وهي خمسُ صلواتٍ مكتوبةٍ في كلِّ يومٍ وليلة، وكانت خمسين على مَن كان (١) قبلَنا، وكذا فُرضت علينا ليلةَ المعراج، ثم حُطَّت إلى خمسٍ تخفيفًا وثبتَ جزاء الخمسين تضعيفًا.
وتُكتب (الصلوة) بالواو اتِّباعًا لمصحف الإمام، فقد كتبت فيه: ﴿الصَّلَاةَ﴾ و ﴿وَالزَّكَاةَ﴾ و ﴿الْحَيَاةِ﴾ بالواو، وإنما كتبوا ﴿الصَّلَاةَ﴾ بالواو إشعارًا لأن (٢) أصلها الواو؛ فقد قلنا: إنها من الصلا (٣)، وهو واويٌّ، ولذلك يقال في تثنيَتِه: الصَّلَوان.
ثم إن اللَّه تعالى سمَّاها صلاةً في آياتٍ، وسمَّاها تسبيحًا في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧].
وسماها إيمانًا في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: صلاتَكم إلى بيت المقدس.
وقرآنًا في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
وحسناتٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقنوتًا في قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣].
وركوعًا في قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وسجودًا في قوله تعالى: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.
وأمانةً في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وذِكرًا في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].
стр. 387
واستغفارًا في قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].
ثم المذكورُ في الآية: إقامةُ الصلاة، واللَّهُ تعالى أَمر في الصلاة بأشياء: بإقامتِها بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبالمحافظة عليها بقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وإدامتِها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣]، وبأدائها في أوقاتها بقوله عزَّ وعلا: ﴿كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وبأدائها في جماعةٍ بقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وبالخشوعِ فيها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢].
وبعد هذه الأوامرِ صار الناس على طبقاتٍ خمسٍ:
طبقةٍ: لم يَقبلوها، ورأسُهم أبو جهل لعائنُ اللَّه عليه تترًى، فقال اللَّه (١) تعالى في حقِّه: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، وذكرَ مصيرَهم فقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦].
وطبقةٍ: قَبِلوها ولم يؤدُّوها، وهم أهلُ الكتاب، فذكرهم اللَّه تعالى فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال الكلبيُّ: هم أهلُ الكتاب، وقال تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]، وذكَر مصيرَهم فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، وهو دركةٌ في جهنم هي أهيَبُ موضعٍ فيها تستغيثُ النارُ منها كلَّ يومٍ كذا وكذا مرةً، ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾: أي: من اليهودية والنصرانية ﴿وَآمَنَ﴾: أي: آمَن (٢) بمحمدٍ ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾؛ أي: حافَظ على الصلوات (٣).
стр. 388
وطبقةٍ: أدَّوا بعضَها ولم يؤدُّوا بعضَها متكاسِلينَ وهم المنافقون، فذكرهم اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]، وذكر مصيرهم فقال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وطبقةٍ: يؤدُّونها لكنْ بعد خروجِ وقتها، فذكَرهم اللَّه تعالى في كتابه فقال (١): ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، وذكر أن مصيرهم: ويلٌ، وهو وادٍ في جهنم لو جُعلت فيه جبال الدنيا لماعَتْ؛ أي: لسالت، وقال (٢) النبيُّ ﷺ : "مَن تركَ صلاةً حتى غاب وقتُها ثم قضاها، عذِّب في النارِ حُقْبًا، والحُقْب: ثمانون سنة، كلُّ سنةٍ ثلاثُ مئةٍ وستُّون يومًا، كلُّ يومٍ ألفُ سنةٍ مما تَعُدُّون" (٣).
وطبقةٍ: قبِلوها، وهم يراعونها في مواقيتِها بشرائطها، ورئيسُهم (٤) المصطفى ﷺ ، فذكره اللَّه بقوله تعالى (٥): ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ الآية [المزمل: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، وأصحابُه كذلك، فذكَر هم اللَّه تعالى بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]، وذكر مصيرَهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]، وهو أرفعُ موضعٍ في الجنة وأبهاه، ينال المؤمنُ فيه مُناه، وينظرُ إلى مولاه.
стр. 389
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: فالرزقُ: هو الإعطاءُ وإن اختلفت وجوهه (١):
فإن الرِّزق يكون تمليكًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؛ أي: ملَّكناهم.
ويكون غذاءً: قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]؛ أي: غذؤاها.
ويكون طعامًا: قال اللَّه تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٩].
ويكون مالًا: قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٢٦]؛ أي: المال.
ويكون مطرًا: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الجاثية: ٥].
ويكون هبةً: قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨]: هو هبةُ الشيء (٢) لغير الورثة تبرُّعًا وتصدُّقًا.
ويكون أجزاءَ وظيفةٍ كرَزْق القضاة والجنود.
وكلُّ ذلك راجعٌ إلى الإعطاء.
ثم الرِّزقُ يكون هو التغذيةَ عندنا، وهو عند المعتزلة: التمليك، فالحرام عندهم ليس برزق؛ لأنه ليس بمِلك، وهذا في غايةِ الفُحش منهم، وهو نهايةُ الضَّلال؛ فإنه ردُّ كتاب اللَّه تعالى، قال عزَّ وعلا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
والحيواناتُ عندهم ليست تأكل من (٣) رزق اللَّه تعالى؛ لأنها لا تملك (٤)، وآكِلُ
стр. 390
الحرام عندهم وكاسبُه في جميع عمره لم يأكل من رزق اللَّه شيئًا (١)، ولم يرزقه اللَّه شيئًا.
ثم إنما ذكَر اللَّه تعالى هذا الفعل بصيغة الجمع من نفسه، وهو واحدٌ لا شريك له؛ لأنه خطابُ الملوك، واللَّه تعالى مالكُ المُلْك ومَلِك الملوك، فله استحقاقُه ومنه إطلاقُه.
والمعهود من كلام الملوك أربعةُ أوجهٍ:
الإخبارُ على لفظةِ الواحد (٢): إنِّي فعلتُ كذا، وعلى لفظة الجمع: فعَلْنا كذا، وعلى ما لم يسمَّ فاعلُه: رُسِمَ لكم كذا، وإضافةُ الفعل إلى اسمه على وجهِ المغايبة: أَمَركم سلطانُكم بكذا.
والقرآن نزل بلغة العرب، فجمع اللَّه تعالى فيه هذه (٣) الوجوهَ كلَّها فيما أَخبر به عن نَفْسه:
فقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ الآية [المدثر: ١١]، وهذا على صيغة الواحد.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١]، ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا﴾ [الإنسان: ٢]، وهذا على صيغةِ الجمع.
وقال تعالى فيما لم يُسمَّ فاعله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ
стр. 391
عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦] ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧].
وقال تعالى في المغايَبة: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢١] ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]، ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ [التوبة: ٣٣].
وقوله تعالى: ﴿يُنْفِقُونَ﴾: فالإنفاق: هو صرفُ المال إلى الحاجة، والإنفاقُ في قوله: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠]: هو الافتقارُ، والنُّفوق: هلاك الدابَّة، والنَّفَاق: رَوَاجُ السُّوق، والانْتِفاق: خروجُ اليربوع من النافِقاء (١)، والنِّفَاق: مخالفةُ السِّرِّ العلانيةَ (٢)، ومرجعُ ذلك كلِّه إلى الإمضاء والإفناء.
وتفسيرُه فيه ستةُ أقاويلَ:
قال ابنُ عباس ﵄: أي: من الأموال التي أعطيناهم يؤتون الزكاة (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، والوعيدُ لا يكون إلا بترك الفرضِ، وقد قرَن اللَّه تعالى الصلاةَ بالزكاة (٤) في آياتٍ من كتابه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَرِ﴾ [الحج: ٤١]، ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: ٥٥].
стр. 392
والنَّظم (١) بينهما: أن الصلاة حقُّ اللَّه تعالى، وصرفُ الزكاة إلى الفقير حقُّ عبادِ اللَّه، والواجبُ مراعاتُهما بأمر اللَّه، ومرجعُ جميع العبادات إلى هذين، فالصلاةُ عبادةٌ بدنيَّة، والزكاة عبادةٌ مالية، وجميعُ العبادات تنقسم إليهما.
والثاني: قولُ ابن مسعود ﵁: هو الإنفاقُ على الأهل (٢)، قال اللَّه تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية [الطلاق: ٧].
والثالث: قول الضحَّاك: هو التصدُّق من أنواع (٣) الأموال في الوجوه المختلفة، ويتناول ذلك الصرفَ إلى كلِّ خير (٤)، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
والرابع: قولُ بعضهم: إنه قراءةُ القرآن، ونظمُه -أي: ضمُّه (٥) - إلى الصلاة: أنهم يقرؤون القرآن في الصلاة، قال اللَّه تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦]؛ أي: مما أعطيناهم من القرآن يَتْلون، فليس هذه حالةَ إنفاق المال؛ فإنها (٦) حالُ صلاة الليل.
والخامس: إنه إنفاقُ الرُّوح، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ أي: بأرواحكم ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؛ أي: إلى حرمان الحياة الباقية الحاصلة بالشهادة بقوله: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
стр. 393
والسادس: أي: لا يدَّخرون عن اللَّه شيئًا مما هو لهم، فينفقون نفوسَهم في آداب العبوديَّة، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبيَّة، فإنفاقُ أصحاب الشريعة من حيث الأموال، وإنفاقُ أرباب الحقيقة من حيث الأحوال.
والأجمعُ أن يقال: إنَّ إنفاق الأغنياء من أموالهم لا يدَّخرونها عن أهل الحاجة، وإنفاقَ العابدين من نفوسهم لا يدَّخرونها عن وظائف الخدمة، وإنفاقَ العارفين من قلوبهم لا يدَّخرونها عن حقائق المراقبة، وإنفاقَ المحبِّين من أرواحهم لا يدَّخرونها عن مَجاري الأقضية.
والأقصَرُ أن يقال: إن إنفاق الأغنياء من النِّعم، وإنفاقَ الفقراء من الهِمَم، فإنفاقُ الأغنياء: إخراجُ المالى من الجيب، وإنفاق الفقراء: إخراجُ الأغيار عن القلب.
والأظهر أن يقال: المراد من النفقة: هي (١) الزكاة، وزكاةُ كلِّ شيء من جنسه.
(زكاة مالى مواساة بادر ويشان است، وزكاة عز تواضع وإحسان است، وزكاة شرف نصرة ضعيفا نست، وزكاة فر زندان يواختن يتيما نست، وزكاة خانة اردن مهما نست، وزكاة علم تعليم ديكرا نست، وزكوة صحت برهير ارهاها نست، وزكاة قوة جهاد باكافرا نست، وزكاة أوان خوشن، وزكاة أوان خوس خواندن قران است، وزكوتن باكردن عصيان است، وزكوة رقان ناكفتن بهتان است، وزكوة جشم ناكر بتين بينكار مكان است، وزكوة عبوديت مكاه داستن قرمان است، وزكوة إيمان خدمة أركان است، وزكاة أسلم مخالفة شيطان است، وزكوة زهد دون نودن أرسلطان است، وزكوة ذلى تعظيم إيمان است، وزكوة سر مراقبت أمر يردان است،
стр. 394
وزكوة زندكاي فداكردن جان است، وزكوة محبت يادكردن رحمن است، وزكوة مروت نواختن عربيات است) (١).
ثم ذُكر في هذه الآيةِ الإيمانُ وهو بالقلب، ثم الصلاةُ وهي بالبدن، ثم الإنفاقُ وهو بالمال، وهو مجموعُ كلِّ العبادات، ففي الإيمان النجاةُ، وفي الصلاة المناجاةُ، وفي الإنفاق الدرجاتُ، وفي الإيمان البشارة، وفي الصلاة الكفَّارة، وفي الإنفاق الطهارة، وفي الإيمان العزَّة، وفي الصلاة القُربة، وفي الإنفاق الزيادة.
وقيل: ذُكر في هذه الآية أربعةُ أشياء: التقوى، والإيمانُ بالغيب، وإقامةُ الصلاة، والإنفاق، وهي صفة الخلفاء الراشدين الأربعة، ففي الآيةِ بيانُ فضلهم:
التقوى لأبي بكر الصدِّيق رضي اللَّه تعالى عنه، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥ - ٦].
والإيمانُ بالغيب لعمر الفاروق رضي اللَّه تعالى عنه، قال اللَّه تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤].
وإقامةُ الصلاة لعثمان ذي النورين رضي اللَّه تعالى عنه، قال اللَّه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ الآية [الزمر: ٩].
стр. 395
والإنفاقُ لعليٍّ المرتضَى (١) رضي اللَّه تعالى عنه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٤].
* * *
(٤) - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: أي: أُوحي إليك.
والإنزالُ في اللغة لمعانٍ:
للإرسال من عُلوٍ إلى سُفلٍ: قال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤].
وللإمطار: قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥].
وللإعطاء: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].
وللخلق: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
وللوضع والشرع: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥] فهو في حقِّ الميزان وضع وشرع للتقدير به، كما قال تعالى: ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧].
ويكون بمعنى الإعلاء (٢): قال تعالى: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٧]: ومنازلُ الجنة ليست للنزول فيها من علوٍ إلى سفلٍ، بل من سفلٍ إلى علوٍ، قال
стр. 396
تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥]، وفي الحديث: "يقال لصاحب القرآن"، أي: لقارئه (١): "اقرأْ وارْقَ" (٢).
ويكون في معنى التَّبْوِئة: قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ [المؤمنون: ٢٩].
ويكون بمعنى التضييف: قال تعالى: ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٣) [يوسف: ٥٩]؛ أي: المضَيِّفين.
ويكون في معنى مراعاةِ الشيء على (٤) محلِّه ومَنزله: قال النبيُّ ﷺ : "أَنْزِلوا النَّاسَ على منازلهم" (٥)؛ أي: احترِموهم على أقدارهم.
ويكون بمعنى الوحي: كما قال تعالى في هذه الآية: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، فإنْ (٦) حُمل على الإنزال الذي هو من العلوِ إلى السفلِ فمعناه: إنزالُ جبريل لتبليغه، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]. والتنزيلُ للتكريرِ والتكثيرِ من الإنزال.
ثم معنى: (ما أنزل إليك) هو (٧): القرآنُ الذي يُتلى، والوحيُ الذي لا يُتلى،
стр. 397
فالمتلوُّ: هو هذه السُّورُ والآيات، وغيرُ المتلوِّ: ما بيَّن النبيُّ ﷺ من أعداد الركعات ونُصُبِ الزَّكَوات وحدودِ الجنايات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، وقال النبيُّ ﷺ : "ألَا إنِّي أُوتيتُ القرآنَ ومِثْلَه" (١).
ثم هذا الإنزالُ هو من اللَّه تعالى، وإنما ذُكر هاهنا على ما لم يسمَّ فاعله لِمَا مرَّ أن خِطاب الملوك يقع على أربعة أوجهٍ، وقد ذُكرت هذه الوجوهُ كلُّها في هذه الكلمة:
قال في صيغةِ الواحد: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ [البقرة: ٤١].
وقال في صيغة الجمع: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء: ١٠٥].
وقال في ذكر الاسم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٩١].
وقال في ما لم يسمَّ فاعلُه: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
ثم: هاهنا قال: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وقال في آيةٍ أخرى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، فأضاف إلى جميع (٢) الأمة؛ لأن المنزَل على الرسول تلزمُ أحكامُه جميعَهم، فكان خطابُه خطابَهم، وهو أيضًا تشريفٌ لهم وجمعٌ في الكرامة بينه وبينهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: أي: ويؤمنون بما أنزل من الكتبِ قبْلَكَ على سائر الأنبياء.
ثم الإيمانُ بكلِّ الكتب مع تَنافي أحكامِها من وجهين:
стр. 398
أحدهما: التصديقُ أن كلَّها من عندِ اللَّه.
والثاني: الإيمانُ بما لم يُنسخ من أحكامها.
ثم انتظامُ هذه الآيةِ بما قبلَها: ما ذُكر: أنه لمَّا نزل مدحُ المؤمنين بالتقوى والإيمانِ بالغيب والصلاةِ والإنفاقِ في الآية الأولى، قال أهلُ الكتب: هذا لنا وهي (١) أوصافُنا، فنزل قولُه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: فجعل المدحَ للمؤمنين الذين (٢) يؤمنون بما أُنزل على محمدٍ كما يؤمنون بما أُنزل على الأنبياء الذين قبلَه، فثبَت خروجهم عن ذلك بكفرهم بما أُنزل على محمد.
وعلى هذا يكون قولُه: ﴿وَالَّذِينَ﴾ نعتًا للمذكورِين قبلَه، والواوُ لا تكونُ للعطفِ الذي هو للمغايَرة، بل يكونُ ذِكْرَ (٣) نعوتٍ مترادفةٍ لمنعوتٍ واحدٍ بالواو، كما قال تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣].
ويجوز أن يقال: فلانٌ عالمٌ (٤) زاهدٌ صادقٌ، ويجوزُ: عالمٌ وزاهد وصادقٌ؛ لأنَّ الاسم المشتقَّ من الفعل المطلَق على المسمَّى هو دلالةٌ على الذات وعلى الصِّفةِ القائمةِ به، فباعتبارِ أنه دلالةٌ على الذات هو هو، وباعتبارِ أنه دلالةٌ على صفةٍ قائمةٍ به هو غيرُه، فجاز ذكرُ الصفات بغير واوٍ لاتِّحادِ الذات، ومع الواوِ لتغايُرِ الصِّفات، وهذا في حقِّ المخلوقات (٥).
стр. 399
ويجوز أن يكونَ هذا ابتداءً، ويكونَ جوابُه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية.
فإنْ قالوا: لماذا كرَّر ذكرَ الإيمان في هذه الآية بعد ما ذكره في الآية الأولى، والقرآنُ على الإيجاز؟
فجوابُه من وجوهٍ:
أحدها: أن التكرير للتأكيد والتقريرِ متعارَفٌ عند العرب، قال قائلُهم:
كَمْ نعمةٍ كانَتْ لكُمْ... كَمْ كَمْ وكَمْ (١)
وفي القرآن: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في سورة المرسلات مراتٍ، وفي سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مراتٍ، والقرآنُ نزل بلغة العرب.
والثاني: أن الثاني ردٌّ لقول أهل الكتاب، فكانت إعادةً جُدِّدتْ إفادَةً (٢).
والثالث: أن هذا غيرُ الأول؛ فإنَّ الأول إيمانٌ بالغيب وهو القيامةُ وما فيها، وهذا إيمانٌ بالقرآن وسائرِ الكتب، ولئن حُمل الغيب المذكورُ في الآية الأولى على القرآن فهذا على الإيمانِ بالوحي الذي لا يُتلى وسائرِ الكتب، فلم يكن تكرارًا (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: فالآخرة: تأنيثُ الآخِرِ، وهو الذي يقابِلُه (٤)
стр. 400
الأولُ، وهو في المعدودات: اسمٌ للفردِ اللاحِقِ، والآخَر بفتح الخاء هو (١) الذي يلي الأولَ.
والآخرة: هي نعتٌ لأنثَى مضمَرةٍ، واختَلف في ذلك أهل التفسير:
قال بعضهم: هي الدارُ الآخرة، وقد نصَّ عليها في آيات: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ [الأنعام: ٣٢]، وهي تقابِل هذه الدار وهي الدنيا، وقد جُمع بينهما في آياتٍ، فقال تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال تعالى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥].
وقيل: هي الحياة الآخرةُ، فقد جُمع بينها وبين الحياة (٢) الدنيا في آياتٍ، فقال: ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٨٦]، وقال ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ٧٤]، وقال تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣].
وَقيل: هي النشأةُ الآخرة، وقد (٣) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] (٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٤٧].
ثم هذه الكلمةُ ذُكرت في القرآنِ لأشياء:
стр. 401
لملةِ عيسى ﵇: قال اللَّه تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ [ص: ٧].
وللكلمة الآخرة: قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥]؛ أي: بكلمتة الأولى، وهي: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وبكلمته الآخرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وكان بينهما أربعون سنة.
ولحالةِ تأخير الوحي عن (١) النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
وللقبر: قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وللبعث بعد الموت: قال اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠].
وللقيامة: قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] (٢).
وللنار: قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ [الزمر: ٩].
وللجنة: قال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ [القصص: ٨٣].
وقوله تعالى: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾ فاليقين: نقيضُ الشك.
وقيل: هو زوال الشك.
وقيل: هو من قول العرب: يَقِنَ الماءُ في الحوض؛ أي: استقرَّ، فكان اليقينُ طمأنينةَ القلب وسكونَه على حقيقة الشيء.
стр. 402
وقيل: هو وقوعُ العلم من جهةِ الاستدلال والأسبابِ التي يُستفاد بها العلم، ولذلك لا يوصَف اللَّه تعالى بالإيقان بالشيء؛ لأنه عالمٌ بعلمه الأزلي لا بعلمٍ مكتسَب.
وقيل: هو التصديقُ بالشيء بعد العلم به.
والفعل منه: أَيقنَ بالشيء وتيقَّنَ به واستَيقَنَ (١) به، كما يقال: أقدَم (٢) وتَقدَّم واستَقْدمَ.
فأما تفسيرُه فقد قيل: ﴿يُوقِنُونَ﴾؛ أي: يعلمون بغيرِ شكٍّ، وليسوا كالذين قالوا: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢].
وقيل: أي: يصدِّقون.
وقيل: أي: يعملون بما يعلمون منه، فلا (٣) يَرْكَنون إلى الدنيا، ولا يَغْفُلون عن الآخرة، ولا يعملون بما يعاتَبون أو يعاقَبون عليه في الآخرة.
واليقينُ المذكور في القرآن جاء لمعانٍ:
للتَّصديق: كما في هذه الآية.
وللتَّحقيق: كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء: ١٥٧].
ولكونه متيقَّنًا به في نفسه وإنْ شكَّ فيه البعض: كما قال في حقِّ القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥].
وللموت: كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
стр. 403
وللقيامة: كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧].
وللعلم والعمل به: كما قال تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠].
ثم في اليقين ثلاثةُ أشياءَ: علمُ اليقين، وعينُ اليقين، وحقُّ اليقين، وفي تفسيرها أقاويلُ:
قيل: علمُ كلِّ عاقلٍ بالموت علمُ اليقين، فإذا عايَنَ الملائكة فهو عينُ اليقين، فإذا ذاق الموت فهو حقُّ اليقين.
وقيل: علمُ اليقين: الإخبار عن الشيء على ما (١) هو به، وعينُ اليقين: معرفتُه على ما هو به، وحقُّ اليقين: هو ذلك الشيء بعينه (٢).
وقيل: علمُ اليقين: ما حصل بالخبر والاستدلال، وعينُ اليقين: ما وقع بالتعريف والإفهام (٣)، وحقُّ اليقين: مجموعُهما.
وقيل: علم اليقين: ظاهرُ الشريعة، وعينُ اليقين: الإخلاص فيها، وحقُّ اليقين: المشاهدةُ فيها.
ثم ثمرةُ اليقين بالآخرة: الاستعدادُ لها، فقد قيل: عشرةٌ من المغرورين: مَن أيقنَ أنَّ اللَّه خالقُه فلا يعبدُه، ومَن أيقنَ أن اللَّه رازقُه فلا يطمئنُّ به، ومَن أيقن أن الدنيا زائلةٌ فيعتمدُ (٤) عليها، ومن أيقن أن الورثة أعداؤه فيَجمع لهم، ومَن أيقن أن الموت
стр. 404
آتٍ فلا يستعدُّ له، ومَن أيقن أن القبر منزلُه فلا يَعمره، ومَن أيقن أن الديَّان يُحاسبه (١) فلا يصحِّح حجَّته، ومَن أيقن أن الصِّراط ممرُّه فلا يخفِّف ثِقْله، ومَن أيقن أن النار دارُ الفجَّار فلا يَهرب منها، ومَن أيقن أن الجنة دارُ الأبرار فلا يعمل لها.
وقيل: غايةُ اليقين أربعةٌ: تركُكَ (٢) الدنيا قبل ارتحالكَ عنها، وطلبُك الآخرة (٣) قبل قدومِكَ عليها (٤)، واستعدادُك للموت قبل نزوله بك، وإرضاؤك للربِّ (٥) قبل لقائك إياه.
ثم ذكَر في هذه الآية من المؤمنين الإيقانَ بالآخرة فقال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، وذكر منهم الظنَّ في آيةٍ فقال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وهو لطفٌ من اللَّه تعالى بإثباتِ صفاتٍ لهم تختلف ظواهرُها وتتَّفقُ معانيها.
ووصفَهم بالجهل في قوله تعالى: ﴿عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النحل: ١١٩]، وبالعلم في قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، وبالفقر في قوله تعالى: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، وبالغنى في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾ [النجم: ٤٨]، وبالضعف في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، وبالقوة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. وبالذِّلة في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وبالعزَّة في قوله تعالى: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، وبالنسيان في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الانفطار: ٦]، وبالذكر في
стр. 405
قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وبالعبودية في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وبالملك في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠].
وبأنه أوجدهم أولًا على ملكه فقال اللَّه: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، ثم أَخبر بأنه اشترى المؤمنين فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١]، ثم جعلهم في العمل له كالأُجَراء فقال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٦٢] ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ﴾ [فاطر: ٣٠] ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦].
ثم سماهم أولياءَه فقال: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٢]، وسمى نفسَه وليَّهم فقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وذكر محبَّته إياهم ومحبَّتهم إياه فقال تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
ووجهُ ذلك كلِّه: أنَّ الظنَّ في ابتداءِ الحال، واليقينَ بعد صحةِ الخبر والاستدلال، والجهلَ بعاقبةِ المعصية، والعلمَ بحقيقة الشهادة، والفقرَ بأصلِ الخلقةِ، والغِنَى بنيلِ الخِلْعة، والضَّعفَ بالبِنْيةِ، والقوَّةَ بالهمَّة، والذلَّةَ بمُلايَنةِ الأولياء، والعزَّة بمخاشَنةِ الأعداء، والنسيانَ بالجِبلَّة، والذِّكرَ بالمعونة، والعبوديةَ بالأصل، والتمليكَ (١) بالفضل، والاشتراءَ بالحثِّ على بذل النفسِ والمالِ لوجود ذكر (٢) الجلال، والأجرَ لتهنئة (٣) الثواب، والولايةَ والمحبةَ لمعامَلته معَنا (٤) معاملةَ الأولياء والأحباب، واللَّه أعلم بالصواب.
* * *
стр. 406
(٥) - ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾: أي: المذكورون قبله، وهم المتَّقون الموصوفون بالإيمان بالغيب وسائرِ الأوصاف المذكورة بعده، على قولِ مَن جَعَل ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ صفةً للأولِينَ أو عطفًا عليهم، ويَتمُّ الكلامُ بقوله تعالى: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾، ويكون ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأً، وقولُه تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾ خبرَ المبتدأ.
فأمَّا مَن جعل الواوَ للابتداء، فقولُه: ﴿أُولَئِكَ﴾ يكون (١) خبرَ ذلك المبتدأ، ويَرجعُ على الخصوص إلى المذكورِينَ في قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية (٢).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾: أي: على رُشدٍ، وقيل: أي: بيانٍ وحجةٍ، وقيل: أي: صوابٍ وحقٍّ وصحةٍ، وهذا إثباتُ فعلِ العبد.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾: هذا إثباتُ توفيقِ اللَّه تعالى، والأولُ ردٌّ على الجبريَّة، والثاني ردٌّ على المعتزلة، وهما جميعًا دليلُ أهل السنَّة والجماعة، وهو كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
والهدى: اسم الإسلام، واللَّه تعالى سمَّى الإسلامَ بأسماءٍ وأضاف كلَّ واحدٍ من ذلك إلى نفسه: هُدَى اللَّهِ، صِراطَ اللَّهِ، فِطْرَةَ اللَّهِ، صِبْغَةَ اللَّهِ، دِيْن اللَّهِ، نُورَ اللَّه، حَبل اللَّه، كلمة اللَّه، وآياتُها: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [آل عمران: ٧٣] ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي﴾ [الشورى: ٥٣] ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي﴾ [الروم: ٣٠] ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨] ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]
والسِّلْمَ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].
والسبيلَ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣].
وسبيلَ الرشد: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨].
وسبيلَ الرُّشد: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
والرُّشد: ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢].
والنعمة: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٨].
والفضل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٥٨].
والعدلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠]، قال ابن عباس ﵄: أي: بالتوحيد (١). ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (٢).
والحقَّ: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩].
والصدقَ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ [الزمر: ٣٣]، قال ابن عباس ﵄: هو المؤمنُ الذي يقولُ الصدق (٣)، وهذا فرد بمعنى الجمع فقد قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والبِرَّ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
والبيِّنةَ: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [الأنعام: ٥٧].
стр. 409
والدِّين (١): ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩].
ودينَ الحقِّ: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣].
ودينًا قيِّمًا: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦].
ودين القيِّمة (٢): ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
والطريقة: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦].
والشريعة ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣].
فهذه أربعون اسمًا، وللمؤمن منها أسماءٌ، ومَنَّ اللَّه علينا بذلك فقال: ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٧]، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨]، ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الحج: ٧٨] ثم قال تعالى: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال للكافر (٣): ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣].
ثم قولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ مدحٌ لهم، وقولُه تعالى: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بيانُ أنه مِن عنده حصَل لهم، وهذا فضلٌ منه عليهم حيث مدَحهم وهو الذي منَحهم، وهو كما قال في حقِّ يوسفَ ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وهو بيانُ المنَّة بصرفه وعصمتِه، ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] وهو ثناءٌ عليه بإخلاصه وصَفْوته.
стр. 410
وقال تعالى في حقِّنا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]، ثم أثنى علينا فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
وقال حبيبٌ العجَميُّ (١): إلهي أنت تَمنحُ وأنت تَمدحُ.
ثم مجموعُ الآية أنه قال: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مهو وهو مدحٌ بترك كلِّ المخالفات، ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ وهو ثناءٌ برأس الطاعات، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ وهو مدحٌ بجامعة العبادات، ثم قال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وهو مدحٌ بما هو أساسُ السخاوات، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهو التصديقُ بكلِّ الرسالات، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ وهو الإقرارُ والاعتقادُ بالبعث والجزاءِ على كلِّ المعاملات، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو شهادةٌ لهؤلاء الموصوفين بالهداية في كلِّ الحالات، وحُقَّ لمن جمَع هذه الصفاتِ أنْ يؤهَّل لهذه الصِّلات.
ثم في هذه الآية ذَكر الهدى للموصوفين بكلِّ هذه الصفات، وفي قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآيةَ إلى (٢): ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] ذَكر لهم الهدايةَ بالإقرار والاعتقادِ بدونِ سائر الطاعات، بيانًا لشرف الإيمان وجلالِ قَدْره وعلوِّ أمره، وأنه (٣) إذا قَوِيَ لم يُبطله نفسُ المخالفات، بل هو الذي يَغلِبُ فتَرُدُّ إلى التوبة بعد التَّمادي في البطالات، وكما هَدَى اليومَ إلى الإيمان يَهدي غدًا إلى الجنان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾
стр. 411
[يونس: ٩]، وذلك أن المطيعين نورُهم يَسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وهم على مراكبِ طاعاتهم والملائكةُ تتلقَّاهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ويبقى العصاةُ منفرِدينَ (١) منقطِعينَ في متاهات القيامة ليس لهم نورُ الطاعة ولا في حقِّهم استقبالُ الملائكة، فلا يهتدون السبيل، ولا يهديهم دليل، فيقول اللَّه لهم: عبادي ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] إن أهل الجنة من حُسن الثواب لا يتفرَّغون لكم، وأهلَ النار من شدةِ العقاب لا يرحمونكم، معاشرَ المساكين سلامٌ عليكم كيف أنتم، إنْ كان أشكالُكم سبقوكم ولم يَهْدوكم فأنا أهديكم (٢)، إنْ عامَلْتكم بما تَستَوْجِبون فأين الكرم؟ وأنشدوا (٣):
نحن إذًا في الجفاءِ مِثْلُهم... إذا هجرناهُم كما هَجَروا
وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ فهو ابتداءٌ آخَرُ، وكلمةُ ﴿هُمُ﴾ تأكيدٌ، ويسمَّى فصلًا وعمادًا (٤)، و ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر ﴿وَأُولَئِكَ﴾.
وقيل: ﴿هُمُ﴾ مبتدأٌ آخَرُ، ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبرُه، وهما جميعًا خبرُ ﴿وَأُولَئِكَ﴾.
والفلاحُ في اللُّغةِ لمعانٍ:
للبقاء: قال لَبيدٌ:
стр. 412
نَحُلُّ بلادًا كلُّهاحُلَّ قَبْلَنا... ونرجو الفلاحَ (١) بعد عادٍ وحميرِ (٢)
وللبقاء في الخير: قال عَدِيٌّ:
ثم بعدَ الفلاحِ والملكِ والنِّعْـ... مةِ وارتْهم هناك القبورُ (٣)
وللعيش: قال عَبيدُ بن الأَبرص:
أفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغُ بالضْـ... ضَعْف وقد يُخدَعُ الأريبُ (٤)
وللظَّفَر وإصابة (٥) الخير، قال لَبيد:
فاعْقِلي إنْ كنتِ لمَّا تَعْقِلي... ولقد أَفْلَحَ مَن كان عَقَلْ (٦)
وللفوز والنجاة، قال الشاعر:
قد أَفلحَ الساكتُ الصَّموتُ... كلامُ راعي الكلامِ قوتُ (٧)
стр. 413
فأما تفسيرُه هاهنا فقد قال ابنُ عباسٍ ﵄: أي: الناجون من النار (١).
وقال قتادةُ: أي: الباقون في الجنة.
وقال ابنُ كيسان: أي: الذين ظَفِروا بما طلبوا، ونجَوا مما منه هربوا (٢).
وقال أبو عبيدة: أي: المصيبون الخير (٣).
وقال القُتَبيُّ: أي: الباقون في النعيم المقيم (٤).
وقيل: الفائزون بقَهْر الأعداء، وهي هواجسُ (٥) النفوس، وخواطرُ القلوب، ووساوسُ الشيطان.
وحاصلُه كله (٦) يرجع إلى ثلاثة أشياءَ:
أحدها: الظَّفَر، وبسطُه: أنهم ظَفِروا على النفوس فقهَروها فلم تجرَّهم إلى متابعةِ هواها، وعلى الدنيا فهجَروها فلم تَغُرَّهم بزخارف مَرْآهَا، وعلى
стр. 414
الشيطان فخالَفوه فلم (١) يفتنهم بالوساوس، وعلى قُرَناء السُّوء فتحامَوْهم ولم يُبْتَلَوا باستِغْواء النَّسانِس (٢).
والثاني: النجاة، وبسطُه: أنهم نجَوا من الكفر والضلالة، والبِدعة والجهالة، وغرورِ النفوس، ووسوسة الشيطان، وزوال الإيمان، وفَقْدِ الأمان، ووحشةِ القبور، وأهوالِ النُّشور، وزلَّة الصراط، وتسلُّطِ الزبانيَة الشِّدَاد الغِلَاظ، وحِرمان الجِنان، ونداءِ القطيعة والهجْرَان.
والثالث: البقاء، وبسطُه: أنهم بَقُوا في الملكِ الأبديّ، والنعيمِ السَّرْمديّ، ووجدوا مُلكًا لا زوالَ له، ونعيمًا لا انتقالَ له، وسرورًا لا حُزنَ معه، وشبابًا لا هرَمَ معه، وراحةً لا شدَّةَ معها، وصحةً لا علَّةَ معها، ونالوا نعيمًا لا حسابَ له، ولقاءً لا حجابَ له.
فإن قالوا: لو قال: (أولئك على هدًى من ربِّهم وفلاحٍ) لاستقامَ وكان أوجَزَ في الكلام، فلِمَ لم يقُل كذلك؟
قلنا: لأنَّ الفواصِلَ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ و ﴿يُوقِنُونَ﴾، فالذي يساويهما: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾.
فإن قالوا: لمَ لمْ يقُل: (أولئك هم المهتدون المفلحون)؟
قلنا: لأنه يكون فيه بيانُ اهتدائهم دونَ بيانِ أنه مِن ربهم.
فإنْ قالوا: لمَ لمْ يقل: (وأولئك المفلحون) وهو أَوجزُ؟
стр. 415
قلنا: في زيادة كلمة ﴿هُمُ﴾ نوعُ تأكيدٍ، وهو أبلغُ.
وفارسيتُها (١) الجامعةُ: (بدنيار اسمت كاران وبقيامت رستكاران بدنيا بدار راسمت وبقيامت باركار است) (٢).
* * *
(٦) - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وقولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: فأصلُ الكلمة في اللغة: السَّتر (٣) والتغطية، قال لبيد:
يَعْلو طريقةَ مَتْنِها متواتِرٌ (٤) ... في ليلةٍ كَفَرَ النُّجومَ غَمَامُها (٥)
والكافر: الليلُ المظلمُ؛ لسَتْره الأشياءَ بظُلمته، قال الشاعر:
حتى إذا ألقَتْ يدًا في كافرٍ... وأَجَنَّ عوراتِ الثُّغور ظَلامُها (٦)
стр. 416
والكافر: الزارع؛ لسَتْره البذرَ في الأرض بزراعته.
والكافر: الذي لبسَ فوق درعه ثوبًا لسَتْره بدنَه بدرعه ودرعَه بثوبه.
والكافر: البحر والنهر الكثيرُ الماء؛ لستره الأرضَ بمائه.
والكافر: نقيضُ الشاكر؛ لستره النعمةَ بكفرانه.
والكافر: المنكِر؛ لسَتره الحقَّ بباطله.
والكافر: المشرك؛ لستره الإيمانَ بشِركه.
والكفَّارة: مغطِّيةُ الذَّنْب، ورمادٌ مكفورٌ: سَفَتِ الرِّيحُ الترابَ عليه حتى غطَّتْه (١)، قال الراجز:
قد دَرَسَتْ غيرَ رمادٍ مَكْفُور... مكتَئِبِ اللونِ مريحٍ (٢) ممطور (٣)
стр. 417
والكَفْرُ: سوادُ الليل، قال الشاعر:
قد وردَتْ قبلَ انْبِلاجِ الفجرِ... وابنُ ذكاءٍ كامنٌ في كَفْرِ (١)
والكَفْر: القريةُ؛ لسَتْرها الناسَ، قال ﷺ : "أهلُ الكُفور هم أهلُ القبور" (٢)؛ أي: أهلُ القرى لبُعدِهم عن أهل العلم كالموتى.
والكُفُرَّى: كِمُّ الطَّلْعِ (٣)؛ لأنه يَسترُه، وكذا الكافورُ، وكافورُ الطِّيب يسترُ الحرارة، والكافور: مِزاجُ شرابِ أهلِ الجنة، وهو من عينٍ في الجنة يَستر كلَّ همٍّ.
والكافر في القرآن على أربعةِ أوجُهٍ:
أحدُها: نَقيضُ المؤمن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٦٧].
والثاني: الجاحدُ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢]؛ أي: جحَد وجوبَ الحج.
والثالث: نقيضُ الشاكر، قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
والرابع: المتبرِّئ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ أي: يَتبرَّأ بعضُكم من بعضٍ.
стр. 418
ثم معنى المذكورِ في هذه الآيةِ: إن الذين ستَروا الإيمانَ بالكفر، والتوحيدَ بالشرك، والحقَّ بالباطل، والنعمةَ بالكفران، وخبرَ اللَّه بالتكذيب، ورسالةَ الرسل بالجحود، وأمورَ القيامة بالإنكار.
واختلفوا في المرادِينَ بالآية:
قال ابنُ عباس ﵄: هم اليهودُ الذين حول المدينة (١).
وقال الرَّبيعُ بن أنسٍ: هم قادةُ الأحزاب (٢).
وقال الطبريُّ: هم مشركو أهلِ الكتاب كلُّهم (٣).
ويجيءُ بيانُ هذه الأقاويلِ وأقاويلَ أُخَرَ بعد تمامِ (٤) الآيةِ إنْ شاء اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾: أي: مستوٍ عندهم الإنذارُ وتركُه، فهو مصدرٌ أُريدَ به النعتُ؛ كقولك: رجلٌ عدلٌ؛ أي: عادلٌ؛ لأن الفَعَال من أبنية المصادر كالذَّهَاب والصَّلاح والفساد، ويجوز أن يكون بناءَ النعت أيضًا كقولك: سيفٌ كَهَامٌ (٥)، وأَديمٌ صَحَاحٌ، ورجل شَحاح (٦).
وهذه الكلمة ذكرت في القرآن لمعانٍ:
للعدل: في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]؛ أي: عدلٍ.
стр. 419
وللوسَط: في قوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]؛ أي: في وسَطِها.
ولقَصْدِ الطريق: في قوله: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢]؛ أي: قصد الطريق.
وللمستوي: كما في قوله تعالى ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦].
وللشركاء: في ثلاث آيات: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: ٨٩]، ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم: ٢٨].
ثم قولُه تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ ولم (١) يقل: سواءٌ عليك؛ أي: إنذارُك وتركُ إنذارك ليسا (٢) سواءً في حقك، فإنك (٣) تثابُ على الإنذار وإنْ لم يؤمنوا، فأما في حقِّهم فهما سواءٌ؛ لأنهم لا يؤمنون في الحالين، وهو نظيرُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه (٤) يثاب به الآمرُ وإن لم يَعمل به المأمور.
وكان هؤلاء القومُ كقوم هودٍ الذين قالوا لهودٍ صلوات اللَّه عليه: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٦]، وقال تعالى في حقِّ هؤلاء: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال أيضًا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣]، ويقالُ لهم في القيامة: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ
стр. 420
عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]، وأَخبر عنهم أنهم يقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] فلمَّا كان الوعظُ وتركُه لهم سواءً، وكذا الإنذارُ وتركُه سواءً، كان صبرُهم في النار وتركُه سواءً، وجزعُهم فيها وتركُه سواءً.
وأنت إذا كان عصيانُك في الشباب والشَّيبِ سواءً، وتمادِيكَ في الصحة والمرضِ سواءً، وإعراضُك في النعمة والمحنة سواءً، وقسوتُك على القريب والبعيد سواءً، وزَيغُك في السرِّ والعلانيَة سواءً، أفمَا تخشى أن تكون توبتُك عند الموت وإصرارُك سواءً، وعذرُك عند النَّزْع وسكوتُك سواءً، وزيارةُ الصالحين قبرَك وامتناعُهم سواءً، وقيامُ الشُّفعاء بأمرك في القيامة وتركُهم سواءً؟
وقوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ الألف التي تزادُ في أول الكلمة على صورةِ ألفِ الاستفهام تجيءُ على ثمانيةِ أوجُهٍ:
للاستخبار: كما في قوله تعالى: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء: ٦٢].
وللاستنكار: كما في قوله تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
وللإثبات: كما في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وللنفي: كما في قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: ٢٧].
وللأمر: كما في قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١) [الشعراء: ١٠٦].
وللنهي: كما في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤].
وللتحقيق: كما في قوله تعالى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]، هو تحقيقٌ عند بعضهم.
стр. 421
وللتسوية: إذا كانت الألفُ في أحدِ الشيئين (١) و (أم) في الشيء الآخَر، كما في قوله (٢): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٣].
وفي الاستفهام مدخلٌ للتسوية أيضًا في قولك: أزيدٌ في الدار أم عمرٌو؟ وإنما تقول ذلك حين استوَى علمُك فيهما (٣) أنَّ أحدهما فيها، ولذلك تقول في التحقيق: علمتُ أزيدٌ في الدار أم عمرٌو.
وقال صاحب "النظم" (٤): وإنما ورد هذا بألفِ الاستفهام -والاستفهامُ (٥) غيرُ محقَّقٍ وهذا محقَّقٌ- لأنه يستقيم هاهنا أن يقال: سواءٌ عليهم أيَّهما فعلتَ: الإنذارَ وتركَ الإنذار، وكلمة (أيّ) في الأصل للاستفهام، وهذا في معناه، فصَلح فيه الاستفهامُ.
ثم الإنذارُ هو التخويفُ، وقيل: الإبلاع، وقيل: الإعلام بالعذاب.
وأما قراءتُه فقد قرأ أبو جعفرٍ وشيبةُ ونافع غيرَ قالون (٦) والأعمشُ ممدودةً مهموزةً
стр. 422
بهمزةٍ واحدة، وكذلك أبو عمرٍو، ولأبي عمرٍ وطريقٌ آخَرُ (١) في اجتماعِ الهمزتين، فإن كانتا متَّفقتين منصوبتين أو مرفوعتين أو مخفوضتين: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٢) [الزمر: ٣٣] ﴿عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] ليَّن الأولى وحقَّق (٣) الثانيةَ، فإنْ كانتا مختلفتَينِ: ﴿كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ [الممتحنة: ٤] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ﴾ [الملك: ١٦] حقَّق (٤) وليَّن الثانية، وأما عاصمٌ وحمزة والكسائيُّ وخلفٌ وابن ذكوانَ عن ابن عامر (٥)، فإنهم يُثبتون الهمزتين جميعًا على الأصل (٦).
ثم قوله تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ خطابٌ للنبيِّ ﷺ ، فكان الإنذارُ منه، والإنذار المذكور في القرآن من ستة:
من اللَّه تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤].
ومن كتابه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩].
ومن أنبيائه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢].
ومن المصطفى محمدٍ ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤٥].
ومن العلماء: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].
стр. 423
ومن الشَّيب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧] فالشيبُ نذيرُ الموت، وبريدُ الموت، ورسولُ الموت، ورائدُ الموت، والمخبِرُ بمجيء الموت.
واختلفوا في الذين أُريدوا بهذه الآية:
قال الكلبيُّ ﵀: هم رهطٌ من اليهود: كعب بنُ الأشرف وحييُّ بن أخطبَ وجديُّ بن أخطبَ وأبو ياسرِ بنُ أخطب -وليس بأخي حييٍّ- وشعبةُ بن عمرٍو، ومالك بن الصَّيف (١)، وأبو لُبابةَ، وقد مرَّت قصتُهم عند تفسيرنا ﴿الم﴾ بتطويلها، وتفسيرُهم المقطَّعات بتفصيلها.
وبنحوه قال ابن عباس ﵄: أن الآية نزلت في شأن اليهود، منهم: كعب بن الأشرف وحييُّ بن أخطبَ ومالك بن الصَّيف وأبو لبابة، وكان مالكٌ رأسَ اليهود، وقد جادل النبيَّ ﷺ يومًا، فقال النبيُّ ﷺ : "هل وجَدْتَ في التوراةِ أن اللَّه تعالى يُبغض الحَبْرَ السَّمين؟ " قال: نعم، فقال النبيُّ ﷺ : "أنت منهم"، فغضب مالك وقال: ما أنزل اللَّه على بشر من شيء، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فقال اليهود لمالكٍ: ما حملك على هذا الإنكار؟ قال: إنه أغضبني، قالوا: كلما غضِبْتَ كفَرْتَ؟! فعزلوه عن الرِّئاسة وأقاموا كعبَ بن الأشرف مقامَه (٢). إلى أن بَعث رسولُ اللَّه ﷺ رَهْطًا من الأنصار فقتلوه.
стр. 424
وكان اليهود (١) آمنوا بالنبيِّ ﷺ قبل مَبعثه، وكان يستنصِرون به، فلما جاءهم ما عَرفوا كفروا به، وكان سببُ كفرهم: حبَّ الرئاسة وأخذَ الرِّشوة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩].
وقال مقاتلٌ: نزلت الآيةُ في شأن شيبةَ وعُتبةَ والوليدِ بنِ المغيرة.
وقال الرَّبيع: نزلت في الذين قُتلوا يومَ بدر.
وقال أبو رَوقٍ: نزلت في شأنِ أبي جهلٍ وجماعةٍ معه، سألوا رسول اللَّه ﷺ معجزةً، حتى قال أبو جهل لعنه اللَّه -وكان يسري بالليل فاستقبله رسولُ اللَّه ﷺ فقال-: أرني آيةً على نبوَّتك هالا لأقتلنَّك (٢)، فقال: "ما تريد؟ "، قال: شقُّ القمر نصفين (٣)، فأشار النبي ﷺ إلى القمر، قال ابن مسعود ﵁: فانشقَّ نصفين (٤)، فرأيتُ حراءً بين شقَّي القمر، فقال اللَّعينُ: ما أسحَرَك يا محمد! فأنزل اللَّه تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ١ - ٢]، وكان النبيُّ ﷺ يطمعُ في إيمانهم بعد رؤيتهم المعجزةَ وإيقانهم، فأنزل (٥) اللَّه تعالى: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] (٦).
стр. 425
وقوله تعالى: ﴿أَمْ﴾: هذه الكلمةُ في القرآنِ على أربعة أوجُهٍ:
أحدها: عطفٌ على ما دخله ألفُ استفهام (١) كما في قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ثم قال: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٢) [الملك: ١٧].
والثاني: ابتداءُ استفهامٍ كالألف (٣): ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ [النساء: ٥٣]؛ أي: ألهم؟
والثالث: بمعنى (بل): ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥٢]؛ أي: بل أنا خير.
والرابع: بمعنى (أو) من غير استفهامٍ كما في هذه الآية: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: أو لم تنذرهم، فلا استفهام في هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ﴾: كلمةُ نفي، وكلماتُ النفي:
(لم) و (لمَّا) للماضي: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
و (ليس) للحال (٤): ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾.
و (لن) للمستقبل: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١].
و (ما) و (لا) و (إنْ) الخفيفةُ للكل: