← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

ثم فيمَن شهد الأمر مَن لا يستحِقُّ السهم ويُرضَخُ له، ومنهم مَن لا يُرضخ (١)، وفي موضع الرَّضخ ومقدارِ الرضخ والمالِ الذي منه الرضخُ كلامٌ، وشرحُه في الفقهيات، وقد أشبَعْنا (٢) الكلام فيه على التهذيب والترتيب في "حصائل مسائل الفقه". وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾: يعني: فاعملوا به وارضَوا بهذه القسمة إنْ آمنتُم باللَّه، فإن الإيمان يوجب الرضا بالحكم والعملَ بالعلم. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾: أي: وصدَّقتُم بما أنزلنا على عبدنا ورسولنا محمدٍ ﷺ من الملائكة. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾: يومَ حربِ بدر، وهو يومُ النصر، ويومُ وقوعِ الفرقان بين الحق والباطل. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾: المؤمنون والمشركون ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من إدامة علوِّكم ونصرِكم ما دمتُم على طاعاتكم وبِرِّكم. وقال جعفر بنُ بَرْقانَ: هو يومُ ستَّةَ عَشَرَ أو سبعةَ عَشَرَ (٣) من شهر رمضان (٤). وقال عروة بن الزبير: هو يومُ سبعةَ عَشَرَ أو تسعةَ عَشَرَ، وهو أولُ مشهدٍ شهِده رسولُ اللَّه ﷺ من قتال المشركين لإعلاء الحقِّ والدين (٥).

стр. 3432

(٤٢) - ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ قرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو بكسر العين والباقون بضمِّها (١)، وهما لغتان، وهي شفيرُ الوادي. والدنيا: القُربى، تأنيثُ الأدنى، والقصوى: البعدى، تأنيث الأقصى. يقول: واذكروا إذ كنتم أنتم يا معشرَ المؤمنين (٢) من جانبِ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾؛ أي: الكفارُ بالجانب الأقصى منها إلى جهة مكة. وقوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾: أي: العيرُ، جمع راكب؛ كالصَّحْب جمعُ صاحبٍ في مكان أسفل منكم، على (٣) الظرف لا على النعت؛ أي: بقربِ ساحل البحر بينكم وبينهم ثلاثةُ أميالٍ، فلم يمكِنْ للمشركين أن يمضوا إلى عِيرهم فيحمُوها إذ كنتم (٤) في وجوههم، ولم يمكنكم أن تمضوا إلى العير فتستولوا عليها إذ كان المشركون في وجو هكم، فتخلَّصت (٥) العيرُ وتجرَّد الفريقان للقتال، فنصركم اللَّه وأهلك صناديدهم وأوهَنَ كيدهم، وأعزَّ الإسلام وأَظهر أهله. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾: أي: ولو كان بينكم وبينهم تواعُدٌ لاجتماعكم في موضع معيَّنٍ ثم علمتُم بكثرة عددهم وقوتهم وقلةِ عددكم وضعفِكم لدعاكم الضعفُ إلى التخلُّف.

стр. 3433

وقيل: ولو تواعدتُم ثم لم يُمدِدْكم بلطفه لاختلفتُم بالعوائق والقواطع. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: أي: ولكن وقع ذلك من غير ميعاد (١) ليُتِمَّ اللَّه أمرًا كان قد أراده، وما أراد كونَه فهو مفعولٌ لا محالة، وهو عزُّ الإسلام وعلوُّ أهله، وذلُّ الكفر وقهرُ أهله. وقوله تعالى: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾: أي: صار الأمر فيما أراده إلى أن اتَّضَح العذر ولزمت الحجةُ، وظهر الحق والباطل، فيَضلُّ مَن ضلَّ عن (٢) تمام البيان ويَهتدي مَن اهتَدَى (٣) على كمالِ البرهان، فالهلاكُ الكفرُ والحياةُ الإيمان؛ قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١]، وقال: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: قولَ الفريقين ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: قصدَ الفريقين. وقرأ عاصمٌ في رواية أبي بكرٍ ونافعٌ: ﴿مَن حَيِيَ﴾ بإظهار الياءين لامتناع الإدغام في مستقبَله: يَحْيَى، وقرأ الباقون: ﴿مَنْ حَيَّ﴾ على الإدغام (٤)؛ للُزوم الحركة في الثاني فجرى مجرى: ردَّ. * * * (٤٣) - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

стр. 3434

وقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾: أي: وإنَّ اللَّه سميعٌ عليمٌ بما قالوا وأضمَروا فأراك يا محمد في نومك قلةَ عدد المشركين. ويحتمِلُ أنه رأى في منامه ما كان تأويلُه ضَعْفَ أمر العدو (١)، كأنه رآهم قليلَ العدد، وتأويلُه ضعفُ أمرهم، ورؤيا الأنبياء وحي، فأَخبر أصحابه به، وقد قال: "إني أُريتُ مصارعَ القوم غدًا" (٢) فقَوِيتْ نفوسُهم، وكانوا يخافون ويتحدثون بقلةِ عددِ أنفسهم وكثرةِ عددِهم، فأراه اللَّه تعالى ذلك، ولا يكون هذا إراءةَ الشيء على غير (٣) ما هو به؛ لأن الرؤيا تخييلٌ وتنبيهٌ على شيء بتمثيل (٤)، وقد صوَّرنا نوعَ تأويل. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾: أي: ولو رأيتَ في منامك ما يكونُ تأويله قوةَ أمرهم ثم أَخبرتَ أصحابك بذلك لفشلوا؛ أي: جبُنوا وانصرفوا. وقوله تعالى: ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: أي: ولاختلفْتُم فلم تتَّفقوا على قتالهم ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾: أي: من الفشل والتنازُع بما أراك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: أي: بسرائر القلوب؛ أي: فعَل ذلك لِمَا علِم من حُسن نيَّاتكم (٥). * * *

стр. 3435

(٤٤) - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾: وهذا لطفٌ آخرُ؛ قلَّل المشركين في أعينِ المؤمنين حين التقَوا حتى قال ابن مسعود ﵁: لقد قلِّلوا في أعيننا يومَ بدرٍ حتى قلتُ لصاحبٍ لي إلى جنبي: كم تراهم (١) سبعين؟ قال: أراهم مئة، حتى أخذنا رجلًا منهم فسألناه، قال: كنَّا ألفًا (٢). وقلَّل المؤمنين في أعينِ المشركين، فهان أمرُهم عليهم حتى قال أبو جهل لعنه اللَّه: خذوهم بالأيدي أخذًا ولا تقاتلوهم بالسلاح، وكان ذلك سببًا لحرص الفريقين على الملاقاة، فقضى اللَّه تعالى أمره فيهم إذ (٣) كان أمرُه مفعولًا، ومعناه: يكون، لكنْ لمَّا كان مما يكون لا محالة أَخبر عنه بـ ﴿كَانَ﴾ كأنه قد كان. وقال الكلبي: استقلَّ المؤمنون المشركين والمشركون المؤمنين؛ ليجترئَ بعضُهم على بعض. وقوله: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كائنًا في علمه بنصرِ الإسلام وأهلِه وذلِّ الشرك وأهله. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِلُ التقليلُ من الجانبين: أن المسلمين رأوا الملائكةَ معهم فكان المشركون في مقابَلة المسلمين والملائكةِ

стр. 3436

قليلًا، ولم يَرَ المشركون الملائكةَ فكان المسلمون في مقابَلةِ المشركين قليلًا (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾: فيَحكم فيها بما يريد. وقال الإمام القشيري ﵀: وإذا أراد اللَّه نصرةَ عبدٍ فلو كاده جميعُ البشر أو أرادوه بكلِّ ضررٍ لم يَنفلَّ من شفا (٢) نُجحه حدّ، ولم يحصل بينه وبين متاح لطفه له سدّ، وإذا أراد اللَّه بعبدٍ سوءًا فليس له ردّ، ولا ينفعه جِدّ، ولا يُنعشه بعد ما أسقطه حكمُه جهد (٣). * * * (٤٥) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾: أي: لاقيتُم جماعةً من المشركين يقصدونكم فاثبتوا ولا تنهزموا. وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾: أي: ادعوا في تلك الحالة ربَّكم، واسألوه الثباتَ والصبر والعلوَّ والنصر؛ كالذين قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] فإنكم إذا فعلتُم ذلك كان فيه فلاحُكُم وهو الظَّفرُ بالعدو. وقال النبيُّ ﷺ : "لا تتمنَّوا لقاء العدوِّ واسألوا اللَّه العافية، وإن لقيتُموهم فاثبُتوا وأكثِروا ذكرَ اللَّه، وإن أَجْلبوا وصيَّحوا فعليكم بالصَّمت" (٤).

стр. 3437

وقال سعيد بن جبير: ﴿فَاثْبُتُوا﴾ فإني معكم ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ فإنهما خصلتان: الغنيمة أو الشهادة (١)، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]. وقيل: أمَر اللَّه تعالى بكثرة الذكر بكلِّ حال وإنْ غلب الهمُّ والشغلُ بالنفس والمال، فقال في حق النفس في هذه الآية: ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية، وقال في حقِّ المال: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الجمعة: ١٠]. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكر هاهنا: ﴿فَاثْبُتُوا﴾ وذكر قبل هذا: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، فدلَّ أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، والنهيَ عن الشيء أمرٌ بضده (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: جميع الخيراتِ في ثبات القلب، وبه يتبيَّنُ أقدارُ الرجال (٣)؛ كما قال الصدِّيق ﵁ حين صدمته الفجيعةُ بوفاة رسول اللَّه ﷺ حتى (٤) قال: مَن كان يعبدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد ربَّ محمدٍ فإنه حيٌّ لا يموت (٥). * * *

стр. 3438

(٤٦) - ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: في التآلُف على نصرة الدين. وقيل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾ في الأمر بالقتال ﴿وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمركم به حالةَ الالتقاء مِن تقدُّمٍ أو تأخُّر أو كفٍّ أو إقدام (١)، أو نحوِ هذا مما يُوجبه تدبير قادة الجيوش. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾: أي: لا تختلفوا، والتنازع: طلَبُ كلِّ واحدٍ من صاحبه أن يَنزِع عما هو عليه. وقوله تعالى: ﴿فَتَفْشَلُوا﴾: أي: فتَجْبُنوا، نصب بالفاء في جواب النهي؛ أي: في التنازُع قلةُ الأعوان (٢) وفيها الجبن، وفي الجبن غلبةُ العدوِّ. وقوله تعالى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾: هي ريحُ النصرة، قال ﷺ : "نُصِرْتُ بالصَّبا وأُهلكت عادٌ بالدَّبور" (٣)، وقال اللَّه تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]. وقال مجاهد وقتادة: ويَذهب نصرُكم (٤). وقال السدي: جرأتُكم وحِدَّتُكم (٥).

стр. 3439

وقال عطاء: جَلَدُكم (١). وقال النَّضْر بن شُميل: قوَّتُكم. وقال الأخفش: دولتُكم. وقال يمان بن رئاب: غلَبتُكم (٢). وقال ابن كيسان: ظَفَرُكم ورعبُ عدوِّكم منكم. ويعبر عن الدولة بالريح؛ يقال: هبت لفلانٍ ريحٌ، إذا جاءت دولتُه. وقال بعض المتأخرين: إذا هبَّت رياحك فاغتنِمْها... فعُقْبَى كلِّ خافقةٍ سكونُ ولا تَغْفُلْ عن الإحسانِ فيها... فلا تدري الركونُ متى يكونُ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أي: هو مُعينُهم وحافظُهم. * * * (٤٧) - ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.

стр. 3440

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾: أي: اشتغالًا عن شكر النعمة بإظهار التطاوُل على الناس بإسرافِ نفقةٍ في غيرِ رضى اللَّهِ ونحوه، وقد بَطِر من حدِّ عَلِمَ؛ قال تعالى: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٥٨]. وقيل: البَطَر: سوءُ احتمال الغِنَى، وهو قريب من الطغيان، قال الشاعر: وإذا غَنِيْتَ فلا تكن بَطِرًا... وإذا افتقرتَ فتُهْ على الدَّهرِ (١) وقوله: ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾؛ أي: مرآةً لهم؛ أي: اخرجوا إلى الجهاد محتسِبين، لا بَطِرين ولا مُرائين كالمشركين، فإنهم خرجوا يفعلون ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: دين اللَّه ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أي: عالم، وهو وعيدٌ وتهديد. قال ابن عباس ﵄ ومجاهدٌ وعروةُ بنُ الزبير ومحمد بن إسحاق: خرج أهل مكة لحماية العير التي كانت مع أبي سفيان، وأخرجوا المعازف والقِيَان، فلما نجا أبو سفيان أرسل إليهم: أن ارجعوا فقد سلِمَت عيرُكم، وهم بالجحفة، فقال أبو جهل لعنه اللَّه: واللَّه لا نرجع حتى نَرِدَ بدرًا وننحرَ جُزرًا ونشربَ خمرًا، وتعزف علينا القِيَان، ويرانا مَن غشِيَنا من أهل الحجاز، وتسمعَ بنا العرب فلا يزالون يهابوننا (٢). وروي أنه قيل: يا رسول اللَّه! الرجل يقاتل ليَغْنَم، ويقاتل ليُذكر، ويقاتل ليُرى مكانه، فمَن في سبيل اللَّه؟ فقال ﷺ : "مَن قاتل لتكون كلمةُ اللَّه هي العليا" (٣). * * *

стр. 3441

(٤٨) - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾: أي: محيطٌ بهم إذ زيَّن لهم الشيطان أعمالهم (١)؛ أي: حسَّن في قلوبهم ثباتَهم على قتال المسلمين، وأوهمهم القوةَ والغلبة وانتشارَ الصيت في العرب بالجَلادة والمنَعة، وقال: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾؛ أي: من جيش محمد ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾؛ أي: مجيرٌ لكم وضامنٌ لكم السلامة من اعتراض المعترِضين. والجار: هو المجير الذي يعطي الخائفَ الأمان، وقد استجاره فأجاره؛ أي: استأمَنه فأمَّنه. وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾: أي: تلاقت ورأى بعضهم بعضًا، و ﴿الْفِئَتَانِ﴾: جماعة المؤمنين وجماعة المشركين. وقوله تعالى: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾: النكوص: رجوعُ القَهْقَرَى خوفًا مما يَرى؛ أي: ولَّى مدبرًا حين نظر إلى الملائكة مردِفين زائدين على عدد المشركين ﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾؛ أي: رجعتُ عما كنتُ ضمنتُ لكم من الأمان ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾؛ أي: لأني أرى الملائكة ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾؛ أي: أخاف عقابه على أيدي مَن أراهم ولا ترونهم أنتم ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يردُّ عقابه بشيء ولا يقاوَم. وقصته: ما ذكرنا: أن إبليس تصوَّر لهم بصورة سُراقة بن مالك بن جُعْشُم (٢)

стр. 3442

وشجَّعهم وضمِن لهم، ثم انهزم حين نزلت الملائكة، وكان هؤلاء المشركون تخوَّفوا من بني بكر بن كنانة إذ كانوا قتلوا منهم قتيلًا، فلم يأمَنوا يوم خروجهم إلى بدر أن يأتوهم من ورائهم، فتصوَّر لهم إبليس بصورة سراقة -وهو من بني بكر بن كنانة- وقال: إني جار لكم من بني بكر، فركَنوا إلى قوله وساروا وهو معهم إلى أن كان ما قلنا، وهذا جائز في زمن النبوة، ويكونُ علَمًا لرسول اللَّه ﷺ ليُخبر أصحابه بذلك، ويخبِرَ به مَن أَفْلتَ من القتل من قريش، فيكون ذلك دلالةً على نبوته، قال ذلك ابن عباس والشعبيُّ وقتادةُ وابن إسحاق (١). وقال قتادة: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ كذَب واللَّه، ما به مخافةُ اللَّه، ولكنه علم أنه لا قوة له ولا منعة، وتلك عادة عدوِّ اللَّه لمن أطاعه، حتى إذا التقى الحقُّ والباطل أسلمَهم شرَّ مُسْلَمٍ وتبرَّأ منهم (٢). وقال الكلبي ﵀: خاف اللعين أن يأخذه جبريل ﵇ ويعرِّفَهم حالَه، ولما نكص على عقبيه أخذ الحارثُ بن هشام بيده فقال: أعَلَى هذه الحالة تخذلنا؟! قال: إني أرى ما لا ترون، قال: واللَّه ما نرى إلا جعاسيس يثرب! قال: إني أخاف اللَّه، قال الحارث: فهلا كان أمس؟ فدفع في صدر الحارث وانطلق، وانهزم الناس، فلما قدموا مكة قالوا: هزم الناسَ سراقةُ بن مالك، فبلغ ذلك سراقةَ، فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمتُ الناس، فواللَّه ما شعرتُ بمسيركم حتى بلغني هزيمتُكم، فقالوا: ما أتيتنا يوم كذا؟ فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان (٣). * * *

стр. 3443

(٤٩) - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾: أي: واذكروا إذ كان يقول المنافقون، أو: قال إبليس ذلك إذ يقول المنافقون، وهم المعلِنون للنفاق، المترئِّسون على طبقتهم (١) ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ممن دخل في الإسلام حديثًا وفي قلبه بقيةُ شكٍّ لا يعادي المسلمين ولا يُعِين عليهم: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ توهَّموا أن دينهم يَقيهم ونبيَّهم يحميهم وهم بهذه القلة والمشركون بهذه الكثرة والعدة. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: يثقْ باللَّه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغالَبُ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يسوِّي بين وليِّه وعدوِّه. وقال مجاهد: نزلت الآيةُ في قوم كانوا مستضعَفين بمكة، فلما خرجت قريش أخرجوهم كرهًا، فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتدُّوا فقتلوا جميعًا، منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بنُ الفاكهِ بن المغيرة، والحارث بن زَمْعةَ، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبِّه بن الحجاج، خرجوا من مكة وهم على الارتياب (٢). وقال محمد بن إسحاق: هم ثمانية نفرٍ، من قريش خمسةٌ كانوا أقروا بالإسلام فاحتبسهم آباؤهم عن الهجرة، فخرجوا إلى بدر معهم على الارتياب، فلما رأوا قلة

стр. 3444

أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: غرَّ هؤلاء دينُهم حتى أقدموا (١) عليه مع قلَّتهم وكثرة عدوهم، وأسماء الخمسة: قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو قيس المخزوميان، والحارث بن زَمْعة بن الأسود بن المطلب، وعلي بن أمية، والعاص بن منبه بن الحجاج (٢). وزاد فيهم مقاتل: والوليد بن الوليد بن المغيرة، والوليد بن عتبة، وعمرو بن أمية ابن سفيان بن أمية، كان هؤلاء أسلموا بمكة ثم أقاموا بها مع المشركين ولم يهاجروا، فقتل هؤلاء مع المشركين، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وذلك قوله تعالى: * * * (٥٠) - ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾. ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ (٣): قدَّم المفعول وهو ﴿الَّذِينَ﴾، وهو منصوب بوقوع التوفِّي عليهم، و ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ رفعٌ لأن فعلَ التوفِّي منهم وهو قبض أرواحهم. يقول: ولو ترى يا محمد إذ كان يتوفَّى الملائكةُ أرواحَ الكفار ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: أي: يضربون بآلات الحرب كلَّ أجسادهم ما أَقبل منها وما أدبر، لرأيتَ أمرًا عظيمًا، جواب (لو) هذا، وهو محذوف، وهذا أبلغُ من الذكر؛ لأن النفس تذهب فيه كلَّ مذهب. وتم الكلام هاهنا. وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ هذا في الآخرة؛ أي: يقول الملائكة لهم: ذوقوا عذاب الإحراق.

стр. 3445

وقيل: أي: عذابَ النار؛ لأن الحريق اسم للنار. وقيل: كان مع الملائكة مقامعُ من حديد كلما ضَربوا التهبتِ النار في الجراحات، فذلك قوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: قاسُوا وجرِّبوا. وقيل: يجوز أن تكون هذه الآيةُ في الذين لم يُقتلوا ببدر، وأخبر اللَّه تعالى عن أحوالهم عند حضور آجالهم: أن الملائكة تقبض أرواحهم بالضرب على وجوههم وأدبارهم، فيكون قبضُ أرواحهم مشاكلًا بقبض أرواح الذين قُتلوا ببدر ضربًا وطعنًا، ومِن خلفٍ وقدَّامٍ، وفوق الأعناق وعلى كلِّ بنان، ويكون جوابُ (لو): لعلمْتَ أنَّ مَن مات حتفَ أنفه ومَن مات في الحرب يتقاربان في العذاب الشديد. * * * (٥١) - ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾: أي: وتقول الملائكة لهم في النار: ذلك الإحراقُ والتعذيب جزاؤكم بما قدمتُم (١) من الكفر والمعاصي بأنفسكم مباشرة. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لا يعاقبُهم بغير ذنب منهم (٢). * * * (٥٢) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أي: عادة هؤلاء المشركين بالنبيِّ ﷺ كعادةِ فرعون وآلهِ بالنبيِّ موسى ﵇.

стр. 3446

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الكفار ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما أنزل على نبيِّه ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: عاقبهم بها، فأهلكهم ببدرٍ كما أهلك أولئك بالإغراق في البحر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾: لا يغلبه شيء ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يطاق عقابه ولا يردُّه شيء. * * * (٥٣) - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾: حُذف حرف (١) النون من (يكن) تخفيفًا لكثرة الاستعمال؛ لأن (كان) و (يكون) أمُّ الأفعال؛ لأن (ضرَب) في معنى: كان ضرَب، و (يضرب) في معنى: يكون يضرب (٢)، فلما كانت أمَّ الأفعال وكثر استعمالها للحاجة إليها احتملت هذا الحذف، ولم (٣) يحتملْه نظائرها مِن: لم يَصُن ولم يخن. يقول: إن اللَّه ﷻ بكرمه لا يَبتدِئ قومًا بإنزال هذا العذاب عليهم حتى يَسبق منهم ما يستحقّون به العذاب، فيوقَعُ بهم حينئذ، كذا كانت سنَّته في الأمم الماضية كما هي الآن في مشركي العرب، غيَّروا ما أَنعم اللَّه عليهم من ابتعاث محمدٍ ﷺ فكذَّبوه وأخرجوه، فغيَّرنا نعمَنا عليهم فأنزلنا بأسنابهم.

стр. 3447

وقال السدِّي: أي: النعمةُ محمد ﷺ ، أنعم اللَّه تعالى به على قريش فكفروا به وكذَّبوه فنقله إلى الأنصار (١). وقال الكلبي: أنعم اللَّه على أهل مكة فأطعمهم من جوع وآمَنهم من خوف، وبعث محمدًا ﷺ إليهم، ولم يكن يعذِّبُهم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم من النعم كفرًا بها وتركًا لشكرها، فغيَّروا ذلك فغيَّر اللَّه تعالى ما بهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ الآية [النحل: ١١٢] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: وبأن اللَّه سميعٌ لا يخفى عليه من كلام خلقه شيء، عليمٌ بما في صدورهم. وقال الإمام القشيري ﵀: إذا أنعم اللَّه على قومٍ وأراد دوامها لهم أكرمهم بتوفيق الشكر، فإذا شكروا نعمته قيَّدوها فدامت لهم، وإذا أراد اللَّه إزالةَ نعمة من عبدٍ أذلَّه (٣) بخذلان الكفران، فإذا حاد عن طريق الشكر فقد عرَّض النعمة للزوال، وما دام العبد لشكرِ النعمة مقيمًا كان اللَّه تعالى لإنعامه عليه مُديمًا، فإذا قابَل النعمة بالكفران انبتَر سِلكُ نظامه، فبقَدْرِ ما يزيد في إصراره يزول الأمر عن قراره (٤). * * * (٥٤) - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: أي: صنيعُ هؤلاء بك كصنيعِ آل

стр. 3448

فرعون بموسى ﵇ ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ بأنبيائنا، وليس هذا بتكرارٍ، فإن الأولى في الكفر والمخالَفة والمؤاخَذةِ بالمعاقبة، وهذا في كفران النعمة والابتلاء بزوال النعمة. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾: على العموم ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ على الخصوص ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ قال اللَّه تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. * * * (٥٥) - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أي: شرَّ الخلائق الدابِّين على وجه الأرض هم أهل الكتاب الذين أَلِفوا الكفر، فهم لإلفهم ذلك لا يؤمنون بك. قال مقاتل: هم يهود بني قريظة، وذلك أن اليهود لعنهم اللَّه نقضوا العهدَ الذي كان بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ ، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قتال محمدٍ ﷺ وأصحابِه، وقالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم الثانيةَ فنقضوا العهد، فذلك قوله تعالى: * * * (٥٦) - ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (١): ﴿عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: أخذتَ العهد منهم. وقيل: أي: الذي عاهدتَهم منهم؛ أي: من الذين كفروا من أهل الكتاب. قال الكلبي: نزلت في بني قريظة من اليهود؛ منهم كعب بن الأشرف وأصحابه

стр. 3449

الذين ينقضون العهدَ ﴿فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾؛ أي: في كلِّ حينٍ وعامٍ، فنقضوا العهد يومَ الخندق حين ركب كعبٌ إلى أهل مكة فوافقهم على مخالفة رسول اللَّه ﷺ (١). وكذلك قال مجاهد (٢). وكان السبب في نقضهم العهد: أنهم كانوا سكان المدينة، فلما رأوا علوَّ أمر رسول اللَّه ﷺ حسدوه، فطابَقوا المشركين وأظهروا لهم المظاهرة إن احتيج إليهم. * * * (٥٧) - ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾: (إمَّا) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط، و (ما) التي هي للتأكيد، ولذلك أدخل نون التأكيد في ﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ كما تكون في القسم؛ لأن كل واحد منهما للتأكيد. والثَّقف: الأخذ بسرعة، يقول: فإن أظهروا نقضَ عهدك وكاشَفوك وبادَوك بالمحاربة فظَفِرْتَ بهم ﴿فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾: أي: نكِّل هؤلاء تنكيلًا يكون سببًا لشرود مَن خلفهم؛ أي: نُفورهم وهربهم وخوفهم. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: أي: يتَّعِظون فيمتنِعون لهذا الخوف عن نقض العهد. قال عطاء: أثخِنْ فيهم القتلَ حتى يخافَك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن (٣).

стр. 3450

وعن ابن مسعود ﵁ أنه قرأ: (فشرِّذ بهم) بالذال (١)، قيل: هو في معناه. وقال قطربٌ: بالدال: التنكيل، وبالذال المعجمةِ: التفريق. * * * (٥٨) - ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾: هي كقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ في أنها (٢) كلمتان والنون للتأكيد، وهذا حكمُ مَن ظهرت منه دلالةُ خيانةٍ لا كشفُ خيانة، والآيةُ الأولى في كشف الخيانة، ونقضِ العهد على الإبانة (٣). والخوف: العلم؛ أي: وإنْ علمت ﴿مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ وهمًّا بنقض العهد ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾؛ أي: أَلْقِ إليهم الخبرَ أنك نقضتَ العهد الذي بينك وبينهم لتكونوا أنتم وهم في العلم بالنقض على سواء؛ أي: على استواء (٤)؛ أي: مستوِين فيه، ولا تحاربْهم قبل الإعلام لأنه خيانة واللَّه لا يحب ذلك، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾: وقد كان بنو قينُقاع لمَّا انصرف رسول اللَّه ﷺ من غزوةِ بدرٍ أظهروا ما يدلُّ على إضمارهم الخيانةَ إلى أن انكشف أمرهم بما فعلوه، فسار إليهم رسول اللَّه ﷺ وحاصرهم وأنزلهم على حكمه، فكتَّفهم ليقتلهم، فكلَّمه ابن أبيٍّ في أمرهم وألحَّ عليه، فأخذ رسول اللَّه ﷺ من أموالهم ما أحبَّ ونفاهم، فخرجوا إلى أذرعات، ولما كان يومُ الأحزاب وظهر من بني قريظةَ مظاهرةُ أبي سفيان على حرب رسول اللَّه ﷺ ، فعل بهم ما فعل من قتلِ المقاتِلة وسبي الذرِّية

стр. 3451

وأخذِ الأموال، ثم كان من بني النضير ما كان، وأجلاهم بعد أن خرَّب ديارهم وقطع نخيلَهم وأخَذ من أموالهم ما أحبَّ، وكلُّ هذا عقوبةٌ غليظة تردع السامعين مِن فعلِ ما أوجبَها، ويقع بها الاتِّعاظ والتذكُّر لمن عقَل. * * * (٥٩) - ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ (١): قرأ عاصم في رواية حفص وابنُ عامرٍ وحمزة: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بياء المغايبة وفتحِ السين، والباقون بتاء المخاطبة وكسرِ السين (٢)؛ أي: يا محمد لا تظنَّنَّ الكافرين السابقين. و ﴿سَبَقُوا﴾ في معنى الحال، وعلى ياء المغايَبة لا بد من إضمارِ اسم قبل الذين كفروا أو بعد ذلك، وتقديره: ولا يحسبنَّ أحدٌ أو حاسِبٌ الذين كفروا سبقوا، أو: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسَهم أو قومَهم أو سلفَهم سبَقوا. وقال الزجَّاج ﵀: تقديره: لا يحسبن المؤمنون الذين كفروا سبَقوا (٣). ومعنى الآية: ولا تحسبن مَن بقي من المشركين بعد وقعة بدرٍ ممن كان شهدَها فأفلَتَ أو لم يكن شهدها سبقوا؛ أي: فاتوا فلا يلحقهم عذاب اللَّه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾: أي: لا يفوتون، وقرأ ابن عامر: ﴿أنهم﴾ بفتح الألف (٤)، ومعناه: لأنهم، يقال: طلبت فلانًا فأعجزني؛ أي: فاتني فعجزتُ عن إدراكه.

стр. 3452

وقال الحسن: لا يعجزون اللَّه؛ أي: لا يفوتونه حتى لا يبعثُهم اللَّه يوم القيامة. وقيل: أي: لا يعجزونك يا محمد حتى يُظْفرَك اللَّه بهم. وقال الإمام القشيري ﵀: كيف يعارضُ الحقَّ أو ينازعُه مَن في قبضته تقلُّبُه، وبقدرته تَصَرُّفه، وبتصريفه إياه عدمه وثبوته (١). * * * (٦٠) - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾: أي: هيِّئوا للكفار ما قدرتُم عليه، ﴿مَا﴾ نصبٌ لأنه مفعولٌ به بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا﴾. ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ أي: من الأشياء التي تكون قوةً لكم عليهم من الرجال والكراع والسلاح. وروى عقبةُ بن عامر عن النبيِّ ﷺ : أن القوة هي الرميُ (٢)، وهو لا ينفي (٣) غيره، لكنه من جليل ما يُعَدُّ لذلك. وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "ما مدَّ الناس أيديَهم إلى شيء من السلاح إلا وللقوس عليه فضل" (٤). وقال عمر ﵁: نِعْمَ السلاحُ القوسُ (٥).

стр. 3453

وروى مكحول عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن رمَى بسهم في سبيل اللَّه بَلَغ أو قصَّر كان له عدل رقبة" (١). وقال مكحول ﵁: تعلَّموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضةٌ من رياض الجنة (٢). وروى عقبة (٣) عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "كلُّ شيء يلهو به ابنُ آدم باطل إلا ثلاثًا: رميَه بقوسه، وتأديبَه فرسَه، وملاعبتَه امرأته" ثم قال: "ارمُوا واركبوا، والرميُ أحبُّ إليَّ من الركوب، ومَن ترَك الرميَ بعد ما عَلِمه فقد كفر من علمه" (٤). وعن أبي المعتمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "علِّموا أبناءكم السباحةَ والرميَ، ونعمَ الملتَهى المغزلُ (٥) للمرأة المؤمنة" (٦).

стр. 3454

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾: هو مصدر رابطْتُ العدوَّ مرابطةً ورِباطًا، وهو أن يَربط المسلمون خيولهم في الثَّغر بمقابلةِ ربطِ الكفار خيولَهم لقصد المسلمين، والمفاعَلة بين اثنين أو حزبين، وهو عطف على قوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ أي: وأعدُّوا ما قدرتُم عليه من رميٍ ورباطِ الخيل. وقوله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾: أي: تخيفون بسبب الرباط الكفار، وهم ﴿عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهو واحدٌ أريدَ به الجمع؛ كما في قوله: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]، وهم الكفار من المشركين واليهودِ الذين هم بقرب المسلمين ويعرفونهم. وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾: أي: وتُرهبون أعداءً آخَرين من دونهم؛ أي: سوَى هؤلاء. قال مجاهد: هم بنو قريظة. وقال السدِّي: هم أهل فارسَ. وقال الحسن وابن زيد: هم المنافقون (١). وقيل: هم كفَرةُ الجن، وهم يَفزعون من صهيل الخيل. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنهم الجنُّ" ثم قال: "إن الشيطان لا يُخبِّلُ أحدًا في دارٍ فيها فرسٌ عتيق" (٢).

стр. 3455

وقيل: كلُّ عدوٍّ خافٍ. وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾: أي: قد أعدَّ لهم جزاء عملهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾: (ما) كلمة شرطٍ، ولذلك جَزَم فحُذفَ النونُ في ﴿تُنْفِقُوا﴾ وحُذف الياء في ﴿ويُوَفَّ﴾. أي: وكلُّ نفقةٍ قلَّتْ أو كثُرتْ تنفقونها في طاعة اللَّه وخصوصًا في الجهاد فأجرُه موفَّرٌ عليكم بالواحد سبعُ مئة إلى ما فوق ذلك، وأنتم لا تُنقَصون من أجورِ أعمالكم شيئًا. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ أي: لا تَخرجوا إلى الحروب كما خرجتُم إلى بدرٍ بغير السلاح؛ لأن حرب بدر كانت آيةً، فأمَركم بالخروج إليها بغير سلاح ليميزَ بين الحقِّ والباطل بهذه الآية، وفي غيرها أمَر بالاستعداد تعلُّقًا بالأسباب التي دبَّر بها أمورَ العباد (٢). قوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ هي الاستطاعةُ التي هي سلامةُ الآلات، ولذلك كانت قبل الفعل، فأما القوةُ التي هي علةُ الفعل فإنها تكون مع الفعل. وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ قيل: هم الشياطين، وهو كما قال: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] ويقع الإرهابُ بالخيل في حقِّهم بما فيه من قمع أوليائهم، أو يكون فيه إرهاب أوليائهم وينسب إليهم. ويجوز أن يراد به كلُّ عدوٍّ يَظهر من بعد ذلك إلى يوم القيامة، ودلَّ ذلك على قيام فرض الجهاد إلى يوم القيامة.

стр. 3456

وقال الإمام القشيري ﵀: الناس مختلفون في قوة القلب على حسَب اختلاف أحوالهم (١)، فواحدٌ يقوَى قلبه بموعود (٢) نصره، وآخرُ يقوَى قلبه بأن الحقَّ عالم بحاله، وآخرُ يقوى قلبه بتحققه بأنه بمشهدٍ من ربه، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. وآخرُ يقوى قلبه بإيثار رضى اللَّه تعالى على مراد نفسه. وآخرُ يقوى قلبه برضاه بما يفعله مولاه. وقيل: أقوى جُنَّةِ العبد في مجاهدةِ العدوِّ تبرؤُه من حوله وقوَّته (٣). وقد قال النبيُّ ﷺ : "بك أقاتل وبك أحاول" (٤). * * * (٦١) - ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾: أي: مالوا إلى الصلح فمِلْ إليها، جنَحت السفينة: إذا (٥) مالت، وجَناح الطائر يقع به الميل في أحد شقيه، والجُناح: الميل إلى المأثم. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿للسِّلم﴾ بكسر السين، والباقون بفتحها (٦)،

стр. 3457

وهما لغتان، وهي مؤنَّثة -أي: سماعًا- أي (١): استعدَّ لقتالهم وقاتِلْهم، وإذا مالوا إلى الصلح فصالحهم. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي: في خيانةٍ (٢) يُضْمرونها، أو كيدٍ يريدونه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾: لِمَا يجري بينك وبينهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يضمرونه من كيد وهو كافيك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ولا تخَفْ خيانتَهم ونقضَهم العهدَ فإن اللَّه يُطلعك عليه ويكفيك. قال: وقال الحسن ﵀: نسخها: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩]. قال: وقال بعضهم: نسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾. قال: وقال بعضهم: نسخها ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [محمد: ٣٥]. قال: والوجه فيه: أن الإمام إذا رأى الصلح والموادعة للمسلمين أنفعَ، وهم طلبوا ذلك، أجابهم إليه، وإذا طلبوا هم منه الصلحَ وبالمسلمين قوةٌ للقتال والحرب معهم لم يُجبهم إلى ذلك، وكذا قوله: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ هو نهيٌ أن ندعوَهم نحن إلى السَّلم ونحن الأعلَون وبنا قوةٌ، وما ذكر هؤلاء من نسخه فذلك لا نعرفه (٣)، واللَّه أعلم. * * *

стр. 3458

(٦٢) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾: أي: إن يريدوا بجنوحهم للسَّلم أن يخدعوك لضعفٍ يكون فيهم في ذلك الوقتِ فيلتمسوا السَّلْم ليَسلَموا إلى أن يَقْوَوا ويُمكنَهم انتهازُ الفرصة منك ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾؛ أي: كافيَكَ خداعَهم وناصرَك عليهم. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾: بمددِ الملائكة يومَ بدر ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين ألَّف بين قلوبهم على نصرتك، ومجاهدةِ الكفار على طاعتك، بعد تبايُنٍ وتباغُضٍ كان بينهم. وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾: هم الأوس والخزرج، ما كان يطمع في تألُّفهم بإنفاق الكثير من الأموال. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾: بفضله ولطفه ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يُرَدُّ ما يفعله ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَنتقِض تدبيره ولا يختلُّ سلطانه. قال الكلبي: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يعني: يهود بني قريظةَ يخدعوك بالصلح لتكفَّ عنهم، فاللَّه حسبُك، هو الذي أعانك وقوَّاك ﴿بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ -يعني: الأوسَ والخزرج- يومَ بدر، وألَّف وجمع بين قلوبهم بالإسلام. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾: وليس بتكرارٍ؛ لأن قوله: ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ معناه: فإنه يكفيك خداعهم، وهذا الثاني عامٌّ في كلِّ كفايةٍ يحتاج إليها. وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: له وجوه: أحدها: النصب، بمعنى: يكفيك ويكفي مَن اتَّبعك؛ كما قال: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وقال الشاعر:

стр. 3459

إذا كانت الهيجاءُ (١) وانشقَّتِ العصا... فحسبُك والضحَّاكَ سيفٌ مهنَّدُ (٢) وهذا معنى قولِ الشعبيِّ وابنِ زيد (٣). والثاني: الرفع بالعطف على اسم اللَّه ، وهو معنى قول الحسن (٤)، ومعناه: كافيك اللَّه وكافيك أيضًا مَن اتبعك من المؤمنين. وأجاز الوجهين الكسائيُّ والفرَّاءُ والزجَّاج (٥)، ويجوز أن يكونا مرادَين (٦) بالآية. و (مَن اتَّبعك) على قول أكثرهم للجمع؛ أي: ومتَّبِعونك من المؤمنين يَكْفونك أيضًا، وعلى القول الأول: اللَّه يكفيك ويكفي متَّبِعيك من المؤمنين. قال ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال (٧). قال: وسورة الأنفال كلُّها مدنية إلا هذه الآيةَ فإنها نزلت بالبيداء (٨).

стр. 3460

وقال مقاتل: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الأنصار (١). وقال عطاءٌ: المهاجرون والأنصار (٢). ومنهم مَن جعل ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ للواحد و (مِن) للتبعيض، وهو ما روَى الكلبيُّ (٣) عن أبي صالح عن ابن عباس ﵄: أن الآية نزلت في إسلام عمر ﵁ (٤)، فإنْ صح فالآية مكية في السورة المدنية. * * * (٦٤) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾: أي: حُثَّهم ورغِّبْهم في القتال بذكر ثواب الآخرة، ووجودِ النصر والظَّفرِ في العاقبة. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾: ﴿يَكُنْ﴾ هاهنا تامٌّ؛ له اسم ولا خبر له (٥)، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]،

стр. 3461

وتقديره: إن يَحضر منكم القتالَ عشرون، وقوله: ﴿صَابِرُونَ﴾ نعتٌ للعشرين، وهو خبر بمعنى الأمر؛ أي: ليَثبُتِ العشرون للمئتين ولا يُولُّوا، فأمر بمقاومة الواحد العشرةَ، وكان هذا في الابتداء. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: هو كذلك؛ قال ابن عباس ﵄: كتب عليهم ألا يَفِرَّ الواحد من العشرة ثم خفِّف (١) عنهم وأُمروا ألا يَفِرَّ الواحد من الاثنين (٢)، وطريق إثبات الأمرِ بهذا الخبر: أن ظاهره: إنْ يصبر العشرون يَغلبوا مئتين، وتقديره: فاصبروا تَغْلِبوا. وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: الفقه: هو إخراج ما لم يُذكر مما ذُكر، يعني: أن الكفار إنما يقاتلون على الدنيا لا علم لهم بما وعد اللَّه عليه إذا كان على الحق من الجزاء والعطاء، وأنتم أيها المؤمنون تفقهون وقد سمعتُم أَثنية المجاهدين وأجزيَة المقاتلين، فهذا يشجعكم ويثبِّتكم ويصبِّر قليلَكم على قتال كثير المشركين. وقال محمد ابن إسحاق ﵀: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: لا يقاتلون على (٣) بيِّنةٍ وحقٍّ، ولا معرفةٍ لخيرٍ ولا شرٍّ (٤). وقال مقاتل بن حيان: لما نزل ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ قام النبي ﷺ فقال: "مَن قتل قتيلًا فله كذا ومَن أسر أسيرًا فله كذا"، وبعث حمزة في ثلاثين راكبًا، فلقي أبا جهل لعنه اللَّه في ثلاثِ مئة راكب، ونزلت هذه الآية، ولما كان يوم بدر خفَّف اللَّه عنهم (٥). فذلك قوله تعالى:

стр. 3462

(٦٦) - ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾: قرأ عاصم وحمزة: ﴿ضَعْفًا﴾ بفتح الضاد، والباقون بضمِّها (١)، وهما لغتان كالمَكْث والمُكْث. أي: كان اللَّه عَلِم منكم في الأزل أنكم تَضعفون في هذه الحالة عن مقاومة الواحد العشرةَ، وكان في أول الأمر لخواصِّ أصحاب النبيِّ ﷺ زيادةُ استبصارٍ وقوةُ قلب، فلما اختلط بهم سائر الناس وفيهم مَن يكون به حبُّ الأهل والولد والمال، وأنه يضعف القلبُ عن مقاومة الكثير من الكفار، خفَّف عنهم وفرَض أن يقاوم الواحد الاثنين. وقيل: أي: عَلِم الآن ضعفَكم قد وُجد كما كان عَلِم في الأزل أنه يوجد فخفَّف عنكم. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾: هذا تقرير (٢) مقاومة الواحد الاثنين. قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي: بحُكم اللَّه وعِلم اللَّه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾: أي: وإنما يقاوم الواحد الاثنين إذا صبر، واللَّهُ مُعِين الصابرين وحافظُهم. * * *

стр. 3463

(٦٧) - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾: قال الواقدي: ولما حبَس الأسرى ببدر استَعملَ عليهم شُقرانَ، فقالوا: لو بعثنا إلى أبي بكر الصدِّيق ﵁ فإنه أَوْصَلُ قريش لأرحامنا، ولا نعلم أحدًا أعظمَ عند محمد منزلةً منه، فبعثوا إلى أبي بكر ﵁ فأتاهم، فقالوا: يا أبا بكر، إن فينا الآباءَ والأبناء والأخوالَ والعمومةَ وبني العم، وأبعدُنا قريبٌ، فكلِّم صاحبَك فيَمُنَّ علينا أو ليفادينا، فقال: نعم إن شاء اللَّه تعالى، لا آلوكم خيرًا إن شاء اللَّه، ثم انصرف إلى رسول اللَّه ﷺ . قالوا: وابعثوا إلى عمر ﵁ فإنه مَن قد علمتُم، ولا نأمنُ أن يُفسد عليكم، لعله يكفُّ عنكم، فأرسلوا إليه فجاءهم، فقالوا له مثلَ ما قالوا لأبي بكر، فقال: لا آلوكم شرًا، ثم انصرف إلى النبيِّ ﷺ فوجد أبا بكر والناسَ حوله، وأبو بكر يليِّنه ويَفْثَؤه (١) ويقول: يا رسول اللَّه، بأبي وأمي، قومُك فيهم الآباء والأبناء والعمومةُ والأخوال، وأبعدُهم منك قريبٌ فامنُن عليهم منَّ اللَّه عليك، أو فادِهم يستنقِذْهم اللَّه بك من النار فتأخذَ منهم ما أخذتَ قوةً للمسلمين. ثم قام فتنحَّى ناحيةً، وسكت رسول اللَّه ﷺ فلم يُجِبْه، ثم جاء عمر ﵁ فجلس (٢) مجلسَ أبي بكر فقال: يا رسول اللَّه، هم أعداء اللَّه كذَّبوك وقاتَلوك،

стр. 3464

اضرِبْ رقابهم هم رؤوسُ الكفر وأئمةُ الضلالة، يوطِّئ اللَّه بهم الإسلام ويذلُّ بهم أهل الشرك. فسكت رسول اللَّه ﷺ فلم يُجبه، وعاد أبو بكر ﵁ إلى مجلسه الأول وقال: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي، قومُك فيهم الآباء والأبناء والأخوال والعمومة، وأبعدُهم منك قريبٌ فامنُنْ عليهم أو فادهم، هم عِتْرتُك (١) وقومك، لا تكن (٢) أولَ مَن يستأصلهم، يهديهم اللَّه خيرٌ من أن تُهلكهم. فسكت عنه رسول اللَّه ﷺ ولم يردَّ عليه شيئًا، وقام أبو بكر ناحيةً وعاد عمر فجلس مجلسه فقال: يا رسول اللَّه، ما تنتظرُ بهم، اضرب رقابهم (٣) يوطِّئ اللَّه بهم الإسلام ويذلُّ أهل الشرك، اشفِ صدور المسلمين. فسكت رسول اللَّه ﷺ فلم يجبه، وقام ناحية وجلس، وعاد أبو بكر ﵁ وكلَّمه بمثل كلامه فلم يجبه، فتنحَّى ناحيةً، ثم قام عمر فكلَّمه بمثل كلامه فلم يُجبه. ثم قام رسول اللَّه ﷺ فدخل قبَّته فمكث فيها ساعةً، ثم خرج والناس يخوضون في شأنهم، يقول بعضهم: القولُ ما قال أبو بكر، وآخرون يقولون: القول ما قال (٤) عمر، فلما خرج رسول اللَّه ﷺ قال: "ما تقولون في صاحبيكم هذين؟ دعوهما فإن لهما مَثَلًا، مَثَل أبي بكر في الملائكة مَثَلُ ميكائيلَ ينزل بالرحمة، ومَثَله في الأنبياء كمثل إبراهيم ﵇، كان ألينَ على قومه من العسل، أَوْقَد له قومُه النار فطرحوه فيها، فما زاد على أن قال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا

стр. 3465

تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧] وقال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثَلُه (١) مثَلُ عيسى إذ يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ومثل عمر في الملائكة كمثلِ جبريل ينزل بالسخطة من اللَّه والنِّقمة على أعداء اللَّه، ومَثَلُه في الأنبياء كمَثَل نوح ﵇ كان أشدَّ على قومه من الحجارة إذ يقول: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فدعا عليهم دعوةً أَغرق اللَّه بها الأرض جميعًا، وكمثل موسى إذ يقول: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، وإن بكم عَيلةً فلا يفوتنَّكم رجل من هؤلاء إلا بفداءٍ أو ضربةِ عنق"، فقال عبد اللَّه بن مسعود: يا رسول اللَّه، إلا سهيل بن بيضاء فإني رأيتُه يُظهر الإسلام بمكة (٢)، فسكت النبي ﷺ ، قال عبد اللَّه بن مسعود: فما مرَّت عليَّ ساعةٌ قطُّ كانت أشدَّ عليَّ (٣) من تلك الساعة، فجعلت انظر إلى السماء أتخوَّف أن تسقط عليَّ الحجارةُ لتقدُّمي بين يدي اللَّهِ ورسولِه بالكلام، فرفع رسول اللَّه ﷺ رأسه فقال: "إلا سهيل بن بيضاء"، فما مرت عليَّ ساعةٌ قط أقرَّ لعيني منها، ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يشدِّدُ (٤) القلب

стр. 3466

فيه حتى يكون أشدَّ من الحجارة، ويليِّن القلبَ فيه حتى يكون ألينَ من الزُّبد"، فقبِل رسول اللَّه ﷺ الفداء (١). وفي رواية: قال عمر: أرى أن تمكِّننا منهم، فتمكِّنَ عليًّا من عقيل حتى يضربَ عنقه، وتمكِّنَ حمزةَ من أخيه العباس حتى يضربَ عنقه، حتى يعلم ربُّنا أنه ليس في قلوبنا للكفار هوادةٌ، قال عمر ﵁: فرضي رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكر ﵁، فلما كان من الغد أتيتُ رسول اللَّه ﷺ فإذا هو وأبو بكر ﵁ يبكيان، فقلت: يا رسول اللَّه! أخبرني من أيِّ شيء تبكيان؟ فإنْ وجدتُ (٢) بكاءً بكيتُ، وإن لم أجد بكاءً تباكيتُ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أبكي للَّذي كان من أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" وهي قريبةٌ من رسول اللَّه ﷺ "ولو نجا منه أحدٌ لنجا منه ابنُ الخطاب" فأنزل اللَّه تعالى قولَه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣)؛ أي: يُكثِرَ القتل ويَغلب ويَقهر في أرض العرب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: وما كان لنبيٍّ أن يأخذ من الأسرى الفداءَ حتى يَغلب في الأرض، حتى إذا أخذ الفداء أو أطلقهم بعدما غلَب في

стр. 3467

الأرض يكون رجوعهم إلى غيرِ منعةٍ وشوكةٍ، وإذا لم يَغلب في الأرض ثم أخذ الفداء يكون رجوعهم إلى منعةٍ، وذلك لا يحلُّ (١). وقالوا: هذا عتابٌ للنبي ﷺ بألطفِ وجهٍ، فإنه لم يقل له: ما كان لك أن تفعلَ، بل أخبره أنه لم يجعلْ لأحدٍ من الأنبياء ذلك؛ أي: لم يَشْرعْ لهم، وفي هذا من التعظيم لنبيِّه ﷺ ما لا خفاءَ به. وقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: ولم يقل: تريد -خطابًا للنبيِّ ﷺ ، بل خاطب الناس. وقيل: ليس بخطابٍ أيضًا للكل، فإن أبا بكر ومَن كان بمثلِ (٢) حاله ما أشاروا (٣) إلى أخذ الفداء رغبةً في المال، بل رجاءَ إسلام الكفار، والأقلُّون منهم رغبوا في المال، فعاتبهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: تختارون المال الذي هو شيءٌ قليلٌ عارضٌ يزول. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: أي: يختار لكم ثواب الآخرة دون عرَض الدنيا. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن اللَّه تعالى أراد لأهل بدرٍ الآخرةَ وثوابها، وهم أرادوا العير وعرَض الدنيا، فكان ما أراد اللَّه تعالى لهم لا ما أرادوا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أي: فأَريدوا الآخرةَ يعزَّكم، ولا تخافوا العدو فإن اللَّه يَقهرهم، وهو حكيمٌ فيما يَأمر به ويختاره.

стр. 3468

(٦٨) - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: قيل: لولا حكمُ اللَّه في المجتهِدِين أنه لا يعاقبُهم فيما يجوز فيه الاجتهادُ لأصابكم فيما أخذتُم من الفداء عذاب عظيم. وقال ابن عباس ﵄: لولا كتابٌ من اللَّه سبق في تحليل الغنائم لكم لأصابكم العذاب (١). وقال الحسن: إن اللَّه تعالى أطعم هذه الأمةَ الغنيمة، وإنهم أَخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يُؤمروا به، فعاب (٢) اللَّه ذلك عليهم ثم أحلَّه لهم (٣). وقال محمد بن إسحاق: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أني لا أعذِّب إلا بعد النهي -ولم يكن نهاهم- لعذَّبْتكم فيما صنعتُم (٤). وقال سعيد بن المسيب: لولا كتاب من اللَّه سبق لأهل بدرٍ بالسعادة (٥). وقال عبد الرحمن بن زيد: سبَق من اللَّه العفوُ عنهم والرحمةُ لهم (٦). * * * (٦٩) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 3469

وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: أي: فقد أحلَلْتُ لكم الغنائم التي كانت محرَّمةً على الأمم قبلكم فكلوها حلالًا طيبًا؛ أي: محلَّلةً قد زالت عنكم التَبِعة والإثم فيه. وروى أبو هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ما أُحلَّتِ الغنائم لأحدٍ من سودِ الرؤوس قبلَكم، كانت النارُ تنزل من السماء فتأكلُها" (١). وقال علي بن أبي طلحة: كان اللَّه كتَب في أمِّ الكتاب: إن الغنائم والأسارى حلالٌ لأمة محمد ﷺ ، فأخذوا الغنائم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل في ذلك شيءٌ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فلمَّا نزلت هذه الآية أمسكوا عن مد أيديهم إلى شيء من الغنائم، فنزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في الائتمارِ بأوامره والانتهاءِ بنواهيهِ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: لِمَا كان منكم قبل هذا ﴿رَحِيمٌ﴾ لم يعاجِلْكم بالعقوبة، ولا يعذِّبُكم بعد التوبة. * * * (٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 3470

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ (١) قرأ أبو عمرو: ﴿من الأسارى﴾ وقرأ الباقون: ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ (٢). أُمر النبي ﷺ باستمالة الأسارى الذين أخذ منهم الفداء ترغيبًا لهم في الإسلام، فقال: قل يا محمد للأسارى الذين في أيديكم: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾: أي: إن يعلم اعتقادَ الإيمان والتصديقِ في قلوبكم موجودًا كما علِمه قبل وجوده أنه يوجدُ ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يُعطِكم في الدنيا والآخرة أكثرَ مما أُخذ منكم، وهو قوله تعالى (٣): ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم (٤) ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال عكرمة: وكان العباس ممن أُخذ في الأسارى، فأَوثقوه ورسولُ اللَّه ﷺ يسمع أنينَه، فأمره اللَّه تعالى أن يأخذ منهم الفداءَ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ (٥) قال رسول اللَّه ﷺ للعباس: "افتدِ" قال: وبمَ أفتدي ولستُ أملك شيئًا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "الأربعون دينارًا التي دفعتَ إلى أم الفضل يوم خرجتَ" قال العباس: ومَن أخبرك بهذا؟ فوالذي لا يُحلف بأعظمَ منه ما عَلم به (٦) أحد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أخبرني به ربي" فقال العباس: وربُّك يعلم ما
следующие страницы →