← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

(١٤ - ١٥) - ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾: أمرهم بقتال المشركين، ووعَد عليه هذه الأشياءَ، وجزم كلّها لأنه جزاءٌ عليه. وقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾: رفعٌ؛ لأنَّه مبتدأ غيرُ معطوف، ولكنه متصلٌ بالأول معنًى؛ أي: ومن فوائد القتال أنه يتوب بسببه بعضُ مَن تأمَّل فيه. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: لا يكون عليه خفاء ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يَلحقه خطأ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما كان منهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما (١) أمر فيهم. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: شفَى (٢) صدور المؤمنين على حسَب مراتبهم في الدرجات والمقامات، فمنهم مَن شفاءُ صدره في قهرِ عدوه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في نيلِ مَرْجوِّه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في الظَّفَر بمطلوبه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في لقاء محبوبه، ومنهم مَن شفاءُ صدره في دَرك مقصوده، ومنهم مَن شفاءُ صدره في البقاء بمعبوده (٣)، وكذلك ذهابُ غيظِ قلوبهم تختلف أسبابه وتتنوَّعُ أبوابه، ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ حتى يكون استقلالُه بمحوِّل الأحوال لا بصفاء الأحوال (٤).

стр. 3502

(١٦) - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا﴾: أي: أظننتُم أن تُتركوا على ما أظهرتُم من الإيمان باللسان (١) ولا تُبْتَلَون بالقتال. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾: أي: لم يوجد منكم جهادُ المشركين، ولو وُجد لعَلِمه اللَّه تعالى موجودًا، لأن اللَّه يعلم في الأزل ما يوجد أنه يوجد، ويعلمه موجودًا حين يوجد، لأنه جل وعلا يعلم كلَّ شيء على ما هو به، وقد قرَّرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وفي سورة آل عمران في قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾: عطف على ﴿جَاهَدُوا﴾؛ أي: ولم يعلمِ اللَّه الذين جاهدوا منكم ووالَوا اللَّه ورسولَه والمؤمنين ولم يتولَّوا غيرَ اللَّه ورسولهِ والمؤمنين ولم يتَّخذوا من دون اللَّه أولياء و (٢) خواصَّ. والوليجة: البطانةُ الخاصة، من الولوج وهو الدخول، وَلِيجتُك: صديقُك الذي تُطْلعه على ما في داخل قلبك. وصفة المؤمن المخلِص ألا يتَّخذ بطانةً من الكفار، ولا يتولَّى غيرَ الرسول والمؤمنين الأبرار. وذكر اللَّه هاهنا لتأكيد الأمر في موالاة الرسول والمؤمنين، ومعنى ذكرِه: أن هذه الموالاةَ مع الرسول والمؤمنين (٣) بأمره وشرعه، وما ينبغي للمؤمن أن يتولَّى

стр. 3503

الكفار، قال ﷻ : ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٤]، وقال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقال: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: من الموافَقة والمخالَفة، وهو وعد ووعيد. وقال الإمام القشيري ﵀: مَن ظنَّ أنه يكتفَى منه بالدعوى دون تحقيقِ المعنى فهو على غَلَطٍ من حسبانه، وفي غَلَبٍ من حسابه، بل المطلوبُ صدقُ المجاهدة في اللَّه، وتركُ الركون إلى غير اللَّه، وإذا اتَّخذ وليجة من الكفار فشا في الأعداء الأسرار، وأولى مَن يهجره المرءُ لئلا تطَّلع على الأسرار نفسُه التي هي أعدَى عدوِّه. حُكي عن أبي يزيد ﵀ أنه قال في بعض أوقات مكاشفاته: كيف أطلبك؟ فقيل له: فارق نفسك وتعال. والحرية عزيزةٌ، قال قائلهم: أتمنَّى على الزمان مُحالا... أن ترَى مقلتايَ طلعةَ حرٍّ (١) * * * (١٧) - ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾: واتِّصالها بما قبلها: أن اللَّه عزَّ وعلا حرَّض على قتال المشركين من وجوهٍ، وهذا وجهٌ آخرُ من ذلك،

стр. 3504

وهو أن مكة مولدُكم ومنشؤكم، وفيها قبلتكم، وبها مفاخرتُكم، وقد استولى المشركون عليها وأخرجوكم منها، وقاموا بعمارة المسجد الحرام الذي فيها وليسوا بأهل ذلك، فقاتلوهم وأخرجوا ذلك من أيديهم، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾؛ أي: أن يلُوا عمارتها. وقيل: كان فيما نودي فيهم مع البراءة: ألا يحجَّ بعد العام مشركٌ (١)، وفي هذه الآية إشارةٌ إلى منعهم عن قصدها والطوافِ بها وعمارتها بالصلاة. ومعنى الآية على هذا: ليس في حكم اللَّه تعالى أن يعمُر المشركون مساجد اللَّه بالصلاة فيها وحجِّها والطواف بها وعمارتها وهم غيرُ مؤمنين، وذلك قوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾: وقيل: هو اعترافهم بعبادة الأوثان وإن لم يصرِّحوا بالاعتراف بلفظ الكفر والشرك. وقيل: هو قولهم في التلبية: لبَّيك لا شريك لك إلا شريكٌ هو لك تملكُه وما مَلَك؛ أي: ليس لهم أن يحجُّوها (٢) وهم قائلون في الحج هذا. وقيل: أي: ما يدينون به دليل على كفرهم، لا أنهم يقولون: نحن كفار، وهو كقولك للرجل: إن (٣) كلامك ليشهدُ أنك ظالم؛ قاله الحسن (٤). وقال السدِّي: إن النصراني إذا قيل له: مَن أنت؟ قال: نصرانيٌّ، وكذلك اليهوديُّ والمشرك والوثنيُّ (٥).

стр. 3505

ثم قوله: ﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ يجوز أن يكون المرادُ به حقيقةَ الجمع؛ أي: في كلِّ المساجد الحُكمُ هذا. وقال الحسن: هو المسجد الحرام، وإنما جُمع لأنه قبلةُ المساجد كلِّها وإمامُها، يقول: ما كان للمشركين أن يُتركوا فيكونوا من أهل المسجد الحرام (١)، وطريقه طريق قولهم: خرج فلانٌ إلى الحج على البغال، أو: على الإبل، ويراد به الجنسُ لا الجمع. قال ابن إسحاق: وقالت قريش: إنَّا أهل الحرم وسُقاة الحجيج وعمَّار هذا البيت، لا أحد أفضل منا، فقال اللَّه ﷻ ذلك (٢). وقال ابن عباس ﵄: لمَّا أُسر العباس يومَ بدرٍ أقبل عليه المسلمون فعيَّروه بكفره باللَّه تعالى وقطيعةِ الرَّحِم، وأغلَظَ عليٌّ للعباس القولَ، فقال العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا؟! فقال له عليٌّ ﵁: ألكُم محاسنُ؟ قال: نعم، إنَّا لنَعْمُر المسجدَ الحرام، ونَحجب الكعبة، ونسقي الحاجَّ، ونَفُكُّ العانيَ، فأنزل اللَّه ﷻ ردًّا على العباس: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَائِزُونَ﴾ (٣).

стр. 3506

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: ما ذكروه من محاسنهم بطَل ثوابُها لشركهم. وقوله تعالى: ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾: لكفرهم، أخبر اللَّه تعالى أنهم ليسوا بأهلٍ لعمارتها، ولا في قيامهم ما يوحما الكفَّ عن قتلهم، لأنهم مشركون حبِطت أعمالهم واستحقُّوا الخلود في النار. * * * (١٨) - ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾: أي: إنما يستحقُّ القيام بعمارتها مَن كان بهذه الصفة، فهو يعظِّم البيت حقَّ تعظيمه. وقوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ أي: لم يعمل ذلك كلَّه إلا لخشية اللَّه. وقيل: أي: لم يخشَ إلا اللَّه فلم يتخلَّفْ عن قتال المشركين لخشيتهم، وهو إشارةٌ (١) إلى ما قال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣]، وقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وقوله: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ و (عسى) من اللَّه إطماعٌ، وإطماع الكريم إيجابٌ؛ أي: المستكمِلون هذه الخصالَ ثابتون على الهداية خارجون عن الضلالة. وروى أبو سعيد الخُدري ﵁ عن النبيِّ ﷺ : "إذا رأيتم الرجل يعتادُ

стр. 3507

المسجدَ فاشهَدوا له بالإيمان، قال اللَّه تعالى في كتابه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (١). وقال القشيري ﵀: عمارة المساجد التي هي مواقفُ العبودية لا تتأتى إلا بتخريبِ أوطان البشرية، فالعارفُ يَعمُر المسجد بتخريبِ أوطان شهوته، والزاهد يَعمره بتخريب أوطان مُنْيته، والعارف يَعمره بتخريب أوطان علاقته، والموحِّد يَعمره بتخريب أوطان ملاحظته، ولكلٍّ منهم صنفٌ مخصوص (٢)، وكذلك رتبتُهم في الإيمان مختلفة، فإيمانٌ من حيث البرهان، وإيمانٌ من حيث البيان، وإيمانٌ من حيث العِيان، وشتَّان ما هم (٣). * * * (١٩) - ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: الحاجُّ أريد به الجمعُ لأنه جنس (٤)، وتقدير الآية: أجعلتُم

стр. 3508

صاحب سقاية الحاجِّ وعمار المسجد الحرام كمَن آمن باللَّه واليوم الآخر، أو: أجعلتُم سقايةَ الحجَّاج وعمارةَ المسجد الحرام كإيمانِ مَن آمن باللَّه واليوم الآخر وجهادِ مَن جاهد في سبيل اللَّه؛ لأن الصحيح مقابلة الفعل بالفعل أو الفاعل بالفاعل، ويصير كذلك بهذا الإضمار، وله طريقٌ آخرُ: أن يُجعل السِّقاية والعمارة وهما مصدران كالنعتين، وتقديره: أجعلتُم ساقي الحاجِّ وعامرَ المسجد الحرام كمَن آمن، وهو كالعدل يراد به العادل، وتحقيق هذا قراءةُ عبد اللَّه بن الزبير وأبي وجزةَ السعدي: (أجعلتُم سُقاةَ الحاج وعَمَرة المسجد الحرام) (١). وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: في الدرجة. ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: قال مقاتل أي: المشركين إلى الحجة (٢). وقيل: إلى الجنة. وقيل: إلى الإسلام مع اختيارهم الكفرَ. روي أن عليًا والعباس وشيبةَ بن عثمان -وقيل: طلحة بن شيبة- تفاخروا، فقال العباس: أنا أسقي الحجيج، وقال شيبة: أنا أَعْمُرُ مسجد (٣) اللَّه، وقال علي: ما أدري ما تقولان! لقد صلَّيت إلى القبلة ستةَ أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد مع رسول اللَّه ﷺ ، فنزلت الآية (٤)، وعرَفوا أن سقي الحجيج وعمارةَ البيت لا يَعدلان الإيمان والجهاد، وكان العباس وشيبةُ غيرَ مسلمَين يومئذ.

стр. 3509

وقال النعمان بن بَشير: كنت عند منبرِ رسول اللَّه ﷺ في نفرٍ من أصحابه، فقال رجل منهم: ما أبالي ألا أعمل عملًا بعد الإسلام إلا أنْ أسقي الحاجَّ، وقال آخر: بل عمارةُ المسجد الحرام أحبُّ إليَّ، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل اللَّه خيرٌ مما قلتُم، فزجرهم عمرُ ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبرِ رسول اللَّه ﷺ -وذلك يومَ الجمعة- فإذا صلى الجمعة دخلتُ إليه (١) فاستفتيتُه عما اختلفتُم فيه، ففعلوا فأنزل اللَّه هذه الآية (٢). وقال مرةُ الهَمْدانيُّ: قال عليٌّ للعباس: يا عم! ألا تهاجرُ؟ قال: ألستُ في أفضلَ من الهجرة؟ ألستُ أسقي الحجيجَ وأَعْمُرُ المسجد الحرام؟ فنزلت الآية (٣). وقال مجاهد: أُمروا بالهجرة، فقال العباس: أنا أسقي الحاجَّ، وقال طلحة: أنا حاجب (٤) الكعبة، لا نهاجر، فنزلت الآية (٥). وقال القشيريُّ ﵀: ليس مَن قام بمعاملةِ ظاهره كمَن استقام في تصحيح سرائره، ولا مَن استضاء بسراج علومه كمَن استبصَر بشُموس معارفه، ولا مَن نُصب بالباب من حيث الخدمةُ كمَن مُكِّن من البساط من حيث القُربة، وليس نعتُ مَن تكلَّف نِفاقًا كوصفِ مَن تحقَّق وفاقًا، بينهما بونٌ بعيد (٦). * * *

стр. 3510

(٢٠) - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾: أي: مِن سقاية الحاجِّ وعمارةِ المسجد الحرام بلا إيمانٍ، وليس لأولئك درجةٌ في الفضل، لكن معناه: أنهم يعتقدون لأنفسهم درجةً، فقال: هؤلاء أعظمُ درجةً على الحقيقة من أولئك على ما يتوهَّمونه لأنفسهم. وقيل: معناه: أعظمُ درجةً من المؤمنين الذين لم يهاجروا ولم يجاهدوا. وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾: أي: الناجُون. * * * (٢١) - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ﴾: أي: عند الموت على ألسنة الملائكة، وفي الجنة بلا واسطةٍ. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾؛ أي: في جنات (١). * * * (٢٢) - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾: هذا كلُّه ظاهر. وقال القشيري ﵀: بشارةُ العُصاة بالرحمة، وبشارةُ المطيعين بالجنة والنعمة، وبشارةُ العصاة بالنجاة، وبشارةُ المطيعين بالدرجات، وبشارة العصاة بالخلاص، وبشارة المطيعين بالاختصاص.

стр. 3511

ويقال: بشَّر العصاة بالرحمة، والمطيعين بالرضوان، والكافةَ بالجنة، وقدَّم العاصي في الذكر، وقدم المطيع بالبِرِّ، والذكرُ قولُه وهو قديم، والبِرُّ طَولُه وهو عميم. وقيل: بشَّر بنفسه ليزيد في محبة عبده؛ لأن القلوب مجبولةٌ على حبِّ المبشِّر، يقول قائلهم: لولا تمتُّعُ مُقلتي بلقائه... لوهبتُها لمبشِّري بإيَابه (١) وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ عرَّفهم أنهم برحمته وصلوا إلى طاعته، لا بطاعتهم وصلوا إلى نعمته. وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ قومٌ نعيمهم عطاءُ ربهم على وصف التمام، وقومٌ نعيمُهم لقاءُ ربهم على نعت الدَّوَام، فالعابدون لهم تمامُ عطائه، والعارفون لهم دوام لقائه (٢). * * * (٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: قال ابن عباس ﵄: ولمَّا أَمر النبيُّ ﷺ بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه وأخيه وامرأته وقَرابته: إنَّا قد أُمرنا بالهجرة إلى المدينة فاخرجوا معنا، فمنهم مَن يعجبه ذلك ويتسارع فيه، ومنهم مَن يأبى ذلك، ومنهم مَن يتعلق به زوجته وعيالُه وولده

стр. 3512

فيقولون له: نَنْشُدُك اللَّه ألا تضيِّعنا، فيَرِقُّ ويجلس وَيدَعُ الهجرة، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾ (١) الذين بمكة ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ في الدين والعون والنصرة ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا﴾؛ أي: اختاروا ﴿الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ بعد نزول هذه الآية في الإقامة ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ على الكفر ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢). وقال مقاتل: نزلت في السبعة الذين ارتدُّوا عن الإسلام ولحقوا بمكة، فنهى اللَّه عن ولايتهم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ يا معشر المؤمنين ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣). وقال القشيري ﵀: علامةُ الصدق في التوحيد قطعُ العلاقات، ومفارقةُ العادات، وهجرانُ المعارف والقَرابات، والاكتفاءُ باللَّه على دوام الحالات (٤). * * * (٢٤) - ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالُ

стр. 3513

اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾: أي: اكتسبتُموها (١) ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: قال مقاتل: قل يا محمد للمتخلِّفين عن الهجرة: إن كان المقام مع آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وأزواجكم (٢) وعشيرتِكم، وأموالٍ اكتسبتُموها، وتجارةٍ ترجُون حصولَ أرباحها وتخشَون كسادها، ومساكنَ رضيتُموها، أحبَّ إليكم من الهجرة إلى اللَّه ورسوله ومن جهادٍ في نصرة دينه فانتظروا حتى يأتي اللَّه بأمره بفتح مكة (٣). وقال عطاء: ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بقضائه (٤). وقال الحسن: ﴿بِأَمْرِهِ﴾ من عقوبةٍ عاجلةٍ أو آجلة (٥). وقيل: أي: بعذابه، كما قال ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ [يونس: ٢٤]. وقال القفال: قطَع وجوهَ العُذر بهذا التعديد والبسطِ من الكلام، فلم يُجِزْ تركَ الهجرة والجهاد في سبيل اللَّه للميل إلى الشيء من الأسباب (٦) المميلة، ولم يجعلْ ما يَثقُل على الإنسان فراقُه من أبٍ بَرّ، وابنٍ يَتزيَّن به، وأخٍ يَعتضِد بمعونته، وزوجةٍ يَسكن إلى صحبتها وإلْفِها وخدمتها، وعشيرةٍ يَتعزَّز بهم ويستعين على دفع المُلِمَّات بنصرتهم، وأموالٍ مكتسَبة قد استَنفذَ في تحصيلها الوُسع، وأنفق على جمعها العُمر،

стр. 3514

وتجشَّم على حملها الأسفار، وخاف عليها الضَّيَاع بالغيبة عنها، وتجارةٍ قائمة يرجو حصولَ أرباحها، ومنازلَ قائمةٍ (١) عامرةٍ نَزْهةٍ (٢) مألوفةٍ يَتحصَّن فيها من أذى البرد والحر، وأَعدَّ فيها مواضع للشتاء والصيف، حجةً في مخالفةِ ما أمر اللَّه تعالى من الهجرة وجهادِ الكفار، وأَخبر أنَّ مَن آثرَ طاعة الشيطان على طاعة الرحمن فليستعدَّ لنزول أمر اللَّه، فإنه ينزل به ما لا مَدفع له ولا اعتصام منه بنصرةِ قرابةٍ أو عشيرةٍ، ولا يتحصَّن بمساكنَ حَريزة، وليعلم أن اللَّه لا يُرشد الفاسقين المستخفِّين بدِينه إلى صوابٍ في تدبيره، ولا يهديهم إلى طريق رضوانه ورحمته ما داموا (٣) على اختيارِ مخالفته. وقال الإمام القشيري ﵀: مَن نَفَقتْ أسواقُ دينه (٤) كسدت أسواق حظوظه، وما لم تَخلُ منك منازل الحظوظ لا تَعْمُر بك مشاهدُ الحقوق (٥). * * * (٢٥) - ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾: قال قتادة: هو وادٍ بين مكة والطائف (٦).

стр. 3515

وقال عروة: هو وادٍ إلى جنب ذي المجاز (١). يقول: لقد نصركم اللَّه في مواطنَ كثيرةٍ مثلَ بدرٍ والأحزاب، وأعلاكم على عدوِّكم مع ضعفِكم وقلةِ عددكم في مقامات كثيرة من بين غزوةٍ وسرية، ويومَ حنين (٢)، فليَهُنْ عليكم أمرُ الآباء والأبناء والإخوان والعشيرةِ والأموال، وأسباب المنَعة (٣) الدنيوية، ولا تظنُّوا النصر بها، فانقطِعوا إلى اللَّه بالكلية واطلبوا من عنده النصرَ والمعونة. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ حين كان فزعُكم إلى اللَّه ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ بعدما ولَّيْتُم فزعتُم إلى اللَّه أيضًا، فنصركم أيضًا (٤). وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾: أي: أعجبكم كثرة عَددكم ووفورُ عُددكم ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ الكثرة (٥) ﴿شَيْئًا﴾؛ أي: لم تنفعكم الكثرة شيئًا. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: (ما) مع الفعل مصدر، وتقديره: برُحْبها؛ أي: مع رُحْبها (٦)؛ أي: سَعَتها؛ لطلب العدو إياكم، قال الشاعر: كأنَّ بلادَ اللَّه وهي عريضةٌ... على الخائف المطلوب كُفَّةُ حابل (٧)

стр. 3516

أي: حِبَالة صيَّاد (١). وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾: أي: منهزِمين ابتُليتُم في أول (٢) الالتقاء بالهزيمة لإعجابكم بكثرتكم دون اعتمادكم على نصرة اللَّه، وعلى إلقائه الرعبَ في قلوب الأعداء، فلم ينفعكم العَددُ والعُدد التي لم تكونوا على مثلها في الوقائع التي نُصرتم فيها مثلَ بدر والأحزاب، وكانوا اثني عشر ألفًا حتى قالوا: لن نُغلبَ اليوم عن قِلَّة، وضاقت عليكم الأرضُ فلم تجدوا طريقًا إلى الخلاص إلا بالهزيمة، وذلك أن مَن أُعجب بعُدته (٣) اعتَمد عليها فلم يتضرَّع إلى اللَّه تعالى ولم يسأله النصر، فحُرم ذلك بتركِ التضرُّع والدعاء. وقال الواقدي (٤): لما فتَح اللَّه تعالى على رسوله ﷺ مكة مشت أشراف هوازن بعضُهم إلى بعضٍ، وكذا ثقيفٌ بعضها إلى بعضٍ، وحشَدوا (٥) وبَغوا وقالوا: واللَّهِ ما

стр. 3517

لاقى محمدٌ قومًا (١) يُحْسِنون القتال، فأَجْمِعوا أمركم فسيروا إليه قبل أن يسير إليكم. فأجمعوا أمرهم على ذلك، وسيدُ هوازنَ مالك بن عوفٍ النَّصريُّ، وسيدُ ثَقيفٍ عبد ياليل بن عمرٍو الثقفيُّ، فأجمَعوا المسير بالناس إلى رسول اللَّه ﷺ ، فجاؤوا ومعهم نساؤهم وأموالهم حتى نزلوا بأوطاسٍ، فعسكَروا ودريدُ بنُ الصِّمَّة معهم، وهو يومئذٍ شيخ كبيرٌ ابنُ مئة وستين سنة، ليس فيه شيء إلا التيمُّن به ومعرفتُه (٢) بالحرب، فلما نزل الشيخ مسَّ الأرض بيده فقال: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاسٍ، قال: نِعْمَ مجالُ الخيل، لا حَرْنٌ ضَرِسٌ ولا سهلٌ دهسٌ (٣)، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وثُغاء الشاة وخوار البقر وبكاء الصغير؟ فقالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فقال: أين مالكٌ؟ فقالوا: هذا مالكٌ، فدُعي له مالك، فقال: مالكُ إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئًا، فانقض هذا الرأي، فغضب مالك وقال: واللَّه لا أفعل ولا أغيِّر أمرًا صنعتُه، إنك قد كَبِرْتَ وكبر علمُك، وحدث بعدك مَن هو أبصرُ بالحرب منك، هل من رأي غيرِ هذا؟ قال: نعم، نجعل كمينًا يكون لك عونًا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، فقال مالك: هذا الرأي وأنا أقبله. وكان رسول اللَّه ﷺ افتتح مكة لثلاثَ عشرةَ ليلةً مضت من رمضان، وغزا يوم السبتِ السادس من شوال، واستعمل على مكةَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ يصلِّي بهم، ومعاذَ بن جبل يعلِّمهم السُّنن والفقه، وخرج النبيُّ ﷺ في اثني عشر ألفًا من المسلمين، عشرةِ آلاف من أهل المدينة وألفين من أهل مكة.

стр. 3518

وقال الحسن: كانوا ثمانيةَ آلاف. وقال عطاء: كانوا ستةَ عشر ألفًا (١). فلما فصل (٢) قال رجل من الصحابة -قال السديُّ: هو سَلَمةُ بن سلَامة (٣) -: لا نُغلبُ اليومَ عن قلَّة، وكان النبيُّ ﷺ قال: "خيرُ الأصحاب أربعةٌ، وخير السرايا أربعُ مئةٍ، وخير الجيوش أربعةُ آلافٍ، ولا يغلَب اثنا عشر ألفًا عن قلةٍ كلمتُهم واحدة" (٤).

стр. 3519

فسمع رسول اللَّه ﷺ قول هذا الرجل فساءه كلامه، فوُكلوا إلى كلمة الرجل، وانتهى النبيُّ ﷺ إلى حنينٍ مساء يوم الثلاثاء، وأَمر أُنيسَ بنَ مَرْثَدٍ الغَنَويَّ أن يحرسهم الليلةَ على فرسه على جبل، وقال له حين أصبح: "ما على هذا ألا يعمل عملًا بعد هذا". وخرج رجال من أهل مكة من أشرافهم وهم كفارُ قريش ينظرون لمن تكون الدَّبْرة، منهم صفوانُ بن أمية، وفيها كانت استعارةُ دروعه، وقولُه (١): أغصبًا يا محمد؟! وقولُه ﵇: "بل عاريةٌ مؤدَّاة"، ولما وقدت الهزيمة أولًا على المسلمين مرَّ رجل بصفوان فقال: أبشر فقد هُزم محمد وأصحابه! فقال صفوان: فَضَّ اللَّه فاك، قال (٢): ربٌّ من قريش أحبُّ إلي من ربٍّ من هوازن إن كنت مربوبًا. وانحدر رسول اللَّه ﷺ بأصحابه في وادي حنينٍ -وهو [وادٍ] حدورٌ- وقد مضت مقدمته على تعبئة، وركب النبي ﷺ بغلته البيضاء دُلْدُلَ، ولبس درعه والمغفَرَ والبيضة، فاستقبل الصفوف وطاف عليها بعضًا خلفَ بعضٍ، فحضَّهم (٣) على القتال وبشَّرهم بالفتح إنْ صدَقوا وصبروا. وقال أنس ﵁: ولمَّا انتهينا إلى وادي حنينٍ -وله مضائقُ وشعبٌ- استقبلَنا من هوازنَ شيءٌ لا واللَّه ما (٤) رأيتُ مثلَه في ذلك الزمان قطُّ من السَّواد والكثرة، قد ساقوا نساءهم وأبناءهم وأموالهم، فبينا نحن في غلس (٥) الصبح إنْ شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي فحملوا حملةً واحدةً وهم

стр. 3520

أربعةُ آلاف قد جرَّدوا سيوفهم وكسروا غمودها (١) -وقيل: أحرَقوها- فانكشفت (٢) أولُ الخيول مولِّيةً، وتبعهم الناس مولِّين منهزِمين لا يلوون على شيء، فالتفت النبيُّ ﷺ عن يمينه ويساره والناسُ منهزمون وقال: "يا أنصار اللَّه وأنصارَ رسوله، أنا عبد اللَّه ورسوله" ولم يكن مع النبيِّ ﷺ إلا العباسُ بنُ عبد المطلب وهو آخذٌ بلجام بغلةِ النبيِّ ﷺ ، وأبو سفيان بنُ الحارث بن عبد المطلب آخذٌ بثَفَر (٣) بغلة النبي ﷺ ، وكان العباس صيِّتًا، فقال له ﵇: "اصرخ: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السَّمُرة، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة"، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنَّت (٤) إلى أولادها، يقولون (٥): الكرَّةُ بعد الفرَّة (٦)، قد أشرعوا الرماح -قال العباس ﵁: حتى إني لأخاف على رسول اللَّه ﷺ رماحَهم أشدَّ من خوف رماح المشركين- يؤمُّون الصوت يقولون: لبيك لبيك، فلما اختلطوا واجتلدوا ورسول اللَّه ﷺ قائمٌ على بغلته البيضاء يقول: "أَنْشُدُك وعدك، لا ينبغي لهم أن يظهروا"، ثم قال للعباس: "ناولني حصياتٍ (٧) "، فناوله حصياتٍ من الأرض ثم قال: "شاهت الوجوه"، ورمى بها وجوهَ المشركين وقال: "انهزَموا وربِّ الكعبة" (٨)، وأَخبروا بعد ذلك أنه لم يبقَ منهم أحد إلا أمتلأتْ عيناه من التراب.

стр. 3521

وكان من دعائه يومئذ: "اللهم لك الحمد، وإليك المشتكَى، وأنت المستعان"، فقال له جبريل صلوات اللَّه عليه: لقد لُقِّنْتَ الكلمات التي لَقَّنَ اللَّه تعالى موسى يومَ فلَق له البحر. وكان النبيُّ ﷺ في مئةٍ صابرة: ثلاثةٌ وثلاثون من المهاجرين، وسبعةٌ وستُّون من الأنصار، وكان النبيُّ ﷺ يقول: "أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (١)، وهذا غايةُ شجاعته حيث لم يُخْفِ (٢) اسمه في تلك الحالة، ولم يَخَفِ الكفار على نفسه. وكان عثمان وعليٌّ وأبو دجانةَ وأيمنُ بن عبيدٍ ﵃ يقاتلون بين يدي النبيِّ ﷺ ، وكرَّت الأنصار ووقفت هوازنُ قَدْرَ حَلَبِ ناقةٍ ثم كانت الهزيمة، وكان سعد بن عبادة يصيح بالخزرج، وأُسيد بن حضيرٍ بالأوس، فثابوا -أي: رجعوا (٣) - من كل ناحيةٍ كأنهم النحل قد أشرعوا في قتل الذرية، فنهاهم عن ذلك. قال أنس: وتقدَّم رسول اللَّه ﷺ بحَرْبته أمام الناس، وهزمهم اللَّه تعالى، وأمر رسول اللَّه ﷺ أن يُقتل كلُّ مَن قُدر عليه ففعلوا، وبعث أبا عامرٍ (٤) الأشعريَّ في آثار مَن توجَّه إلى أوطاسٍ وعقَد له اللواء، فقتَل منهم كثيرًا ثم استُشهد (٥)، وغنموا كلَّ أموالهم. وأمر النبيُّ ﷺ بالغنائم فجُمعت، ونادى مناديهِ: مَن كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يَغُلَّ، وردَّ عقيل بن أبي طالب إبرةً كان أخذها (٦).

стр. 3522

وجاء رجل بحبلٍ فطلب من النبيِّ ﷺ أن يجعله له، فقال: "نصيبي منه لك، فكيف تصنعُ بأنصباء المسلمين؟ ". وفي سبايا أوطاسٍ قال ﵊: "ألَا لا تُوطأ الحَبَالى حتى يَضَعْن حملَهنَّ، ولا الحَيَالى حتى يَستبرئنَ بحيضةٍ" (١). وفيها أتت الشَّيماء أختُ النبيِّ ﷺ من الرضاعة فبسط لها رداءه وأكرمها وحياها. وقال سعيد بن جبير ﵁: أمَدَّ (٢) اللَّه نبيَّه بخمسة آلاف ملَك (٣). وقال رجل من الأعداء بعد تقضِّي القتال: أين الخيلُ البُلْقُ والرجالُ عليهم الثيابُ البيض، ما كنَّا نراكم فيهم إلا كهيئةِ الشَّامة، وما قُتلنا إلا بأيديهم؟ فأَخبروا بذلك النبيَّ ﷺ فقال: "تلك الملائكة" (٤). وقال الزهريُّ: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: استَدْبَرتُ النبيَّ ﷺ يومَ حنينٍ وأنا أريد أن أقتُله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة وقد قُتلا يوم أحد، فأَطْلع اللَّه رسوله على ما في نفسي، فالتفتَ إليَّ وضرب في صدري وقال: "أعيذكَ باللَّه يا شيبةُ"، فأُرْعِدَتْ فرائصي، فنظرت إليه وهو أحبُّ إليَّ من

стр. 3523

سمعي وبصري، فقلتُ: أشهدُ أنك رسولُ اللَّه، وأن اللَّه أَطْلعك على ما في نفسي (١). ولمَّا انهزموا أتَوا أوطاس وبها أموالُهم وعمالُهم، وبعث رسول اللَّه ﷺ على إثرهم فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وهرب أميرهم مالك بن عوف فأتى الطائف وتحصَّن بها وأخذ ماله وأهله فيمَن أخذ، وحاصروهم بقية الشهر، فلمَّا دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحلُّ به القتال انصرف عنهم فأتى الجِعْرانة وأَحرم منها بعمرة، وقسَّم بها السبيَ والمال، وكانوا أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، ثم جاء قومهم وأسلموا وقالوا: في السَّبي عماتُك وخالاتك، ولو كنَّا (٢) أرضعنا النعمانَ بن المنذر لكنَّا نرجو عائدته اليوم، وأنت خيرُ الناس وأبرُّهم وأرحمُهم وأوصلُهم للرحم، فقال ﵇: "أيما أحبُّ إليكم أنسابكم أو أموالكم؟ " فقالوا: أنسابنا، فقام ﵇ خطيبًا وقال: "إن هؤلاء جاؤونا مسلمين، وقد خيَّرناهم فاختاروا أنسابهم، فمَن كان بيده شيء وطابت نفسه أن يَردَّ فشأنُه، ومَن لا تَطِبْ نفسُه (٣) فليُعطنا وليكن قرضًا علينا حتى نُصيب شيئًا فنعطيَه مكانه"، فقالوا: رضينا وسلَّمنا، فردُّوا (٤). وأُخذ أميرهم (٥) مالك بن عوف فأُتي به النبيُّ ﷺ ، فقال له: "ما تريد، أقتلك أم أفاديكَ أم أمُنُّ عليك أم تُسلِم؟ " فقال: أما الإسلام فلا أُسلم أبدًا، وأما القتل فإن قتَلْتَني قتلتَ عظيمًا، فإن مننتَ عليَّ فأعتَقْتَني مننتَ على عظيم، فقال: "أمنُّ عليك

стр. 3524

وأطلقُك"، ففعل فقال: تعجبتُ من حُسن خُلقك (١)، ولا يكون هذا إلا من نبيٍّ حقٍّ، فأسلم وحسُن إسلامه (٢). وقسَّم بالجعرانة غنائمَ حنينٍ، وتألَّفَ أناسًا منهم أبو سفيان بنُ حرب والحارث ابن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار: أَمِن الرجل وآثَرَ قومه، فبلغ ذلك رسولَ اللَّه ﷺ وهو في قبةِ أدَمٍ، فقال: "يا معاشر الأنصار، ما هذا الذي بلغني عنكم، ألم تكونوا ضلَّالًا فهداكم اللَّه، ألم تكونوا أذلةً فأعزَّكم اللَّه، ألم ألم"، فقال سعد بن عبادة: ائذن لي أتكلم، فقال: "تكلَّم"، فقال: أمَّا قولك: كنتم ضلَّالًا فهداكم اللَّه، فكنَّا كذلك، وأما قولك: كنتم أذلةً فأعزكم اللَّه، فقد علمَتِ العرب أنه ما كان حيٌّ من أحياء العرب أمنعَ لِمَا وراءَ ظهورهم منَّا، فقال عمر: يا سعد، أتدري مَن تكلِّم؟ فقال: يا عمر، أكلِّم رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده لو سلكتِ الأنصار واديًا والناسُ واديًا لسلكتُ واديَ الأنصار، ولولا الهجرةُ لكنت امرءًا من الأنصار" ثم قال: "يا معشر الأنصار، أمَا ترضَون أن ينقلبَ الناس بالإبل والشاة وتنقلبون أنتم برسولِ اللَّه إلى بيوتكم؟ " فقالت الأنصار: رضينا باللَّه ورسوله، ما قلنا ذلك إلا ضنًّا باللَّه ورسوله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه ورسوله يصدِّقانكم ويَعذرانكم" (٣). فلما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة قام خطيبًا فقال: "أما إن خطيب الأنصار لو

стр. 3525

قال: كنت طريدًا فآويناك، وكنت خائفًا فأمنَّاك، وكنت مخذولًا فنصرناك، وكنت وكنت، لكان قد صدَق"، فبكت الأنصار وقالت: يد اللَّه أعظم علينا مَنًّا (١). وقال الإمام القشيري ﵀: المنصور مِن اللَّه مَن عصمه عن التوهُّمات، ولم يَكِلْه إلى تدبيره في الأمور، بل أقامه مقام الافتقار متبرِّئًا من الحول والقوة، متحقِّقًا بتصاريف القدرة، ولمَّا أعجبتهم كثرتُهم تفرق عن رسول اللَّه ﷺ في الحال أكثر الأصحاب، وكُشف عن القوم جلابيب السر، واضطربت القلوب، وخانت القوى أصحابها فلم تُغْنِ عنهم كثرتهم، فاستخلص اللَّه أسرارهم بصدق الرجوع إليه، فأنزل سكينته عليهم وقلَب الأمر على الأعداء، وخفَقت رايات النصرة (٢)، ووقعت الدَّبْرة على الأعداء فانقلبوا صاغرِين (٣). * * * (٢٦) - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: الرحمةَ التي (٤) يسكن إليها القلب. وقيل: هي الأَمَنة والطمأنينة. وقيل: هي زوال الاضطراب الذي يعتري القلب، وثبات القلب للحرب.

стр. 3526

وفي هذه الآية نقضُ قول المعتزلة؛ لأنَّه سماهم مؤمنين بعد التولِّي؛ قاله الإمام أبو منصور ﵀ (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾: أي: من الملائكة ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالهزيمة والقتل والسبي. قص له تعالى: ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾: إذا لاقَوا المؤمنين أن يكون الدَّبرة على الكافرين والنصرة للمؤمنين. قال القشيري ﵀: السكينة ثَلَجُ القلب عند جريان حكم الربّ وخمود آثار (٢) البشرية بالكلية، والرضا بما يبدو من الغيب من غير معارضةِ القضية، والسكينةُ المُنزلة على المؤمنين اختطافُ الحق إياهم [عنهم] حتى لم تستفزَّهم رهبةٌ من مخلوق، وسكن عنهم كلُّ إرادة واختيار. ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ من وفور اليقين وزوائد الاستبصار ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتطويحهم في متاهات التغرير (٣)، والسقوطِ في وهدة [ضيق] التدبير، والغيبة عن شهود التقدير (٤). * * * (٢٧) - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: ثم

стр. 3527

يوفِّق اللَّه للإيمان بعد ذلك مَن يشاء فيَقبله ويغفر له، وهو الغفور للمؤمنين الرحيم بهم أجمعين. وقيل: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ﴾؛ أي: يقبل توبة المنهزمين إذا علم منهم الصدق والندم، وهم المهاجرون والأنصار دون مَن رجعوا إلى الحرب في الظاهر ولهم نفاقٌ وكفرٌ في الباطن. * * * (٢٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾: أي: أنجاس، وإنما وحَّد لأنه في الأصل مصدر فلا يُثنَّى ولا يُجمع ولا يُؤنَّث، يقال: رجل نَجَسٌ، ورجلان وامرأتان نَجَسٌ، ورجال ونساء نَجَسٌ، ومعناه: أنهم أنجاس في اعتقادهم وأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم؛ لأنهم يشركون باللَّه غيرَه ويريدون بأعمالهم سواه، فهم مستقذَرون يجب اجتنابهم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: وهذا من جملة ما وقع به الأذانُ يومَ الحج الأكبر مع البراءة من العهود وبه الانتظام؛ أي: فامنعوهم من الحج بعد هذا العام، وكذا من دخول الحرم للتجارة وغير ذلك. وقال الإمام مالك ﵀: لا يُترك الذِّمِّي يدخل مسجدًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾. وقال الشافعي ﵀: يمنع عن دخول المسجد الحرام فحَسْبُ لهذه الآية.

стр. 3528

وعندنا لا يُمنع عن دخول المسجد الحرام أيضًا، والآية في دخولهم للحج؛ لأنهم كانوا يعملون في الحج أعمال المشركين، فأمر اللَّه تعالى بتنزيه المسجد الحرام والحرَم عن ذلك أيضًا، فأما نفس الدخول فغيرُ ممنوع عنها. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: أي: فقرًا قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، قال الشاعر: ولا يدري الفقيرُ متى غِنَاه... ولا يدري الغنيُّ متى يَعُولُ (١) وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾: قيل: إنهم كا نوا يَرِدُون بمكة تجارًا فتترفَّقُ أهلُها بهم في معايشهم، فلمَّا أُمروا بمنحهم منها أشفقوا من ضِيق المعاش وانقطاعِ التجارات، فوعدهم اللَّه تعالى الغِنى من وجه آخر من فضله وأمَّنهم من الفقر. قال مقاتل: أغناهم اللَّه من فضله فأسلم أهلُ صنعاء وجُدَّةَ وجُرَشَ، وحملوا الطعام إلى مكة على ظهور الدَّوابِّ، فكفاهم (٢) ما كانوا يتخوَّفون (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ علَّق بالمشيئة قطعًا للآمال عن الأسباب، وصرفًا لها إلى اللَّه تعالى؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].

стр. 3529

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾: أي: بمصالح العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما حكَم (١) وأراد. وقال الكلبي: ولما قال علي بن أبي طالب: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ قال له أناس من بكر بن وائل من التجار: يا أهل مكة، ستعلمون إذا فعلتُم هذا ماذا تلقَون من الشدة، ومن أين تأكلون، فشقَّ ذلك عليهم، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال ابن عباس ﵄: فأمرهم اللَّه تعالى بقتال أهل الكتاب وأغناهم من فضله (٢). وقال عطاء: أغناهم اللَّه تعالى بالجزية الجارية شهرًا فشهرًا عامًا فعامًا (٣). وقال القشيري ﵀: مَن أناخ بعقوة (٤) كرم مولاه، واستمطر من سحائب جدواه (٥)، أغناه عن كلِّ سبب، وكفاه كلَّ تعب، وقضى له كلَّ أَرَب، وأعطاه (٦) من غير طلب (٧). * * *

стр. 3530

(٢٩) - ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: بيَّن في الآي الأُوَل قتالَ المشركين، وبيَّن في هذه الآية قتال اليهود والنصارى. ولو قال: (قاتِلوا أهل الكتاب) لكفى، وإنما جمَع هذه الأوصافَ الذميمة تحريضًا للمؤمنين على قتالهم؛ لأنَّها صفاتٌ توجب البراءة منهم والعداوةَ لهم. وإنما قال لهم: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهم يدَّعون الإيمان باللَّه؛ لأنَّهم يؤمنون باللَّه الذي له الولد وهو شبيهٌ بالخَلق، وهذا ليس بإيمانٍ باللَّه، وكذا يصدِّقون اللَّه بإرسال بعض الأنبياء ولا يصدقونه في إرسال بعض وهو يبطل الإيمان باللَّه. وكذا قال: ﴿وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهم يدَّعون الإيمان به؛ لأنَّهم لا يصدقون بما فيه من الوعد والوعيد، فيقولون: لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودةً، ويقولون: ليس في الجنة مطاعمُ ومشاربُ ومناكح، ولا يكون هذا إيمانًا باليوم الآخر. ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: من الخمر والخنزير، وتحريف الكتاب، وكتمانِ نعت النبي ﷺ . ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ وهو الإسلام؛ فإن اليهودية والنصرانية دينٌ باطل، فإنه نسخَ بعضَ أحكام التوراة والإنجيل، وهم قد حرَّفوا البعض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾: أي: إلى أن يُعطوا الجزية؛ كما قال: ﴿فَإِنْ

стр. 3531

تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥]؛ أي: قبلوهما، مَدَّ وجوبَ القتال إلى هذه الغاية وهي قبولُ الجزية، وهذا حكم أهل الكتاب بالنصِّ، وحكمُ المجوس كذلك بالخبر، وهو قولُه ﵇: "سُنُّوا في المجوس سنَّةَ أهل الكتاب غيرَ ناكحي نسائهم ولا آكلِي ذبائحِهم" (١)، ولا يجوز هذا في مشركي العرب؛ لقوله ﵇: "لا يُقبل منهم إلا الإسلام أو السيف" (٢) ويجوز في الهنود والأتراك والديلم عندنا خلافًا للشافعي رحمه اللَّه تعالى، وهي تعرف في الفقهيات. وقوله تعالى: ﴿عَنْ يَدٍ﴾: قيل: عن نقدٍ، فلا تؤخَّر عن وقتها، من قوله: يدًا بيدٍ.

стр. 3532

وقيل: عن يدِ مَن عليه، فيُحضره (١) بنفسه ويؤدِّي، ولا يُرسل به رسولًا، ولا يبعثه على يد ولده أو وكيله أو عبده. وقيل: عن طيبِ نفسه، فيعطي بيده من غيرِ أن يُكرَه عليه؛ أي: دليلُ (٢) قبولهِ طوعُه دون أن يُكره عليه، فإنه إذا احتاج إلى ذلك بقي القتلُ والقتال والسبي ولا يثبت عقد الذمة. وقيل: عن انقياد، يقال: أعطى فلان بيده، إذا استسلَم وانقاد. وقيل: أي: عن رؤيتهم ذلك إنعامًا منكم عليهم بترك القتال (٣) بهذا، من قولك: اصطنعتُ إلى فلان يدًا. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: أي: أذلَّاءَ مقهورين يأتون للأداء مشاةً لا ركبانًا، ويؤدون قيامًا والآخذُ قاعدٌ ويدُه تحت يدِ الآخر، ويؤخذ بتلبيبه (٤) عند الأخذ ويحرَّك ويقال: أدِّ الجزية يا يهودي، أو: يا نصراني. وقيل: أي: تصاغرت إليهم أنفسُهم بما احتاجوا إليه من بذل الجزية لحقنِ دمائهم. وقال الكلبي: نزلت في بني قريظة وبني النضير. والجزية على ثلاث مراتب: على المعتمِل في السَّنة اثنا عشر درهمًا، وعلى وسط الحال أربعة وعشرون درهمًا، وعلى كامل الغنى ثمانيةٌ وأربعون درهمًا،

стр. 3533

كذلك وظَّفها عمر ﵁ (١)، وبهذه الجزية أغناهم عن العيلة، وهو وجه اتصال هذه الآية بالأولى. * * * (٣٠) - ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾: قرأ عاصم والكسائيُّ وسهل ويعقوب في روايةٍ: ﴿عُزَيْرٌ﴾ بالتنوين، لأنه اسم مصغَّر فهو مصروف، ولأنه اسم خفيف فيُصرف وإن كان أعجميًا كنوحٍ ولوطٍ، ولأنه اسم مبتدأ وهو مفردٌ غيرُ منسوب و ﴿ابْنُ اللَّهِ﴾ خبره، وقرأ الباقون بغير تنوين (٢)؛ لأنه اسم أعجمي مفرد، ولأن ﴿ابْنُ﴾ صفة له وتقديره عزيرُ ابنُ اللَّه معبودُنا، أو: نبينا، على هذه القراءة. ثم هذا بيانُ قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ مع دعواهم؛ لأن هذا قولُهم في اللَّه. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: هو قول (٣) يقولونه بألسنتهم لا حجةَ لهم على صحته. وذكر الإمام أبو منصور ﵀ هذا ثم قال: أو قالوا ذلك بأفواههم من (٤) غير شبهةٍ اعترضت لهم تَحْمِلهم على ذلك (٥).

стр. 3534

وقوله تعالى: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ (١): قرأ عاصم بالهمزة والباقون بغير همزة (٢)، وهما لغتان: ضاهَيتُه وضاهأته؛ أي: شابَهْتُه، ومعناه عند ابن عباس ﵄: شابَهوا عبدة الأوثان في هذا القول (٣). وقيل: في قولهم: الملائكة بنات اللَّه. وقال الزجَّاج: أي: في تقليدهم أسلافَهم في هذا القول (٤). وقيل: أي: المشركين في إثبات الشركاء للَّه. وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: لعنهم اللَّه (٥). وقيل: أي: قتَلهم اللَّه، وقيل: أي: عاداهم اللَّه، وقيل؛ أي: أهلكهم اللَّه. وقوله تعالى: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: أي: من أين يصرفون عن الحق، والصرفُ عن الحق ضلال. قال مقاتل: إن اليهود لعنهم اللَّه قتلوا أنبياءهم، فرفع اللَّه عنهم التوراة ومحاها من قلوبهم، فخرج عزيرٌ يسيح في الأرض، فأتاه جبريل ﵇ فقال: أين تذهب؛ قال أطلب العلمَ، فعلَّمه جبريل صلوات اللَّه عليه التوراةَ كلَّها، فجاء عزير بالتوراة إلى بني إسرائيل فعلَّمهم، فقالوا: لم يعلَم عزير هذا

стр. 3535

العلمَ إلا لأنه ابن اللَّه (١). وله طرق أخرى ذكرنا بعضها في سورة البقرة. وقال السدِّي: إن العمالقة ظهرت عليهم فقتلوهم وأخذوا التوراة، وهرب علماؤهم الذين بقُوا ودفنوا كتبَ التوراة في الجبال، وكان عزيرٌ غلامًا يتعبَّد في رؤوس الجبال لا ينزل إلا يوم عيد، فجعل يبكي ويقول: يا رب، تركت بني إسرائيل بغير عالِمٍ؟ فجعل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه، فنزل مرة إلى العيد فلمَّا رجع إذا بامرأة قد مَثَلت له عند قبرٍ تبكي وتقول: يا مطعماه يا كاسياه، فقال لها: ويحك! مَن كان يطعمُكِ ويكسوك؟ قالت: هذا الرجل، يعني: زوجها، قال: فمَن كان يطعمك ويكسوك قبله؟ قالت: اللَّه، قال: فإن اللَّه حيٌّ لا يموت، قالت: يا عزير، فمَن كان يعلِّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: اللَّه، قالت: فلمَ تبكي عليهم؟! فلما عَلِم (٢) أنه خُصم -أي: غُلب (٣) - ولَّى مدبِرًا فقالت: يا عزير، إذا أصبحتَ غدًا فأْتِ نهرَ كذا فاغتسِلْ فيه ثم اخرج فصلِّ ركعتين، فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذ منه، فلما أصبح انطلق إلى ذلك النهر فاغتسل ثم صلى ركعتين، فجاءه الشيخ فقال: افتح فاك، ففتح فاه فألقى فيه شيئًا كهيئة الجَمرة العظيمة مجتمِعًا [كهيئة القوارير] ثلاث مرات، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، فقال: يا بني إسرائيل، قد جئتكم بالتوراة، فقالوا: يا عزير! ما كنتَ كذَّابًا، فعمد فربط على كلِّ أصبع له قلمًا، وكتب بأصابعه كلِّها حتى كتب التوراة، فلما رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي دفنوها في خوابٍ، فعارضوها بتوراة عزير فوجدوها مثلها، فقالوا: ما أعطاك اللَّه هذا إلا لأنك ابنه (٤).

стр. 3536

وأما النصارى فقد قال الكلبي: كان شركُهم أنهم كانوا على الحق إحدى وثمانين سنةً بعد ما رُفع عيسى ﵇ إلى السماء يصلُّون إلى القبلة ويصومون، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجلٌ شجاع يقال له: بولس، قتل جماعةً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: كان الحق مع عيسى فكفرنا وجحدنا، والنار مصيرُنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأُضلُّهم حتى يدخلوا معنا النار، وكان له فرسٌ يقال له: العُقاب، يقاتِل عليه، فعَرقب فرسَه وأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب، فقالت له النصارى: مَن أنت؟ قال: أنا بولسُ عدوُّكم فنوديت من السماء: ليست لك توبةٌ إلا أن تتنصَّر، وقد تُبتُ. فأدخَلوه في الكنيسة فدخل فيها سنةً لا يخرج ليلًا ولا نهارًا حتى تعلَّم الإنجيل، ثم خرج وقال: نوديتُ: إن اللَّه تعالى قَبِل توبتك، فصدَّقوه وأحبُّوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطور، وعلَّمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثةً، ثم توجَّه إلى الروم وعلَّمهم اللاهوتَ والناسوت، وقال: لم يكن عيسى بإنْسٍ فتأَنَّسَ، ولا بجسمٍ فتجسَّمَ [ولكنه ابن اللَّه]، وعلَّم رجلًا يقال له: يعقوب، ذلك ثم دعا رجلًا يقال: مَلْكا، فقال له: إن اللَّه لم يَزَلْ ولا يزال كان عيسى. ولمَّا استمكَن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدًا واحدًا، وقال لكلِّ واحد منهم: أنت خالصَتي، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غدًا أذبحُ نفسي فادعُ الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح [فذبح نفسه] وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلما كان يوم ثالثه دعا كلُّ واحد منهم الناسَ إلى نحلته، فتبع كلَّ واحد منهم طائفةٌ من الناس، فافتُتنوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث (١).

стр. 3537

(٣١) - ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: أطاعوا علماءهم وعُبَّادهم فيما أمروهم به من الاعتقاد والعمل طاعةَ العبيد الأرباب. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَابًا﴾؛ أي: كالأرباب، وهو كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي: كالنار. وعن عدي بن حاتم قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وكنتُ نصرانيًّا، فوافَقْتُه يقرأ سورة براءة، فبلغ قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: يا رسول اللَّه! ما نعبدُهم من دون اللَّه، قال: "أليس يحلُّون لكم ما حرَّم اللَّه عليكم فتستحلُّونه، ويحرِّمون عليكم ما أحلَّ اللَّه لكم فتحرِّمونه؟ " فقلت: بلى، فقال: "تلك عبادتهم" (١). وقال أبو البَخْتريِّ: أمَا إنهم لو أَمروهم أن يعبدوهم من دون اللَّه ما أطاعوهم، ولكن كفَّروهم فجعلوا حلالَ اللَّه حرامًا وحرامَه حلالًا، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أي: اتَّخذوه إلهًا معبودًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: إلا أن يعبدوا إلهًا واحدًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، وقد كشفنا عن حقيقته.

стр. 3538

ثم بذلك أمرهم اللَّه تعالى في كتابه، وبذلك أمرهم عيسى ﵇ بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تنزيهًا له عن إشراكهم به غيرَه. * * * (٣٢) - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: يريد أهل الكتاب أن يُبطلوا (١) حججَ اللَّه ﷻ بجدالٍ منهم بألسنتهم من غيرِ حجة. وقال الحسن والسدي: نورُ اللَّه تعالى: القرآن والإسلام (٢). وقيل: الدلالة والبرهان. وقال الضحاك: يريدون أن يَهلك محمدٌ وأصحابه ولا يُعبدَ اللَّه بالإسلام (٣). وقال: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾: أي: لا يريد اللَّه إلا تمامَ هذا النور، وهو إبقاءُ الإسلام والإيمان (٤) والقرآن، وإيضاحُ الحجة والبرهان، وفيه تخييبُهم وقطعُ أطماعهم.

стр. 3539

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: أي: على كراهيةِ اليهود والنصارى؛ إذلالًا (١) لهم وكبتًا وغيظًا. وقال القشيري ﵀: مَن رام أن يستر شعاع الشمس بدخان نيرانه، أو عالَج أن يدفع حكم السماء بحيلته وتدبيره (٢)، أو يُسقطَ نجوم الفلك بسهام تقديره، أظهر رعونتَه ثم لم يحظَ بمراده، كذلك مَن توهم أن حُجج التوحيد يعلوها رهجُ الشُّبَه فقد أحال في ظنَّه وافتضح في وهمه (٣). * * * (٣٣) - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾: أي: محمدًا ﴿بِالْهُدَى﴾؛ أي: بالتوحيد. وقيل: بفرائض (٤) اللَّه على خلقه. وقال الكلبي: أي: بالقرآن الذي يهدي إلى الرشد. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: أي: الإسلام، وإضافته إلى الحق لوجهين: أحدهما: أن الحق هو اسم اللَّه، والمراد دينُ اللَّه. والثاني: أن الحق هو الإسلام، لأنه حقٌّ والكفر باطل، ويجوز أن يقال: دين الإسلام؛ أي: طريق الإسلام وملة الإسلام وشريعة الإسلام.

стр. 3540

وقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: أي: ليُعْليَه (١) على الأديان كلِّها على كراهةِ المشركين الظهورَ والعلوَّ والغلبةَ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، والدِّين اسم جنسٍ فيَصلح للجمع. وقال ابن عباس ﵄: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليعلِّمه شرائعَ الدِّين كلَّها، فيُظهرَه ويُطلعَه عليها (٢)، والهاء عائدة إلى النبيِّ ﷺ -على هذا التأويل، وهو كقوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣]؛ أي: أَطْلعه عليه، وعلى التأويل الأولى تعودُ الهاء إلى الدِّين، والإظهار بمعنى الإعلاء. وقال الكلبي: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ بالقرآن والإيمان ليُظهِر دينه على الأديان كلها، فلا يبقى دينٌ إلا ظهر عليه الإسلام، وسيكون ذلك ولم يكن بعد، ولا تقومُ الساعة حتى يكون ذلك. وقال الضحاك: عند نزولى عيسى (٣)، فلا يبقى أهل دينٍ إلا دخل في الإسلام أو أدَّى الجزية إلى المسلمين. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "ينزلُ عيسى بن مريم فيَكْسرُ الصَّليبَ ويَقتلُ الخنزيرَ ويضعُ الجزية" (٤)، فلا يبقى على وجه الأرض إلا مسلِمٌ أو مسالم.
следующие страницы →