← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

وقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾: أي: المكاتَبين، يُعطَون شيئًا (١) من الصدقات فيؤدُّون بها بدلَ الكتابة فينالون به العِتق. وقوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: أي: المديونينَ (٢) الذين ليس لهم بعد قضاءِ الدَّين ما يقع به الغنى. وقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: الغزاةِ المحتاجين، وإن كانوا أغنياءَ بأموالهم خلَّفوها في بلدهم. وقوله تعالى: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: أي: الغريبِ البعيد عن ماله. وقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: أي: إيجابًا من اللَّه؛ أي: يُصرف إليهم ولا يصرف إلى غيرهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: أي: بمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: في أحكامه. ثم عند الشافعي ﵁: لا بد أن يصرف إلى الأصناف السبعة -فقد سقط سهم المؤلفة قلوبهم- من كلِّ صنفٍ ثلاثةٌ تحقيقًا لمعنى الجمع. وعندنا: إن صُرف إلى صنف واحد وإلى شخصٍ واحد جاز؛ لأنَّهم ذُكروا لبيان أسباب الحاجة، ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقال ﵇ لمعاذ بن جبلٍ ﵁: "خُذْها من أغنيائهم ورُدَّها في فقرائهم" (٣)، فأَوجب الصرف إلى المحتاجين، ثم بيَّن بهذا

стр. 3607

النصِّ أسباب الحاجة، فصاروا صنفًا واحدًا في التحقيق، وهو مذهبُ عامة الصحابة ﵃: عمرَ وعليٍّ وابنِ مسعود وابنِ عباس وحذيفةَ وغيرِهم، وكذا قال جماعة من التابعين: سعيد بن جبير والضحاك وأبو العالية وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران (١). قال ابن عباس ﵄: أيَّ صنفٍ أعطيتَه من هذه الأصناف (٢) جاز. قال حذيفة: إن شئتَ جعلتَها في صنفٍ واحد (٣) وإن شئتَ جعلتَها في صنفين. وقال سعيد بن جبير: لو وضعتَها في صنفٍ واحد أجزأ عنك، ولو نظرت إلى أهل بيت من المسلمين فقراءَ متعفِّفين فجَبَرْتَهم (٤) بها كان أحبَّ إليَّ (٥). وقال الإمام القشيري ﵀: الفقير الصادق عندهم: مَن لا سماءَ تُظِلُّه ولا أرضَ تُقِلُّه، ولا سِمةَ (٦) تتناوله، ولا معلوم يَشغلُه، ولا علاقة تَقطعه، فهو عبدُ اللَّه باللَّه (٧)، يُردُّ (٨) إلى التمييز في أوان العبودية، وفي غير هذا الوقت مُصْطلَمٌ عن شواهده فانٍ عن أغياره.

стр. 3608

وقيل: الفقير: مكسور الفَقَار، فهو عندهم: مَن سقط اختيارُه، وتعطَّلت عنه ديارُه، واندرست في استيلاءِ مَن اصطَلَمه آثارُه، وكأنه لم يبق منه إلا أخبارُه، قال الشاعر: أما الرُّسومُ فمُخْبِراتٌ أنهم... رحَلوا قريبًا من جِوار المنزلِ (١) وأما المسكين: فهو الذي أسكنَتْه حالتُه بباب معبوده، لا يَبرح عن سدَّته، فهو معتكِفٌ بقلبه، لا يغفل لحظةً عن ربِّه، وهي مراتبُ الحاجة والفقر والمسكنة: فذو الحاجة: مَن يرضى بدنياه وتسدُّ الدنيا فقره. والفقير: الذي يكتَفي بعُقباه وتَجبُر الجنة فقرَه. والمسكين: الذي لا يرضى بغير مولاه، لا إلى الدنيا يلتفت، ولا بالآخرة يشتغل، ولا بغير مولاه يكتفي. * * * (٦١) - ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾: أي: ومن المنافقين قومٌ يؤذون النبيَّ ﵇. وقال الإمام أبو منصور ﵀: لم يبيِّن بماذا يؤذونه؟ فيحتمِلُ أنهم كانوا يُؤذونه بتكذيبه وتركهم إجابتَه وطاعتَه، ويحتمِل أنهم يؤذونه بكلماتٍ يُسمعونه وطعنٍ يَطعنون به. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ قال أبو عَوسجةَ: هو الذي مَن قال له شيئًا

стр. 3609

سمعه، ومَن حدَّثه بشيء صدَّقه، والأُذن التي هي جارحة السماع كذلك، وكان النبيُّ ﷺ يستمع إلى كلام كلِّ مَن حدَّثه بشيء؛ لكرمه وشرفه ومجده وحُسن خلقه. وقيل: أرادوا به أنه يقبل كلَّ عذرٍ صدقًا كان أو كذبًا، وكان النبيُّ ﵇ كذلك لكرمه وحُسن خلقه، فظن أولئك أنه إنما يقبله ويعاملُهم به لسلامة قلبه وصغر همته وقصور يده (١). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾: أي: أنا أذن خير لكم (٢)، وهو إضافةُ الشيء إلى صفته كقوله: هو رجلُ خيرٍ؛ أي: قل يا محمد: إن الذي يقبل العذر خيرٌ ممن لا يقبله، فكيف تؤذونه وتعيبونه؟! وقيل: إنه يسمع الخير ويَقبله دون الشر. وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾: أي: يصدِّقه ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: ويصدِّق المؤمنين (٣) بما شهدوا به عنده، فلا يَقبل (٤) إلا ما ثبتَ صدقُه بإخبار اللَّه عنهم فيما قالوا وليس عندهم أحد من المسلمين، أو بشهادة المؤمنين إذا قالوا ذلك بحضرتهم. ولفظة الإيمان تعدَّى بالباء واللام، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]. وقيل: كانوا يذكرون أشياء لو بلغه ذلك آذاه، فإذا قيل لهم: لا تفعلوا فإنه

стр. 3610

يبلغه الخبر، قالوا: نأتيه فنعتذر إليه فيصدِّقنا لأنه أُذنٌ، فقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإذا أخبره اللَّه تعالى بكذبكم أو شهد المؤمنون على قولكم لم يصدِّقكم. وقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾: أي: وأنا رحمةٌ لمن آمن منكم مع أنكم إذا أذَيْتُموني فيلزمُكم العذاب، فإذا آمنتُم بي فلكم الرحمةُ والثواب. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدارين. قال ابن عباس ﵄: نزلت في خِذَام بن خالد، والجُلاس بن سويد، هاياس بن قيس، ومَخْشيِّ بن حميِّر (١)، وسِمَاك بن زيدٍ، وعُبيد بن هلالٍ، ورِفاعةَ بن عبد المنذر (٢): كانوا يقولون في رسول اللَّه ﷺ ما لا ينبغي، فقالوا: لا تفعلوا فإنَّا نخاف أن يبلغَه هذا فيوقِعَ بنا، فقال الجلاس: إنه أذنٌ نقول ما شئنا ثم نحلف له فيصدِّقنا، فنزلت الآية (٣).

стр. 3611

وذكر مقاتل في جملتهم: شاس بن قيس، والمخشي بن حمير، وعبيد (١) بن مالك، ورفاعة بن زيد، ثم قول الجلاس ذلك (٢). وقال أبو حاتم سهل بن محمد: هو نبتل بن الحارث (٣)، وكان رجلًا أَدْلمَ (٤) ثائرَ الشعر، أحمر العينين، أسفع الخدين، مشوَّه الخِلقة، وفيه قال النبيُّ ﷺ : "مَن أحبَّ أن ينظر إلى الشيطان فلينظرْ إلى نبتلِ بن الحارث" وكان يَنمُّ حديثَ النبيِّ ﷺ إلى المنافقين، فقالوا له: لا تفعل، فقال: إنما هو أذنٌ، مَن حدَّثه بشيء صدَّقه، أقول هذا ثم آتيه فأعتذرُ إليه (٥). وقال الحسن: قال المنافقون: ما هذا الرجل إلا أذنٌ يقبل ما يسمع ليست له عزيمةٌ، فنزلت الآية (٦).

стр. 3612

قالوا: عابهُ الجهَّال بما هو آيةُ كرمه وغايةُ حُسن شِيَمه، قال ﵇: "المؤمنُ غِرٌّ كريم، والمنافق خِبٌّ لئيم" (١). وقيل: العاقل هو الفَطِنُ المتغافل، وأنشدوا في معناه: وإذا الكريمُ أتيتَه بخديعةٍ... فرأيتَه فيما تَرُومُ يُسارِعُ فاعْلَمْ بأنك لم تخادِعْ جاهلًا... إنَّ الكريم بفَضْلهِ مُتخادِعُ * * * (٦٢) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾: أي: يعتذر هؤلاء ويحلفون باللَّه (٢) كاذبين ليُزيلوا سَخَطكم. ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾: أي: يحقُّ عليهم في إزالة سَخَطكم أن يُخلصوا، فإذا فعلوا ذلك أرضَوا اللَّه ورسوله فيرضى المؤمنون به؛ لأن اللَّه تعالى إذا رضي عن العبد أرضى عنه الناس. ثم إنه قال: ﴿أَنْ يُرْضُوهُ﴾ على التوحيد -مع سَبْقِ ذكر اللَّه ورسولهِ- لأنه أراد: أن يرضوا الرسولَ، وإرضاؤه إرضاءُ اللَّه تعالى؛ كما قال ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [النور: ٤٨]، لأن حكمَه حكمُ اللَّه. وقيل: إنه لا يُذكر بعد ذكر اللَّه ورسوله كنايةٌ ترجعُ إليهما (٣)؛ لأنَّه تسويةٌ بينهما،

стр. 3613

وتركُ تعظيمٍ في حق اللَّه ، ولهذا قال النبيُّ ﵇ فيمَن تكلَّم عنده وقال: مَن أطاع اللَّه ورسوله فقد رشَد، ومَن عصاهما فقد غوَى: "بئس خطيبُ القوم أنت" (١)، كره منه ذكر كناية واحدة راجعةٍ إلى اسم اللَّه تعالى وإلى اسم رسوله. قال السدي: اجتمع ناسٌ من المنافقين منهم جلاسُ بن سويدٍ ووديعةُ بن ثابت ورجالٌ آخرون وعندهم غلام من الأنصار يقال له: عامر بن قيس -وفي روايةِ غيرِ السديِّ: هو زيد بن الأرقم (٢) - فحَقَروه، وقالوا: إن كان ما يقولُ محمد حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير، فغضب الغلام وقال: واللَّه إن ما يقول محمد حقٌّ، وأنتم شرٌّ من الحمير، ثم أتى النبيَّ ﷺ فأخبره، فدعاهم فسألهم فحلفوا إن عامرًا كاذب، وحلف عامر أنهم كذَبةٌ، فصدَّقهم النبي ﷺ ، فقال عامر: اللهم صدِّق الصادقَ وكذِّب الكاذب، وكان واحدٌ من المنافقين قال (٣) بعد ما سمع عامر كلامهم (٤): ودِدْتُ أني قدِّمْتُ فجُلدْتُ مئةَ جلدة وأنه لا ينزل فينا شيءٌ يفضحنا، فنزلت: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ ونزلت: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٦٢] (٥).

стр. 3614

(٦٣) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾: استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: ألم يعلم هؤلاء المنافقون أنه مَن يُعادِ اللَّه ورسوله. قال ابن عباس ﵄: يخالف اللَّه. وقال الأخفش: يحارب اللَّه. وقال قطرب: يعاند اللَّه (١). والمحادَّة بين اثنين: أن يصير كلُّ واحد منهما في حدٍّ غيرِ الحد الذي عليه الآخَرُ معاداةً ومخالفةً وممانعةً. ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ وتكرار (أنَّ) للمبالغة في التأكيد، و ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾: دائمًا فيها (٢) بكفره، ومَن صار (٣) كذلك فقد عظُم خِزْيه؛ أي: افتَضَح أبلغَ الافتضاح، وبلغ غايةَ الهوان، والخزيُ: الهوان بما يُستحيَى مِن مثله.

стр. 3615

قال ابن عباس ﵄: نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك -وقد سميناهم- جاؤوا حين رجع رسول اللَّه ﷺ يعتذرون فيحلفون، فنزلت هذه الآية وغيرها (١). * * * (٦٤) - ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ خبرٌ عن حذَرهم عند أكثر المفسرين. وقال الزجَّاج: هو بمعنى الأمر (٢). قال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل ذلك: أي: ليحذر المنافقون أن تنزل عليهم؛ أي: على النبيِّ ﵇ فيخبرهم به (٣)، والمنزلُ على الرسول منزلٌ على الأمَّة معنًى، لأنه خطاب لهم بما فيه. وقوله تعالى: ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: تخبرهم بذلك، ولم يكن ذلك لإعلامهم فقد علموا به، لكن بإخبارهم أنه لا يخفَى على اللَّه ولا يُخفيه عن رسوله، وليَهْتكَ أستارهم للمؤمنين ليعلموا به، وعلى القول الذي قالوا: إنه خبرٌ عنهم، فلكثرةِ ما كان يُطْلع اللَّه رسولَه عليه كانوا يحذرون ذلك، ولخُبث اعتقادهم وشدة كفرهم كانوا يُؤذونه ويستهزؤون به، وذلك قوله تعالى:

стр. 3616

﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾: وصيغته أمرٌ وهو للتهديد؛ كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ودليله قوله: ﴿اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾؛ أي: مظهرٌ، وقد أظهر أحوالهم في هذه السورة، ولذلك سميت فاضحةً مبعثِرة. وقال الحسن: كانوا يسمُّونها حافرة؛ لأنَّها حَفرت ما في قلوبهم فأظهرته (١). وقال قتادة: كانوا يسمونها المثيرة (٢). وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في الجلاس بن سويد وأصحابه وقد سميناهم (٣). وقال عطاء: هم سبعون رجلًا أنزل اللَّه تعالى أسماءهم وأسماء آبائهم، ثم رفعت مرحمةً على العباد، ولأن أولادهم أسلموا وأخلصوا (٤). وقال السدِّي: جاء واحد من المنافقين اسمه مَخْشيُّ بن غليظ وقال: إن اسمي واسمَ أبي من شرِّ الأسماء يا رسول اللَّه، فغيِّرهما لعل اللَّه يغيِّر حالي، وكان منافقًا، فسماه النبي ﷺ : عبد اللَّه بن عبد الرحمن فأسلم وأخلص وقال: اللهم إني أسألك أن أُقتل في سبيلك لا يُقدَر لي على (٥) جثةٍ، ولا يُعلم لي مقتل، فقُتل بوقعة (٦) مسيلمة الكذَّاب (٧).

стр. 3617

(٦٥) - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾: أي: ولئن قلت لهم: لم قلتُم كذا، حين أطلعك اللَّه على ذلك، قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾؛ أي: لم يكن ذلك عن اعتقادٍ وشكٍّ في الدِّين، لكن على العادة من الناس إذا اجتمعوا لم تخلُ أحاديثهم عن أن يجريَ فيها القول على سبيل المساعدة والاستئناس من الهزل، فقل يا محمد إنكارًا عليهم: أباللَّه وآياته ورسله تفعلون هذا؟ وهو لا يحتمِل إلا الجِدَّ والصدق دون الهزل واللعب. قال محمد بن إسحاقَ: قال هذا وديعة بن ثابت (١). وقال مقاتل بن حيَّان: نزلت في ثلاثةِ نفرٍ: معتِّب بن قُشيرٍ ووديعةَ بن ثابتٍ ومخشيِّ بن حميرٍ، ولكن عبد اللَّه بن عبد الرحمن لم يمالِئْهما في الحديث، ولكنه كان يسير مجانبًا لهما ويضاحكُهما، فقال وديعة لمعتِّبٍ: أيطمعُ هذا الرجل في الشام وقصورها؟ هيهات! ويظنُّ أن جِلَاد بني الأصفر هيِّن، فنزلت هذه الآية، فبعث النبيُّ ﷺ عمار بن ياسر فقال لهم: احترقتُم أحرقكم اللَّه، قلتُم كذا وكذا، فجاؤوا يعتذرون، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٢).

стр. 3618

وفي رواية زيد بن أسلم: نظرتُ إلى هذا القائل متعلِّقًا بنسع ناقة رسول اللَّه ﷺ (١). وفي رواية عبد اللَّه بن عمر: رأيتُ عبد اللَّه بن أبيٍّ يشتدُّ بين يدي رسول اللَّه ﷺ والحجارةُ تَنكبُه وهو يقول: إنما كنَّا نخوض ونلعب، ورسول اللَّه ﷺ يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢). وعذَر النبي ﷺ الذي لم يمالِئْهم حين اعتذر وهو عبد اللَّه بن عبد الرحمن، وفي رواية: مخشيُّ بن حميِّر، وفي رواية: الحمير بن الحمير (٣). وقال القشيري ﵀: مَن استهان بالدِّين، ولم يحتشِم مِن تركِ حرمة الإسلام والمسلمين، جعله اللَّه في الحال نكالًا، وسامه في الآخرة صغرًا وإذلالًا،

стр. 3619

والحقُّ سبحانه لا يرضى دون أن يُذيق العتاةَ بأسَه، ويسقيَ كلًّا على ما يستوجبُه كأسُه، وقد أرخَى اللَّه للمنافقين عنان إمهالهم، ثم هتك أستارهم بأقوالهم وأفعالهم (١). * * * (٦٦) - ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾: أي: لا تتكلَّموا بالعذر الباطل ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾: فقد صرَّحتم بما يوجب الكفر ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾: بعد إظهاركم الإيمانَ باللسان. وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٢): قرأ عاصم: ﴿نَعْفُ﴾ بالنون وفتحها وضم الفاء، ﴿نُعَذِّبْ﴾ بالنون وضمِّها وكسر الذال، ﴿طَائِفَةٍ﴾ بالنصب، إخبارًا من اللَّه تعالى عن نفسه بكلمة التعظيم، وقرأ الباقون: ﴿يُعْفُ﴾ بالياء وضمها وفتح الفاء ﴿تُعَذِّبْ﴾ بالتاء وضمها وفتح الذال على ما لم يسمَّ فاعله، ﴿طَائِفَةً﴾ بالرفع (٣). ومعناه: إن تركنا العقوبة في الحال في حقِّ بعضهم وهم العامةُ والأتباع الذين لا ضرر منهم على المسلمين لنعاقبهم في الآخرة، نعذبْ طائفة منهم من الكبراء المعلِنين بالأراجيف الساعين بين المسلمين بالفساد بالقتل. قال تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ [الأحزاب: ٦٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]، وقوله تعالى:

стр. 3620

﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] إلى قوله عز وعلا: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) [النساء: ٨٩]. ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٢) وهو اسمٌ نهاية الذم؛ لأنَّه يدل على انقطاعه عن كلِّ الخيرات، من الجَرْم: وهو القطع. وقيل: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ﴾ قومِ منهم نعلمُ أنهم يتوبون ويخلصون ﴿نُعَذِّبْ﴾ قومًا منهم نعلم أنهم على النفاق يدومون. وقيل: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ منهم بالإيمان ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ (٣) بالموت على الكفر. وقيل: ﴿إِنْ نَعْفُ﴾ فلم نأمر بالقتل في حق قومٍ لم يظهر نِفاقهم للنبيِّ ﷺ وللمؤمنين كما قال ﷻ : ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبه: ١٠١] ﴿نُعَذِّبْ﴾ بالأمر بالقتل والتشهيرِ مَن ظهَر نفاقُهم بهذه الأحوال. وقال محمد بن كعبٍ القرظي: ﴿نَعْفُ﴾ عن طائفةٍ منهم: هي واحدةٌ (٤)؛ كما قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، وهو الذي ذكرنا في الآية التي قبلها أنه لم يمالِئْهم واعتذر فعُذر ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ وهم الذين خاضوا. وقيل: هو الواحد أيضًا، وهو وديعة بن ثابت. * * *

стр. 3621

(٦٧) - ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾: أي: مجتمعون على النِّفاق، مطابقون على إيذاء الرسول والمؤمنين على اتِّفاق (١). ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾: بما يُنكره الشرع والعقل ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾: ما يرضاه الشرع والعقل. ومن المنكرات: تركُ الجهاد، وهم به يَأمرون، ومن المعروف: الجهاد، وهم عنه يَنْهَون. ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾: أي: عن الإنفاق في الجهاد وسُبُل الطاعات من الزكوات ونوافلِ الصدقات. وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾: أي: تركوا ذكر اللَّه وطاعته ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾؛ أي: خذلهم. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾: أي: هم الخارجون عن قبول أمر اللَّه والعملِ به. وقال ابن عباس ﵄: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾؛ أي: بتكذيب رسول اللَّه ﷺ ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: عن تصديقِه واتِّباعه (٢). وقال الضحاك: يأمرون بالكفر وينهون عن الإسلام (٣). وقال القشيري ﵀: المنافق لصاحبه أسٌّ به قِوَامُه، وأصلٌ به قيامُه، يُعِينه

стр. 3622

على فساده، ويعمِّي عليه طريقَ رشاده، والمؤمنُ يَنصر المؤمن؛ يبصِّره عيوبَه، ويقبِّح في عينه ذنوبه، فهو على السَّداد يُنْجده، ومن الفساد يُبْعده، والمنافقون يقبضون أيديهم لا يُنفقون في سبيل اللَّه، ولا يَجِدُّون في إعانة عباد اللَّه، ولا يأخذون بأيدي الضعفاء لوجه اللَّه، ولا يرفعون أيديهم في طلب الحوائج إلى اللَّه. ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾؛ أي: تركوا طاعتَه وآثروا مخالفتَه ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: تركهم وما يختارون؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] (١). * * * (٦٨) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾: أي: الذين يُظهِرون الإيمان ويضمِرون الكفر. وقوله تعالى: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾: أي: المجاهرين به. ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾: أي: واقعةٌ موقعَ ما استَحَقُّوه من الجزاء على كفرهم. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾: طردهم من رحمته ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾: دائم. وقال القشيري ﵀: لهم النار في الآجلة، والعذابُ المقيم في العاجلة، وتلك (٢) عذابُ الحُرقة، وهذه عذاب الفُرقة. * * *

стр. 3623

(٦٩) - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: خطابٌ للمنافقين، وفي أوله مضمَرٌ، وتقديره: وأنتم في معاملتكم كالذين من قبلكم. وقيل: أي فِعْلي بكم في الدنيا والآخرةِ كفِعْلي بالذين مِن قبلكم. وقوله تعالى: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: منعةً وبطشًا (١). وقوله تعالى: ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾: يتكثَّرون بالأولاد ويعتضِدون (٢) بالأموال، فلم يعتصِموا بقوة أنفسهم ومعونةِ أولادهم وأنصارهم وكثرةِ أموالهم حين كذبوا رسلي واستحقُّوا إنزال بأسي. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾: أي: صَرَفوا إلى التمتُّع الحاليِّ نصيبَهم من الدنيا ولم يقدِّموا إلى الآخرة. ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾: فعلتُم أنتم في الدنيا فِعلَهم. وقوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾: أي: في آيات اللَّه بالباطل، فإذا كنتم في سوء المعاملة مثلَهم، وفي القوة والمنعة دونهم، فما يؤمِّنكم أن يصيبَكم من العقوبة مثلُ (٣) ما أصابهم.

стр. 3624

وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: أي: الذين رضُوا من آخرتهم بدنياهم بَطَلتْ أعمالهم في الدارين فلا ينتفعون بها: أمَّا في الدنيا فقد قصدوا بذلك توهينَ الإسلام وقهرَ أهله وعلوَّ أنفسهم، فأبطل اللَّه تعالى كيدَهم وخيَّب أملهم، قال تعالى: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، ﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤]، وفي الآخرة لا ثواب لهم ولا نجاة. وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: ذهبت أموالهم فيما ضرَّهم ولم ينفعهم، ولو ذهبت فيما لا ينفعُهم ولا يضرُّهم كانت خسرانًا، فكيف وقد ذهبت فيما يضرُّهم ولا ينفعهم؟ قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]. * * * (٧٠) - ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾: هي قَرْيَاتُ لوطٍ، ومعناها: المنقلِبات (١)، حيث جعَل اللَّه عاليَها سافلَها، و ﴿أَلَمْ﴾ استفهام بمعنى التقرير. قال القفَّال: أي: قد أتاهم خبرُ الأمم السالفة، سمعوا ذلك وعرَفوه، وشاهدوا آثار إيقاع اللَّه بهم بما جعلهم نكالًا وعبرةً لغيرهم؛ كما فعل بقوم نوحٍ صلوات اللَّه عليه حين أُهلكوا بالغرق، وعادٍ بالريح الصَّرصَر العاتية، وثمودَ بالرجفة والصاعقة،

стр. 3625

وقومِ إبراهيم بالتشتيت وسلب الملك والنعمة؛ أي: من نمرود، وأصحابِ مدين بعذابِ يوم الظلة، وقومِ لوط بانقلاب الأرض، وكلُّ ذلك كان عدلًا من اللَّه تعالى وحكمةً وعقابًا لمن ظلم نفسه وعصى ربَّه وكذَّب رسلَه واستحقَّ عقابه، فليحذر المنافقون أن يُفعل بهم ما فُعل بأولئك. وقوله تعالى: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: يرجعُ هذا إلى كلِّ هذه الأمم، وإنْ صُرف إلى ما يليه وهي المؤتفكات -ورسولُ أهلها واحد وهو لوط ﵇ فقد قيل: كان في كلِّ قرية رسولٌ من جهة لوط، فلذلك جُمع. وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُم﴾: أي: ليس من صفة اللَّه تعالى ظلمُ العباد بتعذيبهم من غير ذنبٍ. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾: بإيقاعها فيما يوجب العقوبة. * * * (٧١) - ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: ذكر بمقابلةِ المنافقين والمنافقات: المخلِصين والمخلصات، وتغاير صفات الفريقين، فالمخلصون ذكورهم وإناثهم يتوالون على الدين ويتناصرون ويتعاونون حتى إن الرجل ليخرج إلى الجهاد وامرأته تهيئ أسبابه وتخرج النساء مع الرجال أيضًا فيداوين الجرحى ويعالجن المرضى ويصلحن الطعام ويحملن الماء وكذا كل الخيرات في الدين. وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر﴾: وقد فسَّرناهما في تلك الآية، وهو خلاف صفات المنافقين.

стр. 3626

﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: وهو خلافُ صفة المنافقين، هؤلاء يصلُّون وفي الصلاة ذكرُ اللَّه، وأولئك داوَموا على نسيان اللَّه. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾: وهو خلاف صِفة (١) المنافقين، فإنهم يقبضون أيديهم. ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في كلِّ الأوامر والنواهي، فهو خلاف صفة المنافقين ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢). ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾: بخلاف المنافقين (٣) ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال مقاتل: ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره (٤). وقال القفَّال: ﴿عَزِيزٌ﴾: منيعٌ قادرٌ على مجازاة المطيعين والعاصين ﴿حَكِيمٌ﴾ في توفيق المؤمنين وخذلان المثافقين. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكَر في المؤمنين والمؤمنات: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وذكَر في الكفار: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وذكَر في المنافقين: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، ولم يقل: بعضهم أولياءُ بعض؛ لأن المؤمنين يتوالَون ويتناصرون ويتعاونون على الدِّين الحق، والكفارَ لهم دينٌ أيضًا وهو باطل وهم يتوالون عليه ويتعاونون ويتناصرون، فأما المنافقون فليس لهم دِينٌ يُظهرونه ويمكِنُهم التوالي والتعاونُ والتناصُر عليه، لكن بعضهم على صفةِ بعضٍ، فلذلك قال: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ (٥).

стр. 3627

وقال في هذه الآية: يجوز أن يكون هذا إخبارًا عنهم أنهم كذلك؛ لأنَّهم صاروا بالإسلام أولياء؛ قال تعالى: ﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، ويجوز أن يكون أمرًا من حيث المعنى؛ أي: ليكونوا أولياء بعضُهم لبعضٍ، فقد نهَى عن موالاة الكفار لقوله (١): ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [النساء: ١٤٤]، وبقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]، فكان أمرًا لهم أن يكون (٢) بعضهم أولياءَ بعض (٣). وقال القشيريُّ رحمه اللَّه تعالى: إن اللَّه تعالى وصف المؤمنين بأنهم يتحابُّون في اللَّه، ويقومون بحقِّ اللَّه، ويتصاحبون للَّه، ويعادُون مَن يعادُون لأجل اللَّه، تركوا حظوظهم لحقِّ اللَّه، وآثروا على هواهم (٤) رضاء اللَّه، أولئك الذين عصمهم اللَّه في الحال وسيرحمهم في المآل (٥). * * * (٧٢) - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وهو في مقابلةِ قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٧٢].

стр. 3628

وقوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾: أي: جزاءً عمَّا احتمَلوه من أذى الحر وسوءِ المنازل في أسفارهم للغزوات وتركِهم مواطن الراحات. وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: أي: إقامةٍ، وقد عَدَن بالمكان عَدْنًا، والمعدِن: المُقام؛ أي: هي مواضع إقامةٍ وثباتٍ لا يبغون عنها حِوَلًا، وليس هذا بتكرارٍ لقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾؛ لأن قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ إخبارٌ بدوام مُقامهم فيما أُعدَّ لهم من المساكن، وقولَه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إخبارٌ بدوام النعيم لهم في الجنان، فهما معنيَان مختلفان. وقال الأعمش: ﴿عَدْنٍ﴾ وسط الجنة (١). وقال ابن مسعود ﵁: بطنان الجنة (٢). وقال عبد اللَّه بن عمرو (٣) ﵄: إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، حوله البروج والمروج، وله خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبيٌّ أو صدِّيق (٤).

стр. 3629

وقال الكلبي: ﴿عَدْنٍ﴾؛ أي: أعلى درجةِ الجنة، وفيها عينُ التسنيم، والجِنَانُ حولها محدِقةٌ بها (١)، وهي مغطَّاةٌ من يومِ خلَقها اللَّه تعالى حتى يَنزلها أهلُها الأنبياءُ والصدِّيقون والشهداءُ والصالحون ومَن شاء اللَّه ﷻ . وقال مقاتل: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾: قصورُ الدرِّ والياقوت والذهب، فتهبُّ ريحٌ طيِّبةٌ من قحت العرش فتُدخل عليهم كُثبانَ المسك الأبيض (٢). وقال عطاء: ﴿عَدْنٍ﴾: نهر في الجنة جنَّاتُه على حافَّتيه (٣). وروى أبو الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "عدنٌ دارُ اللَّه التي لم ترَها عينٌ ولم تخطرْ على قلب بشر، لا يسكنُها من بني آدمَ غيرُ ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء (٤)، يقول اللَّه تعالى: طوبى لمن دخلك" (٥). وقال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حُصين عن قوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ فقالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "قصرٌ في الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون دارًا من ياقوتة حمراء، في كلِّ دار بيتٌ من زمردةٍ خضراء، في كلِّ بيتٍ سبعون سريرًا، على كلِّ سريرٍ سبعون فراشًا من كلِّ لون، على كلِّ فراش زوجةٌ من الحور العين" (٦).

стр. 3630

وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: أي: أعظمُ من هذه النعم قَدْرًا وأشرفُ منها ذكرًا رضوانُ اللَّه تعالى عن هؤلاء، ومن رضوانه قبولُ أعمالهم اليسيرةِ، وتيسيرُ الحساب عليهم، وإثابتُهم على الأعمال المنقطِعة نعمًا لا تَنقطع وكلَّ كرامةٍ في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: أي: الرضوان الذي نالوه هو الفوز العظيم الذي لا أعظم منه؛ لأنَّه دركُ كلِّ مطلوب، ووصولٌ إلى كلِّ مأمول، وأمانٌ من كلِّ محذور. وقال الإمام القشيري رحمه اللَّه تعالى: المساكنُ لا تطيب للساكن إلا برؤية المحبوب، إلا أنه قد تختلف بهم الهمَم: قومٌ تَطيبُ مساكنهم بوجود عطائه (١)، وقومٌ تَطيب أنفسهم بشهود لقائه، قال قائلهم: وإنِّي لأهوَى الدارَ ما يستقرُّ بي... لها الودُّ إلا أنها مِن دياركا وقال آخر: أجيرانَنا ما أوحشَ الدار بعدَكمْ... إذا غِبْتُمُ عنا ونحن حُضورُ (٢) * * * (٧٣) - ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾: لمَّا وصف اللَّه المنافقين

стр. 3631

والكفار، وكشف له أحوال المتستِّرين منهم بالإظهار، أمَره بجهادهم الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من صفات المؤمنين، وخلافُ ذلك من صفات المنافقين. وقال عطاء: نسخت هذه الآيةُ كلَّ شيء من الصَّفح والعفو (١). وقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾؛ أي: بالسلاح في وقته وباللسان في وقته. ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال ابن عباس ﵄: باللسان (٢). وقال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود (٣). وقيل: بالسيف بعدما ظهرت أحوالهم، قال تعالى ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ولا تداهِنْهم وآيِسْهم من نفسك، وقرِّرْ عندهم أنه لا موادَّة بينك وبينهم، وإنما هو الإسلام أو السيف. وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ غلبوا في الجهاد أو غلبوا ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ جهنم. وقال القشيريُّ ﵀: المجاهدةُ أولُها باللسان، بشرحِ البرهان وإيضاحِ الحجج والبيان، ثم إنْ حصل من العدوِّ جحدٌ بعد إزاحة العذر فالوعيدُ والزجر بالإعلان، فإن لم يَنجَعِ الكلام ولم يَنفعِ المَلام فالقتالُ والحِراب بالسَّيف والسِّنان (٤).

стр. 3632

(٧٤) - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾: وهذا ينتظِمُ لِمَا سبق من ذكر مقابحِ المنافقين وطعنِهم في الرسول وفي الدِّين. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْر﴾: هي كلُّ لفظةٍ ترجع إلى الطعن في الدِّين أو في الرسول، وقد بينَّا بعضها. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾: أي: حكَم لهم بالكفر بهذه اللفظة بعدما حكَم بإسلامهم بظاهر إقرارهم، واختلفت الروايات في هذا القائل: قال عروةُ وابن إسحاقَ ومجاهدٌ: هو الجُلَاس بن سُوَيدِ بنِ الصامت، وقد بينَّا قصتَه في الآيات المتقدمة، ومقالتَه: إن كان ما (١) جاء به محمد حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: هذه الكلمة ليست بكفر إلا إن ثبت معها زيادة عليها هي كفر. وقال قتادة: هو عبد اللَّه بنُ أبيٍّ ابنُ سَلولَ حين قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٣).

стр. 3633

وقال الإمام أبو منصور ﵀: ذكَر هذا القولَ أيضًا، وحكى عنه أنه قال: واللَّه ما مَثَلُنا ومَثَلُ محمدٍ إلا كما قال القائل: سمِّنْ كلبَك يأكُلْك. قال: ويُشبه أن يكون هذا متَّصلًا بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، وكانوا يستهزئون باللَّه وآياته ورسوله، وهو كفر، أو قالوا قولَ كفرٍ لم يبين اللَّه لنا ذلك، فلا نفسِّره أنهم ماذا قالوا لمَّا ليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة (١). وقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قال مجاهد: هو همُّ عبد اللَّه بن أبيٍّ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٢). وقال مجاهد في روايةٍ: هو همُّ الجلاس بقتلِ مَن أنكر عليه قولَه: إن كان ما يقول محمد حقًّا لنحن شرٌّ من الحمير، على ما روينا (٣). وقال الكلبي: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ يعني: المنافقين ليلةَ العقبة، همُّوا بقتل النبيِّ ﵇ في غزوة تبوك: عبد اللَّه بن أبيٍّ، وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سَرْحٍ القرشي، وطعمةُ بن أُبَيْرِقٍ، والجُلاس بن سُويدٍ، ومجمِّع بن جارية، وأبو عامر بن النعمان، وأبو الأخوص (٤)، وكانوا خمسة عشر رجلًا.

стр. 3634

وقال ابن كيسان: لمَّا رجع رسول اللَّه ﷺ من غزوة تبوك وقف له على العقبة اثنا عشر رجلًا من المنافقين ليفتِكوا به إذا علَاها ومعهم رجلٌ مسلم، فأخبر جبريل النبي ﵇ بما قدَّروا وتنكَّروا له في ليلةٍ مظلمة، فأمر جبريلُ رسولَ اللَّه ﷺ أن يرسل عليهم (١) مَن يضرب وجوهَ رواحلهم، وعمارُ بن ياسر يقود برسول اللَّه ﷺ وحذيفةُ يسوق به، فقال لحذيفة: "اضْرِبْ وجوهَ رواحِلهم"، فضرب بها حتى نحَّاهم، فلما نزل قال لحذيفة: "مَن عرفتَ من القوم؟ " قال: لم أعرف منهم أحدًا، غير أني عرفتُ جمل فلانٍ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنهم فلانٌ وفلانٌ" حتى عدَّهم كلَّهم، فقال حذيفة: ألا تبعثُ إليهم فيأتوك؟ قال: "أكرهُ أن يقول العرب لمَّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيناهم اللَّه بالدُّبيلة" قيل: يا رسول اللَّه، وما الدُّبيلة؟ قال: "شهابٌ من نارِ جهنم يضعُه على نيَاط فؤاد أحدهم حتى تَزهَق نَفْسُه" (٢). النياط: عرقٌ متعلِّق بالقلب إذا انقطع مات صاحبه (٣).

стр. 3635

وقال أبو رَوْقٍ: ذكروا أن اثني عشر رجلًا من المنافقين أتوا رسول اللَّه ﷺ وهو في بيته ليفتكوا به، فأتاه جبريل فعرَّفه إياهم حتى عرَفهم وأخبرَ بقصتهم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن اثني عشر رجلًا من المنافقين ائتمَروا بأمر لم ينالوه، فلْيقوموا ولْيستغفروا فأستغفرَ لهم" فلم يقوموا فقال: "قم يا فلان قم يا فلان"، حتى أتى على آخرهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، نستغفرُ اللَّه ونتوبُ إليه مما كنَّا عليه من الكفر، فقال: "الآن ولم تُجيبوني (١)؟! اخرجوا عني" فخرجوا مفتضَحين، فنزلت فيهم: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أي: ما عابوا. وقيل: أي: ما طعنوا. ومعناه: أي: ليس للمؤمنين عندهم ذنبٌ يَعيبونهم به ويغتاظون به عليهم إلا أنْ أغناهم اللَّه من فضله (٣) بالغنائم والصدقات، ورسولُه كان سببًا لذلك وموصِلًا إليهم، وهذا ليس مما يُنقم به. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾: أي: إنْ يُخْلِص هؤلاء المنافقون فهو خيرٌ لهم في الدنيا والآخرةِ؛ لنجاتهم من العقاب ووصولِهم إلى الثواب في العُقبى، وأمنِهم وعزِّهم وحُسنِ ذكرِهم في الدنيا.

стр. 3636

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾: أي: عن التوبة عن النفاق (١) ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ باللعن وهتك السِّتر والجلاء والسَّبي والقتل ﴿وَ﴾ في (٢) ﴿الْآخِرَةِ﴾ بعذابِ النار أبدًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾: أي: في الدنيا ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: أي: مَن يتولَّى الذبَّ عنهم إذا نزل عذابُ الدنيا، ولا مَن ينصرُهم فيمنعُ اللَّه عن تعذيبهم، ولم يذكر الآخرة لأن الملكَ يومئذ للَّه فلا وليَّ ولا نصير يومئذ لأحد، فأما في الدنيا فقد يكون للإنسان وليٌّ ونصير، وهؤلاء ليس لهم في الدنيا ذلك. وقيل: أي: ما لهم مَن يوالونهم ويتعصَّبون لهم، ولا مِن أعوانهم والقائمين بنصرتهم في هذه الدنيا مَن يصرفُ عنهم العذاب في العُقبى. وقال ابن عباس ﵄: ولمَّا نزل ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ قام الجلاس فقال: أسمع اللَّه يَعْرِض عليَّ التوبة، واللَّه لقد قلتُ هذا، وإن الذي أخبر عني لصادقٌ، فتاب وحسُنت توبته (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: تمنَّوا زوال دولة الإسلام، فأبى اللَّه إلا إعلاءَ أمرِها على الدوام. ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾؛ أي: وما عابوهم إلا بما هو أجلُّ الخصال، فلم يحصلوا إلا على الخزي والنكال.

стр. 3637

وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [وأقوى أركانِ] التوبة: حلُّ عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيامُ بكلِّ حقوق الرب (١). * * * (٧٥) - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: أي: ومن هؤلاء المنافقين مَن عاهد اللَّه، هو ثعلبةُ بن حاطب، وقد كتبنا هذه القصة في أمالي بعض (٢) مشايخنا ببخارى مسندًا عن أبي أمامة الباهلي ﵁: أن ثعلبة بن حاطب ﵁ قال لرسول اللَّه ﷺ : ادع اللَّه أن يرزقني مالًا، فقال النبي ﷺ : "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدِّي شكره خير من كثيرٍ لا تُطِيقه"، ثم قال له مرةً أخرى، فقال له: "ألَا ترضَى أن تكونَ مثلَ نبيِّ اللَّه؟ فوالذي نفسي بيده لو شئتُ أن تسير معي الجبال ذهبًا وفضةً لسارت" فقال: والذي بعثك بالحق نبيًّا لو دعوتَ اللَّه أنْ يرزقني مالًا لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فقال النبيُّ ﷺ : "اللهمَّ ارزقه مالًا". فاتَّخذ غنمًا فنَمَتْ كما ينمو الدودُ، فضاقت عليه المدينة فتنحَّى عنها فنزل واديًا من أوديتها، ثم جعل يصلي الظهرَ والعصر بجماعةٍ ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحَّى (٣) حتى ترك الصلوات إلا الجمعةَ، وهي تنمو كما ينمو الدود، حتى ترك الجمعة، فطفِقَ يتلقى الركبان يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار، فسأل رسولُ اللَّه ﷺ : "ما فعل ثعلبة" قالوا: يا رسول اللَّه، اتَّخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة، وأخبروه

стр. 3638

بأمره، فقال النبي ﵇: "يا ويحَ ثعلبةَ يا ويحَ ثعلبة" فأنزل اللَّه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَ﴾ وأنزلَ عليه فرائضَ الصدقة، فبعث النبيُّ ﷺ رجلين على الصدقة وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة وأسنانَ الإبل، وأمرهما أن يخرجا ويأخذا الصدقاتِ من المسلمين، وقال لهما: "مُرَّا بثعلبة وبفلانٍ من بني سليمٍ فخُذا منهما الصدقة"، فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة فأقرآه كتاب رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ما هذه إلا جزيةٌ، ما هذه إلا أختُ الجزية، ما أدري ما هذا؟! انطلِقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا. وسمع بهما السُّلمي، فنظر إلى خِيَار أسنان إبله فعزلها (١) للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ منك هذا، قال: بلى خذوه فإن نفسي بذلك طيِّبة، وإنما هي لي، فأخذوها منه، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرَّا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا أختُ الجزية! فانطلِقا حتى أرى رأيي. فانطلقا حتى أتيا رسول اللَّه ﷺ ، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يتكلَّما ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلميُّ، فأنزل اللَّه تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآيات، وعند رسول اللَّه ﷺ ناسٌ (٢) من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويلك يا ثعلبة، قد أنزل اللَّه فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى رسول اللَّه ﷺ ، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال ﵇: "إنَّ اللَّه قد منعني أن أقبل منك صدقتك" فجعل يَحثي على رأسه التراب، فقال له رسول اللَّه ﷺ : "هذا عملُك، قد أمرتُك فلم تُطِعني" فلما أبَى أن يقبل منه شيئًا رجع إلى منزله.

стр. 3639

وقُبض رسول اللَّه ﷺ ولم يَقبل منه شيئًا، حتى أتى أبا بكر حين استُخلف فقال: قد علمتَ منزلتي من رسول اللَّه ﷺ وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول اللَّه ﷺ وأنا أقبلها؟! فقُبض أبو بكر ﵁ ولم يقبلها. فلما ولي عمر ﵁ أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول اللَّه ﷺ ولا أبو بكر وأنا أقبلها؟! فقبض عمر ولم يقبلها منه. ثم ولي عثمان ﵁ أتاه يسأله أن يقبل صدقته، فقال: لم يقبلها رسول اللَّه ﷺ ولا أبو بكر وعمر وأنا أقبلها منك؟! فلم يقبلها منه عثمان، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان ﵁ (١). وذكروا أن ثعلبة قبل سؤال المال وحدوث هذا الحال كان ملازمًا لمسجد رسول اللَّه ﷺ ليلًا ونهارًا، وكان يلقب بذلك: حمامةَ المسجد، وكانت جبهتُه صارت كرُكْبةِ البعير لكثرة سجوده على الأرض -وقيل: على الحجارة المحمَّاة بالشمس- وجعل يخرج كلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من الفجر بالجماعة من غير لبثٍ واشتغالٍ بدعاء أيامًا، فقال له ﵇: "مالك صرت تعمل أعمال المنافقين من تعجيل الخروج بعد الجماعة؟ "، فقال: يا رسول اللَّه، إني في غاية الفقر والفاقة، ولي ولامرأتي ثوبٌ واحد وهو الذي عليَّ، فأنا أصلِّي فيه هاهنا وهي عريانةٌ في البيت، ثم أعود إليها فأنزعه وهي تلبسه فتصلي فيه، فسَلِ اللَّه أن يوسِّع عليها، ثم القصة على ما سقناها (٢).

стр. 3640

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: وسَّع علينا المالَ ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾؛ أي: لنتصدَّقن، أُدغمت التاء في الصاد وشُدِّدت؛ أي: لنصرفنَّ (١) في وجوه الخير من الجهاد وغيره ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِين﴾. قيل: مِثْلَ عثمان بنِ عفان وعبدِ الرحمن بن عوف في البذل والسخاء. * * * (٧٦) - ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: ووسَّع اللَّه عليهم الدنيا ﴿بَخِلُوا بِه﴾؛ أي: بالفضل، فمنعوا حقوقه ﴿وَتَوَلَّوْا﴾؛ أي: عن طاعة اللَّه وطاعة رسوله في أداء حقوق الأموال ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: عن الإسلام وأحكامه. * * * (٧٧) - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾: قال مجاهدة فأعقبهم اللَّهُ نفاقًا (٢)؛ أي: جعل عاقبةَ ذلك نفاقًا. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: ترديدًا واضطرابًا في العقيدة، وشكًّا في الإسلام، وهذا من اللَّه تعالى جزاءٌ لهم على بخلهم. وقال الإمام أبو منصور ﵀: ويحتمِل: فأَعقبهم دوامًا على نفاقهم (٣)،

стр. 3641

فقد (١) قيل: كانوا منافقين فخذلهم اللَّه وتركهم في ضلالهم لاختيارهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾: أي: إلى يوم القيامة، وهو لتأبيدِ نفاقهم، فمَن بقي منافقًا إلى يومِ القيامة لم يثبت له حكمُ الإسلام أبدًا. ثم هو حجة لنا في مسألةِ خَلْق الأفعال، ومسألة (٢) الأصلح. وقال الحسن: فأَعقبهم بخلُهم نفاقًا (٣)؛ أي: صار سببًا لذلك، وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾؛ أي: يرون بخلَهم؛ كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: فوَعْدُهم: عهدُهم المذكور في أول الآية، وكذبُهم: قولُهم: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ودلَّ على أنَّ مَن قال: لأفعلنَّ كذا، وهو ينوي ألا يفعله كان كاذبًا. وقال النبيُّ ﷺ : "ثلاثٌ من علامات المنافق (٤): إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أَخْلَف، وإذا اؤتُمن خان" (٥)، ومعناه: إذا استحلَّ ذلك، أو كانت هذه الأشياء في الدِّين لا في معاملة الخَلق. وذكر محمد بن جرير في "تفسيره" عن معبد بن ثابت أنه قال في هذه الآية: إنما هو شيء نوَوْه في أنفسهم ولم يتكلَّموا به يدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله تعالى:

стр. 3642

(٧٨) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١): استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: يعلم ما أَسرُّوه في أنفسهم يومَ عاهدوه وما يتناجَونه فيما بينهم مما لا يَشْرَكُهم في العلم به غيرُهم من الطعن على شرائع الإسلام من الصدقات ووجوهِ الطاعات، وهو علَّامُ الغيوب لا يخفى عليه من الغائبات شيءٌ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: من الغائبات عن الخَلق، ولا يَغيب عن اللَّه تعالى شيء (٢). * * * (٧٩) - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾: أي: هم الذين يَعيبون المتطوِّعين، أُدغمت التاء في الطاء وشدِّدت، وقوله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المخلِصين في الصدقات الزائدة على الزكَوات اللازمة، فيقولون: يراؤون بما يفعلون. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: أي: ويَعيبون الفقراء الذين يأتُون بما لا يَفي حالهم بأكثرَ منه، والجُهْد بالضم: الطاقة، والجَهْد بالفتح: المشقَّة (٣).

стр. 3643

وقال الشعبيُّ: الجَهد بالفتح: في العمل، والجُهد بالضم: في القوت (١). وقيل: هما لغتان كالضَّعف والضُّعف، والكَرْه والكُرْه، وهما الحملُ على النفس بما يشقُّ عليها. وقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُم﴾: أي: يَهْزَؤون. وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾: أي: جزاهم (٢) جزاءَ سُخريتهم، وقد بينَّا نظائره في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله تعالى ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة. وقال الكلبي: قال النبيُّ ﷺ : "اجمعوا صدقاتكم"، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلافِ درهم، وقال: قد كان لي ثمانيةُ آلافِ درهم، فأقرضتُ ربِّي أربعةَ آلافٍ وأمسكتُ لنفسي أربعةَ آلاف، فقال ﵇: "بارك اللَّهُ لك فيما أَعطيتَ وفيما أمسكتَ"، ثم جاء عمر بنحو ذلك، وجاء عاصم بن عديٍّ بسبعين وسقًا من تمر -وفي رواية: بمئة وسقٍ-، فلمَزه المنافقون وقالوا: ما أعطاه إلا رياءً، وجاء أبو عقيلٍ بصاعٍ من تمر، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يضعه فوق الصدقات، فلمزه المنافقون وقالوا: كان اللَّه غنيًّا عن صاع أبي عقيل، ولكنه أحبَّ أن يذكِّر نفسه ليعطى من الصدقة (٣).

стр. 3644

وقال مقاتل: الذين يلمزونهم هم معتِّبُ بن قُشير وحَكيم بن زيد (١) وقال عطاء: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: سهل بن رافع (٢). وقيل: هو أبو خيثمة. وفي رواية: قال لعبد الرحمن: "أكثرتَ يا عبد الرحمن، هلا تركتَ لأهلك شيئًا" قال: تركتُ لهم شطرَ مالي، فدعا له بما روينا (٣). * * * (٨٠) - ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: قال عامةُ المفسرين: لمَّا مات عبد اللَّه بن أبيٍّ أراد رسول اللَّه ﷺ أن يصلِّي عليه، فأخذ عمر بثوبه فقال: ما أمرك اللَّه بهذا؛ قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فقال: "قد خيَّرني ربي" فقال عمر ﵁: إنه قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال: "أَزيد على السبعين فعسى اللَّه ان يغفر لهم" فأنزل اللَّه عند ذلك ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (٤)، ولكن هذا

стр. 3645

يَبْعُد، أن يفهم رسول اللَّه ﵇ التخييرَ وعمرُ يمنعه عن ذلك، ولا يجوز أن يفهم التخيير من ذلك، أو يخرج ذلك على التحديد، أو تكون هذه منسوخةً بالآية التي في المنافقين لأنه وعيدٌ والوعيد لا يحتمِلُ النسخ. والوجه فيه واللَّه أعلم: إن استغفرتَ لهم فإن استغفارك ليس بالذي يردُّ ولا يجاب، لكنهم كفروا باللَّه ورسوله، وقد تعلم من حُكمي أني لا أغفر لمن مات على ذلك، فخرج ذلك على الاعتذار لرسول اللَّه ﷺ في ذلك، والنهيِ (١) له عن الاستغفار؛ كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، وقد علم هو كفرَ المنافقين؛ إذ لا يُحتمَل أن يكون ذلك قبل أن يطَّلع رسول اللَّه ﷺ على كفرهم (٢). وقال غيره: قوله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُم﴾ ليس بأمرٍ، وقوله: ﴿أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ليس بنهي، ﴿أَو﴾ ليس بتخييرٍ، بل هو تسويةٌ بين الفعلين: أنه لا يقع به المغفرة،
следующие страницы →