← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

يصلُّوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشرْ يا عمر فقد فضح اللَّه المنافقين اليوم (١). وقيل: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ على معنى متابعةِ العذاب عليهم في الدنيا دون تعيينِ العدد، وهو كقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]. وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ كان ذلك يومئذ، ثم كشَف له أحوالهم بالعلامات، قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ﴾ [محمد: ٣٠]، وبالتعيين أيضًا كما مر. وقال الإمام القشيري ﵀: الأولى: ظنُّهم أنهم على شيء، والثاني: خيبةُ آمالهم، والثالث: ظهور ما لم يحتسِبوه (٢). * * * (١٠٢) - ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾: أي: أقرُّوا، وهم القِسمُ الثاني من أقسام المؤمنين الذين ذكرناهم. قال ابن عباس ﵄: هذا في أقوام كانوا تخلَّفوا عن غزوة تبوك لا على اعتقاد الخلاف، لكنْ لتأخُّرهم الاستعداد (٣) إلى أن فاتهم اللُّحوق بالنبيِّ ﵇، وكان ذلك منهم ذنبًا لا نفاقًا منهم، فندموا على ذلك واعترفوا فتاب اللَّه عليهم.

стр. 3677

وروي أنهم كانوا ثمانيةَ نفر، وقال الضحاك: سبعة، وقال قتادة: تسعة فيهم أبو لُبابةَ الأنصاريُّ، وهو من أفاضل الصحابة. وروى حيان عن الكلبيِّ عن أبي صالحٍ عن ابن عباس ﵄ قال: كانوا ثلاثةً: أبو لُبابةَ بن عبد المنذر، وأوس بن ثعلبةَ، ووديعةُ بن حزام، تخلفوا عن رسول اللَّه ﷺ مخرجَه إلى تبوك، فلما بلغهم ما نزل فيمَن تخلف عن رسول اللَّه ﷺ أيقنوا بالهلاك، فأوثقوا أنفسهم على سواري المسجد، فلم يزالوا كذلك حتى قدِم رسول اللَّه ﷺ المدينة (١) فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون رسول اللَّه ﷺ هو الذي يحلهم، وقال رسول اللَّه ﷺ : "وأنا أقسم أن لا أكون أول من حلهم إلا أن أؤمر فيهم بأمر" فلما نزل: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنَّ عسى من اللَّه واجبٌ" فقام إليهم فحلَّهم، فأتوا نبيَّ اللَّه بأموالهم فقالوا: هذه أموالنا التي خلفَتْنا عنك فتصدَّقْ بها عنا، قال: "ما أُمرتُ فيها بأمر" فنزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢). وقال قتادة: ذكر أنهم سبعة، وفيهم جدُّ بن قيس وأوس بن خزام وثعلبة بن وديعة وعامر، كلُّهم من الأنصار (٣). وقال الزهري: ربط أبو لبابة نفسه بساريةٍ وحلف لا يحلُّ نفسَه ولا يذوق طعامًا

стр. 3678

ولا شرابًا حتى يموت أو يتوبَ اللَّه عليه، فمكث سبعًا كذلك حتى غُشي عليه، ثم تاب اللَّه عليه وحلَّه النبيُّ ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب، وأن انخلع من مالي كلِّه صدقةً إلى اللَّه تعالى ورسوله، فقال ﵇: "يجزيك الثلث" (١). وقال سعيد بن جبير: ومن أصحاب أبي لبابة مرداس وكردم وأبو قيس (٢). وقال الحسن: هم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر وأوس بن خزام ووديعة بن ثعلبة. وكان سببُ تخلُّفهم: أن النبيَّ ﷺ خرج غداةَ يوم الخميس، وكان قدَّم فقراء الصحابة، وكان الأغنياء والأقوياء مع رسول اللَّه ﷺ ، وقال أبو لبابةَ وأصحابه: نمكث اليوم ونلحقُ بهم الليلةَ، فلما أَمْسَوا ثقَّل عليهم الشيطانُ الخروج -وكذا مَن قصَّر في الطاعة قليلًا سهَّل الشيطان عليه كثيرًا- فقالوا: نخرج سحَرًا، فغلبهم النوم، فلما أصبحوا خافوا أن يخرجوا فلا يلحقوا بالنهار بهم وفي الطريق أعداء، فقالوا: نخرج في الليلة القابلة، فلما أمسوا قالوا: بعُدوا علينا (٣) فلا يمكننا لحوقُهم، فقعدوا. وقوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: يقال: خلَطْتُ الشيءَ بالشيءِ: إذا امتزجا، وخلَطْتُ الشيءَ والشيءَ -من غير باءٍ-: إذا جمعتَ بينهما فلم يمتزجا، يقال: خلطتُ الماء باللبن، وخلطتُ الدراهم والدنانير. وقال الكلبي: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾: التوبةَ ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: تقاعُدَهم عن القتال.

стр. 3679

وقال الحسن: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ قيل: هذا خروجهم إلى الجهاد معك ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾: تخلُّفهم عن تبوك (١). وقيل: خرجوا مرةً وقعدوا مرةً. وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قال الكلبي: ﴿عَسَى﴾ من اللَّه واجب (٢)؛ أي: هو إطماعٌ، وإطماع الكريم واجب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ هذا ظاهر. وقال بعض العلماء: المسيءُ منَّا إلى مخلوقٍ إذا خافه لم يخلِّصه من ذلك إلا شيئان: الإنكار والفِرار (٣)، والمسيء في حقِّ اللَّه تعالى لا ينجيه إلا شيئان: الإقرار والقَرار (٤)، قال قائلهم: أَقْرِرْ بذَنْبكَ ثم اطْلُبْ تَجاوُزَنا... واعلَمْ بأنَّ جحودَ الذَّنْبِ ذَنْبان (٥) * * * (١٠٣) - ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ قد روَينا أن أبا لبابة وأصحابه لمَّا تاب اللَّه

стр. 3680

تعالى عليهم جاؤوا بأموالهم إلى رسول اللَّه ﷺ ليتصدَّق بها كفارةً لذنوبهم وشكرًا لِمَا أنعم اللَّه عليهم من قبول التوبة فقال ﵇: "لم أؤمر فيها بأمر" فنزلت الآية. و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، وقد روَينا أنه أخذ الثلث. وقوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: التاء لخطاب النبيِّ ﷺ ؛ أي: تطهِّر نفوسهم من الذنوب بها. قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾: أي: يحصُل لهم الثناء الحسن والرفعة بها، والإضافة إلى النبي ﷺ بطريق التسبيب. وقال الإمام أبو منصور ﵀: أي: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ من الآثام ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ من البخل والمنع وأخلاق اللئام (١). وقال الإمام القشيريُّ ﵀: أي: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ من طلب الأعواض عليها ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ من ملاحظتهم إياها. ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ عن شحِّ نفوسهم ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ بأن لا يتكثَّروا (٢) بأموالهم، بل يتعزَّزون بالتجرُّد عنها، ويرون عظيمَ منَّة اللَّه عليهم بوجدان التجرُّد منها (٣). ثم اختُلف أن هذه الصدقة ما هي: قيل: صدقةُ نفلٍ، والكلام مبتدأٌ غيرُ مرتبطٍ بشيء. وقيل: هي صدقةٌ حثَّ النبيُّ ﷺ عليها يوم الخروج إلى تبوك، وهي ما قلنا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] فيرتبِط هذا بذلك، والآياتُ نزلت في هذه القصة.

стр. 3681

وقيل: هي صدقةُ أبي لبابةَ والمتخلِّفين، والآية تتصل بالآية التي قبلها. وقيل: هي الزكاةُ، ويدل عليه ما روَينا في قصة ثعلبة في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ وأن هذه الآيات لمَّا نزلت بعث النبيُّ ﷺ المصدِّقَينِ إلى ثعلبة وغيره. وقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: أي: ادعُ لهم واستغفِرْ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾: قرأ عاصم في رواية حفصٍ والمفضلِ وحمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ على التوحيد، والباقون: ﴿صَلَاتَكَ﴾ على الجمع (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ دعاءَك ﴿عَلِيمٌ﴾ شفقتَك. وقيل: ﴿سَمِيعٌ﴾ لما أظهَروه لك من التوبة ﴿عَلِيمٌ﴾ بصدق نيَّاتهم فيه. ومعنى السكن: طمأنينةُ القلب. وقيل: كان إذا أتى رجل بصدقته وهو مؤمنٌ مخلصٌ دعا له، وإذا أتى بها منافق لم يَدْعُ له، وكان إذا دعا لمن أتى بالصدقة سكَن قلبُه إلى أنه مخلِصٌ. وقيل: لأن (٢) المؤمن يسكُن قلبه بدعاء النبيِّ ﷺ ، ولعلمه أنه يستجاب له فيه. * * * (١٠٤) - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾: يجوز أن يكون هذا الاستفهامُ بمعنى الإثبات، ويجوز أن يكون بمعنى الأمر كما في قوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾.

стр. 3682

وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾: أي: عن عباده كلِّهم إذا أخلصوا، ويأخذُ كلَّ (١) الصدقات؛ أي: يقبلها ويُثيب عليها. وقيل: جعل اللَّه أخذَ النبي ﷺ أخذًا له تشريفًا (٢) للنبيِّ ﵇، وقد روي: "أن الصدقة تقع في يد اللَّه تعالى قبل أن تقع في يد السائل، فيربِّيها. كما يربِّي أحدكم فلُوَّه" (٣)، وهذا ترغيبٌ للعباد في فِعلها، وبيانٌ أنه قابِلُها والمثيبُ عليها والمكثِرُ قليلَها. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: أي: كثير قبول التوبة ﴿الرَّحِيمُ﴾ بترك (٤) العقوبة، وهذا وعدٌ لهؤلاء أنه قبِل توبتهم ورضي صدقتَهم. * * * (١٠٥) - ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾: أي: قل لهؤلاء التائبين اعملوا الطاعات بعد قبول التوبة وأخذِ الصدقة ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فيثيبُكم عليه ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فيعلمون بصدق توبتكم، فيخالطونكم ولا يهاجرونكم (٥) كما يفعلون بالمنافقين.

стр. 3683

وقوله تعالى: ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: أي: تُرجَعون في القيامة إلى جزاءِ مَن يعلم الظاهر والباطن. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾: أي: يخبركم به ويجزيكم عليه. وقيل: أي: لا تنظروا إلى قبول التوبة وأخذِ الصدقة فتتركوا العمل، بل اعملوا ما عشتُم (١). وقيل: أي: أصلحوا أعمالكم في المستأنَف، واحذروا العَود إلى مثل ما كان منكم، فإن النبي ﵇ والمؤمنين يراعون أعمالكم ولا يخفى عليه ثباتُكم على التوبة أو زوالُكم عنها، واللَّه لا يخفَى عليه سرائرُكم، وهو يُثيبكم (٢) بأعمالكم ويجزيكم عليها، وهو ترغيب وترهيب. وقيل: هو خطاب للمنافقين ووعيدٌ لهم. وقيل: هو خطاب للمؤمنين: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ فيثيبُكم ﴿وَرَسُولُهُ﴾ فيزكِّيكم ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فيَشهدوا لكم بالخير. وروى الإمام أبو منصور ﵀: أن النبي ﷺ مروا عليه بجنازة فأَثنوا عليها فقال ﵇: "وجَبَتْ" قيل: يا رسول اللَّه، وما وَجَبتْ؟ قال: "الملائكة شهداءُ اللَّه في السماء، وأنتم شهداءُ اللَّه في الأرض، فإذا شهدتُم وجبتْ "ثم قرأ النبيُّ ﷺ هذه الآية (٣)، قال: وفيه دلالة أن إجماع الأمة حجةٌ (٤).

стр. 3684

وقال الإمام القشيري ﵀: خوَّفهم برؤيته أعمالَهم، فلمَّا علم أن فيهم مَن يتقاصرُ حاله عن الاحتشام لاطِّلاع الحق قال: ﴿وَرَسُولُهُ﴾، ثم قال لمن نزلت رتبتُه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وقد خسر مَن لا يمنعه الحياءُ، وسقط مِن عين اللَّه مَن هتكَ جلبابَ الاتِّقاء، وقال ﵇: "إنَّ مما أدركَ الناس من كلام النبوة: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت" (١) قال الشاعر: إذا قَلَّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤُه... ولا خيرَ في وجهٍ إذا قلَّ ماؤه (٢) * * * (١٠٦) - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ (٣) قرئ بالهمزة وغير الهمزة (٤)، ومعناه: مؤخَّرون موقوفون إلى أن (٥) يظهر أمر اللَّه فيهم. وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: قيل: الإرجاء من العباد، فكانت طائفة تقول: إن اللَّه يتوب عليهم كما تاب على أبي لبابة وأشكاله، وطائفة تقول: إن اللَّه يعذبهم ويردُّ توبتهم ويمنع الناس من مكالمتهم ويفرِّق بينهم وبين نسائهم، أو يأمر بقتلهم أو نفيهم، فنزل القرآن بقبول توبتهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨].

стр. 3685

وقيل: الإرجاء كان من اللَّه إذ أخفى أمرهم مدةً ثم بيَّن توبتهم على أجمل الوجوه حين قرن توبتهم بتوبته على النبيِّ ﷺ والمهاجرين والأنصار، على ما نذكر في تلك الآية. قال ابن عباس ﵄: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ ليقضيَ فيهم ما هو قاضٍ (١). وهم ثلاتةُ نفر: كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية الواقفي، ومُرارة بن الربيع الزبيدي، وكانوا تخلَّفوا عن غزوة تبوك وفعلوا كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وكانوا مرجئين لأمر اللَّه لا يتولاهم أصحاب رسول اللَّه ﷺ ولا يتبرؤون منهم، حتى نزلت: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وكانوا لم يُوْثِقوا أنفسهم بالسواري فلم يَدْروا أيُتاب عليهم أم يعذَّبون (٢). وقال الضحاك: كانوا من أفاضل الصحابة مياسيرَ، ولم يتَّسع لهم العذرُ كما اتَّسع لأبي لبابة وأصحابه؛ لأنهم لم يبالغوا في التنصُّل (٣) والاعتذار كما فعل أبو لبابة، فأخِّر أمرهم (٤). وقال ابن عباس ﵄: فوقَفَهم النبيُّ ﷺ خمسين ليلة، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، وأمر نساءهم بالاعتزال منهم، حتى شفَّهم القلق،

стр. 3686

ونَهِكهم الحزن، وضاقت عليهم أنفسُهم؛ لإعراض الناس عنهم، واعتزال الأهل والولد منهم، وكانوا ممن شهدوا بدرًا، فتاب اللَّه عليهم بعد خمسين ليلة (١). * * * (١٠٧) - ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾: ذكر جماعةٌ أنهم طائفةٌ من المنافقين بالمدينة كانوا بنَوا (٢) بقرب قُباءٍ مسجدًا يعارضون به مسجدَ ﷺ بقُباء، وكانوا اثني عشر رجلًا كلُّهم من الأوس والخزرج: خِذَام بن خالد، وثعلبة بن حاطب، ومعتِّب بن قُشيرٍ، وأبو حبيبةَ بن الأزعر، وعبَّاد بن حُنيفٍ، وجارية بن عامر، وابناه مجمع بن جارية ويزيد بن جارية، ونَبْتَل بن الحارث، وبَحْزَج الضُّبَعي، وبِجاد بن عثمان، ووديعة بن ثابت، وكانوا أتوا النبي ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول اللَّه، إنَّا قد بنينا مسجدًا لذي العلَّة والحاجة والليلة المَطِيرة والليلة الشاتية، ونحن نحبُّ أن تأتيَنا فتصليَ فيه، فقال: "إني على جناحِ سفرٍ وحالِ شغلٍ، ولو قدِمْنا أتيناكم فصلَّينا فيه". فما انصرف رسول اللَّه ﷺ من تبوك حتى نزل بوادٍ بينه وبين المدينة ساعة من نهار، فأتاه خبرُ المسجد، فدعا رسولُ اللَّه ﷺ مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف، ومعنَ بن عديِّ أو أخاه عاصم بن عديٍّ فقال: "انطلِقا إلى هذا المسجد

стр. 3687

الظالمِ أهلُه فاهْدِماه وحرِّقاه"، فهدَماه وحرَّقاه، وتفرَّقوا، ونزلت هذه الآية (١). ورُوي أنهم بنَوه بكتاب أبي عامر بن النعمان -المعروف بالراهب- إليهم، وذلك أن أبا عامر هو الذي حزَّب الأحزاب على رسول اللَّه ﷺ ، فلما انصرف المشركون بما انصرفوا به خرج إلى الشام يستنصِر قيصرَ على رسول اللَّه ﷺ ، فكتب إلى هؤلاء المنافقين يأمرهم ببناء المسجد، وأخبرهم أنه سيظهر على رسول اللَّه ﷺ إذا جاء صلَّى في هذا المسجد، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾؛ أي: يضارُّون به أهل مسجد رسول اللَّه ﷺ ، ولا يقصدون به الخير (٢). وقوله : ﴿وَكُفْرًا﴾؛ أي: كفرًا منهم باللَّه لأنهم اتَّخذوه لأبي عامرٍ المشركِ، وقصدوا به مخالفة اللَّه والرسول. وقوله تعالى: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ليصليَ بعضهم فيه جاهلًا (٣) بالحال، فيتفرَّقَ الناس عن رسول اللَّه ﷺ ولا يتوفَّرون (٤) في مسجده. وقوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا﴾: أي: إعدادًا، وقد أَرْصَدَ؛ أي: أَعَدَّ، ورَصَدَ؛ أي: ترقَّبَ. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾: أي: أعدَّ (٥) المسجد لأبي عامر،

стр. 3688

وهو الذي حارب اللَّه ورسوله من قبلُ؛ أي: من قبلِ بناء هذا المسجد، يعني: يوم الخندق. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾: أي: لم نقصد به إلا الرِّفقَ بالضعفاء والتسهيلَ في الشتاء. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾: أي: في قولهم: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾. وهذا المعروف بالراهب سماه النبيُّ ﷺ : الفاسقَ، وكان ترهَّبَ في الجاهلية ولبس المُسوح، فلما قدم النبيُّ ﷺ المدينةَ قال للنبيِّ ﵇: ما هذا الذي جئتَ به؟ قال: "جئتُ بالحنيفيةِ دينِ إبراهيم"، قال أبو عامر: فأنا عليها، قال النبيُّ ﷺ : "إنك لستَ عليها" قال: بلى، ولكنكَ أدخلتَ في الحنيفيّة ما ليس منها، فقال النبيُّ ﷺ : "ما فعلتُ، ولكني جئتُ بها بيضاءَ نقيةً"، فقال أبو عامر: أماتَ اللَّه الكاذب طريدًا وحيدًا. فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين: أنِ استعدُّوا بما استطعتم من قوةٍ وسلاح، وابنوا لي مسجدًا فإني ذاهبٌ إلى قيصر فآتي بجندٍ تُخرج محمدًا وأصحابَه، فمات الفاسق بالشام طريدًا وحيدًا كما دعا، وابنه حنظلةُ غسيل الملائكة فاستُشهد يوم أحد. وقال الحسن: لمَّا التمس هؤلاء من النبيِّ ﷺ أن يأتي مسجدهم فيصليَ فيه، فجعل ينتظر الوحي، فجعل لا يأتيهم وأولئك لا يأتونه يفعلون بالصلاة في مسجدهم، فلما طال ذلك عليه دعا بقميصه ليلبسَه ويأتيَهم، فبينا هو يَزرُّه (١) عليه إذا بجبريلَ نزل وأنزل قوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (٢). * * *

стр. 3689

(١٠٨) - ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾: أي: لا تقُمْ في مسجد الضرار للصلاة ما عشتَ، وهو كقوله ﵊: "مَن صام رمضان وقامه" (١). وقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾: قيل: هو مسجدُ رسول اللَّه ﷺ أُسِّس لإحياء دين اللَّه وإظهار معالم شريعته التي لا يقومُ بها إلا مَن اتَّقى اللَّه تعالى. قال أبو سعيد الخدري ﵁ وأبيُّ بن كعب ﵄: قال النبيُّ ﷺ : "هو مسجدي هذا" (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: أي: أولِ الأيام إذا ميزت (٣) يومًا يومًا؛ كما تقول: أعطيتُ كلَّ رجل في الدار (٤)؛ أي: كلَّ الرجال إذا ميزوا رجلًا رجلًا. وقوله تعالى: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾: للصلاة من مسجد أُسس على غير التقوى، بل ضرارًا وكفرًا وتفريقًا وإصادًا، وذلك ليس بحقٍّ فكيف يكون هذا أحقَّ؟ قلنا: هو مبالغةٌ، ومعناه: لو كان ذلك حقًّا فهذا أحقُّ، فكيف وذاك باطل؟ وقيل: هو مسجد قُباء. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾: أي: مخلصون يحبُّون أن

стр. 3690

يصلُّوا للَّه متطهِّرين بأبلغ الطهارة، لا كأهل مسجد الضِّرار الذين يصلُّون صورةً لا حقيقةً وهم مدنَّسون بالنفاق. وقيل: هو التطهُّر عن الذنوب بالإخلاص للَّه تعالى. وعن جابرٍ وأنسٍ وجماعة: أن الآية لما نزلت دعا رسول اللَّه ﷺ أهل مسجد قُباء فقال: "إنَّ اللَّه قد أَثْنى عليكم بطُهوركم، فما طُهورُكم؟ " قالوا: إنَّا نستنجي بالماء، فقال: "فعليكُموه" (١). وقال عطاء: كانوا يستنجون بالماء ولا ينامون بالليل على الجنابة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: أي: يحبُّ هؤلاء ومَن فعَل مثلَ فِعلهم. وقال يزيد بن شجرةَ: أتت الحمَّى رسولَ اللَّه ﷺ في صورة جاريةٍ سوداءَ، فقال لها رسول اللَّه ﷺ : "مَن أنت" قالت: أنا أمُّ مَلْدم، أنشِّفُ الدَّمَ، وآكُلُ اللَّحم، وأصفِّر الوجه، وأرقِّق العظم، فقال النبيُّ ﷺ : "مرِّي فاقْصِدي الأنصار فإن لهم علينا حقوقًا" فحُمَّ الأنصارُ، فلما كان من الغد قال: "مالي لا أرى الأنصار؟ "، قال: حُمُّوا عن آخرهم، قال: "قوموا بنا نعودُهم" فعادهم وجعل يقول: "أبشِروا فإنها كفَّارة وطُهورٌ"، فقالوا: يا رسول اللَّه، فادْعُ اللَّه أن يديمَها علينا أيامًا حتى تكونَ كفَّارة لذنوبنا، فأنزل اللَّه تعالى يُثني عليهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بالحمَّى عن معاصيهم ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (٣).

стр. 3691

قال مقاتل: أَمر رسول اللَّه ﷺ في مسجد الضرار بعدما هُدم وأُحرق أن يتَّخذ كناسةً يُلقَى فيها الجِيَفُ (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: في هذه الآية دلالةُ نبوةِ محمد ﷺ ؛ لأنَّه معلوم أنهم أَسرُّوا وأَضمروا فيما بينهم من الضِّرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، فأَطْلعَ اللَّه نبيَّه على ما أسرُّوا ليُعلَم أنه إنما عرَف ذلك باللَّه تعالى (٢)، وكذا قال في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣)، وكذا قال في كثير من آيات هذه السورة فيما يرجع إلى إضمارهم السوءَ في حقِّ النبي ﷺ وأصحابه. وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾: يتطهَّرون عن وضَر المعاصي وذلك سِمَةُ التائبين، ويتطهَّرون عن الشهوات والأمانيِّ وذلك صفةُ الزاهدين، ويتطهَّرون عن محبة المخلوقين [ثم] عن شهود أنفسهم فيما به يتَّصفون، وذلك صفة المحبين (٤). ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ بأسرارهم عن مساكنةِ المخلوقين وملاحظة المسبوقين (٥).

стр. 3692

(١٠٩) - ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾: قرأ نافعٌ وابنُ عامر على ما لم يسمَّ فاعلُه، وقرأ الباقون على الفعل الظاهر ﴿بُنْيَانَهُ﴾ بالنصب على أنه مفعول به (١). والألفُ استفهام بمعنى الإنكار، والبنيان: البناء. وقوله تعالى: ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾: بحذف تنوينه لأنه على وزن فَعْلَى: وأصله: وَقْوى. وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ﴾: هو على التفضيل فسِّر كذلك، وإنما لم يدخل فيه ألف (أَفْعَل) لأن الخير والشر فيهما اشتراكٌ، فقد يراد بهما الاسمُ بدون التفضيل. وقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ الشَّفا: الطَّرَفُ، والجُرُف: الوادي الذي تجرَّف (٢) بالماء أصلُه فيبقى واهيًا، وهو من الجَرْف والاجتراف: وهو اقتلاع الشيء من أصله، والهاري (٣): الساقط الواقع الذي يتداعَى بعضُه على إثر بعضٍ كما ينهار الرمل الرقيقُ والشيء الرِّخْوُ، قاله قُطْرُبٌ. وقال أبو عوسجة: أي: رخوٌ سريعُ الانهدام (٤). ورجلٌ هارٍ؛ أي: ضعيفٌ، وقد هار يَهُور هَوْرًا: إذا انصدع بالتهدم، فهو هائر. وإنما قيل هاهنا: ﴿هَارٍ﴾؛ لأنَّه قُلب فصار (هارٍ) مكان: هائر، كما يقال:

стр. 3693

عاقَ يَعوقُ فهو عائق (١)، ثم قيل في النعت: عاقٍ، على القلب (٢)، قال الشاعر: ولو أني رَمَيْتُك من بعيدٍ... لعاقَك من دعاءِ الذئب عاقِ (٣) ويقال أيضًا: هار يَهَارُ فهو هارٌ على الرفع، وتقديره: هَوز، كما يقال: رجلٌ مالٌ؛ أي: متموِّلٌ، وتقديره: مولٌ، وعلى هذا لا قلبَ. وقوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾: أي: تساقَطَ وتناثَرَ به؛ أي: بصاحبه فسقطا معًا فيها، والباء للتعدية والإيصال. ومعنى الآية: أيُّ الفريقين أولى بالخيرية: مَن أسَّس بناء المسجد يريدُ به تقوى اللَّهِ وطاعتَه وهم أهلُ مسجد قُباء أو مسجدِ المدينة، أم مَن أسَّس بناءه على النِّفاق والشِّقاق والكفر والتفريق وانتظارِ الكفار أن يأتوه فيَقصدوا به كيدَ المسلمين، ويتدبَّروا في الاحتيال لتوهين الدِّين، فلا يَلبثُ احتيالُهم أن يَبطُلَ وظنونُهم أن تخيبَ، فينهدِمُ البناء وينهارُ الأساس، ثم تكون عاقبة أهله (٤) دخولَ جهنم؟ ولم يقل: هو في نار جهنم للحال؛ لأنَّه ما دام حيًّا أَمكنه أن يُخلِصَ فيتخلَّصَ ولا يقعَ فيها. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾: أي: لا يهديهم للرشد ولِمَا يتمُّ

стр. 3694

به تدبيرُهم الفاسد؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]، ولا يوفِّقهم للخير عقوبةً لهم على نفاقهم. وقال محمد بن إسحاق: إن الذي كان يؤمُّ في ذلك المسجد مجمِّع بن جارية، فلمَّا أنزل اللَّه في شأنه ما أَنزل، وأَمر النبيُّ ﷺ بهدمه، وفرِّقت تلك الجماعة، وذهب مَن كان يصلي من بني عمرو بن عوفٍ في مسجدهم إلى المسجد (١) الذي بنَى رسول اللَّه ﷺ بقُباء، كلَّم بنو عمرو بن عوف عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته ليأذن لمجمِّع بن جارية فيؤمَّهم في مسجدهم، فقال: ولا نَعِمَتْ عينٌ، أليس بإمام (٢) مسجد الضرار؟ فقال له مجمِّعٌ: يا أمير المؤمنين! لا تعجَلْ عليَّ، فواللَّه لقد صلَّيت فيهم واللَّه إني لا أعلم ما أضمَروا عليه، ولو علمتُ ما صليتُ معهم فيه، كنت غلامًا قارئًا للقرآن وكانوا شيوخًا ولم أعلم ما في أنفسهم (٣)، وكانوا لا يقرؤون من القرآن شيئًا، فصلَّيتُ ولا حسبتُ ممَّا صنعوا شيئًا، إلا أنِّي قلتُ: يتقرَّبون إلى اللَّه، فعذَره وصدَّقه وأمره بالصلاة لقومه (٤). * * * (١١٠) - ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾: أي: شكًّا وشبهة؛ أي:

стр. 3695

كان ألقَى إليهم أبو عامر أنه يأتي مسجدَهم فيصلِّي فيهم، ويكون له ولهم الظهور على المسلمين، فلا يزال ذلك في قلوبهم (١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾: قرأ ابن عامر وحمزةُ وعاصم في رواية حفصٍ بفتح التاء، وأصله: تتقطَّع، فحذفت إحداهما تخفيفًا، وقرأ الباقون بضمِّها (٢)، وهو ما لم يسمَّ فاعله من التقطيع (٣). وقال ابن عباس ﵄: هو الموت (٤). وقال عكرمة: هو في القبر (٥). وقال المبرِّد: تقطُّع القلب: تشقُّقه وانصداعه ولا بقاء مع ذلك، وهو كقوله تعالى: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦]، وهو نياط القلب، والحياةُ تنقطع عند إنقطاعه، وهذا إخبار بموتهم على نفاقهم وإصرارهم عليه حالَ حياتهم. وقيل: معناه: إن خطأهم وضلالهم فيما قصدوه ببناء هذا المسجد لا يزول عنهم إلا أن يموتوا فيستيقِنوا بالمقتِ (٦)؛ لأنَّه حالُ زوال الشكوك. وقال المبرد: أي: لا يزال هدمُ بنيانهم غيظًا في قلوبهم إلى الموت، قال الشاعر: قضَيْنا من تِهَامةَ كلَّ ريبٍ... وخيبرَ ثم أَجمَمْنا السيوفا (٧)

стр. 3696

وقال الإمام أبو منصور ﵀: قال بعضهم: ﴿رِيبَةً﴾؛ أي: حسرةً وندامةً، وهو على وجهين: يحتمِل أنهم تابوا وندموا على ما صنعوا. ويحتمِل: حسرةً وندامةً لمَّا افْتَضحوا بما صنعوا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: أي: بضمائر العباد ﴿حَكِيمٌ﴾ في التمييز بين أهل الصلاح وأهل الفساد. * * * (١١١) - ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾: بدأ السورة بالبراءة من الكافرين، ثم بالأمر بقتال المشركين، ثم بالحثِّ على الخروج إلى غزوٍ عظيم اختَلفت فيه أحوال المنافقين، وذمَّ فيه المتخلِّفين، ثم مدَح في هذه الآية المجاهدين، وذكَر كرامتهم (١) يوم الدِّين، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ أخبر أنه تاجَرَ (٢) عبادَه المؤمنين على أبدانهم وأموالهم بما أَعدَّ لهم من جناتِ النعيم عنده -مع أن الأشياء كلَّها مِلكُه- لطفًا منه بعباده؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]، وهو كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].

стр. 3697

وقوله تعالى: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: يبذلون أنفسهم وأموالهم في طاعة اللَّه والجهاد لأعدائه على إعلاء كلمته. ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾: أي: تارةً هم يقتلون العدوَّ وتارةً يقتلهم العدو، فإذا فعلوا ذلك فقد سلَّموا ما باعوا واستحقُّوا بوعد اللَّه ثمنَ ما أَعطوا وهو الجنة، وهذا مستعارٌ من الكلام تشبيهًا بالبيع المعروف الذي حقيقتُه إعطاء شيء وأخذُ (١) بدلٍ عنه. وقرأ حمزة والكسائي: ﴿فيُقتَلون﴾ بضمِّ الياء وفتح التاء على ما لم يسمَّ فاعله ﴿ويَقْتُلون﴾ على عكسه على الفعل الظاهر (٢)، وهذا أدلُّ على ثبات قلوبهم وجرأتهم على عدوهم (٣)، وأنهم لم ينكسروا لِمَا جرى على بعضهم، كما قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا﴾ (٤) الآية [آل عمران: ١٤٦]. وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾: ﴿وَعْدًا﴾ نصبٌ على الحال من قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، أو معناه: بوعدٍ عليه حقٍّ، فنُصب بنزع الخافض، ومعناه: عهدًا عليه لازمًا أَوحى به إلى أنبيائه وأثبته في كتبه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾: استفهامٌ بمعنى النفي، وهو بيانٌ أن المراد من الوعد المذكور قبله هو العهد. وقيل: بل المراد من هذا العهدِ هو الوعد، وهو بيانٌ أن الشراء ليس على حقيقته، وهو مبادلةٌ صورةً ومواعدةٌ معنًى. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾: أي: فافرحوا به فإنكم

стр. 3698

تبيعون فانيًا بباقٍ، وتأخذون ثمنًا من مشترٍ هو المالك، وبمبيعٍ هو ملكُه وحقُّه، ثم لا يَخرج من أيديكم بهذا البيع إلا حياةٌ منغَّصةٌ (١) فانيةٌ، ومالٌ (٢) قليلٌ تافةٌ تعتاضون منه حياةً مهنَّأة دائمةً، ونعمًا في جناتِ الخلد باقيةً. وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾: وهذا الشراء على هذا الوجه لكم فيه ربحٌ عظيم. وروي عن عبد اللَّه بن رواحة أنه قال: يا رسول اللَّه اشترِطْ، لربِّك ولنفسك ما شئت علينا، قال: "أشترِطُ لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأَشترِطُ لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسكم وأموالكم" قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: "الجنة" قال: ربحَ المبيع لا نُقيل ولا نَستقيل، فنزلت هذه الآية (٣). وقال الحسن: مرَّ أعرابيٌّ بالنبيِّ ﷺ وهو يقرأ هذه الآية، فقال: كلامُ مَن هذا؟ قال: "كلامُ اللَّهِ تعالى" قال: بيعٌ واللَّه مربحٌ، لا نُقيله ولا نَستقيله (٤)، فخرج إلى الغزو فاستُشهد (٥).

стр. 3699

وقال جعفر بن محمد الصادقُ: ليس لأبدانكم ثمنٌ إلا الجنةَ، فلا تبيعوها إلا بها، وأنشد الأصمعيُّ لجعفر الصادقِ: أُثامِنُ بالنَّفسِ النفيسةِ ربَّها... فليس لها في الخَلْقِ كلِّهم ثَمنْ بها تُشترَى الجنات، إنْ أنا بعتُها... بشيءٍ سواها إنَّ ذلكم غَبنْ إذا ذهبتْ نفسي بدُنيا أصيبُها... فقد ذهب الدنيا وقد ذهب الثمن (١) وفي بعض الكتب المنزلة على بعض الأنبياء: يا بني آدم، ما خلقتكم لأربح عليكم إنما خلقتُكم لتربحوا عليَّ (٢). وفي التوراة: الجنةُ جنتي والمالُ مالي، فاشتروا جنَّتي بمالي، فإنْ ربحتُم فلكم وإن خسرتُم فعَلَيَّ (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: البائعُ لا يستحقُّ الثمنَ إذا امتَنع عن المبيع، فلذلك لا يستحقُّ العبدُ الجزاءَ الموعودَ إلا بعد تسليم النَّفْس والمال على موجَب أوامر الشرع. ويقال: لا يكون في الشرع البائعُ والمشتري واحدًا فيتولَّى طرفي العقد إلا الأبَ والجدَّ، لفَرْط شفقتهما وكمال نظرهما، ولما كانت رحمة اللَّه بالعبد أتمَّ ونظرُه له أبلغَ، وكان أولى بالمؤمن منه بنفسه، تولَّى العقدَ عنه عليه. وقيل: علِم اللَّه تعالى سوءَ خُلقك فاشتراك قبل أنْ أَوجدك، وغالى بثمنك لئلا يكون لك حقُّ الاعتراض عند بلوغك.

стр. 3700

وقيل: لا يصح للمؤمن أن يتعصَّب لنفسه بحالٍ؛ لأنها ليست له ومشتريها أولى بها من صاحبها الذي هو أجنبيٌّ عنها. وحُكي عن الجنيد أنه مرض مرضًا، فدعا اللَّه تعالى أن يَشفيه، فنودي في السرِّ: يا فضولي، لمَ تَدخُل بيني وبين نفسك، أما علمت أن نفسك لي أتصرَّفُ فيها كيف شئت. وقيل: أخبر أنه اشتراها لئلا يدَّعيَ العبد فيها ولا يساكنَها ولا يلاحظَها ولا يُعجب بها. وإنما قال: ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ ولم يقل: قلوبَهم؛ لأنها فيها فدخلت في الحُكم معها. وقيل: ذكَر النفوسَ والأموال، وجعَل الجزاء عليهما الجنة، فأما القلوب فعطاؤها رؤيتُه . وقيل: ذكر شراءَ النفوس والأموال لأنها مَعيبةٌ، ولا يَرغب المشترون (١) في شراء المعيب، فاشترى هو ذلك بكرمه ترويجًا لِمَا كسَد على العبد امتنانًا عليه. وقيل: اشترى النفوس منهم بالثمن فوهبوا القلوب له شكرًا لذلك. وقيل: القلوب ليست في أيديهم (٢) فلا يقدرون على تسليمها، ولا يُشتَرى ما لا يمكن تسليمه كالطير في الهواء والسمك في الماء. وقال أبو عليٍّ الدَّقَّاق: القلوب موقوفةٌ على محبة اللَّه تعالى والوقف لا يشترى. وقال في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ ولم يقل تعالى:

стр. 3701

بثَمن مبيعكم، ليُعلم أن الاستبشار بزوال الأنفس والأموال عن حكمهم وخلاصهم عن آفاتها (١). * * * (١١٢) - ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ﴾: وفي مصحف عبد اللَّه: (التائبين) (٢) نعتًا لقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فأما الرفع فلوجوه: أحدها: هم التائبون. والثاني: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ولذلك ضمير في آخره، وهذا بدل (٣) ذلك الضمير. والثالث: هو مبتدأ وخبرُه مضمَر في آخره: لهم الجنة، وكذا ما بعده فوجوهُه ما بينَّا (٤). ولمَّا مدَحهم وزكَّاهم بما كان منهم ذكَر خصالهم التي هي صفات المتحقِّقين (٥)

стр. 3702

بالإيمان، ولذلك ختم بالإيمان بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما افتتح به بقوله: ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال ابن عباس ﵄: هذه الصفاتُ مما شَرَطه اللَّه على أهل الجهاد؟ إذا وفوا للَّهِ (١) بشرطه وفَى لهم بشرطهم. وقال الحسن: هذه أعمالهم قبل الجهاد. وعنه في رواية: قال: على هذا الشرط اشترى منهم (٢). وأما تفسير (التائبين) فقد قال قتادة وعطاء: ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الشرك ثم لم ينافقوا في الإسلام (٣). وقيل: الراجعون عن المعاصي. وقال الإمام القشيريُّ ﵀: التائبون أصناف: فمِن راجعٍ يَرجع عن زلَّته إلى طاعته، ومن راجعٍ يَرجع عن متابعة (٤) هواه إلى موافقة رضاه، ومِن راجعٍ يرجع عن شهود نفسه إلى شهود لطفه، ومِن راجعٍ يرجع عن الإحساس بنفسه وأبناء جنسه إلى الاستغراق في حقائق حقِّه (٥). وقوله تعالى: ﴿الْعَابِدُونَ﴾: أهل العبادة والعبودية. وقال الكلبي: أي: المطيعون المخلصون (٦).

стр. 3703

وقال عطاء: الموحِّدون للَّه (١). وقال الحسن: الذين عبدوا اللَّه باتِّباع أمره وآثَروه على مَن دونه (٢). وقال القشيري ﵀: ﴿الْعَابِدُونَ﴾: الخاضعون للَّه بكلِّ وجهٍ، الذين لا تسترِقُّهم كرائم الدنيا، ولا تستعبدُهم عظائم العُقبى، ولا يكون العبد عبدًا للَّه على الحقيقة إلا بعد تجرُّده عن كل حادث (٣). وقوله تعالى: ﴿الْحَامِدُونَ﴾: أي: المُثنُون عليه بآلائه، الشاكرون له على نعمائه، المادحون له بصفاته وأسمائه. وقال القشيري ﵀: الحامدون له: هم الذين لا اعتراض لهم على ما يحصل بقدرته، ولا انقباض لهم عما يجب له من طاعته. وقيل: هم الذين يحمدونه على منعه وبلائه كما يحمدونه على صنعه وعطائه (٤). وقوله تعالى: ﴿السَّائِحُونَ﴾: أي: الصائمون، قالت عائشة ﵂: قال رسول اللَّه ﷺ : "سياحةُ (٥) أمتي الصيَّام" (٦).

стр. 3704

وقال سفيان بن عيينة: إنما قيل للصائم: سائح؛ لأنَّه تارك اللَّذات كلِّها من المطعم والمشرب والنكاح (١)، كمَن يسيح في الأرض؛ أي: كمَن يسير فيها. وقيل: طلَّابُ العلم الداخلون فيه. وقال الإمام القشيري ﵀: هم الصائمون عن شهود غير اللَّه، الممتنعون عن خدمة غير اللَّه تعالى، المكتفون من اللَّه باللَّه. وقيل: ﴿السَّائِحُونَ﴾: السائرون في الأرض على جهة الاعتبار طلبًا للاستبصار، الذاهبون بقلوبهم في مشارق الأرض ومغاربها بالتفكُّر في جوانبها، والاستدلالِ بآياتها على خالقها، والجائلون بأسرارهم في الملكوت، فيجدون روحَ الوصال، ويعيشون بنسيم الأنس بالتحقُّق بشهود ذي الجلال (٢). وقوله تعالى: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾: أي: المحافظون على الصلوات فرضِها ونفلِها تذلُّلًا إليه وخضوعًا. وقال عطاء: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ بنيةٍ صادقةٍ بلا رياءٍ ولا سمعة (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿الرَّاكِعُونَ﴾: الخاضعون للَّه في جميع الأحوال بخمودهم تحت سلطان التَّجلِّي. وفي الخبر: إن اللَّه تعالى إذا تجلَّى لشيء خشع (٤) له.

стр. 3705

و ﴿السَّاجِدُونَ﴾ بنفوسهم في الظاهر على بساط العبودية، وبقلوبهم في الباطن عند شهود الربوبية (١). وقوله تعالى: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أي: الإيمان والطاعة ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: أي: الكفر والمعصية. وقال بسام (٢) بن عبد اللَّه: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بإقامة السنَّة والجياعة ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: عن الهوى والبدعة (٣). وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ هم الذين يَدْعودن الخَلْق إلى اللَّه تعالى ويحذِّرونهم عن غير اللَّه تعالى، يتواصَون على الإقبال على اللَّه وتركِ الاشتغال بغير اللَّه تعالى (٤). وفي زيادة الواو في قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أقاويلُ: قيل: الواو تدخل للمبالغة في المدح للمنعوت واحدًا كان أو جماعةً، قال تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا﴾ [آل عمران: ٣٩]. وقيل: لأن الأمر والنهي متقابلان، والمعروفَ والمنكر كذلك، فكانا

стр. 3706

كالمتعاندَين (١)، فأدخل بينهما حرف العطف كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]. وقيل: هي واو الثمانية، لأنها الصفة الثامنة، والعرب تخصُّ ذلك بالواو، كما في قوله تعالى: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]؛ لأن أبواب الجنة ثمانيةٌ. ولا أصل لهذا القول عند المحققين، فليس في هذا العدد ما يوجب ذلك، ولا استعمال على الاطِّراد كذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ بغير واو. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيةَ بغيرِ واوٍ في الثامن. وقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾: قال الحسن: هم أهل الوفاء ببيعة اللَّه (٢). وقيل: حدود اللَّه: أوامره ونواهيه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقيل: هي معالمُ الشرع. وقال القشيري ﵀: هم الواقفون حيث وقَفهم اللَّه تعالى، الذين يتحرَّكون إذا حرَّكهم ويسكُنون إذا سكَّنهم، يحفظون مع اللَّه أنفاسهم (٣). وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أي: الذين بايَعهم اللَّه ليستبشروا، وقال بنفسه: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ وقال لنبيِّه: ﴿وَبَشِّرِ﴾ ليتضاعَفَ الاستبشار.

стр. 3707

وقيل: أي: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من المجاهدين وغيرهم، لمَّا خَصَّ المجاهدين بقوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ سكَّن قلوب القاعدين بعذرٍ بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لئلا يَقْنطوا. * * * (١١٣) - ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: اتصالها بما قبلها: أنها حثٌّ للنبي ﷺ والمؤمنين على قطعِ موالاة المشركين أحيائِهم وأمواتهم، قريبهم وبعيدهم؛ تأكيدًا لِمَا أمرهم به من الجهاد؛ إذ لا يَتهيَّأ ذلك مع الأقارب خصوصًا إلا بقطع الموالاة والوداد (١). و ﴿مَا كَانَ﴾ تأكيدُ نفيٍ (٢)؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ (٣) [النمل: ٦٠]، ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥]، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ﴾ [آل عمران: ١٤٥]، ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨]، ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ [يوسف: ٧٣]. وتقديره: يَبعُد من أخلاقهم أن يسألوا اللَّه تعالى مغفرةَ المشركين وإن كانوا أقرباءهم بعد أن عرفوا أنهم أعداءُ اللَّه، والمستوجِبون سخطَ اللَّه، والمستحِقُّون عذابَ اللَّه تعالى.

стр. 3708

وقال بعض أهل التفسير: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: ظهر لهم شركُهم، فقد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]. وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والضحاك: أي: بعد ما ماتوا على شركهم فقد إنقطع رجاءُ صيرورتهم وكونِهِم (١) أهلًا للمغفرة (٢). وقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: رأيت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت له: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ فذكرت ذلك للنبيِّ ﷺ فنزلت هذه الآية (٣). وقال الحسن: أُتي النبي ﷺ فقيل له: إن فلانًا يستغفر لآبائه وهم مشركون؟! فقال: "ونحن نستغفر لهم" فنزلت هذه الآية، فأمسَكوا عن الاستغفار (٤). وقال سعيد بن المسيب [عن أبيه] (٥): لمَّا حضرت أبا طالبٍ الوفاةُ دخل عليه رسول اللَّه ﷺ وعنده أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية فقال: "يا عم، قل: لا إلهَ إلا اللَّهُ، كلمةً أحاجُّ لك بها عند اللَّه" فقالا له: يا أبا طالب، أترغبُ عن ملة آبائك، فلم يزالا به حتى قال آخرَ ما كلَّمهم به: هو على ملَّة عبد المطلب، فقام رسول اللَّه ﷺ من عنده باكيًا وقال: "لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك" فنزلت هذه الآية (٦).

стр. 3709

وذكر الكلبي أن النبيَّ ﷺ زار قبرَ أمه في ألف فارسٍ وهو يريد أن يستغفر لها، فلما قام عند قبرها فإذا هو بجبريل ﵇ فوضع يده على صدر النبيِّ ﷺ ونزلت الآية، فبكى النبيُّ ﷺ وبكى المسلمون، فما رؤي يومٌ أشدَّ باكيًا وأكثرَ (١) من يومئذ (٢). وقال الإمام أبو منصور ﵀: لا يصح حديث استغفار النبيِّ ﷺ لعمِّه

стр. 3710

وأمِّه (١)، فقد عَلم بكفرهما وموتهما عليه (٢)، ولا يخفى عليه أن اللَّه تعالى لا يَغفر للمشرك، إذ في العقل والحكمة تعذيبُ الكافر أبدًا، وأنْ لا يُغفر له؛ إذ في ذلك تسويةٌ بين الوليِّ والعدو، وهو ليس بحكمة، وجائز أن يكون استغفر للمنافقين قبل أن يتبيَّن له نفاقُهم، فلما تبيَّن له كفَّ، والاستغفار للمشرك حالَ حياته يجوز على معنى سؤال الإسلام له والمغفرةِ بسببه، فأما مع قيام الكفر فلا (٣). * * * (١١٤) - ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾: قيل: لمَّا ورد النهي عن الاستغفار للمشركين قال الناس: إن إبراهيم استغفر لأبيه المشرك (٤)، فنزلت هذه الآية (٥). ومعناها: ولم يكن سؤالُ إبراهيم ﵇ اللَّهَ أن يغفر لأبيه المشركِ إلا

стр. 3711

بسببِ أنه كان وعَد لأبيه لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] فوفَى بذلك الوعد وسأل اللَّه أن يغفر له. ومعناه: أن يهديه للإسلام ويجعلَه أهلًا للمغفرة ويغفرَ له بعد إسلامه، وهو كقول هود لقومه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٦١] وكقول نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، ليس هذا بأمرٍ لهم أن يقولوا: نستغفر اللَّه، ولكن هذا أمرٌ بالإسلام ليصيروا أهلًا للمغفرة لهم. وكذا قولُ إبراهيم ﵇: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]؛ أي: أعطهِ السبب الذي تَغفرُ له به، وهو التوحيد. وعلى هذا القولِ يكون قولُه: ﴿وَعَدَهَا﴾ خبرًا عن فعل إبراهيم، وقولُه تعالى: ﴿إِيَّاهُ﴾ كنايةً عن أبيه. وقال بعض المفسرين: بل قوله: (وَعَد) خبرٌ عن فعل والدِ إبراهيم أنه وعد إبراهيم، وقوله: ﴿إِيَّاهُ﴾ كنايةٌ عن إبراهيم، وتلك المواعَدةُ أنه كان قال لإبراهيم: إني أُسلم وقتَ كذا، فكان يستغفر له، ومعنى استغفاره (١): سؤالُه المغفرةَ له بعد ما أسلم، أو سؤالُه إعطاءَ الإسلام الذي به يغفر له. وقيل: كانت المواعدةُ مؤقتةً، فانتهى إبراهيم إلى ذلك الوقت فظن أنه أسلم فاستغفر له مطلقًا، ولذلك قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]؛ أي: قبل هذا؛ كما قال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]؛ أي: قبل التوبة، فلما ظهر أنه لم يُسلم تبرَّأ منه. وعلى القول الأول: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: أي: لمَّا مات على الكفر تبرَّأ منه، وهذه الجملة حاصلُ كلام الإمام أبي منصور ﵀.

стр. 3712

ثم أورد سؤالًا على قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ [الممتحنة: ٤]: لمَّا استثنَى هذا من الاقتداء به عُلم أنه لا يجوز، وسؤالُ الهداية للكافر والمغفرةِ جائز بعد هذا، فما معناه؟ وأجاب أن معناه: حتى يُعلم (١) المراد من استغفاره؛ أي: إذا وقع عند السامع أنه سؤال المغفرة مطلقًا لا على الوجه الذي قلنا فما ينبغي له أن يفعله مقتديًا به في ظاهر الاستغفار (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾: (الأواه) في اللغة: المتأسِّف، وهو (٣) المتوجِّع والمتحزِّن، قال المثقِّب العبدي: إذا ما قمتُ أَرحَلُها بليلٍ... تأوَّهُ آهةَ الرجلِ الحزين (٤) أصلها: تتأوه، بتاءين. وقال ابن عباس ﵄: (الأواه): التوَّاب (٥). وقال ابن مسعود ﵁: الدَّعَّاء (٦). وقال الحسن وقتادة: الرحيم (٧).

стр. 3713

وقال محمد: الموقن (١). وقال كعب: القائل: آه، عند ذكر النار (٢). وقيل: المؤمن (٣). وفي "التأويلات": عن النبي ﵇ أنه سئل عن (الأوَّاه) فقال: "الدَّعَّاء الخاشع المتضوِّع" (٤). وفيها: عن ابن عباس ﵄: (الأواه): المؤمن (٥). وفيها قيل: (الأواه): الفقيه الموقن (٦). وفيها: قيل: المسبِّح (٧). وقال في (الحليم): هو الذي لا يغضَبُ ولا يَسفَه عند سَفَهِ السَّفيه (٨). وقيل (الحليم) هاهنا: هو أنَّ جَهْلَ الكافر لم يمنعه عن الدعاء إلى اللَّه تعالى،

стр. 3714

وعن المواعدة الجميلة التي يرجو بها الحملَ على الإسلام، وذلك مثلُ ما ذكر في سورة مريم في مخاطبةِ أبيه في آيات. * * * (١١٥) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾: قال مجاهد: إن اللَّه لا يَحكم بضلالكم عن الحقِّ باستغفاركم للمشركين إلا بعدأنْ تبيَّن لكم أنكم منهيُّون عنه (١). وقال الكلبي: لمَّا أنزل اللَّه الفرائضَ فعمل بها الناسُ، ثم جاء ما ينسخها من القرآن وقد غاب أناسٌ (٢) وهم يعملون بالأمر الأول من القبلة والخمر وأشباه ذلك، سألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٣). وقال الكلبيُّ: ويقال: وما كان اللَّه ليُبطِلَ عملَ قوم قد عملوا بالمنسوخ حتى يتبيَّن لهم الناسخ (٤)، ونظيره: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].

стр. 3715

وقال الضحاك: وما كان اللَّه ليعذِّبَ قومًا حتى يبيِّن لهم ما يأتُون وما يَذَرون، والإضلال: الإهلاك، يقال: ضلَّ الماء في اللَّبَن (١). قال أبو رَوْق: وما كان اللَّه ليتركَ قومًا في الضلال وإنْ عملوا بالمنسوخ حتى يبيِّنَ لهم ما نُسخ من القرآن ثم يعملون به بعد ذلك. وقال القشيري: مَن أهِّل لبساط الوُصلة ما مُنيَ بعده بعذاب الفُرقة إلا إذا أسرَّ بعده تركَ الخدمة (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هذا ظاهر (٣). * * * (١١٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ينتظِم بما مرَّ من الحثِّ على الجهاد أن له الخَلْقَ كلَّهم يصرِّفهم كيف يشاء يُبقي ويُفني، فامضوا على بيعتكم ولا يَهُولنَّكم كثرةُ الأعداء، وتوكَّلوا عليَّ فأَوْفوا بالمبايعةِ أنصرْكم، فإن لم تُوفوا بها خذلْتُكم ثم لا يكون لكم وليٌّ ولا نصير. وعلى قولِ مَن حمل الآية الأولى على النَّسخ فوجهُ الانتظام له: أنه ينسخ حكمًا بحكمٍ وأمرًا بأمرٍ، يَحكم في أهل السماوات والأرض بما يشاء.
следующие страницы →