهم بما يظهر لهم من الصِّيت الجميل بين الناس، وما يَظهر على ظواهرهم من صنوف الطاعات، مع ملاحظتهم لها وسكونهم إلى قبول الناس إياهم، فلا تزال أسرارهم با لأغيار مَنوطة، وهي عن اللَّه في الحقيقة محجوبة، وعند الناس أنهم من أهل الكرامة، وفي معناه أنشدوا: وقد (٢) حسدوني قربَ داري منكمُ... وكم من قريبِ الدار وهو بعيدُ (٣) * * * * (٣١) - ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.

стр. 3412

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾: أي: وإذا يُقرأ عليهم القرآن المعجِزُ الذي لا يخفَى إعجازه على عاقلٍ متأمِّل قالوا: قد سمعنا ما تلوتُم ولو شئنا لقلنا مثلَ هذا، إنما هو حديث كأحاديث كسرى وقيصرَ والملوك الماضين، هذه غايةُ جرأتهم على اللَّه ونهايةُ وقاحةِ وجوههم ومكابرتهم، فإن النبيَّ ﷺ تحدَّاهم به سنين كثيرةً لمعارضةِ سورةٍ منه، فلم يكن عندهم إلا بذل النفوس والأموال والأولاد، فهم -في زعمهم- أسفهُ الناس وأجهلهم، وقدَّموا النفوس (١) والأموال مع إمكانهم بزعمهم تكذيبَه بمعارضةِ سورةٍ منه، فإمَّا أن يكونوا بهذا القول مكابِرينَ لعقولهم، أو جاهلين بإدعائهم بما يظهر فيه افتراؤهم. قال ابن عباس ﵄: لمَّا قصَّ رسول اللَّه ﷺ شأنَ القرون الماضية قال النَّضْر بن الحارث بن علقمة أخو بني عبد الدار: لو شئتُ لقلتُ مثلَ هذا إن هذا إلا أساطيرُ الأولين، -أي: إلا (٢) ما سطر الأوَّلون في كتبهم- فقال له عثمان بن مظعون: إن محمدًا يقول الحق، قال: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدًا يقول: لا إله إلا اللَّه، قال: وأنا أقول: لا إله إلا اللَّه، لكن هؤلاء بناتُ اللَّه، -يعني: اللاتَ والعزَّى- فقال رسول اللَّه ﷺ : ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١] قال النضر: ألا ترون أن محمدًا قد صدَّقني فيما أقول، -يعني قوله: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ - قال له المغيرة ابن الوليد (٣): واللَّه ما صدَّقك، ولكنه يقول: ما كان للرحمن ولد، ففَطِن لذلك النضرُ

стр. 3413

فقال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية [الأنفال: ٣٢]، وأنزل اللَّه تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] (١). فوقع به العذاب يوم بدر وقُتل صبرًا، لم يُقتل من الأسرى يومئذ غيرُه وغيرُ عقبة بن أبي معيط (٢)، وقد مر في القصة. وفيه نزلت: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ١٦] (٣). قال عطاء: لقد نزلت فيه بضعَ عشرةَ آيةً من كتاب اللَّه تعالى (٤). وقال سعيد بن جبير: لمَّا أَمر النبيُّ ﷺ بقتل النَّضْر يوم بدرٍ -وكان المقداد أسَره- قال: يا رسول اللَّه أسيري، قال: "إنه كان [يقول] في كتاب اللَّه ما يقول"، فقال المقداد: أسيري يا رسول اللَّه، فقال النبيُّ ﷺ : "اللهم أَغْنِ المقداد من فضلك"، فقال المقداد: هذا الذي أردتُ (٥). وقال القشيري ﵀: فَرْطُ جهلهم ستَر على قلوبهم قُبْحَ دعواهم في القدرة على معارضة القرآن (٦)، فافتُضحوا عند الامتحان لعدم (٧) البرهان، والعجزِ عما وَصفوا من أنفسهم من الفصاحة والبيان.

стр. 3414

وقيل: لمَّا لاحظوا القرآن بعين الاستصغار حُرِموا بركاتِ الفهم فعدُّوه من جملةِ أساطير الأولين، وكذلك مَن لا يراعي حرمةَ أوليائه يعاقَبُ بأنْ تُستر عليه أحوالهم فيظنَّهم مثلَه فيُطلق فيهم لسانَ الوقيعة وهو بذلك أحقُّ (١). * * * (٣٢) - ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: واذكر إذ قال النضر بن الحارث، وإنما جُمع لأنه أراده وأتباعَه، وكذا في الآية الأولى جُمع حيث قال: ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ لهذا (٢) اللهم إن كان ما أتى به محمد حقًّا من عندك وقد جحَدْناه ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ومَطَر في الرحمة وأَمْطَر في العذاب ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ غيرِ الحجارة من السماء كقوله: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]؛ أي: من غير الماء. قال محمد بن إسحاق: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما أَمْطرتَها على قوم لوط ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أو ببعضِ ما عذَّبت به الأمم (٣). * * * (٣٣) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.

стр. 3415

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أَخبر أن تأخير العذاب عنهم مع استيجابهم ذلك أنَّ اللَّه تعالى لا يُنزل عذاب الاستئصال بقومٍ إلا بعد خروج نبيِّهم من بينهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾؛ أي: هذا الطاغي وأشياعه ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: أي: يتوبون من كفرهم ويستغفرون منه. وقال ابن عباس ﵄: كان فيهم أمانان: نبيُّ اللَّه والاستغفارُ، فخرج النبي ﷺ وبقي الاستغفار (١). وقال الكلبي: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ أي: يصلُّون الخَمس. وقال عكرمة: الاستغفار هاهنا هو الإسلام (٢). وقال أبو مالك وابن أبي أَبْزَى والضحاك وعطيةُ وعبد الرحمن بن زيد: ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أي: وأنت مقيم بين أظهُرهم، نزلت إليه هذه الآية وهو بمكة، ثم خرج من بين أظهرهم فاستغفر مَن بها من المسلمين وأنزلت عليه حينئذ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾؛ أي: فيهم واحد (٣) من المسلمين من النسوان والولدان، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]، فخرج المستغفرون من مكة فنزل قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فأذن اللَّه تعالى في فتح مكة، وهو العذاب الأليم الذي توعَّدهم به (٤).

стр. 3416

وقال محمد بن إسحاق: كان المشركون يقولون: إن اللَّه لا يعذبنا ونحن نستغفرُ، ولا يعذِّب أمة ونبيُّها معها حتى يخرجَ فقال اللَّه تعالى لنبيه: يذكرُ جهالتهم فقال: يقولون: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ ويقولون: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ ويقولون: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١)، وردَّ عليهم كلَّ ذلك بقوله: * * * (٣٤) - ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: أي: وأيُّ سبب يوجبُ تَرْكَ تعذيبهم بالسيف، وهو حُكم اللَّه في المشركين حتى يسلِموا، وهم غيرُ مستغفرين بل يصدون المؤمنين (٢) عن المسجد الحرام إذا أتوه حاجِّين أو معتمِرِين أو مصلِّين، مع إظهار المشركين تعظيمَه وتعزُّزَهم به، وهذا تعجيبٌ منهم في تعظيم المسجد الحرام وهم يمنعون المؤمنين عن الحج إليه والصلاة فيه (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾: أي: وليسوا أولياء اللَّه، وتأخير العذاب عنهم ليس لولائهم (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾: أي: ما أولياءُ اللَّه سوى المتقين ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك. وقيل: وما كانوا أولياءَ المسجد الحرام وإنْ سعَوا في عمارته وسقي الحجيج وإطعامهم فيه، وكانوا يَرون أنفسَهم ولاةَ البيت لذلك، وبذلك كانوا (٥) يصدون

стр. 3417

عنه مَن شاؤوا ويأذَنون فيه لمن شاؤوا، فأبطل اللَّه تعالى أن تكون لهم تلك الولايةُ وأثبتها للمتقين. وقيل: أي: وما لهم أنْ لا يعذِّبهم اللَّه في الآخرة، أثبت للمشركين العذابَ بنفي الولاية، وأثبت للمؤمنين الولايةَ بقوله : ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] وبقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢] فأشار بذلك إلى أنه لا يعذبهم، ثم (١) ولئن ثبت تعذيبُ مدةٍ فإنه إذا لم يتأبَّد خفَّ على الجسد (٢)، وفي ذلك ينشد: إذا سَلِمَ العهدُالذي كان بيننا... فوُدِّي وإن شطَّ المزارُ سليمُ (٣) * * * (٣٥) - ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً﴾: أي: إلا صفيرًا بالأفواه كصفيرِ الأطيار، وقد مَكَا يمكُو مُكَاءً. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾: أي: تصفيقًا بالأيدي كفعلِ الصبيان، وإظهارًا للصَّدَى؛ أي: للصوت، وقد صدى يصدي تصدية. وفسرهما كذلك ابن عباس ﵄ وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك ﵃ (٤). وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم

стр. 3418

عراةٌ يَصْفِرون ويصفِّقون، فأنزل اللَّه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي﴾ الآية [الأعراف: ٣٢]، فأُمروا بالثياب (١). وكانوا يعارضون النبيَّ ﷺ في الطواف يستهزؤون به يَصْفِرون ويصفِّقون، فأنزل اللَّه هذه الآية (٢). وقال سعيد بن جبير: التصدية صدُّهم عن البيت وعن الصلاة (٣)، وأصله: التصديد، وقد صدَّده وصدَّه (٤)، قُلبت إحدى الدالين (٥) ياء تخفيفًا كما في قولهم: تَمطَّطَ وتَمَطَّى، وتَظنَّنَ وتَظَنَّى، وتقضَّضَ وتَقَضَّى. وقال بعضهم: كان المكاء أذانًا لهم والتصفيقُ (٦) إقامة. وقال مقاتل: كان النبيُّ ﷺ إذا صلَّى بمكة في المسجد الحرام قام مشركان عن يمينه وآخران عن يساره يَمْكون ويصفِّقون ليخلِّطوا عليه صلاته، وهم من بني عبد الدار، فقتلهم اللَّه تعالى ببدر (٧). وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: قيل: قالت الملائكة لهم ذلك يوم بدر.

стр. 3419

وقيل: يقولون لهم (١) في جهنم. وقيل هو صيغةُ أمر في معنى الخبر؛ أي: ذاقوا ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨]، أي (٢): كانوا يسيرون فيها كذلك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: كان أحسنُ حالهم التي هم عليها هي حالة الصلاة، فإذا كانت صلاتهم مكاءً وتصديَةً فكيف سائر الأحوال (٣)؟! ثم ذكرُ صلاتهم على هذا الوجه، وبيانُ ما قالوه على السفاهة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، ودعاؤهم بإمطار الحجارةِ عليهم، وجعلُ ذلك كتابًا يتلى في الصلاة، له أوجهٌ (٤) ثلاثةٌ من الحكمة: أحدها: تعليم الحِلم عن السفهاء. والثاني: تعريف المعاملة مع السفهاء عند ارتكاب المناكير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أنهم إذا تمادَوا في غيِّهم، واستقبلوه (٥) بالمكروه والأذى، أن لا يتركَ الأمر بالمعروف والنهيَ عن المنكر، ولا يُؤْيسَ من خيرهم؛ اقتداءً بالنبي ﷺ . والثالث: إعلامُ الخلْق أن حجة اللَّه تَلزمُ العبادَ وإن كانوا قد جهِلوها، إذا كان التضييع جاء من قبَلهم في ترك النظر والتفكُّر؛ إذ لو علموا حقيقةَ العلم أنه الحقُّ لم يكونوا ليَدْعوا على أنفسهم بالهلاك. وقال الإمام القشيري ﵀: وما كان اللَّه ليعذِّبَ أسلافهم وأنت في

стр. 3420

أصلابهم، وليس يعذِّبهم اليوم وأنت فيما بينهم؛ إجلالًا لقَدْرك، وإكرامًا لمحلِّك، وإذا خرجت من بينهم فلا يعذِّبهم وفيهم خدَمُك الذين يستغفرون. ويقال (١): للجوار حرمةٌ، فجار الكرام في ظلِّ إنعامهم، والكفارُ وإنْ لم يمتَّعوا بقرب الرسول، فقد اندفع (٢) العذاب عنهم بمجاورته فيهم (٣)، وفي معناه أنشدوا: وأحبُّها وأحبُّ منزلَها الذي... نزلت به وأحبُّ أهل المنزلِ (٤) * * * (٣٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: نزلت الآية في إنفاق الكفار يومَ بدر. وقال الكلبي ﵀: إن الذين كفروا باللَّه ورسوله ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل اللَّه؛ أي: دينِ اللَّه لأنه طريقُ ثوابه والخلودِ في جنته لمن سلكه على ما أَمر به. وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾: أي: فسيقع إنفاقهم حسرة (٥)؛ أي: ندامةً وغيظًا. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾؛ أي: يوم بدر.

стр. 3421

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ يبعثون ويجمعون بعد القتل. قال الكلبي: نزلت في المطعِمين يوم بدر، وكانوا اثني عشر رجلًا أطعموا الناس الطعام كل واحدٍ يُطعم مئة (١)، منهم: أبو جهل وأخوه الحارث بن هشام، وعُتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةَ بنِ عبد شمس، ومنبِّهٌ ونبيهٌ ابنا الحجاج، وأبو البَخْتَريِّ بنُ هشام، والنَّضْر بن الحارث، وحكيم بن حِزام وأُبيُّ بن خَلَفٍ، وزَمْعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، والعباس بن عبد المطلب، كلُّهم من قريش (٢). وقال مقاتل: إن رؤوس كفار قريش استأجروا أعوانًا على قتال رسول اللَّه ﷺ ، فأطعموا أصحابهم في كلِّ يوم عشرَ جُزر (٣). وقيل: هو إنفاق الأموال التي كانت في العير في حرب أحد، وقد بينَّا ذلك في أولِ قصة حرب أحد في أول سورة آل عمران (٤). وقال سعيد بن جبير: نزلت الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أحد ألفين من أحابيشِ كنانةَ سوى مَن استجاشَ من العرب، فقاتل بهم رسول اللَّه ﷺ ، وهم الذين يقول فيهم كعب بن مالك: فجئنا إلى موجٍ من البحر وَسْطَه... أحابيشُ منهم حاسرٌ ومقنَّعُ

стр. 3422

ثلاثةُ آلافٍ ونحن بقيةٌ... ثلاثُ مئينَ إنْ كثُرنا فأربعُ (١) وقال سفيان بن عيينة: قال قريش: لا تنفقوا هذا المال الذي أَفْلَتَ إلا في حرب محمد، فنزلت الآية. وقال الإمام أبو منصور ﵀: دلَّت الآية على صدق نبوَّةِ محمد ﷺ ، حيث أخبر عن عاقبة أمرهم فكان كما أخبر به، وهو غيب، فثبت أنه عرف ذلك باللَّه (٢). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إنهم وإنْ أَلْهتهم آمالُهم فإلى الخيبة والذِّلة (٣) مآلُهم، لن تغنيَ عنهم أموالُهم، ولن تنفعَهم عند الحاجة أعمالُهم، بل خُتم بالشقاوة أحوالُهم (٤). * * * (٣٧) - ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: أي: يجعلَ نفقاتهم حسراتٍ عليهم، ويغلبَهم وإلى جهنم يحشرَهم؛ ليفترق (٥) الكافر الخبيث الذي نَجست

стр. 3423

عقيدته وأعماله من المؤمن الطيِّب الذي طابت عقيدته وأعماله. وقال ابن عباس ﵄: ليَمِيزَ اللَّه أهل الشقاوة من أهل السعادة (١). وقيل: الخبيث: ما لا يصلح للَّه، والطيِّب: ما يصلح للَّه. وقيل: الخبيث: ما حَكَم الشرعُ بقبحه وفساده، والطيِّب: ما شهد العلم بحُسنه وصلاحه. وقيل: الخبيث: ما يَشغل صاحبه عن اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾: ركَم الشيءَ: راكَبَ (٢) بعضَه على بعضٍ، ومنه: السحاب المركوم. قال الحسن: أي: يركمَهم مع ما أنفقوا. فيحتمِل أن يكون الخبيثُ والطيِّب اسمين للكافر والمؤمن والرَّكمُ للكفار والجمعُ لهم، ويحتمِل أن يكون اسمًا للمال الخبيث والطيب والرَّكمُ لنفقاتهم معهم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، وإنْ حُمل (٣) على الكافر فقوله تعالى: ﴿فَيَرْكُمَهُ. . . . فَيَجْعَلَهُ﴾ (٤) على التوحيد يرجعُ على ظاهر اللفظ لأنه فردٌ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل هذا أن يكون معناه: يجعلهم في دركاتٍ بعضُها أسفلَ من بعض، ويحتمِلُ جَعْلَ بعضِهم على بعضٍ مقرَّنين في الأصفاد، ويحتمل جَعْلَ بعضهم على بعض على التضييق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ [الفرقان: ١٣].

стр. 3424

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: يرجع إلى المعنى لأنه جمعٌ، أو إلى أول (١) الآيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾: أن تُجعل نفقاتُهم في قَعر جهنم، ثم يقال لهم: الْحَقوا بها (٢). والآيةُ في الذين قُتلوا يوم بدر، وما بعدها في حقِّ مَن بقي منهم. * * * (٣٨) - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقول تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾: أي: قلْ يا محمد لمن بقيَ من كفار قريش بعد قَتلِ (٣) مَن قُتل منهم يومَ بدر: إنْ تُقلِعوا عمَّا أنتم عليه من الشرك غَفَر اللَّه لكم ما مضى من الشرك والمعاصي. وقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٤): أي: وإن يرجعوا إلى قتال المؤمنين فإنَّ اللَّه يفعل بهم ما هو سنَّةٌ في (٥) الأوَّلين بنصرِ الأولياء وقهرِ الأعداء، فأضاف السنة إليهم في هذه الآية لأنها مجعولةٌ لهم، وأضافها إلى نفسه في قوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣] لأنه هو الذي جعلها، وهو كالأَجَل: أضافه

стр. 3425

تارةً إلى نفسه بقوله : ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّر﴾ [نوح: ٤]، وإلى الخلق أخرى بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤] لهذا (١). وقال ﷺ : "الإسلامُ يَجُبُّ ما قبله" (٢). وقال الكلبي: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابه ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾؛ أي (٣): يُسلموا ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾: يُتجاوَز عنهم من الذنوب ما كان قبل الإسلام ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لقتاله ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بنصرِ اللَّه رسلَه، ومَن آمَن على مَن كفَر، بقتلهم في الدنيا ولهم العذابُ في العقبى (٤). وقيل: نزلت في عكرمةَ بن أبي جهلٍ وعمرو بن العاص، فإن النبيَّ ﷺ لمَّا فتَح مكة هرب عكرمةُ إلى الجُدَّة، وركب البحر فهاجت الأمواج وخِيف الغرق، فقال الملاحون: لن ينجيَكم إلا الإخلاصُ ودين محمدٍ، قال عكرمةُ: فإن كان لا يُنجِيني في البحر إلا هذا لا يُنجيني في البر إلا هذا، فعزم على أن يرجع إلى رسول اللَّه ﷺ فيسلمَ، فلمَّا خرج من البحر سالمًا أتى المدينة فدخلها بغَلَسٍ، فرأى عمرو بن العاصي قد جاء لذلك، فقال: ما جاء بك يا داهيةَ العرب؟ فقال: ما بقي من مكرٍ إلا عَمِلْتُه فلم يَنفدْ، فعلمتُ أنه الحق، فجئت لأبايع النبيَّ ﷺ ، فاجتمعا على إتيانِ رسول اللَّه ﷺ والإسلام وأقبَلا (٥)، فلمَّا قَرُبا من الباب كان يُقدِّم كلُّ واحد منهما

стр. 3426

صاحبَه ويتأخَّر حياءً، فلما دخلا بكَيَا، فقال ﷺ : "ما يبكيكما؟ " قالا: كثرةُ جَفائنا، فقال: "أبشِرا فإن اللَّه يَقْبلُكما" ونزلت الآية. وقال الإمام القشيري ﵀: قل لهم: إنْ حلُّوا نطاقَ العناد أطلَقْنا عنهم عقالَ البِعاد، وإنْ أبصروا قبحَ أفعالهم جُدْنا عليهم بإصلاح أعمالهم، وإنْ جَنَحوا للاعتذار خلعْنا عليهم خلعة الاغتفار (١). * * * (٣٩) - ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أي: شرك ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾؛ أي: حتى يخلُص دينُ الإسلام فلا يعبدَ إلا اللَّه، ويجتمعَ الناس كلُّهم على الطاعة والعبادة للَّه تعالى. قال ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وابن إسحاق وابن زيد: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أي: شرك (٢). وقيل: أي: لا يبقى مشركٌ يُفْتَتنُ به الجاهلون. وقال الربيع بن أنس: حتى لا يُفْتَنَ مؤمنٌ عن دينه (٣). وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾: أي: عن الفتنة والشرك وصاروا إلى دين الحق معكم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني: بما يعملون من تركِ الكفر

стр. 3427

والمعصية وفعلِ الإيمان والطاعة، يرى أعمالهم فيجزيهم على وفق أعمالهم (١). * * * (٤٠) - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: أعرَضوا عما أنذرتَهم فلم يتدبَّروا فيه ولم يَقبلوه (٢). وقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾: متولِّي أمورِكم ونصرِكم وإعلائكم فقاتلوهم. وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾: على العدوِّ فثِقُوا به. وقال الإمام القشيري ﵀: إن لم تكونوا له بحيث يقال: نِعْمَ العبيدُ أنتم، فنِعْمَ المولَى ونعْمَ الناصرُ هو لكم (٣). ويقال: نعم المولى كان لكم يوم قسمةِ العرفان، ونعم الناصرُ لكم يوم نعمة الغفران (٤). ويقال: نعم المولى هو لك حين لم تكن، ونعم الناصرُ هو لك حين كنتَ. وقيل: نعم المولى بالتعريف قبل التكليف، ونعم الناصرُ لك بالتخفيف والتضعيف، يخفِّف عنك الطاعات، ويضاعف لك الحسنات، ويكفِّر عنك السيئات (٥).

стр. 3428

(٤١) - ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾: أي: إذا قاتلتم المشركين وقهرتُموهم وأخذتُم أموالهم، فإنها ما كانت تحلُّ للأمم السالفة، وقد أحلَّت لكم أربعةُ أخماسها، وليس هذا في هذه الآية، بل فيها (١) بيانُ خُمسها، فأما أربعة أخماسها فحِلُّها لنا بما ذكر في آخر هذه السورة: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. وما ذُكر في هذه الآيةِ فقد بينَّا أنه ناسخٌ لِمَا ذُكر في أول هذه السورة: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وقال هاهنا: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾. قيل: هو على تحقيق جعلِ سدسِ الخمس للَّه، وهذا يُصرف إلى ستر الكعبة. وقيل: إلى أسلحة الغزاة. وقيل: بل قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ سهمُ اللَّه وسهمُ الرسول سهمٌ واحد، وهو سهم الرسول، وأضافه إلى نفسه تشريفًا له، فإنه ﷺ كان باللَّه وللَّه، فكان سهمُه سهمَ اللَّه وهو خُمسُ الخمس. واختُلف في سهمه ﷺ أنه: هل بقي بعد وفاته أو سقط؟ قيل: سقط؛ لأنَّه لم يَخلُفْه أحد في الرسالة، فلا يَخْلُفه في سهمه. وقيل: هو باقٍ، وهو لأمير المؤمنين في كلِّ عصرٍ؛ لأنَّه والي المسلمين كما كان رسول اللَّه ﷺ واليَ المسلمين.

стр. 3429

وقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾: هو القريب، وليس فيه أنه قريبُ مَن؟ لكن (١) اجتمعت الأمة أنه أريد به قريبُ رسول اللَّه ﷺ ، وهو واحدٌ بمعنى الجمع لأنه جنس، فكان سهمٌ من الغنيمة لأقرباءِ رسول اللَّه ﷺ حالَ حياته، وكان النبي ﷺ يُعطيهم، وعُرف بفعل (٢) رسول اللَّه ﷺ أن المراد به أقرباؤه، وما كان يعطيهم كلَّهم. روي عن جبير بن مطعم قال: لمَّا قسم رسول اللَّه ﷺ سهمَ ذي القربى بين بني هاشم وبني المطَّلب أتيتُ أنا وعثمان رسولَ اللَّه ﷺ فقلنا: يا رسول اللَّه! هؤلاء بنو هاشم لا نُنكر فضلَهم لمكانك الذي وضعَك اللَّه فيهم، أرأيت بني المطلب، أعطيتَهم وحرَمْتَنا -يعني: بني عبد شمسٍ وبني نوفل- وإنما نحن وهم منك بمنزلةٍ واحدة؟ فقال: "إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام"؛ أي: في حالِ جاهليتهم وبعد إسلامهم "وإنما بنو هاشمٍ وبنو المطلب شيء واحد"، وشبك بين أصابعه (٣). وسقط سهم ذوي القربى بوفاة رسول اللَّه ﷺ ؛ أجمع عليه الصحابة ﵃؛ لِمَا أشار في هذا الحديث أن الإعطاء كان معلولًا بالنُّصرة، وقد (٤) سقطت العلة فسقط (٥) معلولُها، وعمِل به الخلفاءُ الراشدون، واتَّبعهم عليه الآخرون، وهو قولُ علمائنا ﵃ أجمعين. وقال الشافعي ﵀: هو باقٍ. وقوله تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: وسهمٌ كان لليتامى، وهو

стр. 3430

جمع يتيمٍ، وهو الصغيرُ الذي مات أبوه، وسهمٌ كان للمساكين، وهو جمعُ مسكين، وهو الذي أسكنَتْه الحاجة، وسهمٌ كان لابن السبيل، وهو الغريب البعيد عن ماله، واحدٌ أُريد به الجمع لأنه جنس. وهؤلاء مصارفُ هذا المال بصفةِ الحاجة، فلا يَحلُّ للغنيِّ منهم، ويجوز الصرفُ إلى صنفٍ واحدٍ منهم (١)، وهو بيانُ الصرف دون الاستحقاق كما عُرف في مصارف الصدقات، وهذا عندنا. وأربعة أخماسه يقسم بين الغزاة: للفارسِ سهمان وللراجل سهمٌ عند أبي حنيفة، وهو قول أكثر الصحابة ﵃، وفيه أكثرُ الأحاديث (٢)، وعند أبي يوسف ومحمد ﵏: للفارس ثلاثة أسهم سهمٌ له وسهمان لفرسه، وهو قولُ بعض الصحابة (٣)، وفيه بعض الأحاديث (٤).

стр. 3431

ثم فيمَن شهد الأمر مَن لا يستحِقُّ السهم ويُرضَخُ له، ومنهم مَن لا يُرضخ (١)، وفي موضع الرَّضخ ومقدارِ الرضخ والمالِ الذي منه الرضخُ كلامٌ، وشرحُه في الفقهيات، وقد أشبَعْنا (٢) الكلام فيه على التهذيب والترتيب في "حصائل مسائل الفقه". وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾: يعني: فاعملوا به وارضَوا بهذه القسمة إنْ آمنتُم باللَّه، فإن الإيمان يوجب الرضا بالحكم والعملَ بالعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾: أي: وصدَّقتُم بما أنزلنا على عبدنا ورسولنا محمدٍ ﷺ من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يومَ حربِ بدر، وهو يومُ النصر، ويومُ وقوعِ الفرقان بين الحق والباطل. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: المؤمنون والمشركون ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من إدامة علوِّكم ونصرِكم ما دمتُم على طاعاتكم وبِرِّكم. وقال جعفر بنُ بَرْقانَ: هو يومُ ستَّةَ عَشَرَ أو سبعةَ عَشَرَ (٣) من شهر رمضان (٤). وقال عروة بن الزبير: هو يومُ سبعةَ عَشَرَ أو تسعةَ عَشَرَ، وهو أولُ مشهدٍ شهِده رسولُ اللَّه ﷺ من قتال المشركين لإعلاء الحقِّ والدين (٥).

стр. 3432

(٤٢) - ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو بكسر العين والباقون بضمِّها (١)، وهما لغتان، وهي شفيرُ الوادي. والدنيا: القُربى، تأنيثُ الأدنى، والقصوى: البعدى، تأنيث الأقصى. يقول: واذكروا إذ كنتم أنتم يا معشرَ المؤمنين (٢) من جانبِ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾؛ أي: الكفارُ بالجانب الأقصى منها إلى جهة مكة. وقوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: أي: العيرُ، جمع راكب؛ كالصَّحْب جمعُ صاحبٍ في مكان أسفل منكم، على (٣) الظرف لا على النعت؛ أي: بقربِ ساحل البحر بينكم وبينهم ثلاثةُ أميالٍ، فلم يمكِنْ للمشركين أن يمضوا إلى عِيرهم فيحمُوها إذ كنتم (٤) في وجوههم، ولم يمكنكم أن تمضوا إلى العير فتستولوا عليها إذ كان المشركون في وجو هكم، فتخلَّصت (٥) العيرُ وتجرَّد الفريقان للقتال، فنصركم اللَّه وأهلك صناديدهم وأوهَنَ كيدهم، وأعزَّ الإسلام وأَظهر أهله. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾: أي: ولو كان بينكم وبينهم تواعُدٌ لاجتماعكم في موضع معيَّنٍ ثم علمتُم بكثرة عددهم وقوتهم وقلةِ عددكم وضعفِكم لدعاكم الضعفُ إلى التخلُّف.

стр. 3433

وقيل: ولو تواعدتُم ثم لم يُمدِدْكم بلطفه لاختلفتُم بالعوائق والقواطع. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: أي: ولكن وقع ذلك من غير ميعاد (١) ليُتِمَّ اللَّه أمرًا كان قد أراده، وما أراد كونَه فهو مفعولٌ لا محالة، وهو عزُّ الإسلام وعلوُّ أهله، وذلُّ الكفر وقهرُ أهله. وقوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: أي: صار الأمر فيما أراده إلى أن اتَّضَح العذر ولزمت الحجةُ، وظهر الحق والباطل، فيَضلُّ مَن ضلَّ عن (٢) تمام البيان ويَهتدي مَن اهتَدَى (٣) على كمالِ البرهان، فالهلاكُ الكفرُ والحياةُ الإيمان؛ قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: قولَ الفريقين ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: قصدَ الفريقين. وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكرٍ ونافعٌ: ﴿مَن حَيِيَ﴾ بإظهار الياءين لامتناع الإدغام في مستقبَله: يَحْيَى، وقرأ الباقون: ﴿مَنْ حَيَّ﴾ على الإدغام (٤)؛ للُزوم الحركة في الثاني فجرى مجرى: ردَّ. * * * (٤٣) - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

стр. 3434

وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾: أي: وإنَّ اللَّه سميعٌ عليمٌ بما قالوا وأضمَروا فأراك يا محمد في نومك قلةَ عدد المشركين. ويحتمِلُ أنه رأى في منامه ما كان تأويلُه ضَعْفَ أمر العدو (١)، كأنه رآهم قليلَ العدد، وتأويلُه ضعفُ أمرهم، ورؤيا الأنبياء وحي، فأَخبر أصحابه به، وقد قال: "إني أُريتُ مصارعَ القوم غدًا" (٢) فقَوِيتْ نفوسُهم، وكانوا يخافون ويتحدثون بقلةِ عددِ أنفسهم وكثرةِ عددِهم، فأراه اللَّه تعالى ذلك، ولا يكون هذا إراءةَ الشيء على غير (٣) ما هو به؛ لأن الرؤيا تخييلٌ وتنبيهٌ على شيء بتمثيل (٤)، وقد صوَّرنا نوعَ تأويل. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾: أي: ولو رأيتَ في منامك ما يكونُ تأويله قوةَ أمرهم ثم أَخبرتَ أصحابك بذلك لفشلوا؛ أي: جبُنوا وانصرفوا. وقوله تعالى: ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أي: ولاختلفْتُم فلم تتَّفقوا على قتالهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾: أي: من الفشل والتنازُع بما أراك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بسرائر القلوب؛ أي: فعَل ذلك لِمَا علِم من حُسن نيَّاتكم (٥). * * *

стр. 3435

(٤٤) - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: وهذا لطفٌ آخرُ؛ قلَّل المشركين في أعينِ المؤمنين حين التقَوا حتى قال ابن مسعود ﵁: لقد قلِّلوا في أعيننا يومَ بدرٍ حتى قلتُ لصاحبٍ لي إلى جنبي: كم تراهم (١) سبعين؟ قال: أراهم مئة، حتى أخذنا رجلًا منهم فسألناه، قال: كنَّا ألفًا (٢). وقلَّل المؤمنين في أعينِ المشركين، فهان أمرُهم عليهم حتى قال أبو جهل لعنه اللَّه: خذوهم بالأيدي أخذًا ولا تقاتلوهم بالسلاح، وكان ذلك سببًا لحرص الفريقين على الملاقاة، فقضى اللَّه تعالى أمره فيهم إذ (٣) كان أمرُه مفعولًا، ومعناه: يكون، لكنْ لمَّا كان مما يكون لا محالة أَخبر عنه بـ ﴿كَانَ﴾ كأنه قد كان. وقال الكلبي: استقلَّ المؤمنون المشركين والمشركون المؤمنين؛ ليجترئَ بعضُهم على بعض. وقوله: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كائنًا في علمه بنصرِ الإسلام وأهلِه وذلِّ الشرك وأهله. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِلُ التقليلُ من الجانبين: أن المسلمين رأوا الملائكةَ معهم فكان المشركون في مقابَلة المسلمين والملائكةِ
следующие страницы →