← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

فقد (١) قيل: كانوا منافقين فخذلهم اللَّه وتركهم في ضلالهم لاختيارهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾: أي: إلى يوم القيامة، وهو لتأبيدِ نفاقهم، فمَن بقي منافقًا إلى يومِ القيامة لم يثبت له حكمُ الإسلام أبدًا. ثم هو حجة لنا في مسألةِ خَلْق الأفعال، ومسألة (٢) الأصلح. وقال الحسن: فأَعقبهم بخلُهم نفاقًا (٣)؛ أي: صار سببًا لذلك، وقوله: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾؛ أي: يرون بخلَهم؛ كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾: فوَعْدُهم: عهدُهم المذكور في أول الآية، وكذبُهم: قولُهم: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ودلَّ على أنَّ مَن قال: لأفعلنَّ كذا، وهو ينوي ألا يفعله كان كاذبًا. وقال النبيُّ ﷺ : "ثلاثٌ من علامات المنافق (٤): إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أَخْلَف، وإذا اؤتُمن خان" (٥)، ومعناه: إذا استحلَّ ذلك، أو كانت هذه الأشياء في الدِّين لا في معاملة الخَلق. وذكر محمد بن جرير في "تفسيره" عن معبد بن ثابت أنه قال في هذه الآية: إنما هو شيء نوَوْه في أنفسهم ولم يتكلَّموا به يدلُّ عليه ما بعده، وهو قوله تعالى:

стр. 3642

(٧٨) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (١): استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: يعلم ما أَسرُّوه في أنفسهم يومَ عاهدوه وما يتناجَونه فيما بينهم مما لا يَشْرَكُهم في العلم به غيرُهم من الطعن على شرائع الإسلام من الصدقات ووجوهِ الطاعات، وهو علَّامُ الغيوب لا يخفى عليه من الغائبات شيءٌ. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: من الغائبات عن الخَلق، ولا يَغيب عن اللَّه تعالى شيء (٢). * * * (٧٩) - ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾: أي: هم الذين يَعيبون المتطوِّعين، أُدغمت التاء في الطاء وشدِّدت، وقوله ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: من المخلِصين في الصدقات الزائدة على الزكَوات اللازمة، فيقولون: يراؤون بما يفعلون. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: أي: ويَعيبون الفقراء الذين يأتُون بما لا يَفي حالهم بأكثرَ منه، والجُهْد بالضم: الطاقة، والجَهْد بالفتح: المشقَّة (٣).

стр. 3643

وقال الشعبيُّ: الجَهد بالفتح: في العمل، والجُهد بالضم: في القوت (١). وقيل: هما لغتان كالضَّعف والضُّعف، والكَرْه والكُرْه، وهما الحملُ على النفس بما يشقُّ عليها. وقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُم﴾: أي: يَهْزَؤون. وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾: أي: جزاهم (٢) جزاءَ سُخريتهم، وقد بينَّا نظائره في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، وقوله تعالى ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: في الدنيا والآخرة. وقال الكلبي: قال النبيُّ ﷺ : "اجمعوا صدقاتكم"، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلافِ درهم، وقال: قد كان لي ثمانيةُ آلافِ درهم، فأقرضتُ ربِّي أربعةَ آلافٍ وأمسكتُ لنفسي أربعةَ آلاف، فقال ﵇: "بارك اللَّهُ لك فيما أَعطيتَ وفيما أمسكتَ"، ثم جاء عمر بنحو ذلك، وجاء عاصم بن عديٍّ بسبعين وسقًا من تمر -وفي رواية: بمئة وسقٍ-، فلمَزه المنافقون وقالوا: ما أعطاه إلا رياءً، وجاء أبو عقيلٍ بصاعٍ من تمر، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يضعه فوق الصدقات، فلمزه المنافقون وقالوا: كان اللَّه غنيًّا عن صاع أبي عقيل، ولكنه أحبَّ أن يذكِّر نفسه ليعطى من الصدقة (٣).

стр. 3644

وقال مقاتل: الذين يلمزونهم هم معتِّبُ بن قُشير وحَكيم بن زيد (١) وقال عطاء: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾: سهل بن رافع (٢). وقيل: هو أبو خيثمة. وفي رواية: قال لعبد الرحمن: "أكثرتَ يا عبد الرحمن، هلا تركتَ لأهلك شيئًا" قال: تركتُ لهم شطرَ مالي، فدعا له بما روينا (٣). * * * (٨٠) - ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: قال عامةُ المفسرين: لمَّا مات عبد اللَّه بن أبيٍّ أراد رسول اللَّه ﷺ أن يصلِّي عليه، فأخذ عمر بثوبه فقال: ما أمرك اللَّه بهذا؛ قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فقال: "قد خيَّرني ربي" فقال عمر ﵁: إنه قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قال: "أَزيد على السبعين فعسى اللَّه ان يغفر لهم" فأنزل اللَّه عند ذلك ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] (٤)، ولكن هذا

стр. 3645

يَبْعُد، أن يفهم رسول اللَّه ﵇ التخييرَ وعمرُ يمنعه عن ذلك، ولا يجوز أن يفهم التخيير من ذلك، أو يخرج ذلك على التحديد، أو تكون هذه منسوخةً بالآية التي في المنافقين لأنه وعيدٌ والوعيد لا يحتمِلُ النسخ. والوجه فيه واللَّه أعلم: إن استغفرتَ لهم فإن استغفارك ليس بالذي يردُّ ولا يجاب، لكنهم كفروا باللَّه ورسوله، وقد تعلم من حُكمي أني لا أغفر لمن مات على ذلك، فخرج ذلك على الاعتذار لرسول اللَّه ﷺ في ذلك، والنهيِ (١) له عن الاستغفار؛ كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣]، وقد علم هو كفرَ المنافقين؛ إذ لا يُحتمَل أن يكون ذلك قبل أن يطَّلع رسول اللَّه ﷺ على كفرهم (٢). وقال غيره: قوله : ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُم﴾ ليس بأمرٍ، وقوله: ﴿أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ليس بنهي، ﴿أَو﴾ ليس بتخييرٍ، بل هو تسويةٌ بين الفعلين: أنه لا يقع به المغفرة،

стр. 3646

وطريقُه طريقُ قول الرجل: اطلب مني هذا أو لا تطلب، فإن طلبت سبعين مرة فلَمْ أعطِكَ، هو بيانٌ أنه لا يقع في ذلك ولا أثر لذلك، والتقدير بالسبعين ليس يُقصَر عليه، بل هو بيانُ الكثرة والمبالغةُ فيها، فإن السبعين جمع السبع، وعلى السبع أكثر الأعداد: عددُ السماوات والأرضين، والأقاليمِ والبحارِ والأعضاء، وتاراتِ بني آدم وأرزاقهم (١)، والأيام السبعة، وأسباع القرآن، وأيام الدنيا، وغير ذلك، والجمع نهاية فيه، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وقوله: ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢]، وقولى النبي ﷺ "ما أصرَّ مَن استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٢). فمعناه: إنك وإن انتهيتَ في عدد الاستغفار لم ينفعهم ذلك. وقيل: كان يستغفر لهم بطلبهم وكانوا يسخرون بذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ الآية [الفتح: ١١]، ولذلك قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]؛ أي: سواء عندهم، فليس ذلك منهم على الجِدِّ والتحقيق. وقيل معناه: سواءٌ عند اللَّه في حقهم الاستغفارُ وتركُه؛ لِمَا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: أي: الخارجين عن الإيمان، ما داموا مختارين (٣) للكفر والطغيان. وقال القشيري ﵀: مَن غلبَتْه الشِّقوة لم تنفعه الشفاعةُ والدعوة، وصريعُ القدرة لا يُنعشه الجهد والحيلة (٤).

стр. 3647

(٨١) - ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾: المخلَّفون: الذين لم يخرجوا مع رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين إلى غزوة تبوك، ولتسميتهم بذلك معانٍ: أحدها: أن اللَّه تعالى خلَّفهم، وهم الذين ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾. والثاني: أن النبيَّ ﷺ لم يأذن لهم (١) بالخروج وتركهم. والثالث: أن النبيَّ ﷺ والمؤمنين لم يَعبؤوا بهم، ولا عَدُّوهم في جملةِ مَن يُتكثَّر بمثلهم في العسكر أو يُعتضَد بهم في رأيٍ ومشورةٍ لمَّا علموا بتثاقلهم عن الجهاد. وتسميتُهم بذلك على هذه الوجوه تهجينٌ (٢) لهم وسبٌّ وذمٌّ، وفي معناه يقول الأخطل يهجو قومًا: مخلَّفون ويقضي الناسُ أمرَهم (٣) وقوله تعالى: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ يجوزُ أن يكون مصدرًا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر﴾ [القدر: ٥]؛ أي: بقعودهم، ويجوز أن يكون موضعًا ومعناه: فرحوا بالمدينة وبمنازلهم وحوائطهم لِمَا نالوا من الدَّعة والراحة. وقوله تعالى: ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾؛ أي: على مخالفته (٤) بمعنى المصدر.

стр. 3648

وقيل: أي: خَلْف رسول اللَّه ﷺ ، وهو كقوله : ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] وقرئ: ﴿خِلَافَكَ﴾، على المعنيين. وقوله تعالى: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: استَثقلوا ذلك لكفرهم. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾: أي: قال بعضهم لبعضٍ -وقيل: قالوا للمؤمنين-: لا تخرجوا للغزو، فإنه وقع في شدة حرٍّ لا يؤمَن معها قلةُ المياه وكَلالُ الظهور والضعفُ عن المشي، فعاب اللَّه هذا من قولهم وهدَّدهم عليه بالنار، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾: أي: أخبِرهم يا محمدُ أن لهم على تخلُّفهم وتثبيطهم غيرَهم نارَ جهنم إليها مصيرُهم، وتأذِّيهم بحرِّها أشدُّ من تأذِّيهم بحرِّ الشمس والهواء. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: لو تدبَّروا وتفكَّروا كما يفعل ذلك مَن فَهِم وفَقِه، ولو فَقِهوا وفهموا (١) لاحتملوا قليل التعب والأذى في طاعة اللَّه ليُفضيَ بهم ذلك إلى النعيم المقيم. وقال ابن عباس ﵄: ضرب النبيُّ ﷺ عسكره على ثنية الوداع، وضرب عبد اللَّه بن أبيِّ عسكره أسفلَ من الثنية، وكان أعظمَ العسكرين، فلما سار رسول اللَّه ﷺ فتخلف عبد اللَّه فيمَن تخلَّف من المنافقين وأهل الريب، فنزلت الآية (٢).

стр. 3649

وقال مقاتل: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾؛ أي: رضي المخلفون ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾: بقعودهم عن غزوة تبوك ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ وهم بضعةٌ وثمانون رجلًا، فمنهم مَن اعتلَّ بشدة الحر، ومنهم مَن اعتلَّ بالعسرة ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ وقال بعضهم لبعض: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ مع محمد، نزلت في سبعة منهم أبو لبابةَ وأصحابه، فإن (١) الحر شديد والسفر بعيد ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾؛ أي: يعلمون (٢). * * * (٨٢) - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾: أمرٌ (٣) بمعنى التهديد؛ كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ومعناه: يضحكون على فرحهم بتخلُّفهم، وهذا في الدنيا قليل ثم يكون في الآخرة بكاءً كثيرًا دائمًا لا ينقطع. قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: من الكفر والنفاق والمعاصي. * * * (٨٣) - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾: أي: رجعك (٤) اللَّه من غزوةِ تبوك إلى المدينة، وقد بقي من المنافقين طائفةٌ وهلكت طائفةٌ.

стр. 3650

وقيل تخصيص طائفةٍ منهم تخصيصُ رؤسائهم. وقد روى شعبة عن قتادة أنهم كانوا اثني عشر رجلًا (١). وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾: أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾؛ أي: فامنعهم عن الخروج معك للقتال، عاقِبْهم بأنْ لا تستصحِبَهم (٢) استخفافًا بهم، ودلالةً على سقوط محلِّهم والاستغناء في الأمور عنهم. وقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فلم تخرجوا إلى تبوك ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قال الحسن وقتادة: أي: مع النسوان والصبيان (٣). وقال ابن عباس ﵄: أي: مع مَن تخلَّف من المنافقين بغيرِ عذرٍ (٤). وقيل: مع مَن تخلَّف عن الجهاد بعذرٍ من العميان والزَّمْنى. وقيل: مع أهل الفساد، من قولهم: خَلَف فوهُ خُلوفًا: إذا تغيَّر إلى الفساد. وقال القشيري ﵀: يقول: لا تنخدعْ لتملُّقهم، ولا تَثِقْ بقولهم، ولا تمكِّنْهم من صحبتك فيما يظهرونه من الوفاق، بعد ما ظهر وتقرَّر منهم الكذب والنفاق، وإذا انقطع سلكُ العهد لم يحتمل الشدّ، وإذا اتَّسع الخرقُ لم ينفع بعده الرقع (٥).

стр. 3651

(٨٤) - ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾: هذه فضيحةٌ لهم بعد الوفاة، وما ذُكر قبلها خزيٌ لهم في حالة الحياة. وقال قتادة: دخل رسول اللَّه ﵇ على عبد اللَّه بن أبيٍّ ابنِ سلولَ في مرض موته وكان دعاه (١)، فسأله أن يصليَ عليه ويقومَ على قبره ويكفنَه في قميصه، ففعل ذلك، فنزلت الآية (٢). وعن عمر ﵁ أنه قال: لمَّا توفي عبد اللَّه بن أبيٍّ ووضعناه ليصلَّى عليه، قام رسول اللَّه ﵇، فقلت: أتصلي على عدوِّ اللَّه، القائلِ يوم كذا: كذا، والقائل يوم كذا: كذا، وعدَّدتُ أيامه الخبيثة، فتبسم رسول اللَّه ﵇ وصلَّى عليه، ثم مشى معه وقام على حفرته حتى دُفن وانصرف، فواللَّه ما لبث إلا يسيرًا حتى نزل: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ الآية، فما صلى رسول اللَّه ﵇ على منافقٍ أبدًا ولا قام على قبره (٣). وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديره: ولا تصلِّ أبدًا على أحدٍ منهم مات ولا تَقُمْ على قبره. قيل: هو نفسُ القيام وهو نوعُ إكرام. وقيل: هو القيامُ بأسباب دفنه ومواراته (٤).

стр. 3652

وفي "التأويلات" أنه قيل: يا رسول اللَّه! تُلبِسُ عدوَّ اللَّه قميصك، قال: إني لأرجو أن يُسلم بقميصي ألفٌ من بني الخزرج (١)، وكان كذلك (٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾: أي: قد كفروا وأصرُّوا وعليه ماتوا، فليسوا أهلًا في إجلالك. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ أي: مُعلِنون للمعاصي. وقال القشيريُّ ﵀: يقول: ليس بعد التبرِّي تولِّي، ولا بعد الفراق وِفاق، ولا بعد الحَجْبة قُربة (٣). * * * (٨٥) - ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. قوله تعالى ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: فسَّرنا الآية مرةً، ومعنى التكرير: المبالغةُ في التأكيد والتقرير، أو لأن كلَّ آيةٍ في فرقةٍ غيرِ الأخرى. ومعنى اتصالها بالأولى: أَمْضِ في المنافقين هذه الأحكامَ ولا يَهولنَّك ما يتكثَّرون به من الأموال والأولاد.

стр. 3653

وقال الإمام القشيري ﵀: ولا تحسبنَّ أن تمكين أهل النفاق من تنفيذِ مرادهم وتكثيرِ أموالهم وأولادهم إسداءُ معروف منا إليهم، وإسباغُ إنعامٍ من لدُنَّا عليهم، إنما ذلك مكرٌ بهم واستدراجٌ لهم، وإمهالٌ لا إهمال، وسيلقون (١) غبَّه عن قريب (٢). * * * (٨٦) - ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾. قوله تعالى ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾: هو الأمر بابتداء الإيمان في حقِّ الكافرين، وبالدوام على الإيمان في حقِّ المؤمنين، وأمرٌ بالإخلاص في حق المنافقين. قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾: أي: جاهدوا الكفار مبايِعينَ (٣) لرسوله. قوله تعالى: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾: قال ابن عباس ﵄ ومقاتل والحسن: أي: أولو الغنى (٤). وقال ابن كيسان: وهو الكثيرُ المنظور إليهم (٥). وقيل: الطَّول: العُدَّة التي يُتمكَّن بها من مطاولة الأعداء. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾: أي: دعنا (٦) نقعدْ مع المتخلِّفين.

стр. 3654

(٨٧) - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾: أي: النساءِ المتخلِّفات، والفواعل (١) جمع الإناث. وقيل: معناه: مع الخِسَاس، من قولهم: فلانٌ خالفةُ أهله، إذا كان دونهم في أسباب الفضل، وهذا تعييرٌ لهم وذمٌّ. قوله تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أي: خُتم عليها فخُذلوا لاختيارهم الكفر والنفاق. قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾: قيل: لا يعلمون. قال الضحاك: أي: لا يقبلون أمر اللَّه (٢)، وهذا كقوله: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]؛ أي: لا نقبل. قال الإمام أبو منصور: الفقه: معرفةُ الشيء بمعناه الدالِّ على نظيرِه، ومنَعَهم الطبعُ أن يعرفوا الأشياء (٣) بمعانيها ونظائرها للحجاب الذي وقع، فإن الإيمان نورٌ تبصَر به عواقبُ الأمور، وتُرفع السُّتور عن القلوب، والكفرُ ظلمةٌ تَستر ذلك (٤). وقال الإمام القشيري ﵀: تعلَّل أولو السَّعة وركَنوا إلى اختيار الدَّعة، وقعدوا عن بساط العبادة، ورضُوا بالتعريج في ميدان التفرقة، ولو أنهم رجعوا إلى اللَّه بصدق النَّدم لقابلهم بالفضل والكرم، ولكن القضاء غالبٌ والتكلُّفَ ساقط (٥). * * *

стр. 3655

(٨٨) - ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾: وهو صفةُ الرسول ﵊ والمخلِصين الذين معه، بخلافِ صفة أولئك المنافقين. قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾: أي (١): المنافعُ والمحاسن في الدارين: من الأمن، والثناء الحسن، والصحبةِ مع رسول اللَّه ﷺ في المغازي وإصابة المغنم، وصلاةِ النبيِّ ﵇ عليهم، والقيام على قبورهم، وفي الآخرة بالكرامات الموعودة في الجنة. قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: الفائزون بكلِّ مطلوب والبالغون في أنفسهم وأعدائهم كلَّ مأمول. * * * (٨٩) - ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: وهذا ظاهر. * * * (٩٠) - ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾: يقال: اعتَذرْتُ إلى

стр. 3656

فلان؛ أي: تكلَّمت بالعذر، فعذرني -بالتخفيف- أي: قَبِل عذري، وأَعْذرْتُ (١) إليه؛ أي: أقصتُ العذرَ الصحيح على أمري، وعذَّرتُ -بالتشديد- أي: أتيتُ بما هو صورةُ العذر ولا عذرَ لي فيه حقيقةً. والآية قرئت بقراءتين: بالتخفيف وهي قراءةُ ابن عباس (٢)، وبالتشديد وهي قراءة سائر الناس. وبالتخفيف إخبارٌ عن قوم أتوا بالعذر الصحيح فعُذِروا، وبالتشديد إخبارٌ عن أعراب تكلَّموا بالعذر ولا عذر لهم فلم يُعذَروا، وفي الآية ذمٌّ لهم. وجملتُه: أن نزول السورة في الجهاد، وصار الناس على أصناف: منافقو أهل المدينة: وقد ذكرهم في قوله: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾. والمخلصون: وذكرهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾. وأعراب أهل البادية مَن لهم عذر حقيقةً أو لا عذرَ لهم، وذكرهم اللَّه في قوله: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ من الأعراب على القراءتين. وآخرون من الأعراب تخلَّفوا من غيرِ استئذانٍ، وذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَه﴾؛ أي: أظهروا الإيمان باللَّه ورسوله وهم كافرون في الباطن، فقد كذَبوا بذلك اللَّه ورسولَه. وقيل إنهم بايعوا رسول اللَّه ﷺ على الجهاد ثم تخلَّفوا عن هذه الغزوة، فقد كذَبوا اللَّه ورسوله فيما قالوا في تلك البيعة.

стр. 3657

وقيل: لمَّا دعاهم رسول اللَّه ﷺ إلى هذه الغزوة قالوا: نستعدُّ (١) ونلحقُ بك، فلم يفعلوا فذلك كَذِبُهم. قوله تعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: في الدنيا والآخرة بكفرهم وكذبهم، ولم يقل: سيصيبهم، [ليدلَّ على أن من أهل النفاق مَن قد آمن، وأن مَن تاب يُقبل ذلك منه] (٢) [فيكون قوله]: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيةَ لمن مات منهم على الكفر ولم يخلص، دون مَن تاب وأخلص. وقوم آخرون (٣) من ضعفاء المسلمين لم يكن لهم عُدَّةٌ فجاؤوا واستعانوا، فذلك قوله تعالى: * * * (٩١) - ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾: فالضعفاء: هم الذين لا قوةَ لهم بسبب كبرِ سنٍّ أو زَمانةٍ أو عَرَجٍ أو عمًى. والمرضى: الذين بهم علةٌ يرجى زوالها إلا أنه في الحال لا طاقةَ بهم. والذين لا يجدون ما ينفقون: هم الفقراء. فهؤلاء لا حرج عليهم؛ أي: لم يضيِّق اللَّه تعالى عليهم بالقعود بل وسَّعه عليهم.

стр. 3658

قوله: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أي: لم يثبِّطوا غيرَهم من الموسِرين والأصحَّاءِ عن الخروج، ولم يوهِموهم أن قعودهم كان لجواز التخلُّف لكلِّ مَن أراده، بل بيَّنوا سبب تخلُّفهم، وحرضوا القادرين عليهم (١)، وقاموا بأسبابهم عند خروجهم وأسبابِ مَن خلَّفوهم بالمعونة. قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾: وهم هؤلاء ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: يغفر لهم تخلُّفهم، ويرحمُهم بإزالة الحرج عنهم. * * * (٩٢) - ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾: أي: ولا حرجَ أيضًا على الأصحاء (٢) الذين لا يستطيعون المشي ويحتاجون إلى المركب، وجاؤوك يا محمد وسألوك أن تعطيَهم مراكب تحملُهم عليها، وقد حمل الأمير فلانًا؛ أي: أعطاه مركبًا. قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾: أي: قد فرَّقت ما كان عندي على الناس فلم يبقَ شيء أهيِّئُ به مراكبكم. قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾: أي: انصرفوا من عندك وهم يبكون تأسُّفًا على فَوتِ صحبتك وتخلُّفِهم عنك، وهذه أمارةُ إخلاصهم وقعودهم بالعُذر، وشدةِ شوقهم إلى لقاء رسول اللَّه ﷺ وتحسُّرِهم على فَوت ثواب الجهاد.

стр. 3659

واختلفوا فيمَن نزلت فيهم هذه الآية: قال مجاهد: في نفرٍ من مُزينةَ (١)، وهم مَعْقلُ بنُ مقرِّنٍ والنعمانُ بن مقرِّن (٢). وقال مقاتل: نزلت في سبعة نفرٍ من جُهينةَ ومُزينةَ وبني عُذرةَ (٣): عمرو بن خيثمة (٤) من بني عمرو بن عوف، وعُلبة بن زيد أخو بني حارثة (٥)، وعمرو بن حزم من بني واقف (٦)، وسالم بن عمير وعبد الرحمن بن كعب وهو أبو ليلى من بني

стр. 3660

النجار، وعمرو بن خزيمة من بني سلمة، هؤلاء الستة هم من الأنصار، وعبد اللَّه بن المغفل المزني، أتوا النبي ﵇ فقالوا: احملنا فإنا لا نجد ما نخرج عليه، فقال: "لا أجد ما أحملُكم" فانصرفوا يبكون (١). وقال الحسن: نزلت في أبي موسى الأشعريِّ وأصحابه (٢). وقيل: هم معقل بن يسار، وصخر بن سلمان، وعبد اللَّه بن كعب، وسالم بن عمر، وثعلبة بن عثمة؛ كلهم من الأنصار، وعبد اللَّه بن المغفل وصخر بن خنساء. وقال قتادة: نزلت في عائذ بن عمرو وغيره (٣). قال أبو مسعود الأنصاري: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﵇ فقال: احملني، فقال: "ليس لي ما أحملُك، ائتِ فلانًا فإنه يحملك"، فأتاه فحمله، فأُخبر رسول اللَّه بذلك، فقال رسول اللَّه ﵇: "مَن دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرِ مَن عَمِله" (٤). وقال الحسن: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ هي في عبد اللَّه بن أم مكتوم وأصحابه (٥). * * *

стр. 3661

(٩٣) - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾: أي: سبيلُ اللوم والعتاب والعقاب ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾: ومعنى التكرير المبالغة في التقرير. وكذلك قوله: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. * * * (٩٤) - ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: أي: يعتذر إليك هؤلاء المنافقون المتخلِّفون إذا رجعتُم إلى المدينة التي فيها مساكنكم ومساكنهم. قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾: أي: لا تقبلوا عذرَهم وقولوا لهم: لا تتكلَّموا بالعذر ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾؛ أي: فإنَّا لا نصدِّقكم. قوله تعالى: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾: أي: قد عرَّفنا اللَّه (١) إضمارَكم عداوتَنا وكذبَكم في معاذيركم. وقوله تعالى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: إنْ عملتُم خيرًا وتبتُم إلى اللَّه مِن تخلُّفكم فسيرى اللَّه عملكم ورسولُه فيما تستأنِفون، ثم ترجعون ﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ

стр. 3662

وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: إلى جزاء اللَّه لا يخفى عليه شيءٌ، فيخبركم بما عملتُم ويَجزيكم على ذلك (١)، وهو كقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤]. * * * (٩٥) - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾: أي: إعراضَ صفحٍ ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾؛ أي: إعراضَ مقتٍ، وأظهِروا لهم الاستخفافَ بهم، وعرِّفوهم أن إقرارهم أوضعُ من أن يَصلحو الصحبة رسول اللَّه ﷺ والمؤمنين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾: أي: أنجاسٌ نجاسةَ كفرٍ ونفاق. وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: وإن لم تُجازِهم في الدنيا وصفَحْتَ عنهم. * * * (٩٦) - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾: أي: يلتمِس هؤلاء المنافقون المتخلِّفون بحَلِفهم أن يُرضوكم وتَطيبَ قلوبُكم لهم، فلا ترضَوا عنهم، وإنْ أعرضتَ عن عقوبتهم على تخلُّفهم،

стр. 3663

ولكن أبغِضوهم بقلوبكم ساخطين معاملاتهم إياكم (١)، فإن اللَّه لا يرضى عنهم لعلمه بكذبهم وفسقهم، ومأوى الفاسقين النار، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾ [السجدة: ٢٠]. قال الإمام القشيري ﵀: مَن كان مسخوطَ الحقِّ لا ينفعُه أن يكون مرضيَّ الخَلْق، وليست العبرةُ بقول غير اللَّه، إنما المدارُ على ما سبق من السعادة في حُكم اللَّه (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: سمى اللَّه الكفارَ والمنافقين فاسقين في آياتٍ وإن كان اسم الكافر والمنافق أبلغَ في الذمِّ من اسم الفاسق؛ لأن اسم الفاسق يأنَفُ منه كلُّ ذي دِينٍ، فإنه خروجٌ عما يَدِينُ به، فأخبر اللَّه تعالى أنهم مع تديُّنهم بالباطل فاسقون في معاملاتهم، خارجون عن دياناتهم، مستوجبون لمَذمَّاتهم. قال ابن عباس ﵄: نزلت في جدِّ بن قيس ومعتِّب بن قشيرٍ، وكانوا ثمانين رجلًا (٣). وقال مقاتل: نزلت في عبد اللَّه بن أبيٍّ لعنه اللَّه، وذلك أنه حلف للنبيِّ ﷺ باللَّه الذي لا إله إلا هو لا يتخلَّف عنه وليكوننَّ معه على عدوِّه، وطلب إلى النبي ﷺ أن يرضى عنه، فنزلت الآية (٤)، وحلف عبد اللَّه بن أبي سرحٍ لعمر بن الخطاب أن يرضى

стр. 3664

عنه فنزلت الآية، وقال النبيُّ ﷺ حين قدم المدينة "لا تجالسوهم ولا تكلِّموهم" (١). * * * (٩٧) - ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: يتصل بما سبق: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ٩٠]. أي: سكان البوادي إذا كانوا كفارًا أو منافقين فهم أشدُّ كفرًا ونفاقًا؛ لبعدهم عن رسول اللَّه ﷺ ، وغيبتهم عن مجالسته، وقلةِ ما يَرِدُ عليهم من مواعظ القرآن، فهم بذلك أحرى أن يَجهلوا حدود العبادات والشرائع المنزلة من اللَّه على رسوله. وقيل: الحدود: الأوامر والنواهي؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. وهو ﴿عَلِيمٌ﴾ بسرائر المؤمنين والكفارِ والمنافقين ﴿حَكِيمٌ﴾ في تعريف أوليائه ذلك ليميِّزوا بين الأولياء والأعداء، وحكيم أيضًا في كلِّ ما يأمر به في حقِّ كلِّ طبقة. قال ابن عباس ﵄: نزلت في أعاريبِ أسدٍ وغطفانَ ومَن حوالي المدينة منهم (٢). ﴿وَأَجْدَرُ﴾؛ أي: أحرى ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من فرائضه في كتابه.

стр. 3665

وقال الضحاك: هم أعرابُ بني أسدٍ وبني تميمٍ. وقال مقاتل: هم أعرابُ مُزينةَ (١). وقال ابن كيسان: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾ حجَجَ اللَّه وتوحيدِه وتثبيتِ رسالة رسوله (٢)؛ لأنَّهم لا ينظرون فيها ولا يعلمونها. وقال يمانُ بن رئابٍ: حدودُه: الحرام والحلال (٣). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يسرُّون ﴿حَكِيمٌ﴾ في احتجاجه. * * * (٩٨) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾: أي: ومن هؤلاء الأعراب من يَعُدُّ ما أنفق في نائبةٍ أو وجهِ بِرٍّ وصدقةٍ -كان النبيُّ ﷺ يبعث الناس عليها (٤) - أو في تجهيز غازٍ غرامةً، ولا يفعله حسبةً (٥)؛ لأنه لا يؤمن باللَّه ولا يصدِّق بالبعث والجزاء، ولا ينال به (٦) عوضًا في الدنيا، ولا يخاف عقوبةً في الإمساك. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾: أي: يَنتظر بكم الحوادث.

стр. 3666

قال يمان بن رئابٍ: أي: ينتظِر أن تنقلبَ الأمور عليكم فيموتَ الرسول ويظهرَ عليكم المشركون (١). وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾: أي: عليهم يدور البلاء والخزيُ، فلا يَرون في محمد ودِينه إلا ما يسوءهم. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ﴿دائرة السُّوء﴾ هو بضم السين والباقون بفتحها (٢). قال الكسائي: مَن ضمَّ السين أراد بالسوء البلاءَ والشدة وهو إضافة، ومَن فتح السين جعل السوء نعتًا للدائرة، فيكون كقولك: رجلُ سَوءٍ وامرأةُ سَوءٍ. قال الإمام القشيري ﵀: خبُثت عقائدهم فانتظروا للمسلمين ما تمنَّوه من حلول المحن بهم، فأبى اللَّه إلا أن يَحيق بهم مكرُهم، وقد قيل في المثل: إذا حفرْتَ لأخيك فوسِّع، فربما يكون ذلك مقيلَك (٣). ويقال: مَن نظر إلى ورائه لم يوفَّق في كثير من تدبيره ورأيه (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: أي: لمقالاتهم (٥) ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أي: بنيَّاتهم. * * * (٩٩) - ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 3667

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: أي: ومن هؤلاء الأعراب مَن يخالفُهم في الصفة، و ﴿مَن﴾ للجمع هاهنا لأنه جنس؛ أي: ليسوا بكفارٍ ولا منافقين، بل هم مؤمنون باللَّه واليوم الآخر مصدِّقون بالبعث والجزاء. وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾: أي: ينفقون في سبيل اللَّه ببعثِ رسول اللَّه ويرونه قربةً؛ أي: طاعةً مقرِّبةً إلى رحمة اللَّه، يرجع إليهم ثوابها، وينالون بها الدرجات في الآخرة، ويكتسبون (١) بها صلواتِ الرسول: وهو دعاؤه المتبرَّكُ به، واستغفارُه المرجوُّ إجابتُه. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾: أي: لهم (٢) ما نوَوا ورجَوا. وقوله تعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾: قال ابن عباس ﵄: أي: في جنته (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: أي: يغفر ذنوبهم ويكفِّرها بهذه النفقات، ويرحمهم ولا يجزيهم بالعقوبات. قال ابن عباس ﵄: هم مَن أسلَمَ مِن أعراب أسدٍ وجهينةَ وغِفارٍ وأَسْلَمَ (٤). وقال مجاهد: هم بنو مقرِّنٍ من مُزينة. قال القشيري ﵀: تنوَّعوا فمنهم مَن غشَّ فلم يربح، ومنهم مَن نصَح فلم

стр. 3668

يخسر، فأما الذين مذَقوا (١) فهم في مهواةِ هوانهم، وأما الذين صدَقوا فهم في رَوح إحسانهم (٢). * * * (١٠٠) - ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾: وانتظامها بما قبلها: أن اللَّه تعالى ذكر من أول السورة إلى هاهنا أقسامَ الكفار، وهم ثلاثة: أهل الشرك، وأهل الكتاب، وأهل النفاق (٣)، وقد ذكرهم على الترتيب إلى هاهنا، ثم ذكر أقسام المؤمنين وهم ثلاثة: المطيعون، والعاصون التائبون، والعاصون المصرون، أما المطيعون فهو قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ وهو ابتداءٌ وجوابه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ إلى آخر الآية. وقال الكلبي: هم الذين سبقوا إلى الإيمان والهجرة والجهاد والنصرة ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ هم الذين جاؤوا بعدهم وعملوا عملَهم إلى قيام الساعة. فعلى قوله: الآية تتناول جميع المهاجرين: وهم الذين هجروا أوطانهم بمكة ورحلوا مع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، وجميعَ الأنصار: وهم أهل المدينة سُمُّوا به للنصرة، والمهاجرون أيضًا نصروا رسول اللَّه ﷺ ، لكنَّ اختصاص (٤) أهل المدينة

стр. 3669

بهذا الاسم لِمَا أنهم نصروا رسول اللَّه ﷺ والمهاجرين معه لمَّا جاؤوهم، فآوَوهم ونصروهم، ثم اجتمعوا جميعًا على نصرة النبي ﵇ في الغزوات. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ليس للتبعيض على هذا القول بل للتجنيس. ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾: هم جميع متَّبِعيهم بالإحسان في كل عصر وزمان. والإحسان: قيل: هو الإخلاص؛ كما قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]. وقال النبيُّ ﷺ : "الإحسانُ أن تعبدَ اللَّه كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك" (١). وقيل: هو إحسان العمل. وقيل: هو الإحسان إلى الناس. وقيل: الآية خاصة في السابقين من جملتهم، و ﴿مِنَ﴾ للتبعيض واختلف في ذلك: قال ابن عباس ﵄: هم الذين صلَّوا إلى القبلتين وشهدوا بدرًا (٢). وقال الشعبي: مَن بايَعَ تحت الشجرة من الحديبيَة فهو من المهاجرين الأولين (٣).

стр. 3670

وقال عطاء: هم أهلُ العقبة السبعون (١). وقيل: هم السابقون من أهل كلِّ قبيلة إلى الإسلام وإلى العلم وإلى القرآن (٢) وإلى الشهادة. وقرأ الحسن وسلام ويعقوب: ﴿والأنصارُ﴾ بالرفع عطفًا على قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ (٣)، ويكون السبق صفةً للمهاجرين خاصة. وقراءة العامة بالخفض عطفًا على ﴿الْمُهَاجِرِينَ﴾ والسبقُ صفةٌ لهم جميعًا، سبق أولئك بالهجرة وسبق هؤلاء بالنصرة. وقرأ عمر بن الخطاب ﵁: (الذين اتبعوهم بإحسان) بغير واوٍ نعتًا لـ ﴿الأنصارِ﴾ هو بأنهم اتبعوا المهاجرين بإحسان. وروي عنه أنه سمع رجلًا يقرأ: ﴿وَالَّذِينَ﴾ بالواو فقال: مَن أقرأك هذا؟ قال: أبيُّ بن كعب، فسأل عنه أبيًّا، فقال: أقرأنيه رسول اللَّه ﷺ ، قال أبيٌّ ﵁: وتصديق ذلك في سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] (٤).

стр. 3671

وقال الحسن: قرأ عمر يومًا: (والأنصارِ الذين اتَّبعوهم بإحسان) وعنده أبيُّ بن كعب، فقال أبيٌّ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ يا أمير المؤمنين! فقال عمر (١): (الذين اتَّبعوهم بإحسان)، فقال أبي: واللَّه لأقرأنيها (٢) رسول اللَّه ﷺ مِن فيه إلى فيَّ وإنك تبيع القُرظ بالبقيع، فقال عمر: صدقتَ، ولئن شئتَ قلتَ: شهدنا وغبتُم ونَصرنا وخَذلتم وآوينا وطَردتم، وتابع عمرُ أبيًّا (٣). وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قرأ يومًا بغير واو، فقيل له: هاهنا واو، فقال: هذه الواو عندي خيرٌ من الدنيا وما فيها، يعني: ثبوتَ الشركة للمتأخِّرين في فضل المتقدمين (٤). وقال عطاءٌ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ يريد: الذين يذكُرون المهاجرين والأنصارَ بالخير والرحمة والدعاء (٥)، أشار إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].

стр. 3672

وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: هذا ظاهرُ التفسير. وقال الإمام أبو منصور ﵀: في الآية دلالةُ الرد على الروافض؛ لأنَّهم يجعلون أبا بكر وعمر وهؤلاء ظلمةً وعلى غير الحق بتوليةِ الإمارة والخلافة أبا بكر وعمر وعثمان = لأنه أخبر أن اللَّه تعالى راضٍ عنهم، فدلَّ أنهم كانوا على حقٍّ وصواب، وأن مَن وصفهم بالظلم والتعدِّي فهو الظالم والمتعدي. وفيه دلالةُ وجوبِ (١) تقليد الصحابة رضوان اللَّه عليهم والاقتداءِ بهم؛ لأنَّه مدح الذين ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ فدلَّ أنهم إذا أَخبروا بخبرٍ وقالوا قولًا يجب العمل به ولا يسعُ تركه (٢). وقال الإمام القشيري ﵀: السابقون مختلفون، فمِن سابقٍ بصدق قدمه، ومن سابق بصدق (٣) همَمِه، والسابقُ على الحقيقة: مَن ساعدته القسمةُ (٤) بالتوفيق، وأسعدته القضيةُ بالتحقيق، فسبق لهم من اللَّه تعالى رحمتُه، وسيقَ (٥) لهم عنايتُه. ويقال: بسبق عنايته بهم سَبقوا بطاعتهم له، وبرضاه عنهم وصلوا إلى رضاهم عنه (٦). * * *

стр. 3673

(١٠١) - ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾. ثم ذكر بعد ذكر الأنصار -وهم المخلصون من أهل المدينة- المنافقين، وذلك قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ ويتصل هذا بقوله: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾. وقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾؛ أي: حول مدينتكم، وهو المحيط بها. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾: هؤلاء سكَّانها، ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ سكانُ أطرافها، والذين سبق ذكرهم في قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ سكانُ البادية. وقوله تعالى: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ صفةُ مَن في المدينة ومَن حولها؛ أي: عتَوا وطغَوا وثبَتوا عليه، وأعيوا (١) خبثًا. وقال مقاتل: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ يعني: جهينةَ ومزينةَ وأسلمَ وغِفار وأشجع، كانت منازلهم حول المدينة، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ عبد اللَّه بن أبيٍّ، ومعتِّب بن قُشيرٍ، والجُلاس بن سُويد، ووحوح (٢) بن الأسلت، وأبو عامر بن النعمان الراهب سماه النبيُّ ﷺ : الفاسق. ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾: أي: لا تعرف نِفاقَهم ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾: نحن نعلم نفاقهم ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ

стр. 3674

مَرَّتَيْنِ﴾ عند الموت بضرب الملائكة وجوهَهم وأدبارهم، وفي القبر بمنكرٍ ونكير ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ في الآخرة (١). وقال ابن عباس ﵄: أول العذابين: بدر، والثاني: عذاب القبر، والثالث: عذاب جهنم (٢). وقال مقاتل: العذاب الأول: السيف يوم بدر، والثاني: عند الموت، والثالث: في الآخرة (٣). وقال الكلبي: القتل وعذاب القبر وعذاب النار. وقال مجاهد: الأول القتل والسبي (٤). وقال الحسن: الأول: عذاب النبي ﵇ -يعني: قوله تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] - والثاني: عذاب القبر (٥)، والعذاب العظيم في الآخرة (٦).

стр. 3675

وقال عطاء: هم الأوس والخزرج ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة، وذلك أن مرض المؤمن كفَّارةٌ ومرضَ المنافق عقوبةٌ (١)، وعلى هذا لا يكون قوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ عذابًا ثالثًا، بل يكون إخبارًا عن قَدْر العذاب في المرة الثانية. وقال الضحاك: مصائب الدنيا وعذاب الآخرة. قيل: هو إخراجهم إلى الغزو (٢) لقتال إخوانهم، وأخذُهم بالإنفاق في الجهاد لتقوية أعدائهم على أوليائهم، ثم ما يرون من عزِّ المسلمين وعلوِّ قَدْرهم وازديادِ غيظ أنفسهم بذلك، ثم العذابُ العظيم في جهنم. وقيل: الأول: إخراجُهم من المسجد، والثاني: تخريبُ مسجد الضرار، والعذابُ العظيم في الآخرة. وقال ابن عباس ﵄: قام رسول اللَّه ﷺ يوم الجمعة فقال: "اخرج يا فلان فأنت منافق، اخرج يا فلان فأنت منافق، اخرج يا فلان فأنت منافق" وأخرجهم من المسجد بأسمائهم وفضَحهم، ولم يكن عمرُ شهد تلك الساعةَ، فلقيَهم عمر وهم يخرجون من المسجد فظنَّ أنهم قد صلَّوا، فاختبأ منهم حياءً أنه لم يشهد الجمعة، واختبؤوا من عمر وظنُّوا أنه قد علم بأمرهم، فدخل المسجد فإذا الناس لم

стр. 3676

يصلُّوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشرْ يا عمر فقد فضح اللَّه المنافقين اليوم (١). وقيل: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ على معنى متابعةِ العذاب عليهم في الدنيا دون تعيينِ العدد، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ كان ذلك يومئذ، ثم كشَف له أحوالهم بالعلامات، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ﴾ [محمد: ٣٠]، وبالتعيين أيضًا كما مر. وقال الإمام القشيري ﵀: الأولى: ظنُّهم أنهم على شيء، والثاني: خيبةُ آمالهم، والثالث: ظهور ما لم يحتسِبوه (٢). * * * (١٠٢) - ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: أقرُّوا، وهم القِسمُ الثاني من أقسام المؤمنين الذين ذكرناهم. قال ابن عباس ﵄: هذا في أقوام كانوا تخلَّفوا عن غزوة تبوك لا على اعتقاد الخلاف، لكنْ لتأخُّرهم الاستعداد (٣) إلى أن فاتهم اللُّحوق بالنبيِّ ﵇، وكان ذلك منهم ذنبًا لا نفاقًا منهم، فندموا على ذلك واعترفوا فتاب اللَّه عليهم.

стр. 3677

وروي أنهم كانوا ثمانيةَ نفر، وقال الضحاك: سبعة، وقال قتادة: تسعة فيهم أبو لُبابةَ الأنصاريُّ، وهو من أفاضل الصحابة. وروى حيان عن الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا ثلاثةً: أبو لُبابةَ بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبةَ، ووديعةُ بن حزام، تخلفوا عن رسول اللَّه ﷺ مخرجَه إلى تبوك، فلما بلغهم ما نزل فيمَن تخلف عن رسول اللَّه ﷺ أيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فلم يزالوا كذلك حتى قدِم رسول اللَّه ﷺ المدينة (١) فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول اللَّه ﷺ هو الذي يحلهم، وقال رسول اللَّه ﷺ : "وأنا أقسم أن لا أكون أول من حلهم إلا أن أؤمر فيهم بأمر" فلما نزل: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ عسى من اللَّه واجبٌ" فقام إليهم فحلَّهم، فأتوا نبيَّ اللَّه بأموالهم فقالوا: هذه أموالنا التي خلفَتْنا عنك فتصدَّقْ بها عنا، قال: "ما أُمرتُ فيها بأمر" فنزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢). وقال قتادة: ذكر أنهم سبعة، وفيهم جدُّ بن قيس وأوس بن خزام وثعلبة بن وديعة وعامر، كلُّهم من الأنصار (٣). وقال الزهري: ربط أبو لبابة نفسه بساريةٍ وحلف لا يحلُّ نفسَه ولا يذوق طعامًا

стр. 3678

ولا شرابًا حتى يموت أو يتوبَ اللَّه عليه، فمكث سبعًا كذلك حتى غُشي عليه، ثم تاب اللَّه عليه وحلَّه النبيُّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب، وأن انخلع من مالي كلِّه صدقةً إلى اللَّه تعالى ورسوله، فقال ﵇: "يجزيك الثلث" (١). وقال سعيد بن جبير: ومن أصحاب أبي لبابة مرداس وكردم وأبو قيس (٢). وقال الحسن: هم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن خزام ووديعة بن ثعلبة. وكان سببُ تخلُّفهم: أن النبيَّ ﷺ خرج غداةَ يوم الخميس، وكان قدَّم فقراء الصحابة، وكان الأغنياء والأقوياء مع رسول اللَّه ﷺ ، وقال أبو لبابةَ وأصحابه: نمكث اليوم ونلحقُ بهم الليلةَ، فلما أَمْسَوا ثقَّل عليهم الشيطانُ الخروج -وكذا مَن قصَّر في الطاعة قليلًا سهَّل الشيطان عليه كثيرًا- فقالوا: نخرج سحَرًا، فغلبهم النوم، فلما أصبحوا خافوا أن يخرجوا فلا يلحقوا بالنهار بهم وفي الطريق أعداء، فقالوا: نخرج في الليلة القابلة، فلما أمسوا قالوا: بعُدوا علينا (٣) فلا يمكننا لحوقُهم، فقعدوا. وقوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: يقال: خلَطْتُ الشيءَ بالشيءِ: إذا امتزجا، وخلَطْتُ الشيءَ والشيءَ -من غير باءٍ-: إذا جمعتَ بينهما فلم يمتزجا، يقال: خلطتُ الماء باللبن، وخلطتُ الدراهم والدنانير. وقال الكلبي: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾: التوبةَ ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: تقاعُدَهم عن القتال.

стр. 3679

وقال الحسن: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ قيل: هذا خروجهم إلى الجهاد معك ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: تخلُّفهم عن تبوك (١). وقيل: خرجوا مرةً وقعدوا مرةً. وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قال الكلبي: ﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجب (٢)؛ أي: هو إطماعٌ، وإطماع الكريم واجب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ هذا ظاهر. وقال بعض العلماء: المسيءُ منَّا إلى مخلوقٍ إذا خافه لم يخلِّصه من ذلك إلا شيئان: الإنكار والفِرار (٣)، والمسيء في حقِّ اللَّه تعالى لا ينجيه إلا شيئان: الإقرار والقَرار (٤)، قال قائلهم: أَقْرِرْ بذَنْبكَ ثم اطْلُبْ تَجاوُزَنا... واعلَمْ بأنَّ جحودَ الذَّنْبِ ذَنْبان (٥) * * * (١٠٣) - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ قد روَينا أن أبا لبابة وأصحابه لمَّا تاب اللَّه

стр. 3680

تعالى عليهم جاؤوا بأموالهم إلى رسول اللَّه ﷺ ليتصدَّق بها كفارةً لذنوبهم وشكرًا لِمَا أنعم اللَّه عليهم من قبول التوبة فقال ﵇: "لم أؤمر فيها بأمر" فنزلت الآية. و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وقد روَينا أنه أخذ الثلث. وقوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: التاء لخطاب النبيِّ ﷺ ؛ أي: تطهِّر نفوسهم من الذنوب بها. قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: أي: يحصُل لهم الثناء الحسن والرفعة بها، والإضافة إلى النبي ﷺ بطريق التسبيب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ من الآثام ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ من البخل والمنع وأخلاق اللئام (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ من طلب الأعواض عليها ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ من ملاحظتهم إياها. ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ عن شحِّ نفوسهم ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ بأن لا يتكثَّروا (٢) بأموالهم، بل يتعزَّزون بالتجرُّد عنها، ويرون عظيمَ منَّة اللَّه عليهم بوجدان التجرُّد منها (٣). ثم اختُلف أن هذه الصدقة ما هي: قيل: صدقةُ نفلٍ، والكلام مبتدأٌ غيرُ مرتبطٍ بشيء. وقيل: هي صدقةٌ حثَّ النبيُّ ﷺ عليها يوم الخروج إلى تبوك، وهي ما قلنا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] فيرتبِط هذا بذلك، والآياتُ نزلت في هذه القصة.
следующие страницы →