← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

واللَّه يهلكُهم طرًّا بما صنعوا... وجاعلُ المنتهَى منهم إلى النارِ (١) وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ ليس بنهي عن الحزن، بل هو على تخفيف الأمر عليه وتيسيرِ الحالة التي هو عليها (٢). وهو كقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. وكما قال النبيُّ ﷺ لأبي بكر ﵁، فقد قال لرسول اللَّه ﷺ : ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] ولم يكن حزنه معصيةً بل كان شفقةً، فهذا مثله. وقال القشيري ﵀: كان حزنُه لا لنفسه بل للَّه ؛ لأنَّه قال له رسول اللَّه ﷺ : ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وحزنٌ لا يذهب إلا بمعية الحق ما يكون إلا بحق الحق (٣). * * * (٤١) - ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾: هو نصب على الحال، والخِفَاف: جمع خفيف، والثِّقال: جمع ثقيل.

стр. 3572

وقال الحسن ومجاهد والضحاك: أي: شبَّانًا وشيوخًا. وقال أبو صالح: أي: أغنياء وفقراء. وقال الحكَم: فارغين ومشاغيل. وقال ابن عباس وقتادة: نِشاطًا وغيرَ نِشاطٍ، بكسر النون: جمع نشيط. وقال أبو عمرو: ركبانًا ومشاة. وقال ابن زيد: ذا ضيعةٍ وغيرَ ذي ضيعةٍ (١)، وحملتُه على حالٍ يخفُّ فيه النَّفير أو على حالٍ يثقُل فيه النفير. وقال مرَّة الهَمْداني: أصحَّاءَ ومرضَى. وقال [حضرميٌّ]: إن ناسًا كان بعضهم عليلًا وبعضهم كبيرًا فقالوا: لا إثم علينا، فنزلت الآية. وقال يمان بن رئابٍ: عزَّابًا ومتأهِّلين. قال [محمد]: وشهد أبو أيوبَ الأنصاريُّ بدرًا ثم لم يتخلَّف عن غزاةٍ إلا عامًا واحدًا ثقُل مدةً، ثم تكلَّف وخرج، وقال: قال اللَّه تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ولا أجدُني إلا خفيفًا أو ثقيلًا (٢). وخرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك

стр. 3573

عليلٌ صاحب ضر فقال: استنفَر اللَّه الخفيفَ والثقيل، فإن لم يمكنِّي الحربُ كثَّرتُ السوادَ وحفظتُ المتاع (١). وقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أي: مِن تَرْكه. وقيل: ليس هذا للتفضيل، بل لإثبات أصل الخير؛ أي: ذلكم صلاحٌ وخيرٌ لكم، وتركُه فساد وشرٌّ لكم. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أي: الخير والشر. وقيل: أي: إن كنتم تعلمون صدقَ الوعد على فعله وصدقَ الوعيد على تركه. وقيل: أي: إن كنتم تعملون بما تعلمون. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا﴾؛ أي: في حالِ حضور قلبكم فلا يمسُّكم نَصَبُ المجاهدات ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا رُددتم إليكم في مقاساة تعبِ المكابَدات، فإن البيعة أُخذت عليكم (٢) في المنشَط والمكرَه. ﴿خِفَافًا﴾ إذا كنتم محمولين في حال الجمع ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا كنتم متحمِّلين في أوان التفرقة. ﴿خِفَافًا﴾ إذا تجرَّدتُم عن رِقِّ المطالبات ﴿وَثِقَالًا﴾ إذا كان على قلوبكم ثقلُ الحاجات (٣). * * *

стр. 3574

(٤٢) - ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ﴾: أي: لو كان المدعوُّ إليه ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾؛ أي: شيئًا من متاع الدنيا قليلًا لا بقاء له (١). وقيل: أي: غنيمةً قَرُب مُتناوَلُها، كما قال في غنائم بدر: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ [الأنفال: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾: أي: سهلًا وسطًا من الأسفار ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾، أي: هؤلاء المنافقون المعتلُّون بعللٍ لاتبعوك إلى حيث قصدت. ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾: أي: المسافة. وقيل: هي قطعة من الأرض يَشُقُّ سلوكها على صاحبها لبُعدها. فلما لم يكن خروجُهم لرضى اللَّه تعالى بل لأجل نفع الدنيا تعلَّلوا. وقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾: أي: لو كان لنا زادٌ وراحلةٌ لخرجنا على موافَقتكم، وهي استطاعةُ سلامةِ الآلات وتهيُّؤ الأسباب فإنها تتقدم الفعل، فأما الاستطاعةُ التي يقع الفعل بها فإنها مع الفعل عندنا، ولا متعلَّق للقدرية فيها؛ لِمَا قلنا: إن المراد بها استطاعة الأسباب. وقوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: أي: يُوْرِدونها نارَ جهنم بكذبهم.

стр. 3575

قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أنه (١) لا استطاعة لهم، وهو ما ذكرنا من سلامة الآلات وتهيُّؤ الأسباب؛ أي: فلا تَقبلوا لهم عذرًا. و ﴿إِنَّهُمْ﴾ لم تنتصِب بوقوع (٢) العلم عليها لمكان اللام بعدها. وقال مجاهد: إنهم لكاذبون فيما يقولون: ﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ ليس في قلوبهم ذلك. وقال قتادة: هم جماعة من المنافقين منهم جدُّ بن قيس ومعتِّب بن قُشير. ودلت الآية على صدق النبيِّ ﷺ في دعوى الرسالة، لأنه أَخبر أنهم سيَحلفون كذا، وكان (٣) كما أخبر، وذاك لا يعلمه إلا العالِمُ بالعباد عالمُ الغيب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ﴾؛ أي: لو كان نفعًا حاضرًا أو غائبًا من منافع الدنيا لاتبعوك، فإن صفتهم كانت اتِّباعَ المنافع، وقال اللَّه تعالى في صفتهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية [الحج: ١١]. وقال في قوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: قيل: يُظهِرون نفاقَهم بترك الخروج، كقوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] (٤). وقال القشيريُّ ﵀: كان ذلك تعليلًا فاسدًا من أهل النفاق، وكذا مَن كان غيرَ متحقِّقٍ في قصدِه غيرَ مُبالِغ في جهده، وأنشدوا: وكذا المَلولُ إذا أراد قطيعةً... ملَّ الوصالَ وقال كان وكان ومَن جدَّ في الطلب لم يعرِّج في أوطان الفشل، يصلُ السَّير بالسُّرى ولم يبالِ من مقاساة العناء:

стр. 3576

ثم قطعتُ الليلَ في مَهْمَهٍ... لا أسدًا أخشى ولا ذئبا يغلبُني شوقي فأطوِي النَّوَى... ولم يَزَلْ ذو الشوقِ مغلوبا (١) * * * (٤٣) - ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ قال الحسين بن الفضل: هذا من لطيف المعاتَبة، ولو لم يفتتح الخطاب بالعفو لَمَا كان يقوم بقوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، فطيَّب اللَّه نفسه بتصدير العفو (٢). وقال القفَّال: ذكَر اللَّه في هذه الآية والآياتِ التي بعدها أحوالَ مَن تخلَّف عن غزوة تبوك وخلَّف غيره، وحلَّاهم بأوصافهم، وأذاع (٣) بذكرهم حتى عرَفهم المسلمون، وذكَر أيمانَهم وحجَجهم ومعاذيرهم الباطلة. والمراد من ذلك واللَّه أعلم: أن تكون أوصاف مَن بعدهم من أهل النفاق مقرَّرةً عند العلماء مخلَّدةً في كتاب اللَّه تعالى، يُعرَف بما يوجد منها في الأخلاف (٤) نفاقُ المنافقين منهم إذ كان فاتهم زمانُ النبوة وانقطع الوحي، فإذا عرفوهم بأوصافهم لم يغترُّوا بظواهرهم ولم يأمنوهم على أنفسهم ودينهم.

стр. 3577

وقوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾: أي: في التخلف عن الغزو ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾. وقال الإمام أبو منصور ﵀: يحتمِل: حتى يُطلعكَ اللَّه على نفاقهم فيكونَ ذلك آيةً من آيات النبوة إن لم تأذن لهم بالتخلُّف، أو (١) إنْ لم تأذن لهم يتبيَّن لك نفاقهم؛ لأنَّهم يتخلَّفون عنك ويفارقونك وإن لم تأذن لهم، والذين صدَقوا لا يفارقونك، فيتبيَّن لك هؤلاء من هؤلاء، ويظهر كذب المنافقين من صدق المؤمنين. قال: وفيه دليل أنَّ النبي ﷺ أذِن لهم بالتخلف (٢) بالاجتهاد لا بالأمر، إذ لو كان بأمرٍ لم يُعاتَب عليه، ووقع في اجتهاده أنهم معذورون فأذن لهم، ثم إنما عوتب مع أنه اجتهد -وله ذلك- لأنه ترَك الأفضلَ، وهو تركُ الإذن حتى يتبيَّن له الصادق من الكاذب، وعِتابُ الأنبياء يكون على ترك الأفضل مع فعل الفاضل (٣). * * * (٤٤) - ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾: أي: أنْ لا يجاهدوا؛ كما في قوله تعالى: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف: ١٧٢] أي: لا يستأذنك في التخلُّف بغير عذرٍ مَن كان يؤمن باللَّه فيطيعه بالأمر بالجهاد، وباليوم الآخر فيرجو فيه ثواب الجهاد، واللَّه عليم بمن يتَّقيهِ ولا يخالف أمرَه بالجهاد ولا يتخلَّف عنه.

стр. 3578

(٤٥) - ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾: بالتخلُّف (١) من غير عذرٍ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فلا يَرَون للَّه طاعةً، ولا يرجون في القيامة مثوبة ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: شكَّت في حقيقة الإسلام. وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾: أي: يتقلَّبون (٢). قال ابن عباس ﵄: ذكر اللَّه تعالى (٣) هذا في المنافقين الذين يستأذنون من غير (٤) عذرٍ ذمًّا لهم، فأمَّا المؤمنون الذين لهم عذرٌ فقد قال اللَّه تعالى في حقِّهم. ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ الآية [النور: ٦٢] (٥). وقال مقاتل: كان المستأذنون من المنافقين تسعةً وثلاثين رجلًا (٦). وقال محمد بن إسحاق: أَذِن لقوم كانوا من ذوي الشرف، فيهم عبد اللَّه بن أبيٍّ والجدُّ بن قيس، لعِلمه أنهم إن خرجوا أفسدوا عليه الجند (٧). وقال الإمام القشيري ﵀: حسناتُ الأعداء مردودة، وسيئاتُ الأحباب مغفورة (٨)، وأنشدوا في معناه:

стр. 3579

مَن ذا يؤاخذُ من يحبُّ بذَنْبه... وله شفيعٌ في الفؤاد مشفَّعُ (١) * * * (٤٦) - ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِين﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾: أي: معكم للغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ﴾؛ أي: لهيَّؤوا للخروج ﴿عُدَّةً﴾؛ أي: أُهبةً، قرأ عبد اللَّه بن شداد: (عِدَّةً) بكسر العين (٢)؛ أي: جماعةً من الآلات والقوة قبل وقت الخروج كإعداد المسلمين ذلك. قال القشيري ﵀: تعالى لو صدقوا في الطاعة لاستجابوا ببذل الوسع والطاقة، ولكن سَقمت إرادتُهم فحصلت دون الخروج بلادَتُهم، ولذلك قيل: لو صحَّ منك الهوى (٣) ... أُرْشِدْتَ في الحِيَلِ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾؛ أي: لم يرضَ اللَّه تعالى بخروجهم وانبعاثهم (٥)، وهو الانطلاق بسرعة، يقال: بعَثْتُه فانْبَعَث. وقال الإمام أبو منصور ﵀: والوجه الذي لم يرضَ به هو ما ذكره بعده: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الآية (٦). وقوله تعالى: ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾: أي: ثقَّلهم عن الخروج وحبَسهم، وقد ثَبِط من

стр. 3580

حدِّ عَلِم؛ أي: ثَقُل، وثبَّطه غيرُه تثبيطًا، وفيه دلالةُ خلق اللَّه تعالى أفعالَ البشر. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: أي: العجزةِ المتخلِّفين من الزَّمْنَى والنساء (١) والصبيان والمجانين، وهذا الأمر يحتمِل أن يكون من النبيِّ ﵇ حيث استأذنوه فأَذن لهم ظنًّا أن لهم عذرًا، وهو ما قال في هذه السورة: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾؛ أي: هو من اللَّه تعالى لهم على (٢) التهديد والتوعيد؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. أو الشيطان وسوس لهم وزيَّن في قلوبهم ذلك ودعاهم إليه. أو قال بعضهم ذلك لبعض. أو معناه: أقعَدْناهم، وهو إخبار بلفظة الأمر، كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ [الإسراء: ١٠٤]. وقال القشيري ﵀: إن اللَّه سبحانه بأمر التكليف دعاهم، ثم بأمر التكوين ثبطهم وأقصاهم (٣). * * * (٤٧) - ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾: أي: فسادًا، وليس معناه أنهم كانوا في فساد والمنافقون زادوا في فسادهم، لكن معناه: لو خرجوا فيكم ما

стр. 3581

زادوكم قوةً، ولكن أوقعوا فسادًا بالتجبين والتهويل من الكفار، وترديدِ الرأي، وتزيينِ الأمر لفريق وتقبيحِه عند فريق (١) ليختلفوا بتفرق كلمتهم لا ينتظم أمرهم. وقال مُرَّة الهَمْداني: ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾؛ أي: غشًّا (٢). وقال يمان بن رِئابٍ: إلا مكرًا (٣). وقال عبد الرحمن بن زيد: إلا شماتةً بكم (٤). وقال عطاء: إلا ضعفًا وجُبنًا (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: هي لام القسم، وأَوْضَعَ تعديَةُ وَضَع؛ أي: أسرع، قال الشاعر: يا ليتني فيها جَذَعْ... أخُبُّ فيها وأَضَعْ (٦) ومفعوله مضمَرٌ؛ أي: ﴿وَلَأَوْضَعُوا﴾ الإبلَ ﴿خِلَالَكُمْ﴾؛ أي: فيما بينكم، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾ [النمل: ٦١]؛ أي: لحثُّوا الإبل مسرعين فيما بينكم في النميمة وإفساد ذاتِ البَين والتخليط. وقوله تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾: أي: يطلبونكم، والفتنة: المحنة، وأصله: إخراج خَبَث الذهب بالنار.

стр. 3582

وقال الإمام أبو منصور ﵀: الفتنة الشرك (١)، ويحتمِل القتلَ وإدخالَ الفشل والجبنِ فيهم. وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾: يحتمِل: ولأَدْخلوا رواحلَهم بينكم حتى لا يصيبَهم الأذى، كانوا يتستَّرون بالمسلمين لئلا يصيبَهم البلاء والشدة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾: قال قتادة: أي: وفي عسكركم مَن يسمع قولَهم (٣) اغترارًا بظاهر أحوالهم في التنصُّح (٤) للمسلمين، فينصرفُ عن القتال فيقتدي به غيرُه فيرجع. وقال مجاهد وجماعة: وفيكم جواسيسُ للمنافقين ينقلون إليهم منكم ما يسمعون فيكم (٥). وقال قتادة (٦): وفيكم من المؤمنين أهلُ محبةٍ لهم يطيعونهم ويقبَلون قولهم لشرفهم فيهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾: أي: المنافقين، فيكشف لكم عن مكنون سرائرهم لتحذَروهم.

стр. 3583

وقيل: أي: عليمٌ بمن يوجِّه أفعاله عن (١) وجوهها ويضعُها غيرَ موضعها. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: لا عن جهلٍ أَمهَلهم على ما هم عليه، لكنه أخَّرهم ليومٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الآية [إبراهيم: ٤٢] (٢). وقال القشيري ﵀: أَخبر اللَّه تعالى في هذه الآية عن سابق علمه فيهم، وذكَر ما عَلِم أنه لا يكون أنه (٣) لو كان كيف كان يكون. وقال: لو ساعدوكم في الخروج لكان يَلحقُكم من سوء سيرتهم في التضريب بينكم والنميمةِ فيكم والسعي فيما يسوؤكم أكثرُ مما ينالكم بتخلُّفهم من نقصان عددكم، ومَن ضرُّه أكثرُ مِن نَفْعه فعَدَمُه خيرٌ مِن وجوده، ومَن لا يَظهر مِن حضوره غيرُ شروره فتخلُّفُه خيرٌ من حضوره (٤). * * * (٤٨) - ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾: في الوقائع، منها في حرب الخندق بقولهم: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب: ١٣]، وفي حرب أحدٍ بانصراف ابن أبيٍّ بأصحابه وهم ثلاثُ مئة، وبقي النبيُّ ﷺ في أصحابه وهم (٥) سبعُ مئة، وقد

стр. 3584

مرت القصة، وليلةَ العقبة (١) بإلقاء شيء بين قوائم ناقةِ النبيِّ ﷺ بالليل حتى تَنْفرَ وتُلقيَ النبيَّ ﷺ ، ووقوف اثني عشرَ منافقًا ليلتئذٍ على الثنيَّة ليَفتكوا بالنبيِّ ﷺ وأخبره اللَّه تعالى بذلك (٢)، وبتجبين المؤمنين في الغزوات. وقوله تعالى: ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾: أي: صرَّفوا (٣) فيك الآراء والحِيَل. وقيل: بغَوا لك الغوائل. وقيل (٤): قد مكَروا بك ليُثبتوك أو يقتلوك أو يُخرجوك. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾: أي: الإسلام ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: كثُر المؤمنون، وقيل: أي: نصَرهم (٥) اللَّه ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾؛ أي: المنافقون كارهون ظهورَ الدِّين ونصرَ المسلمين. وقيل: قوله (٦): ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبلِ أن (٧) يَقْوَى أمرك ويكثُرَ أنصارك لم ينفذ لهم فيك شيءٌ، فكيف اليوم وقد ظهرت قوتُك وكثرت شيعتُك؟ وقال محمد بن إسحاق: لمَّا خرج النبيُّ ﷺ إلى تبوك ضربَ عسكره على ثنيةِ الوداع، وضرب عبد اللَّه بن أبيٍّ عسكره أسفلَ منه على [حِدَةٍ بحذاءِ ذُبابٍ] جبلٍ

стр. 3585

بالجبانة (١) أسفلَ من ثنية الوداع، فلما سار رسول اللَّه ﷺ تخلَّف ابن أبيٍّ، وعبد اللَّه ابن نبتلٍ، ورِفاعةُ بن التابوت، وأبو زيد (٢)، وأوس بن قيظيٍّ وجماعةٌ من عظمائهم فنزلت هذه الآية (٣). * * * (٤٩) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾؛ أي: ومن المنافقين مَن يقول: ﴿ائْذَنْ لِي﴾ في التخلُّف ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾؛ أي: ولا تُوْقِعني في الفتنة؛ أي: الكفر. ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾: أي: قد وقعوا في الكفر قبل هذا. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: مشتمِلةٌ عليهم لا يخرجون منها. وقيل: أي: جامعةٌ للمنافقين وسائرِ الكافرين؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]. وقال محمد بن إسحاق: قال النبيُّ ﷺ لجدِّ بن قيس المنافقِ: "هل لك في جِلَاد بني الأصفر؟ " يعني: الروم، فقال: يا رسول اللَّه، ائذَنْ لي ولا تفتنِّي، فواللَّه قد

стр. 3586

عرفَ قومي ما رجلٌ أشدَّ عُجْبًا بالنساء منِّي، وإني أخشى إن رأيتُ نساء بني الأصفر ألَّا أصبرَ عنهن! فأَعرض عنه رسول اللَّه ﷺ وقال: "قد أذنتُ لك"، ونزلت الآية (١). وقيل: أراد بالفتنة الردَّةَ إذا دعَوه (٢) إلى النصرانية. وقيل: أراد به: إنَّا عسى أن نُواقعهنَّ قبل القسمة فوقعنا في الفتنة؛ أي: الإثم. وقيل: أراد به: إنَّا نشتغل بهنَّ ونُفتَتنُ بهن فيشغلُنا ذلك عن طلب المعاش وعن الخروج للجهاد. وأيَّ ذلك أراد لم يَعذره (٣)، وبيَّن أنه قد وقع في الفتنة لمخالفة النبي ﷺ . قال أبو العالية: كان الأصفرُ رجلًا من الحبشة ملَك الروم فوُلدت له بناتٌ لُعْسٌ (٤) لم يُرَ مثلُهن في الحسن. وقال الإمام القشيري ﵀: أَبرَزَ القوم قبيحَ فعالهم (٥) في مَعرِض

стр. 3587

التحرُّج (١)، وراموا التلبيسَ على رسول اللَّه ﷺ وعلى المؤمنين سوءَ سيرتهم وخبثَ سريرتهم، فبيَّن اللَّه تعالى أن الذي فرُّوا منه بزعمهم سقطوا فيه بفعلهم (٢). * * * (٥٠) - ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾: أي: إنْ تنَلْك غنيمةٌ ونصرٌ وعافية (٣) كما كانت يوم بدر يحزُنهم ذلك؛ أي: هؤلاء المنافقين. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾: أي: نكبةٌ وهزيمةٌ، وقيل: كما كانت يوم أحد. ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾: أي: قد كنَّا أخذنا حِذْرنا واحتَطْنا لأنفسنا بالتخلُّف عنهم، وأخذنا أمرنا بالوثيقة. ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾: مسرورون بما أصاب المسلمين. * * * (٥١) - ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾: قال الكلبي: أي: قل يا

стр. 3588

محمد لهؤلاء المنافقين: لن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا في اللوح المحفوظ (١). وقال الضحاك: إلا قضاءُ (٢) اللَّه تعالى وقدرُه علينا. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: إلا ما جاء به القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١] (٣). وقوله تعالى: ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾؛ أي: مالكُنا ونحن عبيدُه. وقال الكلبي: هو ناصرُنا على عدونا (٤)، وفي رواية عنه قال: هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة (٥). وقيل: هو وليُّنا. وقيل هو متولِّي أمورنا وكافينا (٦). وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: أي: فلْيَثِقْ به الموحِّدون. وقال الإمام القشيري ﵀: إذا علم العبد أن ما أصابه فبإرادةِ مولاه سقط عن قلبه ما يهواه، واشتغل بروحِ رضاه، وعذُبَ عنده ما صعُبَ من بلواه، وأنشدوا في معناه: إن كان يرضيكمُ مرضاةُ حاسدِنا (٧) ... فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ

стр. 3589

وقال: شهودُ جريانِ التقدير يخفِّف على العبد كلَّ عسير. وقال: أول التوكُّل الثقةُ بوعده، ثم الرضا باختياره، ثم نسيان أمورك بما يغلب على قلبك من أذكاره. وقال: بداية التوكُّل سكونُ السرِّ عند حلول الأمر، ونهايتُه التفويضُ وهو استواءُ الحلو والمرّ والنعمة والضرّ (١). * * * (٥٢) - ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: ﴿هَلْ﴾ استفهامٌ بمعنى النفي، والتربُّص: الانتظار، و ﴿الْحُسْنَيَيْنِ﴾: تثنيةُ الحُسنى، والحُسنى تأنيثُ الأحسن، والأحسنُ تفضيلُ الحسَن، وأريد به نعتُ الحالتين أو الخصلتين. ومعناه: قل يا محمد: ما تنتظِرون يا معشر المنافقين بنا إلا واحدةً من خَصلتين، وكلُّ واحدة منهما نهايةٌ في الحُسن غايةٌ فيما يُحمد في العاقبة (٢)، وهي الغنيمة أو الشهادة، فليس مما يجري علينا من جهتكم موضعُ شماتة. قال الكلبي: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾: النصر أو الشهادة. وقال ابن عباس ﵄: أي: إمَّا أن ثُقتلَ ففيه الحياةُ والرزقُ، وإمَّا أن نَغْلِب فيؤتيَنا اللَّه أجرًا عظيمًا، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] (٣).

стр. 3590

وقال الحسن: هي الغنيمةُ في الدنيا والجنةُ في الآخرة. وقال ابن كيسانَ: شهادتُنا، أو إسلامُكم بدعوتنا. وقال الإمام أبو القاسم بن حبيب: سألني بعضهم: كيف قال: ﴿إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ والمؤمن ينتظِر كلتا الحسنيين: الفتحَ في الدنيا والثوابَ في الآخرة بوعدِ اللَّه تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى قوله: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٣]؟ فقلت: هذا خطاب المنافقين، وكانوا يتربَّصون بالمؤمنين أحدَ الأمرين: إما أن يُنصروا، وإما أن يُقتلوا، فأَخبر أنهم إن غَلبوا كانت لهم حُسنى وإن غُلبوا فكذلك، وأما المؤمنُ فإنه ينتظر في الجهاد كلتا الحسنيين. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: قال ابن جريج: ﴿مِنْ عِنْدِهِ﴾: الموت ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: القتل (١). وقال الكلبيُّ: ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ مما (٢) أصاب الأممَ الخالية (٣)، وبما شاء اللَّه من العذاب والنقمة ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: بالسيف. وقال ابن كيسان: ﴿بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ (٤) فيعاقبَكم في الدنيا في أنفسكم وفي الآخرة بالنار ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلناكم (٥). وقوله تعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾: قال الكلبيُّ: أي: انتظِروا هلاكنا فإنا ننتظر هلاككم.

стр. 3591

وقال الحسن: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ مواعيد الشيطان، فإنه كان يمنِّيهم موتَ النبيِّ ﷺ ؛ قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ مواعيدَ اللَّه من إظهار دينه واستئصال مَن خالفه (١). وقال الإمام القشيري ﵀: إن ظفرنا بكم فنصرٌ وغنيمة، وإعزازٌ للدِّين ورفعة، وإن قُتلنا فشهادةٌ ورحمة، ورضوانٌ من اللَّه وزلفة، وإن أصابتنا هزيمةٌ ونكبة، فذلك سبب لنيل الأجر والمثوبة، فإذًا لا يستقبلنا إلا ما هو حسن ونعمة (٢)، وأما أنتم فإنْ ظفرنا بكم فتعجيلُ ذلٍّ لكم ومحنة (٣)، وإن قُتلتم فعقوبةٌ من اللَّه وسَخطة، وإن كانت لكم اليدُ في الحال فخذلانٌ من اللَّه وتخلية، وسببُ زيادة عذابٍ ونقمة (٤). * * * (٥٣) - ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾: ﴿أَنْفِقُوا﴾ أمرٌ صيغةً ومعناه الشرط؛ كقول الشاعر: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة... لدينا ولا مَقْليَّة إنْ تَقَلَّتِ (٥) كأنه قال: إن أسأتِ أو أحسنتِ لا (٦) تلامي، فكذا هذا: إن أنفقتُم طوعًا بالاختيار

стр. 3592

أو كرهًا بالإجبار لن يُتقبل منكم؛ لأنكم كنتم في القِدَم (١) فاسقين منافقين خارجين عن الطاعة والإخلاص، وإنما يتقبل اللَّه من المتقين، وطوعُ المنافق لا يكون لرجاء ثواب اللَّه ولطلب رضا اللَّه، لكن ما يفعله بطبعه فهو من طوعه، وكرهُه ما يُطلب منه ويُجبر عليه. وقال ابن عباس ﵄: نزلت في جَدِّ بن قيس حيث قال: ﴿ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ وأُعِيْنُك بمالي، فنزلت هذه الآية (٢). وقال القشيريُّ ﵀: المردود لا يُقبل منه توسُّلٌ، ولا يغيِّر حكمَ شقاوته تكلُّفٌ ولا تعمُّل. وقيل: تقرُّبُ العدو يُوجب زيادة المقت، وتحبُّبُ (٣) الحبيب يُوجب زيادةَ العطف، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] (٤). * * * (٥٤) - ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾: (مَنَع) يتعدَّى إلى مفعولين، تقول: منعتُ زيدًا مرادَه، وها هنا أحدُ المفعولين: هم، والثاني: ﴿أَنْ تُقْبَلَ﴾

стр. 3593

لأنه في معنى المصدر، وتقديره: وما منع المنافقين قبولَ نفقاتهم في سفرهم معك وفي غير ذلك طوعًا أو كرهًا إلا كفرُهم باللَّه وبرسوله، وهو رفعٌ لأنه فاعل. وكما لا تُقبل نفقاتهم لا تُقبل صلاتهم لكفرهم، وهم لنفاقهم لا يأتونها إلا متثاقِلين؛ لأنَّهم لا يرجون بأدائها ثوابًا ولا يخافون بتركها عقابًا، ولا ينفقون شيئًا إلا على كراهةٍ منهم. ثم ذمُّهم على الكسل مع أنه لا صلاةَ لهم ذمٌّ على النفاق الذي يَبعث على الكسل، وفَقْدِ الإيمان الذي يَبعث على النشاط. وقال الإمام القشيري ﵀: فقَدوا الإخلاص في أعمالهم فعَدِموا الاختصاصَ في أحوالهم، وحُرِموا الخلاص في عاجلهم ومآلهم (١). * * * (٥٥) - ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وقال ابن عباس ﵄ وقتادة: فيه تقديم وتأخير، فلا تعجبْك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد اللَّه ليعذبهم بها في الآخرة (٢). وقال الحسن: هي على نَظْمها، ومعناه: يعذبهم بها في الدنيا بأخذ الزكَوات منهم بغيرِ طيبةِ نفسٍ منهم، والإنفاق في سبيل اللَّه كذلك. وقال [ابن] زيد: أي: بالمصائب (٣).

стр. 3594

وقيل: أي: بكونهم مكظومين، وقد غصُّوا (١) بما يُضمِرونه من النفاق ويَرَونه من علوِّ المسلمين عليهم، ولا سبيل لهم إلى إظهار ما في نفوسهم (٢). ومعنى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ﴾؛ أي: أن يعذِّبهم. وقيل: فيه إضمار: إنما يريد اللَّه أنْ يمليَ لهم فيها ليعذِّبهم (٣)، وإنْ حُملت الآية على المشركين فتعذيبُهم في الدنيا قد يكون بالسبي والاستغنام. وقوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ﴾: أي: تخرجَ أرواحهم ﴿وَهُمْ كَافِرُونَ﴾؛ أي: حالَ الكفر. وقيل: ﴿تَزْهَقَ﴾: تذهب، قال تعالى: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]. وقيل: تَهْلِكَ، قال تعالى: ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾؛ أي: هلك. ودلَّت الآية على إبطال القول بالأصلح؛ لأنَّه أخبر أن إعطاء المال والأولاد إياهم للتعذيب والإماتةِ على الكفر. ودل قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ على إرادة اللَّه أفعالَ العباد كلَّها خيرَها وشرَّها؛ لأن إرادة العذاب إرادةُ ما يعذَّب عليه. * * * (٥٦) - ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾: أي: على دينكم وطريقتكم ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾؛ أي: على دينكم الإسلام ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾؛ أي: يخافونكم

стр. 3595

على أنفسهم إن صرَّحوا (١) لكم بما في قلوبهم، فلذلك يحلِفون إنهم لمنكم، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [المجادلة: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ [المنافقون: ٤]. * * * (٥٧) - ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: حِرزًا. وقال قتادةُ: أي: حِصنًا (٢). وقال عطاءٌ: مَهْربًا (٣). ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: جمع مغارة، قال ابن عباس ﵄: أي: غيرانًا (٤)، جمع غارٍ، والغار: الثَّقب الواسع في الجبل. وقيل: المغارة: المدخلُ الساتر، وقيل: المغارات: المكامِن التي يُتوارى فيها. ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾: مفتعلًا من دخل، وهو موضع الدخول. وقال ابن عباس ﵄: أي: سَرَبًا (٥)، وقال الضحاك: مأوًى (٦). وقوله تعالى: ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾: أي: وجوههم (٧).

стр. 3596

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: أي: يُسرعون لا يردُّهم شيءٌ، من الفَرَس الجَموح الذي لا يردُّه اللِّجام. يقول: يحلفون لكم إنهم لمنكم كاذبين خوفًا من القتل؛ لتعذُّر خروجهم من بلادكم، ولو استطاعوا ترك دورهم وأموالِهم والالتجاءَ إلى بعض الحصون أو الغِيران -أي: المواضع التي تسترهم عن رؤيتكم- لفعلوه استثقالًا لكم وتكرُّهًا للقائكم. وقال ابن كيسان: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ قويًا (١) يأمنون فيه، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾: غيرانًا يَسْتَخْفون فيها ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ في أهل حربكم لا ينالهم منكم ما يخافون من القتل والأسر، لأسرعوا إلى واحد من الثلاثة ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾: يركبون رؤوسهم لا يَلْوون على شيء (٢). قال الإمام القشيري ﵀: إن المُماذق (٣) في الخُلة ينسلُّ عن سِلكها بأضعف خَلَّة (٤)، إن وجد مهربًا آوى إليه، وإن أمل نيلَ ما يعلَّل به انتهزه واتَّكل عليه (٥). * * * (٥٨) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾.

стр. 3597

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾: قرأ الحسن والأعرج وسهل ويعقوب: ﴿يَلْمُزُكَ﴾ بضم الميم (١)، وقرأ القرَّاء (٢) بكسرها وهما لغتان. وقال الحسن: أي: يَعيبك (٣). وقيل (٤): اللمزُ: العيب مُسَارَّةً، والهمز: العيب مجاهَرةً؛ قاله الزجَّاج (٥)، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾. وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾؛ أي: يَطعن عليك (٦). وقال عطاء: أي: يغتابك (٧). أي: ومن المنافقين مَن يعيبك في إعطاء الصدقات أهلَها، فيقول: إن محمدًا يفرِّق الصدقات على شهوته، فيعطي مرة ويَحْرِم مرة أخرى، ويعطي واحدًا ويَحْرِم آخر، ويعطي الأغنياء المؤلَّفةَ قلوبهم ويمنع الفقراء، فيَلمزك لجهله بمواضع الأحكام. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾: أي: إن

стр. 3598

أعطاهم النبيُّ ﵇ منها ما أرادوا رضُوا وذكروه بالجميل وأثنوا عليه، وإن لم يعطهم منها غضبوا منه وطعنوا عليه. قال أبو سعيد الخدري ﵁: بينا رسول اللَّه ﷺ يقسم مالًا إذ جاءه ابن أبي الخويصرة -وهو حُرقوصُ بن زهير- التميميُّ عظيم من عظماء المنافقين، فقال: اعدل يا رسول اللَّه، قال: "ومَن يَعدِلْ إن لم أعدلْ؟! " فقال عمر ﵁: ائذن لي أضربْ عنقه، فقال: "دَعْه، فإن له أصحابًا يَحْقِر أحدكم صلاته في صلاتهم، وصيامَه في صيامهم، يَمْرُقون من الدِّين كما يمرُق السهم من الرميَّة، وآيتُهم رجل أسودُ ذو ثدية مثل ثدي المرأة تَدَرْدَرُ (١)، يخرجون على فترة من الناس"، قال أبو سعيد ﵁: سمعتُ هذا من رسول اللَّه ﷺ ، وأشهد أن عليًّا حين قتلهم (٢) جيء بالرجل على النعت الذي وَصف رسول اللَّه ﷺ (٣). وروي أنَّ هذا الطاعن كان رجلًا غائر العينين كثَّ اللحية مشرِفَ الجبهة، فقال لرسول اللَّه ﷺ : اعدل فإنك لم تعدل! فقال ﵇: "لا تأمنوني وأنا أمينُ ربي؟ " ثم قال: "يخرجُ من ضئضئ هذا قومٌ يقرؤون القرآن يقتلون أهل الصلاة" (٤). ولما خرج قال النبي ﵇: "مَن يقوم إلى هذا فيقتله؟ " فقال أبو بكر ﵁: أنا يا رسول اللَّه فذهب فوجده قائمًا في الصلاة، فرجع وقال:

стр. 3599

يا رسول اللَّه، وجدته في القيام، وقال ﵇: "مَن يقتله؟ " فقال عمر ﵁: أنا، فذهب فوجده في الركوع، فقال: لم يقتله الصدِّيق في القيام فكيف أقتلُه في الركوع؟ فرجع فقال: يا رسول اللَّه وجدتُه في الركوع، ثم أعاد رسول اللَّه ﷺ ذلك فقال عثمان ﵁: أنا أقتلُه، فذهب فوجده في السجود فقال: إن أبا بكر وعمر لم يقتلاه بالقيام والركوع فكيف أقتلُه في السجود؟ فرجع فأعاد رسول اللَّه ﷺ الكلام، فقال عليُّ ﵁: أنا أقتلُه، فقال ﵇: "تقتلُه إن وجدتَه" فلم يجده فرجع، فقال ﵇: "قد قلتُ إنك لا تجده، لكن هلاكه يكون على يديك"، وكان كذلك، وقتل فيمَن خرج بالنَّهْرَوَان ذلك على عهد عليٍّ ﵁ (١). * * * (٥٩) - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾: أي: ما آتاهم رسول اللَّه فإنه يؤتَى بأمر اللَّه، قال ﵇: "اللَّه المعطِي وأنا القاسمُ" (٢)، وقال ﵇: "والذي نفسي بيده ما أعطيكم شيئًا ولا أمنعُكم، إنما أنا خازن" (٣). وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾: أي: كافينا ورازقُنا من حيث شاء، فيعطينا كفايتَنا وإن تأخَّرت. وقوله تعالى: ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: فما آتاه فهو فضلٌ منه سواءٌ كان بكسب العبد أو بغير كسبه.

стр. 3600

وقوله تعالى: ﴿وَرَسُولُهُ﴾؛ أي: سيؤتينا رسوله بأمره. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾: أي: في توسعة أرزاقنا علينا من حيث نشاءُ، وفي آخره مضمرٌ؛ أي: لكان خيرًا لهم، وهو أبلغ من الذكر؛ لأن النفْس تذهب فيه كلَّ مذهبٍ والذِّكر يَقصُره على ما ذُكر دون غيره. وقال الإمام القشيري ﵀: لو وقف القوم مع اللَّه بشرطِ الرضا لآتاهم (١) فنون العطاء، ولو حفظوا مع رسوله الأدبَ لسُعِدوا بوجدان الأَرَب من غير معاناة تعبٍ ولا مقاساةِ نَصَبٍ، لكنهم عرَّجوا في أوطان الطمع فوقعوا في الذل والحَرَب (٢). * * * (٦٠) - ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾: بيَّن مصارفَ الصَّدقات في هذه الآية، وردَّ على (٣) مَن عاب النبيَّ ﷺ في صرف الصدقات إلى حيث كان يصرف وأعلم أن اللَّه عزَّ وعلا أمره بذلك، وأن الذين كانوا يطمعون فيها لم يكونوا مستحقِّيها فإنهم كانوا أغنياء، واللَّه تعالى جعل مصارفها للفقراء، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ وليست اللام دلالةَ الملك بينهم بالسويَّة فإنهم مجهولون، والمجهولون لا يَصْلُحون للاستحقاق بطريقِ الملك، بل هي لبيان أن الصرف لهم

стр. 3601

دون غيرهم؛ كما يقال: الخلافة لبني العباس، وميراثُ فلان لقرابته؛ أي: ليست لغيرهم، لا أن تكون بينهم بالسويَّة (١). ثم الفقرُ هو شدةُ الحاجة، والمسكنةُ في معناه، لكنْ تدلُّ على انكسار صاحبها وتَذَلُّلِهِ، فإن المسكين عند الناس اسمٌ للمرحوم، والمغايرةُ في الاسم تدلُّ على نوعِ تفاوتٍ. واختُلف في أن الفقير أضعف حالًا أم المسكين؟ قال فقهاء العراق أبو حنيفة وغيرهم رضوان اللَّه عليهم: الفقير: الذي لا يَسأل؛ لأن عنده ما يكفيه للحال، قال الشاعر (٢): أما الفقيرُ الذي كانت حَلوبَتُه... وَفْقَ العيال فلم يُترك له سَبَدُ (٣) والمسكين أضعفُ حالًا منه، وهو الذي يَسأل لأنه لا يجد شيئًا، قال اللَّه تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]؛ أي: لَصِق بالتراب لقُربه. وهو قول عامَّة السَّلف، وهو اختيار يونسَ البَصري وأبي العباس ثعلبٍ الكوفي. وقد روي عن ابن عباس ﵄ والحسنِ وجابر بن زيد والزهريِّ ومجاهدٍ: أن الفقير المتعفِّفُ الذي لا يَسأل، قال اللَّه تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، والمسكين

стр. 3602

الذي يَسأل (١)، وقد بينَّا أن المسألة تشيرُ إلى المذلَّة وهي ظاهرة (٢) في المسألة. وقال الشافعي ﵁: الفقير أضعف حالًا (٣)؛ لأن الاسم من كَسْرِ الفَقَار، وهو نهايةُ الاضطرار، وأما المسكين فهو الذي يَسكن قلبه إلى شيءٍ وهو معه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ﴾ [الكهف: ٧٩]. وقيل: الفقراء أهلُ الصُّفَّة، وكانوا لا يخرجون ولا يَسألون شيئًا ولا يملكون شيئًا، والمساكين هم الطوَّافون السائلون، ولذلك قال ﵇: "ليس المسكينُ الذي تردُّه اللُّقمة واللقمتان والتمرةُ والتمرتان، لكن المسكين الذي لا يَسأل الناس شيئًا، ولا يُفطَنُ لمكانه فيُتصدَّقَ عليه" (٤)، وهو دليل على أنهم كانوا يطلقون هذا الاسم على السُّؤَّال الذين يُتصدَّق عليهم بالكِسَر واللُّقَم. ورُويت عن السلف ألفاظٌ مختلفة في الصنفين: قال جابر: الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين الذين (٥) لم يهاجروا (٦). وقال الحسن: الفقير الجالس في بيت، والمسكين الذي يتتبع (٧).

стр. 3603

وقال قتادة: الفقير الذي به زَمانةٌ، والمسكين الصحيحُ المحتاج (١). وقيل: الفقير الذي له دون النصاب، والمسكين الذي لا شيء له. وقال عبد الرحمن بن أَبْزى: كان ناسٌ من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحج عليها ويغزو، وسماهم اللَّه تعالى فقراء، وجعل لهم سهمًا في الزكاة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾: هم عمالُ الصدقات يُصرَف إليهم منها ما يكفيهم وأعوانَهم كَفافًا لا إسرافًا. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: هم قومٌ من رؤساء العرب أسلموا، وكان رسول اللَّه ﷺ يتألَّفُهم على الإسلام ويستدنيهم (٣) عليه، ويستدعي به إليه أتباعهم. روى معمر عن يحيى بن أبي كثير أنهم من بني مخزوم: الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أمية: أبو سفيان بن حرب، ومن بني جُمَح: صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي: سهيل بن عمرو وحُويطب بنُ عبد العُزَّى بنِ أبي قيس (٤)، ومن بني أسد بن عبد العُزَّى: حكيم بن حزام، ومن بني هاشم: أبو سفيان بن حارث بن عبد المطلب، ومن بني فَزارةَ: عُيينةُ بن حِصنِ بن حذيفة، ومن بني تميم: الأقرع بن حابس، ومن بني نصرٍ: مالك بن عوف، ومن بني سليم: العباس بن مرداس، ومن بني ثَقيفٍ: العلاء بن حارثة (٥).

стр. 3604

ومنهم: عَدِيُّ بن حاتم الطائيُّ، والزِّبْرِقان بنُ بدر، وزيدُ الخيل، ومَخرمةُ بن نوفلٍ، وعُمير بن وَهْبٍ، وهشام بن عمرٍو، وقيس بن عديٍّ، وأبو السَّنابل بنُ بَعْكَكٍ، وعلقمة بن عُلاثةَ، وجدُّ بن قيس، وعمرو بن مرداس. وقال الواقدي: قسَّم رسول اللَّه ﷺ غنائم الطائف وحنينٍ بالجِعْرانة، وكان غَنِمَ أربعة آلاف أوقيةٍ، فأعطى المؤلَّفة قلوبهم أولَ الناس، وجاءه أبو سفيان بن حربٍ وبين يديه الفضةُ، فقال: يا رسول اللَّه! أصبحت أكثر قريش مالًا، فتبسَّم رسول اللَّه ﷺ ، فقال أبو سفيان: أعطني من هذا المال يا رسول اللَّه، فقال: "يا بلال، زِنْ لأبي سفيان أربعين أوقيةً، وأعطه مئة من الإبل"، فقال أبو سفيان: ابني يزيدَ أعطه، قال رسول اللَّه ﷺ : "زِنُوا ليزيدَ أربعين أوقية وأعطُوه مئةً من الإبل"، فقال أبو سفيان: واللَّه إنك لكريم، فداك أبي وأمي واللَّه لقد حاربتُك فنعم المحاربُ كنتَ، ثم سالمتُك فنعم المسالمُ أنت، جزاك اللَّه خيرًا. وأعطى صفوان بن أمية مئةً من الإبل، وكان يطوف مع النبيِّ ﷺ يتصفَّح الغنائم إذ مرَّ بشِعبٍ فيه إبلٌ وغنم كثيرة من الغنائم (١)، فجعل صفوان ينظر إليه متعجِّبًا، قال رسول اللَّه ﷺ : "أعجبكَ يا أبا وهب هذا الشِّعبُ؟ " قال: نعم، قال: "هو لك وما فيه"، قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفسُ أحد قطُّ إلا نبيٌّ، وأشهد أنك رسول اللَّه عليك السلام. وأعطى عيينةَ بن حِصن مئةً من الإبل، والأقرعَ بن حابس مئةً من الإبل، والعباس بنَ مرداس خمسين من الإبل، فعاتبه في أبيات: أتَجْعَلُ نَهْبي ونَهْبَ العُبَيَـ... د (٢) بين عُيينةَ والأقرعِ

стр. 3605

وما كان حصنٌ ولا حابسٌ... يفوقان مرداسَ في مَجمعِ وما كنتُ دون امرئٍ منهما... ومَن تضعِ اليومَ لا يُرفعِ وقد كنتُ في الحرب ذا تُدرإٍ (١) ... فلم أُعطَ شيئًا ولم أُمنَعِ (٢) فقال ﵇: "اقطعوا لسانه"، فهاب الناس، ثم أُعلموا أنه أراد به قطع كلامه بزيادة العطية، فأعطوه تمام (٣) مئة من الإبل (٤). وكان رسول اللَّه ﷺ يعطيهم كذلك كلَّ سنة، فلما قبض رسول اللَّه ﷺ واستُخلف أبو بكر ﵁ جاؤوا يستبدلون منه الخطَّ (٥) بذلك، فبذل لهم، فجاؤوا إلى عمر ﵁ وعرضوا عليه الخطَّ وطلبوا منه التقرير، فأخذ ذلك منهم ومزقه وقال: كان النبي ﷺ يتألَّفكم على الإسلام، فأما اليوم فقد أعزَّ اللَّه الإسلام، فالإسلامُ أعز من أن يُرشى عليه، فإن ثبتُّم على الإسلام بغير رشوة وإلا فبيننا وبينكم السيف، فعادوا إلى أبي بكر وقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ فقال: هو إن شاء (٦). فسقط سهم المؤلفة قلوبهم بإجماع الصحابة ﵃.

стр. 3606

وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: أي: المكاتَبين، يُعطَون شيئًا (١) من الصدقات فيؤدُّون بها بدلَ الكتابة فينالون به العِتق. وقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: أي: المديونينَ (٢) الذين ليس لهم بعد قضاءِ الدَّين ما يقع به الغنى. وقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: الغزاةِ المحتاجين، وإن كانوا أغنياءَ بأموالهم خلَّفوها في بلدهم. وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: أي: الغريبِ البعيد عن ماله. وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أي: إيجابًا من اللَّه؛ أي: يُصرف إليهم ولا يصرف إلى غيرهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: أي: بمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: في أحكامه. ثم عند الشافعي ﵁: لا بد أن يصرف إلى الأصناف السبعة -فقد سقط سهم المؤلفة قلوبهم- من كلِّ صنفٍ ثلاثةٌ تحقيقًا لمعنى الجمع. وعندنا: إن صُرف إلى صنف واحد وإلى شخصٍ واحد جاز؛ لأنَّهم ذُكروا لبيان أسباب الحاجة، ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقال ﵇ لمعاذ بن جبلٍ ﵁: "خُذْها من أغنيائهم ورُدَّها في فقرائهم" (٣)، فأَوجب الصرف إلى المحتاجين، ثم بيَّن بهذا

стр. 3607

النصِّ أسباب الحاجة، فصاروا صنفًا واحدًا في التحقيق، وهو مذهبُ عامة الصحابة ﵃: عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعود وابنِ عباس وحذيفةَ وغيرِهم، وكذا قال جماعة من التابعين: سعيد بن جبير والضحاك وأبو العالية وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران (١). قال ابن عباس ﵄: أيَّ صنفٍ أعطيتَه من هذه الأصناف (٢) جاز. قال حذيفة: إن شئتَ جعلتَها في صنفٍ واحد (٣) وإن شئتَ جعلتَها في صنفين. وقال سعيد بن جبير: لو وضعتَها في صنفٍ واحد أجزأ عنك، ولو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراءَ متعفِّفين فجَبَرْتَهم (٤) بها كان أحبَّ إليَّ (٥). وقال الإمام القشيري ﵀: الفقير الصادق عندهم: مَن لا سماءَ تُظِلُّه ولا أرضَ تُقِلُّه، ولا سِمةَ (٦) تتناوله، ولا معلوم يَشغلُه، ولا علاقة تَقطعه، فهو عبدُ اللَّه باللَّه (٧)، يُردُّ (٨) إلى التمييز في أوان العبودية، وفي غير هذا الوقت مُصْطلَمٌ عن شواهده فانٍ عن أغياره.

стр. 3608

وقيل: الفقير: مكسور الفَقَار، فهو عندهم: مَن سقط اختيارُه، وتعطَّلت عنه ديارُه، واندرست في استيلاءِ مَن اصطَلَمه آثارُه، وكأنه لم يبق منه إلا أخبارُه، قال الشاعر: أما الرُّسومُ فمُخْبِراتٌ أنهم... رحَلوا قريبًا من جِوار المنزلِ (١) وأما المسكين: فهو الذي أسكنَتْه حالتُه بباب معبوده، لا يَبرح عن سدَّته، فهو معتكِفٌ بقلبه، لا يغفل لحظةً عن ربِّه، وهي مراتبُ الحاجة والفقر والمسكنة: فذو الحاجة: مَن يرضى بدنياه وتسدُّ الدنيا فقره. والفقير: الذي يكتَفي بعُقباه وتَجبُر الجنة فقرَه. والمسكين: الذي لا يرضى بغير مولاه، لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفي. * * * (٦١) - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾: أي: ومن المنافقين قومٌ يؤذون النبيَّ ﵇. وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يبيِّن بماذا يؤذونه؟ فيحتمِلُ أنهم كانوا يُؤذونه بتكذيبه وتركهم إجابتَه وطاعتَه، ويحتمِل أنهم يؤذونه بكلماتٍ يُسمعونه وطعنٍ يَطعنون به. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ قال أبو عَوسجةَ: هو الذي مَن قال له شيئًا

стр. 3609

سمعه، ومَن حدَّثه بشيء صدَّقه، والأُذن التي هي جارحة السماع كذلك، وكان النبيُّ ﷺ يستمع إلى كلام كلِّ مَن حدَّثه بشيء؛ لكرمه وشرفه ومجده وحُسن خلقه. وقيل: أرادوا به أنه يقبل كلَّ عذرٍ صدقًا كان أو كذبًا، وكان النبيُّ ﵇ كذلك لكرمه وحُسن خلقه، فظن أولئك أنه إنما يقبله ويعاملُهم به لسلامة قلبه وصغر همته وقصور يده (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾: أي: أنا أذن خير لكم (٢)، وهو إضافةُ الشيء إلى صفته كقوله: هو رجلُ خيرٍ؛ أي: قل يا محمد: إن الذي يقبل العذر خيرٌ ممن لا يقبله، فكيف تؤذونه وتعيبونه؟! وقيل: إنه يسمع الخير ويَقبله دون الشر. وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: أي: يصدِّقه ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ويصدِّق المؤمنين (٣) بما شهدوا به عنده، فلا يَقبل (٤) إلا ما ثبتَ صدقُه بإخبار اللَّه عنهم فيما قالوا وليس عندهم أحد من المسلمين، أو بشهادة المؤمنين إذا قالوا ذلك بحضرتهم. ولفظة الإيمان تعدَّى بالباء واللام، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وقيل: كانوا يذكرون أشياء لو بلغه ذلك آذاه، فإذا قيل لهم: لا تفعلوا فإنه

стр. 3610

يبلغه الخبر، قالوا: نأتيه فنعتذر إليه فيصدِّقنا لأنه أُذنٌ، فقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإذا أخبره اللَّه تعالى بكذبكم أو شهد المؤمنون على قولكم لم يصدِّقكم. وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾: أي: وأنا رحمةٌ لمن آمن منكم مع أنكم إذا أذَيْتُموني فيلزمُكم العذاب، فإذا آمنتُم بي فلكم الرحمةُ والثواب. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدارين. قال ابن عباس ﵄: نزلت في خِذَام بن خالد، والجُلاس بن سويد، هاياس بن قيس، ومَخْشيِّ بن حميِّر (١)، وسِمَاك بن زيدٍ، وعُبيد بن هلالٍ، ورِفاعةَ بن عبد المنذر (٢): كانوا يقولون في رسول اللَّه ﷺ ما لا ينبغي، فقالوا: لا تفعلوا فإنَّا نخاف أن يبلغَه هذا فيوقِعَ بنا، فقال الجلاس: إنه أذنٌ نقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدِّقنا، فنزلت الآية (٣).
следующие страницы →