← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وأما النصارى فقد قال الكلبي: كان شركُهم أنهم كانوا على الحق إحدى وثمانين سنةً بعد ما رُفع عيسى ﵇ إلى السماء يصلُّون إلى القبلة ويصومون، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجلٌ شجاع يقال له: بولس، قتل جماعةً من أصحاب عيسى ثم قال لليهود: كان الحق مع عيسى فكفرنا وجحدنا، والنار مصيرُنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأُضلُّهم حتى يدخلوا معنا النار، وكان له فرسٌ يقال له: العُقاب، يقاتِل عليه، فعَرقب فرسَه وأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب، فقالت له النصارى: مَن أنت؟ قال: أنا بولسُ عدوُّكم فنوديت من السماء: ليست لك توبةٌ إلا أن تتنصَّر، وقد تُبتُ. فأدخَلوه في الكنيسة فدخل فيها سنةً لا يخرج ليلًا ولا نهارًا حتى تعلَّم الإنجيل، ثم خرج وقال: نوديتُ: إن اللَّه تعالى قَبِل توبتك، فصدَّقوه وأحبُّوه، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطور، وعلَّمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثةً، ثم توجَّه إلى الروم وعلَّمهم اللاهوتَ والناسوت، وقال: لم يكن عيسى بإنْسٍ فتأَنَّسَ، ولا بجسمٍ فتجسَّمَ [ولكنه ابن اللَّه]، وعلَّم رجلًا يقال له: يعقوب، ذلك ثم دعا رجلًا يقال: مَلْكا، فقال له: إن اللَّه لم يَزَلْ ولا يزال كان عيسى. ولمَّا استمكَن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدًا واحدًا، وقال لكلِّ واحد منهم: أنت خالصَتي، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غدًا أذبحُ نفسي فادعُ الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح [فذبح نفسه] وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلما كان يوم ثالثه دعا كلُّ واحد منهم الناسَ إلى نحلته، فتبع كلَّ واحد منهم طائفةٌ من الناس، فافتُتنوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث (١).

стр. 3537

(٣١) - ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أي: أطاعوا علماءهم وعُبَّادهم فيما أمروهم به من الاعتقاد والعمل طاعةَ العبيد الأرباب. وقوله تعالى: ﴿أَرْبَابًا﴾؛ أي: كالأرباب، وهو كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ [الكهف: ٩٦] أي: كالنار. وعن عدي بن حاتم قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وكنتُ نصرانيًّا، فوافَقْتُه يقرأ سورة براءة، فبلغ قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فقلت: يا رسول اللَّه! ما نعبدُهم من دون اللَّه، قال: "أليس يحلُّون لكم ما حرَّم اللَّه عليكم فتستحلُّونه، ويحرِّمون عليكم ما أحلَّ اللَّه لكم فتحرِّمونه؟ " فقلت: بلى، فقال: "تلك عبادتهم" (١). وقال أبو البَخْتريِّ: أمَا إنهم لو أَمروهم أن يعبدوهم من دون اللَّه ما أطاعوهم، ولكن كفَّروهم فجعلوا حلالَ اللَّه حرامًا وحرامَه حلالًا، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أي: اتَّخذوه إلهًا معبودًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: إلا أن يعبدوا إلهًا واحدًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، وقد كشفنا عن حقيقته.

стр. 3538

ثم بذلك أمرهم اللَّه تعالى في كتابه، وبذلك أمرهم عيسى ﵇ بقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [مريم: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾: أي: تنزيهًا له عن إشراكهم به غيرَه. * * * (٣٢) - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾: أي: يريد أهل الكتاب أن يُبطلوا (١) حججَ اللَّه ﷻ بجدالٍ منهم بألسنتهم من غيرِ حجة. وقال الحسن والسدي: نورُ اللَّه تعالى: القرآن والإسلام (٢). وقيل: الدلالة والبرهان. وقال الضحاك: يريدون أن يَهلك محمدٌ وأصحابه ولا يُعبدَ اللَّه بالإسلام (٣). وقال: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾: أي: لا يريد اللَّه إلا تمامَ هذا النور، وهو إبقاءُ الإسلام والإيمان (٤) والقرآن، وإيضاحُ الحجة والبرهان، وفيه تخييبُهم وقطعُ أطماعهم.

стр. 3539

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾: أي: على كراهيةِ اليهود والنصارى؛ إذلالًا (١) لهم وكبتًا وغيظًا. وقال القشيري ﵀: مَن رام أن يستر شعاع الشمس بدخان نيرانه، أو عالَج أن يدفع حكم السماء بحيلته وتدبيره (٢)، أو يُسقطَ نجوم الفلك بسهام تقديره، أظهر رعونتَه ثم لم يحظَ بمراده، كذلك مَن توهم أن حُجج التوحيد يعلوها رهجُ الشُّبَه فقد أحال في ظنَّه وافتضح في وهمه (٣). * * * (٣٣) - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾: أي: محمدًا ﴿بِالْهُدَى﴾؛ أي: بالتوحيد. وقيل: بفرائض (٤) اللَّه على خلقه. وقال الكلبي: أي: بالقرآن الذي يهدي إلى الرشد. ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾: أي: الإسلام، وإضافته إلى الحق لوجهين: أحدهما: أن الحق هو اسم اللَّه، والمراد دينُ اللَّه. والثاني: أن الحق هو الإسلام، لأنه حقٌّ والكفر باطل، ويجوز أن يقال: دين الإسلام؛ أي: طريق الإسلام وملة الإسلام وشريعة الإسلام.

стр. 3540

وقوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾: أي: ليُعْليَه (١) على الأديان كلِّها على كراهةِ المشركين الظهورَ والعلوَّ والغلبةَ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤]، والدِّين اسم جنسٍ فيَصلح للجمع. وقال ابن عباس ﵄: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾؛ أي: ليعلِّمه شرائعَ الدِّين كلَّها، فيُظهرَه ويُطلعَه عليها (٢)، والهاء عائدة إلى النبيِّ ﷺ -على هذا التأويل، وهو كقوله: ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣]؛ أي: أَطْلعه عليه، وعلى التأويل الأولى تعودُ الهاء إلى الدِّين، والإظهار بمعنى الإعلاء. وقال الكلبي: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ بالقرآن والإيمان ليُظهِر دينه على الأديان كلها، فلا يبقى دينٌ إلا ظهر عليه الإسلام، وسيكون ذلك ولم يكن بعد، ولا تقومُ الساعة حتى يكون ذلك. وقال الضحاك: عند نزولى عيسى (٣)، فلا يبقى أهل دينٍ إلا دخل في الإسلام أو أدَّى الجزية إلى المسلمين. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "ينزلُ عيسى بن مريم فيَكْسرُ الصَّليبَ ويَقتلُ الخنزيرَ ويضعُ الجزية" (٤)، فلا يبقى على وجه الأرض إلا مسلِمٌ أو مسالم.

стр. 3541

وقال الإمام القشيريُّ ﵀: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أزاح العِلل بما ألاح من الحُجَج، وأزال الشُّبَه بما أوضح من النَّهج، فشُموس الحق طالعة، وأدلةُ الشرع لامعة، وأنشدوا: هي الشمسُ إلا أن للشمس غَيبةً... وهذا الذي نَعنيه (١) ليس يَغيبُ (٢) * * * (٣٤) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: وصَفَ الأحبار والرهبان الذين اتَّخذهم (٣) أهلُ الكتاب أربابًا فقال: لا تتوهَّموا في كثير من الأحبار والرهبان (٤) صلاحًا، ولا تغترُّوا بظاهر زيِّهم وسكونهم، فإن ذلك كلَّه مصائدُ للمَطامع، واستجلابٌ للرِّياسة، ومكائدُ للصدِّ عن سبيل اللَّه، والجرِّ إلى الضلالة، وذلك بأخذِهم الرِّشا من الأشراف والعامة، وتحريفِ الكتاب، وكتمانِ نعت (٥) النبيِّ ﷺ وحقِّيَّة الإسلام. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يجمعون ويحتازون (٦).

стр. 3542

وقيل: أصله هو كبسُ (١) الشيء بعضِه على بعضٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: لا يُخرجونها في طاعة اللَّه، ولم يقل: ينفقونهما؛ لأنَّه أراد به (٢) الكنوز. وقيل: اكتفَى بأحدهما عن الآخر إيجازًا، ومثله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، وقد أطلنا الكلام في نظائرها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]. وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم﴾: أي: ضعِ الوعيدَ بالعذاب الأليم موضعَ البشرى بالنعيم في حقِّهم على التعميم. ثم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ قيل: هو معطوفٌ على ﴿إِنَّ كَثِيرًا﴾ وهو من صفات أهل الكتاب: جمعُ المال، ومنعُ حقوق اللَّه تعالى فيه، والبخل، وقد مرت آياتٌ في إثبات غايةِ بخلهم. وقيل: هو مبتدأٌ في مانعي الزكاة من المسلمين. وقيل: هو عامٌّ يتناول الكلَّ. وقال السدِّي: هي في أهل القبلة (٣). وقال ابن عباس ﵄: هي خاصةٌ عامةٌ؛ أي: خاصةٌ في السبب عامة في النسب (٤).

стр. 3543

وروي عن أبي ذر ﵁ أنه قرأ هذه الآية على معاويةَ في أمرٍ من الأمور، فقال معاوية: ليست هذه الآية فينا، إنما هذه الآية في أهل الكتاب، فقال أبو ذر ﵁: إنها لفينا وفيهم (١). وعن ابن عمر ﵄ موقوفًا عليه ومرفوعًا إلى النبي ﷺ أنه قال: "ما أُدِّي زكاتُه فليس بكنز" (٢).

стр. 3544

وقال سالم بن أبي الجَعْد: لمَّا نزلت هذه الآية قال رسول اللَّه ﷺ : "تبًّا للذهب والفضة" قالها ثلاثًا، فشقَّ ذلك على الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فقالوا: أيَّ مال نتخذُه؟ [فقال عمر: أنا أعلمُ لكم ذلك، فقال: يا رسول اللَّه، إن أصحابك قد شقَّ عليهم، وقالوا: فأيَّ المال نتخذ؟] فقال رسول اللَّه ﷺ : "لسانًا ذاكرًا، وقلبًا خاشعًا، وزوجةً تُعِين أحدكم على دينه" (١). * * * (٣٥) - ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: وهو ظرفٌ لِمَا قبله؛ أي: فبشِّرهم بعذاب أليم يعذَّبون به يومَ يحمَى عليها؛ أي: يوقَد على هذه الأموال، وقد حَمِيَ يَحْمَى بالنار من حدِّ علم، وأَحْمَى غيرَه إحماءً. وقوله تعالى: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾: أي: فتُوْسَمُ بالكنوز

стр. 3545

المحمَّاة بالنار جباهُ الكافرين، وهي جمعُ جبهة، وهي صفيحةُ أعلى الوجه فوق الحاجبين، ﴿وَجُنُوبُهُمْ﴾ وهي جمع جَنْبٍ، ﴿وَظُهُورُهُمْ﴾ وهو جمع ظَهرٍ، وخُصَّت بالكيِّ هذه المواضعُ لأن الكيَّ على الجبهة (١) يظهر للعيون فيكون أبلغَ في التشهير والتعذيب، وهو كقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]، والجنوب مقاتل فكيُّها أشد إيجاعًا، والظهور فيها القوة، وفيه إزالةُ القوة بالكلية. وقال أبو بكر الورَّاق: إنما خُصَّت بالكيِّ هذه المواضع لأن الغنيَّ المانعَ للزكاة إذا رأى الفقير انقبض وجهه، وإذا ضمَّه والفقيرَ مجلس (٢) ازورَّ عنه فعارضه بجنبه، وإذا ملَّه قام وولَّاه ظهره (٣). قال محمد بن عليٍّ الترمذي: لأنه يَبذخ ويَشمخ برأسه بسبب ماله ويقع على كنزه بجنبه ويتساند إليه بظهره (٤). وقال الإمام أبو منصور ﵀: الجبهة مقدِّمة الوجه، وهم لم يقدِّموها إلى الآخرة، ولم ينفقوها في سبيل اللَّه، فعذِّبوا على الجباه والجُنوب لأنهم أخذوها من كلِّ جانبٍ، وعلى الظُّهور لأنهم أنفقوها في الصدِّ عن سبيل اللَّه وتوليةِ الظهور عن الحق، ويحتمِل ذكرُ هذا إحاطةَ العذاب بهم من كلِّ الجهات؛ كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١]، وكقوله : ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. وجعلَ اللَّه تعذيبَ أهل النار في الآخرة بالأسباب التي منَعتهم عن طاعة اللَّه

стр. 3546

تعالى ودعَتْهم إلى مخالفة أمره، فيجمع بينهما في النار، وهو كقوله تعالى: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] ونحو ذلك (١). وقال القشيري ﵀: لمَّا طلبوا الجاهَ عند الخَلق بمالهم وبخلوا بإخراج حق اللَّه تعالى عنه شانَ اللَّه وجوههم، ولمَّا ولَّوا جوانبهم (٢) وأسندوا ظهورهم إلى أموالهم كوَى اللَّه جباههم وجنوبهم وظهورهم (٣). وقال ابن عباس ﵄: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: على الكنوز (٤). ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾؛ أي: لا يوضع دينارٌ مكانَ دينارٍ، ولا درهمٌ مكان درهمٍ، ولكن توسَّع جلودهم فيوضع (٥) لكلِّ دينار ودرهم كيةٌ على جلده. وروى أبو هريرة ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: "ما من رجلٍ لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل اللَّه ماله يوم القيامة صفائحَ من نارٍ فتكوى بها جبهتُه وجنبُه وظهره في يومٍ كان مقداره (٦) خمسين ألفَ سنة، حتى يُقضى بين الناس ثم يَرى سبيلَه إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبلٍ ولا بقرٍ لم يؤدِّ زكاتَها إلا بُطح لها يوم القيامة بقاعٍ قَرْقرٍ تطؤه بأخفافها وأظلافها وتَنطِحُه بقرونها وتَعَضُّه بأفواهها، كلما

стр. 3547

مرَّت عليه أُخراها عادت عليه أُولاها، حتى يُقضى بين الناس في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنة، ثم يَرَى سبيله إمَّا إلى الجنة وإمَّا إلى النار، وما من صاحب غنمٍ لا يؤدِّي حقَّها إلا أُتي بها يومَ القيامة تَطَؤُه بأظلافها وتنطحُه بقرونها" (١)، ثم ذكر ما ذكر في الأول. وقوله تعالى: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾: القول هاهنا مضمَر، وتقديره: يقال لهم -أو: يقول لهم خزنةُ جهنم-: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: هذا الذي ترَونه هو الذي كنَزْتُم في الذنيا؛ أي: جمعتُم فلم تؤدُّوا حقَّه ﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُون﴾؛ أي: هذا بذاك، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. * * * (٣٦) - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾: وبه يتمُّ الحول، وبتمام الحول تجب الزكاةُ في النصاب (٢)، وهو وجه اتصالها بالآية الأولى. ووجهٌ آخر: أنها متصلة بجملةِ ما نزلت فيه السورة؛ لأن النبيَّ ﵇ أراد أن يحج عامَ نزولِ هذه السورة، وكان الحج حينئذٍ على حساب النَّسيء في ذي

стр. 3548

القعدة، وفي السنةِ الثانية في ذي الحجة، ولهذا قال ﵇ عامَ حجَّ الوداع: "إنَّ الزمان قد استدارَ كهيئته يومَ خَلْق السماوات والأرض" وأَبْطلَ النسيء (١). ووجهٌ آخر للاتصال: أن السورة في قتال المشركين وصفتهم أنهم نجسٌ، وأفعالُهم كذلك، ومِن قبائحهم النسيءُ وهو تغييرُ حُكم اللَّه تعالى. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾: أي: شهورِ السَّنة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: في حكم اللَّه ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ نصبٌ لأنهما اسمان جُعلا اسمًا واحدًا وبُني على الفتحة لأنها أخفُّ الحركات. وإنما قُدِّرت الشهور القمرية بالاثني عشر لأن الشهور الشمسية كذلك؛ لنزولها في اثني عشر برجًا، وتمام السنة الشمسية بذلك، فجعلت السنة القمريةُ اثني عشر شهرًا أيضًا؛ ليَتوافَقوا على حسابٍ واحد، قال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: ٥]. وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾: قال ابن عباس ﵄: في الإمام الذي عند اللَّه كتبه يومَ خلَق السماوات والأرض (٢). وقال علي بن الحسين بن واقد: أي: في اللوح المحفوظ (٣)، وهو كقوله في سورة الحج: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠] وكذا في سورة الحديد. وقيل: في قضاء اللَّه وإيجابِ اللَّه على خلقه من أحكامها.

стр. 3549

وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾: ولم تزل الأمم تتناسخُه إلى أن غَيَّرت العرب في شِركها ما غَيَّرتْ منها. وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾: أي: من الاثني عشر شهرًا أربعةُ أشهر حُرم: جمعُ حرام، وهي: رجبٌ وهو فرد، وذو القعدة وذو الحجة والمحرمُ وهي سردٌ، وكذا فسَّرها النبي ﷺ (١). ومعنى الحرام (٢): أنه يحرم فيها القتال والقتل، وكانت العرب تعظِّمها، حتى لو لقي الرجل منهم فيها قاتلَ أبيه لم يَهِجْه. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾: أي: الحساب المستقيم، كما قال ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أي: يوم الحساب، ومعناه: إن الشهور على حساب مستقيم فلا تغيِّروها بالنسيء. وقيل: الأخذ به الدِّينُ المستقيم. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: في جميع الشهور، لأنها شهودٌ عليكم بما تعملون. وقال قتادة: في الأربعة الحرم (٣). وظلمُ النفس هو المعصيةُ؛ لأنَّه يَضرُّ (٤) بها نفسَه وينقص بها (٥) حظَّه.

стр. 3550

وإنما خَصَّ هذه الشهورَ الأربعة بالنهي عن ظلم النفس فيها مع أنه حرامٌ في كل وقت بيانًا أنه فيها أغلظ، وهو كقوله تعالى في حق مكة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الحج: ٢٥]، والظلم في كل مكانٍ حرام، وقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وكلُّ ذلك في كل وقت حرام، وقولِ النبي ﷺ في وعيدِ مَن زَنَى بحليلة الجار (١)، والزنا بكلِّ امرأةٍ حرام، فالتخصيص دلالةُ التغليظ في كل ذلك. وقيل: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بالبداءة بالقتال، ولا بأس بقتالِ مَن بدأكم له فيها. وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: أي: جميعًا. وقيل: أي: لا تظلموا فيهن أنفسكم إذا قوتلتُم فيهن بأنْ تتركوا القتال، لكنْ قاتلوهم في هذه الحالة. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: لا مع المشركين؛ أي: حافظُ المتقين وناصرُهم، وهم الذين يتقون الشرك. وقيل: أي: الذين يتَّقون هتك حرمة هذه الأشهر. وقيل (٢): الذين يتقون بدء المشركين (٣) بالقتال فيها. وقال عطاءٌ الخراساني: أحلَّ اللَّه القتال في الشهر الحرام بقوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ

стр. 3551

اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآيات، وبقوله ﷻ : ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ يقول: فيهن وفي غيرهن. * * * (٣٧) - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾: أي: التأخير. قيل: هو مصدر كالرحيل. وقيل: هو فعيلٌ بمعنى المفعول، ومعناه: المؤخَّر؛ أي: الشهر المؤخَّر (١)، من قولهم: نسأ الشيءَ وأنسأه؛ أي: أخَّره، ومنه: النسيئة في البيع. وقوله تعالى: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾؛ أي: تأخيرُ حرمةِ المحرَّم إلى صفر بدعةٌ زائدة على بِدَع سائر الكفار. وقوله تعالى: ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: قرأ حمزة والكسائيُّ وعاصم في رواية حفصٍ بضم الياء وفتح الضاد (٢)؛ أي: الأتباع يَضِلون به بإضلال الرؤساء، على ما لم يسم فاعله. وقرأ الحسن وجماعة بضم الياء وكسر الضاد (٣): يُضِلُّ الرؤساء به الأتباعَ.

стр. 3552

وقرأ الباقون بفتح الياء وكسر الضاد (١): يضل الرؤساء؛ أي: يقعون في الضلال بما يفعلون. وقوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾: أي: يُحلُّون القتالَ في هذا الشهر مرةً ويحرِّمونه مرةً، حُذف (في) عن الفعل كما يُحذف عن (٢) الاسم، فيقال (٣): الشهر الحرام والشهر المحرَّم؛ أي: المحرمُ فيه القتال. وقوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾: أي: ليُوافقوا عدةَ ما حرَّم اللَّه، والمواطَأة: الموافَقة، وتواطَأَ القوم على كذا؛ أي: توافَقوا؛ أي: يحرِّمون صفرًا مكان المحرَّم، ويُحلُّون المحرَّم ويقولون: الأشهر الحرم أربعةٌ، وقد حرَّمنا أربعةَ أشهر. وقوله تعالى: ﴿فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾: أي: ليتوصَّلوا بهذه الحيلة إلى إحلالِ الشهر الذي حرَّم اللَّه. وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾: قال الحسن: الشيطان زيَّن لهم ذلك (٤). وقيل: أنفسُهم زينت لهم ذلك. وقيل: اللَّه زيَّنها بالتخليق امتحانًا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: أي: إلى الحقِّ حالَ اختيارهم الثباتَ على الباطل. وقيل: لا يهديهم طريق الجنة في الآخرة.

стр. 3553

وقال الكلبي: أولُ مَن نسأ الشهور رجلٌ من بني كنانة يقال له: نُعيم بن ثَعلبة، وكان يكون على الناس بالموسم إذا همَّ الناس بالصَّدَر قام فخطب فقال: لا مردَّ لِمَا قضيتُ أنا الذي لا أُعاب ولا أجاب (١)، فيقول له المشركون: لبيك ربَّنا، ثم يسألونه أن يُنسئهم شهرًات يغيرون (٢) فيه فيقول: فإن صفرًا العامَ حرام، فحَلُّوا الأوتار ونزَعوا (٣) الأسنَّة والأزجَّة، وإن قال: هو حلال، عقَدوا الأوتار فشدُّوا الأزجة وأغاروا على الناس، وكان بعد نعيم بن ثعلبة رجل يقال له: جُنَادة بن عوف بن أمية الكِنانيُّ، وهو الذي أدركه رسول اللَّه ﷺ (٤). وقيل: كان يلي ذلك عامر بن الظربان. وقال قتادة: كان يفعل ذلك أبو ثُمامة صفوان بن أمية أحد بني فُقيم بن الحارث (٥).

стр. 3554

وفي حديث ابن عباس ﵄: أبو ثمامة كنية جنادة بن عوف بن أمية الكناني (١) الذي قدَّمناه. وقال عبد الرحمن بن زيد: هو رجل من بني كنانة يقال له: القَلَمَّس، في الجاهلية (٢). وأنشد أبو عبيدةَ لبعضِ بني كنانةَ في الافتخار بهذا: ألَسْنا الناسئينَ على مَعَدٍّ... شهورَ الحِلِّ نجعلُها حرامًا (٣) وقال السدي: كانت العرب يَشُقُّ عليهم أن يمكثوا ثلاثةَ أشهر لا يُغِيرون فيها، وإذا أراد رئيسهم أن يُغير (٤) قال: إني أحلَلْت المحرَّم وحرَّمت صفرًا مكانه، فقاتل الناس في المحرم، فإذا كان صفرٌ غمدوا السيوف، ثم يقول في قابل: أحلَلْتُ صفرًا وحرَّمتُ المحرَّم (٥).

стр. 3555

وقال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يحلُّون المحرَّم ويسمُّونه صفرًا، ويحلُّون بعده صفرًا ويجعلون في هذا العام صفَرين، ثم يحرِّمون المحرَّم وصفر في القابل ويجعلونهما المحرَّمين (١). وفي حديث الحسن: أنهم كانوا يغيِّرون الشهور كلَّها فيتغيَّر شهرُ الحج أيضًا، ولمَّا فتح اللَّه مكة سنة ثمانٍ من الهجرة -وكانت في تلك السنةِ غزوةُ حنينٍ- مضى النبيُّ ﵇ منها إلى الطائف ثم إلى جِعْرانة وقسَّم بها غنائم حنين في ذي القعدة واعتمر فيه، ولم يؤذَنْ له أن يحجَّ في ذلك العام لأن حجَّهم كان وقع في ذي القعدة، ولمَّا كانت سنةُ تسع وقع الحجُّ في ذي الحجة، وأرسل النبيُّ ﵇ أبا بكر ﵁ إلى مكةَ واستعمله على الحج وعلَّمه المناسك، ونزلت سورةُ براءةَ بعد خروج أبي بكر، فبدث النبيُّ ﵇ عليَّ بن أبي طالب ﵁ وأمره إذا خطب أبو بكر وفرغ من خطبته أن يقوم فيقرأ على الناس سورةَ براءة، ففعل ونبذ (٢) إلى المشركين عهدَهم، وقال: "لا يجتمعنَّ (٣) مسلمٌ ومشركٌ على هذا الموقف بعد عامهم هذا"، وإنما لم يحجَّ النبيُّ ﷺ تلك السنة لمخالطة الكفار، وأُخِّر ليكون حجُّه في السَّنة التي بعدها بدون المشركين. وكان أبو بكر ﵁ هو الذي يخطبُ على الناس ويصلِّي بهم ويَدفع بهم في الموقف.

стр. 3556

فلمَّا كانت سنة عشرٍ أَذِنَ اللَّه تعالى لنبيِّه في الحج، فحجَّ رسول اللَّه ﷺ حجةَ الوداع، فوقف بعرفة وقال: "يأيها الناس، إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يومَ خلق اللَّه السماوات والأرض، فلا شهر يُنسأ، ولا عِدَّة تُخطأ، وإن الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة" (١). وقال الإمام القشيري ﵀: قولُه ﷻ : ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ لمَّا علِم أنهم لا يداوِمون على ملازَمة القُرَب أفرد بعضَ الشهور بالتفضيل ليخصُّوها باستكثار الطاعات فيها، فأما الخواصُّ من عباده فجميعُ الشهور لهم شهرُ رمضان، وجميع الأيام لهم جمعةٌ، وجميع البقاع لهم مكةُ، وأنشدوا في معناه: ياربِّ إن جهادي غيرُ منقطِعٍ... فكلُّ أرضِك لي ثَغْرٌ وطرسوسُ وقال في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾: أمَر العوامَّ ألَّا يَظلموا قلوبهم في جميع (٢) الشهور بارتكاب الزَّلَّة، وأَمر الخواصَّ أن يَظلموا قلوبهم في جميع الشهور باحتقاب (٣) الغفلة، فظُلم النفس أن يَجعل العبد زمامَه بيد شهواته فتُورده (٤) موارد الهلكات، وظلمُ (٥) القلب أن يلاحِظ الخلقَ فيَحرمَه أُنسَ المشاهَدات، ومَن ظلم نفسه بارتكاب المحظورات ابتُلي بالفترة في الطاعات، ومَن ظلم قلبه بالمساكَنات امتُحن بعدم الصَّفوة في مرور الأوقات.

стр. 3557

وقال في قوله : ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾: لا سلاحَ أمضَى على العدوِّ من تبرُّئِك من حولك وقوتك. وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾: الدِّين ملاحظةُ الأمر ومجانبةُ الوِزر وتركُ التقدُّم بين يدي اللَّه تعالى في جميع أحكام الشرع، والآجالُ في الطاعات مضروبة، والتوقُّف في عرفانه (١) متَّبعَ، والصلاحُ في الأمور بالإقامة على حدِّ العبودية، وتركِ الاعتراض (٢) والمعارضة على الربوبية (٣). * * * (٣٨) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ﴾: هو حرف استفهامٍ بمعنى التوبيخ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: اخرجوا إلى الغزو، وقد نَفَر نفيرًا من حدِّ ضَرَب، وسبيل اللَّه: طريق طلب (٤) رضَى اللَّه، وسمِّي به لأنه يُفضي بسالكه إلى الجنة. وقوله تعالى: ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾: أي: تثاقلتُم، وأدغمت التاءُ في الثاء فبُدئ بها -وهي ساكنة- عليها، فزيدَ عليها الألفُ ليكون المبتدأ بالمتحرِّك، ومثله: ﴿ادَّارَكُوا﴾ [الأعراف: ٣٨].

стр. 3558

وهذه معاتبةٌ للمؤمنين، حيث قيل لهم: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ فتباطؤوا فعُوتبوا على ذلك، وهو وجه النَّظم؛ أي: ما السببُ الذي يدعوكم إذا قال لكم الرسول: اخرجوا في الجهاد في سبيل اللَّه، تثاقلتُم عنه إلى الإقامة بأرضكم لبلوغ الثمار وطلبِ (١) الظلال، وتعبِ الخروج لشدة الحر. وقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾: أي: بدلًان الآخرة ونعيمِها الخالد الذي لا يَبيد. وقوله تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾: لأن هذا منقطِعٌ وذاك باقٍ، وهذا كلُّه تقريعٌ وتعجيبٌ من سوء الاختيار. وقال مجاهد: أُمروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد الطائف وبعد حُنينٍ، أمروا بالنَّفير في الصَّيف حين أَثمرت النخيل وطابت الثمارُ واشتهَوا الظِّلالَ، فشقَّ عليهم الخروجُ فاعتلُّوا فقالوا: فينا الثقيلُ وذو الحاجة وذو الضَّيعة والشغل، فنزلت الآية (٢). وقال الكلبي: إن النبيَّ ﷺ أقام بالمدينة بعد (٣) مرجعِه من الطائف، فأمر بالجهاد لغزوة الروم حين طابت ثمار المدينة وأَينعت، فعظُمت على الناس غزوة الروم -وقال قتادة: لغزوة تبوك قبَل الشام (٤) - وذلك في زمانِ عسرةٍ من الناس، وجَدْبٍ من البلاد، وشدةٍ من الحر، وأحَبُّوا الظلالَ والمقامَ في ثمارهم، وكان النبيُّ ﷺ قلَّما يخرج في غزوة إلا كنَى عنها إلا غزوةَ تبوك؛ لبُعدِ شُقَّتها وكثرة العدوِّ،

стр. 3559

ليتأهَّب الناس، فأمرهم بالجهاد وأخبرهم بالوجه الذي يريد، فلما علم اللَّه تثاقُل المسلمين أنزل هذه الآية (١). قال الإمام القشيري ﵀: الجنوحُ إلى التكاسُل والاسترواحُ إلى التغافُل من أمارات ضعف الإيمان؛ إذ الإيمان غريم ملازمٌ لا يرضى من العبد بغيرِ ممارسةِ الأشقِّ وملابَسة الأحق (٢). قال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : بايعنا رسول اللَّه ﷺ على السَّمع والطاعة في العسر واليسر والمَنشَط والمَكرَه، بل بايعناه على الموت. ثم قال: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾: هل يَجمل (٣) بالعابد أن يختار دنياه على عُقباه؟ أم هل يَحْسُن بالعارف أن يُؤْثِر هواه على رضا مولاه، وغيبةُ يوم من الزاهد (٤) عن الباب تَعدل شهورًا، وغيبة لحظة من العارف عن البساط تَعدلُ دهورًا، وأنشدوا: الإلفُ لا يصبرُ عن إلفِهِ... أكثرَ مما تَطْرفُ العَين وقد صَبَرْنا عنكم ساعةً... ما هكذا فعلُ المحبِّين (٥) * * * (٣٩) - ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

стр. 3560

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾: (إلا) كلمتان: (إنْ) للشرط و (لا) للنفي؛ أي: إن لم تخرجوا إلى الغزو يعذِّبكم عذابًا وجيعًا لأبدانكم وقلوبكم في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: أي: يُنشئُ قومًا آخرين، ويأت بهم بدلًا عنكم، يحضون على (١) أمره، ويحرِّضون على مجاهدة عدوِّه. وقال أبو رَوْق: وهم أهل اليمن (٢). وقال سعيد بن جبير: هم أهل فارس (٣). وقيل: الملائكة. وقال القشيري ﵀: ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾: يَصْرفْ ما كان عليكم من الإقبال إلى (٤) غيرِكم من الأشكال، وليس كلُّ مَن حفر بئرًا يَشرب من مَعينها، وفي معناه أنشدوا: أسقي رياحينَ الحِفَاظ مَدَامِعي... وسوايَ في روضِ التواصُلِ يرتعُ (٥) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾: عطفٌ على ما سبق، وهو مجزومٌ لأنه جواب الأمر، وعلامةُ جزمه حذفُ النون في آخره، وهو ظاهرٌ أنه لا يضرُّ اللَّه شيئًا ولا يَنقصُ من ملكه شيئًا.

стр. 3561

وقيل: معناه: ولا تضرُّوا رسولَه وأولياءه شيئًا، فإن اللَّه ينصرُه بما شاء بدونهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أي: هو على نصرِ رسوله بغيركم وإفناءِ الكفارِ بغيرِ قتالِ أحدٍ قدير؛ إذ هو القادرُ على كلِّ شيء. وقال القشيريُّ ﵀: العذابُ الأليم: ألا يعاتبه على تأخير الرجوع. وقيل: العذابُ الأليم: أن يُعرِض العبد عن الطاعة فلا يَبعث وراءه طالبًا (٢) من [جنود] التوفيق يردُّه إلى الباب. وقيل: العذاب الأليم: أن يسلبه حلاوة النجوى إذا آب. وقيل: العذاب الأليم: الصُّدودُ يوم الورود. وقيل: العذاب الأليم: الوعيد بالفراق، فأمَّا نفسُ الفراق فهو عين (٣) التلف، وأنشدوا (٤): وزعَمْتَ أنَّ البَيْنَ منكَ غدا... هدِّدْ بذلك مَن يعيشُ غدا (٥) * * * (٤٠) - ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ

стр. 3562

اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾: (إلا) كلمتان كما مر؛ أي: إنْ لم تنصروا محمدًا في هذه الحالةِ فما هو ممن يُضيَّع، فقد نصره اللَّه أضعفَ ما كان فلن لِخذله الآن. وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: أي: حين مكرِ قريشٍ فاضطُرَّ إلى أن خرج ليلًا مستخفيًا إلى المدينة مهاجرًا خائفًا مشفِقًا من لحوق الطلب، لا أنيسَ معه ولا أليف إلا رجلٌ واحد وهو أبو بكر الصدِّيق ﵁. ثم قال هنا: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ١٣]، وقال في آية أخرى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ [الأنفال: ٥]. والتوفيق: أنهم همُّوا بإخراجه (١) بأنفسهم، فاضطُر فخرج بسبب همِّهم، واللَّه أَذِن له في الخروج وقدَّر ذلك عليه. وقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾: نصبٌ على الحال، وهو حالٌ من النبيِّ ﷺ ، و ﴿اثْنَيْنِ﴾ خفضٌ بالإضافة، وهو محمد المصطفى وأبو بكر الصدِّيقُ ﵁؛ أي: هو أحدُ اثنين ليس معهما ثالثٌ. وقوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَار﴾: وهو الثَّقْبُ (٢) العظيم في الجبل، وهو في جبلٍ بمكة (٣) يقال له: ثور، قاله قتادة (٤).

стр. 3563

وهو مأخوذ من غار يغور؛ أي: دخل في عميقٍ. وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾: أي: النبيُّ ﷺ ﴿لِصَاحِبِهِ﴾؛ أي: أبي بكر ﴿لَا تَحْزَنْ﴾؛ أي: لا تهتمَّ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾؛ أي: حافظُنا وناصرُنا ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ قال الزجَّاج: أي: على النبيِّ ﷺ (١)، كما قال في هذه السورة: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٢٦]. وقيل: على أبي بكر (٢)؛ لأنَّه هو الخائف المحتاجُ إلى الأمن، وأما النبيُّ ﷺ فقد كان ساكنًا بما وُعد له من النصرة. وقوله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾: أي: وقوَّى محمدًا، وهو عطفٌ على قوله: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾، والجنود: الملائكة أيَّده بهم في حرب بدرٍ وحُنينٍ. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾: قال الحسن: هي الشرك. ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وهي: لا إله إلا اللَّه، علَتْ هذه الكلمة (٣) إلى قيام الساعة. و (كلمةُ اللَّه) رفعٌ بالابتداء، وهي غيرُ معطوفة على الأولى؛ لأنَّه لم يَجعل الجعلَ واقعًا عليها بل استأنف الكلام بها. وقال ابن كيسان: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾: هي ما قدَّروا بينهم من الكيد به ليقتلوه فلم ينالوا أملَهم ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وعدُ اللَّه أنه ناصرُه (٤).

стр. 3564

وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل: وجعَل أهلَ كلمة الذين كفروا هم الأسفَلينَ، قال اللَّه تعالى: ﴿مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩] وأهلُ دين اللَّه هم الأعلَونَ (١)، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾: أي: في انتقامه ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره وأحكامه. وقصتُه: أن قريشًا لمَّا اجتمعوا في دار الندوة يمكرون بالنبيِّ ﷺ ، وتشاوروا في أمره على ما مر تفسيره في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠]، وترك رسول اللَّه ﷺ عليًّا على فراشه ليلًا، وخرج مع أبي بكر الصديق ﵁ يتوجَّهان إلى المدينة. قالت عائشة ﵂ (٣): جاء رسول اللَّه ﷺ واستأذن علينا -وذلك في نحر الظهيرة متقنِّعًا- في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها، وقال حين دخل لأبي بكر: "أَخْرِجْ مَن عندَك"، فقال أبو بكر ﵁: إنما هم أهلك، فقال: "إنه قد أُذن لي في الخروج للهجرة"، فقال أبو بكر ﵁: فالصحبةَ يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمي، فقال: "نعم"، قال: فخذ إحدى راحلتيَّ هاتين، فقال ﵇: "بالثَّمن"، وكان اشتراهما بثماني مئة، فأخذ رسول اللَّه ﷺ القَصواء (٤)، وكان يعلفها (٥)، وكان

стр. 3565

يغزو عليها المغازي ويحج عليها حتى ماتت في خلافة أبي بكر ﵁. قالت عائشة ﵂: فجهزناهما بأخفِّ (١) الجِهاز: لحم وخبز، وصنعنا لهما سفرةً في جرابٍ، فقطعت أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نطاقها فأَوْكَتْ به الجِرابَ، فلذلك كانت تسمى ذاتَ النطاقين. وقيل: كانت تَنتطِقُ بنطاقين، فحلَّت (٢) أحدهما فجعلته عِلَاقًا للسفرة، والآخرَ عصامًا لفم القِرْبة (٣). وخرج النبيُّ ﷺ ليلًا من بيته ونفرٌ من قريش يرصدونه على الباب، فأخذ حفنةً من البطحاء فجعل يذرُّها على رؤوسهم وهو يتلو: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ الآيات، ومر ولم يعلموا به، وانتهى إلى بيت أبي بكر الصديق ﵁، فخرجا معًا، وكان أبو بكر استأجر عبد اللَّه بن أُريقِط، فدفع إليه الراحلتين وواعده غار ثورٍ بعد ثلاثِ ليال، وأتاهما بهما حينئذ فارتحلا عليهما إلى المدينة (٤). قال أبو بكر ﵁: فأحيينا (٥) يومَنا وليلتنا حتى قام قائم الظهيرة،

стр. 3566

فرميتُ ببصري هل أرى من ظلٍّ فنأويَ إليه، فرأيت صخرة فنزلناها، فنظرتُ بقية ظلِّها فسوَّيته وأخذتُ فروةً كانت معي ففرشتُها لرسول اللَّه ﷺ وقلتُ: اضطجعْ يا رسول اللَّه حتى أنفضَ ما حولك، فإذا غلامٌ راعٍ قد أقبل في غنمٍ له يريد هذه الصخرةَ للظل، فقلتُ: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش، وسمَّاه فعرفتُه، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم، فقلت: هل أنت حالبٌ لي؟ قال: نعم، فأعطيته فحلب، وقد زويتُ لرسول اللَّه ﷺ إداوةً من ماء (١)، فصبَبْتُ على اللبن حتى وجدتُ بردَ الماء من تحت الإناء، فأتيتُ بها النبيَّ ﷺ فوافَقْتُه قد استيقظ، فقلتُ: اشرب يا رسول اللَّه، فشرب منه، ثم قلتُ: قد آن الرحيل يا رسول اللَّه. فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فأدركَنا سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول اللَّه، قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. فلما دنا قِيدَ (٢) رمحين أو ثلاثةٍ قلت: هذا الطلب قد لحقنا، وبكيتُ، قال: "ما يبكيك؟ " قلت: أنا واللَّهِ ما على نفسي أبكي، ولكن إنما أبكي عليك يا رسول اللَّه، فدعا عليه رسول اللَّه ﷺ فقال: "اللهم اكفِنَاه بما شئتَ"، فساخت فرسه في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها (٣) ثم قال: يا محمد! قد علمتُ أن هذا عملك، ادع اللَّه على أن ينجيَني مما أنا فيه، فواللَّه لأعمِّين على من ورائي من الطلب، وهذه كنانتي فخذ سهمًا منها فإنك ستمرُّ على إبلي وغنمي بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "لا حاجة لنا في إبلك"، فدعا له رسول اللَّه ﷺ ، فانطلق راجعًا إلى أصحابه ومضى رسول اللَّه ﷺ وأنا معه.

стр. 3567

وكانت قريشٌ جعلت لمن أخذَ محمدًا وأبا بكر ديتَهما، وسمع سراقة رجلًا يقول: رأيت في الطريق سوادًا أظنه محمدًا، فخرج مختفيًا على أن يأخذهما فكان ما كان. وقال أبو بكر لعائشةَ ﵂: لو رأيتِني ورسولَ (١) اللَّه ﷺ إذ صعدنا الغار، فأمَّا قدَما رسول اللَّه ﷺ فتقطَّرتا دمًا، وأما قدماي فغارتا كأنهما صفوانٌ، فقالت عائشة: إن رسول اللَّه ﷺ لم يتعوَّد الحفية (٢). ولو رأيتِنا ونحن نصعد في الغار مرةً هو أمامي ومرةً أنا أمامَه حتى سبقتُه إلى الغار، فدخلتُه فطلبتُ فيه حجرًا فما وجدتُه، فألقمتُه عقِبي، فدخل رسول اللَّه ﷺ عليَّ، فقال أبو بكر ﵁: إن كانت لدغةٌ لدغَتْني أحبُّ إليَّ من أن تلدغَ رسول اللَّه ﷺ (٣). وقال ابن عباس ﵄: قال أبو بكر: حين انتهينا إلى باب الغار فقلتُ: يا رسول اللَّه! الغار موضعُ المكاره فدعني أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء مكروهٌ كان لي دونك، فدخل فرأى جِحَرَةً، وكان عليه بردٌ سابرٌ ثمينٌ، فخرقه وحشا تلك الجِحَرة، وبقي جِحران فسدَّهما بعقبيه وقال: ادخل يا رسول اللَّه، فدخل (٤). وجاءت العنكبوت فضربت على بابه بعِشَاشٍ بعضِها على بعضٍ، وأرسل اللَّه تعالى زوجًا من حمامٍ حتى باضتا في أسفل الثقب، وأثبت اللَّه على باب المغارة يمامةً (٥).

стр. 3568

ومكثا فيه لثلاثِ (١) ليالٍ يبيت عندهما عبد اللَّه بن أبي بكر وهو غلام لَقِنٌ، فكان يرجع منهما (٢) عند السَّحَر فيصبح مع قريشٍ بمكة فلا يسمع أمرًا يَكيدون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامر بن فُهيرة مولَى أبي بكر ﵁ يأتي بمنحةٍ بالليل بعد العِشاء فيبيتان في منحته، فإذا أَسحر رجع (٣). وخرج الطلب من مكة، وقَفَوا آثارَهما إلى باب الغار ثم انقطع الأثر، فوقفوا على الجبل فوق الغار، فقال أبو بكر ﵁: يا رسول اللَّه! لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: "يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين اللَّهُ ثالثهما" (٤). وقال واحدٌ: ندخل الغار، فقال أمية بن خلفٍ: ما أَرَبُكم إلى الغار؟ إن عليه لعنكبوتًا كان قبل ميلاد محمد، ثم جاء فبال في صَدْع الغار حتى سال بولُه بين يدي

стр. 3569

النبي ﷺ وأبي بكر، فنهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العنكبوت وقال: "إنها جند من جنود اللَّه تعالى" (١). وفي رواية قالوا حين رأوا العنكبوت وبيض الحمام: ولو دخلاه لانكسر البيض وتفسَّخ بيت العنكبوت، فانصرفوا (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: إن اللَّه ﷻ جعل رسوله أمانًا لأهل الأرض بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ثم جعله في أمان العنكبوت حين نسج على باب الغار ليُعلم أنه من عند اللَّه دون الأغيار. وقالوا: إن للبقاع دولًا، متى خطر ببالِ أحد أن يصير ذلك الغار مثوَى سيد الأولينَ والآخِرين، ولكن اللَّه عز وعلا يختصُّ بقسمته ما (٣) يشاء، كما يختص برحمته مَن يشاء (٤). وفيه بيان فضل الصديق ﵁ حيث (٥) جعله اللَّه لرسوله صاحبَه،

стр. 3570

وعدَّه ثانيَه، ثم هو في القبر ضجيعُه وفي الجنة رفيقُه (١). وقال رجل من الشيعة: ما ظنُّك في خمسة سادسهم جبريل؟ فقال أبو يوسف: ما ظنُّك باثنين اللَّه ثالثهما. وقالت الروافض في قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾: لا يخلو إما أن يكون حزنُ أبي بكر طاعةً أو معصيةً، فإن كان معصيةً ففيه نقصانه لا فضلُه، وإن كان طاعةً فلمَ نهاه رسول اللَّه ﷺ ؟ قلنا: لم يكن حزنُه سوءَ الظنِّ بربه تعالى، ولا استبطاءً لنصره، لكنْ شفقةً على رسول اللَّه ﷺ وحبيبه، وكان (٢) ذلك شيئًا نشأ عن طبعه ولا نقصَ في مثله. ثم نعارضهم بخوف موسى وهارون ﵉، وقال اللَّه تعالى لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] إلى آخر السؤال حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة (٣)، على أنهما قالا: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ﴾ [طه: ٤٥]، وليس في القرآن أن أبا بكر ﵁ قال: إني أحزن، وقد قال أبو بكر ﵁ في شعره: قال النبيُّ ولم أَجْزع يوقِّرني... ونحن في سُدفةٍ من ظُلمةِ الغارِ لا تَخْشَ شيئًا فإنَّ اللَّه ثالثُنا... وقد تكفَّل لي منه بإظهارِ وإنما كيدُ مَن تَخشَى بوادرَه... كيدُ الشياطين قد كادَتْ بكفَّارِ

стр. 3571

واللَّه يهلكُهم طرًّا بما صنعوا... وجاعلُ المنتهَى منهم إلى النارِ (١) وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ ليس بنهي عن الحزن، بل هو على تخفيف الأمر عليه وتيسيرِ الحالة التي هو عليها (٢). وهو كقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وكما قال النبيُّ ﷺ لأبي بكر ﵁، فقد قال لرسول اللَّه ﷺ : ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] ولم يكن حزنه معصيةً بل كان شفقةً، فهذا مثله. وقال القشيري ﵀: كان حزنُه لا لنفسه بل للَّه ؛ لأنَّه قال له رسول اللَّه ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وحزنٌ لا يذهب إلا بمعية الحق ما يكون إلا بحق الحق (٣). * * * (٤١) - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾: هو نصب على الحال، والخِفَاف: جمع خفيف، والثِّقال: جمع ثقيل.

стр. 3572

وقال الحسن ومجاهد والضحاك: أي: شبَّانًا وشيوخًا. وقال أبو صالح: أي: أغنياء وفقراء. وقال الحكَم: فارغين ومشاغيل. وقال ابن عباس وقتادة: نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ، بكسر النون: جمع نشيط. وقال أبو عمرو: ركبانًا ومشاة. وقال ابن زيد: ذا ضيعةٍ وغيرَ ذي ضيعةٍ (١)، وحملتُه على حالٍ يخفُّ فيه النَّفير أو على حالٍ يثقُل فيه النفير. وقال مرَّة الهَمْداني: أصحَّاءَ ومرضَى. وقال [حضرميٌّ]: إن ناسًا كان بعضهم عليلًا وبعضهم كبيرًا فقالوا: لا إثم علينا، فنزلت الآية. وقال يمان بن رئابٍ: عزَّابًا ومتأهِّلين. قال [محمد]: وشهد أبو أيوبَ الأنصاريُّ بدرًا ثم لم يتخلَّف عن غزاةٍ إلا عامًا واحدًا ثقُل مدةً، ثم تكلَّف وخرج، وقال: قال اللَّه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ولا أجدُني إلا خفيفًا أو ثقيلًا (٢). وخرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك

стр. 3573

عليلٌ صاحب ضر فقال: استنفَر اللَّه الخفيفَ والثقيل، فإن لم يمكنِّي الحربُ كثَّرتُ السوادَ وحفظتُ المتاع (١). وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: مِن تَرْكه. وقيل: ليس هذا للتفضيل، بل لإثبات أصل الخير؛ أي: ذلكم صلاحٌ وخيرٌ لكم، وتركُه فساد وشرٌّ لكم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: الخير والشر. وقيل: أي: إن كنتم تعلمون صدقَ الوعد على فعله وصدقَ الوعيد على تركه. وقيل: أي: إن كنتم تعملون بما تعلمون. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا﴾؛ أي: في حالِ حضور قلبكم فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا رُددتم إليكم في مقاساة تعبِ المكابَدات، فإن البيعة أُخذت عليكم (٢) في المنشَط والمكرَه. ﴿خِفَافًا﴾ إذا كنتم محمولين في حال الجمع ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا كنتم متحمِّلين في أوان التفرقة. ﴿خِفَافًا﴾ إذا تجرَّدتُم عن رِقِّ المطالبات ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا كان على قلوبكم ثقلُ الحاجات (٣). * * *

стр. 3574

(٤٢) - ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ﴾: أي: لو كان المدعوُّ إليه ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾؛ أي: شيئًا من متاع الدنيا قليلًا لا بقاء له (١). وقيل: أي: غنيمةً قَرُب مُتناوَلُها، كما قال في غنائم بدر: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾: أي: سهلًا وسطًا من الأسفار ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾، أي: هؤلاء المنافقون المعتلُّون بعللٍ لاتبعوك إلى حيث قصدت. ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾: أي: المسافة. وقيل: هي قطعة من الأرض يَشُقُّ سلوكها على صاحبها لبُعدها. فلما لم يكن خروجُهم لرضى اللَّه تعالى بل لأجل نفع الدنيا تعلَّلوا. وقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾: أي: لو كان لنا زادٌ وراحلةٌ لخرجنا على موافَقتكم، وهي استطاعةُ سلامةِ الآلات وتهيُّؤ الأسباب فإنها تتقدم الفعل، فأما الاستطاعةُ التي يقع الفعل بها فإنها مع الفعل عندنا، ولا متعلَّق للقدرية فيها؛ لِمَا قلنا: إن المراد بها استطاعة الأسباب. وقوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: يُوْرِدونها نارَ جهنم بكذبهم.

стр. 3575

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أنه (١) لا استطاعة لهم، وهو ما ذكرنا من سلامة الآلات وتهيُّؤ الأسباب؛ أي: فلا تَقبلوا لهم عذرًا. و ﴿إِنَّهُمْ﴾ لم تنتصِب بوقوع (٢) العلم عليها لمكان اللام بعدها. وقال مجاهد: إنهم لكاذبون فيما يقولون: ﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ ليس في قلوبهم ذلك. وقال قتادة: هم جماعة من المنافقين منهم جدُّ بن قيس ومعتِّب بن قُشير. ودلت الآية على صدق النبيِّ ﷺ في دعوى الرسالة، لأنه أَخبر أنهم سيَحلفون كذا، وكان (٣) كما أخبر، وذاك لا يعلمه إلا العالِمُ بالعباد عالمُ الغيب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾؛ أي: لو كان نفعًا حاضرًا أو غائبًا من منافع الدنيا لاتبعوك، فإن صفتهم كانت اتِّباعَ المنافع، وقال اللَّه تعالى في صفتهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية [الحج: ١١]. وقال في قوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: قيل: يُظهِرون نفاقَهم بترك الخروج، كقوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] (٤). وقال القشيريُّ ﵀: كان ذلك تعليلًا فاسدًا من أهل النفاق، وكذا مَن كان غيرَ متحقِّقٍ في قصدِه غيرَ مُبالِغ في جهده، وأنشدوا: وكذا المَلولُ إذا أراد قطيعةً... ملَّ الوصالَ وقال كان وكان ومَن جدَّ في الطلب لم يعرِّج في أوطان الفشل، يصلُ السَّير بالسُّرى ولم يبالِ من مقاساة العناء:
следующие страницы →