← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

فيه حتى يكون أشدَّ من الحجارة، ويليِّن القلبَ فيه حتى يكون ألينَ من الزُّبد"، فقبِل رسول اللَّه ﷺ الفداء (١). وفي رواية: قال عمر: أرى أن تمكِّننا منهم، فتمكِّنَ عليًّا من عقيل حتى يضربَ عنقه، وتمكِّنَ حمزةَ من أخيه العباس حتى يضربَ عنقه، حتى يعلم ربُّنا أنه ليس في قلوبنا للكفار هوادةٌ، قال عمر ﵁: فرضي رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكر ﵁، فلما كان من الغد أتيتُ رسول اللَّه ﷺ فإذا هو وأبو بكر ﵁ يبكيان، فقلت: يا رسول اللَّه! أخبرني من أيِّ شيء تبكيان؟ فإنْ وجدتُ (٢) بكاءً بكيتُ، وإن لم أجد بكاءً تباكيتُ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أبكي للَّذي كان من أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة" وهي قريبةٌ من رسول اللَّه ﷺ "ولو نجا منه أحدٌ لنجا منه ابنُ الخطاب" فأنزل اللَّه تعالى قولَه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣)؛ أي: يُكثِرَ القتل ويَغلب ويَقهر في أرض العرب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: وما كان لنبيٍّ أن يأخذ من الأسرى الفداءَ حتى يَغلب في الأرض، حتى إذا أخذ الفداء أو أطلقهم بعدما غلَب في

стр. 3467

الأرض يكون رجوعهم إلى غيرِ منعةٍ وشوكةٍ، وإذا لم يَغلب في الأرض ثم أخذ الفداء يكون رجوعهم إلى منعةٍ، وذلك لا يحلُّ (١). وقالوا: هذا عتابٌ للنبي ﷺ بألطفِ وجهٍ، فإنه لم يقل له: ما كان لك أن تفعلَ، بل أخبره أنه لم يجعلْ لأحدٍ من الأنبياء ذلك؛ أي: لم يَشْرعْ لهم، وفي هذا من التعظيم لنبيِّه ﷺ ما لا خفاءَ به. وقوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾: ولم يقل: تريد -خطابًا للنبيِّ ﷺ ، بل خاطب الناس. وقيل: ليس بخطابٍ أيضًا للكل، فإن أبا بكر ومَن كان بمثلِ (٢) حاله ما أشاروا (٣) إلى أخذ الفداء رغبةً في المال، بل رجاءَ إسلام الكفار، والأقلُّون منهم رغبوا في المال، فعاتبهم اللَّه تعالى بقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: تختارون المال الذي هو شيءٌ قليلٌ عارضٌ يزول. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾: أي: يختار لكم ثواب الآخرة دون عرَض الدنيا. وقال الإمام أبو منصور ﵀: إن اللَّه تعالى أراد لأهل بدرٍ الآخرةَ وثوابها، وهم أرادوا العير وعرَض الدنيا، فكان ما أراد اللَّه تعالى لهم لا ما أرادوا (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: أي: فأَريدوا الآخرةَ يعزَّكم، ولا تخافوا العدو فإن اللَّه يَقهرهم، وهو حكيمٌ فيما يَأمر به ويختاره.

стр. 3468

(٦٨) - ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: قيل: لولا حكمُ اللَّه في المجتهِدِين أنه لا يعاقبُهم فيما يجوز فيه الاجتهادُ لأصابكم فيما أخذتُم من الفداء عذاب عظيم. وقال ابن عباس ﵄: لولا كتابٌ من اللَّه سبق في تحليل الغنائم لكم لأصابكم العذاب (١). وقال الحسن: إن اللَّه تعالى أطعم هذه الأمةَ الغنيمة، وإنهم أَخذوا الفداء من أسارى بدر قبل أن يُؤمروا به، فعاب (٢) اللَّه ذلك عليهم ثم أحلَّه لهم (٣). وقال محمد بن إسحاق: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أني لا أعذِّب إلا بعد النهي -ولم يكن نهاهم- لعذَّبْتكم فيما صنعتُم (٤). وقال سعيد بن المسيب: لولا كتاب من اللَّه سبق لأهل بدرٍ بالسعادة (٥). وقال عبد الرحمن بن زيد: سبَق من اللَّه العفوُ عنهم والرحمةُ لهم (٦). * * * (٦٩) - ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 3469

وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾: أي: فقد أحلَلْتُ لكم الغنائم التي كانت محرَّمةً على الأمم قبلكم فكلوها حلالًا طيبًا؛ أي: محلَّلةً قد زالت عنكم التَبِعة والإثم فيه. وروى أبو هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "ما أُحلَّتِ الغنائم لأحدٍ من سودِ الرؤوس قبلَكم، كانت النارُ تنزل من السماء فتأكلُها" (١). وقال علي بن أبي طلحة: كان اللَّه كتَب في أمِّ الكتاب: إن الغنائم والأسارى حلالٌ لأمة محمد ﷺ ، فأخذوا الغنائم وأسروا الأسارى قبل أن ينزل في ذلك شيءٌ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فلمَّا نزلت هذه الآية أمسكوا عن مد أيديهم إلى شيء من الغنائم، فنزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: في الائتمارِ بأوامره والانتهاءِ بنواهيهِ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾: لِمَا كان منكم قبل هذا ﴿رَحِيمٌ﴾ لم يعاجِلْكم بالعقوبة، ولا يعذِّبُكم بعد التوبة. * * * (٧٠) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 3470

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ (١) قرأ أبو عمرو: ﴿من الأسارى﴾ وقرأ الباقون: ﴿مِنَ الْأَسْرَى﴾ (٢). أُمر النبي ﷺ باستمالة الأسارى الذين أخذ منهم الفداء ترغيبًا لهم في الإسلام، فقال: قل يا محمد للأسارى الذين في أيديكم: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا﴾: أي: إن يعلم اعتقادَ الإيمان والتصديقِ في قلوبكم موجودًا كما علِمه قبل وجوده أنه يوجدُ ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾؛ أي: يُعطِكم في الدنيا والآخرة أكثرَ مما أُخذ منكم، وهو قوله تعالى (٣): ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم (٤) ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال عكرمة: وكان العباس ممن أُخذ في الأسارى، فأَوثقوه ورسولُ اللَّه ﷺ يسمع أنينَه، فأمره اللَّه تعالى أن يأخذ منهم الفداءَ، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ (٥) قال رسول اللَّه ﷺ للعباس: "افتدِ" قال: وبمَ أفتدي ولستُ أملك شيئًا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "الأربعون دينارًا التي دفعتَ إلى أم الفضل يوم خرجتَ" قال العباس: ومَن أخبرك بهذا؟ فوالذي لا يُحلف بأعظمَ منه ما عَلم به (٦) أحد، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أخبرني به ربي" فقال العباس: وربُّك يعلم ما

стр. 3471

نُخفيه؟ قال: "نعم" فأقرَّ العباس وقال: ما استيقنتُ أنك رسول اللَّه ﷺ إلا الساعةَ (١). وروي أن فداء كلِّ أسير كان عشرين أوقيةً، وفدى العباس بأربعين أوقيةً عن نفسه وعن ابن أخيه عقيلٍ، قال العباس ﵁: فأبدلني اللَّه تعالى خيرًا منه، ولي اليوم عشرون عبدًا إن أدناهم ليضرب بعشرين ألفًا، وأعطاني زمزم ما أحبُّ أنَّ (٢) لي بها جميعَ أموال مكة، وإني لأنتظر المغفرة وليس شيء أفضل منها (٣). * * * (٧١) - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾: قال الحسن: وإن يريدوا خيانتَك مرةً أخرى فيرجعوا إلى الكفر بعدما مَننْتَ عليهم وأطلقتَهم من أسرهم، فخانوك بالقتال لك (٤) والعونِ عليك ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: خانوا أولياءه ونقضوا العهدَ وقاتلوك ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾؛ أي: أَمْكَنك اللَّه منهم؛ أي: أَقْدَرَك عليهم (٥). وقال ابن كيسان: ﴿خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: نكَثوا ما أعطَوا من أنفسهم عند

стр. 3472

البلاء من العهد: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ (١)؛ أي: انتقم منهم فعذَّبهم بك وبالمؤمنين وهم مع صناديدهم ورؤسائهم، فكيف بعد ذهابهم بالقتل؟ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: بخَلْقه ما يستحقُّونه من عقابه ﴿حَكِيمٌ﴾ في حكمه وأمره. قال ابن عباس ﵄: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾ يعني: العباسَ وأصحابه في قولهم: نشهدُ إنك لرسولُ اللَّه، ولنَنْصَحنَّ لك على قومنا، يقول: إن كان هذا خيانةً فقد خانوا اللَّه من قبلُ فأَمْكَنك منهم (٢). وهذه الآيةُ والتي قبلها في العباس وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وكان العباس أحد العشرة الذين ضمِنوا إطعام أهل بدر، ولم يكن بلَغَتْه النَّوبة حتى أُسر وأُخذت منه عشرون أوقيةً من ذهب كان خرج بها ليُطعم الناس، وأُسر قبل الإنفاق وأُخذ منه ذلك المال، فكلَّم رسول اللَّه ﷺ أن يجعل تلك العشرين أوقيةً من الفداء فلم يفعل، وقال له (٣): "أمَّا شيء خرجتَ به تستعين به علينا فلا أتركُه لك"، وأَضْعَفَ عليه الفداءَ وكلَّفه فداءَ عَقيلٍ ونوفلٍ، فقال العباس: يا محمد! تركتَني أسأل قريشًا الدَّهرَ في كفِّي، فقال رسول اللَّه ﷺ : "فأين الذهبُ الذي دفعتَه إلى أم الفضل وقتَ خروجك من مكة، فقلتَ لها: إني لا أدري ماذا (٤) يُصيبني في وجهي هذا، فإن حدثَ لي حدثٌ فهذا لك ولعبد اللَّه ولعبيد اللَّه وللفضل وقُثم"؟ يعني: بنيهِ، فقال له

стр. 3473

العباس: وما يدريك؟ قال: "أخبرني به ربي" فقال له العباس: فأنا أشهد أنك صادق، وأشهد (١) أنْ لا إله إلا اللَّه وأنك عبده ورسوله، ولم يَطَّلع عليه أحد إلا اللَّه (٢). * * * (٧٢) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: لمَّا ذمَّ الخائنين الناقضِين العهدَ مدح بعدهم المهاجرين والأنصار الموفِينَ بالعهد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ مع رسول اللَّه ﷺ من مكة إلى المدينة ﴿وَجَاهَدُوا﴾ بعد ذلك الكفارَ ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ مخلِصين طالبين رضا اللَّهِ، ﴿و﴾ أهلَ المدينة ﴿الَّذِينَ آوَوْا﴾ رسولَ اللَّه ﷺ وأصحابَه ونصروهم على أعداء اللَّه (٣)، فهم طبقةٌ واحدةٌ يجب على كلِّ واحد من الصنفين موالاةُ الآخر ومواتاتُه ومواساته ومؤاخاته، وكذا فعل رسول اللَّه ﷺ حين قدم المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار، فجعل لكلِّ مهاجريٍّ أخًا أنصاريًّا، فجَرَوا على ذلك حتى شاطروا المهاجرين أموالَهم ودُورهم، وكان يكون لرجل من الأنصار داران فيعرضُهما على أخيه من المهاجرين على أن ينزل له عن أيَّتهما شاء. وابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد وجماعة (٤) حملوا

стр. 3474

هذه الولاية على الوراثة، وقالوا: كان التوارُث في الابتداء بهذه المؤاخاةِ دون القرابة إذا لم يكن معها هجرةٌ، فكان لا يَرِث المهاجرُ من (١) غير المهاجرِ ولا غيرُ المهاجر من المهاجر وإن كانا قريبين، حتى كان يومُ فتح مكةَ فسقطت فريضةُ (٢) الهجرة ونزلت آية المواريث بالقرابات (٣). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾: أي: لا يلزمُكم موالاتُهم، ولا يجري التوارُث بينكم وبينهم. وقوله تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾: أي: الذين آمنوا وأقاموا في بلدهم أو باديتهم ولم يهاجروا إليكم فقصَدهم عدوٌّ من الكفار فطلبوا منكم النصرَ فانصروهم. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: أي: قومٍ من الكفار بينكم وبينهم موادَعةٌ، فعليكم في هؤلاء الوفاءُ بالعهد وتركُ الحرب، ولم يَلزَمْكم نصرةُ الذين آمنوا ولم يهاجروا على هؤلاء. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: أي: بما تعملون مِن موالاة مَن يجب موالاتُه وتركِ موالاة مَن لا يجوز موالاته، وهو تحذير عن تعدِّي حدِّ الشرع في الموالاة وتركِها. * * * (٧٣) - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾.

стр. 3475

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: أي: لا تتولَّوا الكفار فليسوا بأوليائكم بل بعضُهم أولياء بعضٍ، وليس معناه أنه يلزمُهم أن يتولَّى بعضُهم بعضًا كما في المسلمين، لكنْ أريد به نفيُ الولاية بين الكفار والمسلمين. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾: (إلا) كلمتان: (إنْ) التي هي للشرط و (لا) التي هي للنفي، وحذفت النون في آخر الفعل للجزم بالشرط. وقيل: هو متصل بقوله: ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْر. . . إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: كفرٌ ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾: تسافُكُ دماءٍ؛ لأن ترك التناصُر في الدِّين يُورث ذلك. وقيل: هو مقرَّر في موضعه، ويرجع إلى كلِّ ما سبق ذكرُه، ومعناه: إن خالفتُم ما أمَرناكم به من التولِّي للمؤمنين والتبرِّي من الكافرين، ظهر الكفر وتركُ العمل بالشرائع والتهارُجُ وفسادُ الدِّين والدنيا. وقال عبد الرحمن بن زيد: كان المهاجر المؤمنُ والمؤمنُ الذي لم يهاجر لا يتوارثان وإن كانا أخوين مؤمنين، فلما كان يوم فتح مكةَ وانقطعت الهجرة توارَثوا حيثما كانوا بالأرحام، وقال النبي ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح" وقرأ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١). * * * (٧٤) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.

стр. 3476

وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ أعاد ذكر وصفِهم (١) ليبنيَ عليه بيانَ مدحهم وجزاءَ فعلهم، وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾: قال ابن كيسان: أي: الذين حقَّقوا إيمانهم بالهجرة والجهاد وبذلِ الأموال في دين اللَّه. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: كما بيَّن في أول هذه السورة الثناءَ والجزاءَ لهذه الطائفة، ثم بيَّن الذين يؤمنون ويهاجرون من بعدُ، وهو قوله تعالى: * * * (٧٥) - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾: أي: اللاحقِين بحكم (٢) السابقين، وهم من جملتكم وداخلون في ولايتكم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾: أي: بالتوارُثِ، وانتَسخ به ما كان من المؤاخاة بين الذين هاجروا والذين آوَوا ونصروا، وهو نصٌّ على توريث ذوي الأرحام عند عدم أصحاب الفرائض والعصبات، وهو حجةٌ لنا على الشافعي ﵀ فإنه لا يورِّثهم. وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: قال الزجَّاج: في حُكم اللَّه (٣). وقيل: في اللوح المحفوظ، وقيل: أي: في القرآن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: فيقضي بين عباده بما شاء من أحكامه.

стр. 3477

وقال الإمام القشيري ﵀ في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا﴾ يريد: مَن سلك مسلكهم في الحال، ومَن سيلحق بهم في الاستقبال، فالأُلفة تجمعُهم، والولاية تشملُهم، فلهم من اللَّه في العُقبى جزيلُ الثواب، والنجاةُ من العذاب، وفي الدنيا الولايةُ والتناصُر والمودةُ والتقارب. وقال: المؤمن للأجانب مُجانب، وللأقارب مُقارب، والكفار بعضهم أولياءُ بعض، وقد قيل: طيرُ السماء إلى أُلَّافها تقعُ (١) وباللَّه العون (٢) والتوفيق. اللهم بك أستعينُ على الطاعات والقُرَب، وإليك أَلْتجِئُ على تحصيل العلم والأدب، فبحُرمة حبيبك ونبيِّك المصطفى، وابنِ عمه وحبيبه المرتضَى، أَحْيِني يا ربِّ كما تحبُّ وترضى، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمدُ للَّه ربِّ العالمين. * * *

стр. 3478

سورة التوبة

стр. 3479

سورة التوبة روي (١) عن أبيِّ بن كعب ﵁ عن النبيِّ ﷺ -أنه قال: "مَن قرأ سورة الأنفال وبراءةَ فأنا شفيعٌ له يوم القيامة، وشاهدٌ أنه بريءٌ من النفاق، وأُعطي عشرَ حسناتٍ بعددِ كلِّ منافقٍ ومنافقةٍ، وكان العرشُ وحملةُ العرش يستغفرون له أيامَ حياته" (٢). وهي مدنية، وآياتُها مئة وتسعٌ وعشرون آيةً، وقيل: مئةٌ وثلاثون آية، والاختلاف في آيتين: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣]، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩]. وكلماتها ألفان وأربعُ مئة وثمان وتسعون، وحروفها عشرةُ آلاف وتسعُ مئة وسبعةَ عشر. وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قلتُ لعثمان بن عفَّان: ما حملَكم على أن عمدتُم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءةَ وهي من المئين فقرنْتُم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ووضعْتُموها في السبع الطِّوال؟ فقال عثمان ﵁: كان النبي ﷺ يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورُ ذواتُ العدد، فكان إذا نزل عليه الشيءُ يدعو بعض من يكتب له فيقول له: "ضعوا هذه الآيات في

стр. 3480

السورة التي يُذكر فيها كذا وكذا"، وكانت الأنفال مما أُنزل عليه بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتُها شبيهةً بقصة الأنفال فظننَّا أنها منها، وقُبض النبيُّ ﷺ ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمِن أَجْل ذلك قرنَّا بينهما ولم نكتُب بينهما بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وكانتا تُدعيان: القرينتين، فوضعنا هما (١) في السبع الطِّوال (٢). وقال سفيان بن عيينة وقد سئل: لمَ لمْ يُكتب في صدر براءة بسم اللَّه الرحمن الرحيم؟ قال: إن التسمية رحمة، والرحمةُ أمانٌ، وهذه السورة نزلت في المنافقين بالسيف ولا أمان للمنافقين (٣). وسئل علي بن محمد العلويُّ الكوفي (٤) عن ذلك فقال: لأن بسم اللَّه الرحمن الرحيم مفتاح (٥) سِلمٍ وبركة، وبراءةَ مفتاحُ حربٍ وهلكةٍ، فلم يَجُز افتتاحُ السِّلم والبركة بافتتاح الحرب والهلكة. وقال ابن كيسان: نزلت براءة على تسعٍ من هجرة النبيِّ ﷺ .

стр. 3481

وقال الزهري: كان سعيد بن المسيِّب يقول: الأنفال وبراءة سورة واحدة (١). وقال أبو عطيةَ: كتب إلينا عمر ﵁: تعلَّموا سورةَ براءة، وعلِّموا نساءكم سورة النور (٢). وقال البراء بن عازبٍ: آخرُ سورة أنزلت كاملةً سورةُ براءة (٣). وقال ابن عباس ﵄: كانت براءةُ تسمَّى: الفاضحة، على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فضحمت أقوامًا يومَ النحر -وهو الحجُّ الأكبر- بما أَنزل اللَّه من شؤونهم (٤)، وما كانوا يكتمون من غشِّ النبيِّ ﷺ (٥). ومن المفسرين مَن سماها بسبعة أسماء: سورة التوبة، والمبعثِرة؛ أي: المظهِرةُ لأسرار المنافقين، من قوله: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: ٩]، والفاضحة، والمنكِّلة، والمشرِّدة، والمخزِيَة من قوله تعالى: ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤]، والمدمدِمة وهي المهلِكة. * * *

стр. 3482

سورة التوبة (١) - ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: هذه براءةٌ؛ أي: انقطاعُ عصمةٍ من اللَّه ورسوله ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾؛ أي: ملقاةٌ إلى المشركين الذين عاهَدْتُموهم. * * * (٢) - ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾: أي: قل لهم: ﴿فَسِيحُوا﴾؛ أي: سيروا على مهلٍ على الأمان من القتال أربعةَ أشهرٍ من هذا الوقت إلى تمامِ هذه المدة، وكان الذين لهم عهد مع رسول اللَّه ﷺ على أنواع: منهم: مَن بقي مِن مدته أكثرُ من أربعة أشهر. ومنهم: مَن بقي قَدْرُ أربعةِ أشهرٍ. ومنهم: مَن بقي أقلُّ من ذلك. فجعل الكلَّ على مدةِ أربعة أشهرٍ، وكان هذا فضلًا من اللَّه ﷻ حيث لم يأمر بمباغَتتِهم (١) بالحرب ليُنظَروا ولا يَحتجُّوا بشيء.

стр. 3483

وقال محمد بن إسحاقَ: هم صنفانِ من المشركين: أحدهما: كُليبٌ، كانت مدةُ عهدهم أقلَّ من أربعةِ أشهر، فأُمهِلوا بالسياحةِ تمامَ أربعةِ أشهر. والآخر: خزاعةُ، وكان مدة عهدهم سنتين، فقُصِرَ على أربعة أشهر، وهم حربٌ بعد ذلك يُقتلون حيثما أُدركوا، ويؤسَرون إلى أن يؤمِنوا. وقال الكلبي: إنما كانت أربعةُ الأشهر (١) لمن كان عهدُه دون أربعةِ الأشهر، فأُتم له أربعة الأشهر، ومَن كان عهدُه أكثرَ من ذلك بقي حقُّهم بقوله: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٢). وقيل: التأجيل (٣) بأربعةِ الأشهر (٤) لمن نقض العهد، فأما الذي لم ينقض ولم يظاهر أحدًا على المؤمنين فقد أمر بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. وقال محمد بن كعب: بَعَث رسول اللَّه ﷺ أبا بكرٍ ﵁ أميرًا على الموسم سنةَ تسعٍ بالبراءة، ثم أَتْبَعه عليًّا ﵁ (٥). قال جابر ﵁: كنتُ مع عليٍّ ﵁ حين أَتْبعَه رسول اللَّه ﷺ

стр. 3484

أبا بكرٍ، فلما كان بالعَرْجِ (١) ثوَّبَ لصلاة الصُّبح، فلمَّا استوى أبو بكرٍ ﵁ ليكبِّر سمع الرغاء، فوقف وقال: هذا رُغاءُ ناقةِ رسول اللَّه ﷺ الجدعاء، لقد بدا لرسول اللَّه ﷺ في الحجِّ، فإذا عليها عليٌّ ﵁، فقال أبو بكر ﵁: أميرٌ أم رسول؟ قال: لا بل رسول (٢) أرسلني رسول اللَّه ﷺ ببراءةَ أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقَدِما مكة، فلما كان قبلَ التروية بيومٍ قام أبو بكر ﵁ فخطب الناس وحدَّثهم عن مناسكهم، ثم قام عليٌّ فقرأ ثلاثين أو أربعين آيةً من براءةَ (٣). وأجَّل المشركين أربعةَ أشهر. وفي رواية: كان ذلك يومَ عرفةَ، وأجَّل المشركين عشرين من ذي الحجة والمحرمَ وصفرًا وشهرَ ربيعٍ الأول وعشرًا من شهر ربيع الآخر (٤)، ونادى الناسَ في منازلهم: لا يدخل الحرم إلا مؤمنٌ، ويُتَمُّ إلى كل ذي عهدٍ عهدَه، ولا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُرْيان (٥). وقال الزهري: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ نزلت في شوال، فهي أربعة الأشهر: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم (٦).

стр. 3485

وعلى هذا التخريج يكون هذا قولَه تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١). وقال مقاتل: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة ومنهم هلال بن عويمر، وبنو مدلج منهم سراقة بن مالك بن جُعْشُم الكنانيُّ، وفي بني خزيمة بن عامر (٢)، وهما حيان من كنانة كان النبي ﵇ عاهدهم عشر سنين بالحديبية، فجعل اللَّه أجلَ الذين كانوا في العهد أربعةَ أشهر من يوم النحر إلى عشرٍ من شهر ربيعٍ الآخر (٣). وقيل: ولمَّا ضربت لهم مدةٌ قالوا: نسيح في الأرض (٤) في المدة على أمان ثم نحتال فنمتنعُ. [فنزل] (٥) قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾: أي: فائتي اللَّه؛ أي: لا تقدرون أن تفوتوا فتخرجوا عن قبضة قدرته تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾: أي: واعلموا أن اللَّه يخزيكم فيذلُّكم ويفضحُكم. وقال الإمام القشيري ﵀: وإن قطع عنهم [الوصلة فقد] ضرب لهم مدةً على وجه المهلة، على أنهم إن أقلعوا عن الضلال وجدوا في المآل ما فَقدوا من الوصال، وإن أبوا إلا التمادي في ترك الخدمة والحرمة انقطع ما بينه وبينهم من العصمة.

стр. 3486

ثم ختم الآية بما معناه: إن أصرَرْتم على قبيح آثاركم مشيتُم إلى هلاككم بقدمكم، وسعَيتُم في عاجلكم في إراقة دمكم، وحصَلتُم في أجلكم على ندمكم، فما خسرتم إلا في صفقتكم، وما جرَّ حينكم (١) سواكم: تبدَّلتْ وتبدَّلْنا وأَخْسَرُنا... مَن ابتغَى عوضًا يَسْلي فلم يجدْ (٢) * * * (٣) - ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: قال ابن زيد والزجاج: أي: إعلامٌ من اللَّه لكم يا معشرَ المسلمين (٣)، فليُؤْذِن به بعضُكم بعضًا فقد أمرتُ رسولي بإعلامكم. ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هو ﴿وَرَسُولُهُ﴾: ورفع ﴿وَرَسُولُهُ﴾ بإضمارِ هو، وقرأ عيسى بن عمر: (ورسولَه) نصبًا عطفًا على قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ (٤)، وقرأ الحسن: (ورسولِه) بالخفض على معنى القسَم (٥). وقيل: إن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ بالخفض فقال: إن كان اللَّه بريئًا من رسوله فأنا

стр. 3487

بريءٌ منه أيضًا، فأخذ الرجل بتلبيبه وجاء به إلى عمر ﵁، فقصَّ الأعرابي قراءته، فعند ذلك أمر عمر بتعليم العربية (١). يقول: أَعْلِموا هذا، فقد أَعْلمت المشركين ذلك بقولي: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقال ابن عباس ﵄: وإعلامٌ لأهل العهد من اللَّه ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن اللَّه بريءٌ ممن يَعْدِل به غيرَه ورسولُه أيضًا بريءٌ منه (٢). وقال القشيري ﵀: بَرِح الخفاءُ (٣) فليس لهم ولاء، إذ لم يكن منهم [بما عقدوا] وفاء، فليَعْلم (٤) الكافةُ أنهم أعداء: أشاعوا لنا في الحي أشنعَ قصةٍ... وكانوا لنا سلمًا فصاروا لنا حربًا (٥) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾: أي: رجعتُم يا أهل مكة من الكفر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، تنجُون به من السيف في الدنيا ومن العذاب في العُقبى. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: أي: أبيتُم لا عبادةَ الأوثان، وأعرضتُم عن الإيمان، ودمتُم على هذا التولِّي والخذلان (٦) ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾: أي: غيرُ فائتِيه. وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾: أي: أَعْلِمهم بذلك، فكان بشارةً للمؤمنين والمطيعين بالثواب، والكافرين بالعذاب (٧).

стр. 3488

والحج الأكبر هو الحج، والحج الأصغرُ هو العمرة. وفي يوم الحج الأكبر اختلاف: قال عليّ وابن عباس وأبو هريرة وعبد اللَّه بن عمر وابن أبي أوفى والمغيرةُ بن شعبة وابن مسعود وجماعةٌ من التابعين رضوان اللَّه عليهم أجمعين: هو يوم النحر (١)، وابن عمر والمغيرةُ ﵄ رَوَيا ذلك عن النبيِّ ﷺ (٢)؛ لأن الركن في باب الحج الوقوفُ بعرفة وطوافُ الزيارة، ويجوز الوقوف بعرفة في ليله، ويجب طوافُ الزيارة في نهاره، ويقع أعمالٌ كثيرةٌ فيه من إراقة الدماء والحلق والرمي، وفيه يَحِلُّ المحرم. وقال عمر، وابن عباس في رواية، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد اللَّه بن عمر، وجماعةٌ من التابعين: هو يومُ عرفة (٣)؛ لقول النبيِّ ﷺ : "الحجُّ عرفة" (٤)، وبفَوَاتِ الوقوف بعرفةَ فواتُ (٥) الحج. وقال مجاهد: هو أيام الحج كلُّها (٦)؛ لأن أفعال الحج تؤدَّى فيها، ويطلق اليوم على الأيام لأنه جنس.

стр. 3489

وقال محمد بن سيرين: الحج الأكبر: العام الذي حجَّ فيه رسول اللَّه ﷺ ، اتَّفق فيه حجُّ الملل (١). * * * (٤) - ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: قيل: الاستثناء من الأمر بسياحةِ أربعة (٢) أشهر، ولهم تمامُ مدتهم. وقال الزجَّاج: الاستثناء من براءة اللَّه ورسوله إلى المشركين (٣). وقيل: من قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. والصحيح: أنه استثناء منقطع بمعنى: لكن، والبراءةُ والإنذار بالعذاب في حقِّ كلِّ الكفار، وتقديره: لكن الذين عاهدتم من المشركين ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾؛ أي: لم يطعنوا في دينكم ولم يدلُّوا على عوراتكم ولم يَسْعَوا في نقيصةِ أمركم ﴿يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾؛ أي: لم يعاونوا عليكم عدوًا ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ فإنَّ حفظ العهد تقوى، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: الحافظين العهدَ.

стр. 3490

والآية نزلت في بني ضَمْرةَ وبني كنانة، وكان بقي لهم من مدتهم تسعةُ أشهر. وقال ابن عباس ﵄: مدةُ مَن كان له عهدٌ من المشركين قبل أن تنزل براءةُ أربعةُ أشهر من يوم أُذِّن بالبراءة إلى العاشر من شهر ربيعٍ الآخِر، فذلك أربعةُ أشهر، فإنْ نقَض المشركون عهدهم وظاهروا عدوًّا فلا عهدَ لهم، وإنْ وفَوا بعهدهم الذي بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ ولم يظاهروا عليه عدوًّا فقد أُمر بأنْ يفيَ عهدَهم (١). * * * (٥) - ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾: قال الحسن: أي: خرجت ومضت هذه أربعة الأشهر (٢) التي قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ لسائر المعاهدين، وتسعةُ أشهر لبني كنانة، وخمسون يومًا من يوم النحر إلى آخر المحرَّم لمن لم يكن له عهد، وهو قول مجاهدٍ وعمرِو بن شعيبٍ ومحمدِ بن إسحاق وجماعةٍ، وسميت حرمًا لأنهم حرُم قتلُهم فيها بحكم الأمان (٣). وقيل: الأشهر الحرم: رجبٌ وذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم. وقد روَينا عن الزهريِّ أن نزولَ براءة كان في أولِ شوال، فكان يمضي الأربعةُ الأشهر بمضيِّ شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم، فيكون الأمر بقتلهم عند انسلاخ الأشهر الحرم الثلاثة بعد شوال.

стр. 3491

وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾: أي: في الحلِّ والحرم. وقوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾: أي: ضيِّقوا عليهم المسالك، ولا تَدَعوهم يضربون في البلاد بالتجارة وغيرها. وقوله تعالى: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾: أي: على كلِّ مرصدٍ، وفي كلِّ مرصدٍ؛ أي: مَرْقَبٍ، والمرصد: الطريق الذي يُرقب فيه العدوُّ؛ أي: في كلِّ طريق يُظنُّ مرورُهم فيه ليأخذوهم. و ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ على هذا منصوبٌ بنزع الخافض. وقيل: هو نصبٌ على الظرف؛ لأنَّه مكان القعود. وهذا كلُّه تبعيدٌ (١) لهم عن مكة، ومنعٌ لهم عن دخولها والاجتماعِ مع المسلمين في الحج، وهو تحقيقٌ لِمَا نودي فيهم: لا يحجُّ بعد العام مشركٌ. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾: أي: رجعوا عن الكفر (٢) ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: التزَموهما ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾؛ أي: لا تقتلوهم ولا تأسروهم ولا تضيِّقوا عليهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفر لهم كفرَهم ومعاصيَهم بالإيمان به، ويرحمهم فلا يعذِّبهم. وقال الإمام القشيري ﵀: إذا أسلم الكافر بعد شركه، ولم يقصِّر فيما (٣) وجب عليه من قِسْمي فعله وتركه، حصل الإذن في تخليةِ سبيله وفكِّه، قال الشاعر:

стр. 3492

إنْ وجَدْنا لِمَا ادَّعيتَ شهودا... (١) لم تَجِدْ عندنا لحقٍّ جُحودا (٢) ولمَّا قرأ عليٌّ ﵁ هذه الآيات قام رجل فقال: أرأيتَ لو جاء رجلٌ مستأمنٌ ليستمع (٣) القرآن، أتقتلونه؟ قال: لو صبرتَ لبيَّنْتُ لك حكمَه فيما أنزل اللَّه تعالى فإنه مذكور فيما أقرأ، وهو قوله تعالى: * * * (٦) - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾: تقديره: وإن استجارك أحدٌ من المشركين حتى يسمعَ كلام اللَّه ﴿فَأَجِرْهُ﴾؛ أي: إن جاءك أحد من المشركين الذين لا عهد لهم يسألُك أن تُؤمِّنه وتكونَ جارًا له من وثوبِ المؤمنين عليه حتى يسمع كلام اللَّه ويتأمَّلَه، فأَجِبْه إلى ذلك وأَجِره، وإن جاء وسمع وتدبَّر ولم يؤمِن فلا تقتلْه فقد أمَّنْته، ولكنْ أَوْصِله إلى حيث يأمَنُ على نفسه، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾: أي: الكفارُ جاهلون مقلِّدون جارُون على الإلْف، فإذا الْتَمَس سماعَ كلام اللَّه فأَجِبْه فقد يكون مسترشِدًا، فإذا سمع وتأمَّلَ زالت عنه الشبهةُ فأسلمَ، فإنْ لم يفعل ورجع إلى موضعه فلكُم بعد ذلك إذا (٤) وجدتُموهم قَتْلَهم وأخذَهم لأنكم قد أَعْذَرتُم إليهم. وقال عطاء: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: ما أَعَدَّ اللَّه تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه

стр. 3493

من العقاب، وما افتَرض اللَّه في دِينه من الصلاة والزكاة والصوم والحج (١). قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فأسمِعوهم (٢) حتى يعلموا. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: إذا استجارك المشركُ اليومَ لا يُردُّ حتى يسمع كلام اللَّه، فإذا أستعاذ المؤمن طول عمره من الفراق متى يُمنَع عن سماع كلام اللَّه؟ ومتى يكون في زمرة مَن يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] (٣)؟ * * * (٧) - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ كيف استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: لا يكون للمشركين عهد عند اللَّه يأمنون به من عذابه في الآخرة وعهد عند رسوله يأمنون به على أنفسهم عذاب الدنيا من القتل والأخذ. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: يجوز أن يكون استثناءً من المشركين الذين لا عهد لهم، وتقديره: إلا الذين عاهدتم، ويجوز أن يكون بمعنى: لكن؛ أي: لكن الذين عاهدتُم عند المسجد الحرام فلا تنقُضوا عهدهم ولا تتعرَّضوا لهم. وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾: أي: على عهدهم ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾؛ أي: على عهدكم ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: الذين لا ينقضون العهد.

стр. 3494

وقال السدِّيُّ وابن جريجٍ: هم بنو جَذِيمة (١). وقال محمد بن إسحاق: هم قبائل من بني بكر (٢) عاهَدوا يوم الحديبيَة (٣). وقال ابن عباس ﵄: هم قريش (٤). وقال عبد الرحمن بن زيد: هؤلاء قريش لم يستقيموا، فضُرب لهم بعد الفتح أربعةُ أشهر ليُسلموا أو ليَلحقوا بأيِّ البلاد شاؤوا، فأسلموا قبل أربعة أشهر (٥). وعن ابن عباس ﵄ في رواية: أنهم بنو ضَمْرةَ (٦). وقال الحسين بن الفضل: هم بنو جذيمة (٧) وكنانة. وقال مقاتل: هم خزاعةُ وبنو مدلج وبنو جذيمة (٨). وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: كيف يستحقُّون أن يُعطَوا العهدَ وقد نقضوا العهود التي (٩) بينهم وبين ربهم، وهو عهد الخلقة؛ إذ في خلقة كلِّ أحدٍ الشهادةُ على وحدانية اللَّه تعالى وألوهيتِه، ونقضوا ما عُهد إليهم في كتبهم من إظهار

стр. 3495

صفة محمد ونعته (١) للخلق، ونقضوا العهود التي بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ ولم يحفظوها، فكيف يستحقُّون أن يعطَوا عهدًا مع هذا، إلا أن اللَّه بفضله أَذِن أن يُعطَوا العهود، وما استقاموا لكم بالوفاء بالعهد فاستقيموا لهم بذلك (٢). وقال القشيري ﵀: كيف يكون المفلسُ في عرفانه كالمخلِص في إيمانه؟ وكيف يكون المحجوبُ عن شهوده كالمستهلَك في وجوده؟ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾: إن تمسكوا بحبل وفائنا أحلَلْناهم في ظلِّ ولائنا، وإن زاغوا عن عهدنا ابتليناهم بصَدِّنا، ثم لم يَبرحوا على بُعْدنا (٣). وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾: فيه إضمارٌ؛ أي: كيف يكونُ لهم عهدٌ وهم إنْ يَظفروا بكم ويغلِبوكم، وهو كقوله : ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ﴾: أي: لا يحفظوا ﴿إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ قال ابن عباس ﵄: الإلُّ: القرابة، والذمَّة: العهد (٤). وقال عبد الرحمن بن زيد: كلاهما العهد (٥). وقال مجاهد: الإلُّ القرابة، والذمة الميثاق (٦).

стр. 3496

وقال قتادة: الإلُّ: الحِلف، والذِّمة: العهد (١). وقال الحسن: الإل: الجوار (٢). وقال أبو عبيدة: الإل: اليمين (٣)، وهو مأخوذٌ من الأَليل وهو البريق (٤) واللَّمَعان. وقال الزجاج: أصله التحديد، من الأَلَّة؛ أي: الحَرْبة (٥). وقال المبرِّد: كرِّر لمَّا اختَلف اللفظان وإن كان معناهما واحدًا، وهو كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾، وكما قال الشاعر: وأَلْفَى قولَها كذبًا ومَينًا (٦) وقوله تعالى: ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِم﴾: بحُسنِ القول ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ التصديقَ ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾: عاصون ناقضون العهد. * * * (٩) - ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

стр. 3497

وقوله تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾: قال عطاء: كان أبو سفيان يعطي الناقة والطعامَ ليصدَّ الناس بذلك عن متابعةِ النبي ﷺ (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: أعمالُهم هذه في نهاية السوء. وقال القشيري ﵀: مَن رضي من اللَّه بغيرِ اللَّه أَرخصَ في صَفْقته فخسِر في تجارته، فلا له بما آثَرَ على اللَّه استمتاع، ولا فيما دونه له إقناع، بقي عن اللَّه ولم يستمتِعْ بغير اللَّه، ألَا ذلك هو الخسران المبين (٢). * * * (١٠) - ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾: قد فسَّرناه، والأولُ في صفة (٣) ناقضي العهد، والثاني في صفة المشترِين بآيات اللَّه ثمنًا قليلًا. وقيل: الأول على الخصوص لأنه قال: ﴿فِيكُمْ﴾، والثاني على العموم لأنه قال: ﴿فِي مُؤْمِنٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾: أي: المجاوِزون حدودَ اللَّه تعالى، وهذا حثٌّ على قتالهم لسوء أعمالهم، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. * * * (١١) - ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.

стр. 3498

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾: أي: مِن الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾؛ أي: قبلوهما ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾؛ أي: فهم إخوانكم في الإسلام، وقد زالت المعاداة، وارتفعت المقاتَلة والمباراة. وقوله تعالى: ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾: أي: نبيِّنها للَّذين يعملون بعلومهم. * * * (١٢) - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾: أي: نقضوا ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾؛ أي: عابوه ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ ونقضُ العهد كافٍ لإباحة القتل، ولكن ذُكر الطعنُ في الدِّين لزيادة تحريكِ المؤمنين على قتالهم. وقيل: معناه: وإنْ نكثوا أيمانهم بطعنهم في دِينكم، ويذكر الفعلان بواوٍ بينهما والثاني تفسيرُ (١) الأول، كقولك: استخفَّ فلانٌ بحقِّي وردَّني عما طلبتُ إليه. وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾: أي: قاتلوهم فإنهم أئمة الكفر؛ أي: المقتدَى بهم والمتبعون (٢)؛ لأنَّه قيل: أريد به بنو بكر الذين عدَوا على خزاعة فأعانتْهم قريش فانتَقض عهدهم وغزاهم لذلك رسول اللَّه ﷺ ، وهم كلُّهم قريش وأشياعهم، وبهم كان يقتدي سائر المشركين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾: أي: لأنهم (٣)، وقرأ ابن عامر: ﴿لا إيمان لهم﴾ بكسر الألف، وله وجهان:

стр. 3499

أحدهما: إنهم لا إيمان لهم باللَّه بل هم كفار. والثاني: أنه إعطاء الأمان (١)؛ أي: لا تُعطوهم الأمانَ فإنهم لا يستحقُّون ذلك. وقرأ الباقون بفتح الألف وهي جمع اليمين (٢)؛ أي: لا عهود لهم ولا أقسام. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾: أي: قاتِلوهم لينتَهوا عن الطعن في دينكم، و (لعل) كلمةُ تَرَجٍّ؛ أي: قاتِلوهم مؤمِّلين انتهاءَهم، ناوين بقتالكم ردَّهم عن الكفر. وقيل: أي: لا تستنكروا نكثَهم فلا ثقةَ بأيمانهم. وقال ابن جريج: أئمةُ الكفر: رؤساء (٣) قريش -وكذا قال الضحَّاك والسدِّي (٤) - نكثوا (٥) العهد وعملوا في إخراج الرسول. وقال مقاتل: أئمة الكفر: أبو سفيان والحارث بن هشام وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل، نقضوا العهدَ الذي كان بينهم بالحديبيَة (٦). ولا يصح ما رُوي عن الكلبي عن ابن عباس ﵃: أنهم أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف ونظراؤهم (٧) = لأنهم قتلوا يوم بدر، وهذه الآيات نزلت في فتح مكة.

стр. 3500

(١٣) - ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾: وهذا تحريك لهم على قتال هؤلاء، وهو استفهام بمعنى الإغراء، وهؤلاء القوم هم قريش؛ أي: نقضوا أيمانهم التي كانت بالحديبية وأعانوا أعداءكم بني بكر على حلفائكم خزاعة. ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ من مكة، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] وقوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، وقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]. وقوله : ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال مجاهد: نقضوا العهد بإعانة بني بكر على خزاعة (١). وقال آخرون: بدؤوكم بقتالِ بدرٍ؛ لأن النبيَّ ﷺ خرج للعير، والكفارُ بعد إحراز (٢) العير لم ينصرفوا وقالوا: نخرج إلى بدرٍ فنشربُ بها الخمر وتَعزف علينا القَيْناتُ (٣) وتهابُنا العرب، فكانوا هم البادئين. وقوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾: استفهام بمعنى النهي ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: الإيمان يوجبُ الخشية من اللَّه تعالى في مخالفةِ أمره، فلا مَدفع لحكمه ولا مَرَدَّ لقضائه، وأنتم مؤمنون فحقِّقوا شرط إيمانكم، وهذا أبلغ تحريكٍ وتشجيع.

стр. 3501

(١٤ - ١٥) - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾: أمرهم بقتال المشركين، ووعَد عليه هذه الأشياءَ، وجزم كلّها لأنه جزاءٌ عليه. وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: رفعٌ؛ لأنَّه مبتدأ غيرُ معطوف، ولكنه متصلٌ بالأول معنًى؛ أي: ومن فوائد القتال أنه يتوب بسببه بعضُ مَن تأمَّل فيه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: لا يكون عليه خفاء ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَلحقه خطأ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما كان منهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما (١) أمر فيهم. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: شفَى (٢) صدور المؤمنين على حسَب مراتبهم في الدرجات والمقامات، فمنهم مَن شفاءُ صدره في قهرِ عدوه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في نيلِ مَرْجوِّه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في الظَّفَر بمطلوبه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في لقاء محبوبه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في دَرك مقصوده، ومنهم مَن شفاءُ صدره في البقاء بمعبوده (٣)، وكذلك ذهابُ غيظِ قلوبهم تختلف أسبابه وتتنوَّعُ أبوابه، ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى يكون استقلالُه بمحوِّل الأحوال لا بصفاء الأحوال (٤).

стр. 3502

(١٦) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾: أي: أظننتُم أن تُتركوا على ما أظهرتُم من الإيمان باللسان (١) ولا تُبْتَلَون بالقتال. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: أي: لم يوجد منكم جهادُ المشركين، ولو وُجد لعَلِمه اللَّه تعالى موجودًا، لأن اللَّه يعلم في الأزل ما يوجد أنه يوجد، ويعلمه موجودًا حين يوجد، لأنه جل وعلا يعلم كلَّ شيء على ما هو به، وقد قرَّرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وفي سورة آل عمران في قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: عطف على ﴿جَاهَدُوا﴾؛ أي: ولم يعلمِ اللَّه الذين جاهدوا منكم ووالَوا اللَّه ورسولَه والمؤمنين ولم يتولَّوا غيرَ اللَّه ورسولهِ والمؤمنين ولم يتَّخذوا من دون اللَّه أولياء و (٢) خواصَّ. والوليجة: البطانةُ الخاصة، من الولوج وهو الدخول، وَلِيجتُك: صديقُك الذي تُطْلعه على ما في داخل قلبك. وصفة المؤمن المخلِص ألا يتَّخذ بطانةً من الكفار، ولا يتولَّى غيرَ الرسول والمؤمنين الأبرار. وذكر اللَّه هاهنا لتأكيد الأمر في موالاة الرسول والمؤمنين، ومعنى ذكرِه: أن هذه الموالاةَ مع الرسول والمؤمنين (٣) بأمره وشرعه، وما ينبغي للمؤمن أن يتولَّى

стр. 3503

الكفار، قال ﷻ : ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقال: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: من الموافَقة والمخالَفة، وهو وعد ووعيد. وقال الإمام القشيري ﵀: مَن ظنَّ أنه يكتفَى منه بالدعوى دون تحقيقِ المعنى فهو على غَلَطٍ من حسبانه، وفي غَلَبٍ من حسابه، بل المطلوبُ صدقُ المجاهدة في اللَّه، وتركُ الركون إلى غير اللَّه، وإذا اتَّخذ وليجة من الكفار فشا في الأعداء الأسرار، وأولى مَن يهجره المرءُ لئلا تطَّلع على الأسرار نفسُه التي هي أعدَى عدوِّه. حُكي عن أبي يزيد ﵀ أنه قال في بعض أوقات مكاشفاته: كيف أطلبك؟ فقيل له: فارق نفسك وتعال. والحرية عزيزةٌ، قال قائلهم: أتمنَّى على الزمان مُحالا... أن ترَى مقلتايَ طلعةَ حرٍّ (١) * * * (١٧) - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: واتِّصالها بما قبلها: أن اللَّه عزَّ وعلا حرَّض على قتال المشركين من وجوهٍ، وهذا وجهٌ آخرُ من ذلك،

стр. 3504

وهو أن مكة مولدُكم ومنشؤكم، وفيها قبلتكم، وبها مفاخرتُكم، وقد استولى المشركون عليها وأخرجوكم منها، وقاموا بعمارة المسجد الحرام الذي فيها وليسوا بأهل ذلك، فقاتلوهم وأخرجوا ذلك من أيديهم، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ أي: أن يلُوا عمارتها. وقيل: كان فيما نودي فيهم مع البراءة: ألا يحجَّ بعد العام مشركٌ (١)، وفي هذه الآية إشارةٌ إلى منعهم عن قصدها والطوافِ بها وعمارتها بالصلاة. ومعنى الآية على هذا: ليس في حكم اللَّه تعالى أن يعمُر المشركون مساجد اللَّه بالصلاة فيها وحجِّها والطواف بها وعمارتها وهم غيرُ مؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: وقيل: هو اعترافهم بعبادة الأوثان وإن لم يصرِّحوا بالاعتراف بلفظ الكفر والشرك. وقيل: هو قولهم في التلبية: لبَّيك لا شريك لك إلا شريكٌ هو لك تملكُه وما مَلَك؛ أي: ليس لهم أن يحجُّوها (٢) وهم قائلون في الحج هذا. وقيل: أي: ما يدينون به دليل على كفرهم، لا أنهم يقولون: نحن كفار، وهو كقولك للرجل: إن (٣) كلامك ليشهدُ أنك ظالم؛ قاله الحسن (٤). وقال السدِّي: إن النصراني إذا قيل له: مَن أنت؟ قال: نصرانيٌّ، وكذلك اليهوديُّ والمشرك والوثنيُّ (٥).

стр. 3505

ثم قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون المرادُ به حقيقةَ الجمع؛ أي: في كلِّ المساجد الحُكمُ هذا. وقال الحسن: هو المسجد الحرام، وإنما جُمع لأنه قبلةُ المساجد كلِّها وإمامُها، يقول: ما كان للمشركين أن يُتركوا فيكونوا من أهل المسجد الحرام (١)، وطريقه طريق قولهم: خرج فلانٌ إلى الحج على البغال، أو: على الإبل، ويراد به الجنسُ لا الجمع. قال ابن إسحاق: وقالت قريش: إنَّا أهل الحرم وسُقاة الحجيج وعمَّار هذا البيت، لا أحد أفضل منا، فقال اللَّه ﷻ ذلك (٢). وقال ابن عباس ﵄: لمَّا أُسر العباس يومَ بدرٍ أقبل عليه المسلمون فعيَّروه بكفره باللَّه تعالى وقطيعةِ الرَّحِم، وأغلَظَ عليٌّ للعباس القولَ، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له عليٌّ ﵁: ألكُم محاسنُ؟ قال: نعم، إنَّا لنَعْمُر المسجدَ الحرام، ونَحجب الكعبة، ونسقي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانيَ، فأنزل اللَّه ﷻ ردًّا على العباس: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَائِزُونَ﴾ (٣).
следующие страницы →