← Тафсир

Тафсир · id 2063

التيسير في التفسير - أبو حفص النسفي

أبو حفص النسفي

Полный текст (7 967 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

بسببِ أنه كان وعَد لأبيه لقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] فوفَى بذلك الوعد وسأل اللَّه أن يغفر له. ومعناه: أن يهديه للإسلام ويجعلَه أهلًا للمغفرة ويغفرَ له بعد إسلامه، وهو كقول هود لقومه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: ٦١] وكقول نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠]، ليس هذا بأمرٍ لهم أن يقولوا: نستغفر اللَّه، ولكن هذا أمرٌ بالإسلام ليصيروا أهلًا للمغفرة لهم. وكذا قولُ إبراهيم ﵇: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ [الشعراء: ٨٦]؛ أي: أعطهِ السبب الذي تَغفرُ له به، وهو التوحيد. وعلى هذا القولِ يكون قولُه: ﴿وَعَدَهَا﴾ خبرًا عن فعل إبراهيم، وقولُه تعالى: ﴿إِيَّاهُ﴾ كنايةً عن أبيه. وقال بعض المفسرين: بل قوله: (وَعَد) خبرٌ عن فعل والدِ إبراهيم أنه وعد إبراهيم، وقوله: ﴿إِيَّاهُ﴾ كنايةٌ عن إبراهيم، وتلك المواعَدةُ أنه كان قال لإبراهيم: إني أُسلم وقتَ كذا، فكان يستغفر له، ومعنى استغفاره (١): سؤالُه المغفرةَ له بعد ما أسلم، أو سؤالُه إعطاءَ الإسلام الذي به يغفر له. وقيل: كانت المواعدةُ مؤقتةً، فانتهى إبراهيم إلى ذلك الوقت فظن أنه أسلم فاستغفر له مطلقًا، ولذلك قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]؛ أي: قبل هذا؛ كما قال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]؛ أي: قبل التوبة، فلما ظهر أنه لم يُسلم تبرَّأ منه. وعلى القول الأول: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾: أي: لمَّا مات على الكفر تبرَّأ منه، وهذه الجملة حاصلُ كلام الإمام أبي منصور ﵀.

стр. 3712

ثم أورد سؤالًا على قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ [الممتحنة: ٤]: لمَّا استثنَى هذا من الاقتداء به عُلم أنه لا يجوز، وسؤالُ الهداية للكافر والمغفرةِ جائز بعد هذا، فما معناه؟ وأجاب أن معناه: حتى يُعلم (١) المراد من استغفاره؛ أي: إذا وقع عند السامع أنه سؤال المغفرة مطلقًا لا على الوجه الذي قلنا فما ينبغي له أن يفعله مقتديًا به في ظاهر الاستغفار (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾: (الأواه) في اللغة: المتأسِّف، وهو (٣) المتوجِّع والمتحزِّن، قال المثقِّب العبدي: إذا ما قمتُ أَرحَلُها بليلٍ... تأوَّهُ آهةَ الرجلِ الحزين (٤) أصلها: تتأوه، بتاءين. وقال ابن عباس ﵄: (الأواه): التوَّاب (٥). وقال ابن مسعود ﵁: الدَّعَّاء (٦). وقال الحسن وقتادة: الرحيم (٧).

стр. 3713

وقال محمد: الموقن (١). وقال كعب: القائل: آه، عند ذكر النار (٢). وقيل: المؤمن (٣). وفي "التأويلات": عن النبي ﵇ أنه سئل عن (الأوَّاه) فقال: "الدَّعَّاء الخاشع المتضوِّع" (٤). وفيها: عن ابن عباس ﵄: (الأواه): المؤمن (٥). وفيها قيل: (الأواه): الفقيه الموقن (٦). وفيها: قيل: المسبِّح (٧). وقال في (الحليم): هو الذي لا يغضَبُ ولا يَسفَه عند سَفَهِ السَّفيه (٨). وقيل (الحليم) هاهنا: هو أنَّ جَهْلَ الكافر لم يمنعه عن الدعاء إلى اللَّه تعالى،

стр. 3714

وعن المواعدة الجميلة التي يرجو بها الحملَ على الإسلام، وذلك مثلُ ما ذكر في سورة مريم في مخاطبةِ أبيه في آيات. * * * (١١٥) - ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾: قال مجاهد: إن اللَّه لا يَحكم بضلالكم عن الحقِّ باستغفاركم للمشركين إلا بعدأنْ تبيَّن لكم أنكم منهيُّون عنه (١). وقال الكلبي: لمَّا أنزل اللَّه الفرائضَ فعمل بها الناسُ، ثم جاء ما ينسخها من القرآن وقد غاب أناسٌ (٢) وهم يعملون بالأمر الأول من القبلة والخمر وأشباه ذلك، سألوا رسول اللَّه ﷺ عن ذلك فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية (٣). وقال الكلبيُّ: ويقال: وما كان اللَّه ليُبطِلَ عملَ قوم قد عملوا بالمنسوخ حتى يتبيَّن لهم الناسخ (٤)، ونظيره: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قولُه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].

стр. 3715

وقال الضحاك: وما كان اللَّه ليعذِّبَ قومًا حتى يبيِّن لهم ما يأتُون وما يَذَرون، والإضلال: الإهلاك، يقال: ضلَّ الماء في اللَّبَن (١). قال أبو رَوْق: وما كان اللَّه ليتركَ قومًا في الضلال وإنْ عملوا بالمنسوخ حتى يبيِّنَ لهم ما نُسخ من القرآن ثم يعملون به بعد ذلك. وقال القشيري: مَن أهِّل لبساط الوُصلة ما مُنيَ بعده بعذاب الفُرقة إلا إذا أسرَّ بعده تركَ الخدمة (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هذا ظاهر (٣). * * * (١١٦) - ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾: ينتظِم بما مرَّ من الحثِّ على الجهاد أن له الخَلْقَ كلَّهم يصرِّفهم كيف يشاء يُبقي ويُفني، فامضوا على بيعتكم ولا يَهُولنَّكم كثرةُ الأعداء، وتوكَّلوا عليَّ فأَوْفوا بالمبايعةِ أنصرْكم، فإن لم تُوفوا بها خذلْتُكم ثم لا يكون لكم وليٌّ ولا نصير. وعلى قولِ مَن حمل الآية الأولى على النَّسخ فوجهُ الانتظام له: أنه ينسخ حكمًا بحكمٍ وأمرًا بأمرٍ، يَحكم في أهل السماوات والأرض بما يشاء.

стр. 3716

وقال الإمام القشيري ﵀: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو لا يتجمَّل بوجود مملوكاته، ولا يَلحقه نقصٌ بعدم مخلوقاته، يُحيي مَن يشاء بعرفانه، ويميت مَن يشاء بكفره وطغيانه، يُحيي مَن أقبل عليه بتضرُّعه ويميت مَن أعرض عنه بترفُّعه (١). * * * (١١٧) - ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية: قال ابن عباس ﵄: ولما نزلت هذه السورة وفي آياتها بيانُ معاملات المنافقين على التفصيل (٢) ظننَّا أنه لا يبقى أحدٌ منَّا إلا نزل فيه قرآنٌ، إلى أن نزلت هذه الآية، وكانت السورة تدعى: الفاضحة، ولما نزلت هذه الآية سُميت بها: سورةَ التوبة (٣). وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ قال أبو عبيدة: هو مفتاح كلام، لمَّا كان هو سببَ التوبة على القوم ذُكر معهم (٤)، كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١].

стр. 3717

وقال ابن عباس ﵄: هو العفو عن إذنه للمنافقين بالتخلُّف عنه (١)، قال تعالى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾: قال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: هو في حقِّ زلَّاتٍ سبقت منهم يومَ أحد وغيره، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران: ١٥٥]. وقيل: هو في حقِّ هفَواتٍ كانت منهم في غزوة تبوك؛ همُّوا أن ينصرفوا في غير وقت الانصراف على غيرِ إذنٍ لشدائدَ أصابتهم. قال: ويجوز أن يكون أراد الإدامةَ والثباتَ (٢) على التوبة الياضية، كما عُرف في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وقولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] أنه على الدوام والثبات دون الابتداء والإنشاء. قال: ويحتمل أنه على أنهم حيث صبروا على ما أصابهم من الجهد والشدة كشف اللَّه عنهم أشياء كانت مستورةً عنهم، وجلَّى لهم أغطيةً كانت لا تنجلي لهم من قبلُ، فازدادوا تفويضًا وتسليمًا ورجوعًا إلى ربهم، فذلك توبةُ اللَّه عليهم وتوبتُهم إلى اللَّه تعالى (٣). ثم الجمعُ بين المهاجرين والأنصار وبين النبي ﷺ في هذا غايةُ التشريف لهم والتشهير (٤)، حيث أَشرك بينه وبينهم في التطهير. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾: أي: في غزوة تبوك وقد أصابتهم

стр. 3718

فيها مشقَّةٌ شديدة من قلةِ الزاد والماء والمركب، وهذا عن مجاهد وجابر وقتادة (١). قال عبد اللَّه بن محمد بن عقيل: كان ذلك عسرةً من الماء، وعسرةً من النفقة، وعسرةً من الظَّهر (٢). وقال ابن عباس ﵄: قيل لعمر بن الخطاب ﵁ في شأن العسرة، قال: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ إلى تبوك في قيظٍ شديد، فنزلنا منزلًا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننَّا أن رقابنا ستُقطع، حتى إنْ كان الرجل يذهبُ يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظنَّ أن رقبته ستُقطع، وحتى إن الرجل ينحرُ بعيره فيعصرُ فَرْثَه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، إن اللَّه قد عوَّدك في الدعاء خيرًا فادع اللَّه لنا، قال: "نعم" فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلَّت السماء ثم سكَبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (٣). وقال قتادة: ذُكر لنا أن الرجلين كانا يشقَّان التمرة بينهما، وكان النَّفَر يتداولون التمرة بينهم يمصُّها هذا ثم يشربُ عليها الماء، ثم يمصُّها هذا (٤). وقال الحسن ومَعْمرٌ: كان الرجلان والثلاثةُ على بعيرٍ واحد يتعاقبون، وكان زادُهم التمرَ والمَحْضَ (٥) وشيئًا من الشعير، وإهالةً مُنتنةً (٦).

стр. 3719

وفيها قصةُ دعائه بتمرٍ قليلٍ، وجَعْلِه في قصعةٍ، والدعاءِ (١) بالبركة، حتى أَخذ الناسُ -وهم أكثرُ من ثلاثين ألفًا- أزوادهم والتمرُ بحاله (٢). وفيها كانت قصةُ وضعه كفيه في ماءٍ قليل، وانفجارِ الماء من أصابعه العشر، حتى شربوا وسَقَوا دوابَّهم وملؤوا أوعيتهم (٣). وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ (٤): قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: ﴿يَزِيغُ﴾ بياء التذكير لتقدُّم الفعل، وقرأ الباقون بتاء التأنيث بسبب الجمع (٥)، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ [المائدة: ١١٣]. وقوله: ﴿يَزِيغُ﴾؛ أي: تميل ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾؛ أي: جماعةٍ، ولم يقل: زاغت، بل قال: ﴿كَادَ يَزِيغُ﴾ ولم يقل: قلوبهم، بل قال: ﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ وهذا في الزيغ يجوز أن يكون ميلًا عن المضيِّ وقصدًا للرجوع، ويحتمِل أن يكون وقوعَ الاضطراب في القلوب. يقول: تناهى بهم العسر، واشتدَّ عليهم الأمرُ، حتى قارَبوا أن تضطرب قلوب بعضهم، فتداركهم اللَّه، وكذا كان حال الأنبياء وأتباعِهم من قبلُ، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقال: ﴿وَلَمَّا

стр. 3720

يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وقال: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾: أي: وفَّقهم للرجوع إليه والاعتصام به، وقبِل ذلك منهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: والجمع بين الاثنين (١) للمبالغة والتأكيد. وإنما كرَّر ذكر التوبة لوجوهٍ: أحدها: أن قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ﴾ هو للتوفيق للتوبة، ثم قولَه: ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ لقبولها، والأول لِمَا سلف والثاني لِمَا كان منهم في هذه الغزوة، أو الأول للكلِّ والثاني لمن كاد يزيغ قلبه على الخصوص. وقيل: الأول: العفو، والثاني: التخفيف، حيث قفَل بهم النبيُّ ﷺ قبل الحرب، قاله الحسن، وهو كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]؛ أي: خفَّف عنكم فأسقطه عنكم. وقال الإمام القشيري ﵀: كذا سنَّةٌ اللَّه مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب وقاربوا من التلف، واستمكن اليأس من قلوبهم من النصرة، ووطَّنوا أنفسهم على أن يذوقوا أليمَ البأس والعسرة، يُمطر عليهم سحائبَ الجود والنصر الموعود، فيعيد عودَ الحياة بعد يبسه طريًّا، ويَردُّ وردَ الأُنس عقيب (٢) ذبوله غضًّا جنيًا (٣). * * * (١١٨) - ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ

стр. 3721

عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: أي: وتاب أيضًا على الثلاثة الذي خلِّفوا. قال قتادة: أي: عن غزوة تبوك (١). وقال مجاهد: أي: عن التوبة (٢). وقيل: أي: عن (٣) الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾، أو (٤) عن المذكورين في قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فابتهلوا ودعوا فتاب اللَّه عليهم. وللأول وجهان: أحدهما: أنه تقدَّمهم القوم فهم مخلَّفون بتقدُّم أولئك. والثاني: خلَّفهم اللَّه؛ أي خلَق فيهم التخلُّف، ودل ذلك على خلق الأفعال. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: أي: اتَّسعت، وقد رَحُب رُحْبًا بضم راء المصذر، فهو رَحْبٌ بفتحها، من حدِّ شرُف. و (ما) مع الفعل مصدر تقديره: برُحبها؛ أي: بلغ منهم الغمُّ والتأسُّف والندمُ مبلغًا لا يجدون منه مخرجًا ولا يهتدون لحيلة، كما قال الشاعر: كأنَّ بلادَ اللَّه وهي عريضةٌ... على الخائف المطلوب كُفَّةُ حابلِ (٥)

стр. 3722

وقوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: أي: اشتدَّ غمُّهم وضِيقُ صدورهم وحياؤهم فصاروا كأنهم لا يجدون موضعًا يُخفونها فيه. وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾: أي: أيقنوا أنه (١) لا معتَصَم من اللَّه إلا باللَّه، ولا مخلِّص من عقاب اللَّه إلا عفوُ اللَّه. وقيل: كان ذلك حين كلَّموا النبيَّ ﷺ في ذلك فلم يُجبهم بشيء. و ﴿حَتَّى إِذَا﴾ يقتضي جوابًا، وهو محذوف هاهنا، وهو معطوف عليه ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾، وهو أن يقال: خفَّف عليهم -أو: رحمَهم، ونحوه- ثم تاب عليهم. وقيل ﴿حَتَّى إِذَا﴾ كلمة غايةٍ وتقديره: وخلِّفوا إلى هذه الغاية ثم تاب عليهم، وعلى هذا الوجه لا حذف فيه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾: أي: وفَّقهم للتوبة فتابوا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: وهذا ظاهرٌ. والآية نزلت في كعب بن مالكٍ من بني سَلِمةَ، وهلال بن أمية الواقفيِّ، ومُرارةَ بنِ الربيع الزبيدي. وذكر محمد بن إسماعيلَ البخاريُّ في "الجامع": عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده أنه قال: لم أتخلَّفْ عن رسول اللَّه ﷺ في غزوة غزاها إلا غزوة تبوك، وكان من خبري: أنِّي لم أكن قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفْتُ عنه في تلك الغزوة، واللَّه ما اجتمعتْ عندي قبله راحلتان قطُّ حتى جمعتُهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول اللَّه ﷺ يريدُ غزوةً إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوةُ غزاها رسول اللَّه ﷺ في حرٍّ شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا وعدوًّا كثيرًا، فجلَّى

стр. 3723

للناس أمرهم ليتأهَّبوا أُهبةَ غزوِهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول اللَّه ﷺ كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتاب حافظ. يريد الديوان. قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيَّب إلا ظَنَّ أنه سيَخفى له ما لم ينزل فيه وحيٌ اللَّه تعالى، وغزا رسول اللَّه ﷺ تلك الغزوةَ حين طابت الثمار والظلال، وتجهَّز رسول اللَّه ﷺ والمؤمنون معه، فطُفقت أغدو لكي أتجهَّز (١) معهم، فأرجعُ ولم أقضِ شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي ذلك حتى خرج رسول اللَّه ﷺ والمسلمون معه ولم أقضِ شيئًا من جَهازي، فقلت: أتجهَّز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقُهم، فغدوتُ بعد أن فصَلوا لأتجهَّز فرجعتُ ولم أقضِ شيئًا، ثم غدوتُ ثم رجعتُ ولم أقضِ شيئًا، ولم يزَل بي ذلك حتى أسرعوا، وهممتُ أن ارتحلَ فأدركَهم وليتني فعلتُ، ولم يقدَّر لي ذلك، فكنتُ إذا خرجتُ في الناس بعد خروج رسول اللَّه ﷺ فطفتُ فيهم أَحزنني أنْ لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه النفاق (٢)، أو رجلًا ممن عذَره اللَّه من الضعفاء، ولم يذكُرني رسول اللَّه ﷺ حتى بلغ تبوكَ (٣)، فقال وهو جالس في القوم: "ما فعَل كعبٌ؟ " فقال رجل من بني سَلِمة: يا رسول اللَّه، حبسه بُرداه (٤) ونظرُه في عِطْفه، فقال معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلتَ، واللَّه يا رسول اللَّه ما علمنا عليه إلا خيرًا، فسكت رسول اللَّه ﷺ . قال كعب بن مالك: فلمَّا بلغني أنه توجَّه قافلًا حضَرني همِّي، وطَفِقْتُ أتذكَّر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سَخَط رسول اللَّه ﷺ غدًا، واستعنْتُ على ذلك بكلِّ ذي رأي من أهلي، فلمَّا قيل: إن رسول اللَّه ﷺ قد أظلَّ قادمًا زاح عني الباطلُ،

стр. 3724

وعرفت أني لن أخرج عنه أبدًا بشيءٍ فيه كذب، فأجمعتُ صِدْقه. وأصبح رسول اللَّه ﷺ قادمًا، وكان إذا قدم من سفره بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم يجلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلَّفون وطفِقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبل منهم رسول اللَّه ﷺ علانيَتهم وبايعهم واستغفرَ لهم، ووكَلَ سرائرهم إلى اللَّه تعالى، فجئتُه، فلما (١) سلمت عليه تبسَّم تبسُّم المغضَب ثم قال: "تعال"، فجئتُ أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفك، ألم تكن قد ابتَعْتَ ظَهْرَك؟! " فقلت: بلى، إني واللَّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أنْ سأخرج من سَخَطه بعذرٍ، ولقد أُعطيتُ جدلًا، ولكني واللَّه لقد علمتُ لئن حدَّثتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به عني ليوشكنَّ اللَّه أن يُسخطك عليَّ، ولئن حدَّثتُك حديثَ صدق تجدُ عليَّ فيه إنِّي لأرجو فيه عفو اللَّه، لا واللَّه ما كان لي من عذرٍ، واللَّه ما كنتُ قطُّ أقوى ولا أيسرَ مني حين تخلَّفتُ عنك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أمَّا هذا فقد صَدَق، فقُم حتى يقضيَ اللَّه فيك" فقمتُ، وسار رجال من بني سَلِمة فاتَّبعوني فقالوا لي: واللَّه ما علِمناك كنتَ أذنبتَ ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزتَ أن لا تكون قد اعتذرتَ إلى رسول اللَّه ﷺ بما اعتذر إليه المتخلِّفون (٢)، قد كان كافِيَكَ ذنبَك استغفارُ رسول اللَّه ﷺ ، فواللَّه ما زالوا يؤنِّبونني حتى أردتُ أن أرجع فأكذِّبَ نفسي، ثم قلت لهم: هل لقيَ هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، رجلان قالا مثلَ ما قلتَ فقيل لهما مثلُ ما قيل لك، فقلت: مَن هما؟ قالوا: مُرارة بن الربيع العنبريُّ وهلالُ بن أميةَ الواقفيُّ، فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فيهما أسوةٌ، فمضيت حين ذكروهما لي.

стр. 3725

ونهَى رسول اللَّه ﷺ المسلمين عن كلامنا مِن بينِ مَن تخلَّف عنه، فاجتنبَنا الناس وتغيَّروا لنا، حتى تنكَّرتْ في نفسي الأرضُ فما هي التي أعرفُ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً، فأمَّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنتُ أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكنتُ أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلِّمني أحدٌ، وآتي رسول اللَّه ﷺ فأسلِّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرَّك شفتيه بردِّ السلام عليَّ أم لا؟ ثم أصلِّي قريبًا منه فأسارقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي أقبلَ إليَّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عنِّي، حتى إذا طال عليَّ ذلك من جفوةِ الناس مشيتُ حتى تسوَّرتُ جدار حائط أبي قتادة، وهو ابنُ عمي وأحبُّ الناس إليَّ، فسلَّصتُ عليه فواللَّه ما ردَّ عليَّ السلام، فقلت: يا أبا قتادة! أَنشدُكَ باللَّه هل تعلمُ أني أحبُّ اللَّه ورسوله؟ فسكتَ، فعدتُ له فنَشَدْتُه فسكت، فعدتُ له فنَشدْتُه فسكت، فعدتُ له فنَشدْتُه فقال: اللَّه ورسوله أعلمُ، ففاضت عيناي وتولَّيت حتى تسوَّرتُ الجدار. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنَبَطيِّ من أنباط الشام ممن قدِم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: مَن يدلُّ على كعب بن مالك؟ فطَفِق الناسُ يشيرون له إليَّ، حتى إذا جاءني دفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، فإذا فيه: أمَّا بعدُ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يَجعلك اللَّه بدارِ هوانٍ ولا مَضْيعةٍ، فالْحَقْ بنا نواسك، فقلتُ لما قرأتُها: وهذا أيضًا من البلاء، فتيمَّمت بها التَّنُّور فسجَرْتُه بها. حتى إذا مضت أربعون ليلةً من الخمسين إذا رسولُ رسولِ اللَّه ﷺ يأتيني فقال: إن رسول اللَّه ﷺ يأمرُك أن تعتزلَ امرأتك، فقلتُ: أطلِّقُها أم ماذا أفعل؟ قال: لا بل اعتزِلها ولا تَقْرَبها، وأَرسل إلى صاحبيَّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الْحَقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضيَ اللَّه في هذا الأمر.

стр. 3726

قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أميةَ رسولَ اللَّه ﷺ فقالت، إن هلال بن أمية شيخٌ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه، قال: "لا، ولكنْ لا يَقْربْكِ" قالت: واللَّه ما به حركةٌ إلى شيء، واللَّه ما زال يبكي مذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعضُ أهلي: واللَّه لو استأذنتَ رسول اللَّه ﷺ في امرأتك كما استأذنَتِ امرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: واللَّه لا أستأذن فيها رسول اللَّه ﷺ ، وما يدريني ما يقولُ رسول اللَّه ﷺ إذا استأذنتُه فيها وأنا رجل شابّ؟ فلبثتُ بعد ذلك عشرَ ليالي حتى كَمَلتْ لنا خمسون ليلة مِن حينِ نَهَى رسول اللَّه ﷺ عن كلامنا، فلما صلَّيت الفجر صبحَ خمسين ليلةً وأنا على ظهر بيتٍ من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر اللَّه تعالى قد ضاقت نفسي وضاقت عليَّ الأرض بما رحُبت، سمعتُ صوت صارخٍ أوفَى على جبل سَلْعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالكٍ أبشِرْ، فخَررتُ ساجدًا، وعرفتُ أنْ قد جاء الفرجُ (١). وآذن (٢) رسولُ اللَّه ﷺ بتوبةِ اللَّه علينا حين صلَّى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشِّروننا، وذهب قِبَل صاحبيَّ مبشِّرون، وركض رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعى ساعٍ مِن أسلمَ (٣) فأَوْفَى على الجبل، فكان الصوتُ أسرعَ من الفرس، فلما جاءني الذي سمعتُ صوتَه يبشِّرني نزعتُ له ثوبيَّ فكَسَوْتُه إياهما ببُشراه، واللَّه ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرتُ ثوبين فلبستُهما وانطلقتُ إلى رسول اللَّه ﷺ ، فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا يهتفُ لي بالتوبة، يقولون: ليَهْنِك توبةُ اللَّه عليك. قال كعبٌ: حتى دخلتُ المسجد، فإذا برسول اللَّه ﷺ جالسٌ والناسُ حوله،

стр. 3727

فقام إليَّ طلحةُ بن عبيد اللَّه يهرولُ حتى صافحني وهنَّأني، واللَّه ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة. قال كعب: فلما سلَّمْتُ على رسول اللَّه ﷺ قال رسول اللَّه ﷺ وهو يَبْرُق وجهُه من السرور: "أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدَتْكَ أمُّك" قلتُ: أمِن عندك يا رسولَ اللَّه أم مِن عند اللَّه؟ قال: "لا، بل من عند اللَّه"، وكان رسول اللَّه ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعةُ قمر، وكنَّا نعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلتُ: يا رسول اللَّه، إن من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقةً إلى اللَّه تعالى وإلى رسوله، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أمسِكْ عليك بعضَ مالك فهو خيرٌ لك"، قلتُ: إني أمسكُ سهمي الذي بخيبر، فقلتُ: يا رسول اللَّه، إنما نجاتي بالصدق، وإنَّ من توبتي ألَّا أحدِّث إلا صدقًا ما بقيتُ، فواللَّه ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه اللَّه تعالى من صدقِ الحديث منذ ذكرتُ ذلك لوسول اللَّه ﷺ أحسنَ مما أبلاني، ما تعمَّدتُ منذ ذكرتُ ذلك لرسول اللَّه ﷺ إلى يومي هذا كذبًا، وإني لأرجو أن يحفظَني اللَّه تعالى فيما بقيتُ. فأنزل اللَّه تعالى على رسول اللَّه ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، فواللَّه ما أنعمَ اللَّه عليَّ من نعمةٍ قط بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صِدقي رسولَ اللَّه ﷺ أنْ لا أكونَ كذَبْتُه فأَهلِكَ كما هلك الذين كذَبوا، فإن اللَّه تعالى قال للَّذين كذَبوا حين أَنزل الوحيَ شرَّ ما قال لأحد، قال سبحانه: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال كعب: وكنَّا تخلَّفنا [أيها الثلاثة] عن أمر أولئك الذين قبِل منهم رسول اللَّه ﷺ حين حلفوا له فبايَعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول اللَّه ﷺ أمرَنا حتى قضى اللَّه ﵎ فيه، فلذلك قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وليس الذي

стр. 3728

ذكَر اللَّه مما خلِّفْنا عن العزو، وإنما هو تخليفُه إيانا وإرجاؤه أمرَنا عمَّن حلف له واعتذر إليه فقَبِل منه (١). * * * (١١٩) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: أي: القائلين بالحقِّ العامِلِين به، و: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ في معنى: من الصادقين، أو: في الصادقين؛ لأن (مع) هو للمصاحبة، و (في) للوعاء، و (من) للتبعيض، فإذا كانوا في جملتهم فهم على المعاني الثلاثة. وقيل: هذا أمر للصحابة رضوان اللَّه عليهم إذا خرجوا مع رسول اللَّه ﷺ أن يتَّقوا مخالفتَه، وأن يكونوا على مذهبِ مَن يستعمل الصدق في أقواله وأفعاله، وهو من قولك: أنا مع فلان؛ أي: على مذهبه. وقيل: معناه: اتَّقوا اللَّه في الدنيا لتكونوا مع الصادقين في الجنة في العقبى، من قول اللَّه تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]، وطريقُه طريقُ قولك: ائتني وخُذْ كذا؛ أي: لتأخذَ كذا. وفي قصة كعبٍ التي سُقناها ما يدلُّ على أن الآية نزلت في المجاهدين، فقد قال اللَّه تعالى فيهم: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، وليس هو مجرَّدَ القول، بل هو التحقيقُ في الإيمان، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فكان معنى الآية: ولا تعودوا إلى التخلُّف عن رسول اللَّه ﷺ في مغازيه لتكونوا قد صدَقْتُم في إيمانكم.

стр. 3729

وقال الحسن (١): بلغني أنه كان لأحدهم حائطٌ كان يومئذ خيرًا من مئة ألف درهم، فقال: يا حائطاه! ما خلَّفني عن رسول اللَّه ﷺ إلا ظلُّك وانتظارُ ثمرك، اذهب فأنت في سبيل اللَّه، ثم لحق برسول اللَّه ﷺ ، وأما الآخرُ فلم يكن له إلا أهيلٌ له، فقال: يا أهيلاه (٢)! ما بطَّأني عن رسول اللَّه ﷺ ولا خلَّفني عنه إلا الضِّنُّ بك، لا جرم واللَّه لأكابِدَنَّ المفاوزَ حتى ألحق برسول اللَّه ﷺ ، وأما الثالث فلم يكن له أهل ولا مال فقال: يا نفسُ! واللَّه ما خلفني عن رسول اللَّه ﷺ إلا حبُّ الحياة لا جرم (٣) واللَّه لأكابدنَّ الشدائد حتى أَلحق برسول اللَّه ﷺ ، ثم ركب نعليه (٤) ومعه زادُه تحت إبطه، فلحق برسول اللَّه ﷺ . وقال ابن عباس ﵄: يا أيها الذين آمَنوا من أهل الكتاب، اتَّقوا اللَّه وكونوا مع الصادقين؛ أي: مع المجاهدين (٥). وقيل: يا أيها الذين آمَنوا من أهل مكة ولم يهاجروا، اتَّقوا اللَّه وكونوا مع المهاجرين.

стр. 3730

قال الضحاك: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: مع أبي بكر وعمر ﵄ (١). وقال الإمام أبو منصور ﵀: اتقوا مخالفةَ اللَّه فيما يأمركم به، وكونوا مع الموافِقين لأمره. ودلت الآية على أن إجماع الأمة حجةٌ؛ لأنَّه أمرهم بالكون مع الصادقين في دِينه، فلزم قبول قولهم (٢). وقال يمانُ بن رئابٍ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾: اصْدُقوا كما صَدَق هؤلاء الثلاثة. وقال ابن مسعود ﵁: واللَّه ما يَصلُحُ الكذب في جِدٍّ ولا هَزْلٍ، ولا أن يَعِدَ (٣) أحدُكم صبيَّه ثم لا يُنجزه، اقرؤوا إن شئتم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤).

стр. 3731

وقال عبد اللَّه بن عامر: أتانا رسول اللَّه ﷺ في بيتنا وأنا صبيٌّ، فخرجت ألعبُ، فقالت أمي: تعال أعطِكَ، فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما أردتِ أن تعطيهِ؟ " قالت: تمرًا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "أمَا إنك لو لم تُعطِه كانت كذبة" (١). وقال قتادة: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الصدقُ في النية، والصدقُ في العمل، والصدقُ في الليل والنهار، والصدق في السرِّ والعلانية (٢). وقال أهل المعرفة: هو الصدقُ في الأحوال. وفي الزَّبور: كَذَب مَن ادَّعَى محبَّتي فإذا جنَّه الليل نام عنِّي. * * * (١٢٠) - ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾: ثم حثَّ ﷻ ساكني المدينةِ من غير المهاجرين والأنصارِ ومَن حولهم من الأعراب -مُزينةَ وأشجعَ وأسلمَ وجهينةَ وغِفار- على ما حثَّ عليه الأنصار، فقال: ما ينبغي لهؤلاء أن يتخلَّفوا عن رسول اللَّه ﷺ إذا استَنفرهم واستَنهضهم إلى

стр. 3732

غزوٍ، ولا أنْ يَضِنُّوا بأنفسهم حتى ينفرد هو بتحمُّل المشقَّة دونهم، بل يلزمُهم جميعًا أن يخرجوا معه. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: ولا أن يرغبوا، عطفًا على الأول، والرغبة: طلب المغفرة، فقولك: رغب في كذا؛ أي: طلب المنفعةَ به، وقولك: رغب عن كذا؛ أي: طلب المنفعة بتركه، ومعنى ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾؛ أي: يطلبوا المنفعة بتوقيَةِ أنفسهم دون نفسِ رسول اللَّه ﷺ . وقال قطربٌ: أي: لا يَكرهوا لأنفسهم ما يَرضاه الرسولُ لنفسه. وقال أبو الهيثم السِّجْزيُّ (١): أي: لا يكونوا أشفقَ على أنفسهم منهم على رسول اللَّه ﷺ . وقال ابن كيسان: أي: لا يرضَوا أن يكونوا في خَفْضٍ ودَعةٍ ورسولُ اللَّه ﷺ في شدةٍ ونصَب. وقال القشيري ﵀: أي: ليس لهم أن يُؤْثِروا على النبي ﷺ شيئًا من أهل وولد ومال ونفسٍ وروح، ولا يخسرون بذلك به (٢). ثم وصل به ما يحرِّكهم به عليه، وهو قوله تعالى:

стр. 3733

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي: ذلك الحثُّ والترغيب بأنهم لا ينالهم عطشٌ ولا تعبٌ ولا مجاعة في طريق الجهاد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾: أي: ولا يطؤون بأقدامهم أو خيولهم أرضًا، والموطئ يجوز أن يكون مصدرًا ويجوز أن يكون موضعًا كالموضِع (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾: أي: لا يجدون، ومعناه: لا يصيبون من أحدٍ منهم شيئًا من جَرحِ أو قتلٍ أو ضربٍ أو تشديدٍ أو أخذِ مالٍ ونحوِ ذلك. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾: أي: حَصَل لهم بكلِّ واحدٍ من هذه الآثار حسنةٌ مقبولة. وإنما قال: ﴿بِهِ﴾ مع ذكر أشياءَ جمعًا؛ لأنه لمَّا أَدخل بين شيئين (لا) مكرَّرًا صار كلُّ فعل مفرَدًا بالذكر مقصودًا بالوعد، وهو كما قال أصحابنا: مَن حلَف لا يأكل خبزًا ولا لحمًا، يَحنث بواحدٍ منهما، ولو قال: واللَّه لا آكلُ خبزًا ولحمًا، لم يحنث إلا بهما جميعًا. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾: أي: هم محسِنون، واللَّه لا يُبطِل ثوابَهم. * * * (١٢١) - ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾: قال ابن عباس ﵄: قليلةً ولا كثيرةً (٢).

стр. 3734

وقيل: ﴿صَغِيرَةً﴾: إنعالُ فرسٍ، أو خَرْزُ مِطْهرةٍ، أو خَصْفُ نعلٍ، و ﴿كَبِيرَةً﴾: شراكُ كُراعٍ أو سلاح، أو إعدادُ زاد. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾: قال ابن عباس ﵄: مُقبِلين ومُدْبرين (١). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾: أي: عملٌ صالحٌ كما مرَّ مرةً، ويستقيم: إلا كُتب لهم ذلك. وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾: أي: يأمر بكتابةِ هذه الأشياء في كتبهم ليُخرجها لهم يوم القيامة، فيجزيَهم على كلِّ وأحد منها جزاءَ أحسنِ عملٍ كان لهم، فيُلحق ما دونه به شكرًا لسعيهم وتوفيرًا لأجرهم. قالوا في الآية: إن مَن قصَد طاعةً كان قيامُه وقعودُه ومشيُه وحركاتُه فيها كلُّها حسناتٍ مكتوبةً له، فما أعظمَ بركات الطاعات. وقال قتادة: ما ازداد قومٌ في سبيل اللَّه من أهاليهم بعدًا إلا ازدادوا من اللَّه قربًا (٢). وقال القشيريُّ ﵀: ذلك بأنهم لا يرفعون لأجله سبحانه خطوةً إلا قابلهم بألفِ خطوةٍ، ولا ينقلون للَّه قدمًا إلا لقَّاهم لطفًا وكرمًا، ولا يقاسون فيه عطشًا إلا سقاهم من شرابِ لطفه كأسًا، ولا يتحملون لأجله مشقَّةً إلا أعطاهم سرورًا ونصرةً، ولا ينالون من الأعداء ما يوجب وهَنهم إلا شكَر سعيَهم (٣). * * * (١٢٢) - ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.

стр. 3735

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾: قال الكلبي: لمَّا أنزل اللَّه تعالى عيوبَ المنافقين وبيَّن نفاقهم في غزوة تبوك، قال المؤمنون: واللَّه لا نتخلَّف عن غزوةٍ يغزوها رسول اللَّه ﷺ ولا سريةٍ أبدًا، فلما قدم رسول اللَّه ﷺ وأمر بالسرايا إلى العدو (١) نفر المسلمون ﵃ أجمعين- جميعًا، وتركوا رسول اللَّه ﷺ وحده بالمدينة، فنزلت الآية الكريمة الشريفة عليه ﷺ (٢). فعلى هذا تفسيرُ الآية: ليس من حُكم المؤمنين ﵃ أن ينفروا جميعًا ويتركوا رسول اللَّه ﷺ بغيرِ أصحابٍ ويضيِّعوا أهاليَهم وأموالَهم، فهلَّا خرج من كلِّ قبيلةٍ جماعةٌ منهم للغزو، وقعد طائفةٌ ليتعلَّموا من رسول اللَّه ﷺ القرآن والأحكام. والتفقُّه: التفعُّل من الفقه، وهو طلبُه وتحصيلُه، والفقه: فهمُ موجَبات المعاني المضمَّنةِ فيها من غير تصريحٍ بالدلالة عليها، ولينذرَ هؤلاء المتفقِّهون قومَهم الخارجين إلى الغزو إذا رجعوا من الغزو إليهم ليَحذروا مخالفةَ الشرع إذا سمعوا وعلموا (٣). وبنحوه قال ابن عباس ﵄: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا﴾ جميعًا ويتركوا النبيَّ ﷺ وحده، فهلَّا ﴿نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ يعني: السرايا، ولا يخرجوا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا ونزل بعدهم قرآنٌ تعلَّمه القاعدون من النبيِّ ﷺ ، قالوا: إن اللَّه تعالى أنزل على نبيِّكم بعدكم قرآنًا، وقد تعلَّمناه، فيمكثُ السرايا يتعلَّمون ما أَنزل اللَّه تعالى على نبيِّهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، [فذلك قوله]:

стр. 3736

﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [يقول]: حتى يعلموا ما أنزل اللَّه على نبيِّهم ويعلِّموه السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرون (١). وذكر الإمام أبو منصور ﵀ هذا القول وقولًا آخر عن بعضهم: أن النبي ﷺ كان إذا خرج للغزو خرجوا جميعًا معه، فتبقى المدينة خاليةً من الرجال، فنهَى اللَّه عن ذلك وقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ مع رسول اللَّه ﷺ ، فهلا نفر من كلِّ عشيرة قومٌ ليتفقَّهوا في الدين من رسول اللَّه ﷺ ولينذروا قومهم أهلَ المدينة إذا رجع المتفقِّهون إليهم لعلهم يحذرون. وقيل: ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾؛ أي: وليُخْبروا الكفَّار المقيمين بالمدينة بما نصَر اللَّه به رسولَه وقهر أعداءه، وليحذَر الكفارُ عن أن ينالَهم كذلك فيُسلموا، وإليه ذهب الحسنُ وابن كيسان، وقالا: نسخت هذه الآية ما قبلها: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ ﷺ (٢). وهذه الآيةُ في الظاهر بخلافِ قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ ولكنَّ التوفيق بينهما: أن النبيَّ ﷺ إذا خرج وفي أصحابه قلةٌ فعلى الاخرين أن يخرجوا معه، وإذا خرج وفي أصحابه كثر قعد البعض لحفظ المدينة والأهل والولد. وقيل: أحدهما إذا عمَّ النَّفيرُ والآخر إذا لم يعمَّ. وذكر أيضًا قولًا ثالثًا: أنه في الوفود القادمين من الآفاق للتعلُّم (٣). وقد رُوي أن حيًّا من بني أسد بن خُزيمة أصابتهم سنةٌ وشدةٌ، فأقبلوا بالذراري معهم والصِّبية حتى نزلوا المدينة، وأفسدوا طرقها بالعَذِرات وأَغلوا أسعارها، فنزلت:

стр. 3737

﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية (١)، وفيه تعليمٌ لهم أن الواجب عليهم أن ينفر إلى رسول اللَّه ﷺ قومٌ يتعلَّمون ثم يرجعون إلى مواضعهم فيعلِّمون أولئك. قال: وفي الآية دليلُ سقوط الجهاد عن الجماعة إذا قام به البعض. وفيها دلالةُ لزوم العمل بخبر الآحاد (٢) وإن احتمَل الغلط؛ لأن الطائفة تحتمِل اجتماعهم على الكذب أو الغلط، ثم ألزمَ قومهم قبول خبرهم (٣). وقال القشيري ﵀: المسلمون على مراتب: فعوامُّهم كالرعية للملك، وكتبةُ الحديث كخُزَّان الملك، وأهلُ القرآن كحفَّاظ الدفاتر ونفائس الأموال، والفقهاءُ بمنزلة الوكلاء للملك؛ إذ الفقيهُ يوقِّع عن اللَّه تعالى، وعلماءُ الأصول كالقوَّاد وأمراء الجيوش، والأولياء كأركان الباب، وأربابُ القلوب وأصحابُ الصفا كخواصِّ الملك وجلسائه، فيشتغل كلُّ قوم بحفظ أركان الشرع، وآخرون بإمضاء الأحكام، وآخَرون بالردِّ على المخالِفين، وآخرون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجُعل قومٌ مفردِين بحضور القلب وهم أصحابُ الشهود، وليس لهم شغل، يراعون مع اللَّه أنفاسهم وهم أصحاب الفراغ، لا يستفزُّهم طلب ولا يهزُّهم أربٌ (٤)، فهم باللَّه للَّه بمحوٍ [عن] ما سوى اللَّه، وأما الذين يتفقَّهون في الدين فهم الداعون إلى اللَّه، وإنما يُفهِم الخلقَ عن اللَّه إذا كان يَفهم عن اللَّه (٥). * * * (١٢٣) - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾: أي: يَقْربون

стр. 3738

منكم، وقد وَليَه يَليهِ وَلْيًا؛ أي: جاهِدوا الأقربَ فالأقربَ إليكم، ولا تدَعوا الأقربَ وتقصِدوا الأبعد فيَقصدَ الأقربُ بلادَكم وأهاليَكم وأموالكم وأولادَكم. وفيه: أنهم إذا أمِنوا الأقربَ كان لهم مجاوزتُهم إلى الأبعد (١). قال ابن عباس ﵄: أمر اللَّه المؤمنين أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوِّهم من أهل المدينة مثلَ قُريظةَ والنَّضير وخيبرَ وفدك (٢). وذكر أن الذين يلُونهم من الأعداء يومَ نزول هذه الآية هم الروم الذين بهم ختم رسول اللَّه ﷺ غزوة تبوك؛ لأن بلاد العرب كانت قد فتحت عليه وكانت مسافتهم إلى الروم أقرب منها إلى بلاد الأعاجم (٣)، وكان الكلام متصلًا بما تقدم من ذكر غزوة تبوك. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: كان هذا الأمر أولًا بقتال الأدنى فالأدنى، ثم ورد الأمر بقتال الكلِّ بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. وقيل: كان النبي ﷺ إذا غزا ربما يجاوز (٤) كفارًا ويقاتل الأبعدَ لتكون آية لنبوته، وأنه لا يبالي ولا يخاف مَن ترَكَه، فنزلت الآية تعليمًا للمؤمنين أمرَ الحرب كما علَّمهم ذلك في سائر الآيات من الأمر بأخذِ الحذر وإعدادِ ما استطاعوا من قوة. وقيل: هذا إنباءٌ عن دوام الجهاد مع الأعداء أبدًا؛ لأنَّه كلما فُتح ناحيةٌ صار الذين بقُوا وراء هؤلاء يلونهم (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾: قال الضحاك: أي: عنفًا، وقال مجاهد:

стр. 3739

أي: شدة، وقال عطاء: أي: شجاعة، وقال الحسن: أي: صبرًا (١). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾: أي: معكم إن اتَّقيتُموه (٢) في أوامره ونواهيه من الجهاد وغيره، ومعكم؛ أي: مُعِينُكم وناصرُكم وحافظُكم. * * * (١٢٤) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾: أي: فمِن المنافقين مَن يقول لأصحابه أو لضَعَفة المؤمنين على سبيل الهزء والاستخفاف بالقرآن عند نزول السورة: أيُّكم زادته هذه السورة تصديقًا؛ أي: إنَّا لم نزدَدْ بهذه إيمانًا، ولا أحدث بنا (٣) نزولُها تصديقًا بما يدَّعيه محمد من الوحي والشرائع التي فيها المشاقُّ والمخاطرةُ بالنفوس والأموال والأولاد. ثم أجيبوا عن هذا بما يذكر بعده، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: أي: فأما المخلِصون فإن هذه السورة صارت سببًا لزيادة تصديقهم ويقينهم وإخلاصهم، وهم يفرحون بما نزل فيها من الوعد على الإيمان والعمل حتى يتبيَّنُ ذلك في وجوههم وبشرتهم. * * * (١٢٥) - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: أي: شك، وقيل: أي: نفاق، وقيل: غلٌّ، وقيل: ضغنٌ على المؤمنين. وقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾: أي: صارت سببًا لزيادة كفرهم وتكذيبهم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].

стр. 3740

وقيل: الرِّجس: الأذى، ومعناه: امتلاءُ صدورهم من الغيظ مما يَرون من علوِّ المسلمين وقهرِ الكافرين والمنافقين. وقوله تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾: وهو إخبار عن إصرارهم عليه إلى الموت، وهو كقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠]. وقال القشيري ﵀: إنزالُ (١) القرآن لقوم شفاءٌ ولقوم شقاء، فأما المخلصون فزادتهم السورة إيقانًا فارتقَوا من حدِّ تأمُّل البرهان إلى روح البيان، ثم من روح البيان إلى أُنس العِيان، فشُموسُ العِرفان طالعة على أسرارهم، وأنوار التحقيق مالكةٌ لأرواحهم، فلا لهم تعبُ الطلب، ولا عليهم سلطان الفكر والدأب، وشعاعُ شُموس العرفان مستغرقٌ لأنوار العلم والبيان، يقول قائلهم: فلمَّا استبانَ الصُّبحُ أَدْرَجَ ضوءُه... بإسفاره أنوارَ ضوءِ الكواكب (٢) * * * (١٢٦) - ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾: قرأ حمزة: ﴿أَوَلَا تَرَوْنَ﴾ بتاء المخاطبة للمؤمنين، وقرأ الباقون بياء المغايبة خبرًا عن المنافقين (٣)؛ أي: عجبًا منهم كيف قستْ قلوبهم وعَمِيت أبصارهم عما يَتتابع عليهم من أنواع المحن حتى لا يخلو كلُّ عامٍ من محنةٍ أو محنتين، ثم لا يرجعون عن كفرهم ولا يتَّعظون بما يصيبهم. وقال الحسن وقتادة: هذه الفتنة هي القتلُ (٤) والسبيُ ونصرُ المؤمنين (٥).

стр. 3741

وقال مجاهد: القحط والجوع (١). وقيل: بهتك أستارهم كإخراجهم من المسجد وطردِهم عن المحافل. وقيل: بالمرض والحوادث. وقال الإمام أبو منصور ﵀: قيل: يُبتلَون بالجهاد والغزو، فيتخلَّفون عنه فيظهر بذلك نفاقُهم (٢). وقال عكرمة: ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون (٣). وقال يمان بن رئاب: ينقضون عهدهم مرةً أو مرتين. وقال القشيري ﵀: ثم إن سنةَ اللَّه تعالى ألَّا يُخلي أرباب التكليف من دلائل التعريف، والتحريكِ لهم في كل وقت بنوعٍ من البيان، والتعريك في كلِّ أوانٍ بضربٍ من الامتحان، فمنهم مَن لا يزداد بإيضاح البرهان إلا زيادةَ الخذلان، والحَجْبةَ عن فوائد البيان، وأما أصحاب الحقائق فما يكون لغيرهم في كلِّ عامٍ مرة أو مرتين فلهم في كلِّ نَفَسٍ مرات وتارات، لا يخليهم الحق سبحانه من زواجرَ توجِب بصائر، وخواطرَ زواهرَ تتضمن تكليفاتٍ وأوامر، قال قائلهم: كأن رقيبًا منك حلَّ بمهجتي... إذا رُمتَ تسهيلًا عليَّ تصعَّبا (٤) * * * (١٢٧) - ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.

стр. 3742

وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: أي: بعضُ هؤلاء المنافقين إلى بعضٍ إيماءً ببصره واستخبارًا بإشارته. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾: أي: هل يتفقَّد (١) انصرافكم أحدٌ من المخلِصين. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾: أي إذا وجدوا غفلةً من المؤمنين انصرفوا كراهيةً لسماع القرآن. وقيل: خوفًا مما ينزل من ذكر مقابحهم. وقيل: حذرًا من نزول الأمر بالجهاد، وتكليفِ النبيِّ ﷺ إياهم بالخروج، واضطرارِهم إلى الإجابة إذا خاطبهم به. وقيل: هي كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]. وقوله تعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾: حيث اختاروا الانصراف عن الإيمان، وعلِم اللَّه ذلك منهم فصرفهم عنه، وهو دليلُ خلقِ الأفعال، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]. وقال الحسن: ثم انصرفوا على عزم الكفر والتكذيب بمحمدٍ والقرآن (٢). وقوله تعالى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾: أي: استَحقُّوا ذلك عقوبةً لهم على تركهم التدبُّر في القرآن كمَن لا يفقهُ ذلك. * * * (١٢٨) - ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.

стр. 3743

وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: ختم السورة بذكر صفات الرسول الذي أنزل عليه القرآن، ومنه كان لهم البيان؛ كما في هذه السورة وسائر الفرقان. وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾: أي: آدميٍّ مثلِكم. وقيل: هو خطاب للعرب؛ أي: من نسبكم عربيٌّ مثلُكم، وذاك أقرب إلى الألفة، وأبعدُ من اللَّجاجة، وأسرع إلى فهم الحُجة. وقيل: لمَّا كان منكم وقد عرفتُم صدقَه وأمانته لم يقع في قلوبكم كذبُه ولا خيانتُه (١). وقرأ ابن عباس وفاطمة بنت رسول اللَّه ﷺ ورضي عنها: (مِن أَنْفَسِكم) بفتح الفاء (٢)؛ أي: من أشرَفكم وأفضلِكم، من قولهم: شيءٌ نفيسٌ؛ أي: خطير. وقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾: أي: شديدٌ عليه عنَتُكم؛ أي: هلاكُكم، و قيل: مشقَّتُكم، وقيل: إثمكم. وقيل: العنتُ: الأذى الذي يَضيقُ به الصدر، ولا يهتدي للمخرج منه؛ أي: لشفقته عليكم يَشُقُّ عليه ما يسوءكم. وقيل: أي: لا يدعوكم إلى شيء فيه ذلك، بل إلى كلِّ يُسرٍ وخفَّه (٣). وقال عبد العزيز بن يحيى الكِنَانيُّ: ﴿عَزِيزٌ﴾ نَعَتَه بالعزَّة على ربِّه ثم قال: ﴿عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾؛ أي: عليه الشفاعةُ فيما أثمتُم كالدِّية على العاقلة (٤).

стр. 3744

وقوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾: أي: على إيمانِ مَن لم يؤمِن منكم. وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: الرأفة: أشدُّ الرحمة، والرحمةُ أعمُّ من الرأفة؛ لأنَّها استعملت في كلِّ نفع كالمطر والسعة والعافية وغيرها، فكان المعنى في الرؤوف: الشَّفيق (١) العطوف، وفي الرحيم: النافع المُفْضِل (٢). وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع اللَّه تعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا لنبيِّنا محمدٍ ﷺ ، فإنه قال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقال لإبراهيم: ﴿حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال لإسماعيل: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] وليحيى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]. * * * (١٢٩) - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: أي: قرَّرنا صفاتك عندهم، فإن أعرضوا عنك ولم يصدِّقوك بل خالفوك وعادَوك ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فعرِّفْهم أن اللَّه أن الذي لا إلهَ إلا هو كافيكَ مكروههم (٣) وناصرُك عليهم. وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: أي: أخبرهم أنك فوَّضْتَ أمورك إليه. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾: أي: ذو القدرة والسلطان والملك، والعرشُ عبارةٌ عن الملك، يقال: ثُلَّ عرشُه؛ أي: زال ملكه. وإنْ حُمل على العرش الذي فوق السماوات فذكرُه ذكرُ كلِّ المخلوقات لأنه

стр. 3745

أعظمُها فذكرُه ذكرها، وإضافةُ اللَّه إليه إضافةُ (١) بيانِ خَلْقه ومُلْكه وقدرته وعلمه وعظمته وسلطانه (٢). وقال القشيري ﵀: لقد جاءكم رسولٌ يشاكِلُكم في البشرية لكنه يأتيكم فيما أفردناه (٣) به من الخصوصية، وأَلْبسناه لباسَ الرحمة عليكم، وأقمناه بشواهدِ العطف والشَّفقة على جملتكم، قد وكَل همَّته بشأنكم، [و] أكبر (٤) همَّته في إيمانكم. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أمرَه أن يدعوَ الخلق إلى التوحيد، ثم قال: فإن أعرضوا عن الإجابة فكنْ لنا بنعتِ التجريد. ويقال: قال له: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] ثم أمره بأن يقول: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ عينُ الجمع، وقوله: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ تفرقةٌ، بل هو جمع الجمع؛ أي: قل، ولكنْ بنا تقول، فنحن المتولُّون عنك، وأنت مستهلَكٌ (٥) في عين التوحيد، فأنت بنا، ومحوٌ عن غيرنا (٦). وروَى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبيِّ بن كعب: أنهم جمعوا القرآن في مصحفٍ في خلافة أبي بكر ﵁، فكان رجال يكتبون يملي عليهم أبيُّ بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ظنُّوا أنه آخرُ القرآن، فقال لهم أبي بن كعب: إن النبي ﷺ قد أقرأني بعد هذه آيتين: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر السورة، فهذا آخر ما أنزل من القرآن، فخُتم الأمرُ

стр. 3746

بما فُتح به؛ بـ: لا إله إلا اللَّه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] (١). وقال البراء بن عازبٍ: آخرُ سورةٍ نزلت كاملةً براءة (٢). وقال يحيى بنُ جَعْدةَ: كان عمر ﵁ لا يَكتب آيةً في المصحف حتى يَشهَدَ عليها رجلان، فجاءه رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة التوبة، فقال عمر ﵁: واللَّه لا أسألك عليهما بينةً كذلك كان رسول اللَّه ﷺ ، فأثبتَه (٣). والحمد للَّه رب العالمين، قد أتممت هذه السورة بعون اللَّه وطاقته، وتوفيقه ورأفته.

стр. 3747

التيسير في التفسير تأليف الإمام أبي حفص النسفي نجم الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي الحنفي (٤٦١ - ٥٣٧ هـ) يطبع أول مرة محققًا على ثلاث نسخ خطية تحقيق وتعليق جمال عبد الرحيم الفارس المجلد الثامن دار اللباب

стр. 3748

سورة يونس

стр. 3749

سورة يونس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بسم اللَّه الَّذي أنزلَ آياتِ الكتاب الحكيم، الرَّحمنِ الَّذي يدعو إلى دار السَّلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، الرَّحيمِ الَّذي لا رادَّ لفضلِه يصيبُ به مَن يشاءُ مِن عباده وهو الغفور الرَّحيم. وهذه السُّورة مكيَّةٌ، وهي مئة وعشر آيات، وقيل: تسع، وقيل: ثمان، والاختلاف في ثلاث آيات: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢]. وكلماتُها ألفٌ وثماني مئة وثلاث وثلاثون، وحروفُها سبعة آلاف وثلاث مئة وسبعة وتسعون (١). وروى أبيُّ بنُ كعبٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ قرأَ سورةَ يونُسَ أُعْطِيَ مِنَ الأجرِ (٢) عشرَ حسناتٍ بعددِ مَن كذَّب بيونس وصدَّق (٣) به، وبعددِ مَن غرقَ مع فرعون" (٤).

стр. 3750

وانتظامُ أوَّل هذه السُّورة بآخر تلك السُّورة: أنَّه ختم تلك بثنائه بقوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، وبدأ هذه السُّورة بـ ﴿الر﴾، وهو مُنزل الكتاب الحكيم، ولأنَّه ذكر في ختم تلك السُّورة تولِّيَ الكفَّار، وفي افتتاح هذه السُّورة في ذكر المنافقين والمشركين (١) وحسنِ عاقبة المخلصين، وفي هذه السُّورة محاجَّةُ الكافرين وما نزل بالكفَّار الماضين، وخلاص المخلصين. * * * (١) - ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾. وقوله تعالى: ﴿الر﴾: قال ابن عبَّاس ﵄: أنا اللَّه أرى (٢). وروى عكرمة عنه: ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ن﴾ إذا اجتمعَتْ فهي الرَّحمن (٣) وقيل: هي اسم السُّورة. وقيل: هي اسم القرآن. وقيل: هي ثلاثةٌ مِن أسماء اللَّه تعالى الحسنى، وهي اللَّه واللَّطيف والرَّحيم. وقيل: معناه: اللَّهُ بعثَ جبريلَ به إلى رسولِه. وقيل: الألفُ آلاءُ اللَّه، واللَّام لطفُه، والرَّاء رحمتُه.
следующие страницы →